← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

ماء، ومجوف ووسطها، وغيابة: ما غاب من جوانبه عن النّظر، ويستتر ما يختبئ فيه. إذن: غيابت الجب: هي المنطقة المخفية عن العيون، أو هو قعره، (وغيابة كلّ شيء قعره). ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾: جمع سيار: وهو كثير السّير؛ أي: المسافر، فالسّيارة؛ أي: المسافرين، أو الجماعات المسافرة. ﴿إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾: إن: شرطية تدل على الافتراض، أو الاحتمال، والشّك. ﴿فَاعِلِينَ﴾: قوله: فاعلين جملة اسمية تدل على الثبوت؛ ثبوت أن اقتراحه سيعمل به، ولن يرفض. وفي هذه الآية أمران: الأوّل: إلقاؤه في غيابة الجب؛ بحيث يلتقطه بعض السّيارة، إذن: ليس في نيتهم قتل يوسف، وإنما التّخلص منه بدفعه في البئر، والالتقاط عادة يكون لشيء نافع؛ أي: يلتقطه بعض السّيارة لينتفعوا به في أمرٍ ما فهذه الجريمة أقل من جريمة القتل، والجب كما قلنا بئر غير عميقة من تراب مجوف وسطها لا يكون فيها حجارة تؤذي يوسف. سورة يوسف [١٢: ١١] ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ نَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾: بعد أن تم الاتفاق بين الإخوة على إلقاء يوسف في غيابة الجب؛ جاؤوا إلى أبيهم، وقال أحدهم، وأمَّن الباقون على قوله:

стр. 2277

﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ نَّا عَلَى يُوسُفَ﴾: نداء فيه استعطاف؛ لنيل المراد، واستعملوا يا النّداء للبعد؛ فقد ينادى القريب بما هو للبعيد، وقولهم: ﴿مَا لَكَ﴾: ما: استفهامية؛ فيها معنى الحث، ويبدو من قولهم: أنّ أباهم يعقوب ﵇ كان يحرص على يوسف، ولا يتركه يلعب، أو يخرج معهم، أو كان يرفض الاستجابة لطلبهم بما يتعلق بشأن يوسف. ﴿لَا تَأْمَ نَّا﴾: لا: النّافية. ﴿تَأْمَ نَّا﴾: فترسله معنا، أو لما تخاف على يوسف منا. ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾: وإنا: تفيد التّوكيد؛ له: خاصة. ﴿لَنَاصِحُونَ﴾: اللام: لزيادة التّوكيد على المحافظة على يوسف، وناصحون: أيْ: حذرون عليه، ولن يصاب بأذى، وسنحافظ عليه، ونهتم به. سورة يوسف [١٢: ١٢] ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾: أي: اتركه يخرج معنا غداً في اليوم القادم، وإخوة يوسف يخرجون للرعي، والعمل، ويوسف لا زال طفلاً يخرج معهم لكي يرتع ويلعب، الرّتع: يعني الأكل والشّرب كما يشاء؛ أي: يأكل ويشرب ويتنزه. ﴿وَيَلْعَبْ﴾: واللعب من الأمور المستحبة إلى الأطفال تحت سن التّكليف.

стр. 2278

﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: وإنا: للتوكيد؛ له: خاصة. ﴿لَحَافِظُونَ﴾: اللام: لزيادة التّوكيد؛ لحافظون عليه من كلّ أذى، أو ضرر. سورة يوسف [١٢: ١٣] ﴿قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِى أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾: ﴿قال﴾: يعقوب: إني: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التّوكيد. ﴿لَيَحْزُنُنِى﴾: اللام: للتوكيد أيضاً، والنّون: لزيادة التّوكيد على شدة خوف يعقوب على يوسف؛ فقد جاء بثلاث توكيدات: يحزُنني: من الحُزن: هو ألم في النّفس لفقد محبوب، أو وقوع مكروه، بينما الخوف: هو ألم في النّفس مما يتوقع من مكروه، ولمعرفة الفرق بين الحزُن، والحزَن: ارجع إلى سورة فاطر، آية (٣٤). ليحزُنني: أيْ: يشق، أو يصعب عليَّ مفارقته، وغيابه. ﴿أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾: أن: مصدرية؛ تفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿تَذْهَبُوا بِهِ﴾: ليرتع ويلعب. ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾: أن: مصدرية؛ تفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾: يعني: حيوان مفترس مثل الضّبع، والذّئب، وذكر يعقوب للذئب؛ لكي ينتحل لهم عذراً؛ فلا يرسله معهم، ولأنّ أرضهم كانت كثيرة الذّئاب، وهذا ما كان شائعاً، ويخيف النّاس.

стр. 2279

﴿وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾: بدلاً من وأنتم غافلون عنه؛ قدَّم الجار والمجرور؛ لتفيد الحصر، أو القصر، وأنتم عنه ساهون، أو لاهون، أو تلعبون. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان في معنى: (غافلون). سورة يوسف [١٢: ١٤] ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: إخوة يوسف لأبيهم يعقوب. ﴿لَئِنْ﴾: اللام: للتوكيد؛ إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الشّك. ﴿أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾: ونحن بهذا العدد؛ عصبة: تعني عشرة، ولا ندافع عنه، أو نحميه. ﴿وَنَحْنُ﴾: الواو: حالية تفيد التّوكيد. ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾: إذن حرف جواب للتوكيد، كان بالإمكان القول: إنا لخاسرون. ﴿لَخَاسِرُونَ﴾: اللام: لام الاستحقاق، والتّوكيد، أو التّعليل، عاجزون، أو ضعفاء.

стр. 2280

سورة يوسف [١٢: ١٥] ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ لما: ظرف زماني؛ أيْ: حين، خرجوا به، ويبدو أنّ أباهم استجاب لطلبهم بإرسال يوسف معهم. ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾: وأجمعوا: عزموا جميعاً، أو اتفقوا، ويدل ذلك أنّهم كانوا لا زالوا مختلفين في أمره حتّى تلك اللحظة الّتي ألقوه فيها في غيابت الجب. ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾: أن: مصدرية؛ تفيد التّوكيد، والتّعليل. ﴿فِى غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾: ارجع إلى الآية (١٠) من نفس السّورة. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: وأوحينا: من الوحي، وهو الإعلام بالخفاء، وكيف تم ذلك وهو لا زال طفلاً. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان في معنى: أوحينا. ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾: اللام: لام التوكيد، وكذلك النون بدلاً من لتنبئهم؛ أي: لتخبرن هؤلاء إخوتك بأمرهم هذا؛ أيْ: بما صنعوا بك في المستقبل وفي هذا وعيد لهم. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: بأنّك يوسف أخوهم الذي أصبح عزيز مصر، ولا زلت حياً، كما سنرى في الآيات (٨٨ - ٩٠) من نفس السّورة. أو هم لا يشعرون: بالوحي بإنزال جبريل لمعونتك عند إلقائك في غيابة الجب، أو لا يشعرون بالقرابة، أو ما سيحدث لك بعد إلقائك، والآية تحتمل كل هذه المعاني.

стр. 2281

سورة يوسف [١٢: ١٦] ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾: أيْ: أخَّروا رجوعهم، أو مجيئهم حتّى وقت العشاء؛ كي يخبروا أباهم بأنّ يوسف أكله الذّئب؛ فقد اختاروا وقت العشاء وقت الليل، والظّلمة؛ كي لا تُرى على وجوههم علامات الكذب، أو لستر الجريمة التي قاموا بها، والمجيء على قميصه بدم كذب. ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً﴾: جاؤوا في عشاء ذلك اليوم الّذي خرجوا فيه، وألقوا فيه يوسف في غيابت الجب، واختار كلمة جاءوا بدلاً من رجعوا، أو أتوا؛ لأن المجيء فيه معنى المشقة والصعوبة، فهم قد ألقوا أخاهم في البئر، وأما الإتيان فيه معنى السهولة. ﴿يَبْكُونَ﴾: أيْ: متباكين؛ لأنّهم افتعلوا البكاء؛ فهم جاؤوا على قميصه بدم كذب، وجاؤوا يبكون، واختاروا ظلمة الليل وقت العشاء؛ لكي يخبروا أباهم بأنّ يوسف أكله الذّئب. سورة يوسف [١٢: ١٧] ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا﴾: حين جاؤوا أباهم عشاء يبكون قالوا: يا أبانا. ﴿إِنَّا﴾: إنا: للتوكيد. ﴿ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾: نتسابق في الجري، وهم لم يفعلوا ذلك، ولم يتسابقوا أصلاً. وقيل: ننتضل؛ أي: نستبق في رمي السهام. ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾: وهم لم يتركوا يوسف، وإنما ألقوه في غيابة الجب؛ أيْ: تركنا يوسف بجانب متاعنا، والمتاع: هو الطّعام، والشّراب، والأدوات الّتي أخذوها معهم. ﴿عِنْدَ﴾: ظرف مكان، وزمان. ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾: فأكله: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ أكله الذّئب: نفس

стр. 2282

الكلام الّذي قاله أبوهم: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾؛ فهم لم يفكروا بشيء آخر يقولونه، وكأنّ أباهم يعقوب هداهم لنفس العذر، أو الحيلة. ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾: الواو: عاطفة؛ ما: النّافية. ﴿أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾: بمؤمن: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ أيْ: بمصدق لنا، ولم يقل: وما أنت بمؤمن بنا؛ بنا: تعني إيمان عقيدة. ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾: ولو: شرطية. ﴿كُنَّا صَادِقِينَ﴾: أيْ: ولو ثبت صدقنا ما صدقتنا أصلاً. سورة يوسف [١٢: ١٨] ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾: القميص: هو الثّوب الّذي يحيط بالبدن. ﴿عَلَى﴾: تفيد المشقة والصعوبة للحصول على الدم، ثم لطخوا به قميص يوسف بدم كذب؛ أي: ليس دم يوسف. ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾: بدم: الباء: للإلصاق والتّوكيد؛ دم كذب: كذب: مصدر للمبالغة، وحين نصف الشيء بمصدره كأن الشيء إلى المصدر؛ أي: كأنّه نفس الكذب، أو الكذب بعينه؛ أيْ: بدم مكذوب؛ لأنّ الدّم لا يكذب، والّذي كذب هو من جاء بالدّم، ووضعه على القميص؛ فلما رأى يعقوب القميص، وعليه الدّم الكذب، ولم يجد فيه أيَّ خرق، أو عيب؛ أيَّ تمزق؛ فكأن الذّئب أكل لحم يوسف دون أن يمزق قميص يوسف؛ عندها شعر يعقوب بمكر أولاده بيوسف. ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾: سولت: طوعت أو سهلت وزينت، والتّسويل: تحسين الشّيء، وتزيينه، وتحبيبه إلى الإنسان كي يفعله، ولنعلم أن التسويل (سولت) تحتاج إلى جهد أقل من طوعت؛ أي: طوعت تحتاج إلى جهد أشد من التسويل. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: فصبر: الفاء: للتّوكيد؛ صبر جميل: صبر من دون شكوى

стр. 2283

إلى أحدٍ من الخلق إلا الله، ومن دون جزع، أو يأس، والرّضا بما قدر الله وقضى؛ فيجوز للعبد أن يشكو بثه وحزنه إلى الله سبحانه. ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾: أيْ: أسأل الله العون على ما؛ أي: الذي، وما: أوسع شمولاً من الذي؛ تصفون (من هلاك يوسف وأن الذّئب أكله، أو أسأل الله الصّبر، والاحتساب لهذا النّبأ المفجع. ما هو الفرق بين صبر جميل في هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥]؟ صبر جميل: جملة اسمية تدل على الثّبوت، والدّوام؛ أي: اصبر صبراً دائماً ومستمراً. واصبر صبراً جميلاً: جملة فعلية تدل على التّجدد؛ أيْ: صبراً غيرَ دائم ومتواصل. سورة يوسف [١٢: ١٩] ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾: أيْ: جماعة من المسافرين، جماعة مسافرة، لم يخبر سبحانه من أين جاؤوا، وإلى أين كانوا ذاهبين. ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾: فأرسلوا: الفاء: للترتيب، والتّعقيب. ﴿وَارِدَهُمْ﴾: الّذي اختير ليذهب إلى البئر؛ ليأتي لهم بالماء، والدّلو: هو الوعاء الّذي يُخرجْ الماء من البئر. ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾: أنزل دلوه إلى البئر؛ فإذا به يُبصر يوسف في البئر فصاح: ﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾: نادى أصحابه، وبشرهم بأنّه وجد غلاماً، ويبدو أنّ يوسف قد تعلَّق بالدّلو، أو بالحبل؛ فشعر الوارد بوجود غلام في البئر؛ فنادى: يا بشرى هذا غلام، وأخبر واردهم بعض أصحابه المسافرين معه.

стр. 2284

﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾: أيْ: أخفوه، وعاملوه؛ كأنّه بضاعة؛ أي: سلعة للتجارة، وقالوا لمن سألهم بشأنه: أنّه بضاعة أبضعها أهل الماء؛ لنبيعها لهم في مصر؛ أيْ: حاولوا إخفاءَه ليبيعوه في مصر كعبد (تجارة الأطفال)، والبضاعة: ما بُضِعَ؛ أيْ: قطع من المال للتجارة. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: عليم: بما صنعوا بيوسف، ربما قالوا بعد أن عثروا عليه، وكيف أخفوه، وباعوه في مصر. ﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة؛ أيْ: كثير العلم؛ عليم: يعلم سرهم، ونجواهم، وعليم بذات الصّدور، وما يخفونه، وهو بكلّ شيء عليم: لا تخفى عليه خافية في السموات، ولا في الأرض. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق؛ ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، أو مصدرية، وأوسع شمولاً من الذي. ﴿يَعْمَلُونَ﴾: يقولون، ويفعلون؛ العمل: هو القول، والفعل. سورة يوسف [١٢: ٢٠] ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾: أي: باعوه بثمن زهيد؛ أيْ: أقل مما يستحق، ويقال: بخس حقه: نقص حقه، ولم يوفه، وفيه نوع من الظلم؛ أي: هم باعوه بأقل بكثير من قيمته الحقيقية. ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾: دراهم قليلة، والمعدودة: أكثر من المعدودات؛ أي: ربما باعوه مثلاً بثلاثين درهم، وكان قدره أو قيمته أكثر من ذلك بكثير. ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾: كانوا في يوسف. ﴿مِنَ﴾: استغراقية؛ التّوكيد. ﴿الزَّاهِدِينَ﴾: جمع زاهد، والزهد: هو عدم الطمع؛ أيْ: كانوا يريدون أن يتخلَّصوا منه بأيِّ ثمن. سورة يوسف [١٢: ٢١] ﴿وَقَالَ الَّذِى اشْتَرَاهُ مِنْ مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ

стр. 2285

وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِى اشْتَرَاهُ مِنْ مِّصْرَ﴾: الّذي اشتراه هو العزيز وزير الملك ملك مصرَ (غير منونة)، وتعني: مصر المدينة المعروفة، ولم يقل مصراً، كما جاء في قوله تعالى ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]؛ أي: أيّ مدينة. ﴿لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوَاهُ﴾: لامرأته ولم يقل لزوجته. ارجع إلى سورة القصص آية (٩) لمعرفة الفرق بين الزوجة والمرأة في القرآن. أحسني إقامته عندنا بالطعام، والشّراب، واللباس، أو أحسني ضيافته، ونُزله، والمثوى فيها معنى: الإقامة الجبرية؛ لأنه طفل، واشتُري كعبد. ﴿عَسَى﴾: أداة رجاء، وتستعمل في الأمر الّذي يتحقق حدوثه فيما بعد. ﴿أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾: ببعض الأمور؛ أيْ: يساعدنا، أو نتخذه ولداً؛ حيث كان عزيز مصر لا ولد له، وإذا قيل: كيف يتخذه ولداً، وهو عبد له؛ فيه تناقض؛ أي: يعتقه أوّلاً، ثمّ يتبناه، ويتخذه ولداً؛ حيث كان التّبني معلوم آنذاك. ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ﴾: أيْ: كما أنجيناه من القتل، وأخرجناه من ظلمة الجب؛ مكَّنَّا له بالقدوم إلى بيت العزيز. ﴿لِيُوسُفَ﴾: اللام: لام الاختصاص. ﴿مَكَّنَّا﴾: والتّمكين يعني له القدرة على الوصول إلى ما يبغيه، ويطمح به من الحرية، والأمن، وممارسة شعائر ملته، والأمر والنّهي، ولا يعني التّسلط والظّلم. ﴿فِى الْأَرْضِ﴾: في: ظرفية؛ لأنّ الأرض تضم الأرض، وما يحيط بها من غلاف جوي. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: تأويل الرّؤيا، والأحلام، تعبير الرّؤى، والأحلام، ولنعلم: الواو: للتوكيد.

стр. 2286

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾: أيْ: لا يعجزه شيء، وكلّ أمر يقع، أو يحدث يقع حسب مشيئة الله وحده، ولا راد لقضائه فلا يُغلب، ولا يُقهر، أو الله غالب على أمر يوسف يدبره، ويصرفه كيف يشاء، ولا يكله إلى غيره. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أن الأمر كلّه بيد الله وحده، وهو فعال لما يريد، أو لا يعلمون حقائق الغيب، وحكمته، ويأخذون بظواهر الأمور. سورة يوسف [١٢: ٢٢] ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿وَلَمَّا﴾: الواو: استئنافية؛ لما: ظرف زمني بمعنى: حين، وتتضمن معنى الشّرط. ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: كمال قوته العقلية، وقيل: الأشد بين (١٨ - ٣٣ سنة)، بينما في موسى قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ ارجع إلى سورة القصص آية (١٤) للبيان والفرق. ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾: النّبوة، وحكماً: الحكم والفصل والقضاء. ﴿وَعِلْمًا﴾: الفقه بأمور الدّين وتفسير الرّؤيا والأحلام. والإيتاء: يختلف عن العطاء. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾: أيْ: آتاه الله الحكم والعلم جزاء على إحسانه في عمله، وتقواه، أو كما جزينا يوسف الحلم والعلم والصبر نجزي كذلك المحسنين أمثاله.

стр. 2287

سورة يوسف [١٢: ٢٣] ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَنْ نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَنْ نَّفْسِهِ﴾: ولم يذكر اسمها كأن يقول امرأة العزيز، أو اسمها الحقيقي لتجنب إذاعة الفاحشة والستر عليها وعلى سيدها؛ المراودة: المطالبة برفق، ولين، والمراجعة؛ أيْ: إعادة الطّلب، وبأسلوب فيه نوع من الخداع، والحيلة لوقوع المطلوب، ومعنى ذلك حاولت إغراءَه جنسياً. وأبدت له من القول، والحركة، والمحاسن ما يدل على أنّها تدعوه إلى الوقوع في الفاحشة بعد أن اتخذت كلّ الأسباب اللازمة للحيطة، والحذر من اكتشاف هذا الأمر، والمراودة مشتقة من الرّويد، وهو الرّفق، والمراودة مفاعلة؛ أيْ: تحتاج إلى مشاركة بين طرفين، وقد تنتهي إلى نتيجة، أو لا يستجاب لها. ﴿عَنْ نَّفْسِهِ﴾: عن: تفيد المجاوزة، والابتعاد؛ أيْ: يتخلى عن نفسه لها؛ أيْ: يعطيها نفسه؛ فتحصل امرأة العزيز على ما تريد منه. ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾: ولم يقل: وأغلقت الأبواب، غلقت الأبواب؛ أيْ: أحكمت إغلاقها؛ لتأمن من الدّاخلين؛ أي: استعملت المفاتيح، وغلقت الأبواب؛ تعني: أبواباً كثيرة بينما أغلقت الأبواب: تدل على أنها من دون إحكام، وأبوابٌ قلة.

стр. 2288

﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾: انتهت مرحلة المراودة إلى مرحلة التّطبيق. ﴿هَيْتَ لَكَ﴾: أيْ: هلمَّ إلي؛ أقبل، وأسرع، أو جئت لك؛ أيْ: أعددت نفسي لك. ﴿لَكَ﴾: اللام: لام الاختصاص لك وحدك. ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾: قال يوسفُ: معاذ الله: مشتقة من أعوذ بالله؛ أيْ: ألتجأ وأعتصم بالله أن أفعل هذا، أو أعوذ بالله معاذاً مما تريدين مني. ﴿إِنَّهُ﴾: إنّه: للتوكيد، والهاء: تعود إلى العزيز. ﴿إِنَّهُ رَبِّى﴾: أيْ: سيدي (أيْ: عزيز مصر)، وقد تعني أيضاً: الله سبحانه، فالأسلوب يحتمل كلا المعنيين؛ فالله هو المربي الحقيقي، والعزيز هو الّذي وكل إليه للقيام بالتّربية. ﴿أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾: أيْ: أكرمني، وأحسن إقامتي عنده، وربّاني. ارجع إلى الآية السابقة (٢١) لمزيد من البيان. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: إنّه: للتوكيد؛ لا: النّافية. ﴿يُفْلِحُ﴾: أي: يفوز بالمرغوب وينجو من المرهوب، فالفلاح: هو الفوز والنجاة. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: أي: الزّناة، أو الخائنون؛ أيْ: من يفعل ذلك يكن خائناً للأمانة، وظالماً لنفسه وغيره. والظالمون: جمع ظالم، والظالم: كلّ من خرج عن منهج الله، والظالمون: جملة اسمية تدل على ثبوت صفة الظلم عندهم.

стр. 2289

سورة يوسف [١٢: ٢٤] ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: عاطفة؛ لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد أيضاً. ﴿هَمَّتْ بِهِ﴾: الهم: هو حديث النّفس بالشّيء بلا عزم بمقتضى النّظرة، وهو هم عارض، وهناك الهم الثّابت المصاحب للعزم، والتّصميم، والرّضا، وحين نقرأ، أو نتلو القرآن فمن الأفضل الوقوف على: ولقد همّت به. ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: لولا: حرف امتناع لوجود؛ أيْ: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، وبما أنّه رأى برهان ربه فهو لم يهمّ بها. وكذلك انتبه إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾: ولو قال تعالى: ولقد همت به، ولم يهم بها لقيل: إنّ يوسف قد يكون عنِّيناً ليس عنده شهوة للنساء، أو غيره من الموانع، وأصل الكلام: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها؛ أيْ: فيه تقديم، وتأخير، وهناك من قال: وهمّ بها؛ تعني: همّ بدفعها عنه وإبعادها، ومحاولة الفرار. ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: ما هو برهان ربه؟ لم يبيِّنه لنا الحق سبحانه؛ فقد قيل: البرهان برهان ربه تذكر شريعة ربه (حدود ربه) التي تحرم الفاحشة (الزنى) وعقوبة الزاني والزانية فحصنه ومنعه إيمانه القوي بالله، وشعوره بمراقبة الله له، وقيل: أنه رأى أباه يعقوب يحذره، أو رأى آية: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، أو رأى خيالاً، أو صورة العزيز زوج المرأة، والله أعلم.

стр. 2290

﴿كَذَلِكَ﴾: تفيد التشبيه؛ أي: مثل ذلك، أو تعني أيضاً: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾: لنصرف: اللام: لام التّوكيد، والتّعليل. ﴿السُّوءَ﴾: الخيانة، والإثم. ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾: الزّنى. ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾: إنّه: للتوكيد. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية بعضية. ﴿عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾: المخلَصين: بفتح اللام، والمخلَص: هو من اصطفاه الله سبحانه من عباده؛ وأخلصه: جعله طاهراً تقياً؛ أيْ: من عبادنا الأصفياء الأتقياء الطّاهرين الّذين اختارهم الله لرسالته مثل الأنبياء، والصّديقين، وهؤلاء هم مخلِصون لله قبل أن يكونوا مخلَصين؛ أمّا المخلِصين: بكسر اللام: هو الّذي يجاهد نفسه ليكسب طاعة الله؛ أيْ: يُخلص نفسه لله. سورة يوسف [١٢: ٢٥] ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾: تسابقا كلّ واحد يحاول أن يسبق الآخر؛ ليفتح الباب. ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾: قد الثّوب شقه طولاً؛ فهو يحاول الهرب أمامها، وهي تجري وراءه لتمنعه من الخروج؛ فشقت قميصه من دبر. ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾: ألفى الشّيء وجده، وهناك فرق بين ألفى الشيء، ووجد الشيء؛ ألفى: لا تستعمل إلا فيما هو مشاهد أو محسوس؛ أي:

стр. 2291

مادية، وتستعمل في الأمور غير المستحبة كما في هذه الحال؛ أيْ: وجدا سيدها (في اللغة القبطية) الزوج؛ أي: زوجها لدى الباب، ومباشرة ألقت امرأة العزيز الاتهام على يوسف في شكل سؤال، وإذا قارنا ﴿لَدَى﴾ هذه (بالألف الممدودة) مع ﴿لَدَى﴾ (بالألف المقصورة) التي جاءت في سورة غافر آية (١٨) نجد ﴿لَدَى﴾ بالأف الممدودة جاءت في سياق الأمر الحسي المادي، وهو الباب، و ﴿لَدَى﴾ بالألف المقصورة جاءت في سيلق الأمر المعنوي، وهو: كون القلوب لدى الحناجر. ارجع إلى سورة غافر آية (١٨) لمزيد من البيان. ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ﴾: ما: استفهامية. ﴿جَزَاءُ﴾: عقاب. ﴿مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾: من: اسم موصول ابتدائية. ﴿أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾: الخيانة، ثمّ حددت هي نفسها العقاب إلا أن يُسجن، أو عذاب أليم. ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: إلا: أداة حصر. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّوكيد، والتّعليل. ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾: أيْ: ما جزاؤه إلا السّجن. ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: الجلد، والضّرب بالسّياط (١٠٠ جلدة)، أو (٨٠ جلدة). سورة يوسف [١٢: ٢٦] ﴿قَالَ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَنْ نَّفْسِى وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: ﴿قَالَ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَنْ نَّفْسِى﴾: عندها قال يوسف: هي راودتني عن نفسي؛

стр. 2292

أيْ: طلبت مني، أو دعتني، أو أغرتني؛ فلما تعارض قول يوسف مع قول امرأة العزيز استدعى الخلاف إلى قاضٍ يقضي بينهما، أو خبير في القضايا الجنائية، وسماه شاهد يشهد بما يرى من الحقائق. ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾: قيل: كان الشّاهد رجلاً حكيماً صاحب رأي من أهلها؛ قيل: ابن عمها، وقيل: هو طفل في المهد، والأرجح: هو الأوّل؛ أيْ: كونه رجلاً حكيماً؛ لكون سياق القصة يتماشى مع هذا الافتراض. ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: يبدو أنّ الشّاهد القاضي تلا القانون الّذي سيبني عليه حكمه، وقبل رؤية القميص والتّدقيق فيه. ﴿إِنْ﴾: شرطية افتراضية، أو احتمال قميصه شق من الأمام؛ يعني: هو أقبل نحوها فدفعته؛ فهو حاول الهم بها، وهي تدفعه؛ فشقت قميصه من الأمام. ﴿فَصَدَقَتْ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشّرط؛ تفيد التّوكيد، وهو من الكاذبين. سورة يوسف [١٢: ٢٧] ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾: وإن: شرطية للافتراض. ﴿كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾: من الخلف؛ أيْ: هي تَتْبعه، وتجري خلفه، وهو يحاول الهرب منها؛ فتمسك بقميصه فشق من الخلف. سورة يوسف [١٢: ٢٨] ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾: قيل: هذا قول الشّاهد، وهو الأرجح. وقيل: هذا قول العزيز، وليس قول ربنا، كما يظن بعض النّاس.

стр. 2293

وقيل: كيد المرأة عظيم في أمر الفاحشة (الزّنى)، وكيدها عظيم؛ لأنّها هي التي تجر عادة إلى الفاحشة (الزّنى) بما تقوله، أو تفعله. الكيد هو: ارجع إلى الآية (٥) من نفس السّورة. ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾: إنّه: للتوكيد. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية. ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ﴾: إنّ: للتوكيد، والكيد: هنا يعني إلصاق السّوء (الخيانة)، أو التّهمة بيوسف. ﴿عَظِيمٌ﴾: لأنّه قد يؤدي إلى حدِّ الرّجم. سورة يوسف [١٢: ٢٩] ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِى لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾: هذا قول العزيز. ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾: أيْ: لا تذكره إلى أحد، واكتمه، ولم يقل: يا يوسف أعرض عن هذا: حذف ياء النّداء؛ بسبب العجلة حتّى لا يسمع أحد، والإيجاز، والتّستر، والخوض في هذه المسألة، وتنتشر الفضيحة، أو المقام مقام إيجاز واختصار. ﴿وَاسْتَغْفِرِى لِذَنبِكِ﴾: هذا قول العزيز لزوجته: استغفري لذنبك. ﴿لِذَنبِكِ﴾: اللام: لام البدلية، أو التّعليل، والتّوكيد؛ أيْ: توبي من ذنبك. ﴿إِنَّكِ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾: أي: المذنبين الآثمين.

стр. 2294

﴿الْخَاطِئِينَ﴾: جمع خاطئ: وهو من تعمد الذّنب بسبب ما همت به، ولم يقل: كنت من الخاطئات؛ لأنّه أراد التستر، والنّهي عن إشاعة الفاحشة، وجاء بلفظ التذكير (الخاطئين)؛ لأن الخاطئين تشمل الذكور والإناث معاً. سورة يوسف [١٢: ٣٠] ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: فلمّا تسرب الخبر إلى عدد من النّسوة (٤ - ٥ نساء) اللاتي يعملن في القصر، أو بسبب إخبار أزواجهنَّ لهنَّ. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى الْمَدِينَةِ﴾: ولم يقل: قالت نسوة؛ قال بالتّذكير الذي يدل على جمع قلة، ولو قال: قالت، بالتّأنيث فهو يدل على الكثرة؛ كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾: بالتّأنيث جمع كثرة، ﴿جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِى﴾: تدل على القلة؛ ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾: يوم القيامة في الآخرة كلّ الرّسل بما فيهم الأنبياء؛ تدل على الكثرة. ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾: ولم يقل: زوجة العزيز؛ لأنّه هناك مرض في الزّوج هو عدم الإنجاب بذلك خالف زوجه الّتي هي صالحة للإنجاب؛ فبدل كلمة زوجة بكلمة امرأة، يستعمل القرآن زوجة للمرأة الّتي لا تخالف زوجها في الدّين (مثل الكفر)، وهي صحيحة البنية ليس فيها عيب أو مرض مثل العقم أو سوء الخُلق، وكتبت امرأت بالتاء المفتوحة أو المبسوطة بينما في الآية (١٢) في سورة النساء، والآية (٥٠) في سورة الأحزاب بالتاء المربوطة. ارجع إلى سورة آل عمران آية

стр. 2295

(٣٥) لمعرفة الفرق؛ فنبأ امرأة العزيز ربما تسرب إلى أحد العاملين في القصر، ثمّ انتقل إلى بقية العاملين وأزواجهم. وهؤلاء النّسوة قيل: كن خمس نسوة؛ فانتقل الخبر إلى إحداهنَّ، ثمّ شاع الخبر بينهنَّ، ثمّ وصل إلى امرأة العزيز. ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَّفْسِهِ﴾: ارجع إلى الآية (٢٣). ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾: الشّغاف: هو غلاف القلب؛ أيْ: أنّ حبها له وصل إلى قلبها (شغاف قلبها دلالة على شدة الحب)، وأن حبه قد جرى في دمها ووصل إلى قلبها. ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: لنراها: اللام: لام التّوكيد؛ نراها في ضلال مبين: بعيدة عن الصّواب (أخطأت وابتعدت عن التّحصن، ومنهج الله). ﴿مُبِينٍ﴾: ظاهر لكلّ فرد، وضلال ظاهر لا يحتاج إلى أحد ليظهره؛ أيْ: مظهر لنفسه لا يحتاج إلى دليل، أو برهان.

стр. 2296

سورة يوسف [١٢: ٣١] ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ أي: المباشرة؛ أيْ: مجرد ما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن من دون تأخير؛ لما: ظرف زماني بمعنى: حين. ﴿سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾: بمكرهن: الباء: للتوكيد؛ بمكرهن: أي: اغتيابهنَّ: من الغيبة لها، وقولهنَّ؛ أنّ امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً؛ أي: امرأة العزيز عشقت فتاها، وسمّي الاغتياب مكراً؛ لأنّه حدث في الخُفية، ويسيء إليها وهو نوع من أنواع إشاعة الفاحشة. ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾: تدعوهنَّ إلى منزلها دعوة خاصة. ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا﴾: وأعتدت: ولم تقل أعدت؛ اعتدت: فيها حروف من الجهر والهمس تدل على الاسترخاء، والذي يناسب المتكأ، وفيه نوع من الرقة والخفوت مقارنة بـ (أعدت)؛ أيْ: أعدت مكان الاستقبال، والمتكأ: الشّيء الّذي يستند إليه الإنسان عند جلوسه مثل الوسائد وغيرها. ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾: وآتت: من الإيتاء، وهو أعم من العطاء، ويستعمل للأمور المادية والمعنوية والإيتاء عطاء دون تملك؛ أي: يمكن استرداده. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لمزيد من البيان. وأخبرت

стр. 2297

يوسف سابقاً بأنّها ستدعوه ليخرج عليهنَّ في الوقت المناسب؛ أيْ: حين يبدأن يقطعن الفاكهة. ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾: ولم تقل: اخرج إليهن. ﴿عَلَيْهِنَّ﴾: على: تفيد الاستعلاء، والمشقة؛ لأنّ خروجه لم يكن سهلاً فيه المفاجأة والدهشة؛ قالت عليهن. ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾: فلما: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ أيْ: فلما وقعت أعينهنَّ عليه أكبرنه: دُهشن بجماله، وبهتن به، أو ذهلن بجماله، ولم يكنَّ يتوقعن، أو يتخيلن أن يكون بهذا الجمال. ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾: أيْ: جرحن أيديهنَّ. ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾: حاشا: كلمة تفيد التّنزيه، وأصلها الحشا، والحاشية: النّاحية؛ أيْ: بُعد مما رُمي به، أو اتهم به من سوء (الفاحشة)، أو نقص، فلم يصبه شيء مما رموه به، وحاشا لله: تنزيه لله من كلّ سوء، وعجز؛ فهن يبرئن الله أوّلاً، ثمّ يبرئن يوسف مما رُمي به، وحاش لله: قد تعني تبرئة الله من كلّ عجز، وتعجباً من كونه خلق بشراً كيوسف، وحاشا: من أدوات الاستثناء، وتعني: إذا أردنا تنزيه شخص من سوء نبدأ بتنزيه الله أولاً سبحانه من السّوء، ثمّ نبرِّئ ذلك الشّخص مما رُمي به، أو قذف به، أو اتهم به؛ فيكون ذلك أبلغ وآكد. ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾: نفين عن يوسف أن يكون بشراً؛ لشدة جماله، وحسن صورته، أو مستحيل أن يكون هذا بشراً. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾: أيْ: ما هذا. ﴿إِنْ﴾: للنفي، وأشد نفياً من: ما.

стр. 2298

﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة للقرب؛ تشير إلى يوسف. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾: أيْ: ملك من الملائكة كريم. سورة يوسف [١٢: ٣٢] ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِى﴾: قالت، امرأة العزيز. ﴿فَذَلِكُنَّ﴾: الفاء: للتأكيد؛ ذا: اسم إشارة يدل على يوسف، واللام: للبعد، مع أنّ يوسف حاضر أمامهنَّ؛ للدلالة على علوه، وبعد منزلته، والكاف: للخطاب، والنون: نون (النسوة) الجمع والخطاب من امرأة العزيز لجميع النسوة اللاتي حضرن المجلس. ﴿الَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ﴾: الّذي: اسم موصول. ﴿لُمْتُنَّنِى فِيهِ﴾: أيْ: في حبه؛ من لام يلوم ولامه؛ اللوم: خطاب يعبر فيه عن عدم الرّضا، عن عمل لم يكن متوقعاً من عامله (قول، أو فعل)، فكيف امرأة العزيز تعشق، أو تحب عبدها حقاً؛ فهي تلام على فعل ذلك. ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَّفْسِهِ﴾: ارجع إلى الآية (٢٣) من نفس السّورة. ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾: فيها مبالغة؛ أيْ: بالغ من الاستعصام في الامتناع، أو ضبط نفسه عن الشّهوة. ﴿وَلَئِنْ﴾: اللام: للتأكيد؛ إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشّك.

стр. 2299

﴿لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾: لم: النّافية؛ أيْ: لم يطع أوامري، أو أمري إياه، وما: مصدرية، أو اسم موصول بمعنى: الّذي. ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: ليسجنن: اللام: لام التّوكيد؛ يسجنن: فيها ثلاث نونات، ومنها: نون النّسوة الثّقيلة؛ لزيادة التّوكيد. وأما كلمة ليكوناً من الصّاغرين: فيها لام التّوكيد، وفيها نونان: منها: نون النّسوة الخفيفة. ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: أو للتخيير؛ ليكوناً من الصاغرين؛ أيْ: يُذل، ويُهان، ويحط من كرامته، ويُحقر. والفرق بين ليسجننّ، وليكوناً: هي أنها أكدت بزيادة نون في كلمة (ليسجنن)، ولم تقل: ليكونن من الصاغرين، بل ليكوناً من الصاغرين. زيادة التّوكيد في كلمة (ليسجنن) على كلمة (ليكوناً) تشير إلى امرأة العزيز تؤكد، وتميل، وترغب في أن يسجن، ولا يُهان، ويحط من كرامته؛ أيْ: يسجن بدلاً من أن يكوناً من الصاغرين. عند ذلك قال النّسوة ليوسف: أطع مولاتك؛ فقال عندها يوسف: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ﴾. سورة يوسف [١٢: ٣٣] ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: ﴿قَالَ رَبِّ﴾: قال يوسف: رب، لم يستعمل الياء أداة النداء؛ لعلمه بقرب ربه منه، وياء النّداء تستعمل للبعيد.

стр. 2300

﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ﴾: أفضل إليَّ من ارتكاب الفاحشة والسّوء، والسجن: اسم مكان، ومعنى ذلك نزول السّجن. ﴿مِمَّا﴾: من + ما؛ من: ابتدائية؛ ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي يدعونني. ﴿يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ﴾: جاء بصيغة الجمع؛ يدعونني إليه على الرّغم من أنّ امرأة العزيز هي الّتي دعته، وبما أنّ رغبات النّساء تشبه رغبة الواحدة منهن؛ فسواء كانت امرأة العزيز، أو غيرها من النّساء دعوتهنَّ واحدة، وفتنة النّساء أمر كبير على الرجال. ﴿وَإِلَّا﴾: أصلها: وإن لا؛ إن: شرطية تفيد الشّك، والاحتمال. ولا: نافية. ﴿تَصْرِفْ عَنِّى﴾: وتصرف من الصّرف، وهو رد الشّيء من حال إلى حال؛ أيْ: تُبعدني، أو تعصمني من كيدهن. ﴿كَيْدَهُنَّ﴾: من الكيد: وهو التّدبير بالخفاء، ويعني هنا: الوقوع بالفاحشة الزّنى. ارجع إلى الآية (٥) من نفس السورة لبيان معنى الكيد. ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: أيْ: أمل إليه، وصبا: مال، والصّبوة: ميل النّفس للهوى، والشّهوة. ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: الجهل: ضد العلم، وهو عدم المعرفة. جمع جاهل: الّذي لا ينظر في عواقب الأمور؛ أيْ: من الّذين لا يعلمون، أو من يعلم، ولا يعمل بما يعلم؛ فهو يساوي الجاهل، أو من العاصين، أو من يبيعون آخرتهم بدنياهم. ارجع إلى سورة الزمر آية (٦٤)، وسورة الفرقان آية (٦٣) لمزيد من البيان في معنى الجاهلين.

стр. 2301

سورة يوسف [١٢: ٣٤] ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾: فاستجاب: الفاء: للترتيب، والتّعقيب. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور، واللام: لام الاختصاص، والهاء: تعود على يوسف، وتقديم الجار والمجرور: يدل على الحصر له خاصة، وليس لغيره. ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾: الصّرف: لا يقدر عليه إلّا الله، والصرف يعني: الإبعاد والعصمة. ﴿كَيْدَهُنَّ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة، والآية (٥) من نفس السّورة. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: إنّه: للتوكيد. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل؛ لزيادة التّوكيد. ﴿السَّمِيعُ﴾: صيغة مبالغة في السّمع؛ السّميع لأقوال عباده، وما قاله يوسف، ودعاه، وما قال النّسوة؛ فلا يخفى عليه السّر، أو العلن. ﴿الْعَلِيمُ﴾: بخلقه، وكونه، والعليم بما يعمله كلّ مخلوق، والعليم بحال يوسف، وامرأة العزيز، والنّسوة، وكلّ إنس وجان، وملك، وشيء، وأمر لا تخفى عليه خافية في السّموات، ولا في الأرض. سورة يوسف [١٢: ٣٥] ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب التّسلسلي في الأحداث، وليس التّراخي في الزّمن. ﴿بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾: الآيات: هي (قد القميص من الدّبر، وشهادة الشّاهد، قطعن أيديهنَّ، وتعظيم النّسوة ليوسف، والقول حاشا لله ما هذا بشر).

стр. 2302

﴿بَدَا لَهُمْ﴾: ظهر لهم: أنّ من المصلحة، وأفضل شيء أن يسجنوه حتّى حين. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية (نهاية الغاية)؛ حتّى تهدأ الفضيحة، وينقطع كلام النّاس، وينسى النّاس هذه القصة. سورة يوسف [١٢: ٣٦] ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾: هذا يدل على أنّ يوسف أُدخل السّجن، وكان معه في السّجن فتيان. ﴿فَتَيَانِ﴾: مثنى فتى، وجمعه: فتية، أو فتْيان، ومن خصائص القرآن أنه يستعمل فتية في سياق الفئة الصّالحة المؤمنة؛ مثل: أصحاب الكهف ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف: ١٣]، ويستعمل الفتيان كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٢] إلى الفئة المملوكة، والعرب قديماً كانت تسمّي المملوك فتى (شاباً كان أو شيخاً). ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا﴾: إني: أراني: من الرّؤيا، وهي الحلم؛ رأى في المنام: أنّه يعصر العنب؛ ليصنع منه خمراً. ﴿وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾: واختلفوا هل كانت رؤياهما صادقة، أم لا؟ فمنهم من قال: كانت صادقة، ومنهم من قال غير ذلك. ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾: أيْ: أخبرنا بتفسير هذه الرّؤيا، أو تعبيرها، والباء:

стр. 2303

للإلصاق، والتّوكيد. وقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا﴾ (ولم يقل أنبئنا) نبئنا: أبلغ وآكد من أنبئنا. ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: السّؤال: كيف علموا أنّه من المحسنين؟ لأنّهما كانا يشاهدانه يساعد المريض في السّجن، والضّعيف، ويجتهد في العبادة والصّلاة؛ أيْ: من مشاهدة أعماله الحسنة؛ علموا أنه من المحسنين؛ جمع محسن. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٢)؛ لمزيد من البيان. سورة يوسف [١٢: ٣٧] ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّى إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: انتبه في الآية السّابقة هما يسألانه عن تأويل رؤياهما، وقوله: لا يأتيكما طعام ترزقانه ليس بجواب لسؤالهما؛ فهو إما أراد تأخير الجواب لما بعد، أو الإعراض، وعدم الإجابة؛ فلما ألحا عليه أجابهما، أو أراد استغلال الموقف؛ لكي يدعوهما إلى الإيمان، والتّوحيد قبل الإجابة، والفتيان لا يسألانه عن مؤهلاته أيضاً، ولكن يوسف بدأ بالحديث عن شيء من الغيب مما علمه ربه بالإيحاء، وهو إعلام بخفاء، كما فعل بعض الأنبياء والرّسل؛ مثل: رسول الله ﷺ ، وعيسى ﵇، والخضر، وهذا يعتبر من معجزات النّبوة. ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾: قبل أن يصل إليكما أيُّ نوع من أنواع الطّعام إلا أخبرتكما قبل وصوله إليكم؛ أيْ: ما نوعه، ومن أين (أي الجهة) جاء. ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّى﴾: ذلكما: ذا: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف:

стр. 2304

للخطاب، وما: للتثنية؛ أي: التّأويل، أو الإخبار بالمغيبات؛ ذلكما مما أوحى إليَّ ربي يدل على أنّ يوسف بدأ يوحى إليه، وهو في السّجن. ﴿إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: ملة: مذهب أو جملة الشرائع، أو شريعة قوم لا يؤمنون بالله؛ أيْ: ملة الملك، وأهل مصر (المصريون، والكنعانيون). ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: هم: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد؛ أيْ: لا يؤمنون بالبعث، والحساب، ويوم القيامة. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد. ﴿هُمْ﴾: للتوكيد على كفرهم بالآخرة. ﴿كَافِرُونَ﴾: جملة اسمية تدل على الثّبوت؛ ثبوت صفة الكفر فيهم؛ أي: إذا هناك كافرون فهم في طليعتهم وفي قمة الكفر، وتكرار هم لفصل عدم إيمانهم بالله عن عدم إيمانهم بالآخرة فهم لا يؤمنون لا بهذه ولا بتلك ولا بهما معاً.

стр. 2305

سورة يوسف [١٢: ٣٨] ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَاءِى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَىْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾: يتابع يوسف قوله للفتيان: أنّه ترك ملة الكفر (ملة قوم لا يؤمنون بالله ولا بالآخرة). ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَاءِى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: ملة: شريعة، والملة: تضاف إلى النّبي، ولذلك أضافها إلى إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ودائماً الملة في القرآن: تنسب إلى نبي، أو قوم، وهي جملة الشّرائع المتبعة في ذلك الزّمان، أمّا الدّين: فينسب إلى الله فقط، وهو الصّالح لكلّ زمان ومكان. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١٩)؛ لمزيد من البيان، والفرق بين الدّين، والملّة. ﴿مَا كَانَ لَنَا﴾: ما: النّافية. ﴿كَانَ لَنَا﴾: يحق لنا، أو يجوز لنا. ﴿أَنْ نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَىْءٍ﴾: أن: مصدرية؛ تفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿نُّشْرِكَ بِاللَّهِ﴾: بالله: الباء: للإلصاق. ﴿مِنْ شَىْءٍ﴾: من: استغراقية تشمل أيَّ شيء؛ أيْ: أن نجعل له شريكاً في الملك، أو ندّاً، أو مثيلاً، أو ولداً، أو وليّاً، أو صنماً، وثناً، مَلَكاً، كوكباً، بشراً، عيسى، عزيراً.

стр. 2306

شيء نكرة؛ تعني: أيَّ شيء مهما كان نوعه، وتعني: أقل القليل. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة يفيد البعد، ويشير إلى التّوحيد، وعدم الشّرك بالله، وملة إبراهيم، والحنفية. ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: من: ابتدائية بعضية؛ بعض فضل الله أن هدانا للتّوحيد، وعدم الضّلال، ومعرفة المعبود الحق. ﴿عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾: معشر الأنبياء، وعلى النّاس كافة من الجن، والإنس، وعلى: تفيد العلو، والاستعلاء. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾: لكن: استدراك، وتوكيد. ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾: أيْ: هناك أقلية من النّاس تشكر المنعم، والمفضل وهو الله، وأمّا الأكثرية فتجحد نعمة الله وفضله. ﴿يَشْكُرُونَ﴾: تفيد التّكرار، والتّجدد، لا يشكرون فضل الله عليهم ونعمته. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠)؛ لمزيد من البيان. سورة يوسف [١٢: ٣٩] ﴿يَاصَاحِبَىِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾: ﴿يَاصَاحِبَىِ السِّجْنِ﴾: يا: أداة نداء للبعيد والتنبيه، وقد يقصد بها القريب غير المنتبه، أو المتيقظ لما يحدث. صاحبي السّجن: مثنى؛ تعني: الفَتَيان؛ مثنى: فتى؛ نداء فيه حنان، وعطف عليهما؛ صاحبي السّجن: الصّاحب من الصّحبة، وجمعه أصحاب؛ مثل: أصحاب الجنّة، أو أصحاب النّار، وتطلق كلمة صاحب، أو أصحاب بعد المكث، والإقامة الطّويلة في مكان، ما، والصّاحب قد تعني:

стр. 2307

الملازم والمعاشر؛ أي: الصّديق، والصحبة؛ تعني: انتفاع أحد الصاحبين بالآخر عكس القرين الّذي يضر ولا ينفع. ﴿ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ﴾: أأرباب: الهمزة: للاستفهام، والتّقرير، والتّعيين. ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾: في العدد، والذوات، والقدرات، والأمر، والنّهي. ﴿خَيْرٌ﴾: أفضل، أو أحسن. ﴿أَمِ﴾: للإضراب الانتقالي (أم المتصلة). ﴿اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾: الله: واجب الوجود؛ اسم الله الجامع لكلّ صفات الله العليا، وأسمائه الحسنى. ﴿الْوَاحِدُ﴾: الّذي لا يتجزأ، ولم يلد، ولم يولد. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد. ﴿الْقَهَّارُ﴾: الغالب القوي الّذي لا يُقهر، والممتنع؛ أيْ: يا صاحبي السّجن أعبادة إله واحد خير، أم عبادة آلهة متعددة، ومتفرقة؟! على احتمال أنّ هناك مثل هذه الآلهة المزعومة. سورة يوسف [١٢: ٤٠] ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾: ما: النّافية. تعبدون: من العبادة، وتختلف عن الطاعة. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: تعني الطاعة في القول، والفعل، والأمر، والنّهي؛ والعبادة لا

стр. 2308

تكون إلا للخالق وحده، وأمّا الطّاعة؛ فقد تكون لله، أو لغير الله سبحانه. ارجع إلى سورة هود، آية (٢)، وسورة الأنبياء، آية (١٠٦)؛ لمزيد من البيان في معنى العبادة. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: من غير الله، أو من سواه؛ أي: الآلهة، والأصنام، والكواكب. ﴿إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾: إلا: أداة حصر؛ أيْ: مجرد أسماء لا معنى لها أسماء ورثتموها عن آبائكم. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾: من حُجَّة قاطعة، أو دليل، أو برهان، أو آية، أو وحي لكي تُعبد؛ انتبه إلى قوله: ما أنزل، ولم يقل: ما نزَّل. ﴿مَا أَنْزَلَ﴾: على وزن أفعل بينما نزَّل على وزن فعَّل؛ نزَّل فيها مبالغة أكثر وتضعيف، وتستعمل في الحالات الّتي هي أشد، وأقوى، أو تحتاج إلى تأكيد، وتهديد، ووعيد، ورجس، وغضب كما هي الحال في آية الأعراف (٧١) وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِى فِى أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾: من: ابتدائية استغراقية؛ أيْ: سلطان مهما كان سواء أكان سلطان قوة، أو قهر، أو سلطان حُجَّة، ودليل. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾: إن: حرف نفي أقوى في النّفي من ما؛ أيْ: ما الحكم إلا لله. ﴿الْحُكْمُ﴾: الفصل، والقضاء، والجزاء، والثّواب، والعقاب كلّه بيده.

стр. 2309

﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ حصراً وقصراً ليس لأحد إلا لله (نفي تبعه استثناء تفيد الحصر). ارجع إلى سورة الأنعام، آية (٦٢)؛ لبيان معنى الحكم. ﴿أَمَرَ﴾: أيْ: أمر الله سبحانه، أو فرض حكم. ﴿أَلَّا﴾: أنّ: المصدرية؛ تفيد التّعليل، والتّوكيد؛ لا: النّافية، أو النّاهية. ﴿تَعْبُدُوا﴾: العبادة: لا تكون إلا للخالق، وتعني: طاعته فيما أمر، ونهى عنه في القول والفعل. ارجع إلى سورة هود، آية (٢)، وسورة الأنبياء، آية (١٠٦)؛ لمزيد من البيان. ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾: أداة حصر. ﴿إِيَّاهُ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة؛ اللام: للبعد يشير لعلو هذا الدّين. ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: الحق؛ أي: الإسلام، والدّين المستقيم دين الحنيفية السّمحة الّذي لا عوج فيه، والقيم يعني: لا تقوم الحياة إلّا به. ﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك، وتوكيد. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أيْ: غالبية النّاس لا يعلمون أنّ الإسلام هو الدّين القيم، والحق ودين الفطرة، والتّوحيد، وهو الّذي أرسل إلى النّاس كافة. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: التّوحيد، والإخلاص في العبادة.

стр. 2310

سورة يوسف [١٢: ٤١] ﴿يَاصَاحِبَىِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَّأْسِهِ قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾: بعد دعوتهما إلى الإيمان، وعبادة الله وحده يعود إلى تفسير الرّؤيا الّتي طلبوا منه سابقاً. ﴿يَاصَاحِبَىِ السِّجْنِ﴾: نداء فيه حنان وعطف. ارجع إلى الآية (٣٩) السّابقة. ﴿أَمَّا﴾: حرف شرط وتفصيل، وتوكيد. ﴿أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا﴾: أمّا الّذي كانت رؤياه أنّه يسقي ربه خمراً؛ سيخرج من السّجن، ويفرج عنه، ويعمل كساقي للخمر عند الملك، وقيل: هو نفسه كان يسقي الخمر واتُّهم بمحاولة قتل الملك فسجن، وهو بريء. ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ﴾: الّذي كانت رؤياه (يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطّير منه) سيحكم عليه بالموت. ﴿فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَّأْسِهِ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، وقيل: إنّ هذا الآخر كان خباز الملك الّذي حاول قتل الملك بدسِّ السم للملك، وسجن بهذه التّهمة. فعندما أخبرهما بالحكم، وتفسير الرّؤيا قالا له: كذبنا، وما رأينا شيئاً؛ عندها قال يوسف: ﴿قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾: قضي الأمر: فرغ منه، انتهى الأمر صدقتما، أو كذبتما. ﴿الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾: تطلبان فيه الفتوى، ولعلك تسأل لماذا صلب

стр. 2311

الآخر، وكيف نجا الأوّل؛ فقد روي أنّ الخباز والسّاقي كانا يعملان في بلاط الملك، وطلب منهما وضع السّم للملك لقتله؛ فأجاب الخباز، وعزم على ذلك، وأبى السّاقي، وأخبر الملك بالمؤامرة؛ فأمر الملك بحبسهما في ذلك الوقت الّذي كان يوسف قد دخل السّجن. سورة يوسف [١٢: ٤٢] ﴿وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِى عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِى السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾: ﴿وَقَالَ لِلَّذِى﴾: وقال يوسف ﵇ للذي؛ أيْ: للذي كانت رؤياه أنّي أراني أعصر خمراً. ﴿ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا﴾: ظن هنا قد تأتي بمعنى اليقين أو أعلى درجات العلم، أو من باب الوحي، أو اجتهاد من باب تأويل الرّؤيا. ﴿اذْكُرْنِى عِنْدَ رَبِّكَ﴾: اذكرني عند سيدك، أو الملك؛ أي: اذكر قصتي للملك، وأنّي حُبست ظلماً، وأنّي أستطيع تأويل الأحاديث؛ أيْ: تفسير الأحلام، أو اذكر ما رأيت مني عند ربك (أي: الملك). ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾: فأنساه: الفاء: للتوكيد؛ فأنسى الشّيطان السّاقي الّذي نجا منها ذكر يوسف للملك حتّى لبث في السّجن بضع سنين، وقد تعود هاء الضّمير إلى يوسف؛ أيْ: فأنسى الشّيطان يوسف ذكر ربه الأمر الّذي أدّى بيوسف ﵇ أن يستعين بالنّاجي، والملك، ولم يتوكل أو يطلب العون من ربه -جل وعلا-، وهذا هو المرجَّح، وحدَه، ونسي يوسف قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. كما حدث للنبي لوط ﵇ حين قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]. وكأن هذا النسيان لصالح يوسف، والحكمة قدرها الله تعالى أن يبقى

стр. 2312

في السجن إلى حين يرى الملك الرؤيا، ويبحث عنه، ويقوم بتأويل الرؤيا من ثم يصبح عزيز مصر. ﴿فَلَبِثَ فِى السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾: بضع ما بين (٣ - ٩ سنوات)، وقيل: ٧ سنوات على الأغلب. ولو تأملنا ما حدث نجد أنّ يوسف استعان بالّذي كان يدعوه للإيمان، والتّوحيد، ويطلب منه أن يذكره عند سيده الملك الّذي ليس على الدّين الحق، وهكذا استعان يوسف ببشرين من دون الله، وهما ليسا بمؤمنين، ونسي أن يستعين بالله، وما يدري أحد أنّ يوسف لو فعل ذلك، ولم يستعن بأحد إلا الله وحده، كم سيبقى في السّجن بضعة أيّام، أو أسابيع، أو شهور. سورة يوسف [١٢: ٤٣] ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّى أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَاىَ إِنْ كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّى أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾: وقال الملك إنّي أرى: بصيغة المضارع بدلاً من رأيت، أو رأى الملك في المنام سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف. ﴿عِجَافٌ﴾: جمع عجفاء؛ أي: الهزيلة لا لحم عليها، ولا شحم، ولمعرفة معنى أرى؛ ارجع إلى الآية (٤)، أو (٣٦) من نفس السّورة. ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾: يابسات: أيْ: حان حصادهنَّ، وأما الخضر؛ أيْ: ما زالت تنمو، وما حدث هنا بالنّسبة للسنبلات لم يذكر من أن اليابسات أكلن السّبع الخضر.

стр. 2313

﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾: الهاء: للتنبيه، يا: أداة نداء للبعد. ﴿الْمَلَأُ﴾: سادة القوم، وأشراف القوم، وممثلو القوم. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٧٥، و ٨٨)؛ لمزيد من البيان. ﴿أَفْتُونِى فِى رُءْيَاىَ﴾: أيْ: بيِّنوا لي، أو أخبروني بحكم هذه الرّؤيا. ﴿إِنْ كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾: الرّؤيا: هي الحلم، أو ما يراه النّائم في منامه. ﴿تَعْبُرُونَ﴾: اشتُقَّت من عبور النّهر يقول: عبرت النّهر؛ أيْ: قطعه حتّى يبلغ آخر عرضه. ﴿إِنْ كُنتُمْ﴾: تعرفون تأويل الرّؤيا، أو الأحلام. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السّورة؛ لبيان معنى: تأويل. ما الفرق بين: سبع سنبلات، وسبع سنابل؟ سبع سنبلات: تدل على جمع قلة؛ جاءت في سياق الرّؤيا، والرّؤيا ليس فيها مضاعفة، ولا حثٌّ على التصدق. أمّا قوله: سبع سنابل: جمع كثرة ﴿فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]؛ للمضاعفة، والتّكثير، والحث على الإنفاق.

стр. 2314

سورة يوسف [١٢: ٤٤] ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: قالوا؛ أيْ: قال الملأ: أضغاث أحلام: أخلاط أحلام مختلفة ليس لها تأويل، أضغاث جمع ضغث، والضغث: حزمة من النّبات، أو مجموعة من الحشائش المختلفة الأجناس، مع العلم أن الرّؤيا الّتي رآها الملك هي رؤيا واحدة، أو حلم واحد أطلقوا عليها أضغاث أحلام؛ للمبالغة؛ أيْ: هذا الحلم ليس كغيره من الأحلام. ﴿وَمَا نَحْنُ﴾: ما: النّافية. ﴿نَحْنُ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ﴾: بتعبير، أو تفسير الأحلام، ومعرفة ما تؤول إليه. ﴿بِعَالِمِينَ﴾: الباء: للتوكيد؛ عالمين: أيْ: يعترفون بتقصيرهم في هذا العلم علم تأويل الأحاديث (الأحلام)؛ أيْ: ليس عندنا من هذا العلم شيء، ولم يُعلمنا أحد. سورة يوسف [١٢: ٤٥] ﴿وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا﴾: وقال ساقي الخمر الّذي نجا من السّجن، وعُفي عنه بعد أن تعذر على الملأ تعبير رؤيا الملك، ومرت فترة طويلة من الزّمن.

стр. 2315

﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: وادكر: بالدّال اشتُقَّت من واذْتَكر؛ حولت إلى واذْدَكر، ثمّ حولت إلى ادْدَكر، ادَّكر: حدثت عدة تبديلات، وإدغامات؛ لتقارب مخارج الحروف. ارجع إلى سورة القمر، آية (١٥)؛ للبيان. ﴿وَادَّكَرَ﴾: أيْ: تذكر بعد طول نسيان. ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعد مدَّة من الزّمن، الأمة من معانيها المدَّة، والحين، والوقت، وكذلك تعني الجماعة من النّاس، أو الرجل الّذي يعتبر أمة؛ مثل: إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]. والدّين، والملّة؛ كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾: أنا أخبركم بتأويله. ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾: الباء: للإلصاق؛ بتأويل رؤيا الملك. ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: أيْ: فابعثوني إلى يوسف. (قيل: كان السّجن خارج المدينة). والفاء: للتّعقيب؛ أيْ: مباشرة أرسلوني، أو أرسلوني الآن. سورة يوسف [١٢: ٤٦] ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾: أيها: الياء: للنّداء، والهاء: للتّنبيه. ﴿الصِّدِّيقُ﴾: صيغة مبالغة من صادق؛ أيْ: كثير الصّدق؛ لأنه علم ذلك منه حين كان في صحبته في السّجن؛ أيْ: صادق في أقواله، وأفعاله، وصادق في كلّ
следующие страницы →