Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
الآخر، وكيف نجا الأوّل؛ فقد روي أنّ الخباز والسّاقي كانا يعملان في بلاط الملك، وطلب منهما وضع السّم للملك لقتله؛ فأجاب الخباز، وعزم على ذلك، وأبى السّاقي، وأخبر الملك بالمؤامرة؛ فأمر الملك بحبسهما في ذلك الوقت الّذي كان يوسف قد دخل السّجن.
سورة يوسف [١٢: ٤٢]
﴿وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِى عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِى السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾:
﴿وَقَالَ لِلَّذِى﴾: وقال يوسف ﵇ للذي؛ أيْ: للذي كانت رؤياه أنّي أراني أعصر خمراً.
﴿ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا﴾: ظن هنا قد تأتي بمعنى اليقين أو أعلى درجات العلم، أو من باب الوحي، أو اجتهاد من باب تأويل الرّؤيا.
﴿اذْكُرْنِى عِنْدَ رَبِّكَ﴾: اذكرني عند سيدك، أو الملك؛ أي: اذكر قصتي للملك، وأنّي حُبست ظلماً، وأنّي أستطيع تأويل الأحاديث؛ أيْ: تفسير الأحلام، أو اذكر ما رأيت مني عند ربك (أي: الملك).
﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾: فأنساه: الفاء: للتوكيد؛ فأنسى الشّيطان السّاقي الّذي نجا منها ذكر يوسف للملك حتّى لبث في السّجن بضع سنين، وقد تعود هاء الضّمير إلى يوسف؛ أيْ: فأنسى الشّيطان يوسف ذكر ربه الأمر الّذي أدّى بيوسف ﵇ أن يستعين بالنّاجي، والملك، ولم يتوكل أو يطلب العون من ربه -جل وعلا-، وهذا هو المرجَّح، وحدَه، ونسي يوسف قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. كما حدث للنبي لوط ﵇ حين قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]. وكأن هذا النسيان لصالح يوسف، والحكمة قدرها الله تعالى أن يبقى
стр. 2312
في السجن إلى حين يرى الملك الرؤيا، ويبحث عنه، ويقوم بتأويل الرؤيا من ثم يصبح عزيز مصر.
﴿فَلَبِثَ فِى السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾: بضع ما بين (٣ - ٩ سنوات)، وقيل: ٧ سنوات على الأغلب.
ولو تأملنا ما حدث نجد أنّ يوسف استعان بالّذي كان يدعوه للإيمان، والتّوحيد، ويطلب منه أن يذكره عند سيده الملك الّذي ليس على الدّين الحق، وهكذا استعان يوسف ببشرين من دون الله، وهما ليسا بمؤمنين، ونسي أن يستعين بالله، وما يدري أحد أنّ يوسف لو فعل ذلك، ولم يستعن بأحد إلا الله وحده، كم سيبقى في السّجن بضعة أيّام، أو أسابيع، أو شهور.
سورة يوسف [١٢: ٤٣]
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّى أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَاىَ إِنْ كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾:
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّى أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾: وقال الملك إنّي أرى: بصيغة المضارع بدلاً من رأيت، أو رأى الملك في المنام سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف.
﴿عِجَافٌ﴾: جمع عجفاء؛ أي: الهزيلة لا لحم عليها، ولا شحم، ولمعرفة معنى أرى؛ ارجع إلى الآية (٤)، أو (٣٦) من نفس السّورة.
﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾: يابسات: أيْ: حان حصادهنَّ، وأما الخضر؛ أيْ: ما زالت تنمو، وما حدث هنا بالنّسبة للسنبلات لم يذكر من أن اليابسات أكلن السّبع الخضر.
стр. 2313
﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾: الهاء: للتنبيه، يا: أداة نداء للبعد.
﴿الْمَلَأُ﴾: سادة القوم، وأشراف القوم، وممثلو القوم. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٧٥، و ٨٨)؛ لمزيد من البيان.
﴿أَفْتُونِى فِى رُءْيَاىَ﴾: أيْ: بيِّنوا لي، أو أخبروني بحكم هذه الرّؤيا.
﴿إِنْ كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾: الرّؤيا: هي الحلم، أو ما يراه النّائم في منامه.
﴿تَعْبُرُونَ﴾: اشتُقَّت من عبور النّهر يقول: عبرت النّهر؛ أيْ: قطعه حتّى يبلغ آخر عرضه.
﴿إِنْ كُنتُمْ﴾: تعرفون تأويل الرّؤيا، أو الأحلام. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السّورة؛ لبيان معنى: تأويل.
ما الفرق بين: سبع سنبلات، وسبع سنابل؟
سبع سنبلات: تدل على جمع قلة؛ جاءت في سياق الرّؤيا، والرّؤيا ليس فيها مضاعفة، ولا حثٌّ على التصدق.
أمّا قوله: سبع سنابل: جمع كثرة ﴿فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]؛ للمضاعفة، والتّكثير، والحث على الإنفاق.
стр. 2314
سورة يوسف [١٢: ٤٤]
﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾:
﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: قالوا؛ أيْ: قال الملأ: أضغاث أحلام: أخلاط أحلام مختلفة ليس لها تأويل، أضغاث جمع ضغث، والضغث: حزمة من النّبات، أو مجموعة من الحشائش المختلفة الأجناس، مع العلم أن الرّؤيا الّتي رآها الملك هي رؤيا واحدة، أو حلم واحد أطلقوا عليها أضغاث أحلام؛ للمبالغة؛ أيْ: هذا الحلم ليس كغيره من الأحلام.
﴿وَمَا نَحْنُ﴾: ما: النّافية.
﴿نَحْنُ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد.
﴿بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ﴾: بتعبير، أو تفسير الأحلام، ومعرفة ما تؤول إليه.
﴿بِعَالِمِينَ﴾: الباء: للتوكيد؛ عالمين: أيْ: يعترفون بتقصيرهم في هذا العلم علم تأويل الأحاديث (الأحلام)؛ أيْ: ليس عندنا من هذا العلم شيء، ولم يُعلمنا أحد.
سورة يوسف [١٢: ٤٥]
﴿وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾:
﴿وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا﴾: وقال ساقي الخمر الّذي نجا من السّجن، وعُفي عنه بعد أن تعذر على الملأ تعبير رؤيا الملك، ومرت فترة طويلة من الزّمن.
стр. 2315
﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: وادكر: بالدّال اشتُقَّت من واذْتَكر؛ حولت إلى واذْدَكر، ثمّ حولت إلى ادْدَكر، ادَّكر: حدثت عدة تبديلات، وإدغامات؛ لتقارب مخارج الحروف. ارجع إلى سورة القمر، آية (١٥)؛ للبيان.
﴿وَادَّكَرَ﴾: أيْ: تذكر بعد طول نسيان.
﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعد مدَّة من الزّمن، الأمة من معانيها المدَّة، والحين، والوقت، وكذلك تعني الجماعة من النّاس، أو الرجل الّذي يعتبر أمة؛ مثل: إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]. والدّين، والملّة؛ كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢].
﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾: أنا أخبركم بتأويله.
﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾: الباء: للإلصاق؛ بتأويل رؤيا الملك.
﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: أيْ: فابعثوني إلى يوسف. (قيل: كان السّجن خارج المدينة). والفاء: للتّعقيب؛ أيْ: مباشرة أرسلوني، أو أرسلوني الآن.
سورة يوسف [١٢: ٤٦]
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾: أيها: الياء: للنّداء، والهاء: للتّنبيه.
﴿الصِّدِّيقُ﴾: صيغة مبالغة من صادق؛ أيْ: كثير الصّدق؛ لأنه علم ذلك منه حين كان في صحبته في السّجن؛ أيْ: صادق في أقواله، وأفعاله، وصادق في كلّ
стр. 2316
أحواله؛ فلا يمكن أن تطلق كلمة الصّديق على حال واحدة، بل لا بدّ من اجتماع كلّ الأحوال معاً فضلاً عن الطاعة، والخضوع لله سبحانه.
ودرجة الصّديقين تلي مرتبة الأنبياء؛ مثل: أبي بكر الصّديق ﵁.
﴿أَفْتِنَا﴾: ولم يقل: أفتني؛ لأنّه لا يسأله عن رؤيا تخصه، كما سبق، وسأله: إنّي أراني أعصر خمراً.
﴿سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾: ارجع إلى الآية (٤٣) من نفس السّورة.
﴿لَّعَلِّى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: لعل: أداة رجاء؛ راجياً أن أرجع إلى النّاس؛ لأنّه لا يجزم، أو غير متيقن بأنّ يوسف سوف يخبره بالفتوى، أم لا فيظهر عندها مظهر الكاذب أمام النّاس، أو سيقبل النّاس فتوى يوسف.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: لعل للتعليل.
﴿يَعْلَمُونَ﴾: تأويل الرّؤيا، ويعلمون فضلك في تعبير الرّؤيا، وقدرتك فيخرجوك من السّجن.
سورة يوسف [١٢: ٤٧]
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾:
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾: قال يوسف للذي سأله الفتيا.
﴿تَزْرَعُونَ﴾: خبر في معنى الأمر، وجاء بصيغة الخبر للمبالغة في أهمية الزّرع؛ أي: ازرعوا في كلّ سنة من هذه السّنين على عادتكم.
﴿دَأَبًا﴾: الدّأب قيل: هو العادة الّتي تتكرر باستمرار، والدّأب على الشّيء
стр. 2317
المداومة عليه، والملازمة والاستمرار، والدّأب: لا يكون إلا اختياراً، أمّا العادة فقد تكون اختياراً، أو اضطراراً؛ أي: ازرعوا من دون كلل، ولا ملل، واستمروا على ذلك.
﴿فَمَا﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب.
﴿حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنْبُلِهِ﴾: وهذه معجزة علمية برهنت عليها العلوم الحديثة، والدّراسات العلمية: أن ترك الحبوب في سنبله أفضل من استخراج الحبوب؛ مثل القمح، وغيره؛ لأن ذلك يؤدي إلى المحافظة على البروتينات بنسبة قد تصل إلى (٣٠%) مقارنة بالحبوب المعزولة من سنابلها، حيث تتعرض لضياع البروتينات إضافةً إلى الوقاية من الحشرات كحشرة السوس.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾: إلا: أداة استثناء.
﴿قَلِيلًا﴾: أيْ: لكم أن تأكلوا القليل منه، وتتركوا الباقي محفوظاً في سنابله لمواجهة، واستعداداً للسنين السّبع الشّداد القادمة بعد سبع سنين البركة، والرّحمة؛ لتجنب المجاعة.
﴿مِمَّا﴾: من: ابتدائية بعضية؛ ما: اسم موصول بمعنى: الّذي.
سورة يوسف [١٢: ٤٨]
﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾:
﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: ثم: للترتيب، والتّراخي؛ يأتي من بعد ذلك؛ أيْ: من بعد السّبع السنين الخصبة.
﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾: سبع سنين جدباء، لا زرع، ولا مطر، وإنما جفاف وجدب.
стр. 2318
﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾: أيْ: يأكل أهلهنَّ ما ادخروا لأجلهنَّ؛ أيْ: هذه السّبع سنين العجاف (المجدبة) سيأكلن سبع سنوات الخصب السّابقة، والّتي تمثل السّبع بقرات السّمان في الرّؤيا اللاتي يأكلهن سبع عجاف.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾: إلا: أداة استثناء.
﴿قَلِيلًا﴾: أي: القليل الّذي تدَّخرونه، أو تخبِّئونه للزراعة، وللبذار.
﴿مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾: مما مركبة من حرفي من+ما؛ من: ابتدائية بعضية؛ ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي. الإحصان: من أحصن الشّيء؛ أيْ: جعله في الحصن (الموضع، أو المكان الحصين) إذن: تأويل يوسف السّبع بقرات السّمان، أو السّنبلات الخضر بالسّنين الخصبة، سنين الخير والبركة، والسّبع بقرات العجاف، أو السّنبلات اليابسات بالسّنين المجدبة الّتي يقل فيها المطر، والخير والزّراعة.
سورة يوسف [١٢: ٤٩]
﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾:
﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: ثمّ: للترتيب العددي، أو التّسلسلي.
﴿يَأْتِى مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: من، أيْ: مباشرة بعد السّنين السّبع العجاف.
﴿عَامٌ﴾: ولم يقل: سنة؛ لأنّ من خصائص القرآن أن يستعمل عاماً لعام الخير، والبركة، ويستعمل سنةً إذا كانت سنةَ جدب ومجاعة، وشدة، وبلاء.
﴿يُغَاثُ النَّاسُ﴾: يغاث من الغيث، وهو المطر الّذي يستفاد منه للزرع، والرّي، والإغاثة: الإعانة.
стр. 2319
وهذا الكلام ليس داخلاً في رؤيا الملك، ولكنه مما أُوحي إلى يوسف لحكمة أرادها الله تعالى.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: مثل العنب، والزّيتون، وغيره، وتكرار فيه يدل على التّوكيد؛ أيْ: ففي ذلك (في ظرفية زمانية) العام يحدثُ الغوث، ويحدثُ العصر معاً.
سورة يوسف [١٢: ٥٠]
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِى بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّاتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾:
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِى بِهِ﴾: بعد أن نقل السّاقي تأويل الرّؤيا إلى الملك طلب الملك أن يأتوا له بيوسف، فأرسل الملك رسوله ليخرج يوسف من السّجن، ويأتي به، ولكن يوسف ﵇ رفض الخروج من السّجن قبل أن يُبرَّأَ من التّهمة الّتي وجِّهت إليه، أو ألصقت به، وأدخل السّجن بسببها.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾: فلمَّا: الفاء: تدل على التّرتيب، والمباشرة؛ لما: ظرفية زمانية بمعنى حين؛ جاء يوسفَ الرّسولُ المرسَلُ من الملك.
﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّاتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾: قال يوسف للرسول: ارجع إلى ربك (أيْ: إلى الملك)، واسأله: ما بال النّسوة اللاتي قطعن أيديهن؛ أي: اسأله أن يحقق في أمر النّسوة اللاتي قطعن أيديهنَّ، ولم يذكر امرأة العزيز على الإطلاق مع كونها كانت هي السّبب، وذلك من كرم خُلقه، وحلمه، ومن باب السّتر.
﴿بَالُ النِّسْوَةِ﴾: حال النّسوة.
стр. 2320
﴿إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ﴾: الباء: للإلصاق.
﴿بِكَيْدِهِنَّ﴾: ارجع إلى الآية (٥)، والآية (٣٤) من نفس السّورة؛ لمعرفة معنى: الكيد.
﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة؛ أيْ: كثير العلم. ارجع إلى الآية (٣٤)؛ عليم بما فعلن في إلصاق التّهمة بي، وأنا بريء منها.
سورة يوسف [١٢: ٥١]
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْئَانَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾:
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ﴾: قال الملك ما خطبكنَّ: أيْ: علم الملك بقصة النّسوة، وامرأة العزيز فاستدعاهنَّ للحضور؛ للتّحقيق في الأمر، قال: ما خطبكنَّ.
﴿مَا﴾: استفهامية؛ بمعنى: التّعجب.
﴿خَطْبُكُنَّ﴾: الخطب الحدث الجلل، والأمر العظيم، والخطب مشتق من المخاطبة؛ أيْ: أمرٌ يحقُّ أن يخاطب به صاحبه.
﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَّفْسِهِ﴾: إذ بمعنى: حين. خاطب الملك النّسوة وسألهنَّ: هل يوسف هو من أراد الكيد، أو الغرر، أو السّوء بكنَّ خاطب جمع النّسوة، ولم يفرد امرأة العزيز الّتي راودته وحدها، فلماذا جمعهنَّ؛ لأنّ باقي النّسوة لم يُنكرن على امرأة العزيز ما فعلت، ورضين بذلك.
стр. 2321
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾: ارجع إلى الآية (٣١) من نفس السّورة؛ أيْ: حاشا لله أن نراود يوسف عن نفسه.
﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْئَانَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾: قالت امرأت العزيز: ارجع إلى الآية (٣٠) في نفس السورة للبيان. حصحص الحق؛ أي: انكشف الحق (الأمر الثّابت واليقين)، أو: لم يعد هناك مجال للستر، ولا بُدَّ من الاعتراف بالحق.
الحصُّ: هو استئصال شعر الرّأس بحلق، أو مرض؛ حتّى تتبيَّن جلدة الرّأس، أو بانت حصة الحق من حصة الباطل، فامرأة العزيز لما رأت النّسوة قلن: حاشا لله، علمتْ أنّه لم يبق إلا هي وحدها فأقرتْ بذلك، وانكشف أمرها وظهر الحق.
وقالت: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَّفْسِهِ﴾: ارجع إلى الآية (٢٣) من نفس السّورة؛ قالت ذلك من دون أيِّ تأكيد؛ فهي تريد أن تنسى المسألة.
﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾: وإنّه: للتوكيد.
﴿لَمِنَ﴾: اللام: لام لزيادة التّوكيد، إنّه لمن الصّادقين في قوله حين قال: هي راودتني عن نفسي، أو إنّه بُرِّئَ من كلّ شيء اتُّهم به.
سورة يوسف [١٢: ٥٢]
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾:
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾: اسم إشارة للبعد، وما حدث.
﴿لِيَعْلَمَ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ يعلم العزيز (عزيز مصر).
﴿أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾: أنّي: للتوكيد.
стр. 2322
﴿لَمْ﴾: النّافية.
﴿أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾: من الخيانة بالفاحشة، لا بالقول، ولا بالفعل.
واختلف المفسرون فيمن قال هذا القول: فمنهم من قال: هذا كلام يوسف ﵇ ذلك ليعلم العزيز أنّي لم أخنه بالغيب (أيْ: وهو غائب)، أخنه في أهله، قال يوسف هذا حين أخبر، وهو في السّجن بما حدث في جلسة الملك مع النّسوة، ومنهم من قال: هذا كلام امرأة العزيز؛ لأنّ يوسف ما زال في السّجن، ولم يُدعَ إلى الحضور بعد، ولأنّه في الآيات القادمة قال الملك: ائتوني به استخلصه لنفسي.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾: من القائل هنا؟ لا يهم المهم هو المقولة.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: أنّ: للتوكيد.
﴿لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾: لا يرشد الخائن ويسدده إلى تحقيق غايته، بل يفضحه، وفي هذا إشارة، أو تعريض لما فعلته امرأة العزيز حين حاولت الخيانة بالمراودة (مراودة يوسف عن نفسه)، وكذلك تعريض في خطأ زوجها العزيز حين رمى يوسف في السّجن، وهو بريء، وكذلك توكيد لأمانة يوسف، وأنّه لو كان خائناً لما هداه الله سبحانه، وبرَّأه، ولا سدَّد خطاه.
стр. 2323
سورة يوسف [١٢: ٥٣]
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّى إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
من المفسرين من قال: هذا قول امرأة العزيز، ومنهم من قال: هذا قول يوسف ﵇، ومنهم من قال: إنّه قول العزيز.
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِى﴾: تعني: من سوء الظن بيوسف، أو سجنه بضع سنين من دون ذنب.
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِى﴾: وما: الواو: عاطفة؛ ما: النّافية.
﴿أُبَرِّئُ نَفْسِى﴾: أزكي نفسي من الزلل، أو السّوء.
﴿إِنَّ النَّفْسَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿النَّفْسَ﴾: لأمارة بالسّوء؛ أيْ: ميالة للهوى، والشّهوات، أو ذات نزعة؛ أل التّعريف تدل على استغراق الجنس في كلّ النّفوس بالميل إلى الشّهوات.
﴿لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾: اللام: لام التّوكيد، وأمارة صيغة مبالغة للفعل أمر. لأمارة بالسّوء؛ أيْ: كثيرة الأمر، كثيرة الشّهوات.
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّى﴾: إلّا: أداة حصر.
﴿مَا﴾: بمعنى: من.
إلا من رحم ربي من النّفوس؛ أيْ: من عصمها فصرفها عن السّوء، والفحشاء.
стр. 2324
﴿إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: وما قالته امرأة العزيز يمكن تلخيصه بما يلي:
١ - قالت: الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه، وإنّه لمن الصّادقين.
٢ - ذلك ليعلم أنّي لم أخنه بالغيب، وأنّ الله لا يهدي كيد الخائنين: لم أخن يوسف في غيبه، وهو في السّجن، أو ليعلم زوجي أنّي لم أخنه بيوسف، وما حدث هو مراودة فقط فامتنع.
٣ - وما أبرِّئ نفسي إنّ النّفس لأمارة بالسّوء.
والله أعلم بمن قال؛ فالله سبحانه لا يريد أن يفضح من هو القائل، والمهم المقولة، والعبرة، ونكتفي بذلك.
سورة يوسف [١٢: ٥٤]
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾:
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى﴾: وقال الملك: ائتوني بيوسف.
﴿ائْتُونِى﴾: من الإتيان الّذي فيه معنى السّهولة بعكس المجيء فيه الصّعوبة؛ أي: ائتوني بيوسف من السّجن.
﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى﴾: أيْ: أجعله من أهل مشورتي، وخاصَّتي.
﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة بعد الإتيان؛ أيْ: كلَّمه مباشرة من دون تأخير.
﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾: قال الملك ليوسف: إنّك اليوم لدينا مكين: ذو مكانة رفيعة، ومنزلة عالية ثابتة، ومكن مكانة؛ فهو مكين؛ أيْ: ثبت، واستقر؛ أيْ: مكين: ثابت، ومستقر.
﴿أَمِينٌ﴾: مؤتمن على كلّ شيء، وحفيظ.
стр. 2325
سورة يوسف [١٢: ٥٥]
﴿قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾: قال يوسف للملك: اجعلني على خزائن الأرض (خزائن مصر) جمع خِزانة: المكان الّذي تحفظ فيه الأشياء الثّمينة، والأموال، والحبوب، والثّمار في ذلك الزّمن؛ يمثل وزير المالية في زمننا الحاضر.
﴿إِنِّى حَفِيظٌ﴾: كاتب حاسب، أو حفيظ على الأمانة، وأحافظ على ما تسنده إليَّ؛ صيغة مبالغة كثير الحفظ.
﴿عَلِيمٌ﴾: بتدبير الشّؤون المالية، وإدارة الأموال وتصريفها؛ صيغة مبالغة كثير العلم، وقد يسأل سائلٌ: كيف يطلب يوسف أن يتولَّى منصباً كهذا، وهل هو كفؤٌ له، وهناك قاعدة شرعية تقول: طالب الولاية لا يولَّى المستندة إلى الحديث الذي أخرجه الشيخان عن عبد الرحمن بن سمرة قوله ﷺ : «لا تسأل الإمارة»، وربما طلب ذلك؛ لأنّه يعلم أكثر من غيره أهمية الـ (١٥) سنة القادمة، وما سيحدث فيها من تأويله لحديث الملك، أو هو علمه وشعوره بعون الله تعالى له، وكونه يوحى إليه، وفي نيَّته إقامة العدل، والقسط؛ فذلك يكفي.
سورة يوسف [١٢: ٥٦]
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾:
﴿وَكَذَلِكَ﴾: أيْ: بمثل هذا التّوفيق، والتّيسير، وإخراجه من السّجن؛ ليصبح وزيراً لخزانة الملك.
﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الْأَرْضِ﴾: أصبح قادراً على تحقيق غاياته، ومطالبه، وأصبح مالكاً، وآمراً، وناهياً بعد أن كان سجيناً.
﴿لِيُوسُفَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
стр. 2326
﴿فِى الْأَرْضِ﴾: أرض مصر.
﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾: أيْ: ينزل منها أيَّ منزل، أو مكان يشاء، ويعمِّر، ويُنشئ كما يشاء كنايةً عن اتِّساع جاهه.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾: الرّحمة هنا قد تعني النّبوَّة، وغيرها مثل: الغنى، والسّعة، والملك.
﴿بِرَحْمَتِنَا﴾: الباء: للإلصاق، والاهتمام في الدّنيا والآخرة.
﴿مَنْ نَشَاءُ﴾: من: ابتدائية، وللعاقل من نشاء من عبادنا حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية.
﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: لا: النّافية.
﴿نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: أمثال يوسف ﵇ حين صبر على البلاء، وتجنب الفاحشة، وراح يدعو إلى الله وتوحيده، وما فعله في السّجن من خدمة الفقراء، وإعانتهم، كلّ ذلك من أعمال المحسنين الّتي تقسم إلى إحسان الكم، وإحسان الكيف، والأجر هو الجزاء على العمل الّذي يشمل القول، والفعل.
سورة يوسف [١٢: ٥٧]
﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾:
﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ﴾: الواو: تفيد الاهتمام، والأجر: الجزاء على العمل.
﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: خير: أفضل وأحسن من أجر الدّنيا.
﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: كانوا لا تختص بالماضي فقط، بل تعني الحاضر، والمستمر، والمستقبل.
стр. 2327
﴿يَتَّقُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ تفيد الاستمرار، والدّوام، يتقون من الشّرك، والمعاصي، والفواحش.
سورة يوسف [١٢: ٥٨]
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾:
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾: وكانوا عشرة بدون أخوهم بنيامين (الحادي عشر) الّذي تركوه وراءَهم مع أبيه في أرض كنعان جاؤوا إلى مصر؛ ليشتروا القمح، أو للميرة.
﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب بعد أن أصابهم القحط، والفاقة، بعد أن أرسلهم أبوهم؛ فدخلوا على يوسف.
﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾: عرفهم يوسف أنّهم إخوته؛ لأنّه حين ألقوه في الجب تركهم، وهم كبار في السّن، وتحدَّدت ملامحهم والكبير لا تتغيَّر ملامحه كثيراً، أمّا يوسف فقد تغيَّرت ملامحه.
﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾: أيْ: لم يعرفوه أنّه أخوهم يوسف؛ لأنّه قد شب وتغيَّرت ملامحه، ولأنهم ظنوا أنه قد هلك، أو كونه وزيراً للملك يلبس ثياب الملوك.
سورة يوسف [١٢: ٥٩]
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِى بِأَخٍ لَكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّى أُوفِى الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾:
﴿وَلَمَّا﴾: الواو: عاطفة؛ لما: ظرف بمعنى حين متضمِّن معنى الشّرط.
﴿جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾: أيْ: أوفى لهم الكيل؛ أيْ: جعله تامّاً، وافياً؛ كيلهم من القمح الّذي جاؤوا لطلبه، وما يحتاجون إليه في سفرهم، والجهاز هو ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع.
стр. 2328
﴿بِجَهَازِهِمْ﴾: الباء: تدخل على ما هو مدار الكلام؛ أي: الجهاز في هذه الآية.
﴿قَالَ ائْتُونِى بِأَخٍ لَكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ﴾: أيْ: بنيامين؛ لأنّهم لم يحضروه معهم هذه المرة، وبنيامين هو أخو يوسف من أمّه وأبيه، وبقية الإخوة إخوةٌ من الأب؛ فيبدو أنّ يوسف بحث معهم حالتهم الاقتصادية، والاجتماعية، وتعرَّف على أحوالهم، وسألهم عن بقية إخوتهم، وعرف أنهم لم يحضروا أخاهم بنيامين، وهم لا يعرفون أنّه يوسف؛ فطلب منهم أن يحضروه معهم في المرة القادمة، وقال لهم:
﴿أَلَا تَرَوْنَ﴾: ألا: أداة تنبيه، وحضٍّ، وحثٍّ.
﴿تَرَوْنَ﴾: تشاهدون، أو ترون بأعينكم.
﴿أَنِّى أُوفِى الْكَيْلَ﴾: أيْ: أتمه.
﴿الْكَيْلَ﴾: من القمح، ولكلّ واحد كيل، أو حمل بعير؛ أيْ: جهزهم بعشرة أحمال، وزادهم حِملين آخرين واحداً لأبيهم، وواحداً لأخيهم الّذي لم يحضر.
﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾: منزلين: مشتقة من النُّزل: ما يُهيَّأ للضيف من سكن، وطعام، وشراب، والمنزلين: المضيفين.
سورة يوسف [١٢: ٦٠]
﴿فَإِنْ لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للتوكيد؛ إن: شرطية تفيد الاحتمال، والشّك.
﴿لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ﴾: لم: نافية.
﴿تَأْتُونِى بِهِ﴾: أيْ: بأخيكم من أبيكم (بنيامين)؛ أيْ: تحضروه معكم في المرة القادمة.
﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى﴾: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّافية للجنس.
стр. 2329
﴿كَيْلَ﴾: الّذي يساوي حمل بعير لكلّ واحد.
﴿لَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص لكم خاصة.
﴿عِندِى﴾: هذه العندية مقصودة؛ فهي وصية لي عندكم، وإنذار للمرة القادمة بإحضار أخيكم معكم.
﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾: تكرار (لا) يفيد زيادة النّفي، ولا ناهية أو نافية.
﴿تَقْرَبُونِ﴾: لا ترجعوا إليَّ، أو لا تدخلوا بلادي.
سورة يوسف [١٢: ٦١]
﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾:
﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ﴾: قال إخوة يوسف: سنراود: السّين للاستقبال القريب؛ نراود: نطالب برفق ولين، ونكرِّر ذلك، ونحاول كلّ ما باستطاعتنا، وكل حيلة؛ لكي يستجيب أبانا لطلبنا، أو يأذن لنا بإحضاره معنا.
﴿عَنْهُ أَبَاهُ﴾: عن: تفيد المجاوزة، والابتعاد.
﴿أَبَاهُ﴾: ولم يقولوا: أبينا مما يدل على ضعف الرّابطة بينهم، وبين أبيهم، واضطراب العلاقة منذ غياب يوسف.
﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾: لفاعلون: اللام: تدل على التّوكيد؛ أيْ: لفاعلون بكلّ توكيد حتّى يتركه يأتي معنا.
سورة يوسف [١٢: ٦٢]
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾:
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾: قال يوسف لفتيانه، جمع: فتى، جمعها: فتيان، والفتى، أو الفتيان: تطلق في القرآن على الفئة غير المؤمنة، أو العبيد، والفتى: كان اسماً
стр. 2330
للعبد في عرفهم صغيراً كان أو كبيراً، ويستعمل لقب الفتية للفئة المؤمنة؛ كفتية أصحاب الكهف. ارجع إلى الآية (٣٦) من نفس السورة.
﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ﴾: البضاعة: العملة مثل الفضة، أو العملة المالية، أو الدّنانير، أو ما جاؤوا به من ثمن للميرة.
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿رِحَالِهِمْ﴾: جمع رحل، وهو ما يوضع على البعير من أمتعة، أو أوعية (جمع وعاء)؛ أيْ: أمر يوسف العاملين في الميرة (فتيانه) أن يعيدوا البضائع الّتي أحضرها إخوته لشراء القمح، ويضعوها في رحالهم، من دون أن يخبرهم بهذا حتّى تكون مفاجأة لهم بعد أن ينقلبوا إلى أبيهم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾: لعلهم: للتعليل؛ أيْ: لكي يعرفونها: أكد بالنّون بدلاً من يعرفوها أنها بضاعتهم أعيدت إليهم.
﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية متضمِّنة معنى الشّرط؛ تفيد الحتمية، حتمية الحدوث.
﴿انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ﴾: أيْ: رجعوا إلى أهلهم، وانقلبوا تختلف عن رجعوا؛ الانقلاب؛ يعني: الرّجوع مع التّحول إلى وضع غير وضعه الأوّل، أو الحالة الّتي خرجوا فيها؛ أيْ: عادوا ومعهم الميرة، والطّعام بعد أن جاؤوا محتاجين.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعلَّ: أداة رجاء، وتستعمل في الأمور المتوقع حدوثها.
﴿يَرْجِعُونَ﴾: بأخيهم بنيامين إلى يوسف، أو إلى أرض مصر مرة أخرى.
سورة يوسف [١٢: ٦٣]
﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ لما: ظرفية زمانية بمعنى: حين.
стр. 2331
﴿رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ﴾: عادوا إلى ديارهم، واجتمعوا بأبيهم.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾: قالوا: يا أبانا أُنذرنا بمنع الكيل منا في المرات القادمة إذا لم نحضر معنا أخانا لأرض مصر.
وجاء بصيغة الماضي بدلاً من قوله: سيمنع منا الكيل إن لم نأتِ بأخينا معنا في المستقبل؛ للدلالة على وقوع المنع بكلّ تأكيد.
﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾: فأرسل: الفاء: للتوكيد.
﴿نَكْتَلْ﴾: تعني: فأرسل معنا أخانا نكتل في المستقبل، ولأنّ كيله سيكون من نصيب الكلّ (العائلة بكاملها) قال: نكتل؛ أيْ: كيله يضاف إلى بقية الأكيال الّتي تخصُّ العائلة معاً؛ أيْ: كيل بنيامين وكيل بقية الإخوة كلّها تجمع معاً، وتستخدم، وتسخر لكلّ أفراد العائلة، والأب معاً؛ أيْ: إذ اكتال الواحد منهم كأنّ الكلّ اكتالوا.
وأما بالنّسبة للناحية اللغوية: فنكتل أصلها نكتال؛ فلما التقى ساكنان حذفت الألف، والألف منقلبة عن ياء، وأصل اللفظ نكتيل بفتح التّاء، وكسر الياء؛ فحدث إعلال بالتّسكين (سكنت)، ثمّ قلبت الياء ألفاً؛ لانفتاح ما قبلها، وتحركها في الأصل فأصبحت نكتل.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: وإنا: للتوكيد.
﴿لَهُ﴾: اللام: لام الاختصاص له خاصة.
﴿لَحَافِظُونَ﴾: اللام: لزيادة التّوكيد؛ حافظون: من كلّ مكروه، أو أذى، وعلى حياته حافظون له في سفره معنا ولن نفرط به مهما حدث.
стр. 2332
سورة يوسف [١٢: ٦٤]
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾:
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾: قال يعقوب.
﴿هَلْ﴾: استفهام فيه معنى النّفي؛ أيْ: ما آمنكم عليه، وهل: أشد استفهاماً من الهمزة، كما لو قال: أأمنكم عليه.
﴿إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾: أيْ: ستفرطون به؛ أيْ: تضيعونه كما فرطتم: ضيعتم يوسف من قبل.
﴿آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾: للقرآن خصائص، ومن خصائصه استعمال آمنكم عليه؛ تعني: للأشخاص، وعلى: تفيد الاستعلاء، والتّسلط، والعدوان؛ مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النور: ٥٠].
وأما للأموال فيستعمل به؛ مثال قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٧٥].
﴿إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾: إلا: أداة حصر.
﴿كَمَا﴾: الكاف: للتشبيه؛ ما: مصدرية.
стр. 2333
﴿أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾: يوسف من قبل سابقاً في الماضي، ومعنى الآية: إنكم لم تستطيعوا حفظ يوسف من قبل؛ فكيف ستستطيعون حفظ بنيامين.
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: فالله خير حافظاً: فالله خير حافظاً منكم، وقُرئت: فالله خيرٌ حِفظاً؛ أيْ: منكم، وجاءت بالتّنوين؛ لتدل على الحال، والمستقبل، ولا تعني الآية المقارنة بينهم، وبين الله؛ فهي لا تجوز، ولا تستقيم، ومن المعلوم أنّ الله سبحانه يرسل حفظة (ملائكة) موكلون بحفظ العبد، كما في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
وقول يعقوب: فالله خير حافظاً؛ تعني: أنّي أتوكل على الله، وأفوض أمري إليه؛ لأنّه هو خير حافظاً، ويبدو أنّه سيفكر في الأمر، ويضع لهم بعض الشّروط لإرساله معهم.
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: هو: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد؛ أيْ: خير الحافظين.
﴿أَرْحَمُ﴾: على وزن أفعل أفضل اسم تفضيل.
﴿الرَّاحِمِينَ﴾: جمع راحم، اسم فاعل من رحم، أرحم الرّاحمين بي، وبكلّ خلقه؛ فعسى أن يرحمني برحمته، ويرد يوسف إليَّ، جرى هذا الحديث قبل فتح متاعهم.
سورة يوسف [١٢: ٦٥]
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِى هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾:
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾: لما: ظرفية زمانية؛ بمعنى: حين.
стр. 2334
﴿فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾: أي: الميرة، والطّعام الّذي أعطاهم إياه يوسف؛ أي: الأوعية الّتي تحمل الحبوب والمؤونة.
﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾: أيْ: ثمن الطّعام الّذي دفعوه إلى يوسف مثل النّقود، أو الدّراهم، أو الفضة (ما كان يمثل العملة المالية آنذاك ويشترى بها).
﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾: أُعيدت إليهم، ولم تقبض؛ عندها:
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِى﴾: ما: استفهام فيها تعجُّب، أو نافية، أو اسم موصول؛ بمعنى الذي: أي: الّذي نطلب.
﴿مَا نَبْغِى﴾: بمعنى: الاستفهام؛ أيْ: كلّ شيء نبغيه نطلبه هنا، وما نبغي بمعنى: النّفي؛ ما نبغي منك شيئاً من المال، أو الدراهم حين نعود إلى العزيز مرة ثانية، وما نبغي بمعنى: اسم موصول؛ أيْ: هذا المال الّذي نبغيه ونطلبه ونحتاجه. وفي سورة الكهف آية (٦٤) قال موسى ﵇: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ ولمعرفة الفرق بين نبغي، ونبغ؛ ارجع إلى سورة الكهف آية (٦٤) للبيان.
﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا﴾: هذه: الهاء: للتنبيه، ذه: اسم إشارة للقرب؛ تعني: البضاعة.
﴿رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾: أُعيدت إلينا، وتكرار ردَّت إلينا مرتين للتوكيد، وفرحهم بإعادة البضاعة إليهم؛ لأنّهم كانوا بأشد الحاجة إليها.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾: ونمير: من مار أهله بميرهم؛ أيْ: حمل إليهم الميرة، وهي الطّعام، أو الّذي يُخزن من الطّعام للعام القادم، وتسمّى المؤونة. ونمير أهلنا: نأتي لهم بالميرة بالرّجوع مرة أخرى إلى العزيز؛ فيكون السّياق: هذه بضاعتنا
стр. 2335
ردت إلينا نحافظ عليها، أو نستعين فيها، ونمير أهلنا بها؛ أيْ: نشتري لهم الطّعام مرة ثانية.
﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾: بنيامين؛ فلا تخف عليه، فهم يشجعون أباهم على إرسال بنيامين معهم.
﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾: لأنّ العزيز يعطي كلّ رجل حمل بعير، وبذلك نحصل على زيادة كيل واحد.
﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾: ذلك: اسم إشارة للبعد؛ أيْ: يشير إلى الكيل أنّه كيل يسير؛ أيْ: سهل الحصول عليه؛ لأنّ العزيز أوصى بإحضاره.
سورة يوسف [١٢: ٦٦]
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾:
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ﴾: قال يعقوب لبنيه: لن: حرف نفي تنفي المستقبل القريب، والبعيد معاً، أرسل أخاكم معكم.
﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: حتّى: حرف غاية نهاية الغاية، وهي إتمام الموثق، والموثق هو العهد المؤكَّد باليمين؛ أي: القسم؛ أيْ: أقسموا بالله.
﴿تُؤْتُونِ﴾: ولم يقل تؤتوني: لأنه موثق ينتهي بعودة أخيهم بنيامين بعد أن يرسله معهم فهو غير مستمر أو أبدي وغير دائم طلبه لكي يأمن مكرهم وأن يفعلوا به كما فعلوا بيوسف.
стр. 2336
﴿لَتَأْتُنَّنِى بِهِ﴾: لتأتنني: اللام: لام التّوكيد، والنّون: لزيادة التّوكيد؛ أيْ: لترجعُنَّه إليَّ سالماً.
﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾: إلا: أداة حصر؛ لتأتنني به حصراً.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ للتّعليل، والتّوكيد.
﴿يُحَاطَ بِكُمْ﴾: من الإحاطة بالشّيء من كلّ الجوانب؛ أيْ: تحاصروا من عدوكم، أو تمنعوا من النّجاة بشتى السّبل، أو تغلبوا، وتهلكوا جميعاً بقضاء وقدر من الله تعالى.
﴿فَلَمَّا﴾: فلما: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ لما: ظرفية بمعنى: حين.
﴿آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾: أعطوه عهدهم المؤكَّد بالقسم على ردِّ أخيهم، وعدم التّفريط به.
﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾: قال أبوهم: الله على ما نقول وكيل (شهيد، ورقيب)؛ أي: الله سبحانه شهيدٌ عليَّ، وعليكم؛ فأشهدَ يعقوبُ الله على عهدهم.
سورة يوسف [١٢: ٦٧]
﴿وَقَالَ يَابَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾:
﴿وَقَالَ يَابَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾: قال يعقوب لبنيه: يا بَنيَّ لا تدخلوا من باب واحد؛ قيل: كان للمدينة أربعة أبواب، وكانوا أحد عشر رجلاً، لا تدخلوا من باب واحد حين تعودون إلى مصر للمرة الثّانية.
стр. 2337
﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾: خوفاً من الحسد، والتّحرز من العين، وحتّى لا يرون جماعة واحدة، أو يحاط بهم إذا كانوا جميعاً، وكونهم ذوي جمال وأولاد يعقوب ﵇.
﴿وَمَا أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ﴾: ما: النّافية؛ أيْ: ما كان رأي يعقوب في دخولهم من أبواب متفرقة يُفيدهم شيئاً.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾: من: ابتدائية.
﴿وَمَا أُغْنِى﴾: أيْ: ما أدفع، أو ما ينفعكم نصحي شيئاً إن أراد الله بكم ضرّاً، أو نفعاً.
﴿مِنْ شَىْءٍ﴾: من: استغراقية تشمل أيَّ شيء مهما كان حسداً، أو غير حسد إذا قضى الله ذلك.
﴿شَىْءٍ﴾: نكرة؛ أيِّ شيء مهما كان نوعه، وشكله، وهذا الاحتراز في الحقيقة لا يردُّ قدر الله وقضائه.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾: إن: حرف نفي أقوى نفياً من ما؛ أيْ: وما الحكم إلا: أداة حصر.
﴿لِلَّهِ﴾: اللام: لام الاختصاص، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: تقديم الجار والمجرور، عليه: يفيد الحصر بدلاً من توكلت عليه؛ أيْ: عليه وحده توكلت.
﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: وعليه وحده فليتوكل: الفاء: للتوكيد،
стр. 2338
يتوكل المتوكلون: يطلبون منه العون بعد تقديم الأسباب، أو يفوضون أمرهم إلى الله وحده بعد أن يقدِّموا الأسباب. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (١٢) لمعرفة الفرق بين: وعلى الله فليتوكل المتوكلون، وعلى الله فليتوكل المؤمنون.
سورة يوسف [١٢: ٦٨]
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾: ولما: الواو: عاطفة؛ لما: ظرف زماني بمعنى: حين، متضمن معنى الشّرط.
﴿دَخَلُوا﴾: مصر.
﴿مِنْ﴾: ابتدائية.
﴿حَيْثُ﴾: ظرف مكاني.
﴿أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾: أيْ: دخلوا من أبواب متفرقة.
﴿مَا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ﴾: ما: النّافية.
﴿يُغْنِى﴾: يدفع عنهم، أو ينفعهم ذلك من شيء؛ فالحذر، أو الحيطة، أو الاحتراز لا يرد قضاء، ولا قدر إذا أراده الله سبحانه أن يقع.
﴿إِلَّا حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾: وما كان ذلك إلا: أداة حصر.
﴿حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾: هي مجرَّد شعور، وخوف، أو شيء في نفس يعقوب مثل الشّفقة، أو الحنان والخوف على أولاده من الحسد، أو يحاط بهم
стр. 2339
كما بين ذلك في الآية (٦٦) من نفس السورة؛ أي: يتعرضوا للقتل والأذى والمكيدة.
﴿قَضَاهَا﴾: أنفذها، ووصَّى بها بنيه، أو تكلم بها.
﴿وَإِنَّهُ لَذُو﴾: وإنّه: للتوكيد.
﴿لَذُو﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد؛ ذو: صاحب.
﴿عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾: صاحب علم.
﴿لِمَا﴾: اللام: حرف جر؛ ما: مصدرية، أو اسم موصول؛ لذو علم لما علمناه: لذو علم أنّ دخولهم من أبواب متفرقة لا يغني عنهم من الله من شيء؛ لذو علم لما علمناه: أنّه لا يصيب بَنيهِ إلا ما قضى الله، وقدّر؛ لذو علم: صاحب علم لتعليمنا إياه أمور دينه؛ يعلم أنَّ العين حق، كما ورد في الحديث الّذي أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «العينُ حقٌّ».
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: إنّ: الحذر من القضاء والقدر لا يفيد، والحسد، والعين حقٌّ، ولكن بإذن الله تعالى، وأنّ الأخذ بالأسباب لا ينفي التّوكل.
﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: علوم الآخرة؛ فهم عن الآخرة غافلون، أو جاهلون.
سورة يوسف [١٢: ٦٩]
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّى أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾: لما: ظرف زماني؛ بمعنى: حين، متضمِّن معنى الشّرط.
стр. 2340
﴿دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾: ومعهم أخوهم بنيامين الّذي كان أخاه لأبيه وأمّه.
﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّى أَنَا أَخُوكَ﴾: كيف حصل هذا التّعارف، والإيواء؟ لم يصرِّح به القرآن، وإنما أخبرنا بالنّتيجة الّتي تكشف لنا أنّ يوسف ﵇ تصرَّف بحكمة حتّى لا ينكشف أمره عليهم، ويعلموا أنّه يوسف في نفس الوقت أطلع أخاه بنيامين على نفسه، وزالت الرّيبة من بينهم، ثمّ أخبر يوسف أخاه بنيامين عن حيلة وضعت ليتاح له أخذ أخيه بنيامين؛ أي: إبقائه معه في مصر، واتَّفقا معاً، ووافق بنيامين، كما سنرى في الآيات القادمة.
﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾: من البؤس، وهو الضّر، والشّدة؛ أيْ: لا تحزن، أو لا تيْئَس: من اليأس، ولا: النّاهية. هذا قول يوسف لأخيه: فلا تبتئس.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: بما: الباء: للإلصاق؛ ما: بمعنى: الّذي.
﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: تضم الأقوال، والأفعال، أو الكيد، أو العدوان الّذي فعلوه بي في الماضي.
стр. 2341
سورة يوسف [١٢: ٧٠]
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ لما: ظرف زماني؛ بمعنى: حين.
﴿جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾: هيأ، وأعد لهم الميرة، أو الطّعام، وما طلبوا.
﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ﴾: وضع، أو جعل، أو دس السّقاية في رحل أخيه، والرّحل: ما يوضع على البعير؛ مثل الخُرج، ويوضع فيه متاع المسافر من طعام، وأدوات يحتاج إليها، والسّقاية، قيل: إناء كان الملك يشرب به ثمين جداً من الفضة، والذّهب، والجواهر، وسمّي صواع الملك، ثمّ حُولت أو جعلت صاعاً يكال به؛ أيْ: مع طول الزّمن لم يعد يستعمل الملك ذلك الوعاء للشرب؛ فجعل مثل الصّاع يكال به الطّعام؛ مثل: القمح، أو الشعير، أو الرز، أو التمر … وغيرها، ويطلق عليه السّقاية.
فقد أمر يوسف بعض أعوانه أن يدسُّوا السّقاية في رحل أخيه بنيامين، وكانت هذه هي الوسيلة، أو الحيلة الّتي خططها مع أخيه؛ لكي يُبقي أخاه عنده، كما سنرى بعد قليل، وبعد أن استعدوا للعودة إلى ديارهم، وركبوا جمالهم:
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾: ثمّ: للترتيب التّسلسلي في الأحداث؛ أيْ: ترتيب الأخبار.
стр. 2342
﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾: أيتها: أيَّ: أداة للاستفهام للعاقل، وغير العاقل، والزّمان، والمكان، والهاء: للتنبيه.
﴿الْعِيرُ﴾: الإبل، والبغال، والحمير الّتي تحمل الميرة، والطّعام؛ أي: القافلة (الرجال مع العير)، والنّداء موجَّه إلى أصحاب العير.
﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾: أيْ: يا أصحاب العير إنّكم: إنّ: للتوكيد.
﴿لَسَارِقُونَ﴾: اللام: لزيادة التّوكيد؛ كان يكفي أن يقول: إنّكم سارقون؛ فهو قد أكَّد بأن، واللام، وسارقون: جملة اسمية تفيد الثّبوت؛ أيْ: صفة السّرقة.
سورة يوسف [١٢: ٧١]
﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾:
﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم﴾: أيْ: وأقبل إخوة يوسف إلى المؤذن، وأعوانه، أو من حوله يسألونهم ماذا: استفهام حقيقي، وماذا: أقوى في الاستفهام من: ما، ولم يقولوا: ما تفقدون، قالوا: ماذا تفقدون.
﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾: أيُّ شيء تفقدون؟ أيْ: ما هو الشّيء الضائع المفقود الّذي لا تجدونه؛ أيْ: حين سمعوا النّداء من بعيد بدؤوا بالسّؤال، وهم يسيرون متجهين نحو المؤذن.
سورة يوسف [١٢: ٧٢]
﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾:
﴿قَالُوا﴾: أيْ: فتيان يوسف، والمؤذن.
﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾: أيْ: لمن وجد لنا صواع الملك (السّقاية) له حمل بعير من الميرة، والطّعام مكافأة له.
﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾: وقال المؤذن: وأنا بحمل البعير كفيل أعطيه لمن جاء به.
стр. 2343
﴿زَعِيمٌ﴾: من الزّعامة الّتي تعني: القوة، والقدرة على الشّيء، وزعيم القوم: رئيسهم.
سورة يوسف [١٢: ٧٣]
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾:
﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾: أيْ: قال إخوة يوسف: تالله: التّاء: تاء القسم، وهي أقوى أدوات القسم، وفيها معنى التّعجب؛ أيْ: أقسموا، وهم بدهشة لاتهامهم بأنّهم من السّارقين. وهذا القسم (تالله) تكرر ثلاث مرات في سورة يوسف في هذه الآية، والآية (٨٥)، والآية (٩١)، وهذا القسم ليس خاصاً بإخوة يوسف فقط؛ فقد ورد في آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النحل: ٦٣].
﴿لَقَدْ﴾: لقد: اللام: للتوكيد، وقد: للتحقيق، والتّوكيد أيضاً.
﴿عَلِمْتُم﴾: من العلم، والعلم: يفيد اليقين، والعلم: يتعلق بالصّفات بينما المعرفة تتعلق بالذّوات؛ أيْ: لم يقل: لقد عرفتم.
﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى الْأَرْضِ﴾: ما: النّافية.
﴿جِئْنَا﴾: قدِمنا.
﴿لِنُفْسِدَ فِى الْأَرْضِ﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد؛ نفسد في الأرض: تعني: السرقة؛ فالفساد من معانيه: السّرقة الّتي تؤدِّي إلى الخوف، والقتل … وغيره.
﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾: وما: النّافية، وتكرار ما: لزيادة، وتوكيد النّفي؛ نفي الفساد، ونفي السّرقة.
стр. 2344
سورة يوسف [١٢: ٧٤]
﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾:
﴿قَالُوا﴾: أي: المؤذن، وأعوانه قالوا لإخوة يوسف:
﴿فَمَا﴾: الفاء: للتوكيد؛ ما: استفهامية.
﴿جَزَاؤُهُ﴾: وهاء الضّمير في (جزاؤه) تعود على جزاء، أو عقاب سرقة الصّواع، أو تعود على السّارق.
﴿إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال.
﴿كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾: أنّكم لم تسرقوا الصّواع، أو أنّكم أخذتموه.
سورة يوسف [١٢: ٧٥]
﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ﴾:
﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾: قال إخوة يوسف: من وجد الصّواع في رحله فهو جزاؤه؛ أيْ: من سرق شيئاً يصبح السّارق عبداً مملوكاً للذي سرق منه، وهكذا كان حكم السّارق في بني يعقوب أن يصبح السّارق عبداً مسترقاً للمسروق له مدَّة سنة كاملة.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ﴾: أيْ: مثل هذا الجزاء؛ أي: استرقاق السّارق مدَّة سنة نجزي الظّالمين (أي: السّارقين المفسدين في الأرض).
سورة يوسف [١٢: ٧٦]
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾:
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾: فبدأ: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ أيْ: أمر يوسف فتيانه بتفتيش أوعيتهم، وكانوا عشرة إخوة قبل أن يفتش وعاء أخيه (بنيامين)؛ كي ينفي عنه الشّبهات بأنّه يكيد لهم شيئاً ما.
стр. 2345
﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾: ثمّ: للاستبعاد، والتّرتيب الكلامي، أو التّسلسلي في الأحداث، وليس يعني التّرتيب، والتّراخي في الزّمن؛ فتش وعاء أخيه أخيراً؛ فاستخرج الصّواع.
﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿كِدْنَا﴾: من الكيد: وهو التّدبير الخفي، والحيلة، أوحينا إليه بالإلهام، أو الوحي كيف يسترد أخاه بهذه الطّريقة، أو الحيلة، وشبه ذلك بالكيد. ارجع إلى الآية (٥) من نفس السورة.
﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ الْمَلِكِ﴾: ما: النّافية.
﴿كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ الْمَلِكِ﴾: أيْ: لو اتبعوا، أو طبقوا قانون السّرقة في دِين الملك (في مصرَ)؛ أيْ: في حكم الملِك ما كان يحق له، أو يسمح له أن يأخذ أخيه، أو يُبقيه عنده سنة؛ لأنّ قانون الملك أو دِينه ينصُّ على أنّ السّارق يغرَّم ضعفي ما سرق، ويضرب، وهو قانون مغاير لحكم بني إسرائيل.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: إلا: أداة حصر.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد؛ أيْ: لولا مشيئة الله سبحانه ما تمكَّن يوسف من أخذ أخيه، وإبقائه عنده.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾: نرفع درجات.
﴿مَنْ﴾: ابتدائية.
﴿نَشَاءُ﴾: بالعلم، والحكمة، والنّبوة، والإيمان.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾: ذي علم: صاحب علم؛ هناك من أعلم منه، وهكذا يتسلسل الأمر حتّى ينتهي أخيراً إلى الله؛ فهو علام الغيوب، وأعلم
стр. 2346
العالمين، وعالم الغيب، والشّهادة، عليم بكلّ شيء، ولا يخفى عليه شيء في السّموات، ولا في الأرض.
سورة يوسف [١٢: ٧٧]
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾:
﴿قَالُوا﴾: أيْ: إخوة يوسف؛ قالوا: يا عزيز مصر لا تعجب.
﴿إِنْ يَسْرِقْ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك؛ إن يسرق بنيامين.
﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ﴾: فقد: الفاء: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد؛ أيْ: له أخ من قبله كان يسرق، ولم يسمّوا أخاهم الّذي كان يسرق (هو يوسف).
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾: ولم يرد على اتهامهم له بالسّرقة؛ فقد كظم غيظه، وغضبه، وأخفى يوسف ذلك في نفسه، وقيل في تفسير هذا: عندما كان يوسف يُربَّى عند عمته بعد وفاة أمّه، وعندما كبر، أراد يعقوب أخذه من عمته، وأرادت عمته أن تستبقيه عندها، وكانت تعلم أنّها إذا اتهمته بسرقة شيء ما عندها حسب شريعة يعقوب يبقى عندها (السّارق يُسْتَرقُّ سنة)؛ فلذلك قامت عمداً، ووضعت نطاقاً لها من أبيها إسحاق في متاع يوسف، وادّعت أنّها فقدت نطاقها؛ فبحثوا عنه فوجدوه في متاع يوسف، وهكذا أبقته عندها سنة أخرى في حضانتها.
﴿قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا﴾: قال يوسف في نفسه: لأنتم شرٌّ مكاناً أشرُّ منزلة عند الله مني لما فعلتم بي وبأبيكم.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾: والله: تقديم الله للحصر.
﴿أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾: تكذبون، أو تفترون عليّ الكذب بالسّرقة.
стр. 2347
سورة يوسف [١٢: ٧٨]
﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾:
﴿قَالُوا﴾: أيْ: إخوة يوسف.
﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾: يا: النّداء؛ الهاء: للتنبيه؛ يا أيُّ: للتّعظيم.
﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿إِنَّ لَهُ﴾: أيْ: بنيامين.
﴿أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾: توكيد، لا يتحمل الصّدمة، أو الفاجعة بفقد ابنٍ آخَر له بعد أن فقد يوسف من قبل.
﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾: استبق أحدنا بدلاً منه، وأتم إحسانك علينا، وخلِّ سبيله حتّى يرجع إلى أبيه.
﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: إنا: للتوكيد.
﴿نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: في أفعالك لنا؛ بالتّصدق علينا، والصفح، والعفو، ومعاملتنا بالحسنى.
стр. 2348
سورة يوسف [١٢: ٧٩]
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَّأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾:
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾: قال يوسف: معاذ الله؛ أيْ: أعوذ بالله أن نأخذ بريئاً بدلاً من سارق؛ فهذا ظلم.
﴿أَنْ نَّأْخُذَ﴾: أن: مصدرية؛ تفيد التّوكيد، والتّعليل.
﴿إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾: إلا: أداة حصر، فقط نأخذ من وجدنا متاعنا؛ أي: الصّواع عنده.
﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾: إذن: حرف جواب، وجزاء.
﴿لَظَالِمُونَ﴾: اللام: للتأكيد؛ ظالمون: جمع ظالم، والظلم: الخروج عن حكم، أو منهج الله؛ لمعرفة معنى الظلم: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤).
سورة يوسف [١٢: ٨٠]
﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِى أَبِى أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِى وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للتوكيد؛ لما: ظرف زماني بمعنى: حين.
стр. 2349
﴿اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾: استيْئَسوا: استيْئَس: بلغ أعلى درجات اليأس. ونجياً: تعني تناجوا كفاية (مبالغة في نجواهم).
استيئسوا: على وزن استفعلوا؛ للمبالغة من يئس، ييْئَس، وزيادة السين: للمبالغة؛ أيْ: استيئسوا من إقناع العزيز بعد أن حاولوا كلَّ المحاولات لإعادة أخيهم معهم، وبعد جهد ومشقة فشلت كلُّ المحاولات، ولم تعد هناك بارقة أمل، وانقطع أملهم ورجاؤهم من أن يخلِّي سبيل أخيهم.
﴿مِنْهُ﴾: تعود على العزيز (يوسف)، أو تعود إلى أخيهم.
﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾: انتهوا من النّجوى، أو مناجاة بعضهم بعضاً؛ يعني: أنّهم بعد أن يئسوا من إقناع العزيز انفردوا بأنفسهم ليتناجوا، وما سيفعلون، وما سيقولون لأبيهم، وانتهوا من النّجوى.
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾: سناً، أو قدراً، أو رأياً، قيل: كبيرهم هو الّذي أشار عليهم بإلقاء يوسف في البئر بدلاً من قتله.
﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري، ونفيٍّ. ارجع إلى سورة التوبة، آية (٦٣)؛ للبيان.
﴿أَنَّ أَبَاكُمْ﴾: أن: للتوكيد، أباكم.
﴿قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: قد: حرف تحقيق.
﴿أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا﴾: عهداً مؤكَّداً بالقسم بحفظ أخيكم بنيامين، وإعادته إلى أبيه، موثقاً من الله.
стр. 2350
﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ﴾: ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف، أو تعني: ومن قبل فرَّطتم في يوسف، والتفريط: يعني: التقصير في إتمام الموثق، أو العهد.
﴿فَلَنْ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ لن: حرف نفي، نفي الاستقبال القريب، والبعيد.
﴿أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: أغادر أرض مصر، أو أتنحَّى عن مكاني هذا.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿يَأْذَنَ لِى أَبِى﴾: بالعودة، والرّجوع إليه.
﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِى﴾: أو: للتخيير؛ أيْ: يقضي لي بخلاص أخي بنيامين، ويُفرج عنه؛ أيْ: يطلق سراحه، أو يحكم في أمري بحكمٍ ما، وهو خير الحاكمين.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٩) من سورة يونس؛ للبيان.
حينئذٍ يبدو أنهم سألوه ماذا نفعل؛ فقال كبيرهم:
سورة يوسف [١٢: ٨١]
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾:
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾: الرجوع: هو العودة إلى المكان الذي بدأ، أو انطلق منه.
﴿فَقُولُوا﴾: الفاء: للتوكيد؛ ارجعوا إلى أبيكم؛ فقولوا:
следующие страницы →