Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
العالمين، وعالم الغيب، والشّهادة، عليم بكلّ شيء، ولا يخفى عليه شيء في السّموات، ولا في الأرض.
سورة يوسف [١٢: ٧٧]
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾:
﴿قَالُوا﴾: أيْ: إخوة يوسف؛ قالوا: يا عزيز مصر لا تعجب.
﴿إِنْ يَسْرِقْ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك؛ إن يسرق بنيامين.
﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ﴾: فقد: الفاء: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد؛ أيْ: له أخ من قبله كان يسرق، ولم يسمّوا أخاهم الّذي كان يسرق (هو يوسف).
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾: ولم يرد على اتهامهم له بالسّرقة؛ فقد كظم غيظه، وغضبه، وأخفى يوسف ذلك في نفسه، وقيل في تفسير هذا: عندما كان يوسف يُربَّى عند عمته بعد وفاة أمّه، وعندما كبر، أراد يعقوب أخذه من عمته، وأرادت عمته أن تستبقيه عندها، وكانت تعلم أنّها إذا اتهمته بسرقة شيء ما عندها حسب شريعة يعقوب يبقى عندها (السّارق يُسْتَرقُّ سنة)؛ فلذلك قامت عمداً، ووضعت نطاقاً لها من أبيها إسحاق في متاع يوسف، وادّعت أنّها فقدت نطاقها؛ فبحثوا عنه فوجدوه في متاع يوسف، وهكذا أبقته عندها سنة أخرى في حضانتها.
﴿قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا﴾: قال يوسف في نفسه: لأنتم شرٌّ مكاناً أشرُّ منزلة عند الله مني لما فعلتم بي وبأبيكم.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾: والله: تقديم الله للحصر.
﴿أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾: تكذبون، أو تفترون عليّ الكذب بالسّرقة.
стр. 2347
سورة يوسف [١٢: ٧٨]
﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾:
﴿قَالُوا﴾: أيْ: إخوة يوسف.
﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾: يا: النّداء؛ الهاء: للتنبيه؛ يا أيُّ: للتّعظيم.
﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿إِنَّ لَهُ﴾: أيْ: بنيامين.
﴿أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾: توكيد، لا يتحمل الصّدمة، أو الفاجعة بفقد ابنٍ آخَر له بعد أن فقد يوسف من قبل.
﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾: استبق أحدنا بدلاً منه، وأتم إحسانك علينا، وخلِّ سبيله حتّى يرجع إلى أبيه.
﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: إنا: للتوكيد.
﴿نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: في أفعالك لنا؛ بالتّصدق علينا، والصفح، والعفو، ومعاملتنا بالحسنى.
стр. 2348
سورة يوسف [١٢: ٧٩]
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَّأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾:
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾: قال يوسف: معاذ الله؛ أيْ: أعوذ بالله أن نأخذ بريئاً بدلاً من سارق؛ فهذا ظلم.
﴿أَنْ نَّأْخُذَ﴾: أن: مصدرية؛ تفيد التّوكيد، والتّعليل.
﴿إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾: إلا: أداة حصر، فقط نأخذ من وجدنا متاعنا؛ أي: الصّواع عنده.
﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾: إذن: حرف جواب، وجزاء.
﴿لَظَالِمُونَ﴾: اللام: للتأكيد؛ ظالمون: جمع ظالم، والظلم: الخروج عن حكم، أو منهج الله؛ لمعرفة معنى الظلم: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤).
سورة يوسف [١٢: ٨٠]
﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِى أَبِى أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِى وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للتوكيد؛ لما: ظرف زماني بمعنى: حين.
стр. 2349
﴿اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾: استيْئَسوا: استيْئَس: بلغ أعلى درجات اليأس. ونجياً: تعني تناجوا كفاية (مبالغة في نجواهم).
استيئسوا: على وزن استفعلوا؛ للمبالغة من يئس، ييْئَس، وزيادة السين: للمبالغة؛ أيْ: استيئسوا من إقناع العزيز بعد أن حاولوا كلَّ المحاولات لإعادة أخيهم معهم، وبعد جهد ومشقة فشلت كلُّ المحاولات، ولم تعد هناك بارقة أمل، وانقطع أملهم ورجاؤهم من أن يخلِّي سبيل أخيهم.
﴿مِنْهُ﴾: تعود على العزيز (يوسف)، أو تعود إلى أخيهم.
﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾: انتهوا من النّجوى، أو مناجاة بعضهم بعضاً؛ يعني: أنّهم بعد أن يئسوا من إقناع العزيز انفردوا بأنفسهم ليتناجوا، وما سيفعلون، وما سيقولون لأبيهم، وانتهوا من النّجوى.
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾: سناً، أو قدراً، أو رأياً، قيل: كبيرهم هو الّذي أشار عليهم بإلقاء يوسف في البئر بدلاً من قتله.
﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري، ونفيٍّ. ارجع إلى سورة التوبة، آية (٦٣)؛ للبيان.
﴿أَنَّ أَبَاكُمْ﴾: أن: للتوكيد، أباكم.
﴿قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: قد: حرف تحقيق.
﴿أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا﴾: عهداً مؤكَّداً بالقسم بحفظ أخيكم بنيامين، وإعادته إلى أبيه، موثقاً من الله.
стр. 2350
﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ﴾: ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف، أو تعني: ومن قبل فرَّطتم في يوسف، والتفريط: يعني: التقصير في إتمام الموثق، أو العهد.
﴿فَلَنْ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ لن: حرف نفي، نفي الاستقبال القريب، والبعيد.
﴿أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: أغادر أرض مصر، أو أتنحَّى عن مكاني هذا.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿يَأْذَنَ لِى أَبِى﴾: بالعودة، والرّجوع إليه.
﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِى﴾: أو: للتخيير؛ أيْ: يقضي لي بخلاص أخي بنيامين، ويُفرج عنه؛ أيْ: يطلق سراحه، أو يحكم في أمري بحكمٍ ما، وهو خير الحاكمين.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٩) من سورة يونس؛ للبيان.
حينئذٍ يبدو أنهم سألوه ماذا نفعل؛ فقال كبيرهم:
سورة يوسف [١٢: ٨١]
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾:
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾: الرجوع: هو العودة إلى المكان الذي بدأ، أو انطلق منه.
﴿فَقُولُوا﴾: الفاء: للتوكيد؛ ارجعوا إلى أبيكم؛ فقولوا:
стр. 2351
﴿يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿ابْنَكَ﴾: بنيامين سرق.
﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾: ما: النّافية.
﴿شَهِدْنَا﴾: عليه بالسّرقة؛ أيْ: ما رأيناه يسرق؛ إلا حصراً بما علمنا.
﴿بِمَا﴾: الباء: للتوكيد؛ أيْ: لم نره يسرق، وإنما علمنا ذلك بما جاءنا من العلم، أو سمعناه من النّاس، أو وصلنا أنه سرق صواع الملك.
﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾: ما: النّافية؛ ما كنا نعلم الغيب، وأنّ هذا سيحدث له عندما أخذنا بنيامين معنا في سفرنا، أو ما كنا نعلم الغيب حين أعطيناك موثقاً من الله لنأتيك به، وإلا ما أعطيناك، أو ما كنا نعلم أنّ ابنك سيسرق، وهذا غيب لا يعلمه إلا الله، وإلا لمنعناه من فعل ذلك، أو ما كنا نعلم الغيب لعلهم اتهموه بالسّرقة (حيث الوقت ليلاً)، ويعلم كبيرهم أنّ أباهم قد لا يصدِّق هذه الأقوال كلَّها، كما فعل سابقاً عندما أخبروه بأنّ يوسف أكله الذئب؛ لذلك قال لهم: إن كذَّبكم أبوكم؛ قولوا له:
سورة يوسف [١٢: ٨٢]
﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾:
﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾: القرية أهل القرية.
﴿الَّتِى كُنَّا فِيهَا﴾: أيْ: مصر الّتي نزلنا فيها للميرة.
стр. 2352
﴿وَالْعِيرَ الَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾: العير: القافلة إذا كانت فيها دواب (جمال، وحمير)، وتحمل الطّعام (الميرة) تسمَّى العيرَ.
﴿الَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾: قدِمت معنا إلى مصر للميرة أيضاً. قيل: كانوا قوماً من الكنعانيين فهم شهدوا ما حدث؛ أيْ: أصحاب العير الّتي قدِمت إلى مصر معنا.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: لصادقون: اللام: للتوكيد؛ أيْ: سواء صدقتنا أم لم تصدقنا، نحن صادقون بريئون من التّهمة، وهم على حقٍّ في هذه المرة أنهم كانوا صادقين.
سورة يوسف [١٢: ٨٣]
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾:
وبعد أن رجعوا إلى أبيهم إلا كبيرهم الّذي بقي في مصر، وبقي بنيامين مع أخيه يوسف الّذي أخذه أجيراً في دين الملك، وأخبروا أباهم بما حدث.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾: قال يعقوب.
﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي؛ أيْ: أشك في كل ما أخبرتموني به، ولن أصدقكم.
﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾: أيْ: زينت لكم أنفسكم أمراً غير محمود سيِّئٍ لكم خاصَّة، وهذه هي المرة الثّانية الّتي يردِّد نفس الكلام؛ فقد قال حين لم يرجع يوسف: بل سولت لكم أنفسكم أمراً، آية (١٨)، وحين لم يرجع بنيامين اتَّهمهم بنفس التّهمة.
стр. 2353
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: فصبر: الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ صبر جميل: الصّبر الّذي لا يصاحبه شكوى لأحد من البشر، ويمكن الشّكوى إلى الله وحده، وهذا لا ينافي الصّبر الجميل. ارجع إلى الآية (١٨) ممن نفس السورة.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا﴾: عسى: أداة رجاء، وتستعمل في الأمور المرجوة الّتي تتحقق غالباً.
﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل، والتّوكيد.
﴿يَأْتِيَنِى بِهِمْ﴾: ولم يقل: بهما؛ لأنّهم أصبحوا ثلاثة يوسف وبنيامين وكبيرهم الّذي قال: لا أبرح الأرض.
﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾: إنّه: للتوكيد.
﴿الْعَلِيمُ﴾: بحالي، وبحال يوسف، وبنيامين، وبإخوة يوسف، وبما هو صدق، وما هو كذب، ولا تخفى عليه خافية في السّموات، ولا في الأرض، والعليم الحكيم فيما قضى، وقدر على خلقه؛ فهو أحكم الحاكمين، وهو أحكم الحكماء.
سورة يوسف [١٢: ٨٤]
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾:
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: أي: انصرف عنهم، وابتعد، وانفرد لوحده بحزنه؛ أيْ: خلا بنفسه.
стр. 2354
﴿وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾: الأسف: هو أشد الحسرة، أو يا مصيبتاه، وزيادة الألف فيه دلالة على شدة الحزن، والألم، وأبلغ من قوله: يا أسفِ، يا أسفي، وفيه تعجُّب أيضاً، وهذا الأسف لا يتعارض مع الصّبر الجميل ما دام يعقوب لوحده.
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾: الحُزن بضم الحاء: هو الألم النّفسي، وضيق في الصّدر على شيء مضى، وله زمن معين قد يطول، أو يقصر، ثمّ ينتهي، أما الحَزن بفتح الحاء: فهو لا ينتهي أبداً؛ إلا بموت الفرد؛ فهو الحُزن الشّديد منذ فقدان يوسف إلى فقدان أخيه، هذه السّنين الطّويلة، سبَّب له ابيضاضاً في العين، وضعفاً، أو فقدان البصر، وسببه كما نسمِّيه (كتاركت).
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾: حزين ساكت ممتلئٌ غيظاً، وحزناً، وغماً، ولا يظهر غيظه، ولا كربته لأحد من النّاس، ولكنه من شدة الغيظ يريد أن ينفجر، ويشتكي ويخبر بحاله. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١٣٤)؛ لمزيد من البيان.
سورة يوسف [١٢: ٨٥]
﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾:
﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾: قال إخوة يوسف لأبيهم يعقوب:
﴿تَاللَّهِ﴾: تاء القسم، وتحمل معنى التّعجب من تدهور حالته الصّحية بسبب غياب يوسف.
﴿تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾: حذفت منها لا النّافية من جواب القسم، وأصلها تالله لا تفتأ تذكر يوسف؛ أيْ: لا تنسى تذكر يوسف، أو لا تزال تذكر
стр. 2355
يوسف، أو لا تنطفئ نارك، أو تسكن عن ذكر يوسف، أو نقسم بالله أنّك لا تنسى تذكر يوسف، أو تسكن؛ أيْ: تتوقف، أو تكفُّ عن ذكره ليلاً، ونهاراً، ونار يوسف في جوانحك لا تنطفئ، ولا تهدأ. إذن تفتؤا من معانيها: لا تنسى، أو لا تسكن، أو تهدأ نارك على فراق يوسف، وحذف حرف النفي (لا)؛ لأن أمر الحرص أو الهلاك غير مؤكد مقارنة بقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١]؛ ارجع إلى تلك الآية للمقارنة.
وكذلك من معانيها: ﴿تَفْتَؤُا﴾: من فتأ، وفتئ؛ أيْ: زال وتحول؛ أيْ: ما زالت تداوم على ذكر يوسف.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿تَكُونَ حَرَضًا﴾: أي: الّذي لا يفعل ما يقول؛ أي: الفاسد عقله كالمجنون، والمخبول، والمشرف على الهلاك (الحرض؛ أي: المرحلة قبل الموت)، وأعراضها اختلال في العقل، أو الحرض: عدم القدرة على النهوض، وقيل: أصل الحرض الفساد في الجسم، أو العقل.
﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾: أو: للتخيير.
﴿تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾: تموت، وتبلى فعلاً؛ فهم أقسموا على أمر ظنوا أو تصوروا سيحدث وهو أن أباهم حرضاً أو من الهالكين ولم يحدث.
سورة يوسف [١٢: ٨٦]
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّى وَحُزْنِى إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّى﴾: قال يعقوب:
стр. 2356
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة.
﴿بَثِّى﴾: البث: هو الحُزن العظيم، والألم النّفسي الشّديد الّذي يصيب المبتلى؛ فلا يصبر عليه حتّى يبثَّه للناس، أو لله تعالى؛ أيْ: يخبر النّاس به، وما هو فيه، أو لا يستطيع كتمه أكثر من ذلك، والبثُّ أصله النّشر.
لنعلم أن الحُزن شيء مؤقَّت وسوف يزول عاجلاً، أو آجلاً.
أما الحَزن: فشيء دائم سيستمر حتّى الموت.
فالأسى يتحول إلى حُزن، والحُزن يتحول إلى البث، وهو أعلى درجات الحُزن الّذي لا يطاق؛ مما يدعو صاحبه إلى أن يبثَّه للنّاس ليعلموا بحالته.
وأما الأسف: فهو حُزن مع غضب.
﴿وَحُزْنِى﴾: ارجع إلى الآية (٨٤) من نفس السّورة.
﴿إِلَى اللَّهِ﴾: وحده.
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: أنّ الله قادر على كشف الضّر، وقادر على ردّ يوسف وبنيامين إليَّ، وإنّ رؤيا يوسف صدق ولم تتحقق بعد.
стр. 2357
سورة يوسف [١٢: ٨٧]
﴿يَابَنِىَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَايْئَسُوا مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَايْئَسُ مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾:
﴿يَابَنِىَّ اذْهَبُوا﴾: نداء من يعقوب إلى أولاده فيه حنان، واستعطاف.
﴿اذْهَبُوا﴾: ارجعوا إلى مصر.
﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾: أيْ: تتبعوا، والتمسوا أخبار يوسف، وأخيه، والتّحسس: طلب الخبر بالحاسة، أو طلب معرفة الشّيء بالبحث الدّقيق؛ أيْ: تتبَّعوا أخبارهما، وابحثوا عنهما بشكل دقيق بالسّؤال، والبصر، والسّمع، وبكلّ حاسة.
﴿مِنْ يُوسُفَ﴾: من: بعضية؛ أيْ: بعض أخبار يوسف.
﴿وَأَخِيهِ﴾: بنيامين، التمسوا أيَّ خبر عنهم.
﴿وَلَا تَايْئَسُوا مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ﴾: ولا: النّاهية.
﴿تَايْئَسُوا﴾: لا تقنطوا، واليأس: هو انقطاع الأمل من العثور على شيء، أو حدوث شيء ما.
﴿مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ﴾: من فرج الله، أو رحمته، وأصل الرّوح النّفس؛ يقال: أراح الإنسان تنفس بارتياح بعد انفراج الغم، وزوال الكربة.
стр. 2358
﴿إِنَّهُ لَا يَايْئَسُ مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ﴾: إنّه: للتوكيد؛ لا يقنط من فرج الله.
﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾: إلا: للحصر.
﴿الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾: الجاحدون بِنِعَمِ اللهِ، وقدرته، ورحمته، والجاهلون، وغير الصابرين، أو القوم الضّالون.
وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٥٦) من سورة الحجر: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾: الرّحمة هنا: في سياق الولد (الإنجاب)، وجاءت هذه الآية في سياق عقم سارة (امرأة إبراهيم)، وقول الملائكة لإبراهيم: ﴿بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٥ - ٥٦]؛ فالقنوط: هو أشدّ من اليأس، والقنوط: أخصُّ من اليأس؛ اليأس: أعم يشمل القنوط.
سورة يوسف [١٢: ٨٨]
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ﴾:
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾: فلما: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والمباشرة؛ لما: ظرف زمان بمعنى: حين دخلوا على العزيز؛ أيْ: أخوهم يوسف للمرة الثّالثة.
﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾: يا: أداة نداء، والهاء: للتنبيه.
﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾: أصابنا الضّر؛ أي: الفقر الشّديد، والجوع، والحاجة، وأصاب أهلنا الضُّرُّ: هو الأذى الّذي تكون له آثار بعيدة، والأذى يتحول إلى ضُرٍّ.
الضُّر: هو أشد من الأذى، ويكون في النّفس، والبدن.
стр. 2359
﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾: مزجاة من فعل أزجى الرّباعي؛ بمعنى: مردود لفساده، مُزجاة: اسم مفعول، وزجاه؛ بمعنى: دفع؛ أيْ: جئنا ببضاعة كاسدة لا تصلح للبيع، أو الشّراء لرداءتها، وهذه البضاعة مثل الصّوف، والسّمن، أو دراهم رديئة مزيفة قديمة، فكل تاجر يحاول التّخلُّص منها، ودفعها لغيره.
﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾: أيْ: أتم لنا الكيل، أو زِدْ لنا الكيل، ولا تعاملنا بما تساوي بضاعتنا من قيمة، وسامحنا على رداءتها، وتصدَّق علينا؛ أيْ: وتفضَّلْ علينا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿يَجْزِى﴾: من الجزاء: وهو أعم من الأجر، والجزاء: يكون وفقاً للعمل مقابل العمل الصّالح، أو السيِّئ، ويستخدم في النّفع، والضّرر.
﴿الْمُتَصَدِّقِينَ﴾: مقارنة بالمصدقين: المصدقون: فيها مبالغة أكثر في إعطاء الصّدقات؛ فهم قالوا: المتصدقين: أيْ: لم يطلبوا الكثير من الصّدقة؛ أيْ: هم يقبلون أيَّ شيء يعطيهم.
سورة يوسف [١٢: ٨٩]
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾:
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ﴾: قال يوسف: هل علمتم.
﴿هَلْ﴾: استفهام فيه معنى التّوبيخ، والتّقريع، والتّهويل. اختلف المفسرون في السّبب الّذي دفع يوسف ﵇ لهذا القول، وقال ابن عبّاس ﵄ حين سألهم يوسف: هل علمتم ما فعلتم بيوسف، وأخيه إذ أنتم جاهلون: رفع التّاج عن رأسه، فعرفوه من الشّامة الّتي كانت على صدغه، وكان ليعقوب مثلها، وهناك من قال: ابتسم
стр. 2360
يوسف، ولما ابتسم ظهرت ثناياه، وكانت علامة فارقة له؛ مما دفع إخوة يوسف إلى تذكُّره، وقال هل علمتم ما فعلتم بيوسف: أيْ: ما أعظم ما ارتكبتم بحقِّ يوسف وأخيه.
﴿إِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي.
﴿أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾: بسبب طيشكم، وسفهكم، وجاهلون بعاقبة أمركم، وآثار ما قمتم به، ومجيء هذا القول في صيغة سؤال قد يدفع المسؤول في التّحقق من هوية وشخصية المتحدث، وقيل: ما أحلم يوسف ﵇؛ إذ التمس العذر لهم بما فعلوه فيه، وسمّاه بالجهل. ارجع إلى سورة الزمر آية (٦٤) لبيان معنى الجهل.
سورة يوسف [١٢: ٩٠]
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾:
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾: أيْ: قال إخوة يوسف ليوسف: أإنك لأنت يوسف: استفهام تقريري أكَّدوه بـ (أإنك): بأن، وكذلك باللام في (لأنت): استفهام تقريري مشرب بالتّعجُّب، والفرح بنجاحهم في العثور على يوسف؛ فردَّ عليهم يوسف:
﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى﴾: قال أنا: للتأكيد، وأضاف كلمة يوسف، وهذا أخي أخرج لهم بنيامين، ولم يقل: أنا هو، وهذا أخي؛ لأنّ القاعدة: الاسم الظّاهر أقوى من الضّمير؛ إذن سؤالهم جاء بالتّوكيد؛ فكان الرّدُّ عليه كذلك بالتّوكيد.
﴿وَهَذَا أَخِى﴾: وهذا: الهاء: للتنبيه، وذا اسم إشارة للقرب، وفيه معنى
стр. 2361
التّعظيم، أو هذا أخي عرفته كما عرفتكم، وأنتم لم تعرفوني حين دخلوا ﴿عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [آية: ٥٨] من نفس السورة.
﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: قد: للتحقيق، والتّوكيد، وأدخل أخاه في النّعمة، والمنِّ، من ناحية التّقوى، والأمان، والصّبر.
﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾: إنّه: للتوكيد.
﴿مَنْ﴾: استغراقية تشمل كلَّ من يَتَّقِ، ويصبرْ (جمع بين التّقوى والصّبر) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢].
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: فإن: الفاء: للتوكيد.
﴿لَا يُضِيعُ﴾: لا: النّافية.
﴿أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: جزاء، أو ثواب المحسنين. ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة.
وقدَّم التّقوى على الصّبر؛ لأنّ التّقوى أهم من الصّبر؛ فالصّبر من دون تقوى لا جدوى له، والصّبر يعين على التّقوى.
سورة يوسف [١٢: ٩١]
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾:
﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾ قال إخوة يوسف:
﴿تَاللَّهِ﴾: تاء: القسم، وفيها معنى التّعجُّب مما حصل له من علو المنزلة والرّفعة.
﴿لَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد؛ قد: لزيادة التّوكيد، والتّحقيق.
стр. 2362
﴿آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: فضّلك، واختارك الله علينا بالنّبوَّة، والملك، والتّمكين، والجمال.
﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾: وإن المخففة تفيد التّوكيد.
﴿لَخَاطِئِينَ﴾: اللام: تزيد التّوكيد في الخطأ فيما قاموا به، ولم يقل: من المخطئين؛ الخاطئ: هو الّذي يعلم الصّواب، ويتعدّاه، والخاطئ: من يرتكب الذّنب عمداً، أمّا المخطئ: هو من لا يعلم الصّواب أصلاً، لا طريقه، ولا مكانه؛ فهو يرتكب الخطأ من دون عمد، أو قصد.
إذن: هم يعترفون بذنبهم، وأنهم ارتكبوه عمداً؛ حيث ألقَوا يوسف في غيابة الجبِّ.
سورة يوسف [١٢: ٩٢]
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾:
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾: قال يوسف لإخوته:
﴿لَا﴾: النّافية للجنس.
﴿تَثْرِيبَ﴾: عتاب، أو لوم.
﴿عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾: أيْ: بعد اليوم، والتّثريب: اللوم العنيف مأخوذ من الثّرب: وهو الدّهن الكثيف، وهو الغطاء الشحمي الواقع تحت جدار البطن يغطي الأمعاء؛ أيْ: مع أنّكم تستحقون أن تلاموا على ما فعلتم بي لوماً عنيفاً يذيب الشّحم الشّديد شحم بطونكم، ولكني أسأل الله أن يغفر لكم.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
стр. 2363
﴿أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: أرحم على وزن أفعل، أو أفضل الرّاحمين على الإطلاق؛ أيْ: إن وُجِدَ راحمون؛ فهو أرحمهم؛ فهو من فضله أطلق عليهم راحمين، ولكنه سبحانه هو وحده أرحم الراحمين؛ لأن رحمته لا تزول ودائمة، ومتعلِّقة بذاته بينما رحمة غيره زائلة، وفانية بموت صاحبها.
سورة يوسف [١٢: ٩٣]
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾:
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِى هَذَا﴾: طلب من إخوته أن يذهبوا؛ أيْ: يعودوا إلى ديارهم، ويأخذوا معهم قميصه: ثوبه، ولم يقل: ارجعوا بقميصي هذا؛ لأنّ معنى ارجعوا بقميصي: أنّ القميص كان معهم حين قدِموا إلى مصر، ولكي يتجنَّب ذلك الظّن قال اذهبوا.
﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى﴾: ولم يقل أبيكم؛ فكأنهم لا يستحقون أن يكون أباً لهم لما فعلوه بأبيهم منذ فقدان يوسف؛ فقد ابيضَّت عيناه من الحزن، وهو كظيم، وأصبح حرضاً، أو من الهالكين، ولذلك قال: وجه أبي.
﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾: وعلم ذلك من الوحي الّذي أخبره بالقيام بذلك من باب المعجزة، أو الكرامة ليعقوب، وابنه يوسف ﵇، وأنّ الله أرحم الرّاحمين.
﴿وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: أجمعين: تفيد التّوكيد؛ أي: ائْتوني بجميع الأهل من دون استثناء.
стр. 2364
سورة يوسف [١٢: ٩٤]
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾:
﴿وَلَمَّا﴾: الواو: استئنافية؛ لما: ظرف بمعنى: حين؛ متضمِّن معنى: الشّرط.
﴿فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾: القافلة (الإبل والدّواب المحملة بالطّعام، والزّاد مع أهلها)، وفصلت: تدل على شيء كان ملتصقاً بشيء، ثمّ انفصل، وفصلت العير: خرجت من مصر متجهةً إلى مكان إقامة يعقوب.
﴿قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾: قال يعقوب: إنّي: للتوكيد.
﴿لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾: أيْ: أشعر بريح تحمل رائحة يوسف؛ أيْ: هو لا يزال حياً يرزق، وأشم رائحته، الرّائحة المنبعثة من قميص يوسف.
﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾: لو: حرف شرط.
﴿أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾: أن: مصدرية تفيد التّعليل، والتّوكيد؛ خاطب يعقوب من حوله من الأهل؛ لأنّ أولاده لا زالوا في طريق العودة. التّفنيد: مرض الخرف، وضعف العقل، وضعف الرّأي بسبب الهرم، وتقدُّم العمر.
﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾: لولا اتِّهامكم لي بالخرف، والهرم لصدقتموني، والسؤال لماذا لم يشم رائحة يوسف عندما كان يوسف في مصر؟ قيل: لأنّ الرّوائح في المدينة كثيرة، وتختلط مع بعضها، أو لبعد المسافة أيضاً.
стр. 2365
وعن ابن عباس ﵄: أنّه كانت المسافة مسيرة ثماني ليال بين القميص، ويعقوب ما يعادل (٨٠ فرسخاً).
سورة يوسف [١٢: ٩٥]
﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾:
﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية (٧٣).
أيْ: قال الّذين كانوا مع يعقوب من بقية الأهل:
﴿إِنَّكَ لَفِى﴾: لفي: اللام: للتوكيد.
﴿ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾: ليس ضلال الدّين، والعقيدة، وإنما الضّلال هو الخطأ، وعدم الاهتداء إلى الصواب؛ أيْ: في خطئك القديم في إفراطك في حب يوسف، وكثرة ذكره، والانشغال به، وتوقُّع العثور عليه، والبحث عنه بشكل دائم، والّذين قالوا ذلك ظنوا أنّ يوسف قد مات.
стр. 2366
سورة يوسف [١٢: ٩٦]
﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّى أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ لما: ظرف زماني؛ أيْ: حين متضمِّن معنى الشّرط ألقاه.
﴿أَنْ﴾: تشير إلى طول انتظار يعقوب لهذا البشير، وعلمه أنّ يوسف لا زال حياً، ولذلك باعد بين لما وجاء بإدخال أن إشارة إلى استطالة الوقت؛ أيْ: طول الانتظار فمعناها التّراخي في الزّمن؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٣]، وكقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ [القصص: ١٩].
﴿جَاءَ الْبَشِيرُ﴾: جاء: تفيد المجيء بمشقة، وصعوبة، بينما أتى: تدل على السّهولة، واليسر.
﴿الْبَشِيرُ﴾: قيل: هو الأخ الأكبر؛ أيْ: كبيرهم الّذي قال: لن أبرح الأرض حتّى يأذن لي أبي، أو يحكم الله لي، وقيل: اسمه يهوذا، جاء ومعه قميص يوسف ﵇.
﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ﴾: ألقاه: الهاء تعود إلى القميص؛ ألقى القميص على وجه أبيه.
стр. 2367
﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾: الرّدة: العودة إلى الحال الأولى؛ أيْ: رجع يعقوب يبصر، ويرى كما كان قبل فقدان بصره.
فكان قميص يوسف معجزة أولاً بسبب رائحته الّتي سبقت القميص بثماني ليال، وثانياً: حين ألقي القميص على وجه يعقوب ارتد بصيراً.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّى أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: قال يعقوب لأهله، ومن حوله عندها: ألم أقل لكم: إنّي أعلم من الله ما لا تعلمون؛ لأنّه نبي، ويوحى إليه.
الفرق بين يأتي بصيراً، فارتد بصيراً:
يأتي بصيراً: كما ورد في الآية (٩٣) من نفس السّورة.
يأتي إليَّ مع كلِّ أهله إلى مصر وهو مبصر.
أما فارتد بصيراً: رجع يعقوب ذا بصر بعد أن كان أعمى فرجع بصيراً؛ أيْ: رجع إلى ما كان عليه من الإبصار؛ كأن لم يصب بابيضاض العينين.
ففي الآية (٩٣) قال: ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا﴾، وفي الآية (٩٦): ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾؛ أي: ارتد بصيراً أولاً، ثمّ يأتي إليَّ بصيراً ثانياً، أو بعد ذلك.
سورة يوسف [١٢: ٩٧]
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾:
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: هنا يقرُّ الإخوة بالذّنب، ويعترفون لأبيهم، ويطلبون منه الاستغفار لذنوبهم.
﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾: استعمل النّون المشددة في إنّا مع أبيهم؛ للتوكيد، بينما مع أخيهم قالوا: وإن كنا لخاطئين. إن: المخففة (التّوكيد أخف).
стр. 2368
والّذي يتبادر إلى الذّهن: أنّه كان ينبغي أن يكون التّوكيد أشد لأخيهم؛ لأنّهم أساؤوا إليه، وألقوه في غيابة الجب، وليس لأبيهم، والحقيقة ما قالوه لأبيهم بعد فقدان يوسف، وما حدث له من جرّاء ذلك الحُزن، والأسف، وفقدان بصره، أهم مما حدث ليوسف، وذلك مما دعاهم إلى الاعتذار، والاعتراف بالخطيئة لأبيهم، والتّوكيد الشّديد له، مقارنة بالتّوكيد الخفيف لأخيهم.
سورة يوسف [١٢: ٩٨]
﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّى إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾:
﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّى﴾: قال أبوهم يعقوب: سوف، ولم يقل سأستغفر لكم ربي؛ لأن السين تدل على الزّمن القريب، ولأن سوف: حرف استقبال تدل على البعد، والتّراخي في الزّمن؛ أيْ: بعد زمن، أو في المستقبل سوف أستغفر لكم ربي، ولكن ليس الآن، ولكن في المستقبل؛ تعني: أن يعقوب يريد أن يؤجِّل مسألة الاستغفار لهم؛ لكي يسأل ربَّه أن يغفر لهم على ما فعلوه من ذنب فيما بعد، وليس حين سألوه، والحكمة في ذلك: كي يندموا على ما فعلوا، ويشعروا بالذّنب، ويتوبوا توبة نصوحاً، وتدل على عمق الأثر الّذي في نفسه مما فعلوا به وبيوسف.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: إنّه: للتوكيد.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد زيادة التّوكيد أيضاً.
﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: كلاهما صيغة مبالغة تدلان على كثرة المغفرة، والرحمة. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١٢٩)؛ للبيان.
стр. 2369
لنقارن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [آية: ٩١]، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [آية: ٩٧]:
قالوا ليوسف: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾: استعمل إن: المخففة؛ تدل على توكيد خفيف.
وقالوا لأبيهم: ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾: استعمل: إنّا: المشددة؛ لأنّ إساءتهم إلى أبيهم كانت أشد؛ حيث أصيب بالحُزن، والعمى، واللوعة على فقدان يوسف، وأخيه لسنين طويلة؛ أما إساءتهم مع يوسف كانت لا تقارن مع إساءتهم لأبيهم؛ نعم فعلوا ما فعلوا بيوسف، ولكن أصبح عزيزاً، وعلى خزائن الأرض، ولذلك قال لهم أبوهم: سوف أستغفر لكم ربي. وقال لهم يوسف: لا تثريب عليكم اليوم.
سورة يوسف [١٢: ٩٩]
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ لما: ظرف زماني؛ بمعنى: حين.
﴿دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾: أيْ: أباه، وخالته؛ لأنّ أمّه قد ماتت من قبل، ولم يقل: والديه، وفي هذا إكرام لخالته التي هي بمنزل أمه، رغم أن والده هو يعقوب فهو غلب خالته على أبيه بالذكر.
﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾: قد تعني: لما خرج لاستقبال أبويه خارج المدينة أركب معه أبواه في عربته، أو مركبته، أو أنزل أبواه عنده في بيته، وقدَّم كلمة إليه: للدلالة على الحصر؛ أيْ: لا يريد منهما إلا أن ينزلا عنده في بيته، ولم يقل: آوى أبويه إليه.
стр. 2370
أوى إليه أبويه:
١ - ضمَّهما إلى موكبه حين خرج إلى استقبالهما.
٢ - أو أنزلهما في مسكنه وبيته.
﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾: بعد أن قال: دخلوا على يوسف، إذن هناك دخولان: دخول الاستقبال، وكان الأول خارج المدينة، والدّخول الثّاني عند دخول بيته، أو دخول واحد، وقال ذلك للتّرحيب بهم مرة أخرى، والخطاب موجَّه إلى أبويه، والعائلة معاً.
﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾: إن: للتوكيد.
﴿شَاءَ﴾: المشيئة تسبق الإرادة، وقدَّم المشيئة على آمنين؛ للاهتمام؛ لأنّ مشيئة الله أهم من الأمن، ولا يتحقَّق الأمن إلا بمشيئة الله تعالى.
سورة يوسف [١٢: ١٠٠]
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَاىَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾:
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾: أجلسهما على العرش.
﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾: له: هاء الضمير، قيل: تعود إلى يوسف؛ أيْ: خروا ليوسف (أيْ: أبواه وإخوته) سجَّداً؛ سجود تحية، أو شكر، لا سجود عبادة؛ كالانحناء، وكان ذلك جائزاً في شرعهم.
وقيل: هاء الضمير تعود إلى الله سبحانه؛ أي: الكل خرُّوا لله سجَّداً؛ سجود شكر، سجود عبادة.
стр. 2371
﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَاىَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا﴾: وقال يوسف لأبيه:
﴿يَاأَبَتِ﴾: يا: أداة نداء، والتّصغير في (يا أبت): فيها شعور بالحنان، والعطف.
﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة يشير إلى ما يحدث الآن من سجود هو:
﴿تَأْوِيلُ﴾: تفسير، أو تعبير رؤياه من قبل حين كان طفلاً، وحين رأى أحد عشر كوكباً، والشّمس والقمر رأيتهم لي ساجدين.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: وضم قبلُ يدل على زمن معلوم، ومقصود؛ أيْ: حين رأى أحد عشر كوكباً، ولو كسر قبل، وقال: من قبلِ: تدل على زمن غير محدد، أو واضح، ومعلوم.
﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا﴾: قد: للتحقيق، والتّوكيد.
﴿جَعَلَهَا﴾: أي: الرّؤيا.
﴿حَقًّا﴾: رؤيا صادقة، وحقاً من الحق، وهو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير.
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِى﴾: قد: للتحقيق، والتّوكيد.
﴿بِى﴾: الباء: للإلصاق؛ أيْ: بي خاصة؛ أيْ: إحسانٌ خاصٌّ بي؛ إذ أخرجني من البئر، ومن السّجن، وجعلني على خزائن الأرض.
وهناك فرق بين أحسن بي، وأحسن إليَّ:
أحسن إليَّ: تعني: إحسان عام يصيب كلَّ عبد، أو يشترك به كلُّ عبد.
стр. 2372
أمّا قوله: أحسن بي: أيْ: إحسان خاص.
﴿أَحْسَنَ﴾: أيْ: أنعم وفضَّل عليَّ.
﴿إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ﴾: إذ: ظرف للزمن الماضي.
﴿أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ﴾: ولم يذكر إخراجه من الجب؛ لئلا يُشعر إخوته بالخجل، والنّدم، ويذكرهم بإساءتهم إليه؛ لأنّه خرج من الجب إلى الرّق، والعبودية، والبيع، فلم يذكر ذلك، بينما خرج من السّجن، وأصبح العزيز، والحفيظ على خزائن الأرض (مصر).
أو قيل: لم يذكر الجب؛ لأنّ السّجن والجب يمثلان مكان غير مستحب، أو الجب كان يمثل السّجن، فذكر أحدهما يكفي عن الآخر.
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾: جاء: كلمة جاء تحمل معن الجهد، والمشقة، والصّعوبة؛ أيْ: جاء بكم بصعوبة.
﴿مِنَ الْبَدْوِ﴾: يعني: البادية، والاسم البدو: مشتق من البُدوِّ: وهو الظّهور، ويرى أنّهم كان ينتقلون في أرض كنعان، وكانوا أهل وأصحاب مواشٍ ينتقلون حيث الماء، والمرعى.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى﴾: من: ابتدائية.
﴿بَعْدِ﴾: ظرفية زمانية، ومكانية.
﴿أَنْ﴾: مصدرية؛ تفيد التّعليل، والتّوكيد.
﴿نَزَغَ﴾: أفسد الشّيطان بيني وبين إخوتي، وأصل النّزغ هو النّخس نخس الدّابة؛ لحثِّها على الجري، والسّرعة، وجاءت هنا بمعنى الإفساد والخصومة بينه
стр. 2373
وبين إخوته؛ فقد حاولوا قتله وهم قد أغروا به، ولم يقل بعد أن وسوس الشيطان؛ الوسوسة: أعم من النزع، والنزع: حالة خاصة من الوسوسة، والوسوسة في الأصل تكون بالصوت الخفي، وقد تكون أحياناً بالصوت المسموع.
﴿إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾: إنّ ربي: إنّ: للتوكيد.
﴿رَبِّى﴾: الخالق، المدبر، الرّزاق، اللطيف: أحاط علمه بالأسرار، والبواطن، والخفايا.
﴿لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾: لا يوجد شيء مستور عنه مهما لطف، ودق، وصغر، ولا تخفى عليه خافية، ولا يعوقه شيء؛ فهو خبير بمواقع الأشياء، والشّيء حين يرق ويصغر؛ أيْ: يلطف.
لطيف لما يشاء بعباده: يُحسن إليهم، ويكرمهم، ويعطيهم، ورؤوف رحيم بهم.
﴿لِمَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي؛ أيْ: لطيف للذي يشاء.
﴿إِنَّهُ﴾: إن: للتوكيد.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (٦) من نفس السّورة.
سورة يوسف [١٢: ١٠١]
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِىِّ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ﴾:
﴿رَبِّ﴾: نداء من دون ياء، ولم يقل: يا رب؛ لأنّ الرّب أقرب إلى عبده من حبل الوريد.
стр. 2374
﴿قَدْ آتَيْتَنِى﴾: قد: للتوكيد، والتّحقيق.
﴿آتَيْتَنِى﴾: من الإيتاء: وهو العطاء مع إمكانية استرداد الشّيء المعطى. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة؛ لمعرفة الفرق بينهما زيادة الياء تدل على العطاء الوافر من النسوة والملك وتأويل الأحاديث.
﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾: من: ابتدائية بعضية؛ أيْ: بعض الملك، وهو مُلك مصر؛ أي: الحكم.
﴿وَعَلَّمْتَنِى مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: من: للتبعيض أيضاً من بعض تأويل الأحاديث، وليس كلَّ الأحاديث، وهي تعبير الرّؤيا، وقد تشمل بعض الآيات، والأحكام الربانية. والتأويل تعريفه: هو نقل ظاهر اللفظ إلى معنى آخر، أو دلالة أخرى لسبب من الأسباب، ولم يقل علمتني من تفسير الأحاديث؛ التفسير تعريفه بشكل عام: هو كشف المراد؛ أي: المعنى، أو كشف المفردات الغير واضحة.
﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فيها معنى الخلق؛ أي: الشّق؛ أيْ: شق عنه فظهر، أو الفتق كانتا رتقاً ففتقناهما؛ أي: إظهار الخلق للوجود، أو الإظهار بالإخراج إلى الوجود، والشق: التّفطر؛ مثل: تفطُّر الشّجر إذا تشقق بالورق، وفطر الله الخلق؛ أيْ: أظهرهم بإيجاده إياهم.
﴿أَنْتَ وَلِىِّ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: الولي: المعين، والنّاصر، والحفيظ، والمتولِّي أمري؛ أي: المنعم عليَّ فلا أحتاج إلى أحد غيرك في الدّنيا والآخرة.
﴿تَوَفَّنِى مُسْلِمًا﴾: مسلماً موحِّداً، ومخلِصاً على دِين الإسلام؛ بعيداً عن الشرك، وعلى أعلى درجات الإيمان.
стр. 2375
﴿وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ﴾: من الأنبياء، وغيرهم من الصّالحين، الصّديقين، والشّهداء؛ أي: اجعلني في زمرة الصّالحين. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٠)؛ لمزيد من البيان.
سورة يوسف [١٢: ١٠٢]
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: ذا: اسم إشارة، واللام: للبعد، وذلك هنا تفيد القلة، وتستعمل تلك لكثرة الأنباء أو تعدد القصص، وذلك لقلة الأنباء، أو القصص، ففي سورة يوسف ذكرت قصة يوسف فقط، وأما في سورة هود مثلاً ذكرت قصص كثيرة: قصة نوح، وعاد، وثمود، وإبراهيم، ولوط، وفرعون، ولذلك قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ [هود: ٤٩].
﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾: من: ابتدائية؛ تفيد التّبعيض؛ أيْ: بعض أنباء الغيب (أنباء) الأخبار المهمة العظيمة المتعلِّقة بيوسف، ويعقوب.
﴿الْغَيْبِ﴾: ما غاب عن العباد، واستتر.
﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾: نخبرك به عن طريق الوحي، والوحي: هو إعلام بالخفاء؛ أيْ: ذلك من أنباء الغيب؛ لأنّك لم تحضر بني يعقوب. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٣)؛ لمعرفة معنى الوحي.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾: أيْ: حاضراً معهم؛ أيْ: مع إخوة يوسف.
﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾: إذ: ظرفية للزمن الماضي؛ بمعنى: حين.
﴿أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾: اتفقوا على أن يُلقوا يوسف في غيابة الجب.
стр. 2376
﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾: هم: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد.
﴿يَمْكُرُونَ﴾: يدبِّرون بالخفاء حيلة التّخلص منه، والمكر به. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٩٩)؛ لمعرفة معنى المكر.
سورة يوسف [١٢: ١٠٣]
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾: ما: النّافية.
﴿أَكْثَرُ﴾: أيْ: غالبية النّاس.
﴿وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾: لو: شرطية.
﴿حَرَصْتَ﴾: على هدايتهم، أو رغبت، أو طمعت. وقيل: الحرص: أشد الطمع؛ الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ .
﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾: الباء: للإلصاق؛ بمؤمنين بالله؛ إيمان عقيدة، وتوحيد.
стр. 2377
سورة يوسف [١٢: ١٠٤]
﴿وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة؛ ما: النّافية.
﴿تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: من أجر: من: استغراقية؛ تفيد التّوكيد؛ استغراق النّفي لأخذ أيِّ أجر.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾: إن: حرف نفي أشد نفياً من: ما؛ أيْ: ما هو إلا ذكرٌ للعالمين.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء بعد النّفي؛ تعني الحصر؛ أيْ: حصراً، وقصراً هو ذكرٌ للعالمين؛ أي: القرآن هو ذكر؛ لأنّه يُذكِّر كلَّ مؤمن بالله تعالى، ويمنع من الغفلة، والعزوب؛ أي: النسيان.
وإذا قارنا هذه الآية مع آية الأنعام (٩٠): ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾.
ذكر: فيه معنى الشّرف، والرّفعة.
وذكرى: من تذكر.
ذكرٌ: أقوى من ذكرى؛ فذكرٌ: جاء في سياق آيات يوسف الّتي جاءت في سياق الدّعوة، والتّبليغ، والهداية؛ حيث يقول الحق: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى﴾.
стр. 2378
وإذا قارنا هذه الآية (١٠٤): ﴿وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، والآية (٩٠) من سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾: نجد أنّ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: آكد وأبلغ في النّفي من قوله: ﴿عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.
سورة يوسف [١٢: ١٠٥]
﴿وَكَأَيِّنْ مِّنْ آيَةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾:
﴿وَكَأَيِّنْ﴾: مركبة من كاف التّشبيه، وأيٍّ المنونة، وصارت كلمة واحدة؛ بمعنى: كم: الخبرية المفيدة للتكثير، ولمقارنة كأين، ويكأن: ارجع إلى سورة الحج، آية (٤٥).
﴿مِّنْ آيَةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: من: ابتدائية، أو التّبعيض، آية كونية تدل على وحدانية الله، وأنّه هو الخالق؛ كالجبال، والأنهار، والبحار، والشّمس، والقمر، والكواكب، والنّجوم.
﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾: يشاهدونها.
﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾: صيغة المضارع؛ لتدل على التّجدُّد، والتّكرار؛ للمرور. هم: ضمير منفصل يفيد التّوكيد.
﴿مُعْرِضُونَ﴾: صفة اسمية تدل على ثبوت إعراضهم، واستمرارهم عليه.
﴿مُعْرِضُونَ﴾: لا يتعظون بها، ولا يفكرون بها، ولا ينتفعون بها، ولا تهديهم إلى الخالق، وكيف يمرون على آية في السّموات والأرض قد يكون بوسائل النّقل الحديثة؛ مثل: المركبات الفضائية، والطّائرات، والسّيارات … وغيرها؛ يمرُّون عليها في أسفارهم، وتنقُّلهم من مكان إلى آخر أو يشاهدونها.
стр. 2379
سورة يوسف [١٢: ١٠٦]
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة؛ ما: حرف نفي.
﴿يُؤْمِنُ﴾: أيْ: ما يقرُّ، ويصدِّق بعبادة الله إلا هو مشرك في نفس الوقت.
﴿أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ﴾: أكثرهم: أهل مكة، وغيرهم.
﴿بِاللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق.
﴿إِلَّا وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾: إلا: تفيد الحصر.
﴿وَهُمْ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التّوكيد.
﴿مُّشْرِكُونَ﴾: جمع مشرك: مشركون جملة اسمية تدل على ثبوت الشّرك فيهم؛ سواء أكان باتخاذ الآلهة، أو الولد، أو البنت، أو الشّريك، أو النّد، والمثيل، والطاغوت.
سورة يوسف [١٢: ١٠٧]
﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾:
﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: الهمزة: للاستفهام، والإنكار، والتّعجب.
﴿أَنْ﴾: مصدرية؛ للتعليل، والتّوكيد؛ تأتيهم.
﴿غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾: عقوبة، صاعقة، قارعة، صيحة، زلزلة؛ سمِّيت غاشية: لأنّها تعمُّ، وتغطِّي الجميع؛ تغشاهم: تصيبهم، تشملهم جميعاً من عذاب الله.
стр. 2380
﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: أو: للتخيير، هذه أو تلك تأتيهم السّاعة بغتة؛ أيْ: فجأة، والسّاعة تعني: ساعة تهدم النّظام الكوني الحالي.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: توكيد لبغتة بوقت إتيانها، أو قيامها.
سورة يوسف [١٢: ١٠٨]
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾:
﴿قُلْ هَذِهِ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ : هذه: الهاء للتنبيه؛ ذه: اسم إشارة للقرب.
﴿سَبِيلِى﴾: سنتي، وشريعتي، صراطي، منهجي.
﴿أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾: أدعو إلى الإيمان بالله، والإسلام، والتّوحيد، ولا إله إلا الله.
﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾: على: تفيد العلو، والمشقة.
﴿بَصِيرَةٍ﴾: حُجَّة بالغة واضحة، ويقين.
﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى﴾: أنا: للتوكيد.
﴿وَمَنِ﴾: ابتدائية استغراقية.
﴿اتَّبَعَنِى﴾: آمن بالله، وصدَّق بي، وبرسالتي، أو سنتي؛ أيْ: أنا ومن اتبعني على حُجَّة بالغة واضحة ندعو بها إلى دين الله.
في هذه الآية (١٠٨) من سورة يوسف: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى
стр. 2381
بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى﴾، وفي الآية (٢٠) من سورة آل عمران: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾.
ما هو الفرق بين اتبعن، واتبعني؟
اتبعن: هؤلاء قلة من الاتباع الذين أسلموا وجوهُهُم لله من المسلمين.
اتبعني: هؤلاء الدّعاة إلى الإسلام، والتّوحيد، وهم كثرة يدعون على بصيرة، وعلم، مقارنة بالذين أسلموا وجوههم لله، ولذلك أضاف لهم الياء زيادة المبنى تدلُّ على زيادة المعنى.
في سورة الأنعام، الآية (١٥٣): ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
في سورة يوسف الآية (١٠٨): ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
في سورة النّساء، الآية (١١٥): ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
فقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا﴾: أيْ: دين الله الإسلام هو ديني.
وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ سَبِيلِى﴾: أيْ: سنتي، سنة الله؛ هذه سنتي.
وقوله تعالى: ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: سنة الإجماع؛ هذا سبيل المؤمنين.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: وأنزِّه الله تعالى من كلِّ عيب، ونقص، وشريك، وندٍّ،
стр. 2382
ومثيل، وولد، وبنت في ذاته، وأسمائه، وصفاته. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (١)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: ما: النّافية.
﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التّوكيد.
﴿مِنَ﴾: ابتدائية.
﴿الْمُشْرِكِينَ﴾: وأنا بريء من جميع المشركين.
سورة يوسف [١٢: ١٠٩]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
هذا ردٌّ على قولهم؛ لأنّهم كانوا يقولون: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤].
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾: ما: النّافية.
﴿أَرْسَلْنَا﴾: ولم يقل: بعثنا. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة.
﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: من: ابتدائية؛ أيْ: ابتداء الغاية في الزّمن الّذي سبق قدومك؛ أي: قبلك مباشرة بدون فاصل زمني مقارنة بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [الأنبياء: ٧]؛ قبلك: تحتمل الزمن القريب أو البعيد.
﴿إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِم﴾: إلا: حصراً.
﴿رِجَالًا﴾: وليس فيهم امرأة.
стр. 2383
﴿نُّوحِى إِلَيْهِم﴾: بالوحي، وهو الإعلام بالخفاء بإرسال رسول، أو الإلهام، أو التّكليم من وراء حجاب. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان.
﴿مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾: أيْ: ليس من أهل البوادي، والأعراب.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ﴾: أفلم: الهمزة: للاستفهام، والفاء: للتوكيد، لم: النّافية، وفاء السببية مقارنة بالواو كقوله أولم يسيروا الواو: لمطلق الجمع.
﴿فَيَنظُرُوا﴾: الفاء: تدل على التّرتيب، والتّعقيب.
﴿كَيْفَ كَانَ﴾: كيف: للاستفهام، والتّحذير.
﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: حين يذكَّر العاقبة ويقول كان عاقبة؛ يعني: العذاب؛ أيْ: كيف كان عذاب الّذين من قبلهم، وحين يؤنِّث العاقبة فيقول كيف كانت عاقبة؛ تعني: الجنة؛ من خصائص القرآن.
﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من: ابتدائية.
﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من زمن قريب، وفيها تهديد، ووعيد أكبر مقارنة بقوله: قبلهم؛ أيْ: تعني إهلاك الأقوام التي جاءت قبلهم منذ زمن قريب؛ فيه تهديد أكبر من إهلاك البعيد، ويأتي بحرف من.
﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾: الجنة، واللام: لام الاختصاص.
﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: خير من الدّنيا.
﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: أدّوا أوامر الله، وتجنَّبوا نواهيه، واللام: لام الاختصاص.
стр. 2384
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري، وتوبيخ على عدم التّعقل (الفهم)، وتعجُّب من ترك التّفكير، وألا: أداة تنبيه، وحضٍّ، وتحمل معنى الأمر.
﴿تَعْقِلُونَ﴾: أن تفهمون ما يتلى عليكم، وما توعظون به، والخطاب موجَّه إلى المشركين، والمكذبين بآيات الله.
سورة يوسف [١٢: ١١٠]
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾:
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾: حتّى: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿إِذَا﴾: ظرف زمان للمستقبل.
﴿اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾: من يأس، واستيئس: فيها مبالغة وشدة في اليأس على وزن استفعل، ولكن لم يصل إلى درجة انقطاع الأمل كاملاً من عدم إيمان أقوامهم، وتصديقهم لهم، وتسرب اليأس إليهم، ولكن الأمل لم ينقطع، ولا زالوا عندهم أمل؛ فالمؤمن سواء أكان رسولاً، أم غيره لا ينقطع أمله أبداً، وما يتسرب إليهم من اليأس أمر عارض مؤقَّت؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَايْئَسُ مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
أما لو قال: حتّى إذا يئس الرّسل: فهذا يدلُّ على انقطاع الأمل كاملاً، وهذا غير معقول أن يحدث من أيِّ رسول بعثه الله، أو اختاره لرسالة.
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾: لأنّ نصر الله لم يأتهم بالسّرعة الّتي أرادوها؛ مما أدى إلى تسرب اليأس إلى قلوبهم وظنوا لن يؤمن بهم أحد، أو خافوا أن
стр. 2385
يكذبهم الغير، أو ظنَّ الأتباع، والقوم أنّ الله ليس مع هذا الرّسول، ولم يؤيِّده، وفرحوا بذلك.
﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَنْ نَشَاءُ﴾: فنجي: الفاء: تدلُّ على التّرتيب، والمباشرة.
﴿مَنْ﴾: استغراقية؛ تشمل كلَّ الرّسل الّذين آمنوا.
﴿فَنُجِّىَ مَنْ نَشَاءُ﴾: عند نزول العذاب؛ فنجي من نشاء؛ أيْ: كلّ الرّسل، والّذين آمنوا.
﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾: لا: النّافية.
﴿يُرَدُّ بَأْسُنَا﴾: عذابنا لا يردُّ: لا يستطيع أحد أن يمنع وقوع عذابنا، أو دفعه، أو تحويله، أو تغييره.
﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾: المجرمين: الكافرين، المشركين، والعاصين الّذين لم يتوبوا، وأصبحت صفة الإجرام عندهم ثابتة. ارجع إلى سورة هود، آية (١١٦)؛ لمزيد في معنى: المجرمين، وسورة الجاثية آية (٣١).
سورة يوسف [١٢: ١١١]
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِى الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ قد: للتحقيق.
﴿كَانَ فِى﴾: ظرفية.
следующие страницы →