Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى﴾، وفي الآية (٢٠) من سورة آل عمران: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾.
ما هو الفرق بين اتبعن، واتبعني؟
اتبعن: هؤلاء قلة من الاتباع الذين أسلموا وجوهُهُم لله من المسلمين.
اتبعني: هؤلاء الدّعاة إلى الإسلام، والتّوحيد، وهم كثرة يدعون على بصيرة، وعلم، مقارنة بالذين أسلموا وجوههم لله، ولذلك أضاف لهم الياء زيادة المبنى تدلُّ على زيادة المعنى.
في سورة الأنعام، الآية (١٥٣): ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
في سورة يوسف الآية (١٠٨): ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
في سورة النّساء، الآية (١١٥): ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
فقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا﴾: أيْ: دين الله الإسلام هو ديني.
وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ سَبِيلِى﴾: أيْ: سنتي، سنة الله؛ هذه سنتي.
وقوله تعالى: ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: سنة الإجماع؛ هذا سبيل المؤمنين.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: وأنزِّه الله تعالى من كلِّ عيب، ونقص، وشريك، وندٍّ،
стр. 2382
ومثيل، وولد، وبنت في ذاته، وأسمائه، وصفاته. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (١)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: ما: النّافية.
﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التّوكيد.
﴿مِنَ﴾: ابتدائية.
﴿الْمُشْرِكِينَ﴾: وأنا بريء من جميع المشركين.
سورة يوسف [١٢: ١٠٩]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
هذا ردٌّ على قولهم؛ لأنّهم كانوا يقولون: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤].
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾: ما: النّافية.
﴿أَرْسَلْنَا﴾: ولم يقل: بعثنا. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة.
﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: من: ابتدائية؛ أيْ: ابتداء الغاية في الزّمن الّذي سبق قدومك؛ أي: قبلك مباشرة بدون فاصل زمني مقارنة بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [الأنبياء: ٧]؛ قبلك: تحتمل الزمن القريب أو البعيد.
﴿إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِم﴾: إلا: حصراً.
﴿رِجَالًا﴾: وليس فيهم امرأة.
стр. 2383
﴿نُّوحِى إِلَيْهِم﴾: بالوحي، وهو الإعلام بالخفاء بإرسال رسول، أو الإلهام، أو التّكليم من وراء حجاب. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان.
﴿مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾: أيْ: ليس من أهل البوادي، والأعراب.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ﴾: أفلم: الهمزة: للاستفهام، والفاء: للتوكيد، لم: النّافية، وفاء السببية مقارنة بالواو كقوله أولم يسيروا الواو: لمطلق الجمع.
﴿فَيَنظُرُوا﴾: الفاء: تدل على التّرتيب، والتّعقيب.
﴿كَيْفَ كَانَ﴾: كيف: للاستفهام، والتّحذير.
﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: حين يذكَّر العاقبة ويقول كان عاقبة؛ يعني: العذاب؛ أيْ: كيف كان عذاب الّذين من قبلهم، وحين يؤنِّث العاقبة فيقول كيف كانت عاقبة؛ تعني: الجنة؛ من خصائص القرآن.
﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من: ابتدائية.
﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من زمن قريب، وفيها تهديد، ووعيد أكبر مقارنة بقوله: قبلهم؛ أيْ: تعني إهلاك الأقوام التي جاءت قبلهم منذ زمن قريب؛ فيه تهديد أكبر من إهلاك البعيد، ويأتي بحرف من.
﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾: الجنة، واللام: لام الاختصاص.
﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: خير من الدّنيا.
﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: أدّوا أوامر الله، وتجنَّبوا نواهيه، واللام: لام الاختصاص.
стр. 2384
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري، وتوبيخ على عدم التّعقل (الفهم)، وتعجُّب من ترك التّفكير، وألا: أداة تنبيه، وحضٍّ، وتحمل معنى الأمر.
﴿تَعْقِلُونَ﴾: أن تفهمون ما يتلى عليكم، وما توعظون به، والخطاب موجَّه إلى المشركين، والمكذبين بآيات الله.
سورة يوسف [١٢: ١١٠]
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾:
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾: حتّى: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿إِذَا﴾: ظرف زمان للمستقبل.
﴿اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾: من يأس، واستيئس: فيها مبالغة وشدة في اليأس على وزن استفعل، ولكن لم يصل إلى درجة انقطاع الأمل كاملاً من عدم إيمان أقوامهم، وتصديقهم لهم، وتسرب اليأس إليهم، ولكن الأمل لم ينقطع، ولا زالوا عندهم أمل؛ فالمؤمن سواء أكان رسولاً، أم غيره لا ينقطع أمله أبداً، وما يتسرب إليهم من اليأس أمر عارض مؤقَّت؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَايْئَسُ مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
أما لو قال: حتّى إذا يئس الرّسل: فهذا يدلُّ على انقطاع الأمل كاملاً، وهذا غير معقول أن يحدث من أيِّ رسول بعثه الله، أو اختاره لرسالة.
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾: لأنّ نصر الله لم يأتهم بالسّرعة الّتي أرادوها؛ مما أدى إلى تسرب اليأس إلى قلوبهم وظنوا لن يؤمن بهم أحد، أو خافوا أن
стр. 2385
يكذبهم الغير، أو ظنَّ الأتباع، والقوم أنّ الله ليس مع هذا الرّسول، ولم يؤيِّده، وفرحوا بذلك.
﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَنْ نَشَاءُ﴾: فنجي: الفاء: تدلُّ على التّرتيب، والمباشرة.
﴿مَنْ﴾: استغراقية؛ تشمل كلَّ الرّسل الّذين آمنوا.
﴿فَنُجِّىَ مَنْ نَشَاءُ﴾: عند نزول العذاب؛ فنجي من نشاء؛ أيْ: كلّ الرّسل، والّذين آمنوا.
﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾: لا: النّافية.
﴿يُرَدُّ بَأْسُنَا﴾: عذابنا لا يردُّ: لا يستطيع أحد أن يمنع وقوع عذابنا، أو دفعه، أو تحويله، أو تغييره.
﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾: المجرمين: الكافرين، المشركين، والعاصين الّذين لم يتوبوا، وأصبحت صفة الإجرام عندهم ثابتة. ارجع إلى سورة هود، آية (١١٦)؛ لمزيد في معنى: المجرمين، وسورة الجاثية آية (٣١).
سورة يوسف [١٢: ١١١]
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِى الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ قد: للتحقيق.
﴿كَانَ فِى﴾: ظرفية.
стр. 2386
﴿قَصَصِهِمْ﴾: من القصص: قصَّ تتبَّع الأثر بلا زيادة، أو نقصان. ارجع إلى الآية (٣) من نفس السّورة.
﴿عِبْرَةٌ لِّأُولِى الْأَلْبَابِ﴾: عبرة: مشتقة من عبور النّهر، الانتقال من شاطئ إلى شاطئ؛ أيْ: تذكرة وعظة، أو الدلالة التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى منزلة العلم.
﴿لِّأُولِى الْأَلْبَابِ﴾: الصّفوة من المؤمنين ذوي العقول النيّرة.
﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾: ما: النّافية لكلّ الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ ما كان القرآن حديثاً يُفترى: الحديث هو الخبر قليله وكثيره؛ القرآن ليس أخبار كاذبة مختلَقة.
﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ولكن: حرف استدراك، وتوكيد.
﴿تَصْدِيقَ﴾: تصديقاً مؤيداً مطابقاً لكلِّ ما جاء في الكتب السّماوية السّابقة من الأصول الصحيحة.
﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ﴾: تفصيلاً لكلّ ما يحتاجه البشر من الشّرائع، والأحكام، وأمور الدِّين، والحلال، والحرام، والأمر، والنّهي في حياتهم الدنيا ومعيشتهم.
﴿وَهُدًى﴾: مصدر هداية، أو هو الهدى، والهادي للحق، والصّراط المستقيم.
стр. 2387
﴿وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: رحمةً يجلب لهم ما يسرُّ، ويدفع عنهم ما يضرُّ، وعلاجاً لمن وقع في المعصية، والوقاية من الشّرِّ، أو الوقوع في المعصية.
﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ يستفيد منه القوم المؤمنون خاصَّة.
стр. 2388
سورة الرعد [١٣: ١]
سورة الرعد
ترتيبها في القرآن (١٣)، وفي النّزول (٩٦).
﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِى أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿المر﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة.
﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾: تلك: اسم إشارة؛ يشير إلى علو منزلة الكتاب، والآيات الآتية، أو الّتي سبقتها، أو الكل، وتفيد الكثرة.
﴿الْكِتَابِ﴾: أي: القرآن، وسمّي الكتاب؛ لأنّه مكتوب في الأسطر. ارجع إلى الآية (٢) من سورة البقرة، وأل التعريف: تفيد التّعظيم، وتعني: الكتاب التّام.
﴿وَالَّذِى﴾: اسم موصول، ويعني: الكتاب.
﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: أنزل إليك دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا ليلةَ القدر.
﴿إِلَيْكَ﴾: ولم يقل عليك، ارجع إلى سورة البقرة، الآية (٤)؛ للبيان.
﴿مِنْ﴾: من: ابتدائية.
﴿رَبِّكَ الْحَقُّ﴾: أي: الخالق، المربي، المدبر، المحيي، المميت، الرزاق؛
стр. 2389
أي: القرآن، والحق: هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل؛ أي: القرآن المحفوظ من التحريف، والتبديل.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِى أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: هو عطف العام على الخاص (وهو الآيات).
ولا ننسى نهاية سورة يوسف آية (١١١) كيف وصف القرآن بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
خمس صفات للقرآن، وبدأ سورة الرعد بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِى أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ أضاف إلى الخمس صفات صفة أخرى: أنه الحق.
﴿وَلَكِنَّ﴾: لكن: حرف استدراك.
﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: لا يؤمنون بالله تعالى، ولا بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].
ولو نظرنا إلى ترتيب النّزول؛ فقد نزلت سورة يوسف قبل سورة الرعد (انظر في ترتيب النّزول)؛ ففي نهاية سورة يوسف قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وبداية سورة الرعد: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ انظر التشابه بين نهاية سورة يوسف مع بداية سورة الرعد.
سورة الرعد [١٣: ٢]
﴿اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾:
وكيف لا يؤمنون بالّذي أنزل إليك الحق؟! والّذي رفع السّموات بغير عمد، والّذي سخر الشّمس، والقمر، والّذي يدبر الأمر، والّذي مد الأرض،
стр. 2390
وجعل فيها رواسي، وأنهاراً، ومن كلّ الثمرات جعل فيها زوجين اثنين، ويغشي اللّيل النّهار، ﴿فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦].
﴿اللَّهُ الَّذِى﴾: الله: اسم علم على واجب الوجود، يتضمن كلّ أسمائه الحسنى، وصفاته العلى.
﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾: أي: مرفوعة بأعمدة؛ حقيقة قوية جداً؛ نحن لا نراها؛ أي: رفع السّموات بعمد، نحن لا نراها بالعيون؛ لكونها خفية. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٠) من سورة لقمان وهي قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾؛ أي: سبحانه خلقها أولاً، ثم رفعها بعد أن خلقها.
﴿عَمَدٍ﴾: جمع: عماد، ومفردها: عامود، وهذه الآية كأنّها تتمة للآية (١٠٥) من سورة يوسف: ﴿وَكَأَيِّنْ مِّنْ آيَةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾، وفي هذه الآية: رفع السّموات بغير عمد ترونها.
﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾: كلام إخباري.
﴿تَرَوْنَهَا﴾: الهاء: تعود إلى العمد؛ فهو سبحانه رفع السّموات بعمد، وهذه العمد مختفية لا نراها، وتمثل القوى الأربع، وهي:
١ - القوة النّووية الشّديدة أقوى القوى.
٢ - القوة النّووية الضّعيفة.
٣ - القوة الكهربائية المغناطيسية (الكهرومغناطيسية).
٤ - قوة الجاذبية، وهي أضعف القوى المعروفة.
ويجب أن نفرق بين قوة الجاذبية (قوة الجذب للمادة الدّاخلة في تركيب
стр. 2391
جسم ما (موجات الجاذبية الداخلية) الّتي تتبادل الجذب مع جسم آخر (موجات الجاذبية الخارجية).
فهناك قانونان كقانون الجاذبية: الّذي يشد، أو يربط النّجم الأصغر إلى الأكبر، وقانون الطرد المركزي: الّذي يدفع الجرم الأصغر من الأكبر، وعندما تتساوى قوى الطرد المركزي مع قوى الجاذبية: تتحدد المسافة بينهما، وتظل ثابتة إلا بأمر من الله تعالى.
﴿السَّمَاوَاتِ﴾: تعني: السّموات السّبع، وكلمة السّماء: اسم جنس يشمل السّموات السّبع؛ تضم السّموات، وهذه القوى الجاذبية المختلفة بين المجرات، والكواكب، والنّجوم، والشّموس تبقى ثابتة لا تتغير رغم كونها مختلفة؛ فالكون يبقى مستقراً بفضل هذه القوى، ولا ينحرف، وهو بناء دقيق متماسك، وليس فراغاً، كما كان يُظن قديماً.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ارجع إلى الآية (٣) من سورة يونس.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: سخر الله الشّمس، والقمر سخرها حين خلقها، ودائماً في القرآن يقول: سخر بالفعل الماضي؛ لأنّ التّسخير، تمَّ سابقاً في مرة واحدة.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: تعني: ذلل الشّمس والقمر؛ ليؤديا مهمتهما، ولا اختيار لهما؛ فالشّمس، والقمر كلٌ في فلك يسبحون في المجرة الشّمسية، فهذه المخلوقات خُيرت من قبل فاختارت أن تكون مسخرة، وعندما يقول: سخر لكم، يأتي ذلك في سياق تعداد النّعم، وعندما لا يذكر: لكم، تكون في سياق الكلام عن مطلق قدرة الله تعالى.
﴿كُلٌّ يَجْرِى﴾: كلّ: من الشّمس، والقمر. فالشمس تجري حول مركز
стр. 2392
المجرة، وتجري بحركة مدارية، وتجري في الفضاء نحو نجم النسر، والقمر يجري حول الأرض وحول محوره.
﴿يَجْرِى﴾: مشتقة من جري الحصان، أو تجري كجري الأمواج صعوداً، وهبوطاً؛ أي: بشكل متعرج؛ تجري لمستقر لها: فسره العلماء قديماً: هو تحت عرش الرّحمن.
والتّفسير العلمي: تجري إلى ما يسمّى نقطة القمة الشّمسية؛ تجري بزاوية تميل (١٠ درجات) جنوب غرب نجم النّسر، والشّمس، والقمر، والأرض، والكواكب، والنّجوم: الكلّ يجري في المجرة، فالشمس تتم دورة كاملة حول مركز المجرة في (٢٥٠ مليون سنة)، وتتم هزة كاملة من الأعلى إلى الأسفل في (٦٠ مليون سنة).
﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: لأجلٍ: اللام: تفيد الانتهاء والاختصاص، أو بيان العلة (التعليل) يجري لبلوغ النهاية، والأجل المضروب للشمس والقمر وهو يوم القيامة هذا يدل على أنّ التّسخير سوف ينتهي، وينقطع، والتّسخير الحاصل من النّعم الدّائمة علينا، والأجل: هو يوم القيامة، عندها تكون الشّمس قد استنفدت وقودها، ولم تعد مشتعلة، وتسكن، وتخمد، وتنطفئ؛ أي: تفقد إشعاعها، وتصبح بلا ضوء، وعندها ينطبق عليها قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.
أمّا قوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: تجري الآن إلى يوم القيامة؛ حتّى تنقضي مدة أجلها، والأجل: الوقت المضروب لانقضاء الشّيء الّذي حدده لها ربنا، وعندها تُبدل الأرض غير الأرض والسّموات. ارجع إلى سورة لقمان، الآية (٢٩)؛ لمزيد من البيان.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: أي: يصرف أمر ملكوته، وكونه، وخلقه كيف يشاء.
стр. 2393
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: أي: يأتي بالآيات بأساليب متعددة، ومواضيع مختلفة.
﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾: لعلكم: لعل: للتعليل؛ بالنظر في هذه الآيات الكونية الدّالة على عظمة الخالق، وقدرته، وكونها مسخرة من أجلكم.
﴿بِلِقَاءِ﴾: الباء: للإلصاق، والاهتمام.
﴿تُوقِنُونَ﴾: اليقين: هو العلم بالحق، والعلم بأن ليس هناك غيره؛ توقنون بكمال قدرته على البعث، والحساب يوم القيامة؛ توقنون: من اليقين ومحله في القلب، واليقين درجات:
١ - علم اليقين.
٢ - عين اليقين.
٣ - حق اليقين؛ أعلاها حق اليقين. ارجع إلى سورة التكاثر، آية (٥).
سورة الرعد [١٣: ٣]
﴿وَهُوَ الَّذِى مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾:
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر؛ تعود على الله سبحانه.
﴿الَّذِى مَدَّ الْأَرْضَ﴾: مد: بسط طولاً وعرضاً؛ أي: مد قشرة الأرض؛ فالأرض كانت مغمورة بالماء كاملاً، ولم تكن هناك يابسة، ثم فجر الله قاع هذه الأرض بالبراكين الّتي ألقت بحممها تدريجياً حتّى ظهرت فوق الماء بشكل جزر تسمى الحافة في وسط المحيط، وبدأت هذه الجزر تتمدد لتشكل القارة الأم الّتي تفتتت بشبكة من الصدوع إلى قارات، ثم بدأت القارات تتباعد حتّى وصلت إلى أماكنها الحالية.
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ﴾: أي: أرسى الجبال في الأرض.
стр. 2394
﴿رَوَاسِىَ﴾: لا تعني فقط الجبال، بل الصّفائح القارية تحت المحيطات، والطبقات المركزية المكونة للأرض، والمركبة من الحديد، والنّحاس؛ فالرّواسي: تشمل الجبال البارزة فوق سطح الأرض، وتحت سطح الأرض المنغمسة في القشرة الأرضية الصّلبة، وما تحت البحار، والمحيطات، هذا التّوزيع للرواسي على الأرض؛ حتّى لا تميد؛ أي: لا تضطرب، أو تميل، وتبقى في حركة ثابتة ودائمة حول نفسها، وحول الشّمس. ارجع إلى سورة النحل، آية (١٥).
﴿وَأَنْهَارًا﴾: يرتبط تكوُّن الجبال بتكوُّن الأنهار عادة؛ لأنّ الجبال تصد الرياح الحاملة لبخار الماء؛ مما يؤدي إلى تشكل السحب الركامية، ونزول المطر الّذي يسيل إلى أسفل الجبال، ويساعد على تشكل الأنهار. ارجع إلى سورة إبراهيم، آية (٣٢).
﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: كلمة "زوج" مفرد، والزوجان هما الذّكر والأنثى، والزّوج؛ أي: المثيل، وجعل أي خلق من كل شيء من النبات، والثمرات، والإنسان، والحيوان، وكل مخلوق زوجين؛ ليبقى وحده سبحانه منفرداً بالوحدانية.
﴿اثْنَيْنِ﴾: للتوكيد.
﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ﴾: يغطي الليل النّهار؛ أي: طبقة الظّلام تغطي طبقة النّهار (الطّبقة الغازية) الّتي تضيء حين تصل إليها أشعة الشّمس حين تدور الأرض حول نفسها في كلّ (٢٤ ساعة) مرة. ارجع إلى سورة يونس، آية (٦٧)؛ لمزيد من البيان.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾: إنّ: للتوكيد.
стр. 2395
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد.
﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام: للتوكيد؛ آيات: كونية عظيمة لقوم يتفكرون.
﴿لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: لقوم: اللام: لام الاختصاص.
﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: من التّفكر، وهو النّظر في الدّلائل الدالة على وجود الخالق، والدالة على عظمته، وقدرته، ووحدانيته، وأنّه الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد، ويقدس.
سورة الرعد [١٣: ٤]
﴿وَفِى الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الْأُكُلِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾:
﴿وَفِى الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾: أي: في قشرة الأرض.
﴿قِطَعٌ﴾: بقاع مختلفة من التّربة. متجاورة: متلاصقة؛ تركيب هذه التُّرب مختلفة؛ منها: ما يصلح للزراعة، ومنها: ما لا يصلح (أجدب)، والخصوبة تختلف من موقع إلى آخر، ومن أرض إلى أرض؛ فهناك تربة حمراء، وتربة سوداء، وتربة رملية.
فقد بدأت قشرة الأرض بصخور تسمى الصخور النارية الّتي تكونت عن طريق تبرد صهارة مندفعة من داخل الأرض بدرجات حرارة عالية جداً، ثم تعرضت هذه الصخور لعوامل التعرية كالمطر، والرياح، واختلاف درجات الحرارة، وعمل الكائنات الحية كلّ ذلك أدّى إلى تفتت الصخور النّارية، وتشكلت منها الصخور الرّسوبية عن طريق ترسب التربة، ثم بعض الصخور النارية والرسوبية انطمرت في أعماق الأرض؛ فكونت صخوراً متحولة ملتحمة
стр. 2396
بقوة شديدة؛ فهذه الأنواع الثلاثة كونت قشرة الأرض؛ فكلمة قطع متجاورات إشارة إلى تباين القشرة الأرضية المكونة من صخور متباينة في صفاتها المعدنية، والطبيعية، والكيميائية.
﴿وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ﴾: جمع جنة، والجنة: هي كالبستان الكثيف بالشجر، والثمر.
﴿وَزَرْعٌ﴾: الحب، القمح، والرّز، والشّعير.
﴿وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: صنوان: صفة للنخيل؛ صنوان تشير إلى المثنى، والجمع. الصّنو: الفرع الّذي يجمعه مع فرع آخر أصل واحد؛ أي: تخرج نخلتان، أو ثلاث من أصل واحد، أو نخلة لها رأسان، أو أكثر، وقد نرى أربعاً أو خمساً من أصل واحد.
وصنو الشّيء؛ أي: نظيره، أو مثيله، أو شجرة لها فرعان كل فرع صنو للفرع الآخر، ومن شجرة واحدة تخرج ثمار مختلفة الألوان، والطعوم الّتي تشير إلى تباين تربة، وصخور الأرض من مكان إلى مكان آخر.
﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: أي: من أصول مختلفة، وصنوان: من أصل واحد.
﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾: أي: رغم أنه يسقى بماء واحد نجدها مختلفة في الثّمر، واللون، والطعم.
﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الْأُكُلِ﴾: مثل: أنواع التّمر المختلفة في الجودة، والطّعم.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٣).
﴿يَعْقِلُونَ﴾: من: عقل الشّيء؛ عرفه بدليله، وفهمه بأسبابه، ونتائجه؛
стр. 2397
أي: لا يفهم هذه الآيات إلا من درس وفهم هذه الحقائق بأن الله أعطى لكلّ بذرة نباتية القدرة على أن تختار أثناء نموها ما يناسبها من عناصر، ومركبات الأرض؛ لتخرج ثمار مختلفة اللون، والطعم.
سورة الرعد [١٣: ٥]
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِى أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية؛ إن: شرطية تفيد الشّك، والنّدرة بالعجب من تكذيب هؤلاء.
﴿تَعْجَبْ﴾: الخطاب موجه إلى النّبي ﷺ ، وبالتّالي إلى أمته، تعجب من تكذيب هؤلاء المشركين، أو القول بأنّك ساحر، أو كذاب، أو مجنون، أو غيرها.
﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾: أي: فأعجب من ذلك قولهم: أإذا كنا تراباً أإنا لفي خلق جديد؟! أي: هم لا ينكرون أن يموتوا، ويتحولوا إلى تراب، وإنما العجب إنكارهم للبعث، والحساب.
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: والرسول ﷺ شرح لنا ذلك في حديث؛ قال ﷺ : «كل ابن آدم يبلى إلا عظماً واحداً هو عجب الذَّنَب منه خلق، ومنه يركب يوم القيامة»؛ فقد تبين من الطب: أن الأكتودرم في الجنين تشكل كثيراً من الأجهزة، وبعد ذلك تنسحب إلى نهاية العمود الفقري بعد أن تشكل العمود الفقري، وتلتحم آخر (٣) فقرات، وتشكل عظم عجب الذنب (العصعص)؛ فهو لا يبلى أبداً، وقبل النفخة ـ نفخة البعث ـ ينزل الله سبحانه ماءً من السّماء؛ فينبتون كما ينبت البقل. ارجع إلى سورة الروم، آية (١٩).
ولمعرفة الفرق بين عجب، عجيب، عُجاب: ارجع إلى سورة ق، آية (٢).
стр. 2398
﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وتعجب، واستعمال إذا ظرفية زمانية للمستقبل، وتدل على حتمية حدوث الموت، وانقلابهم إلى تراب.
﴿أَإِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: أإنا: استفهام إنكاري مشوب بالتّعجب، والنّفي.
﴿لَفِى﴾: اللام: لام التّوكيد.
﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: بعد البعث، والموت، والجديد: يدل على أنه كان موجوداً قديماً، ثم تجدد؛ أي: خلقوا من جديد بعد موتهم، بينما الشيء المحدث: هو الشيء الذي لم يكن سابقاً؛ أي: موجوداً ثم وجد.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾: اسم إشارة، واللام: لام البعد. يشير إلى بعد انحطاطهم.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾: جحدوا بربهم وأنكروا وجوده ونعمه، والباء: للإلصاق.
﴿وَأُولَئِكَ﴾: انظر في "أولئك" الأولى، وتكرار أولئك؛ للتوكيد اللفظي، وفصل الأغلال عن النّار.
﴿الْأَغْلَالُ فِى أَعْنَاقِهِمْ﴾: الأغلال: جمع غل، وهو القيد من حديد تشد به اليدان إلى العنق؛ فلا يستطيعون الالتفات يمنة، أو يسرة في النّار.
﴿وَأُولَئِكَ﴾: انظر: في "أولئك" السّابقة.
﴿أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: انظر: في الآية (٣٦) من سورة الأعراف؛ للبيان.
стр. 2399
سورة الرعد [١٣: ٦]
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر إنكارهم للبعث، وتكذيبهم للحساب، والجزاء؛ يذكر صفة أخرى لهم هي: استعجالهم بالعذاب؛ فيقول:
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: الاستعجال: أن تطلب الشّيء قبل حلول، أو مجيء زمنه، ولكلّ غاية زمن فإذا حاولت أن تصل إليها قبل زمنها؛ فهذا استعجال.
﴿بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد، والسّيئة هنا: العقوبة، والعذاب، وتعريفها: كلّ ما يسيء للنّفس بشكل عام؛ فهم يستعجلون بالعذاب؛ أي: أن يُنزل عليهم؛ لأنّهم ينكرون وقوعه، ولا يؤمنون بالبعث، ولا بالعذاب في الآخرة، ولا بالرّسل، ولا بجنة، ولا بنار، أو أي: إنذار.
﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: إنّ أي إنسان عاقل يستعجل للحصول على الحسنة أوّلاً؛ فهم؛ لفساد عقولهم، وعدم إيمانهم عكسوا الآية؛ فطلبوا السّيئة قبل الحسنة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠١)؛ لمزيد من البيان في معنى الحسنة.
﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾: قد: للتحقيق، والتّوكيد.
﴿خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾: خلت: مضت وسبقت.
стр. 2400
﴿الْمَثُلَاتُ﴾: العقوبات، جمع مَثُلة: وهي العقوبة الفاضحة الّتي تنزل بالإنسان بسبب جريمته؛ سميت مَثُلة: لكون العقاب يماثل الجريمة، أو العقاب على قدر الجريمة، أو سميت مَثُلة؛ لأنّ صاحب الجريمة بعد عقوبته يصبح عبرة لغيره، فيرتدع الغير به؛ أي: مضت عقوبات أمثالهم من المكذبين، فلماذا لم يرتدعوا ويعتبروا، ويخافوا؟
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾: وإنّ: للتوكيد.
﴿رَبَّكَ لَذُو﴾: لذو: اللام: للتوكيد، والتّعليل.
﴿مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾: أي: مالك المغفرة، أو القادر على أن يغفر أو لا يغفر؛ أي: يستر ذنوبهم، ولا يعاقبهم عليها؛ يغفر لهم، ويثيبهم على حسناتهم رغم ظلمهم إذا تابوا وأنابوا إليه. وإذا قارنا لذو مغفرة مع قوله تعالى ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] تعني: المستحق لأن يكون صاحب المغفرة.
﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾: جاء بعلى: للاستعلاء؛ أي: أن ظلمهم يقتضي العقوبة، ولكن رحمة الله ومغفرته بهم أنه يؤخر عنهم العذاب؛ لعلهم يتوبوا وينيبوا إليه.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: لشديد: اللام: للتوكيد؛ لشديد العقاب: كما هو لذو مغفرة. ولمعرفة معنى العقاب: ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٩٦).
سورة الرعد [١٣: ٧]
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾:
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا﴾: لولا: أداة حض، وجاء بالفعل المضارع بدلاً من قالوا؛ ليدل على تكرار قولهم، وتجدده؛ فهم لم يكفُّوا عن مثل هذا السّؤال بعد.
стр. 2401
﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَّبِّهِ﴾: أي: معجزة للدلالة على نبوته ﷺ ، وصدق ما يُخبر به. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٧) من نفس السورة وقالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: لا يعني هذا تكرار للآية، وإنما هناك اختلاف فالآية (٧) يطلبون آية تدل على نبوة الرسول ﷺ ، وأما الآية (٢٧) هم يطلبون؛ أي: آية تهديهم وتدلهم إلى الهداية الخاصة؛ هداية قلوبهم، ولذلك جاء الرد: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾: ليكن هذا هو الرّد على طلبهم.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد الحصر، والتّوكيد. أنت فقط منذر، والإنذار: هو الإعلام مع التحذير، وهو الإخبار بشيء يجب القيام به، أو الابتعاد عنه؛ أي: أنت منذر، وليس المسؤول عن الإتيان بالآيات، ولم يقل منذر، ومبشر؛ لأنّ سياق الآيات في الّذين كفروا بالبعث، واستعجلوا العذاب؛ فليس هناك ما يبشرهم به.
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾: نبيٌّ يهديهم إلى الحق، وإلى ربهم، أو لكلّ قوم هاد، وأنت منذر، وهاد لكلّ قوم؛ يهدي إلى دين الله، والصّراط المستقيم.
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ﴾: اللام: لام الاختصاص، والقوم: الجماعة، أو الأمة، وطلبهم أن يُنزل عليك آية إنما هو للتعجيز، ولو جاءتهم كلّ آية ما كانوا ليؤمنوا بها، ولطلبوا غيرها.
стр. 2402
سورة الرعد [١٣: ٨]
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾:
بعد أن ذكر سبحانه إنكار الّذين كفروا للبعث، واستعجالهم بالعذاب، وطلبهم إنزال آية على رسوله ﷺ ، يورد سبحانه الأدلة على أنّ علمه محيط بكلّ شيء؛ فهو يعلم ما يخفون في أنفسهم مثل إنكار البعث، ويعلم بحالهم، وبما طلبوا من استعجال العذاب، وإنزال آية وغيرها؛ فهو يعلم كلّ ذلك، ويعلم كذلك:
﴿مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي تحمل كلّ أنثى، أو مصدرية: ما تحمل كلّ أنثى ذكراً، أو أنثى، جنيناً واحداً، أو أكثر، وهل الجنين تام النّمو، أو مشوه، والأنثى من كلّ جنس الإنس، والجن، والحيوان، والنبات.
﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾: بالوضع، والإسقاط، والولادة قبل تسعة أشهر، ونقص وزن الجنين.
﴿تَغِيضُ﴾: من غاض؛ أي: نقص؛ أي: تنقص وتحمل سبعة، أو ثمانية أشهر بدلاً من تسعة، أو تسقط، وتشمل كلّ الأرحام.
﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾: بعدد الأجنة، وزيادة وزن الجنين، وما تزداد بالوضع بعد (تسعة أشهر)، وما تحملُ كلُّ: بالضم، ولم يقل: كلَّ بالفتح؛ لأنّ هناك من الإناث غير حامل؛ أي: متزوجة، أو متزوجة وغير حامل، أو في سن اليأس، أو لم تبلغ سن البلوغ، ولو قال: كلَّ: لكان يعني: كلّ الإناث حوامل.
﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾: ولم يقل: كلَّ: لو قال: كلَّ: لكان يعني ذلك:
стр. 2403
أنّ كلّ شيء خلقه في الكون كان بمقدار، مع العلم أنّ هناك أشياء خلقها بغير مقدار، والمقدار يعني: الكم؛ مثل: الوزن، والحجم.
سورة الرعد [١٣: ٩]
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: عالم: اسم فاعل من علم، لا يغيب عن علمه شيء في الأرض، ولا في السّماء، لا العالم الظّاهر المشهود يغيب عن علمه، ولا العالم الخفي المستتر عن العيون، والحواس، والمدركات؛ فهو أيضاً علام الغيوب؛ يعلم ما يعمله كلّ مخلوق، وما يجري في كونه.
﴿الْكَبِيرُ﴾: العظيم الشّأن؛ أكبر من كلّ شيء، وأعظم، وأجَلُّ من كلّ شيء، الّذي يصغر كلّ شيء أمام عظمته وكبريائه، وكلّ شيء بالنّسبة له صغير، وأكبر من أن تدركه العقول، والحواس.
﴿الْمُتَعَالِ﴾: علو الذّات، والصّفات؛ المتعالي على عرشه؛ المستعلي على كلّ شيء بقدرته، وسلطانه، وعظمته، وكبريائه؛ المتعالي عن الولد، والشّريك، والنّد، والنّظير؛ علو المكانة، والقدر، والقهر.
سورة الرعد [١٣: ١٠]
﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾:
﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ﴾: أي: عالم الغيب والشهادة؛ يستوي عنده سبحانه من يسرُّ بقوله، أو يجهر، أو يختفي من الناس، أو يظهر.
﴿مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾: ابتدائية استغراقية تشمل كلّ واحد؛ سواء أسر قوله، وأخفاه، أو جهر به وأعلنه.
стр. 2404
﴿وَمَنْ﴾: تكرار للتوكيد.
﴿مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ﴾: وراء جدر، أو في ظلام، أو متوار عن أعين النّاس.
﴿مُسْتَخْفٍ﴾: اسم فاعل من: استخفى على وزن مستفعل؛ أي: مبالغ في الاختفاء.
﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾: أي: ذاهبٌ في سربه؛ أي: في طريقه، ويراه كلّ واحد، أو ظاهر ماشي في ضوء النّهار، والباء: ظرفية؛ تعني: في النّهار. وتكرار من ثلاث مرات يفيد التّوكيد، وفصل كلّ حالة عن الأخرى.
سورة الرعد [١٣: ١١]
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾:
﴿لَهُ﴾: للإنسان؛ اللام: لام الاختصاص، والهاء: تعود للإنسان.
﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾: ملائكة يتعاقبون عليه بالليل، والنّهار؛ لحراستة، وكتابة أعماله، وحفظه من المضار، ومراقبة أحواله، والتّعقيب: العود بعد البدء، وسميت الملائكة معقبات؛ لأنّهم يعودون عليه المرة بعد الأخرى؛ ملائكة في الليل تعقب ملائكة النّهار، ويسمون الحفظة، وقيل: اثنان بالنّهار، واثنان بالليل. ومعقبات: هذه التّاء ليست تاء التّأنيث، ولكنها تاء المبالغة، وأصلها: مَلَك معقِب.
﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: من أمامه، ومن خلفه؛ أي: يحرسونه من أمامه، ومن خلفه.
﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: يحفظونه: يحرسونه، وقيل: يحفظونه من السّوء، ومن كلّ ما يضر به؛ أي: يحفظونه بأمر صادر من الله سبحانه، وبإذنه.
стр. 2405
﴿مِنْ﴾: للابتداء، وليس كما يظن البعض يحفظونه من قدر الله، وقضائه، حتّى إذا جاء أمر الله، أو قدر الله وقضاؤه، خلَّوا بينه وبين أمر الله؛ فهم لا يعارضون أمر الله وقدره.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾: إنّ: للتوكيد؛ لا: النّافية للجنس تشمل كلّ الأزمنة.
﴿لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾: من نعمة، وصحة، وأمن، أو من فقر، ومجاعة، وضنك العيش.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾: من الكفر، والجحود، والمعاصي، والفساد، أو الإيمان.
﴿وَإِذَا﴾: ظرف للزمن المستقبل متضمن معنى الشّرط.
﴿أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾: مثل العذاب، أو البلاء، أو الهلاك، أو صيحة، أو زلزلة، أو خسف.
﴿فَلَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشّرط؛ لا: نافية للجنس.
﴿مَرَدَّ لَهُ﴾: أي: لا يرده، أو يمنع وقوعه أيُّ شيء حتّى الملائكة المعقبات وغيرها.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾: وما: للنّفي، وما لهم من دون الله؛ أي: غير الله.
﴿مِنْ﴾: استغراقية تستغرق كلّ وال (ناصر معين حافظ مانع)، وتفيد
стр. 2406
التّوكيد، ونظير هذه الآية هي قوله تعالى في سورة الأنبياء، الآية (٤٢): ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾؟ الجواب: لا أحد.
سورة الرعد [١٣: ١٢]
﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾:
﴿هُوَ الَّذِى﴾: هو: ضمير يفيد التّوكيد؛ الّذي: اسم موصول.
﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: يريكم: رؤية بصرية.
﴿الْبَرْقَ﴾: الّذي ينشأ عن اصطدام السّحب الرّكامية المشحونة بالشّحنات الكهربائية الموجبة، والسّلبية، وبسبب اختلاف أحجام هذه السّحب، وبالتّالي محتواها من الشّحنات الكهربائية يحدث التّفريغ الكهربائي الّذي يؤدي إلى تمدد الغلاف الغازي في منطقة التّفريغ؛ فتحدث الأصوات الرهيبة للرعد نتيجة تغيرات الضغط، والتّمدد، ودرجات الحرارة العالية، وهذا البرق الّذي يدوم بين جزء من (١٠٠) جزء من الثّانية، أو جزء من (١٠٠٠) جزء من الثّانية، ويحمل ما بين (١٢، ٠٠٠) إلى (٢٠٠، ٠٠٠) أمبير، وتؤثر الصّدمة الكهربائية النّاتجة عن البرق إلى إصابة الجهاز العصبي، والقلبي، واحتراق الجلد، وصعوبة في التّنفس؛ وقد يؤدي إلى صعق المصاب، والموت، إذا لم يسعف.
أمّا ما يدفع إلى الخوف من البرق؛ مثل: حصول الحرائق، وإتلاف الحرث، والزرع، وحدوث الصدمات الكهربائية التي تزهق أرواح بعض الناس، وأمّا ما يدفع إلى الطّمع الشّديد عند رؤية البرق هو الغيث، وبالتّالي الحرث، والزّراعة، والفواكه، والثّمرات.
وكذلك البرق حين يحدث يؤدي إلى أكسدة كثير من عناصر الغلاف
стр. 2407
الغازي للأرض؛ فالنتروجين يتحول إلى أكسيد النتروجين، وإلى أكسيد الكربون، وأكسيد الكبريت؛ هذه الأكاسيد تذوب في الماء النازل؛ فتزيد خصوبة الأرض، وما يصاحب ذلك من خير في الزرع، والثمار.
﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾: أي: السّحب الرّكامية المملوءة بالمطر الشّديد. وهناك السحب الطباقية القريبة من سطح الأرض ويكون سمكها قليلاً، ولا تؤدي إلى المطر، وأما السحب الركامية الّتي كالجبال، ووزنها بالأطنان، ومع ذلك تحملها الرياح، وتتشكل من اصطدام السحب المختلفة في شحناتها الكهربائية؛ مما يؤدي إلى ارتفاعها إلى أعلى مما يؤدي إلى تبردها، وتزداد الرطوبة فيها، وبخار الماء، وحينما تصل إلى حد ما تتراكم على الجانبين؛ حيث تقل قوة الدفع من أسفل، ولا تعود قادرة على رفعها أكثر من ذلك؛ فتتكون السحب الركامية الّتي تشبه تضاريس سطح الأرض. ارجع إلى سورة النور، آية (٤٣).
والرعد، والبرق يصاحب السحاب الثِّقال فقط؛ أي: السحب الركامية.
سورة الرعد [١٣: ١٣]
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِى اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾:
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾: التّسبيح: هو تنزيه الله سبحانه عن بقية الذّوات، وصفاته عن باقي الصّفات، وهو منزه عن الأغيار، وعن الولد، والشريك، والنّد، والمثيل، وعن كلّ نقص، وعيب.
﴿بِحَمْدِهِ﴾: تسبيحاً مصحوباً بالحمد، الباء: للإلصاق، والمصاحبة.
стр. 2408
﴿وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]؛ بما في ذلك النباتات، والجمادات، والحيوانات، وبعض النّاس؛ فكل هذه النباتات، والجمادات، والحيوانات تسبح بحمد ربها، ولها لغة خاصة تتكلم مع بعضها البعض.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: يسبحون كذلك.
﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾: من: تعليلية.
﴿خِيفَتِهِ﴾: الملائكة يخافون الله من الرّعد المصحوب بالصّواعق، والخوف ليس على أنفسهم، ولكن يخافون على النّاس؛ لأنّ الملائكة حفظة للناس، ومن وظائفهم أيضاً أنهم يستغفرون للذين آمنوا؛ سورة غافر، الآية (٧)، ويخافون ربهم مخافة إجلال، ومهابة.
﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾: نار تحدث من كهربة السّماء، وكهربة الأرض، عندما تتقارب السّحب من الأرض تنشأ هذه الصّواعق؛ جمع: صاعقة؛ الناتجة من تفريغ الشّحنة الكهربائية السّماوية في الأرض؛ مما يؤدي ـ أحياناً ـ إلى صاعقة تحرق كلّ ما تقع عليه بما فيها الغابات، والمنازل … وغيرها.
﴿فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾: من: ابتدائية استغراقية؛ تشمل كلّ من يشاء.
﴿مَنْ﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الذي.
أسباب النّزول: كما ذكر الواحدي، عن ابن عباس ﵄، والطّبري قيل: نزلت هذه الآية في أربد بن قيس، وعامر بن الطّفيل حين حاولا قتل رسول الله ﷺ ،
стр. 2409
فأمّا أربد: فأرسل الله عليه صاعقة (ناراً من السّماء)؛ كالبرق فصعقته، وأحرقته، وأمّا عامر بن الطّفيل: فأصيب بالغدة: التهاب غدة في عنقه فهلك، ومات بسرعة.
وقيل: نزلت في رجل من طواغيت العرب، أرسل رسول الله ﷺ رسولاً يدعوه إلى الإسلام، والإيمان؛ فقال: أخبروني ما الله؟ أمن ذهب، أم من فضة، ونحاس؟ وعاد الرّسول إلى رسول الله ﷺ يخبره بما قال ذلك الطّاغوت؛ فأرسل إليه ثانية، وثالثة، فرفض، فأرسل الله عليه ناراً فهلك؛ هذا ما رواه الطّبري، عن علي، وقاله مجاهد.
﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِى اللَّهِ﴾: في شأن التّوحيد، والبعث، والملائكة، والولد، والبنت، والشّريك، وشأن الله تعالى؛ هل هو من ذهب، أو فضة، أو ينكرون القرآن، ويكذبون رسول الله ﷺ .
﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾: المحال: مشتقة من الحول، والحول يعني: القدرة على التّصرف، أو المحال مشتقة من الحيلة (المحال؛ أي: الكيد)؛ شديد الكيد، وهو التّدبير الخفي بالمكايدة، وشديد المحال: شديد الأخذ، أو شديد العقوبة؛ شديد القوة، والانتقام، وشديد المحال: يضم كلّ تلك المعاني؛ أي: يخبر الله سبحانه أنّه أقوى منهم، وأشد حيلة، وقوة، وتصرفاً؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا حائل عن المعاصي إلا الله، ومن رحم، ولا قوة على الطّاعات إلا بالله، والاستعانة به، والتّوكل عليه سبحانه العليّ الكبير.
стр. 2410
سورة الرعد [١٣: ١٤]
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَالٍ﴾:
﴿لَهُ﴾: له خاصة دعوة الحق، وهي: لا إله إلا الله، أو:
﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: الحق: هو الله، وكلّ دعاء إليه وحده بدون إشراك هو دعاء الحق، ومن يدعو غير الله؛ فقد دعا غير الحق، أو دعا باطلاً، والحق: هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير؛ أي: هو وحده تعالى الّذي يُدعى الحق، والقادر على الاستجابة.
﴿وَالَّذِينَ﴾: الّذين: اسم موصول.
﴿يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: من دون الله؛ من غير الله، أو سوى الله؛ مثل: الآلهة، والأولياء، والملائكة، والأنبياء.
﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَىْءٍ﴾: لا: النّافية.
﴿بِشَىْءٍ﴾: الباء: للإلصاق، وشيء: نكرة تعني: أي شيء مهما كان صغيراً، أو كبيراً؛ أي: لن تساعدهم بشيء مهما كان نوعه، بل تخيِّب من يدعوها.
﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾: إلا: أداة حصر؛ الكاف: للتشبيه؛ أي: كمن هو عطشان فيرفع يديه، ويبسطهما إلى الماء، وهو بعيد عن الماء، أو واقف أمام الماء طالباً وصول الماء إلى فمه، فالماء سائل لا يحس بدعاء العطشان،
стр. 2411
وبحاجته إلى الماء، سواء بسط كفيه، أم لم يبسطهما، ولا يبلغ فاه، وهذا هو حال الّذين يدعون من دون الله؛ كالأصنام، أو الاحتمال الثّاني: أنّ العطشان يحاول أن يغرف الماء بيديه ليشربه، وهو باسط كفيه في الماء؛ فيرفعهما من الماء، ولا يعلق بيديه أي ماء، وهذا مستحيل؛ لأنّ الماء يزول بعد رفع الكفين إلى الفم.
﴿لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾: ليبلغ فمه، اللام: لام التّعليل.
﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾: ما: النّافية.
﴿هُوَ﴾: تعود على الباسط كفيه إلى الماء، أو "هو" تعود على الماء؛ أي: لا الماء يبلغ فاه، ولا هو ببالغه.
﴿بِبَالِغِهِ﴾: الباء: للتوكيد؛ ببالغه: بالغ فاه ليشربه، أو هو شاربه.
﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾: الواو: واو الحال، أو التّوكيد؛ ما: النّافية.
﴿دُعَاءُ﴾: الدعاء: هو الطلب والسؤال والحث على الاستجابة وقد يعني العبادة، وما دعاء الكافرين المشركين الضّالين إلا في ضلال.
﴿إِلَّا﴾: تفيد الحصر.
﴿فِى ضَلَالٍ﴾: في: ظرفية.
﴿ضَلَالٍ﴾: ضياع، وخسران؛ أي: وما دعاء، أو عبادة الكافرين لهذه الأصنام وكل شيء من دون الله في الحقيقة إلا باطل، وضياع.
سورة الرعد [١٣: ١٥]
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾:
﴿وَلِلَّهِ﴾: تقديم الجار والمجرور: لفظ الجلالة يفيد الحصر.
стр. 2412
﴿يَسْجُدُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾: السجود: إما أن يكون سجوداً حقيقياً، وإما يعني الخضوع، والانقياد.
﴿مَنْ﴾: هي للعاقل؛ أي: تشمل كلّ عاقل في السّموات، والأرض من الملائكة، والإنس، والجن؛ فهؤلاء يسجدون طوعاً؛ أي: بإرادتهم، وهذا يسمّى سجود الطوع؛ أي: الاختيار، أو كَرهاً: بفتح الكاف؛ أي: عدم القبول والرضا، وقد تعني: الإجبار، ولو قال كُرهاً: بضم الكاف تعني: الرضا والقبول، ولو كان فيه تعب ومشقة كما هو الحال في حالة الحمل فالمرأة رغم مشاق الحمل هي راضية، بل فرحة بالحمل، أما كَرهاً: مثل ترك الديار والهجرة بسبب الاضطهاد والتعذيب، وإذا كان السجود بمعنى الخضوع والانقياد؛ مثل: إصابتهم بالأمراض العديدة، والكوارث، والمصائب؛ فهم خاضعون لحكم الله تعالى؛ فالكافرون، والمشركون: يسجدون سجود الخضوع، والانقياد؛ أي: سجود الكره.
﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: الواو: واو العطف عطف الظلال (غير العاقل) على العقلاء فسقوط ظلالهم على الأرض رغم امتناعهم عن السجود يعتبر من عظمة قدرة الله تعالى فظلالهم تسجد بالغدو: أوّل النّهار، والآصال: ما بين العصر، والمغرب. وأما عطف غير عاقل على العاقل، أو بالعكس نجده في بعض الآيات ربما للتغليب أو ربما للجمع.
﴿وَظِلَالُهُمْ﴾: الظّل: هو الخيال المقابل للشمس الّذي يظهر للشيء المادي القائم، وظلالهم تسجد طوعاً، وكرهاً، أو تخضع لمشيئة الله بالامتداد، والتّقلص، والفيء، والزّوال.
стр. 2413
فأشعة الشّمس أغلبها لا يُرى كالأشعة السينية، وغاما، وما فوق الحمراء، وتحت الحمراء، وأشعة الراديوم … وغيرها.
ومن أشعة الشّمس حزمة صغيرة تسمّى حزمة الضوء المرئي الغير قادرة على اختراق الأجسام الصلبة، ولذلك بسببها تتكون الظلال، أما الأشعة الأخرى: فهي قادرة على اختراق الأجسام الصلبة، وهذه الحزمة حزمة الضوء المرئي: هي سبب تشكل النهار، وتشكل الظلال، والظل: يتحرك فحين تشرق الشّمس من المشرق، يتحرك مع حركة الأرض؛ فحركة الظل يخبرنا ربنا أنها صورة من صور العبادة، والسجود لله؛ أي: من مظاهر الخضوع.
سورة الرعد [١٣: ١٦]
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾:
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: اسأل يا محمّد ﷺ المشركين، أو الكافرين: من رب السّموات، والأرض.
﴿مَنْ﴾: استغراقية استفهامية؛ تفيد الإلزام. الرّب: هو الخالق، المدبر المتولي، الرّزاق.
﴿قُلِ اللَّهُ﴾: جاءت الإجابة من الله، ولم يترك الإجابة؛ لتأتي منهم، ومجيء الإجابة من الله أشد وأقوى، ولتكون حجة عليهم، والسّؤال هنا يتضمن معنى التّوحيد.
стр. 2414
وفي سورة الزّخرف: جاءت الإجابة منهم؛ فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾: أفاتخذتم: الهمزة للاستفهام، والتوبيخ، والإقرار؛ فإذا كان هو الله الّذي خلق السّموات والأرض، فكيف تتخذون من دونه أولياء؛ أي: شركاء، أو آلهة، وأصناماً، وأوثاناً تعبدونهم، وتدعونهم من دون الله!
﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾: لا يملكون لكم، ولا حتى لأنفسهم نفعاً، ولا ضراً، وقدم النّفع على الضّر؛ لأنّه تقدمها قوله: ولله يسجد من في السّموات والأرض طوعاً وكرهاً، طوعاً: من الطّاعة الّتي تؤدي إلى النفع، وكرهاً: من الكره الّذي يؤدي إلى الضّر، وربما لكون النفس تحب النفع أولاً، وتكرار (لا): للتوكيد، وفصل كلاً من النفع عن الضر أو كلاهما معاً لا يملكون.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ : هل: استفهام تحمل معنى النّفي؛ أي: لا يستوي.
﴿يَسْتَوِى﴾: يتساوى: يتعادل.
﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: الأعمى: الكافر المشرك، والبصير: المؤمن الموحد.
﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِى﴾: أم: حرف للإضراب الانتقالي، والهمزة فيها: للاستفهام، والإنكار، والتّوبيخ؛ (هل تستوي) مثل السّابقة.
﴿الظُّلُمَاتُ﴾: الشّرك، والكفر، والضّلال.
﴿وَالنُّورُ﴾: الإيمان.
стр. 2415
﴿تَسْتَوِى﴾: ولم يقل: يستوي؛ لأنّه تأنيث غير حقيقي.
﴿أَمْ﴾: أم: للإضراب الانتقالي، والهمزة: للاستفهام الإنكاري.
﴿جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾: خلقوا كخلق الله؛ فتشابه عليهم خلق الله بخلق الآلهة، أو الشركاء؛ أي: اختلط الأمر، ولم يقدروا على التّفريق بين الخلقين، ولاحتجوا على ذلك، ولكنهم؛ أي: الشّركاء لم يخلقوا شيئاً، والله خالق كلّ شيء؛ فإن أقروا بذلك كان بها، وإذا لم يقروا بذلك:
﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ﴾: وهو: ضمير منفصل؛ يفيد التّوكيد، والحصر. خالق كل شيء: والخلق لغةً: هو التقدير، ويعني: الإيجاد من العدم أو من شيء.
﴿الْوَاحِدُ﴾: المتفرد والمتوحد بالألوهية، والرّبوبية، والصّفات، والأسماء الحسنى.
الواحد: الّذي لا يتجزأ؛ أي: لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ولا شريك له، ولا ند، ولا نظير. الأحد: الّذي لا مثيل له، ولا ند، ولا شبيه. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد.
﴿الْقَهَّارُ﴾: القوي، الغالب الّذي قهر كلّ شيء، وذلّ، واستسلم له كلّ مخلوق؛ بالابتلاء، وبالموت، فكيف يكون له مساوياً، وهو القهار الّذي خضعت له الرقاب طوعاً، أو كرهاً. ارجع إلى سورة ص، آية (٦٥)؛ لمزيد من البيان في معنى: القهار.
لنقارن هذه الآية (١٦) من سورة الرعد: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، مع الآية (٨٤) من سورة المؤمنون: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
стр. 2416
السّؤال في آية الرّعد عن التّوحيد، أو في سياق آيات التّوحيد، فجاء الجواب: قل الله الواحد القهار.
السّؤال في آية المؤمنون عن المُلك، وليس التّوحيد، بل عن الملكية، والمالك، سؤال من يملك السّموات السّبع، والعرش؟
الجواب: سيقولون لله.
﴿لِلَّهِ﴾: اللام: لام الملكية؛ فكلّ استفهام له غرض معين.
سورة الرعد [١٣: ١٧]
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾:
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: أنزل سبحانه من السّحاب: المتشكل من بخار الماء المتصاعد من الأرض، والبحار، والمحيطات ماء (أي: مطراً).
فحين ينزل الماء من السّماء بشدة يشق قشرة الأرض؛ ليكون الأنهار، والجداول، وحين نزوله يفتت صخور الأرض، وأثناء هبوطه نجد أن المعادن الثقيلة تترسب أولاً، والأشياء الخفيفة تبقى على السطح؛ فبذلك نستطيع التنقيب عن الذهب، والفضة، والنحاس … وغيرها، وما يبقى على السطح هو الغثاء؛ أي: الأشياء الّتي لا قيمة لها، وبذلك يتمكن الإنسان من الاستفادة من معادن الأرض مثل: الذهب الّذي يدخل في أفران ذات حرارة عالية تؤدي إلى انفصال الشوائب المختلطة بالذهب، ويترسب الذهب الخالص، وتطفو على السطح الشوائب.
﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ سالت: جرت أودية
стр. 2417
جمع وادٍ، وهو المنخفض بين مرتفعين، وكلّ وادٍ يستوعب من المياه على قدر اتساعه، وهذا من رحمة الله.
﴿بِقَدَرِهَا﴾: قد تعني بما قدره الله أيضاً من قلة، أو كثرة في الماء، وبحسب حجم الوادي، وبما ينفع النّاس، وإلا لحدثت الفيضانات في كلّ مرة، وغرقت الأرض، والقرى، والنّباتات، والحيوانات، وهدمت البيوت.
﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا﴾: فاحتمل: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ أي: وما أن ينزل المطر نلاحظ أن السّيل: وهو الماء المتجمع من ماء المطر المندفع الّذي يشكل سيلاً يجرف معه الفضلات، والأشياء مثل الأوساخ الّتي علقت بوجه الأرض، فكأنه يكنس الأرض، ويطهرها من الأسباب المؤدية إلى انتشار الأمراض والأوبئة.
﴿زَبَدًا رَّابِيًا﴾: الزّبد: هو الرغوة، والغثاء الطافي على وجه الماء من قاذورات الأرض.
﴿رَّابِيًا﴾: عالياً مرتفعاً يطفو على وجه الماء.
﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ﴾: ومما: الواو: عاطفة؛ مما: مركبة: من وما؛ من: للابتداء؛ تعني: البعضية؛ ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.
﴿يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ﴾: يوقدون: الفاعل هنا النّاس؛ يوقدون عليه: لتطهيرها، وتخليصها من الشّوائب المختلطة بها.
﴿عَلَيْهِ فِى النَّارِ﴾: من المعادن، وفلزات الحديد، والذّهب، والفضة، والنّحاس، وغيرها.
﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾: طلباً لاستخراج الذهب، والفضة المستعملة كحلية،
стр. 2418
والحلية تعني الزينة الخارجية، والحلية جزء خاص من الزينة، والزينة تشمل الخارجية والداخلية، والزينة أعم من الحلية، وتشمل الحلية واللباس الخارجي، ولباس التقوى، والزهور زينة والألوان والنجوم … وغيرها.
﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾: أو لصنع متاع؛ أي: أواني، وأدوات، وسيارات … وغيرها مما ينتفع به من الآلات، والصّناعات … وغيرها.
﴿زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾: أي: ينتج عن صناعتها، وتنقيتها زبد مثل زبد السّيل. والسؤال هنا: لماذا ضرب الله تعالى المثل الثاني، أو لماذا أعقب المثل الأول بالمثل الثاني، أليس المثل الأول كافياً؟ ذلك لأن السؤول والفيضانات ليست مشاهدة أو معروفة لكل الناس الذين يعيشون في ناحية من الأرض ويضرب المثل الثاني يكون معظم الناس قد علم معنى المثل الأول الثاني وبالتالي الحق والباطل.
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾: فالسّيل، والحلية، والمتاع تمثل الحق الّذي لا غنى عنه، والزبد الرابي فوق السيل، أو الناتج عن تنقية المعادن؛ مثل: الذهب، والفضة، والنحاس، والصناعة: هو يمثل الباطل الّذي لا قيمة له، ويجب التّخلص منه.
﴿فَأَمَّا﴾: الفاء: تدل على مراحل لم تذكر؛ فأعقبها بالفاء؛ أما: شرطية، وتفصيلية.
﴿الزَّبَدُ﴾: أو الباطل.
﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾: أي: يزول بعد الاحتكاك بجوانب الوادي، ويضمحل، ويزول، وأمّا الزّبد النّاتج عما يوقدون عليه في النّار: يُرمى، ويُطرح، ويتخلص منه كذلك، ولا يستفاد منه بعد عملية التّصفية، والتّطهير.
стр. 2419
﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾: أمّا: تفصيلية، وشرطية.
﴿مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.
﴿يَنْفَعُ النَّاسَ﴾: من الماء (السّيل)، والمعادن المصفاة.
﴿فَيَمْكُثُ﴾: يبقى في الأرض، وينتفع به أهل الأرض؛ مثل: الحديد، والذّهب، والفضة، والنّحاس … وغيرها من المعادن.
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾: كذلك يضرب: ليس بتكرار للأولى، فالأولى للحق والباطل، والثانية: لبقية الأمثال، وأيضاً سببه جملة الاعتراض عاد للتذكير؛ أي: أنّه سبحانه كما بين لكم الأمثال السّابقة بين الحق، والباطل؛ كذلك يبين الله الأمثال الأخرى الّتي تحتاج إلى بيان. والأمثال: جمع مثل، والمثل: هو تشبيه حال بحال أخرى، أو شيء حسي بشيء معنوي؛ لإيضاح الأمور المشتبهات، ولإزالة غموض الإجمال.
سورة الرعد [١٣: ١٨]
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾:
﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق؛ أي: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الّذين استجابوا لربهم، وللكافرين الّذين لم يستجيبوا له.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾: الّذين: اسم موصول يفيد المدح، والتّعظيم، استجابوا لربهم بالطّاعة، والإيمان، وتجنب المعاصي.
﴿الْحُسْنَى﴾: الجنة؛ مؤنث: الأحسن إشارة إلى حسن الثواب، والحسنى: اسم من أسماء الجنة، أو صفة للجنة، وكقوله: ﴿دَارُ السَّلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٧].
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾: الّذين: اسم موصول؛ يفيد الذم.
стр. 2420
﴿لَمْ﴾: حرف نفي.
﴿يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾: لم يستجيبوا لدعوة الله، والإيمان، وهم الكفار، والمشركون.
﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾: لو: شرطية.
﴿أَنَّ﴾: للتوكيد.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام التّملك (الملكية)، والاختصاص.
﴿مَا فِى الْأَرْضِ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي في الأرض من مال، وكنوز، وخيرات.
﴿جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾: جميعاً: للتوكيد، ومثله معه؛ أي: ضعف ذلك، ولا يوجد إنسان يملك ما في الأرض، ولا نصفها، أو ربعها.
﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾: اللام: لام البدل، أو التّعليل؛ افتدوا به: لقدموه فداءً لأنفسهم من العذاب، ولو حدث ذلك ـ وهو من المستحيل ـ فلن يقبل منهم دلالة على بؤس حالهم في الآخرة، أو مصيرهم البائس. ولو قارنا هذه الآية مع الآية (٣٦) من سورة المائدة هي قوله تعالى: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ لوجدنا: لافتدوا به (فعل ماض) ليفتدوا به (مضارع)؛ المهم هنا لو الشرطية؛ أي: آية الرعد جوابها: افتدوا به، ولو الشريطة في آية المائدة جوابها: ما تُقبل منهم؛ فيكون النسق على التالي: آية الرعد أولاً (لو افتدوا به)، ثانياً: آية المائدة (ما تقبل منهم)، وأما (ليفتدوا به) في آية المائدة هي للتعليل.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، تشير إلى سوء المنزلة، والمكانة، والمصير.
следующие страницы →