Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
السّؤال في آية الرّعد عن التّوحيد، أو في سياق آيات التّوحيد، فجاء الجواب: قل الله الواحد القهار.
السّؤال في آية المؤمنون عن المُلك، وليس التّوحيد، بل عن الملكية، والمالك، سؤال من يملك السّموات السّبع، والعرش؟
الجواب: سيقولون لله.
﴿لِلَّهِ﴾: اللام: لام الملكية؛ فكلّ استفهام له غرض معين.
سورة الرعد [١٣: ١٧]
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾:
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: أنزل سبحانه من السّحاب: المتشكل من بخار الماء المتصاعد من الأرض، والبحار، والمحيطات ماء (أي: مطراً).
فحين ينزل الماء من السّماء بشدة يشق قشرة الأرض؛ ليكون الأنهار، والجداول، وحين نزوله يفتت صخور الأرض، وأثناء هبوطه نجد أن المعادن الثقيلة تترسب أولاً، والأشياء الخفيفة تبقى على السطح؛ فبذلك نستطيع التنقيب عن الذهب، والفضة، والنحاس … وغيرها، وما يبقى على السطح هو الغثاء؛ أي: الأشياء الّتي لا قيمة لها، وبذلك يتمكن الإنسان من الاستفادة من معادن الأرض مثل: الذهب الّذي يدخل في أفران ذات حرارة عالية تؤدي إلى انفصال الشوائب المختلطة بالذهب، ويترسب الذهب الخالص، وتطفو على السطح الشوائب.
﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ سالت: جرت أودية
стр. 2417
جمع وادٍ، وهو المنخفض بين مرتفعين، وكلّ وادٍ يستوعب من المياه على قدر اتساعه، وهذا من رحمة الله.
﴿بِقَدَرِهَا﴾: قد تعني بما قدره الله أيضاً من قلة، أو كثرة في الماء، وبحسب حجم الوادي، وبما ينفع النّاس، وإلا لحدثت الفيضانات في كلّ مرة، وغرقت الأرض، والقرى، والنّباتات، والحيوانات، وهدمت البيوت.
﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا﴾: فاحتمل: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ أي: وما أن ينزل المطر نلاحظ أن السّيل: وهو الماء المتجمع من ماء المطر المندفع الّذي يشكل سيلاً يجرف معه الفضلات، والأشياء مثل الأوساخ الّتي علقت بوجه الأرض، فكأنه يكنس الأرض، ويطهرها من الأسباب المؤدية إلى انتشار الأمراض والأوبئة.
﴿زَبَدًا رَّابِيًا﴾: الزّبد: هو الرغوة، والغثاء الطافي على وجه الماء من قاذورات الأرض.
﴿رَّابِيًا﴾: عالياً مرتفعاً يطفو على وجه الماء.
﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ﴾: ومما: الواو: عاطفة؛ مما: مركبة: من وما؛ من: للابتداء؛ تعني: البعضية؛ ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.
﴿يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ﴾: يوقدون: الفاعل هنا النّاس؛ يوقدون عليه: لتطهيرها، وتخليصها من الشّوائب المختلطة بها.
﴿عَلَيْهِ فِى النَّارِ﴾: من المعادن، وفلزات الحديد، والذّهب، والفضة، والنّحاس، وغيرها.
﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾: طلباً لاستخراج الذهب، والفضة المستعملة كحلية،
стр. 2418
والحلية تعني الزينة الخارجية، والحلية جزء خاص من الزينة، والزينة تشمل الخارجية والداخلية، والزينة أعم من الحلية، وتشمل الحلية واللباس الخارجي، ولباس التقوى، والزهور زينة والألوان والنجوم … وغيرها.
﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾: أو لصنع متاع؛ أي: أواني، وأدوات، وسيارات … وغيرها مما ينتفع به من الآلات، والصّناعات … وغيرها.
﴿زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾: أي: ينتج عن صناعتها، وتنقيتها زبد مثل زبد السّيل. والسؤال هنا: لماذا ضرب الله تعالى المثل الثاني، أو لماذا أعقب المثل الأول بالمثل الثاني، أليس المثل الأول كافياً؟ ذلك لأن السؤول والفيضانات ليست مشاهدة أو معروفة لكل الناس الذين يعيشون في ناحية من الأرض ويضرب المثل الثاني يكون معظم الناس قد علم معنى المثل الأول الثاني وبالتالي الحق والباطل.
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾: فالسّيل، والحلية، والمتاع تمثل الحق الّذي لا غنى عنه، والزبد الرابي فوق السيل، أو الناتج عن تنقية المعادن؛ مثل: الذهب، والفضة، والنحاس، والصناعة: هو يمثل الباطل الّذي لا قيمة له، ويجب التّخلص منه.
﴿فَأَمَّا﴾: الفاء: تدل على مراحل لم تذكر؛ فأعقبها بالفاء؛ أما: شرطية، وتفصيلية.
﴿الزَّبَدُ﴾: أو الباطل.
﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾: أي: يزول بعد الاحتكاك بجوانب الوادي، ويضمحل، ويزول، وأمّا الزّبد النّاتج عما يوقدون عليه في النّار: يُرمى، ويُطرح، ويتخلص منه كذلك، ولا يستفاد منه بعد عملية التّصفية، والتّطهير.
стр. 2419
﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾: أمّا: تفصيلية، وشرطية.
﴿مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.
﴿يَنْفَعُ النَّاسَ﴾: من الماء (السّيل)، والمعادن المصفاة.
﴿فَيَمْكُثُ﴾: يبقى في الأرض، وينتفع به أهل الأرض؛ مثل: الحديد، والذّهب، والفضة، والنّحاس … وغيرها من المعادن.
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾: كذلك يضرب: ليس بتكرار للأولى، فالأولى للحق والباطل، والثانية: لبقية الأمثال، وأيضاً سببه جملة الاعتراض عاد للتذكير؛ أي: أنّه سبحانه كما بين لكم الأمثال السّابقة بين الحق، والباطل؛ كذلك يبين الله الأمثال الأخرى الّتي تحتاج إلى بيان. والأمثال: جمع مثل، والمثل: هو تشبيه حال بحال أخرى، أو شيء حسي بشيء معنوي؛ لإيضاح الأمور المشتبهات، ولإزالة غموض الإجمال.
سورة الرعد [١٣: ١٨]
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾:
﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق؛ أي: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين الّذين استجابوا لربهم، وللكافرين الّذين لم يستجيبوا له.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾: الّذين: اسم موصول يفيد المدح، والتّعظيم، استجابوا لربهم بالطّاعة، والإيمان، وتجنب المعاصي.
﴿الْحُسْنَى﴾: الجنة؛ مؤنث: الأحسن إشارة إلى حسن الثواب، والحسنى: اسم من أسماء الجنة، أو صفة للجنة، وكقوله: ﴿دَارُ السَّلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٧].
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾: الّذين: اسم موصول؛ يفيد الذم.
стр. 2420
﴿لَمْ﴾: حرف نفي.
﴿يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾: لم يستجيبوا لدعوة الله، والإيمان، وهم الكفار، والمشركون.
﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾: لو: شرطية.
﴿أَنَّ﴾: للتوكيد.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام التّملك (الملكية)، والاختصاص.
﴿مَا فِى الْأَرْضِ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي في الأرض من مال، وكنوز، وخيرات.
﴿جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾: جميعاً: للتوكيد، ومثله معه؛ أي: ضعف ذلك، ولا يوجد إنسان يملك ما في الأرض، ولا نصفها، أو ربعها.
﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾: اللام: لام البدل، أو التّعليل؛ افتدوا به: لقدموه فداءً لأنفسهم من العذاب، ولو حدث ذلك ـ وهو من المستحيل ـ فلن يقبل منهم دلالة على بؤس حالهم في الآخرة، أو مصيرهم البائس. ولو قارنا هذه الآية مع الآية (٣٦) من سورة المائدة هي قوله تعالى: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ لوجدنا: لافتدوا به (فعل ماض) ليفتدوا به (مضارع)؛ المهم هنا لو الشرطية؛ أي: آية الرعد جوابها: افتدوا به، ولو الشريطة في آية المائدة جوابها: ما تُقبل منهم؛ فيكون النسق على التالي: آية الرعد أولاً (لو افتدوا به)، ثانياً: آية المائدة (ما تقبل منهم)، وأما (ليفتدوا به) في آية المائدة هي للتعليل.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، تشير إلى سوء المنزلة، والمكانة، والمصير.
стр. 2421
﴿لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾: لهم: اللام: لام الاستحقاق، والاختصاص.
﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾: لا يغفر لهم، ولا تقبل لهم شفاعة، ولا فداء، ولا يتجاوز لهم عن سيئة، وما قدموه من عمل صالح يصبح هباء منبثاً.
﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: الواو: عاطفة مقارنة بـ (ثم مأواهم)، ثم: التي تدل على التراخي في الزمن، كما ورد في سورة آل عمران آية (١٩٧) (ثم في هذه الأحاديث في سياق الحياة الدنيا)، وأما آية الرعد: فجاءت في سياق الآخرة وليس هناك فاصل زمني؛ المأوى: اسم مكان من: أوى يأوي، والمأوى: المنزل، أو المكان الّذي يأوي إليه للراحة والإقامة، وفيها معنى: الضّم، ووردت في سياق الجنة، أو النّار.
﴿جَهَنَّمُ﴾: جهنم: اسم من أسماء النار، وللنار أسماء كثيرة ورد ذكرها في القرآن؛ منها: جهنم (ورد ذكرها ٧٧ مرة).
الجحيم (٢٥) مرة.
لظى (١) مرة.
والسعير (٨ مرات، وسعيراً ٨ مرات).
وسقر (٤ مرات منها ٣ في سورة المدثر).
والحطمة.
والهاوية.
وكل واحد من هذه الأسماء هو اسم علم للنار كلها.
стр. 2422
والنار: درجات، وقيل: دركات كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
ولها سبع أبواب ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤].
وجهنم: تعني: بعيدة القعر، شديدة الغضب، منظرها مستنكر وكريه.
وأما الجحيم: تعني: النار المتأججة، شديدة التأجج والاضطراب لا يمكن السيطرة عليها.
﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: بئس: فعل من أفعال الذّم؛ مثل: ساء وقبح.
﴿الْمِهَادُ﴾: الفراش؛ شبه ما تحتهم من النّار بالمهد المريح الّذي يُعد للطفل الوليد؛ للتهكم، والتقريع بهم.
стр. 2423
سورة الرعد [١٣: ١٩]
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾:
﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري.
﴿أَنَّمَا﴾: أن: حرف توكيد، ما: اسم موصول؛ أي: الّذي، فتكون الآية: أفمن يعلم أنّ الّذي أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى؟
﴿أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾: هو القرآن العظيم؛ أي: المؤمن يعلم أنّ القرآن الّذي أنزل الله على رسوله هو الحق، بينما الكافر الأعمى لا يعلم (والعمى هو عمى البصيرة، وليس عمى العين).
﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾: كمن: الكاف للتشبيه؛ من: للعاقل، وتشمل المفرد والمثنى والعاقل؛ هو: ضمير فصل يفيد التوكيد؛ أعمى: قد تعني عمى البصر، أو عمى البصيرة، وتسمى العمه، وكلاهما يعني: عدم الاهتداء للحق، وما أنزل الله، ولم يقل كمن لا يعلم، وإنما أبدل الذي لا يعلم بالأعمى؛ لأن الأعمى لا يرى ما يجري حوله فقد انتفى علمه عن إدراك الحقائق، ونفى عنه العلم بشكل عام، فكلمة أعمى تشمل من لا يعلم، وأشد وأبلغ من الذي لا يعلم، وهذا هو حال الكافر والمشرك والجاهل.
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: إنما: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد.
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾: يتذكر من الذّكر، وهو العلم الحادث بعد النّسيان، أو الغفلة،
стр. 2424
وهو حضور المعنى في النّفس، فالحاجة إلى العلم ثم المحاكمة العقلية تحتاج إلى نظر وزمن طويل فيما أنزل إليك من ربك، والتذكر يضاد السهو، إنما ينتفع بالتّذكر، وضرب الأمثال، أولو الألباب الّذين وصفهم الله بالصّفات الثّمانية التّالية الّتي ذكرت في الآيات (٢٠ - ٢٢).
﴿الْأَلْبَابِ﴾: جمع: لب، وهو منطقة في الدّماغ موكل إليها بالتّفكير، والنّظر في الأمور والإدراك، والبصيرة، وتسمّى جهاز لمبيك.
﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: تعني: الصّفوة من المؤمنين ذوي العقول المنيرة، ومنهم: الرّسل، والأنبياء، والصّديقون، والشّهداء، والصّالحون، والصّحابة، وبعض الحكماء، والعلماء؛ فهم فئة خاصة اختاروا طريق الهداية؛ فهداهم الله، واستجابوا لله، ويفهمون ما يخاطبهم به الله. ارجع إلى الآية (١٩٧)، والآية (١٧٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
سورة الرعد [١٣: ٢٠]
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾:
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: الّذين: اسم موصول يفيد المدح، وتكرار كلمة الّذين: للتوكيد، والتعظيم، والمدح.
﴿يُوفُونَ﴾: من الوفاء، وهو الإتمام، والالتزام بالعهد، وتطبيق بنوده. العهد: الوعد المقرون بشرط، والعهد يقتضي الوفاء، والوعد يقتضي الإنجاز. والعهد: اسم للجنس.
﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: العهد: هو التزام، أو تكليف يلتزم به الإنسان مع الله سبحانه، أو مع إنسان آخر، أو مع نفسه؛ أي: يوفون بما أمرهم الله من التّكاليف، وما
стр. 2425
أوجبه الله على لسان الرّسل من الفروض، وتجنب جميع المعاصي، والعهد: يضم العقود، والوعود، والمعاهدات.
﴿يُوفُونَ﴾: بصيغة المضارع الّتي تدل على التّكرار، والتّجدد، والاستمرار.
﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾: الميثاق: هو العهد الموثق، أو المؤكد بالأيمان؛ أي: القسم، وما أوجبه العبد على نفسه كالنّذر. لا: النّافية. لا يخلون بعهدهم مع ربهم، أو المؤمنين. النّقض: التّخلي عن العهد، ورفض الالتزام به، وعدم نقض الميثاق يقرب في المعنى من الوفاء بالعهد. ويمكن القول: عدم النّقض هو تأكيد للوفاء بالعهد، أو يمكن اعتبار ذلك من ذكر العام بعد الخاص. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٧)؛ لمزيد من البيان في معنى العهد، والميثاق، ولم يكرر ذكر الله فيقول: ولا ينقضون ميثاق الله؛ لأن الميثاق يشمل عهد الله وغيره.
سورة الرعد [١٣: ٢١]
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾:
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول، وتكرار "الّذين" يفيد التّوكيد، والمدح.
﴿يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾: مثل: صلة الرّحم، والجار، والفقير.
﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: الخشية: الخوف مع التّعظيم للخالق، ومهابته مع العلم، أو الخشية: خوف، وحذر مبني؛ أي: مقرون، بعلم، وتعظيم للذي تخشاه، وفيها معنى الأمل.
﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾: الخوف: يكون من أمر لم يقع بعد؛ أي: الخوف من العقاب المشكوك في وقوعه بسبب ارتكابهم المعاصي، والتّقصير في الطّاعات، الحساب يكون على كلّ صغيرة، وكبيرة، ووزن الأعمال.
стр. 2426
﴿سُوءَ الْحِسَابِ﴾: بأن لا يغفر لهم من ذنوبهم شيئاً، أو لا تقبل منهم حسناتهم، أو أعمالهم الصّالحة؛ لأنّهم أحبطوا أعمالهم، ولم يتجاوز عن سيئاتهم، ويشمل كلّ أنواع العذاب المهين، والأليم، والمقيم، والعظيم.
ما هو الفرق بين ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، وبين ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨]؟
يخشون ربهم، أعم من: يخشون ربهم بالغيب؛ تشمل الخشية في العلن (أمام النّاس)، وفي السّر (إذا خلى بنفسه؛ أي: وحده)، وتشمل الخشية من عقابه يوم القيامة.
يخشون ربهم بالغيب؛ تعني: بالسّر فقط إذا خلى وحده، وغاب عن أعين النّاس، وكذلك تعني: يخشون عقابه القادم يوم القيامة، والعقاب أمر غيبي.
سورة الرعد [١٣: ٢٢]
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾:
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾: والذين: ارجع إلى الآيات السابقة.
﴿صَبَرُوا﴾: على الطاعات، وتجنب المحرمات، وعلى الابتلاءات، والباعث على الصبر: هو محبة الله، والتّقرب منه، وليس الرّياء، والسّمعة. ارجع إلى الآية (٢٠٠) من سورة آل عمران؛ لمزيد من البيان في معنى: الصبر.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: أتموها بأركانها، وشروطها، وخشوعها، وأوقاتها.
﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: تضم الصّدقات، والزّكاة، والعلم … وغيره من أنواع الرزق في السّر، والعلانية.
стр. 2427
﴿مِمَّا﴾: من: البعضية؛ أي: بعض ما رزقناهم؛ ما: بمعنى: الذي.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾: الدّرء: هو الدّفع بسرعة؛ أي: بدون تأخير، والدّفع يكون بقوة، وشدة، (والدّرء يكون بسرعة)، أو يتبعون السّيئة بالحسنة بسرعة، والذّنب بالتّوبة، وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال ﷺ : «وأتبع السّيئة بالحسنة تمحها». رواه أحمد، والترمذي، والحاكم عن أبي ذر. والحسنة شرعاً: كلّ ما يستحسنه الشّرع، ويورث ثواباً بامتثال أوامر الله، وتجنب نواهيه.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد؛ لعلو منزلتهم؛ يشير إلى أولي الألباب الّذين اجتمعت لهم تلك الصّفات الثّمانية، والمتأمل لهذه الصّفات يجد أنّ بعضها جاء بصيغة المضارع، وبعضها جاء بصيغة الماضي؛ مثل: يوفون، لا ينقضون، يصلون، يخشون، يخافون، يدرؤون بالحسنة السّيئة: جاءت بصيغة المضارع الّتي تدل على التّجدد، والاستمرار.
وفيها متسع من الوقت، وتؤدى في زمن غير محدد.
أمّا صبروا، وأقاموا الصّلاة، وأنفقوا بصيغة الماضي فيجب تأديتها في زمن معين، محدد.
والإنفاق؛ كالزّكاة في كلّ عام، فالكلّ يعلم أنّ الصّبر: هو القاسم المشترك لكلّ تلك الصّفات الثّمانية.
وخلاصة القول: ما كان له وقت محدد عبر عنه بالماضي، وما كان مستمراً، وليس له وقت محدد، ومتكرراً، أو متجدداً: جاء بصيغة المضارع.
стр. 2428
﴿لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: عقبى: مأخوذة من العَقِب؛ فالقدم له مقدم، وله عقب، وعقب: هو ما يعقب الشّيء، وعقبى: على وزن فعلى، وعقبى: اسم بمعنى: الجزاء، أو آخر كلّ أمر، والّذي يعقب الدّار الدّنيا: هي الدّار الأخرى.
﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾: وما هي عقبى الدّار؟ هي: جناتُ عدن يدخلونها؛ كما تشير الآية (٢٣) التالية هذه هي عقبى الدّار، وكلمة عقبى: وردت في خمس آيات في سورة الرّعد، ولم ترد هذه الكلمة في القرآن إلّا في هذه السّورة، أمّا كلمة العاقبة؛ فقد وردت (٣١) مرة في بقية السّور.
سورة الرعد [١٣: ٢٣]
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾:
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: العَدْن: هو الإقامة الدّائمة؛ أي: جنات الإقامة الدّائمة، دار القرار، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده.
بينما الدّنيا، دار الزوال، الدّار السفلى.
﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾: يدخلونها: بعد الحساب.
﴿وَمَنْ﴾: ابتدائية.
﴿صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾: تعني: الآباء، والأمهات.
﴿صَلَحَ﴾: أي: آمن، وعمل صالحاً.
﴿وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾: والأزواج تعني: الزوج، أو الزوجة، أو: الذرية؛ أي: الأولاد من الذكور والإناث ما داموا اتّصفوا بصفة الصّلاح، والإيمان.
стр. 2429
كلّ حسب طاقته، وبفضل الله سبحانه وتكرمه عليهم يلحقهم بآبائهم.
وكقوله تعالى في سورة الطور، آية (٢٢): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَىْءٍ﴾؛ فالإيمان، والعمل الصّالح شرط أولي للحوق بالآباء.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾: بالهدايا، وللسلام عليهم.
سورة الرعد [١٣: ٢٤]
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾:
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾: الباء: يمكن أن تكون باء السّببية، أو البدلية؛ أي: بسبب صبركم في الدّنيا، أو بدل صبركم في الدّنيا، وجاء الصّبر بصيغة الماضي؛ أي: انتهى زمن الصّبر بانتهاء التّكاليف يوم القيامة.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾: وتقديره يقولون: سلام عليكم، وسلام عليكم: جملة اسمية تدل على الثّبات، والدّوام، وأقوى، وأبلغ من القول: قالوا سلاماً (جملة فعلية تدل على التّجدد، والتّكرار.
وقالوا: سلام بصيغة نكرة، ولم يقولوا السّلام عليكم معرفة؛ لأنّ النّكرة: تدل على العموم، والشّمول، وتعني: التّحية، والأمان، والطمأنينة، ودوام السلامة من الموت، ومن كلّ مكروه، أو أمر غير مستحب.
أمّا السّلام عليكم بأل التّعريف: تدل على أمر معين محدد، وهو التّحية فقط مثلاً، وقد جاء بتنكير السّلام في كلّ القرآن إلا آية واحدة هي قول عيسى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣].
﴿فَنِعْمَ﴾: الفاء: للتوكيد؛ نعم: من أفعال المدح.
стр. 2430
﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾: أي: الجنّة، كما قلنا سابقاً. ارجع إلى الآية (٢٢).
سورة الرعد [١٣: ٢٥]
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾:
المناسبة: ومقابل أولي الألباب الّذين استحقوا عقبى الدّار (جنات عدن)، يذكر الّذين استحقوا اللعنة، ولهم سوء الدّار؛ فيذكر من صفاتهم ثلاث صفات:
أولاً: نقض العهد: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾: ارجع إلى الآية (٢٧) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾: وقطع صلة الرّحم. ارجع إلى الآية (٢٧) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ﴾: بالكفر، وبالظلم، والبغي، والعدوان، ويهلكون الحرث، والنسل. ارجع إلى الآية (٢٧) من سورة البقرة؛ لبيان معنى: الفساد.
ولم يذكر شيئاً عن الخشية؛ لأنّهم لا يؤمنون بالله، وعن الخوف؛ لأنّهم لا يؤمنون بالبعث، ولا شيئاً عن الصّبر، ولا الصّلاة، ولا الإنفاق؛ ما داموا قد كفروا بالله، ولم يقدموا لأنفسهم خيراً.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم: إشارة، واللام: للبعد، ودنوّ منزلتهم.
﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾: لهم: اللام: لام الاستحقاق، أو الاختصاص؛ أي: لهم خاصة؛ أي: كأنّ اللعنة ما خُلقت إلا لهؤلاء الّذين قاموا بنقض الميثاق، والقطع، والفساد في الأرض، واللعنة: هي الطّرد، والبعد عن رحمة الله، ونيل سخطه، وغضبه عليهم، واللعنة: اسم يدل على الثّبوت.
стр. 2431
﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾: تكرار "لهم"؛ يفيد التّوكيد، وفصل كلاً من عقاب اللعنة عن عقاب سوء الدّار.
﴿سُوءُ الدَّارِ﴾: سوء العاقبة، وهي: جهنم.
أمّا الفرق بين عليهم اللعنة، ولهم اللعنة:
عليهم اللعنة: تنزل عليهم اللعنة، وتحل عليهم، وعلى: تفيد الاستعلاء.
ولهم اللعنة: تفيد الاستحقاق، والاختصاص خاصة بهم؛ أي: استحقوا اللعنة.
وعليهم اللعنة؛ أي: يحل عليهم وبالها، أو عاقبتها، وهي: الطّرد، والبعد عن رحمة الله.
سورة الرعد [١٣: ٢٦]
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِى الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾:
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: الله وحده، وتقديم الفاعل: يفيد الحصر.
﴿يَبْسُطُ﴾: يوسع الرّزق، والرزق: يشمل المال، والمتاع، والعلم، والذرية، والأخلاق … وغيرها.
﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾: لمن: اللام: لام الاختصاص؛ من: اسم موصول بمعنى: هو الّذي يبسط الرّزق لأي عبد من عباده، وبسط الرّزق: هو ابتلاءٌ للعبد.
﴿وَيَقْدِرُ﴾: يُضيق، ويُفقر من يشاء، أو يعطي الكفاية، أو الشّيء القليل لأي عبد من عباده، والتضييق أيضاً ابتلاءٌ للعبد.
стр. 2432
﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: وفرحوا: تعود على النّاس بما بسط الله لهم في الدّنيا من الخيرات، والنّعيم، والمال، والمُلك، وباء بالحياة: للإلصاق، والاهتمام. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠) لبيان معنى الفرح وأنواعه.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِى الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾: وما: الواو: الحالية؛ تفيد التّوكيد؛ ما: النّافية.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ أي: إذا قارنا وقدرنا الحياة الدّنيا بالآخرة تكون الحياة الدّنيا حصراً، وقصراً عبارة عن متاع زائل شيء يُتمتع به، ثمّ يفنى، أو يزول، أو يضمحل.
لنقارن هذه الآية من سورة الرّعد: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، ووردت هذه الآية كذلك في سورة الإسراء، الآية (٣٠)، وسورة الرّوم، الآية (٣٧)، وسورة سبأ، الآية (٣٦).
مع الآية (٤٩) من سورة سبأ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾، وردت هذه الآية في العنكبوت، الآية (٦٢).
ومع الآية (٨٢) من سورة القصص: ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾.
فآية الرّعد، والإسراء، والرّوم، وسبأ؛ تعني: هناك إنسان ما يرزقه الله، ويوسع عليه طوال حياته، وهناك إنسان آخر يُضيق عليه، وفقير طوال حياته، وهو في الوضع نفسه.
стр. 2433
أمّا آية سبأ، والعنكبوت؛ تعني: هناك إنسان ما يرزقه الله، ويوسع عليه، ثمّ هذا الإنسان نفسه تتغير حاله، ويصبح فقيراً معدماً بعد أن كان غنياً.
أمّا آية القصص: فهي آية خاصة بقارون الّذي بسط الله له الرّزق، ثمّ خسف به وبداره الأرض فجأة؛ فمات، ولم يضيق له.
سورة الرعد [١٣: ٢٧]
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾:
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: ارجع إلى الآية (٧) من السّورة نفسها؛ للبيان، وفي سورة العنكبوت، آية (٥٠): ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: إذن هم لم يكتفوا بآية واحدة، بل طلبوا إنزال أكثر من آية، وردَّ الله سبحانه عليهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠].
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧].
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩].
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٠].
﴿وَمَا تُغْنِى الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧].
فالقرآن وحده يكفي لهم كآية، والله قادر على أن ينزل آية، أو آيات، ولكن كذب بها الأولون، وإذا أنزل آية، ولم يؤمنوا بها، استأصلهم الهلاك عن بكرة أبيهم.
стр. 2434
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾: أي: إنزال آية لن يُغير مجرى من ضل بنفسه، واستمر في ضلاله، وعناده، وجحد بآيات ربه؛ فالله سبحانه يتركه لضلاله، وعناده؛ ليزداد ضلالاً، وكفراً، وكذلك إنزال آية على من اهتدى، وآمن؛ فلن يؤثر، ويُغير مجرى إيمانه، ولكنه سبحانه يُعين هذا إذا استعان بالله، ويزيده هداية.
﴿وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾: بدلاً من: ويهدي من أناب إليه، وتقديم الجار والمجرور: يفيد الحصر؛ أي: إليه وحده يهدي من أناب.
﴿أَنَابَ﴾: الإسراع والرّجوع إلى الله سبحانه، والإقبال عليه، وليس ضرورياً أن تكون نتيجة ذنب، أما التوبة تكون صادرة عن ذنب والعزم على تركه، وعدم الرجوع إليه، والندم والإكثار من الأعمال الصالحة.
وقدم: يُضل من يشاء، على: يهدي إليه من أناب؛ لأنّ الضّالين في الأرض أكثر من المهتدين.
سورة الرعد [١٣: ٢٨]
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾:
تقدير هذه الآية، وعلاقتها بالآية السّابقة؛ يهدي إليه من أناب (من: للمفرد المثنى، والجمع) من الّذين آمنوا.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾: أي: من أناب، هو من الّذين آمنوا، أو يهدي إليه من أناب، ويهدي الّذين آمنوا؛ أي: صدقوا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
стр. 2435
﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾: تطمئن: تسكن، وتهدأ، وتأنس، وتستقر قلوبهم.
﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾: وهو القرآن الكريم، وذكر الله العادي، ويشمل التّحميد، والتّسبيح، والتّهليل، والتّكبير، ويشمل الصّلاة … وغيرها؛ أي: الذّكر المطلق، أو الذّكر الخاص.
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾: ألا: أداة استفتاح، وتنبيه.
﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾: تقديم الجار والمجرور؛ يفيد الحصر؛ أي: ذكر الله سبحانه: هو سبب، أو مصدر الاطمئنان، والسّكون للقلوب، وبغير ذكر الله لا تطمئن القلوب مهما كانت الأسباب.
﴿تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾: أي: تأنس وترتاح وتهيأ، والاطمئنان ينتهي أو يؤدي إلى السكينة والاطمئنان، والسكينة مصدرها الأمن، فالأمن يؤدي إلى الاطمئنان، والاطمئنان يؤدي إلى السكينة والراحة المتجددة المتكررة.
﴿تَطْمَئِنُّ﴾: فعل مضارع يفيد التّجدد، والاستمرار.
﴿الْقُلُوبُ﴾: قلوب المؤمنين، قلوب الذّاكرين والذاكرات.
وهذا يعد من الإعجاز التأثيري لسماع كتاب الله (القرآن الكريم) بفضل التّردد الصوتي للقرآن الكريم الّذي يؤثر في منطقة الشعور، وبالتّالي القلب.
стр. 2436
سورة الرعد [١٣: ٢٩]
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَئَابٍ﴾:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة.
﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: مصدر من الطيب من: طاب يطيب، وطوبى: قيل: اسم شجرة في الجنة مسيرة مئة سنة، أو يسير الرّاكب في ظلها (مائة عام)، كما في حديث رواه الإمام البخاري، وطوبى قد تعني:
ـ العيش الطيب لهم.
ـ الخير الطيب لهم.
ـ اسم للجنة؛ أي: الجنة لهم.
ـ أطيب عاقبة لهم.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿وَحُسْنُ مَئَابٍ﴾: المآب: المرجع والمآل؛ أي: الجنة لهم طوبى، ولهم حسن مآب، أو: لهم خاصة طوبى، و: لهم خاصة حسن المآب.
سورة الرعد [١٣: ٣٠]
﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾:
﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ﴾: أي: كما أرسلك الله سبحانه إلى أمتك الّتي هي
стр. 2437
آخر الأمم؛ فقد سبق أن أرسل سبحانه رسلاً إلى أممهم، أو أرسلك في أمة قد تقدمتها أمم كثيرة.
﴿قَدْ﴾: قد: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿خَلَتْ﴾: مضت.
﴿مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾: كثيرة؛ مثل: أمة موسى، وعيسى، ونوح، وعاد، وثمود، ومدين. والأمة تعريفها: هي جماعة من النّاس تربطها عقيدة واحدة، أو ملة، أو شريعة، ولا يهم الكم البشري، ولا الحيز الجغرافي.
﴿لِّتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: لتتلو: اللام: للتوكيد، أو للتعليل.
﴿لِّتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ﴾: لتقرأ عليهم. ارجع إلى الآية (٧١) من سورة يونس لبيان معنى التلاوة.
﴿الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: أي: القرآن الكريم. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لبيان معنى: أوحينا.
﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾: وهم: الواو: للاهتمام، والتّوكيد. كفر جحود، أو كفر بنعمه، أو شرك، أو تكذيب، وإنكار. يكفرون جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدد وتكرار كفرهم.
﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد، ومثال على ذلك: لما أرادوا كتاب الصّلح يوم الحديبية، وكتب عليّ ﵁: بسم الله الرّحمن الرّحيم؛ قالوا: ما نعرف الرّحمن، أو حين قيل لهم: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]. واختار اسم الرحمن في هذه الآية؛ لأنه هو الذي يبسط الرزق وهو المنعم وهو الرحمن رغم تجدد كفرهم واستمرارهم على الشرك.
стр. 2438
﴿قُلْ هُوَ رَبِّى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾: قل: "هو": ضمير منفصل يفيد الحصر، والتّوكيد: ربي خالقي، ومتولي أمري، ورازقي.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا رب غيره، ولا معبود سواه. لا: النّافية؛ إله: معبود؛ إلا: أداة حصر؛ هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥٥)؛ لمزيد من البيان.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: عليه وحده؛ تقديم الجار والمجرور يفيد القصر، والحصر.
﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فوضت أمري كلّه إليه وحده، أو أستعين به.
﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾: أي: أتوب إليه، وأستغفره. ولمزيد من البيان عن التوبة: ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦ - ١٧)، ولمزيد من البيان عن التّوكل: ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩).
سورة الرعد [١٣: ٣١]
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَايْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِىَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾:
المناسبة: أنّ مشركي قريش قالوا للنبي ﷺ بما معناه: سيِّر؛ أي: حرك، أو أزل بقرآنك الجبال عن مكة؛ حتّى تتسع أرضنا للزراعة، وقطَّع لنا الأرض، فنزلت هذه الآية كما روي عن ابن عباس ﵄.
﴿وَلَوْ أَنَّ﴾: ولو: شرطية، وأنّ: للتوكيد، والجواب محذوف في هذه الآية، وقد جاء في سورة الأنعام، الآية (١١١) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾.
﴿قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾: أزيحت عن أماكنها.
стр. 2439
﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾: شققت، وجعلت قطعاً قطعاً تفصل بينها الأنهار.
﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾: أي: أُحيوا، وتكلموا، وجواب لو: أي لو حدث كلّ ذلك لما آمنوا، أو لكان هذا القرآن هو القادر على أن يفعل ذلك كله.
﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾: بل: للإضراب؛ أي: لو شاء الله سبحانه لآمنوا جميعاً، ولكن لم يشأ، أو: بل لله القدرة على كلّ شيء، والإتيان بما طلبوه، ولكن لم يشأ، أو: أنّ علمه وإرادته لم تشأ ذلك؛ له الخلق والأمر سبحانه.
﴿أَفَلَمْ يَايْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾: أفلم: الهمزة للاستفهام، والفاء: للتوكيد (فاء السّببية)؛ ما قبلها سبب ما بعدها.
﴿يَايْئَسِ﴾: يعلم، أو يقنط، أو يتبين.
١ - أفلم يعلم الّذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى النّاس جميعاً، ولكنّه لم يشأ، بل ترك لهم الخيار.
٢ - ألم ييأس (يقنط) هؤلاء المؤمنون من إيمان هؤلاء المشركين.
٣ - أفلم يتبين للذين آمنوا أن الله قادر أن يجعل النّاس أمة واحدة؛ أي: على دين واحد، وملة واحدة، ولكنه لم يشأ؛ فهم لم يستطيعوا أن يهدوا واحداً منهم، ولو شاء الله لهدى النّاس جميعاً.
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية؛ لا: النّافية.
﴿يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الّذين كفروا بالرّحمن.
﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾: القارعة لغة: هو أن تأتي بشيء صلب، وتضرب به شيئاً صلباً؛ فيحدث صوتاً. أو القارعة ما القارعة، وما أدراك ما القارعة، شيء
стр. 2440
مخيف مرعب غيبي، داهية، أو مصيبة، أو كارثة تقرع قلوبهم. ومن أسماء يوم القيامة: القارعة، والصاخة، والطامة، والقيامة، والواقعة، والأزفة، والحاقَّة.
﴿بِمَا صَنَعُوا﴾: الباء: للإلصاق؛ ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي، أو حرف مصدري بما صنعوا من الكفر، والشّرك، والمعاصي.
﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾: تحل على رؤوسهم مثل الكوارث، والصواعق، والمصائب الجوية، أو قريباً من منازلهم.
﴿حَتَّى يَأْتِىَ وَعْدُ اللَّهِ﴾: حتّى: حرف غاية، نهاية الغاية.
﴿يَأْتِىَ وَعْدُ اللَّهِ﴾: العذاب، أو موتهم، أو يوم القيامة.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: فيه معنى المكان يعودون إلى الجنة، والزّمان يوم القيامة؛ ميعاد: مشتقة من الوعد: هو زمن التّواعد، أو مكان التّواعد، أمّا المعاد: من عاد يعود إلى بلده، معاد الرّجل: بلده الّتي يعود إليها؛ يذهب يسافر في البلاد، ثمّ يعود إلى بلده؛ فالله سبحانه لا يخلف الميعاد: ما وعد به؛ سواء أكان المكان، أم الزمان؛ فهناك فرق بين الميعاد والمعاد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥].
سورة الرعد [١٣: ٣٢]
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾:
﴿وَلَقَدِ﴾: الواو: استئنافية؛ لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق.
﴿اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: الخطاب موجه إلى رسول الله ﷺ ،
стр. 2441
والاستهزاء: يعني: التّحقير، والتّكذيب، والتّصغير من قدر الشخص الآخر، أو الشّيء، والاستخفاف به، والعيب عليه.
﴿بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: برسل: الباء: للإلصاق.
﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: منذ زمن قريب؛ مثل: عيسى ﵇ … وغيره من الرسل.
﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: فأمليت: الفاء: للترتيب، والتّراخي في الزّمن، والإملاء: هو الإمهال لمدة طويلة، أو التّأخير في العقوبة.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾: ثمّ: للترتيب، والتّراخي في الزّمن، أو للترتيب الذّكري.
﴿أَخَذْتُهُمْ﴾: بالعقوبة، والقتل، والهزيمة، والبلاء، والأخذ يكون عادة أليماً شديداً.
﴿فَكَيْفَ﴾: الفاء: عاطفة، كيف: للاستفهام، والتّعجب.
﴿كَانَ عِقَابِ﴾: فانظر كيف كان عقابي.
﴿عِقَابِ﴾: نكرة ليدل على شدته، وهوله عقاباً شديداً مثيراً للعجب.
لنقارن قوله في هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، وقوله في سورة الحج، وسبأ، وغافر: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: من الإنكار.
آية: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾: تأتي في سياق أعمال السّخرية، والاستهزاء، والتّكذيب؛ فيكون العقاب شديداً، وأليماً، بينما: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: تأتي في سياق الأعمال الأقل من السّخرية، والاستهزاء، ولكن أعمال تستحق الإنكار، والإنكار قد لا يصاحبه عقاب بل مجرد تحذير، أو عدم الرّضا بما عملوا؛ فكلمة عقاب: أشد، وأقوى، وتعقب الاستهزاء بدين الله، ورسله … وغيرها.
سورة الرعد [١٣: ٣٣]
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا
стр. 2442
لَا يَعْلَمُ فِى الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾:
﴿أَفَمَنْ هُوَ﴾: أفمن: الهمزة: للاستفهام الإنكاري؛ الفاء: للتوكيد، ومن: اسم موصول.
﴿هُوَ﴾: تعود على الله (ضمير منفصل)؛ تفيد التّوكيد، والحصر.
﴿قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾: القيام: تولي خلقه من رزق، وحفظ، وتدبير، ورقابة، وإحصاء، ورعاية.
﴿كُلِّ نَفْسٍ﴾: صالحة، أو طالحة مؤمنة، أو كافرة.
﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾: بما: الباء: للإلصاق، والتّوكيد، بما كسبت من خير وشر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٨٦) للبيان في معنى كسبت، ويعد لكلٍّ جزاءه. أين جواب الاستفهام؟ محذوف؛ ليترك للقارئ أن يجيب عليه كقوله: كمن ليس هو بقائم من الأصنام … وغيرها.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾: أي: كيف تشركون بالله، وتجعلون له شركاء، وهو الّذي يرزقكم، ويتولى أموركم، ويحفظكم، ويُحصي أعمالكم أو تجعلون لله شركاء عاجزين عن نفعكم، أو ضركم، ولا يعلمون بحالكم شيئاً، وغير قائمين بحالكم.
﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾: سمّوا هؤلاء الشّركاء الّذين تزعمون. قل سموهم: على سبيل التهكم والسخرية منهم وليس على سبيل الأمر أو الواجب.
﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى الْأَرْضِ﴾: أم: حرف إضراب انتقالي؛ استفهام مصحوب بالإنكار، والتّوبيخ؛ أم تخبرونه بشركاء له تعبدونهم، وهو لا يعلمهم
стр. 2443
أو لا وجود لهم في الأرض؛ لأنّه يعلم ما في السّموات، وما في الأرض، وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض، ولا في السّماء.
﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾: أم: مجرد قول لا حقيقة له وعبث، أو مجرد قول بالأفواه لا معنى له، أو مجرد أسماء سميتموها أنتم، وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان.
﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾: بل: للإضراب الانتقالي.
﴿زُيِّنَ﴾: المُزين هو الشّيطان.
﴿مَكْرُهُمْ﴾: والمكر: هو التّدبير الخفي الّذي يقوم به الماكر؛ للنيل من الممكور به، وهو احتيال في خُفية، وسببه عجز الماكر عن مقاومة الممكور به، وهو أوّل مراتب الجبن، ويتراوح بين الخفيف، والعظيم، ونتيجة المكر السّيئ هي: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
ومكرهم هنا يعني: جعل تلك الأصنام، والأوثان، والشركاء آلهة تعبد من دون الله.
﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾: أي: أعرضوا هم أنفسهم عن الإيمان، واتباع الحق، ومنعوا الآخرين كذلك من اتباع الهدى، ودين الله.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: ومن: الواو: استئنافية؛ من: شرطية تشمل الواحد، أو الجمع.
﴿يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: من يختار طريق الضّلالة، ويعرض عن سبيل الله يُمد الله له في ضلاله، وإذا قارنا قوله تعالى في هذه الآية ﴿يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ مع قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ﴾ [غافر: ٣٤]: يُضلل: أي: يمد الله له في ضلاله؛ يُضل: أي: هناك من يُضله.
стр. 2444
﴿فَمَا لَهُ﴾: فما: الفاء: رابطة لجواب الشّرط؛ تفيد التّوكيد؛ ما: النّافية.
﴿لَهُ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿مِنْ هَادٍ﴾: من: استغراقية؛ أي: هادي يهديه إلى الحق، والصواب، والإيمان، ولن تجد له ولياً مرشداً.
سورة الرعد [١٣: ٣٤]
﴿لَّهُمْ عَذَابٌ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾:
ثمّ ذكر الله سبحانه جزاءهم على كفرهم، وشركهم؛ فقال:
﴿لَّهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿لَّهُمْ عَذَابٌ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: مثل: القتل، أو الأسر، أو ما يصيبهم من سائر المحن، والكوارث الكونية، والجوية، والأمراض، والقحط، والجوع، والخوف، والأوبئة.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾: ولعذاب: اللام: للتوكيد؛ بأنّ عذاب الآخرة:
﴿أَشَقُّ﴾: أشد، وأصعب.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾: ما: النّافية.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿مِنَ﴾: استغراقية.
﴿مِنْ وَاقٍ﴾: يقيهم عذابه؛ أي: يمنع عنهم، أو يصرف العذاب عنهم، أو يخففه.
стр. 2445
سورة الرعد [١٣: ٣٥]
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾:
بعد ذكر عذاب الكفار في الدّنيا (لهم عذاب في الحياة الدّنيا ولعذاب الآخرة أشق)، يذكر سبحانه ثواب المتقين، وما أعده لعباده المؤمنين فيقول:
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾: لماذا قال سبحانه: مثل الجنة؟ والتّمثيل من معانيه: هو أن تلحق مجهولاً بمعلوم؛ لتأخذ منه الحكم، أو الصّورة؛ لأنّه لا توجد ألفاظ عندنا في الدّنيا تؤدي معنى ما في الجنة؛ لأنّ فيها أشياء لم ترها عين، ولم تسمعها أذن، ولم تخطر على قلب بشر؛ إذن: لا يبقى لنا إلا المثل، وهو أن نأتي بأشياء نعلمها، ونقارنها بأشياء لا نعلمها؛ حتّى نحصل على صورة محتملة.
﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: وعد من الوعد، والوعد عادة إذا أطلق ولم يُقيد يدل على الخير، والوعيد: يدل على الشّر.
﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي: تنبع أنهار الجنة من تحت تلك الجنات، وأنهار الجنة من الماء الغدق، واللبن، والخمر، والعسل.
﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾: أي: لا ينقطع، ولا ينقص، وفيها ما تشتهيه الأنفس،
стр. 2446
وتلذ الأعين؛ دائم على مدار الزّمان، والأكل فيها ليس بسبب الجوع؛ لأنّه ليس فيها جوع، ولا ظمأ، وإنما للشهوة، والمتعة، واللّذة.
﴿وَظِلُّهَا﴾: وظلها دائم، لا تنسخه شمس، أو غيرها.
﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، ويفيد التّعظيم، ويشير إلى الجنة.
﴿عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: عقبى: أي: العاقبة، عاقبة أمرهم الجنة، على وزن فُعلى: عقبى: اسم بمعنى: الجزاء، أو آخر كلّ أمر. ارجع إلى الآية (٢٢) من نفس السّورة.
﴿وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾: ولم يقل: وعقبى الّذين كفروا؛ لأنّ الّذين كفروا قد يرجعوا عن كفرهم، ويعودوا للإيمان؛ أمّا الكافرين فهم الّذين أصبحت صفة الكفر عندهم ثابتة، وماتوا، وهم كفار، وذكر عقبى الّذين اتقوا، وإتباعه بذكر عقبى الكافرين فيه بشرى للمتقين، وإنذار للكافرين.
سورة الرعد [١٣: ٣٦]
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾:
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: الّذين: اسم موصول؛ يفيد المدح.
﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: مؤمنو أهل الكتاب من اليهود، والنّصارى؛ مثل: عبد الله بن سلام، وأصحابه، وسلمان الفارسي من مؤمني أهل الكتاب أهل التّوراة، والإنجيل، وإذا قارنا (الذين آتيناهم الكتاب بالذين أوتوا الكتاب) في
стр. 2447
القرآن: نجد أن (الذين آتيناهم الكتاب): تأتي في سياق المدح والتفضيل والثناء، وأما (الذين أوتوا الكتاب) تأتي في سياق الذم والتوبيخ.
﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: من الآيات، والذّكر الحكيم (القرآن)؛ لأنّه موافق لما جاء في كتبهم، وهذا الفرح من الفرح المحمود. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠) لبيان معنى الفرح وأنواعه. انظر كيف قال تعالى: (يفرحون) ولم يقل يؤمنون؛ فقد يكون مجرد فرح (سرور) لبعضهم، ثم ما لبثوا أن كفروا به؛ لأنك لم تتبع ملتهم.
﴿بِمَا﴾: الباء: للتعليل، أو السّببية، بما أنزل عليك يا محمّد ﷺ ، والفرح عادة يكون عندما يحقق الإنسان أمراً طيباً جلب له النّفع، وهناك فرق بين: أنزل عليك، و: أنزل إليك. ارجع إلى الآية (٤) من سورة البقرة.
﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾: من: ابتدائية بعضية؛ أي: بعض الأحزاب. والأحزاب: جمع حزب؛ أي: طائفة متحزبة مجتمعة على هدف، أو أهداف من الّذين تحزبوا من المشركين من أهل مكة، ومن حولهم من الأعراب، أو أهل الكتاب: اليهود.
﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾: من: للعاقل؛ تشمل: المفرد، والجمع.
﴿يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾: مثل: نبوة محمّد، أو ما جاء في وصف النّبي المرتقب، أو ينكر ما جاء في رجم المحصن، أو ما جاء به في البعث، والحساب. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٥١)؛ لبيان معرفة معنى: الجحود، والإنكار، والفرق بينهما.
стр. 2448
﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾: جواب للمنكرين، قل لهم يا محمّد:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد.
﴿أُمِرْتُ أَنْ﴾: أن: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد.
﴿أَعْبُدَ اللَّهَ﴾: وحده؛ أي: أطيع أوامره، وأجتنب نواهيه.
﴿وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾: لا: النّافية.
﴿أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ﴾: ولا أشرك: توكيد لـ: أمرت أن أعبد الله.
﴿إِلَيْهِ أَدْعُوا﴾: تقديم إليه: يفيد الحصر؛ أي: لا أدعو، ولا أعبد غيره.
﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾: تقديم إليه: يفيد الحصر؛ أي: إليه وحده مرجعي، ومصيري.
لنقارن هذه الآية: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ مع الآية (١٧) من سورة هود: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.
آية سورة هود: جاءت في سياق الكفر بالقرآن، أو بمحمد ﷺ ، وهو أشد من الإنكار، وأشد من التّكذيب؛ فجاء التّحذير بالقول: فالنّار موعده.
أمّا آية سورة الرعد: جاءت في سياق الإنكار، وهو أقل من الكفر، والتّكذيب؛ فلم يذكر عاقبة الإنكار الّتي هي حتماً أقل من الكفر.
فآية هود: تحذر من الكفر به، وآية الرعد: تحذر من إنكار بعض الكتاب (التوراة).
стр. 2449
سورة الرعد [١٣: ٣٧]
﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا وَاقٍ﴾:
﴿وَكَذَلِكَ﴾: أي: كما أرسلنا، أو مثل ما أرسلنا كلّ رسول بلسان قومه، وأنزلنا عليهم الكتب بلغاتهم.
﴿أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾: أنزلنا عليك حكماً عربياً (قرآناً عربياً)، وسمي حكماً؛ لما فيه من الفرائض، والأحكام، أو حكماً عربياً يفصل بين الحق، والباطل، أو القرآن بحد ذاته حُكم، أو الحكم العدل.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم﴾: لئن: اللام: لام التّوكيد؛ إن: شرطية تفيد الشّك، أو النّدرة في اتباع أهوائهم.
﴿أَهْوَاءَهُم﴾: جمع هوى، والهوى تعريفه: هو ما تميل إليه النفس باطلاً وبعيداً عن الحق، ولا دليل له. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (٥٦).
مثال الصّلاة إلى بيت المقدس، أو اتباع ملتهم.
﴿بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: عن طريق الوحي، أو إنزال القرآن، وهذه الآية تذكرنا بآية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٢٠] نجد: (الذي) أبلغ من (ما)؛ لأن (الذي) تستعمل في أمور محددة مثل القرآن، أما (ما) قد تستعمل في أمر تحويل القبلة، أو أهواء الذين آتيناهم الكتاب، والأحزاب … وغيرهم.
стр. 2450
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ﴾: من: استغراقية؛ تستغرق كلّ ولي في الدّنيا، والخطاب إن كان موجهاً إلى رسول الله ﷺ يقصد به أمته.
﴿وَلِىٍّ﴾: معين، مساعد؛ كالقريب.
﴿وَلَا وَاقٍ﴾: حافظ، أو حفيظ يمنعك من العذاب، من الوقاية: وهي الصّيانة، والحفظ؛ من عذاب الله، وغضبه، وسخطه، وعقابه، أو من الوقوع في السّيئات، أو المعاصي، أو الأخطاء.
سورة الرعد [١٣: ٣٨]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ لقد: اللام: لام التّوكيد؛ قد: تحقيق، توكيد التّحقيق في إرسال رسلٍ من قبلك؛ نزلت هذه الآية رداً على طعن المشركين على النّبي بتعدد الزّوجات، والأولاد بدلاً من التّفرغ للطاعة، والدّعوة، كما روى ابن عباس ﵄، وكما أرسلناك:
﴿أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾: بشراً لهم أزواج، وذرية وأولاد، وأيضاً:
﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾: وما كان لرسول أن يأتي بآية: بمعجزة مصاحبة لمجيئه، أو قادر في أي زمن من الأزمنة على الإتيان (كان تعني: كلّ الأزمنة: في الماضي، والحاضر، والمستقبل، ولا يحق لأحد أن يقترح على الله أن يرسل مع أي رسول آية.
﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إلا: أداة حصر.
стр. 2451
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بإرادة الله. ارجع إلى سورة يونس آية (١٠٠) لبيان معنى الإذن.
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾: لكلّ: اللام: لام التّوكيد؛ الأجل: هو الوقت، أو الزّمن المضروب لانقضاء الشّيء؛ أي: لكلّ أجل كتاب؛ أي: لكلّ زمن نهاية مكتوبة، أو مدونة في اللوح المحفوظ، وأجل الإنسان: هو الوقت، أو الزّمن، أو المدة الّتي سيعيشها حياً ثم يموت، مثلاً أجل الإنسان (ستون سنة) فكل أجل مكتوب في اللوح المحفوظ.
سورة الرعد [١٣: ٣٩]
﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾:
﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: المحو: هو إذهاب الأثر، أو ينسخ الله من الأحكام، والشّرائع ما يشاء؛ أي: الإزالة والاستئصال الكامل.
﴿وَيُثْبِتُ﴾: يُبقي، ولا يغير، أو يحول، أو يبدل الله ما يشاء.
﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: أي: العلم الأزلي الّذي لا يطاله شيء من التّبديل، أو التّغيير، أو التّحويل، والمدون في أمّ الكتاب، وقيل: أمّ الكتاب: اللوح المحفوظ، وقيل: اللوح المحفوظ الّذي يقع فيه المحو، وأمّ الكتاب: لا يتغير فيه شيء أبداً؛ أي: أم الكتاب غير اللوح المحفوظ.
سورة الرعد [١٣: ٤٠]
﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾:
﴿وَإِنْ مَا﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك؛ ما: للتوكيد.
стр. 2452
﴿نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ﴾: نرينك في الدّنيا؛ نرينك: النّون كذلك للتوكيد؛ أي: وأنت حي ترزق؛ الخطاب لرسول الله ﷺ .
﴿بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ﴾: من العذاب؛ مثل: القتل، والهزيمة، والبأساء، والضّراء؛ بعض، وليس كلّ الّذي نعدهم؛ لأنّ ما تبقى سيكون في الآخرة.
﴿أَوْ﴾: للاختيار.
﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾: قبل أن نريك عذابهم، والنّون: للتوكيد.
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾: فإنما: الفاء: للتوكيد؛ إنما: كافة مكفوفة؛ تفيد الحصر، والتّوكيد.
﴿عَلَيْكَ﴾: أن تبلِّغ ما أنزل إليك من ربك؛ هذه هي مهمتك، وعلينا الحساب. وتقديم علينا: يفيد الحصر؛ علينا حسابهم في الآخرة، والجزاء.
سورة الرعد [١٣: ٤١]
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، الواو: لمطلق الجمع، وتدل على شدة الإنكار، وتعني: الانتظار، والتّهدئة، والتّفكير، أو ترى شيئاً مرئياً بعينك، وتنكره؛ فالواو: تفيد: كيف تنكر ذلك، ولمعرفة الفرق بين (أولم يروا)، وقوله تعالى: (أفلم يروا)؛ ارجع إلى سورة سبأ آية (٩) للبيان، ولمعرفة الفرق بين (أولم يروا)، وقوله تعالى: (ألم يروا)؛ ارجع إلى سورة الأنعام آية (٦) للبيان.
стр. 2453
﴿يَرَوْا﴾: رؤية بصرية، أو عينية، أو رؤية قلبية، أو رؤية علمية، من الدّراسات والأبحاث العلمية الكونية، واكتشافات العلم الحديث.
﴿أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: لها عدة تفسيرات؛ نذكر منها:
التفسيرات القديمة: الأرض: إمّا تعني: بقعة، أو قطعة من الأرض، أو تعني: الأرض كلّها، وفي قوله: (نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) عدة تفسيرات؛ ذكرت في كتب التفسير؛ منها:
١ - خرابها بموت أهلها، ونقصان في الأنفس، والثّمرات بالزّلازل، والهدم، والخراب بالفيضانات، والكوارث الجوية.
٢ - بموت علمائها، وفقهائها، وأهل الخير.
٣ - بانتشار الإسلام، ونقصان ملل الكفر، والشّرك.
أمّا التّفسير العلمي: فقد ثبت علمياً: أنّ القسم اليابس من الأرض في نقصان مستمر، وأنّ أرضنا الابتدائية كانت مئة ضعف الأرض الحالية، والأرض تنكمش؛ لأنّها تفقد من ثوران البراكين ملايين الأطنان من المادة، والطاقة بشكل غازات، ونار، والتّراب البركاني، وما تفقده يعادل ما تفقده الشّمس، حتّى تبقى المسافة بين مركز الشّمس، ومركز الأرض ثابتة، وتقدر بـ (١٥٠ مليون كم)، ولولا ذلك لاحترقنا بقرب الشّمس منا، أو تجمدنا ببعد الشّمس عنا.
وهناك من فسر هذه الظاهرة بعوامل التعرية، أو غيرها من التّفسيرات
стр. 2454
الأخرى؛ فلا ينطبق عليها قوله تعالى: ﴿مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (من جميع أطرافها)، وهي تفسيرات جزئية. ارجع إلى سورة الأنبياء، آية (٤٤)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾: أي: حين يحكم الله بحكم لا أحد يستطيع رد حكمه بعد إصداره، ولا يستطيع أحد أن يبطل حكمه، أو ينقضه، أو يعقّب على حكم الله بأي شيء.
﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: وهو: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: لأنّه سبحانه يعلم ما تكسب كلّ نفس، وجميع الخلق حسابهم كحساب الواحد منهم؛ فهو لا يحتاج إلّا للقول: كن فيكون، ولأنّه سبحانه لا يشغله فعل عن فعل، أو يحاسب هذا، والآخر عليه أن ينتظر في صف، كما نرى الواحد تلو الآخر. وأمّا الميزان: فهو لإقامة الحجة على العبد؛ فالله سبحانه قادر على أن يحاسبهم، كما يرزقهم كلّهم جميعاً في آن واحد، كما أجاب الإمام علي ﵁.
سورة الرعد [١٣: ٤٢]
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾:
﴿وَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ قد: للتحقيق؛ أي: فعلاً مكر الّذين من قبلهم.
﴿مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: المكر: ارجع إلى الآية (٣٣) من نفس السّورة.
مكر الّذين من قبلهم: بأنبيائهم، كما يمكر بك قومك؛ ليثبتوك أو يقتلوك، أو يخرجوك. ارجع إلى سورة الأنفال، آية (٣٠)؛ لمزيد من البيان.
стр. 2455
﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾: أي: لا يضر المكر إلا بإرادته، فلا يضر مكر الماكرين، ولا يخاف منه، ولا قيمة له، وهو زائل، والمهم: هو مكر الله سبحانه؛ يعني: الانتقام والأخذ، وهو الجبّار الدائم القادر على دحر أي مكر.
﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾: من خير، أو شر، وحسنة، أو سيئة، وسيجزي كلاً على عمله.
﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾: السّين: للاستقبال القريب، لمن عقبى الدّار يوم القيامة.
﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: العاقبة المحمودة؛ أي: الجنة.
﴿لِمَنْ﴾: اللام: لام الاختصاص. ارجع إلى الآية (٢٢) من السّورة نفسها.
следующие страницы →