← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بإرادة الله. ارجع إلى سورة يونس آية (١٠٠) لبيان معنى الإذن. ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾: لكلّ: اللام: لام التّوكيد؛ الأجل: هو الوقت، أو الزّمن المضروب لانقضاء الشّيء؛ أي: لكلّ أجل كتاب؛ أي: لكلّ زمن نهاية مكتوبة، أو مدونة في اللوح المحفوظ، وأجل الإنسان: هو الوقت، أو الزّمن، أو المدة الّتي سيعيشها حياً ثم يموت، مثلاً أجل الإنسان (ستون سنة) فكل أجل مكتوب في اللوح المحفوظ. سورة الرعد [١٣: ٣٩] ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: المحو: هو إذهاب الأثر، أو ينسخ الله من الأحكام، والشّرائع ما يشاء؛ أي: الإزالة والاستئصال الكامل. ﴿وَيُثْبِتُ﴾: يُبقي، ولا يغير، أو يحول، أو يبدل الله ما يشاء. ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: أي: العلم الأزلي الّذي لا يطاله شيء من التّبديل، أو التّغيير، أو التّحويل، والمدون في أمّ الكتاب، وقيل: أمّ الكتاب: اللوح المحفوظ، وقيل: اللوح المحفوظ الّذي يقع فيه المحو، وأمّ الكتاب: لا يتغير فيه شيء أبداً؛ أي: أم الكتاب غير اللوح المحفوظ. سورة الرعد [١٣: ٤٠] ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾: ﴿وَإِنْ مَا﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك؛ ما: للتوكيد.

стр. 2452

﴿نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ﴾: نرينك في الدّنيا؛ نرينك: النّون كذلك للتوكيد؛ أي: وأنت حي ترزق؛ الخطاب لرسول الله ﷺ . ﴿بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ﴾: من العذاب؛ مثل: القتل، والهزيمة، والبأساء، والضّراء؛ بعض، وليس كلّ الّذي نعدهم؛ لأنّ ما تبقى سيكون في الآخرة. ﴿أَوْ﴾: للاختيار. ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾: قبل أن نريك عذابهم، والنّون: للتوكيد. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾: فإنما: الفاء: للتوكيد؛ إنما: كافة مكفوفة؛ تفيد الحصر، والتّوكيد. ﴿عَلَيْكَ﴾: أن تبلِّغ ما أنزل إليك من ربك؛ هذه هي مهمتك، وعلينا الحساب. وتقديم علينا: يفيد الحصر؛ علينا حسابهم في الآخرة، والجزاء. سورة الرعد [١٣: ٤١] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: ﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، الواو: لمطلق الجمع، وتدل على شدة الإنكار، وتعني: الانتظار، والتّهدئة، والتّفكير، أو ترى شيئاً مرئياً بعينك، وتنكره؛ فالواو: تفيد: كيف تنكر ذلك، ولمعرفة الفرق بين (أولم يروا)، وقوله تعالى: (أفلم يروا)؛ ارجع إلى سورة سبأ آية (٩) للبيان، ولمعرفة الفرق بين (أولم يروا)، وقوله تعالى: (ألم يروا)؛ ارجع إلى سورة الأنعام آية (٦) للبيان.

стр. 2453

﴿يَرَوْا﴾: رؤية بصرية، أو عينية، أو رؤية قلبية، أو رؤية علمية، من الدّراسات والأبحاث العلمية الكونية، واكتشافات العلم الحديث. ﴿أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: لها عدة تفسيرات؛ نذكر منها: التفسيرات القديمة: الأرض: إمّا تعني: بقعة، أو قطعة من الأرض، أو تعني: الأرض كلّها، وفي قوله: (نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) عدة تفسيرات؛ ذكرت في كتب التفسير؛ منها: ١ - خرابها بموت أهلها، ونقصان في الأنفس، والثّمرات بالزّلازل، والهدم، والخراب بالفيضانات، والكوارث الجوية. ٢ - بموت علمائها، وفقهائها، وأهل الخير. ٣ - بانتشار الإسلام، ونقصان ملل الكفر، والشّرك. أمّا التّفسير العلمي: فقد ثبت علمياً: أنّ القسم اليابس من الأرض في نقصان مستمر، وأنّ أرضنا الابتدائية كانت مئة ضعف الأرض الحالية، والأرض تنكمش؛ لأنّها تفقد من ثوران البراكين ملايين الأطنان من المادة، والطاقة بشكل غازات، ونار، والتّراب البركاني، وما تفقده يعادل ما تفقده الشّمس، حتّى تبقى المسافة بين مركز الشّمس، ومركز الأرض ثابتة، وتقدر بـ (١٥٠ مليون كم)، ولولا ذلك لاحترقنا بقرب الشّمس منا، أو تجمدنا ببعد الشّمس عنا. وهناك من فسر هذه الظاهرة بعوامل التعرية، أو غيرها من التّفسيرات

стр. 2454

الأخرى؛ فلا ينطبق عليها قوله تعالى: ﴿مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ (من جميع أطرافها)، وهي تفسيرات جزئية. ارجع إلى سورة الأنبياء، آية (٤٤)؛ لمزيد من البيان. ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾: أي: حين يحكم الله بحكم لا أحد يستطيع رد حكمه بعد إصداره، ولا يستطيع أحد أن يبطل حكمه، أو ينقضه، أو يعقّب على حكم الله بأي شيء. ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: وهو: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: لأنّه سبحانه يعلم ما تكسب كلّ نفس، وجميع الخلق حسابهم كحساب الواحد منهم؛ فهو لا يحتاج إلّا للقول: كن فيكون، ولأنّه سبحانه لا يشغله فعل عن فعل، أو يحاسب هذا، والآخر عليه أن ينتظر في صف، كما نرى الواحد تلو الآخر. وأمّا الميزان: فهو لإقامة الحجة على العبد؛ فالله سبحانه قادر على أن يحاسبهم، كما يرزقهم كلّهم جميعاً في آن واحد، كما أجاب الإمام علي ﵁. سورة الرعد [١٣: ٤٢] ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: ﴿وَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ قد: للتحقيق؛ أي: فعلاً مكر الّذين من قبلهم. ﴿مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: المكر: ارجع إلى الآية (٣٣) من نفس السّورة. مكر الّذين من قبلهم: بأنبيائهم، كما يمكر بك قومك؛ ليثبتوك أو يقتلوك، أو يخرجوك. ارجع إلى سورة الأنفال، آية (٣٠)؛ لمزيد من البيان.

стр. 2455

﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾: أي: لا يضر المكر إلا بإرادته، فلا يضر مكر الماكرين، ولا يخاف منه، ولا قيمة له، وهو زائل، والمهم: هو مكر الله سبحانه؛ يعني: الانتقام والأخذ، وهو الجبّار الدائم القادر على دحر أي مكر. ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾: من خير، أو شر، وحسنة، أو سيئة، وسيجزي كلاً على عمله. ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾: السّين: للاستقبال القريب، لمن عقبى الدّار يوم القيامة. ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: العاقبة المحمودة؛ أي: الجنة. ﴿لِمَنْ﴾: اللام: لام الاختصاص. ارجع إلى الآية (٢٢) من السّورة نفسها.

стр. 2456

سورة الرعد [١٣: ٤٣] ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: يرد الله سبحانه في هذه الآية على منكري نبوة رسول الله ﷺ . ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: جاء بصيغة المضارع بدلاً من قال: لتكرار قولهم، وتجدده؛ فهم استمروا على إنكارهم بقولهم: ﴿لَسْتَ﴾: ليس + التّاء؛ ليس: للنفي، والتّاء: للتأكيد. ﴿مُرْسَلًا﴾: من عند الله، أو رسولاً. ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ : يكفي الله سبحانه أن يكون شهيداً بيني وبينكم على أنّي رسول الله إليكم، ولا تهم شهادتكم بأنّي رسول الله أم لا. ﴿بِاللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد. ﴿شَهِيدًا﴾: صيغة مبالغة من: شاهد. ارجع إلى الآية (١٣٣) من سورة البقرة؛ للبيان، وتقديم شهيداً على بيني وبينكم هو الأصل دائماً، ولكنه سبحانه قدم بيني وبينكم على كلمة شهيداً في آية واحدة فقط في سورة العنكبوت آية (٥٢)؛ ارجع إلى سورة العنكبوت لمعرفة السبب. ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: من: للعاقل، وتشمل المفرد، والجمع. ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: (القرآن)، ومن: قد تعود إلى الله سبحانه؛ فتكون توكيداً لقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾. وقد تشمل جبريل ﵇، أو المؤمنين، أو أولي العلم، أو عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي.

стр. 2457

سورة إبراهيم [١٤: ١] سورة إبراهيم ترتيبها في القرآن (١٤)، وفي النّزول (٧٢)؛ نزلت بعد سورة نوح (٧١). ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾: ﴿الر﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة. ﴿كِتَابٌ﴾: كتابٌ: أي: القرآن؛ فهو يسمّى: كتاباً؛ لأنّه مكتوب في الأسطر، وفي اللوح المحفوظ، ويسمّى: قرآناً؛ لأنّه مقروء، وله أسماء أخرى كثيرة؛ ارجع إلى الآية (٢) من سورة البقرة. كتاب: بصيغة النكرة؛ للتّعظيم، والتّفخيم. ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾: أي: جملة واحدة (دفعة واحدة)، من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا في ليلة القدر. ﴿إِلَيْكَ﴾: ولم يقل عليك. ﴿إِلَى﴾: تفيد عموم الغايات؛ أي: لتبلّغ النّاس ما أنزل إليهم من ربهم، ولمعرفة الفرق بين إليك، وعليك: ارجع إلى الآية (٣) من سورة آل عمران، والآية (٤) من سورة البقرة.

стр. 2458

﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾: لتخرج: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد؛ تخرج النّاس: بدعوتهم إلى الإيمان، وتبليغهم ما أنزل إليك. ﴿النَّاسَ﴾: مشتقة من النّوس؛ أي: الحركة الّتي هي صفتهم، وتشمل الجن، والإنس. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: من: ابتدائية. ﴿الظُّلُمَاتِ﴾: جمع: ظلمة، وتشمل: ظلمة الجهل، والضّلال، والتّقليد، والشّرك، والكفر. ﴿إِلَى النُّورِ﴾: الإيمان، والتّوحيد، والعلم، والنّور: مفرد، بينما الظّلمات: جمع، أو كثرة. دائماً في القرآن يجمع الظّلمات؛ لأن الظّلمات مختلفة، وأمّا النّور: فهو واحد، وذلك لأن النور سببه أو مصدره هو الله ، والله سبحانه واحد كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وأما الظلمات متعددة لتعدد أسبابها، أو مصادرها: الطاغوت، والأنفس، والأهواء، والشياطين، والأصنام. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: بإذن: بأمر ربهم، وإرادته، وتوفيقه، وعونه، والباء: للإلصاق، والتّوكيد، وبإذن ربهم. الإذن: اسم للكلام الذي يفيد إباحة فعل، أو قول، وتستعمل للعمل الّذي ليس لنا تدخل فيه؛ أي: هو تدبير خارج عن إرادتنا، بينما القول: (إن شاء الله) تستعمل للأمر الّذي لنا شأن، أو تدخل به، أو نقوم به. ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾: إلى: تفيد عموم الغاية.

стр. 2459

﴿صِرَاطِ﴾: دين الله، وهو الإسلام، والصّراط: هو الطّريق المستقيم الواضح الموصل إلى الغاية بأقصر مسافة، وأقصر زمن، وبسهولة. ﴿الْعَزِيزِ﴾: القوي الّذي لا يُغلب، ولا يُقهر، والممتنع. ﴿الْحَمِيدِ﴾: صيغة مبالغة من الحمد؛ كثير الحمد من خلقه؛ فهو المحمود، سواء حمده خلقه، أم لم يحمدوه؛ فهو المحمود في ذاته، والّذي ثبتت له صفة الحمد من قبل أن يوجد من يحمده. ارجع إلى سورة الفاتحة الآية (٢) لمزيد من البيان، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٤) من سورة الحج، وهي قوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ نجده حذف اسم العزيز؛ ارجع إلى سورة الحج لمعرفة السبب. سورة إبراهيم [١٤: ٢] ﴿اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: هذه الآية يمكن وصلها بالآية السّابقة؛ فتقرأ: صراط العزيز الحميد الله الّذي له ما في السّموات، وما في الأرض، وتقرأ مرققة، أو تقرأ غير مرققة؛ أي: مفصولة عمّا قبلها. اللهُ الّذي له ما في السّموات، وما في الأرض. اللهِ: إذا قرئت بالكسر: هي بدل (العزيز الحميد)، وإذا قرأت بالضم (اللهُ): فهي مبتدأ، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: هو الله الّذي له ما في السّموات والأرض.

стр. 2460

﴿اللَّهِ﴾: اسم الله العلم الدّال على واجب الوجود، وتعني: المعبود، ويشمل كلّ صفات الله العليا. ﴿لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: السّموات (ظرف)، وما في السّموات (مظروف)؛ أي: له السّموات وما فيهن، وله الأرض وما فيها؛ أي: السّموات السّبع وما فيهن، والأرضين السّبع وما فيهن، الكل ملكه، لا يشاركه فيه أحد؛ كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. وتكرار (ما في) لأنّ: هناك أجناس من المخلوقات موجودة في السّموات لا توجد على الأرض، أو بالعكس؛ مثل: حملة العرش، ومن حوله، وغيرهم من الملائكة، والكواكب، والأقمار، والشّموس، وهناك مخلوقات في الأرض تخص الأرض، وحدها واستعمال (ما) الّتي تشمل العاقل وغير العاقل. ﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ﴾: الويل: العذاب، أو الهلاك، وقيل: دعاء بالشّر، وإنذار بالعذاب، والويل يكون في الدّنيا والآخرة، وليس فقط في الآخرة. ﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق. ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: والعذاب الشّديد أحد أنواع العذاب؛ فهناك العظيم، والأليم، والمهين، والمقيم؛ عذاب شديد لا يطاق، أو يمكن تحمله. سورة إبراهيم [١٤: ٣] ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِى ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾: وويل للكافرين الّذين يستحبون الحياة الدّنيا.

стр. 2461

﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾: على وزن استفعل؛ أي: أجهدوا أنفسهم، وأوغلوا في حب الدّنيا، وهناك فرق بين أحب واستحب. أحب: اكتفى بالحب العادي بدون تكلف، وجهد. أمّا استحب: السّين، والتّاء: تدل على الطّلب؛ أي: طلب حب الدّنيا، وتوغل في حبه للدنيا، وأرهق نفسه في طلبها، والرّكض وراءها. ووصفها الله سبحانه بالدّنيا، أو السّفلى، أو الزّائلة؛ أي: يؤثرونها، ويفضلونها على الآخرة. ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: يمنعون النّاس من الدّخول في دين الإسلام، أو يشوهون دين الله كي يبعدوا النّاس عن هذا الدّين؛ فهم ضالون لأنفسهم مضلون لغيرهم. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: يبغون شريعة معوجّة منحرفة؛ كي تحقق رغباتهم، وأهوائهم. يصدون، ويبغونها: بصيغة المضارع الدالة على التكرار والتجديد؛ أي: الاستمرار في الصد والابتغاء. ﴿أُولَئِكَ فِى ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾: أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد، تشير إلى دنو منزلتهم، في ضلال بعيد؛ لأنّهم جمعوا بين الضّلال، والإضلال، وبذلك أصبحوا في ضلال بعيد يصعب الرّجوع منه إلى طريق الهدى، والدّين. سورة إبراهيم [١٤: ٤] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾: وما: الواو: استئنافية؛ ما: النّافية.

стр. 2462

﴿أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾: من: ابتدائية استغراقية؛ أرسلنا، ولم يقل: بعثنا. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾: إلا: أداة حصر، حصراً وقصراً بلسان قومه؛ أي: يتكلم لغة قومه لماذا؟ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾: ليبين: اللام: لام التّعليل؛ يبين لهم: يوضح، ويشرح لهم ما أُنزل عليهم من ربهم. ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾: فمنهم من يختار التّصديق، والإيمان، ويستجيب لما أمره الله، ويتبع رسوله فيهديه الله، ويشرح صدره، ويمدّه بيد العون، ومنهم من يختار طريق الضّلالة، والكفر، ويرفض الإيمان، والتّصديق بما أنزل الله، ويسير في طريق الضّلالة؛ فيمد له ربه في غيّه، وضلاله. فالله هو الهادي؛ فلا يضل أحداً لأنّه: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]. إلا من أراد الضلال، وابتعد عن طريق الهداية، ولم يعد في قلبه ذرة إيمان، ولا أمل فيه فيتركه وشأنه. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: وهو: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الغالب الّذي لا يُغلب، والقاهر الّذي لا يُقهر، والممتنع لا يضره أحد. ﴿الْحَكِيمُ﴾: في تدبير شؤون خلقه، وكونه، والحكيم: من الحكمة؛ فهو أحكم الحكماء، والحكيم: من الحكم؛ فهو أحكم الحاكمين. ارجع إلى سورة البقرة (١٢٩) لمزيد من البيان.

стр. 2463

سورة إبراهيم [١٤: ٥] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾: ولقد: الواو: استئنافية؛ لقد: اللام: لام التّوكيد؛ قد: حرف تحقيق. ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: التّسع إلى فرعون؛ منها: العصا، واليد، والسّنين، والطّوفان، والجراد، والقمّل، والضّفادع، والدّم، أو إلى بني إسرائيل … وغيرها من الآيات؛ ومنها: فلق البحر، وفتق الجبل، وإنزال التّوراة، والمن، والسّلوى، والغمام. ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾: أن: للتوكيد. ﴿أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾: بني إسرائيل. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: ظلمات الكفر، والشّرك، والضّلال، والجهالة إلى نور الإيمان والتّوحيد. ارجع إلى الآية (١) من نفس السورة، ولم يقل في هذه الآية بإذن ربهم كما في الآية (١) من نفس السورة؛ لأنه سبقها قوله تعالى: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾، أو ربما لأن دعوة موسى قومه قد تمت ومضت. ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾: حدثهم، أو عظهم؛ لأنهم نسوا ذلك. ﴿بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾: أي: الأحداث الّتي وقعت لهم، وللأمم السّابقة. ويقصد باليوم؛ أي: الحدث البارز الهام الّذي وقع في ذلك اليوم، وليس اليوم بذاته؛ أي: بالوقائع، والمحن، والشّدائد، والأحداث المؤلمة الّتي مرت

стр. 2464

عليهم مثل: قهر فرعون لهم وقتل أولادهم، واستحياء نسائهم، وبنعم الله عليهم مثل فلق البحر، وإنقاذهم من فرعون، وجنوده، والمن، والسلوى، ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة، وإنزال التّوراة، وضرب الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إن: للتوكيد. ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿ذَلِكَ﴾: ذا: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب. ﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ آيات: معجزات أو براهين، وأدلة لكلّ صبّار شكور. ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾: لكلّ: اللام: لام الاختصاص، كثير الصّبر، مبالغ في الصّبر على وزن فعّال، وإذا قارنا صبَّار بصبور؛ صبور: تدل على الدوام (دوام الصبر)، أو باستمرار، وهذا من الصعب فعله والقيام به، أما كونه صبَّار؛ أي: كثير الصبر فهذا نراه عند بعض الناس، وليس الكل، ولم ترد كلمة صبور في كل القرآن الكريم. ﴿شَكُورٍ﴾: كثير الشّكر وتدل على الدوام، وهناك من الناس من هو كثير الشكر، أو دائم الشكر كما أخبرنا الله سبحانه عن نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، أو مبالغ في الشّكر في أيّام الله منها الّتي تجلت بأحداث مؤلمة تحتاج إلى صبر كثير، ومنها: ما تجلت بحوادث حسنة تستحق الشّكر؛ أي: كانت آيات تحتاج إلى كثير من الصّبر، أو كثير من الشّكر؛ أي: آيات ابتلاء لكل مؤمن كثير الصّبر، أو كثير الشّكر.

стр. 2465

وهذا ما يؤيده حديث رسول الله ﷺ الّذي أخرجه مسلم في صحيحه: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كلّه خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا المؤمن: إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيراً له». وقد وردت آية: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: في (٤) سور من القرآن: في سورة إبراهيم هذه الآية (٥)، والآيات هنا تعني: المعجزات الّتي حدثت في زمن موسى ﵇. وفي سورة لقمان، الآية (٣١): الآيات هنا تعني الآيات الكونية كقوله تعالى: يولج الليل في النّهار، والنّهار في الليل، والفلك الّتي تجري في البحر، وسخر الشّمس، والقمر كلّ يجري إلى أجل مسمّى؛ الدّالة على عظمة الله وقدرته. في سورة سبأ، الآية (١٩): الآيات هنا الكفر بنعم الله، وعدم شكر المنعم؛ الأمر الّذي أدّى إلى تمزيقهم وجعلهم أحاديث. في سورة الشّورى، الآية (٣٣): مزيد من الآيات الكونية الدّالة على عظمة الله تعالى، وقدرته الّتي تدعو إلى التّفكر والشّكر.

стр. 2466

سورة إبراهيم [١٤: ٦] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِى ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: إذ: ظرف زماني؛ بمعنى: واذكر إذ قال موسى لقومه (بني إسرائيل)، أو واذكر حين قال موسى: اذكروا نعمة الله عليكم؛ أي: ذكروا دائماً وفي كل حين ووقت نعمة الله عليكم. انتبه في هذه الآية لم يقل: يا قوم، كما في الآية (٢٠) من سورة المائدة، وإذ قال موسى لقومه: يا قوم التي فيها معنى التودد والتحبب والدعوة بلطف وحنان، وفيها معنى تعظيم المخاطب به؛ لأنّ ما ذُكر في شأن موسى وقومه في سورة إبراهيم فيها اختصار، وعدم ذكر يا قوم بينما في السّور الأخرى الّتي ذكر فيها يا قوم فيها تفصيل أكثر في شأن موسى وقومه، أو لأن موقف موسى في سورة إبراهيم موقف تحذير وتذكير ببعض المحن، والمصائب، والعذاب، والنّجاة، وليس موقف دعوة وتبليغ حتى يقول يا قوم. ﴿إِذْ أَنْجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: ولم يقل: إذ نجاكم من آل فرعون، نجاكم: تعني ببطء، وزمن طويل، بينما أنجاكم: تفيد السّرعة في النّجاة؛ أي: أنجاكم بسرعة، وتعني: عبور البحر (بفلق البحر لكم)؛ لتنجوا من فرعون

стр. 2467

وجنوده، وتم ذلك في زمن قصير، وعملية خارقة للعقل عظيمة لا يقدر عليها إلّا الله وحده. ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِى ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية (٤٩) من سورة البقرة؛ فهذه الآية تكرار للآية في سورة البقرة، وسورة القصص آية (٤) مع الاختلافات التالية: في هذه الآية قال تعالى: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾، بينما في آية البقرة: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ بدون إضافة الواو، إضافة الواو في آية إبراهيم تدل على أنّ تذبيح الأبناء هو أمر آخر، أو ثان؛ بالإضافة إلى سوء العذاب؛ أي: هنا يعدد لهم بعض المحن منها: سوء العذاب، وتذبيح الأبناء، واستحياء النّساء؛ ففيها تفصيل لأنواع العذاب، وتعظيم لما حدث لهم؛ بينما في سورة البقرة: سوء العذاب تشمل يذبحون أبناءكم. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: فآية إبراهيم فيها زيادة الواو تدل على الاهتمام الذي أدى إلى الإسراع في النجاة فاستعمل أنجيناكم حين بلغ السيل الزبى ونفذ الصبر ووصلت الأمور إلى أقصاها، ولم يقل بناتكم؛ لأنّ النّساء تدل على كثرة العدد أوّلاً، وثانياً: على تحمل المشقة، والخدمة أكثر من البنات. ويستحيون نساؤكم بدأت بحرف العطف (هو الواو) في كل السور التي وردت فيها هذه الآية؛ لأنها تختلف عن سوء العذاب الذي فيه إهانة وذلة وهتك للأعراض. ارجع إلى سورة القصص آية (٤) لمزيد من البيان في سبب إضافة الواو لكلمة ويذبحون أبناءكم.

стр. 2468

﴿وَفِى ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: ارجع إلى سورة البقرة آية (٤٩). سورة إبراهيم [١٤: ٧] ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾: إذ: ظرف زماني؛ بمعنى: حين، أو: واذكر إذ. ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾: إذ وعد ربكم، أو أعلم بتوكيد (تأذن فيها مبالغة في الإعلام)، وقيل: حدث هذا الإعلام على جبل الطّور، وأعلم بهذه الآية، والله أعلم. ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾: لئن: اللام: للتوكيد؛ إن: شرطية تفيد الشّك والاحتمال في شكرهم لله تعالى. ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾: النّون: للتوكيد بدلاً من قوله: لأزيدكم. والشّكر؛ يعني: الاعتراف بالنّعمة للمنعم؛ أي: هو الّذي أنعمها، والشّكر عليها يكون باللسان، وعدم سترها، والسّجود سجود الشّكر مثلاً، وطاعة الله. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠) لمزيد من البيان في شكرتم. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾: مثل: لئن شكرتم، ولئن كفرتم: أي: جحدتم نعمة الله؛ أي: أنكرتموها، وكفرتم بالله و وحدانيته وربوبيته. ﴿إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿عَذَابِى﴾: أضاف العذاب له سبحانه؛ للتحذير والإنذار، ولم يقل: إن عذاب الله لشديد، ولم يقل: لأعذبنكم (كما قال لأزيدنكم)، وإنما أطلق العذاب ليشملهم ويشمل غيرهم من الكفار.

стр. 2469

﴿لَشَدِيدٌ﴾: اللام: لام التّوكيد، عذابي: في الدّنيا، أوفي الآخرة لشديد، ولذلك إياك أن تنشغل بالنّعمة، وتنسى المنعم؛ لأنّه سبحانه هو الّذي آتاك إياها. سورة إبراهيم [١٤: ٨] ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾: جاءت هذه الآية في عقب الآية (لئن شكرتم لأزيدنكم)؛ حتّى لا يظن أحد من قوم موسى (بني إسرائيل)، أو غيرهم أنّ الله سبحانه بحاجة إلى شكرهم، أو عبادتهم، فأراد الله سبحانه مسح هذا الاعتقاد من عقول خلقه على لسان موسى بقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال والشّك. والكفر: هو إما كفر عقيدة، أو كفر لنعم الله تعالى؛ أي: جحود لها وسترها. ﴿أَنتُمْ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: أنتم: للتوكيد. ﴿وَمَنْ﴾: للمفرد، والمثنى، والجمع، وللعاقل؛ ومن: استغراقية تشمل كلّ من في الأرض. ﴿فِى الْأَرْضِ﴾: في ظرفية للمظروف؛ أي: من في الأرض، ولم يقل: على الأرض؛ لأن الطبقة الغازية المحيطة بالأرض تابعة للأرض فنحن نسير في الأرض. ﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد مرة أخرى. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾: فإن: الفاء: للتوكيد؛ إنّ: للتوكيد أيضاً. ﴿لَغَنِىٌّ﴾: اللام: للتوكيد من غناه؛ غني عنكم، وعن إيمانكم وشكركم وطاعتكم.

стр. 2470

﴿حَمِيدٌ﴾: ارجع إلى الآية (١) من نفس السّورة؛ للبيان. سورة إبراهيم [١٤: ٩] ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾: قيل: هذا كلام مبتدأ من الله سبحانه يخاطب به الله قريش، أو كفار مكة، أو المسلمين، أو الكل، ومنهم من قال: أنّه تتمة من كلام موسى ﵇. ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وتقرير، ولم: للنفي، وتعني: أتاكم نبأ الّذين من قبلكم. ﴿يَأْتِكُمْ نَبَأُ﴾: المخاطب على الأرجح هو النبي ﷺ وأمته؛ يصل إليكم، أو يجيئكم بسهولة. أتاكم تعني: المجيء بسهولة عن طريق القرآن. ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: النّبأ: الخبر العظيم المهم الذي له شأن؛ أي: ذو فائدة عظيمة يحصل به علم لأمر ما. ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾: من قبلكم: أي: منذ زمن قصير، أمّا لو قال الّذين قبلكم بدون من؛ لكانت تعني: منذ زمن طويل، بدأ بقوم نوح؛ لأن ما قبل نوح كان النّاس أمة واحدة على دين واحد. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾: والّذين: تعني: الكثرة، ولم يقل: ومن بعدهم؛ أي: لم يقل قوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم، وإنما أضاف والذين: التي تدل على الكثرة، ولو حذف الذين وقال: ومن بعدهم؛ تعني: القلة؛ لا يعلم عددهم ويحصيهم إلا الله. من بعدهم: هاء الضمير يعود على قوم نوح وعاد وثمود.

стр. 2471

﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿اللَّهُ﴾: واجب الوجود، خالقهم ومحصيهم. ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالبينات: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ البينات: جمع بينة: البرهان، أو الدليل القاطع؛ (جاءتهم رسلهم): بالحجج الواضحة، والبراهين، والمعجزات الدّالة على صدق دعوتهم، وإلى عبادة الله وحده. ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ﴾: فردوا: الفاء: للمباشرة، والتّعقيب على مجيء الرّسل بالبينات؛ ردوا أيديهم في أفواههم؛ ردوا: فيها معنى التكرار؛ أي: وضعوا أيديهم على أفواههم ثم أزالوها، ثم وضعوها لها عدة تفسيرات: ١ - الرّد كناية عن العض، والعض على الأصابع ناتج من الغيظ، والضّجر من أنبيائهم ورسلهم، ورد اليد في الفم؛ أي: وضع اليد في الفم، وتعني: العض. ٢ - أو الرّد يعني: أشاروا إلى رسلهم بالسّكوت، وعدم الكلام مشبهاً ذلك بوضع اليد على فم المتكلم؛ لإسكاته (استعارة تمثيلية). ٣ - أو ردوا مواعظ ونصائح الأنبياء والرّسل؛ أي: الشّرائع، والأحكام؛ فردوها؛ أي: كذبوها، ولم يقبلوها بأقوالهم، فكأنهم ردوها وأرجعوها، ولم يستمعوا إليها سماع انتفاع وفائدة؛ فالرد يحتمل أن يكون حقيقة أو استعارة. ٤ - قد تعني: الاستهزاء والسخرية من البينات يضعون أيديهم على أفواههم من الضحك، ثم يرفعونها ويشيرون إلى الواعظ أو المتحدث وهكذا. هذه الآية تذكرنا بالآية (٢٦) من سورة فصلت، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾.

стр. 2472

﴿وَقَالُوا﴾: أي: قالت الأقوام لرسلهم. ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ﴾: إنّا: للتوكيد. ﴿كَفَرْنَا﴾: أي: لا نؤمن، ولا نصدق. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والاهتمام؛ ما: اسم موصول بمعنى: الّذي. ﴿أُرْسِلْتُم بِهِ﴾: من الآيات، أو الأوامر، أو النّواهي. ﴿وَإِنَّا لَفِى﴾: تكرار إنّا: للتوكيد. ﴿لَفِى﴾: اللام: للتوكيد أيضاً، ولم يقل وإننا؛ لأنّه ذكر إنّا مرتين يكفي للتوكيد. ﴿شَكٍّ مِمَّا﴾: الشّك: هو تساوي طرفي النّفي والإثبات، والشك: خلاف اليقين، ويعني: اضطراب النفس في التردد بين شيئين. ﴿مِمَّا﴾: من + ما؛ من: ابتدائية؛ ما: اسم موصول بمعنى: الّذي، وما: أوسع شمولاً. ﴿تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ﴾: بدلاً من تدعونا بزيادة النّون الّتي تدل على مجموعة الرّسل، وكذلك تدعوننا فيها معنى التّوكيد بزيادة النّون مقارنة بالآية (٦٢) من سورة هود وهي قوله تعالى قال القوم لصالح: ﴿وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾. ﴿مُرِيبٍ﴾: من الرّيب: وهو الشّك مع التّهمة يشكون في صدق رسلهم ورسالاتهم، ويتهمون رسلهم بالكذب المتعمد. سورة إبراهيم [١٤: ١٠] ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ

стр. 2473

مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى اللَّهِ شَكٌّ﴾: قالت رُسُلُهُمْ لأقوامهم: أفي الله شك: الهمزة في أفي: همزة استفهام إنكاري. ﴿اللَّهِ﴾: اسم العلم؛ اسم واجب الوجود. ﴿شَكٌّ﴾: أي: الكلام لا يحتمل الشّك؛ لأنّ الأدلة والآيات واضحة على وحدانية الله، وأنّه هو المعبود وحده؛ لأنّه هو وحده فاطر السّموات والأرض. ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فاطر من فطر؛ أي: شق. وفطر الخلق: أخرجهم للوجود. فاطر السّموات والأرض: خالق ومخرج السّموات والأرض للوجود. ارجع إلى سورة يوسف، الآية (١٠١)؛ لمزيد من البيان، وسورة الأنعام، الآية (١٤). ﴿يَدْعُوكُمْ﴾: يدعوكم إلى الإيمان، والتّوحيد من خلال الرّسل والكتب. ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: اللام: لام التّعليل؛ يغفر لكم: من الغفر، وهو السّتر، وبالتّالي محو بعض ذنوبكم. ﴿مِنْ﴾: بعضية، ولم يقل يغفر لكم ذنوبكم كما في قوله تعالى في الآية (٣١) من سورة آل عمران: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾؛ لأنّ الخطاب هنا للكفار، ولو كان الخطاب للمؤمنين كما في آية آل عمران لقال تعالى: يغفر لكم ذنوبكم؛ أي: كلّ الذّنوب. ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: يؤخركم من التّأخير وهو الإمهال؛ أي: لا يعجل لكم العقاب، أو العذاب بسبب كفركم وعدم شكركم ومعاصيكم؛

стр. 2474

حتّى ينقضي أجلكم المضروب لكم، أو المحدد لكم في علم الله، ومن هنا نفهم: أنّ الإيمان بالله تعالى يفيد في مغفرة الذّنوب وعدم تعجيل العقاب. ﴿قَالُوا﴾: أي: قال الّذين كفروا لرسلهم. ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ﴾: إن: نافية أشد نفياً من: ما؛ أي: ما أنتم، وهذه هي حُجتهم الباطلة دائماً لا يريدون رسلاً بشراً مثلهم. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء تفيد الحصر؛ أي: حصراً وقصراً ما أنتم إلا بشر مثلنا، وليس ملائكة أو غير ذلك. ﴿تُرِيدُونَ﴾: بالمضارع؛ يفيد التّجدد، والتّكرار. ﴿أَنْ تَصُدُّونَا﴾: أن: للتوكيد، والصّد يعني: تصرفونا أو تمنعونا. ﴿عَمَّا﴾: عن+ ما؛ عن: تفيد المجاوزة والمباعدة؛ ما: اسم موصول بمعنى: الّذي. وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾: أي: من الأصنام وغيرها من الآلهة. ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: فأتوا لنا بسلطان؛ الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ أي: برهان، أو حجة ظاهرة يدل على صدقكم. ﴿مُبِينٍ﴾: أي: واضح لكل فرد، وظاهر لا يحتاج إلى دليل؛ أي: مُظهر لنفسه.

стр. 2475

سورة إبراهيم [١٤: ١١] ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ﴾: قالت: التاء: تدل على الكثرة؛ كثرة الرّسل؛ قالت الرّسل للذين كفروا. ﴿إِنْ نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾: إن: حرف نفي أقوى نفياً من: ما؛ أي: ما نحن إلّا بشر مثلكم. ﴿إِلَّا﴾: تفيد الحصر؛ أي: نحن حصراً بشراً مثلكم؛ كما تقولون. ﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد. ﴿اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: يمُنُّ: يُنعم ويحسن بالنّبوة والعلم والحكمة. ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: أي: يختار ويصطفي، ويؤيد ذلك قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ﴿وَمَا كَانَ لَنَا﴾: ما ينبغي لنا، وما يحق لنا؛ ما: النّافية.

стр. 2476

﴿كَانَ﴾: تشمل كلّ الأزمنة: في الماضي، أو الحاضر، أو المستقبل. ﴿لَنَا﴾: اللام: للاختصاص؛ أن: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿أَنْ نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ﴾: أن: حرف مصدري يفيد التّوكيد بحجة أو برهان، كما تطلبون؛ لأن ما جاءكم من الآيات، والمعجزات يكفي، وإذا كان الله سبحانه يريد أن يأتيكم بآيات أخرى فبإذنه. ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إلا: حصراً؛ بأمر من الله. ارجع إلى الآية (١) من نفس السورة. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: بعد تقديم الأسباب عليهم أن يفوضوا أمرهم إلى الله لتحقيق ما يسعوا إليه. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: فليتوكل: الفاء: للتوكيد، واللام: لام الأمر أو الاختصاص. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) لبيان معنى التوكل. سورة إبراهيم [١٤: ١٢] ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ﴾: ما: استفهامية؛ استفهام إنكاري. ﴿أَلَّا﴾: مركبة من: أن: حرف مصدري للتوكيد، ولا: حرف نفي أي: لا عذر لنا في ألا نتوكل على الله بعد أن هدانا وأرشدنا إلى السبل، أو الطرق الموصلة إلى الغاية، وهي النّجاة من عذابه، والفوز في الآخرة.

стр. 2477

﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾: وقد: الواو: للتوكيد؛ قد: تحقيق. ﴿هَدَانَا سُبُلَنَا﴾: جمع سبيل: وهو الطّريق الواضح الموصل إلى الغاية؛ أي: وقد دلنا، وبين لنا كلّ السبل الموصلة إلى النجاة. ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾: ولنصبرن: الواو: استئنافية؛ لنصبرن: اللام: لام التّوكيد؛ نصبرن: النّون للتوكيد. ﴿مَا﴾: مصدرية، أو اسم موصول بمعنى: الّذي. ﴿آذَيْتُمُونَا﴾: سواء بألسنتكم، أو بأفعالكم. والأذى: هو الحدث المؤلم الذي يؤلم ساعة وقوعه، ثم ينتهي ويزول، أو يتحول إلى الضُّر، فالضُّر: أشد من الأذى، ويكون في النفس أو غيرها. وقوله تعالى: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾؛ أي: سيصبرون في المستقبل كما صبروا في الماضي؛ أي: سيستمرون على صبرهم على أذاهم؛ لأنهم لم يقولوا ولقد صبرنا على ما آذيتمونا. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: وعلى الله: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: ليستمر المتوكلون من المؤمنين على توكلهم على الله، ولا يكفهم، أو يمنعهم أذى الكفار، والّذين أشركوا. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾: الفاء: تفيد التّوكيد، اللام: لام الأمر؛ يتوكل المتوكلون: كلّ متوكل مؤمن، وليس كلّ مؤمن متوكل.

стр. 2478

ما هو الفرق بين: وعلى الله فليتوكل المؤمنون، وعلى الله فليتوكل المتوكلون؟ المرتبة الأولى: وعلى الله فليتوكل المؤمنون: فيها حث المؤمنين على التّوكل على الله سبحانه؛ أي: هم اتصفوا بصفة واحدة هي الإيمان، وتحثهم على التوكل. المرتبة الثانية: وعلى الله فليتوكل المتوكلون: المتوكلون في هذه الآية اتصفوا بصفتين: الإيمان، والتّوكل، والآية تحثهم على الاستقامة، والاستمرار على التوكل؛ فكل متوكل مؤمن، وليس كلّ مؤمن متوكل. سورة إبراهيم [١٤: ١٣] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا﴾: لرسلهم: اللام: لام التّوكيد. ﴿لَنُخْرِجَنَّكُم﴾: النّون: بدلاً من نخرجكم للتّوكيد. من: ابتدائية. أرضنا؛ أي: الوطن، أو قريتنا. ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾: أو: للتخيير؛ إذن: هم أمام أحد الخيارين: إما الإخراج؛ أي: الطرد والنفي، وإما العودة؛ لا محالة إلى ملة الكفر، أو ملة الآباء من التقليد.

стр. 2479

﴿لَتَعُودُنَّ﴾: مثل: لنخرجنكم: اللام: للتوكيد، والنّون لزيادة التّوكيد. ﴿فِى مِلَّتِنَا﴾: في ملة الكفر. ولا تعني هذه الآية أن الرّسل كانوا في ملتهم، ثمّ خرجوا عنها، والآن عليهم أن يعودوا إلى ملة الكفر مرة ثانية، وهذا لم يحدث أبداً، ومستحيل. فمعنى لتعودن في ملتنا: أي: تصيرن، والعرب تستعمل عاد بمعنى صار، والملة: الشّريعة والدّيانة، والملة: أصلها التّكرار، وسمّيت ملة لاستمرار أهلها عليها، والملة المذهب، ومنها الملل؛ أي: تكرار الشيء. ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾: الفاء: للتوكيد؛ أي أوحى إلى الرّسل، وأوحى: من الإيحاء: وهو الإعلام بالخفاء بدون إعلام الكفار ما سيحدث لهم من الإهلاك. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣) لبيان معنى الإيحاء. ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾: اللام: للتوكيد، والنّون: كذلك لزيادة التّوكيد ﴿الظَّالِمِينَ﴾: المشركين الذين يصدون عن سبيل الله؛ جمع ظالم، والظالم: هو كلّ من خرج عن منهج الله يعتبر ظالم. سورة إبراهيم [١٤: ١٤] ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ﴾: هذا من تتمة ما أوحى إليهم ربهم. ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: نورثكم أرضهم، وديارهم بعد هلاكهم أو طردهم وإبعادهم.

стр. 2480

﴿ذَلِكَ لِمَنْ﴾: إهلاك الظّالمين، وتمكين الرّسل، والمؤمنين (أو إسكان المؤمنين ديارهم). ذلك لمن: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق، ومن: بمعنى الّذي، ومن: تعني: المفرد، والمثنى، والجمع. أما الذي: تختص بالمفرد المذكر. ﴿خَافَ مَقَامِى﴾: الخوف: هو توقع الضرر المشكوك في وقوعه، ومقامي؛ أي: القيام والوقوف بين يدي ربه للحساب بأن اتقى، ونهى النّفس عن الهوى. والمقام له زمان ومكان؛ وخاف مقامي: يدل على المبالغة في الخوف من القيام بين يدي ربه، ويعني: خوف دائم لا يتعلق بزمن معين، أو مكان؛ أي: في كل زمان ومكان. ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾: وعيد بالعذاب، وتكرار خاف: للتوكيد؛ أي: كلاً على انفراد مقامي، ووعيد، أو كلاهما، والوعيد يأتي دائماً في سياق الشر. سورة إبراهيم [١٤: ١٥] ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾: أي: الرّسل طلبوا الفتح بالدعاء بالنّصرة على الأعداء، والفتح: هو الغلبة بدون قتال، والفتح قد يعني الفصل والحكم، أمّا النّصر: هو الفتح بالقتال، وتوضح ذلك سورة النّصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إذن: هناك فرق بين النّصر والفتح، واستفتحوا؛ أي: الرّسل على قومهم (بالدّعاء لهلاكهم)، واستفتحوا: قد تعود إلى الكفار، استفتحوا على رسلهم ظناً أنّهم على الحق.

стр. 2481

﴿وَخَابَ﴾: الخائب: المنقطع أمله، أو الذي منع من فعل أمله، وقيل: خسر وخاب. ﴿كُلُّ جَبَّارٍ﴾: الذي يتعاظم بالقهر والتسلط والقتل، وظالم متكبر يجبر النّاس على ما يريد من الفساد والبغي. ﴿عَنِيدٍ﴾: معاند للحق، أو مخالف، أو معارض لمنهج الله سبحانه لا يسمع ولا يعقل. ارجع إلى سورة هود آية (٩٥) لمزيد من البيان. سورة إبراهيم [١٤: ١٦] ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾: ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾: من: ظرفية زمانية أو مكانية، ورائه: أمامه؛ كقوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، وقد تعني: ورائه خلفه؛ أي: من بعده؛ كقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. ﴿جَهَنَّمُ﴾: ارجع إلى الآية (١٨) من سورة الرعد. ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾: الصّديد: القيح المختلط بالدم، وقيل: القيح: هو السّائل الّذي يسيل من أجساد أهل النّار حين تشوى جلودهم. سورة إبراهيم [١٤: ١٧] ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾: التّجرع: تناول الماء الصديد جرعة بعد جرعة، أو يتجرعه بجهد وعناء وشدة وقهر.

стр. 2482

﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾: لا يكاد من أفعال المقاربة، يُسيغه من السّوغ هو انحدار الشّراب في الحلق والمري، من ساغ الشّراب في الحلق؛ أي: كان سهلاً سهل الابتلاع، أو يغص ولا يبلعه بسهولة، والآية تعني: أي: لا يستطيع بلعه يعلق بحلقه من شدة مرارته وطعمه، ويقاسي أشد الصّعوبات في بلعه، كما يحدث حين بلع دواء مر كريه الطعم، ويبقى على اللسان، ولا ينزل بسهولة إلى المري والمعدة، وهذا دواء، ولكن ذلك صديد وقيح!! ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: ويشعر بالموت يأتيه من كلّ مكان وجانب. ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾: أي: موتاً تنقطع معه الحياة فيرتاح، ولا يعد يشعر بشيء من العذاب؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]. ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾: من وراء هذا العذاب تجرع الماء الصديد عذاب آخر غليظ (أمامه) ينتظره، وهو عذاب النّار، الغليظ الشّديد الدائم، والمستمر في نار جهنم. سورة إبراهيم [١٤: ١٨] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾: أي: مثل أعمالهم الصّالحة كالصّدقة على الفقراء وصلة الرّحم والأيتام وبر

стр. 2483

الوالدين، أو مساعدة النّاس في الحياة الدّنيا؛ كمثل الرّماد الذي هو ما تبقى بعد احتراق مادة عضوية بالكامل، وضرب هذا المثل؛ لأن صورة الرماد معروفة لدى العرب والريح العاصفة التي تهب عليه الرّيح الشّديدة في يوم عاصف. وضرب المثل: لإزالة أي غموض فليس هناك مثل غامض. وقال: مثل الّذين كفروا بربهم: أضاف المثل إليهم، وهو في الحقيقة إلى أعمالهم؛ أعمال الّذين كفروا بربهم لم يؤمنوا به ويصدقوا برسله، كمثل الرماد الّتي تركته النّار بعد احتراقها في يوم عاصف اشتدت به الرّيح فجعلته هباء منثوراً. أي: حبطت أعمالهم الصّالحة، ولم يعد لها ثواباً على الإطلاق، كما لا يقدر أحد على جمع الرّماد في يوم عاصف، وقد وصف الله سبحانه أعمالهم الصّالحة الّتي حبطت بسبب كفرهم وشركهم بعدة تشبيهات في القرآن؛ مثل: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، أو ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]، أو ﴿كَظُلُمَاتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ﴾ [النور: ٤٠]، ﴿صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَىْءٍ﴾: هذه الآية تخص الكفار، جاءت في سياق الأعمال؛ أي: كلّ الأعمال الحسنة الّتي عملوها في الحياة الدّنيا حبطت لا ثواب لها في الآخرة، ولو كثرت ومهما كانت كلّها حبطت معاً. لا يقدرون مما كسبوا على شيء؛ أي: الكفار، كما لا يقدرون على جمع الرّماد في اليوم العاصف؛ كذلك أعمالهم الصّالحة الّتي عملوها في الدّنيا لا ثواب لها في الآخرة كلّها تحبط.

стр. 2484

﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾: مما = من + ما؛ من: استغراقية؛ ما: اسم موصول بمعنى: الّذي كسبوا، وأوسع شمولاً من الذي، ولم يقل اكتسبوا؛ اكتسبوا: تستعمل في سياق السّيئات؛ أي: الأعمال غير الصّالحة. وكسبوا تأتي في سياق الأعمال الصالحة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٨٦) لمزيد من البيان. ﴿عَلَى شَىْءٍ﴾: مهما كان صغيراً أو كبيراً، ومهما كان نوعه. ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾: ذلك: اسم إشارة، واللام: للبعد، وذلك الكفر: هو الضّلال البعيد الّذي لا يؤمل معه الرّجوع إلى طريق الهداية، أو الطّريق المستقيم. لنقارن بين هذه الآية، والآية (٢٦٤) من سورة البقرة: ففي آية إبراهيم: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَىْءٍ﴾. وآية البقرة: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾. كلا الآيتين جاءتا في سياق الكفار، ففي آية إبراهيم؛ تعني: كلّ أعمالهم الصّالحة كرماد لا ثوباً لها. وأمّا في آية البقرة؛ تعني: عمل واحد هو الصّدقات يبطل ثوابها. وآية إبراهيم: جاءت في سياق الآيات الّتي تتحدث عن أعمالهم؛ أي: سياق العمل، والعامل كاسب؛ فقدم الكسب.

стр. 2485

أمّا آية البقرة: جاءت في سياق الإنفاق، والمنفق معطٍ، وليس كاسباً بالمعنى العام، وليس الشّرعي؛ فقدم الشّيء، وأخر الكسب. وإذا جمعنا الآيتين يكون المعنى: لا ثواب لأعمالهم، ولا لصدقاتهم؛ عطف الخاص على العام: للتوكيد؛ لأنّ أكثر أعمالهم الصّالحة هي الصّدقات، فأكد على بطلانها.

стр. 2486

سورة إبراهيم [١٤: ١٩] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: ألم: الهمزة: استفهامية، وتقرير، ومعناها: ألم تعلم، وألم تر رؤية عقلية فكرية، وما يخبرنا به الله سبحانه هو أصدق مما لو رأيناه بأمّ أعيننا، أو ألم ينته علمك: أنّ الله خلق السّموات والأرض؟! ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٢، ٢٩)، والأنبياء، آية (٣٠)، وسورة فصلت آية (٩ - ١٢)؛ لبيان كيف خلق السموات والأرض. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق، والحق: الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير؛ أي: بالدّقة الفائقة، وبالقوانين الثّابتة الّتي تحكم السّموات، وما فيها من ملايين الأجرام، أو المجرات، والنجوم الثابتة لا تصطدم ببعضها رغم اختلاف كتلها، وأبعادها، وحركتها منذ (١٤ ألف مليون سنة)، والتي تدل على قدرة وعظمة وحكمة الخالق، الفاطر، البارئ لهن. الإله الحق واجب الوجود الذي يستحق العبادة وحده. ووردت هذه الآية في سور مختلفة منها: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥]. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦]؛ أي: عبثاً. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨].

стр. 2487

فتكرار هذه الآية؛ ليدل، ويؤكد على أن خلق السّموات والأرض من أعظم الدلالات على طلاقة القدرة الإلهية، ووحدانية الخالق وعظمته. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو النّدرة. ﴿يَشَأْ﴾: من الإشاءة: وهي تسبق مرحلة الإرادة؛ إن يشأ: إن كفرتم به وجحدتم خلقه. أن يذهبكم: أي: يستبدلكم بخلق جديد، أو يستخلفكم بآخرين ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩]، وهذا يدل على طلاقة قدرته سبحانه، كما دل على ذلك أيضاً خلق السّموات والأرض، واعلموا أنّ خلق السّموات والأرض أكبر من خلق النّاس، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾: بأن يميتكم، أو يقضي عليكم، أو يهلكهم، ويأتي بخلق جديد لا يعصوه، أو أفضل منكم، وإذا قضى أمراً فإنما يقول له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]. سورة إبراهيم [١٤: ٢٠] ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾: ﴿وَمَا ذَلِكَ﴾: الواو: عاطفة؛ ما: النّافية. ﴿ذَلِكَ﴾: ذا: اسم إشارة، واللام: للبعد، ويشير إلى الذّهاب بكم والإتيان بخلق جديد. ﴿عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾: بعزيز: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ بعزيز: بممتنع، أو مستحيل، أو أمر عسير صعب، وتقديم على الله: للحصر، والتّوكيد. سورة إبراهيم [١٤: ٢١] ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاؤُا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ

стр. 2488

أَنْتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾: المناسبة: بعد أن ذكر الله سبحانه الّذين كفروا برسلهم، وذكر أعمالهم الّتي كرماد اشتدت به الرّيح؛ أي: حبطت يذكر سبحانه ما سيحدث بينهم يوم القيامة من حوار، وما سيقول الشّيطان آنذاك لهم. ﴿وَبَرَزُوا﴾: البروز: هو الظّهور مشتقة من البراز: وهو الفضاء الواسع، وجاء بلفظ الماضي بدلاً من المستقبل؛ لأنّ الزّمن عند الله واحد، الماضي والحاضر والمستقبل؛ فهو خالق الزمان والمكان، وصيغة الماضي تعني: كأن الأمر وقع وانتهى. والبروز يحدث بعد النّشر والبعث، ويكون على أرض المحشر في الفضاء الواسع. ﴿جَمِيعًا﴾: للتأكيد برزوا: كلّهم مجتمعين، ولم يتأخر عنهم أحد. ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاؤُا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: فقال: الفاء: يدل على التّرتيب، والمباشرة. ﴿الضُّعَفَاؤُا﴾: جمع ضعيف تطلق على العوام الضعاف الرّأي والفكر، ووصفوا بذلك لأنّهم اتبعوا غيرهم، وقلدوا آباءهم بدون تفكير وتدبر، ويطلق عليهم الأتباع أيضاً، أو التابعين، وإذا نظرنا إلى كيف كتبت كلمة ﴿الضُّعَفَاؤُا﴾ في هذه الآية مع كتابتها في الآية (٢٦٦) في سورة البقرة نجد فيهما اختلافاً قد يعود إلى أن آية البقرة تعني: ضعفاء في الجسم والبنية، وأما في آية إبراهيم ضعفاء في الرأي والعقل؛ أي: ضعف معنوي، وفي آية البقرة ضعف مادي حسي. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٦٦) لمزيد من البيان.

стр. 2489

﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: للذين: اللام: لام الاختصاص؛ الّذين استكبروا: أي: رؤساء الكفروالشّرك، ويطلق عليهم المتبوعين. ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: الألف والسّين والتّاء؛ تعني: الطّلب؛ أي: هم ليسوا أهل للتكبر؛ أي: ليس عندهم مؤهلات الكبر، واستكبروا على هؤلاء الضّعاف، واستكبروا بغير حق، أو استكبروا عن طاعة الله ورسله، والاستجابة للإيمان، ودعوا غيرهم ليتبعوهم في ضلالهم وغيهم؛ فهم ضلوا وأضلوا غيرهم. ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾: إنا: للتوكيد. ﴿كُنَّا﴾: في الحياة الدّنيا. ﴿لَكُمْ﴾: خاصة. ﴿تَبَعًا﴾: جمع تابع؛ أي: نتبعكم في ضلالكم وشرككم، أو في دعوتكم. ﴿فَهَلْ﴾: الفاء: للتوكيد؛ هل: استفهام يفيد التوبيخ. ﴿أَنْتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾: أي: هل أنتم ستحملون عنا من عذاب الله من شيء. من هنا: ابتدائية للتعليل، أو بعضية؛ أي: بعض العذاب. ﴿قَالُوا﴾: أي: الّذين استكبروا للضعفاء؛ أي: أجابوهم معتذرين لهم. ﴿لَوْ﴾: للتمني، وشرطية؛ لو: امتناع لوجود. ﴿هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾: أي: لو هدانا الله للإيمان لهديناكم، واللام: لام التّوكيد، ولكن لم يهدينا فهم يفترون على الله الكذب، وينسبون عدم هدايتهم لله، ويدَّعون أنّ الله هو سبب ضلالهم، وعدم هدايتهم، وحاشا لله أن يفعل ذلك، ونسوا أنّ الله خيرهم فاختاروا، أو استحبوا الكفر على الإيمان، واختاروا طريق الضّلالة. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا﴾: سواء: من المساواة، وتعني: استوى الشّيئان، وتسويا،

стр. 2490

وسوى أحدهما الآخر، والسّواء: العدل، ويقال للعدل: سواء؛ كقوله: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]؛ أي: كلمته عدل وإنصاف. ﴿أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾: أي: يستوي الأمران: الجزع، أو الصّبر هنا لا يغنيان شيئاً في هذا الموقف. والجزع: هو ضعف النّفس على تحمل المكروه، وهو عكس الصّبر، والصّبر: القدرة على تحمل المكروه، أو الأمر الملقى إليه. ﴿أَجَزِعْنَا﴾: أجزعنا: الهمزة: للتسوية. ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي؛ فهم أدركوا الجزع لا يفيد، والصّبر لا يفيد أيضاً مما يؤدي بهم إلى القنوط. ﴿مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾: ما: النّافية. ﴿لَنَا﴾: اللام: لام الاختصاص؛ لنا: نحن خاصة. ﴿مِنْ﴾: استغراقية تستغرق كلّ محيص. ﴿مَحِيصٍ﴾: منجى، ملجأ، أو مهرب، والمحيص: اسم مكان؛ أي: ما لنا من مكان نهرب إليه، أو نلجأ إليه، وفلان حايص: أي: لا يجد مكاناً يرتاح فيه؛ فيحاول الهرب. سورة إبراهيم [١٤: ٢٢] ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِىَّ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ﴾: لما: ظرف زماني؛ بمعنى: حين، وتتضمن معنى الشّرط، قال الشّيطان: إبليس لأتباعه من الإنس، ولمعرفة معنى كلمة الشّيطان: ارجع إلى الآية (٣٦) من سورة البقرة للبيان.
следующие страницы →