Полный текст (5 934 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾: الواو: واو الحال؛ للتأكيد.
﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾: بعين اليقين.
﴿وَرَأَوُا﴾: تعود على المعبودين والعابدين (الرؤساء والقادة والأتباع).
﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾: جاء بالفعل الماضي؛ كأنّ الأمر حدث وانتهى، رغم أنه لم يحدث بعد، وسيحدث يوم القيامة.
﴿الْأَسْبَابُ﴾: جمع سبب، والسبب في اللغة: الحبل، ثم استعمل في كل ما يربط بين شيئين، وكل ما يتوصل به إلى مقصد أو غرض، والحبل أحد طرفيه بيد المتبوع، والآخر بيد التابع.
﴿الْأَسْبَابُ﴾: القرابات، والصدقات، والصلات، والعلاقات الّتي كانت بينهم في الدّنيا، وتنحل كل الروابط الاجتماعية يوم القيامة من نسب وصدقات … ولا تبقى إلَّا رابطة الإيمان.
سورة البقرة [٢: ١٦٧]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾: أي: الأتباع.
﴿لَوْ﴾: حرف تمنٍّ وشرط.
﴿أَنَّ﴾: للتوكيد.
﴿كَرَّةً﴾: رجعة، وعودة إلى الحياة الدّنيا.
﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾: والفاء للتوكيد؛ أي: نتخلَّى عنهم، ونبتعد.
стр. 282
﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾: ﴿كَذَلِكَ﴾: أي: كما أراهم الله العذاب فرأوه بعين اليقين، يريهم الله أعمالهم القبيحة «مثل الشّرك والظلم»، فتكون عليهم حسرات، ويريهم أعمالهم الصالحة الّتي أوجبها عليهم فتركوها، ولم يفعلوها أيضاً.
﴿حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾: والحسرة: هي أشد النّدم، أو الندم الشّديد الّذي يكاد يحسر صاحبه فيقعده عن الحركة والعمل.
﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾: أي: لن يجدي ندمهم في إخراجهم من النّار؛ أي: فهم فيها خالدون.
سورة البقرة [٢: ١٦٨]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِى الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾:
نزلت هذه الآية في ثقيف، وخزاعة، وغيرهما من القبائل الّتي حرمت ما لم يحرمه الله، مثل البحيرة، والسّائبة، والوصيلة، والحام، بعدم ذبحها، أو ركوبها، أو الاستفادة منها. والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: نداء للناس، ارجع إلى الآية (٢١)؛ لمعرفة معنى النّاس. والهاء في أيها: للتنبيه، والإصغاء، والاستماع لهذا الأمر المهم.
﴿كُلُوا مِمَّا فِى الْأَرْضِ﴾: مما: من + ما، من: ابتدائية للتبعيض؛ لأنّ كلّ ما في الأرض ليس بمأكول.
﴿حَلَالًا﴾: الحلال: ما نص الشّارع على حله، «والّذي لا يتعلَّق به حق الغير»، أما المباح: فهو ما لم ينص الشّارع على تحريمه في حكم عام، أو خاص.
стр. 283
﴿طَيِّبًا﴾: الطّاهر غير النجس، وفيه شيء من اللذة أو تقبله النفس.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: ارجع إلى الآية (٣٦) من سورة البقرة؛ لمعرفة معنى الشّيطان.
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: النّاهية.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ﴾: جمع خطوة، وهي المسافة بين قدَمي الماشي.
﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: سبل الشّيطان، وساوس الشّيطان، وهمزاته، ونزغاته، وتزينه.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: إن: للتوكيد، ﴿لَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، لكم: خاصة.
﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهر العداوة، عداوته لا تخفى على أي إنسان، وهو لا يُخفي عداوته، وعداوته ظاهرة وبيِّنة، لا تحتاج إلى مَنْ يظهرها.
سورة البقرة [٢: ١٦٩]
﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد الحصر.
﴿يَأْمُرُكُم﴾: شبه وساوسه وتزينه وإغوائه ونزعه وإضلاله بمنزلة الأمر على سبيل الاستعارة، مثال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النّساء، آية ١١٩].
وهو ليس له سلطان؛ كقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠].
стр. 284
﴿بِالسُّوءِ﴾: الباء: للإلصاق، والاستمرار، والسوء: سمي سوءاً؛ لأنه تسوء عواقبه، أو سمي سوءاً يسوء إظهاره، ويسوء إلى النّفس مثل الغيبة والنّميمة.
﴿وَالْفَحْشَاءِ﴾: ما يوجب الحد فيه مثل الزّنى، واللواطة، وشرب الخمر.
﴿وَأَنْ﴾: أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي: ويوسوس لكم الشّيطان أن تقولوا على الله ما لا تعلمون: أنّ الله حرم البحيرة والسّائبة والوصية والحام مثلاً، وهو لم يحرم، وأنعام، وحرث لا يطعمها إلَّا من نشاء بزعمهم، وأنعام حُرمت ظهورها، وما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكرنا، ومُحرم على أزوجنا، أو حرم هذا، وهو لم يحرِّمه، أو أحلَّه وهو حرمه. وهكذا …
стр. 285
سورة البقرة [٢: ١٧٠]
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية للمستقبل.
﴿قِيلَ﴾: مبني للمجهول؛ أي: لا يهم من هو القائل، وإنما المهم المقولة هنا.
﴿لَهُمُ﴾: أي: للناس، ومنهم كفار العرب، واليهود.
﴿اتَّبِعُوا﴾: ما أنزل الله لكم في كتابه من رزق هذا حلال، وهذا حرام، ولا تشركوا به شيئاً.
﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾: بل حرف إضراب انتقالي، ما اسم موصول، أو مصدرية.
﴿أَلْفَيْنَا﴾: بمعنى وجدنا، وهناك اختلاف بين ألفينا ووجدنا في القرآن الحكيم:
أما ألفينا: تستعمل للأمور المشاهدة؛ أي: المحسوسة، أو المادية، وتستعمل في سياق الذّم، والأمور غير المستحبة.
وأما وجدنا: تستعمل لأفعال القلوب وللأفعال غير المحسوسة، والأمور المحسوسة والمشاهدة، فوجدنا: أعم وأشمل، ولا تستعمل للذَّم الشديد.
﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾: الآباء: تأتي في سياق التربية والرعاية، والوالدان: تستعمل
стр. 286
في سياق الإحسان لهما والمعروف والإنفاق والوصية؛ فهم اختاروا الاستمرار على تقليد آبائهم، والتّقليد هو قبول الحكم بلا دليل من القرآن أو السّنة؛ أي: سنن آبائهم.
﴿أَوَلَوْ﴾: الهمزة: للتعجب، والإنكار، الواو: للحال.
﴿كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾: لا: النّافية المطلقة، يعقلون شيئاً: نفى عنهم العقل؛ أي: الفهم والإدراك.
﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾: تكرار (لا) تفيد توكيد النّفي، وفصل كل من العقل والهداية على حده، أو كلاهما معاً، ولا يهتدون إلى الحق، أو الفهم الصحيح.
انتبه إلى استعمال: ألفينا هنا جاءت في سياق الذّم، ولذلك جاء معها ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
وقوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾: فيها ذم أكبر، أو أكثر من قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾؛ لأنّ نفي العقل أشد من نفي العلم.
مثال على ذلك: في هذه الآية (١٧٠) من سورة البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
وفي سورة المائدة، آية (١٠٤): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
فآية سورة البقرة جاءت في سياق الّذين اتخذوا الأنداد والأصنام (في سياق الشرك) وعبادتها، فهؤلاء أشركوا بالله، وحرَّموا ما أحلَّ الله، واتَّبعوا خطوات الشّيطان، ولذلك وصفهم بأنّهم: ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
стр. 287
بينما آية المائدة (١٠٤): جاءت في سياق الّذين اتخذوا البحيرة، والوصيلة، والسّائبة، والحام، فهؤلاء شرعوا من الأنعام من دون علم، وقلَّدوا آباءَهم، ولذلك وصفهم بأنّهم: ﴿لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، فكلا الفريقين ضلَّ، ولكن ضلال الفريق الأوّل أسوأ من الفريق الثّاني.
ولذلك وصف الفريق الأوّل بـ: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ «نفى عنهم العقل».
والفريق الثّاني: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ «نفى عنهم العلم».
ونفي العقل أسوأ وأشد من نفي العلم، كما سبق، والاعتماد على العقل، أو العلم وحدهما لا يكفي، فلا بد من هداية الرّب، فكم من عالم مُلحد ضال، وكم من حكيم يدعي الحكمة والعقل، وهو ضال أيضاً.
سورة البقرة [٢: ١٧١]
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾:
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ﴾: أي: حالهم يشبه الّذي ينعق، وهو الرّاعي الّذي يصيح بالماشية الّتي يرعاها ليزجرها، أو يوجهها إلى طريقها.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿بِمَا لَا﴾: الباء: للإلصاق، ما: لغير العاقل «الماشية»، لا: النّافية.
﴿لَا يَسْمَعُ﴾: أي: لا تفهم من الرّاعي.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿دُعَاءً وَنِدَاءً﴾: وهناك فرق بين الدعاء والنداء:
فالدعاء: يكون بخفض الصوت، ويكون عادة للقريب.
أما النداء: فيكون برفع الصوت، ويكون عادة للبعيد.
стр. 288
﴿دُعَاءً وَنِدَاءً﴾: بصيغة النكرة؛ أي: مهما كان صيغته وسياقه لا يهم؛ لأنه مجرد دعاء ونداء غير مفهوم للماشية.
فالماشية تسمع الدعاء، والنّداء، ولكن لا تفهم ما يقوله الرّاعي، فهو يمشي أمامها، أو خلفها، وحين تخالف أمره يصيح بها، ومع مرور الزّمن تدرك الماشية أنّ رفع الصّوت لزجرها، ومنعها، ولذلك تغير مسيرها هنا، أو هناك، ومع الزّمن والتّكرار «بالتّقليد» تعرف أمكنتها مكان المبيت والرّعي والشّرب.
فالرّسول ﷺ هو الرّاعي «أي: الدّاعي»، يدعو الّذين كفروا إلى الإيمان «وهم كالماشية والغنم»، فهم لا يسمعون ما أُنزل إليهم من ربهم إلَّا مجرد سماع لا طاعة معه «كما أنّ الماشية تسمع الرّاعي ولا تعقل ما يقوله، كأنّ في آذانهم صمم أو وقر»، وهم بكم لا ينطقون بالشّهادة، ويصدقون الرّسول كما أنّ الماشية تنطق بكلمات لا يعقلها الراعي، أو من يسمعها.
وهم عميٌ لا يبصرون آيات الله الكونية، ويؤمنون بالله «كما أنّ الماشية تبصر وترى طريقها، ولكن لا تعلم أنّها تساق أحياناً إلى أماكن ذبحها»، وهكذا حال الّذين كفروا صمٌّ بكمٌ عميٌ معاً؛ أي: كلّ من هؤلاء الكفرة صمٌّ بكمٌ عميٌ في نفس الوقت.
﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: الفاء: للتوكيد، هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد أيضاً، ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾: لماذا خلقوا وما هو مصيرهم الأبدي.
وفي سورة الأنعام، الآية (٣٩): قال سبحانه: ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾.
وفي سورة الإسراء، الآية (٦٧): ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾.
ففي هاتين الآيتين إضافة الواو تجعل هؤلاء فئات مختلفة فئة صم وفئة
стр. 289
بكم وفئة عمي، أما في آية سورة البقرة فهم فئة واحدة لها ثلاث صفات في نفس الوقت صمٌّ بكمٌ عميٌ.
سورة البقرة [٢: ١٧٢]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين هم على درب الإيمان؛ إما بتكليف جديد، أو فعل شيء، أو الكف عن شيء، أو أمر، أو بيان حكم، أو تحذير، أو تخيير، وهكذا، والهاء: للتنبيه، والياء: للبعد، والأمر هنا هو.
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: ﴿مِنْ﴾: ابتدائية، وتعني بعض.
﴿طَيِّبَاتِ﴾: الطّيبات جمع طيب، والطّيب هو الحلال الطّاهر.
﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: ما: اسم موصول، ما هنا لغير العاقل.
﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾: واشكروا المنعم على نعمه الّتي فيها أكل الطّيبات، واشكروا لله فيه انتقال من ضمير المخاطب إلى ضمير الغائب للفت الانتباه.
﴿لِلَّهِ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد القلة؛ أي: قليلاً ما تشكرون، ولم يقل: إن كنتم إياه تشكرون، بل قال: ﴿إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: فهذا يدل على أنّ الشّكر عبادة، والعبادة أعم من الشكر، وقدَّم إياه للاختصاص والحصر، وأنّ الشّكر لله وحده المنعم.
سورة البقرة [٢: ١٧٣]
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة تفيد الحصر والتّوكيد.
стр. 290
﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾: وتعريف المحرَّم: هو ما طلب الشّارع الكف عن فعله طلباً؛ كقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾، أو نهياً؛ كقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾، أو الأمر باجتنابه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ فاجتنبوه، أو أن يترتَّب على الفعل عقوبة مثل الّذين يرمون المحصنات.
﴿الْمَيْتَةَ﴾: أي: ذهبت منها الحياة، وانتهت؛ أي: خرجت روحها، وانتبه إلى كلمة الميت كيف تشكل مَيْت، بسكون الياء، وهذه تعني: مات بالفعل، أما كلمة مَيّت بتشديد الياء هذه فمعناها لم تمت بعد لا زالت حية، وستموت فيما بعد.
﴿وَالدَّمَ﴾: الدّم المسفوح السّائل محرم شربه، أو طبخه، أو استعماله كغذاء بأي شكل، ويستثنى من ذلك الدّم المختلط باللحم، أو العروق.
﴿وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾: المعروف لدى النّاس.
﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: ما ذُبح ولم يذكر اسم الله عليه، فقدم به على اسم الجلالة (الله)؛ لأن السياق في المأكول (الحلال والحرام)، وقد قيل: نزلت هذه الآية في المدينة على المؤمنين لبيان ما حل لهم وحرم عليهم فقدم به (المأكول).
أما قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ كما ورد في سورة المائدة آية (٣)، والأنعام آية (١٤٥)، والنّحل آية (١١٥)، تعني: ما ذبح تقرباً للأصنام، والآلهة، والأولياء، وقدم اسم الجلالة؛ لأن هذه الآيات جاءت في سياق الأمر بطاعة الله وتقواه وتعظيم شعائره، وقيل: نزلت آية النحل والأنعام في مكة، فقدم ذكر الله على ذكر الأصنام على ذبائحهم.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: ﴿فَمَنِ﴾: الفاء: استئنافية، مَنْ: شرطية، ﴿اضْطُرَّ﴾: أي: أُلجِئَ، أو أُكرِه بحكم الضّرورة، أو الضّرر؛ كأن خاف
стр. 291
على نفسه الهلاك بعد أن استنفد الأسباب فيحلُّ عندها الأكل من الميتة، أو الدَّم، أو لحم الخنزير، أو ما أهل به لغير الله على شرطين:
الشّرط الأوّل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: أي: لا يأكل فوق حاجته، أو فوق ما يسد رمقه.
الشّرط الثّاني: ﴿وَلَا عَادٍ﴾: أي: لا يأكل من هذه المحرمات، وعنده أطعمة أخرى تسد رمقه.
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النّافية للجنس.
﴿إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا ذنب عليه، ولا معصية، ولا حرج. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٣٣) للبيان.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، ﴿غَفُورٌ﴾: كثير المغفرة يغفر الذّنوب مهما عظمت، أو كثرت، ولو كانت مثل زبد البحر، والغفر هو الستر، وبالتالي العفو. وإذا قارنا آية البقرة (١٧٣) مع آية المائدة (٣)، وآية الأنعام (١٤٥)، وآية النحل (١١٥): نجد قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وفي آية الأنعام فقط: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ لأن آية الأنعام بدأت بكلمة ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ فقال: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وبقية الآيات خطاب من الله تعالى فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿رَحِيمٌ﴾: لا يعجل العقوبة، أو العذاب لعباده، فهو دائم الرّحمة، رحيم صيغة مبالغة يمحو السّيئات، ويثيب على الحسنات، وللضرورة والحاجة ضوابط شرعية، والّذي يقرر الضّرورة والحاجة في الأمور المستجدة هم علماء الأمة الموثوق بدينهم، وعلمهم مع أهل الخبرة والاختصاص. ارجع إلى الآية (١١٥) من سورة النحل للبيان المفصل.
سورة البقرة [٢: ١٧٤]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا
стр. 292
أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: ارجع إلى الآية (١٥٩) من سورة البقرة، والّذين: تعود على أحبار اليهود، ورهبان النصارى، وتشمل كلّ من يكتم ما أنزل الله في التّوراة، والإنجيل، والقرآن.
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: في أوصاف وصفات النّبي ﷺ ، وضرورة الإيمان به واتِّباعه؛ حيث كتموا اسم النّبي ﷺ ، وغيَّروا صفاته، أو غيَّروا، أو حرَّفوا في كتبهم.
﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: أي: التّوراة والإنجيل.
﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: يشترون بما كتموا، وما حرَّفوا في اسمه وصفاته ﷺ ثمناً قليلاً. ارجع إلى الآية (٧٩) من سورة البقرة، والآية (٧٧) من سورة آل عمران.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد.
﴿مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾: أي: ما يأخذونه من رشوة، أو منفعة من جراء تغيُّر شرع الله، أو كتم أحكامه، سوف يتحوَّل يوم القيامة إلى ماء حميم يقطع أمعاءهم، ويصهر به ما في بطونهم، والجلود.
﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: بسبب ما أنكروه وحرَّفوه، أو افترائهم الكذب على الله، واشترائهم به ثمناً قليلاً، وهذا يعتبر بحد ذاته من أشد أنواع الحرمان.
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: ولا يطهرهم من الذّنوب، ويعفو عنهم.
стр. 293
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: اللام في لهم: للاستحقاق، ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: شديد الإيلام، لا يُطيقُه أحد.
ولننظر إلى هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
فإذا قارنَّاها بالآية (٧٧) من سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
نجد في آية البقرة العقوبات الأربع، وهي:
١ - ما يأكلون في بطونهم إلا النار.
٢ - لا يكلمهم.
٣ - لا يزكيهم.
٤ - ولهم عذاب أليم أشد وأبلغ وأسوء من العقوبات في آية آل عمران؛ لأن ذنب أو إثم الذين يكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمناً قليلاً أعظم من ذنب الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً؛ لأن ضرر الكتمان لا يقتصر على أنفسهم وإنما يتعدى لغيرهم مقارنة بالذين يشترون؛ ارجع إلى الآية (٧٧) من سورة آل عمران لمزيد من البيان.
سورة البقرة [٢: ١٧٥]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾:
стр. 294
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يشير إلى الّذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب، ويشترون به ثمناً قليلاً، ويشير إلى سوء عملهم؛ لأنّهم اشتروا «استبدلوا أو اختاروا»، اشتروا في الدّنيا الضلالة بدلاً من الهداية، والعذاب بدلاً من المغفرة؛ أي: فضلوا الضّلالة على الهدى.
﴿الضَّلَالَةَ﴾: تعني: أنهم ابتعدوا عن دينهم، وضلوا الصّراط، والغاية، وتركوا الهدى والصّراط (الدّين) وساروا في طرق الغي والضّلال والعصيان، والعذاب على المغفرة: أي: أخذوا أو اختاروا العذاب في نار جهنم على المغفرة، ورضوان الله.
﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾: ﴿فَمَا﴾: الفاء: استئنافية، ما: استفهامية، تحمل معنى التعجب، ﴿أَصْبَرَهُمْ﴾: من أصبر على وزنه أفعل، وهي إحدى صفتي التّعجب، والتّقدير: أي شيء أصبرهم على النّار، أو ما أشد صبرهم على النّار؛ لأنّ ذلك من أعجب الأمور، وهذا إعلام وإنذار لكلّ من يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، ويفتري على الله الكذب، أو يبدِّل دين الله، ويحلل، ويحرم من دون علم، ولا دراية.
سورة البقرة [٢: ١٧٦]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِى الْكِتَابِ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة إلى ما تقدَّم من الوعيد بالعذاب الّذي ينتظرهم، وهو غاية العدل.
﴿بِأَنَّ﴾: الباء: للإلصاق، أن: للتوكيد.
﴿اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: أي: «التّوراة، أو الإنجيل، أو القرآن».
стр. 295
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق، هو الحق الثّابت الّذي لا يتبدل، ولا يتغير، ولا يغالب، ولا يحاد عنه.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِى الْكِتَابِ﴾: في التّوراة، وهم اليهود، والنّصارى، اختلفوا في صفة عيسى المذكورة في التّوراة، أو صفة محمّد ﷺ في التّوراة، والإنجيل، وهكذا … أو آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وفي القرآن قالوا: إنه شعر، أو سحر، أو افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، أو أنه أساطير الأولين.
﴿لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: ﴿لَفِى﴾: اللام: للتوكيد، شقاق: خلاف مع بعضهم البعض، ﴿بَعِيدٍ﴾: بعيد عن الحق ولم يصفه بالكبير أو العظيم، بعيد صفة للشقاق؛ أي: لن يستطيعوا أن يرجعوا عنه؛ أي: يصلحوا فيما بينهم؛ ارجع إلى الآية (١٣٧) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
стр. 296
سورة البقرة [٢: ١٧٧]
﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّنَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾:
المناسبة: أدَّى تحويل القبلة إلى المسجد الحرام إلى فتنة كبرى، وخلاف، وبلبلة بين أتباع كلّ ملَّة، وأخرى، وكلّ ملَّة دعت إلى اتباع قبلتها، سواء كانت المسجد الحرام، أو بيت المقدس، أو المشرق، أو المغرب.
حتّى نزلت هذه الآية فأبان الله -جل وعلا- للناس كافة: أنّ مجرد التّوجه إلى أي قبلة ليس في ذاته هو البر الحقيقي المقصود، ثمّ أبان البر الحقيقي فقال:
﴿لَّيْسَ﴾: أداة نفي.
﴿الْبِرَّ﴾: قيل: هو الشّيء الحسن النّافع، والبر: اسم جامع لكلّ خير ولكلّ طاعة، وعمل صالح، يؤدي إلى خلق حميد وقربى إلى الله.
﴿أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾: أي: ليس البر هو مجرد تولية الوجه في الصّلاة نحو المسجد الحرام، أو بيت المقدس، أو المشرق، أو المغرب.
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾: لكن: حرف استدراك وتوكيد.
стр. 297
﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾: الإيمان الّذي يتضمن توحيده في ألوهيته، وربوبيته، وفي أسمائه وصفاته من دون تشبيه، أو التحريف، أو تعطيل، أو تكييف، وعبادته، وطاعته بإخلاص ومحبة.
﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أي: الإيمان بكلّ ما أخبر به الله في كتابه، أو أخبر به رسوله ﷺ ، الإيمان بأحداثه المروعة، وأهواله، ويشمل البعث، والحشر، والحساب، والعرض، والموازين، وتطاير الصّحف، والصّراط، والجنة، والنّار.
﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّنَ﴾: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾: بأنّ لله ملائكة موجودين مخلوقين من نور، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ولهم وظائف، ولهم صفات وأعمال نؤمن بها من دون زيادة، ولا نقصان، ولا تحريف.
﴿وَالْكِتَابِ﴾: أي: الكتب الّتي أنزلها الله على أنبيائه، ورسله، ومنها: القرآن، والتّوراة، والإنجيل، والزّبور، والصّحف الّتي أنزلها على إبراهيم، وموسى، والكتب الّتي أنزلها على سائر الرّسل، ولم يخبرنا بها.
﴿وَالنَّبِيِّنَ﴾: ومنهم الرّسل فكلّ رسول نبي، وليس كلّ نبي رسول، وقد ورد ذكر أسماء بعضهم في القرآن، والبعض الآخر لم يذكر، فالإيمان بهم يأمرنا أنّ نؤمن بهم جميعاً، ولا ننكر نبوَّة أحد منهم، ولا رسالته، ونؤمن أنّ كلّاً منهم أدَّى أمانته، وبلَّغ رسالته … وأنّ الله أمدَّهم بالمعجزات، فقد قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧]، ثم ينتقل وصف البر من الأمور العقدية إلى الأمور المادية، ومنها:
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى﴾: ﴿وَآتَى﴾: معناها أعطى المال على حبه، والهاء تعود إلى حب المال، أو تعود إلى حب الإيتاء، فيصبح معناها:
стр. 298
أعطى المال، وهو يحب المال، أو يحب أن يتصدق به، أو كلاهما معاً، والإيتاء غير العطاء.
وآتى المال، ولم يقل يعطي المال؛ لأن العطاء: دليل التّملك، دون الإيتاء، وأنت حين تؤتي المال، ولا تقول تعطي؛ لأنك إذا قلت: تعطي؛ أي: يصبح المعطى له مالكاً له، وفي الحقيقة هو لا يملك المال، وإن أعطيته؛ لأنّ المال هو مال الله، والملكية هي ملكية غير حقيقية؛ لأنّك سوف تموت، وتتركه لغيرك، أو تدفعه زكاة، أو صدقة، فكلمة تؤتي أحق وأفضل من استعمال تعطي، ثم إن هناك أمراً آخر قال سبحانه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾: ولم يقل: آتى المال وهو يحبه؛ لأنّ استعمال على أفادت على تمكُّن حب المال في قلبه وشدة التّعلق به.
إذن فعلاً هو يحب المال؛ كقوله سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وقد تأتي بالمعنى الآخر آتى المال على حبه؛ أي: أعطى المال كصدقة، وهو يحب الصّدقات؛ لأنّ حب ما عند الله من ثواب أعلى وأفضل من حبه لفطرة المال وجمعه، والرّأي الأوّل أقوى.
﴿ذَوِى الْقُرْبَى﴾: أوّل من تؤتي المال ذوي القربى، الأقارب جميعاً الأقرب فالأقرب؛ لأنه كما جاء في حديث سلمان بن عامر: أنّ رسول الله ﷺ قال: «صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي رحمك اثنتان؛ لأنّها صدقة وصلة رحم» أخرجه النّسائي، والتّرمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وأحمد.
﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ﴾: ﴿وَالْيَتَامَى﴾: جمع يتيم، وهو من فقد أباه، ولم يبلغ مبلغ الرجال؛ أي: الحلم.
стр. 299
﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾: جمع مسكين، وهو المحتاج الّذي له مال لا يكفيه.
﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: السّبيل: هو الطّريق، وابن السّبيل: هو ابن الطّريق؛ أي: ليس لديه مكان يأوي إليه؛ إلَّا الطّريق؛ أي: رجل منقطع في سفره، وقد يكون ابن السّبيل ذا مال في بلده، إلَّا أنّ سفره قطعه عن ماله، وباعد بينه وبين أهله، وقد يشمل هؤلاء الّذين يعيشون في الطرقات، والله أعلم.
﴿وَفِى الرِّقَابِ﴾: جمع رقبة، وتعني فك رقبة: فك الأسير، أو العبد؛ لأنّ العبد يشبه من تملكه من رقبته عتق رقبة، أو فك رقبة: تحرير رقبة. ارجع إلى سورة البلد آية (١٣) للبيان.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾: ارجع إلى الآية (٣) من سورة البقرة.
﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾: ارجع إلى الآية (٣) من سورة البقرة.
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾: العهد: وعد مقرون بشرط، والعهد يقتضي الوفاء، وقد يكون بين العبد وربه، أو يعاهده ربه على لسان رسوله، وأسند الله العهد إلى نفسه في القرآن كله، والعهد قد ينفرد به الفرد، والعهد يتمثل بقوله تعالى: وصينا، أمرنا، أوحينا، أو عهدنا.
﴿إِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث. والميثاق: هو عهد موثق مؤكد «موثق بأدلة وشهود، أو وثيقة».
﴿وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾: ومن البر الصّبر. ارجع إلى الآية (٤٤) من سورة البقرة.
стр. 300
﴿وَالصَّابِرِينَ﴾: عطف منصوب على مرفوع «الموفون» للاهتمام، والتّعظيم إظهاراً لفضل الصّبر في جميع الأحوال، والشّدائد، والطّاعات.
﴿فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾: البأساء: من البؤس، وهو الفقر، والشّدة، والبطالة.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: الضّر، والمرض، والألم، والعواصف، والبراكين، والأمراض، وسواء كانت المصيبة فردية، أو جماعية.
﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: البأس هنا يعني: الحرب، أو الشّدة في الحرب «الشّجاعة». وحين: زمن سواء كان سنة، أو شهوراً، أو أياماً، أو ساعات، زمن غير محدد.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد، يدل على بعد مكانتهم، وارتفاع درجاتهم. ﴿الَّذِينَ﴾: آمنوا بالله، واليوم الآخر، وملائكته، والكتاب، والنبيين، وآتى المال على حبه، وأقام الصّلاة، وآتى الزّكاة، والمؤمنون والصّابرون بشرط أن يفعلوا ما يقولون، ولا يكونوا من الّذين يقولون ما لا يفعلون.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾: وأولئك هم المتقون: جمع متَّقٍ، وهو من اتَّقى غضب الله وسخطه، واتَّقى النّار.
جمع لهم صفتين من أعظم الصّفات: الصّدق، والتّقوى، وأعاد ذكر أولئك لزيادة التّوكيد، وجاء بضمير الفصل هم؛ أي: إذا وجد متقون فهم حقّاً المتقون للمبالغة، والمتقون جملة اسمية تدل على الثّبوت؛ أي: أصبحت التّقوى صفة ثابتة لهم.
سورة البقرة [٢: ١٧٨]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى
стр. 301
بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد إلى الّذين آمنوا بتكليف جديد «لفعل أمر، أو نهي، أو بيان حكم، أو تحذير، أو تخيير».
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾: كتب عليكم: فرض عليكم، وثبت ولزم، وكتب فيها توكيد أشد من فرض.
لماذا جاء (كُتِبَ) بصيغة المجهول؛ لأن المشرع هو الله، ومعلوم من الّذي كتب، فلا داعي لذكر ذلك؛ لأنّ كل مؤمن يعلم ذلك، ويعلم مَنْ المنادي حين ينادي: يا أيها الّذين آمنوا.
وهناك من قال: بنيت للمجهول؛ لأنّ الأمر التكليفي فيه مشقة، ويحتاج إلى صبر، والأمور التّكليفية الصّعبة، أو فيها مشقة يبينها الله للمجهول كقاعدة عامة.
﴿عَلَيْكُمُ﴾: جاء بعلى: للاستعلاء فيها، معنى المشقة، والإلزام، وعليكم تعني: تشريع للجميع، وليس لفرد واحد، وحين نستعمل اللام بدلاً من (على) كقوله: كتب لنا تعني لمصلحتنا، لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿الْقِصَاصُ﴾: من قصَّ، وقصى أثره؛ أي: تتبعه، والقصُّ: هو القطع؛ كالّذي يقص الثّوب بالمقص، والقصاص: هي المساواة، والمماثلة «مقابلة الفعل بمثله».
﴿فِى الْقَتْلَى﴾: جمع قتيل؛ بمعنى: مقتول.
﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾: الحر: هو غير المملوك، الحر مقابله العبد؛ أي: «لا نقص
стр. 302
للحر بعبد، أو بالعكس»؛ أي: يقتل الحر بالحر، ولا يقتل مسلم بذمي، أو يُقتل مسلم بكافر.
﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾: إذا قُتل عبدٌ نقتص له بعبد.
﴿وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى﴾: إذا قُتلت أنثى نقتص لها بأنثى، وليس بذكر.
﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: الفاء: استئنافية، مَنْ: شرطية، فمن تنازل له أخوه، ولي المقتول بالعفو والدّية، فعليه أن يقبل، أو قد لا يتنازل، وعندها يطبق عليه حكم القتل، «وهنا يعني القتل العمد».
أما إذا عفا عنه، وصفح؛ انتهى الأمر، أما إذا طلب منه الدّية فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان، فعلى ولي المقتول أن لا يطالب بأكثر من حقه، وأن يستعمل الرّفق والأدب، وعلى القاتل أن لا يماطل، أو ينقص من الدّية.
﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: ذلك؛ أي: العفو، أو الدّية تخفيف؛ أي: تسهيل من ربكم ورحمة «حيث وسع عليكم ولم يفرض عليكم حكماً واحداً، وهو القتل فقط».
﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: إذا عفا عن القاتل، أو أخذ منه الدّية انتهى الأمر، أما إذا عاد ولي المقتول وانتقم من القاتل بأي شكل، أو ظلم، فله عذاب أليم، «لمن أخذ الدّية، ثم عاد وقتل الجاني».
سورة البقرة [٢: ١٧٩]
﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِى الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾:
﴿وَلَكُمْ﴾: خاصة أيها المسلمون في الإسلام ثلاث شرائع: العفو، أو
стр. 303
القصاص، أو الدّية، فالدّية: غير مشروعة عند اليهود، فعندهم النّفس بالنّفس، والدّية هي المشروعة عند النّصارى فقط، أما في الإسلام: فله إحدى الاختيارات.
﴿الْقِصَاصِ﴾: كما قلنا: أن يُفعل بالقاتل «أو الجاني» مثل ما فُعل بالمقتول «أو المجني عليه»، فالعقوبة في القصاص تكون من جنس الجريمة، أو أن يُعفى عن القاتل، أو أن يدفع الدّية، فالقصاص تعتبر عقوبة مقررة لأجل صون حق الآدمي، أو البشر. فالقصاص شُرِعَ للحفاظ على حياة الفرد والمجتمع معاً.
وأما الحدود: فهي تعتبر عقوبة مقررة لأجل صون حق الله بسبب عصيان أمر شرعي، والحدود: هي حد السّرقة، والزّنى، والقذف، والرّدة، وشرب الخمر، والحرابة، والعقوبة في الحدود لا تكون من نفس الجريمة، فالحدود «ليس لولي الأمر أو لولي القاتل تدخل فيها».
وعقوبة الحدود: هي إقامة الحد، مثل: الجلد، أو الرّجم، أو التعزير، أو قطع اليد، فحين يعلم القاتل «الجاني» أنّه سوف يُقتل إذا قام بفعل القتل؛ فقد تمنعه هذه العقوبة «والّتي نسميها القصاص»، من أن يقتل غيره، وعندها بهذا الرّدع يكون قد صان حياتين حياته، وحياة الّذي يريد قتله.
وجاء بكلمة حياة نكرة، ولها معانٍ كثيرة، نذكر منها:
أولاً: حياة للمجتمع بتوافر الأمن، والسّلام، وعدم فقدان أفراده بالقتل.
ثانياً: حياة في الآخرة للقاتل إذا استسلم لحكم الله، واقتص منه بقتله في الدّنيا؛ أي: سلامته من القصاص في الآخرة.
стр. 304
ثالثاً: حياة؛ أي: القصاص سبب حياة نفسين القاتل والمقتول؛ لأنّه لم تتم عملية القتل بسبب الرّدع بالخوف من القصاص.
رابعاً: حياة سبب دفع الدّية لولي القاتل، توفر له معيشة أفضل، وأفضل ما قيل في معنى هذه: (القتل أنفى للقتل)، ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِى الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، كلام في غاية البلاغة والإيجاز.
﴿يَاأُولِى الْأَلْبَابِ﴾: جمع لب، قيل: هو باطن العقل، أو صفوة العقل، أو ما زكى من العقل، فكل صاحب لب له عقل، وليس كل صاحب عقل له لب، والألباب: من اللب، وليس القشرة؛ أي: لب الأشياء وليس ظواهر الأشياء.
فكلمة أولي الألباب تعني: الصّفوة من المؤمنين ذوي العقول النّيرة، الحكماء، والعلماء؛ الّذين هم أبعد نظراً، وأعمق فكراً في الأمور والآيات، فيجدوا الحكمة والفائدة فيما شرع الله، فيزدادوا هدى وإيماناً وقرباً من الله. ارجع إلى الآية (١٩٧) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: لها معاني كثيرة منها: لعلكم: لعل للتعليل؛ أي: تتقون الله؛ أي: عذاب الله وانتقامه، تتقون النّار: بتجنبكم المعاصي، والقتل، تصلون إلى منزلة التّقوى، أو تعملون عمل أهل التّقوى، تتقون الدّماء، وقتل الأرواح البريئة.
سورة البقرة [٢: ١٨٠]
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾: ارجع إلى الآية (١٧٨).
стр. 305
﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية متضمنة معنى الشّرط، وفيها معنى الحتمية «حتمية الحدوث أو كثرته»؛ لأنّها جاءت في سياق الموت، والموت أمر حتمي لكل إنسان؛ لذلك استعمل إذا.
﴿حَضَرَ﴾: فيها معنى شدة القرب، قرب الموت يحضر فجأة، وفيها معنى المجيء مع المكث، والبقاء، ولو فترة قبل أن تخرج الرّوح «مرحلة الاحتضار».
﴿أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾: قدَّم أحدكم «أي: المفعول» على الفاعل «وهو الموت» ليراعي شعور الإنسان بكراهية الموت «ولذلك أخَّر الموت»، ولتجنب عنصر المفاجأة، والمكروه للنفس وهو الموت.
﴿إِنْ﴾: شرطية: تستعمل للأمور النّادرة، أو المحتملة الحدوث، فقد يترك الإنسان ثروة بعد موته، وقد لا يترك.
﴿تَرَكَ خَيْرًا﴾: أي: مالاً بعد موته، أو غير المال.
﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: الوصية على شرط ألا تتجاوز الثّلث، للوالدين والأقربين «اللام لام الاستحقاق»، ومن العلماء من قال: نزلت هذه الآية قبل آية تشريع الميراث الّتي حدد فيها نصيب الوالدين بالثّلث، أو السّدس، فقد كان النّاس يعطون كل ميراثهم لأولادهم، ويحرمون الوالدين، والأقربين، ولذلك جاءت هذه الآية لتمنعهم من الحرمان، وكذلك فيما لو كان الوالدين من الكفار يحق له يوصي بشيء من المال لهما، وحدود الوصية كما قلنا الثّلث، والباقي للورثة، مع العلم بأنّه لا وصية لوارث، وقال ابن عبّاس: المنسوخ هو وجوب الوصية للوارثين منهم «الآباء أو الأقربين»، وبقي الوجوب في حق من لا يرث منهم.
стр. 306
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: يعني: بالعدل، وأن لا تتجاوز الوصية الثّلث، ولا يوصي لغني، ويترك الفقير من أقاربه.
﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾: من باب الفرض، أو الواجب.
سورة البقرة [٢: ١٨١]
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
كانت الوصية في البداية لا تكتب، بل بالسّماع، فإذا سمع الوصية أحد من الشّهود، ثمّ غير، أو بدل في الوصية؛ فالإثم والذّنب يقع عليه، والموصي لا ذنب عليه، وكذلك لا ذنب على الموصى له، والتّبديل الّذي فيه إثم هو تبديل الهوى، والباطل الّذي ليس فيه دليل.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، لقول الموصين ولقول المبدلين لا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السّماء.
﴿عَلِيمٌ﴾: يعلم بما تكن صدورهم، وما يعلنون إنه عليم بذات الصّدور، وعليم بما يعملون، من أقوال وأفعال، ويعلم ما في السموات وما في الأرض، وعليم: صيغة مبالغة؛ أي: كثير العلم.
стр. 307
سورة البقرة [٢: ١٨٢]
﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿فَمَنْ﴾: الفاء: عاطفة، من: شرطية.
﴿خَافَ مِنْ مُّوصٍ جَنَفًا﴾: ﴿خَافَ﴾: من الخوف، وهو توقع الضّرر، خاف: علم، أو توقَّع من صاحب الوصية ﴿جَنَفًا﴾: ميلاً عن الحق والعدل خطأ من دون تعمد، أو ﴿إِثْمًا﴾: ميلاً عن الحق، والعدل تعمداً بأن زاد عن الثّلث، أو أوصى بأمواله إلى أحد أفراد عائلته؛ الّذين يرثون، أو أعطى من لا يستحق، وقالوا: الجور محصور في مخالفة النّص الشّرعي، والجنف: الظّلم النّاتج عن شهوة، أو حب، والحيف إذا مال الحاكم إلى أحد الطّرفين.
﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾: أي: قام بتعديل الوصية الّتي كانت مخالفة للشرع، أو بدل الباطل بالحق.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: الفاء للتأكيد، لا: النّافية للجنس، ﴿إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: لا ذنب عليه، ولا حرج. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٣٣) للبيان.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لمن بدل الوصية للإصلاح. ارجع إلى الآية (١٧٣) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
стр. 308
سورة البقرة [٢: ١٨٣]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾:
نداء جديد من الله للذين آمنوا «والهاء لزيادة التّنبه» بأمر تكليفي جديد وهو الصّيام.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾: فرض، وكتب فيها توكيد أشد من فرض، وكان فرضه في السّنة الثّانية من الهجرة، كتب عليكم؛ أي: شرع لكم أيها الّذين آمنوا، فهو لم يشرعه إلَّا لمن آمن، ولم يكتبه على الكافر، ولم يكتب على الكافر؛ أي: تكاليف؛ لأنّ التّكليف الإيمان لا يكلفه الله إلَّا لمن آمن، ولذلك قال: كُتب عليكم بالبناء للمجهول، ولم يقل: كتبت عليكم، وعليكم تفيد العلو والمشقة. ارجع إلى الآية (١٧٨) من نفس السورة للبيان.
﴿الصِّيَامُ﴾: لغة: من صام يصوم؛ أي: أمسك؛ كقوله تعالى: ﴿إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾.
شرعاً: هو التعبد لله سبحانه بالإمساك عن الأكل والشّرب والفرج من الفجر حتّى الغروب.
﴿الصِّيَامُ﴾: ولم يقل الصّوم؛ لأنّ الصّوم في القرآن؛ يعني: الصّوم عن الكلام «أي: الصّمت» كقوله: ﴿إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ «وهذا من خصائص دقائق لغة القرآن».
﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: كما: الكاف للتشبيه؛ أي: كما كتبنا عليكم حكم الصيام في وصفته لا في كيفيته وعدده، كتبنا على الّذين من قبلكم: إما من لدن آدم؛ أي: على الأمم السّابقة، وإما من قبلكم، تعني اليهود والنصارى.
стр. 309
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: لها معان كثيرة: أي: لكونها عبادة عظيمة فرضت على كلّ الأمم، أو فيها معنى التّرغيب، فالّذين من قبلكم صاموا، فأنتم أحق بالصّيام منهم، ونيل الثّواب، والأجر، وكذلك فيها معنى التّطمين؛ أي: لا تقولوا لن نقدر، أو نستطيع الصّيام، فمن جاء قبلكم فعلوا ذلك واستطاعوا.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعل للتعليل، لعلكم إن صمتم تصبحوا من بين المتقين الّذين يطيعون أوامر الله، ويجتنبون نواهيه، فبذلك تتقوا الله سبحانه «تتقوا غضبه وعقابه»، وتتقوا النّار.
سورة البقرة [٢: ١٨٤]
﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾: ﴿أَيَّامًا﴾: جمع يوم، واليوم في القرآن يعني: من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس، ولا يعني: (٢٤) ساعة.
﴿مَّعْدُودَاتٍ﴾: جمع قلة، مقارنة بمعدودة جمع كثرة، والمعدودات في اللغة عشرة أو أقل، وأما أياماً معدودة تدل على أكثر من عشرة.
و ﴿مَّعْدُودَاتٍ﴾: هي صفة «في الإعراب» لـ (أياماً)، واتباعاً لهذه القاعدة كان من المفروض القول أياماً معدودة؛ لأنها تعادل (٢٩ - ٣٠) يوماً، وجاء بصيغة القلة: هذا ضرب من البلاغة كي يهون على الصّائم، ولا يظن أنّها شاقة، وكثيرة، بل هي قليلة ويسيرة ويجوز تنزيل القلة منزلة الكثرة، أو بالعكس للبلاغة.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾: ﴿فَمَنْ﴾: الفاء:
стр. 310
عاطفة، ﴿مَنْ﴾: شرطية؛ أي: فمن كان منكم مريضاً فأفطر، أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر.
﴿كَانَ مِنْكُمْ﴾: خاصة مريضاً، واختلف في المرض المبيح للإفطار منهم من قال: كل مرض، ومنهم من قال: المرض الّذي فيه مشقة، ويتضرر المريض، أو على سفر يشق معه الصّيام، فيباح له الإفطار.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: ﴿وَعَلَى﴾: تعني: العلو والمشقة.
﴿الَّذِينَ﴾: تعني: الكبير الهرم، والمريض مرضاً لا يرجى شفاؤه.
﴿يُطِيقُونَهُ﴾: اختلف العلماء في تفسيرها على ما يلي:
منهم من قال: يطيقونه تعني: يتحمَّلونه من دون مشقة، أو ضرر هم مخيرين بين الصيام، أو الإفطار مع دفع الفدية، وهي طعام مسكين إذا أفطروا.
ومنهم من قال: يطيقونه يطيق الصّيام بمشقة، وضرر، أو كلفة؛ كالشّيخ الكبير، والمريض مرضاً مزمناً، فله حق الإفطار مع دفع الفدية، وهي طعام مسكين.
﴿يُطِيقُونَهُ﴾: مشتقة من الطّاقة؛ لأنّ الطّاقة تعني: تحمل الشّيء بمشقة، وشدة، وعليه يكون المعنى يتحمَّلونه بجهد شديد، والأرجح: هو القول الثّاني.
﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: الفدية هي إطعام مسكين عن كلّ يوم أفطر فيه من أوسط ما يطعم أهله «أكلة واحدة».
﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: ﴿فَمَنْ﴾: الفاء: عاطفة، من: شرطية.
стр. 311
﴿تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾: التطوع الزّيادة على القدر المذكور في الفدية «الزّيادة على ما هو مفروض»؛ أي: بدلاً من إطعام مسكين واحد أطعم اثنين، أو أكثر، وهكذا له زيادة في الثّواب.
﴿فَهُوَ﴾: الفاء للتوكيد، هو: ضمير منفصل يفيد التّوكيد، وأن: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: أفضل، فيه تأكيد على فوائد الصّيام الكثيرة.
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد القلة، أو النّدرة.
﴿كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أنّ الصّيام خير لكم، وليس فيه ضرر، أو مشقة فصوموا تلك الأيام.
سورة البقرة [٢: ١٨٥]
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
قبل البدء في تفسير هذه الآية يجب الانتباه: أنّ هناك من المفسرين من يعتقد أنّ تشريع الصّيام جاء على مرحلتين:
المرحلة الأولى: المرحلة المكية الّتي تمتد إلى السّنة الثّانية للهجرة «أو المرحلة المكية + بداية الهجرة»، والّتي تتمثل في الآية (١٨٤)، ويعتقدون أنّ تفسير (أياماً معدودات) هي الأيام الثّلاثة من كلّ شهر (١٣ - ١٤ - ١٥)، ويوم عاشوراء، وأنّ الصّيام في تلك المرحلة كان باختيار؛ أي: يحق للمسلم أن يصوم،
стр. 312
أو أن يفطر، ويفدي بإطعام مسكين؛ حتّى اعتاد المسلمون على الصّيام فجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، كما سنرى.
المرحلة الثّانية: كانت بعد فرض الصّيام من السّنة الثّانية للهجرة حتّى يومنا هذا، وتتمثل هذه المرحلة في الآية (١٨٥)، وهذا يفسر لماذا تكرر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ في كلا الآيتين.
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾: كلمة رمضان مشتقة من رمض، ورمض الإنسان؛ أي: حر جوفه من شدة العطش، والرّمض: هي الحجارة المحماة، والرّمض: الاحتراق.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول فيه معنى المدح والتّعظيم.
﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾: أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، وفي ليلة القدر لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، ثم نزل منجَّماً «مفرَّقاً» على قلب رسول الله ﷺ ، على مدى (٢٣) عاماً.
الفرق بين أنزل ونزل: أنزل: تعني: دفعة واحدة، أمّا نزل فتعني: منجَّماً على دفعات كثيرة، وأنزل فيه: فيه تعود على الشّهر كلّه رغم أنّه أنزل في ليلة القدر، قال فيه تعظيماً لكامل الشّهر، وأنزل فيه: قد تعني: أنّ القرآن ابتُدئ بنزوله، فيه ظرفية تعود على رمضان.
﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾: ﴿هُدًى﴾: مصدر هداية هادياً للغاية، وهي سعادة الدّارين.
﴿هُدًى﴾: جاءت بصيغة النّكرة؛ للتهويل، والتّعظيم لكلّ أنواع الهداية الّتي يتصورها الإنسان.
стр. 313
﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاختصاص، النّاس: ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة للبيان.
﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى﴾: بينات: جمع بينة من بان، وبان الشّيء أظهره، واتضح، وقيل: البينة: إظهار المعنى للنفس؛ أي: جملة من البينات؛ أي: الأحكام، فالقرآن نفسه هدى مصدر هداية للناس كافة، ويتضمن بينات آيات، وأحكام لهداية النّاس، وفيها عطف الخاص على العام؛ للتوكيد على أهمية الأحكام الّتي جاءت في القرآن.
﴿وَالْفُرْقَانِ﴾: ما يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والهدى والضّلال، وإذا كان القرآن هو الهدى، فالفرقان صفة للقرآن.
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾: ﴿فَمَنْ﴾: الفاء: عاطفة، من: شرطية.
﴿شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾: كان شاهداً؛ «أي: حاضراً مقيماً غير مسافر»، فليصم فيه، ولا يفطر، وكان غير مريض، وكان غير مسافر، ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر.
﴿مِنْكُمُ﴾: أي: منكم خاصة؛ أي: من المسلمين، ولو لم يأت بكلمة منكم؛ لكان الخطاب موجه إلى كلّ إنسان، ويجب عليه الصّيام.
﴿الشَّهْرَ﴾: رمضان. ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾: الفاء: للمباشرة والتّعقيب.
﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾: انتبه: لم يقل منكم كما في الآية السابقة؛ لأنه سبق وقال: فمن شهد منكم الشهر، فلم يكررها لعدم الحاجة؛ أي: من كان مريضاً، أو على سفر؛ فأفطر بعذر شرعي مقبول فعليه قضاء العدَّة بعد العودة إلى بلاده، أو الشّفاء من ذلك المرض، انتبه إلى حذف
стр. 314
منكم بعد قوله: ومن كان مريضاً، أو على سفر، ولم يقل منكم مرة ثانية … حيث قال: فمن شهد منكم الشّهر فليصمه، فاكتفى بذلك.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾: اليُسر: السّهولة، وعدم التّشديد، العسر: المشقة، والضّيق.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ﴾: الباء: للإلصاق. ﴿الْيُسْرَ﴾: من يُبيح لكم الإفطار في المرض، والسّفر، وتكرار كلمة يُريد مرتين يدل على التّوكيد، توكيد الإرادة باليسر، ولنفي الإرادة بالعسر.
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾: الواو: عاطفة، واللام في لتكملوا: لام التّعليل، والتّوكيد؛ كأنّه يقول: يُريد الله بكم اليسر، ويريد بكم أن تكملوا العدَّة عدَّة الشّهر (٢٩ - ٣٠) يوماً، ولتكملوا العدَّة: بقضاء ما أفطرتم في مرضكم، أو سفركم.
﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾: واللام لتكبروا؛ للتعليل، والتّوكيد، وتكبروا؛ أي: تقولوا: الله أكبر، الله أكبر، وتبدأ عند إتمام صيام رمضان؛ أي: تبدأ من رؤية هلال العيد إلى القيام إلى صلاة العيد.
﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾: ما: اسم موصول؛ أي: الّذي هداكم، أو مصدرية على هدايته لكم.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾: لعل للتعليل لعلكم تشكرونه على التّيسير، وإباحة الإفطار في المرض، والسّفر، أو تشكرونه على مساعدتكم لإتمام صيام شهر رمضان، ونيل ثواب الصّيام، أو تشكرونه أن هداكم لصيام شهر رمضان، وإنزال القرآن. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠) لمزيد من البيان.
стр. 315
سورة البقرة [٢: ١٨٦]
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾:
المناسبة: انتبه إلى أهمية وقوع هذه الآية في منتصف آيات الصّيام:
جاء ليذكر المؤمن بأهمية الدّعاء في رمضان، وأثناء الصّيام، وبعد الصّلوات، وفي صلاة الوتر، وعند الإفطار، ووقت السّحر، وعند إكمال العدَّة، ولأنّ دعوة الصّائم لا ترد.
﴿وَإِذَا﴾: الواو: عاطفة، إذا: ظرفية شرطية تدل على حتمية حدوث الأمر الّتي جاءت في سياقه كثرة حدوثه، وهو الدّعاء، ولم يقل: وإن سألك عبادي، إنْ: تدل على الاحتمال والندرة.
﴿سَأَلَكَ﴾: يا محمّد ﷺ أي: سؤال في شأني، أو حاجة، روي أنّ أعرابياً قال لرسول الله ﷺ : «أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه» أخرجه الطّبري، والدّارقطني.
﴿عِبَادِى﴾: النّاس ثلاثة أقسام: عبيد، وعبادي، وعباد، كلّهم عبيد لله في الدّنيا، ومن هؤلاء العبيد من يصبح مؤمناً مطيعاً لله ورسوله، فيرتقي بذلك من درجة العبيد إلى عبادي، ومن هؤلاء العدد الكبير «عبادي»، من يرتقي إلى درجة أعلى من عبادي إلى درجة عباد، وهم قلة وصفوة النّاس، أمثلة: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، ﴿قُلْ يَاعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣]، ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧٩].
فكلمة عبيد: تشمل الكافر، والمؤمن. وكلمة عبادي: أفضل وأعلى درجة
стр. 316
من عبيد؛ أي: الذين اختاروا أن يكونوا عباداً لله تعالى، وكلمة عباد: أفضل وأعلى درجة من عبادي هم الصفوة.
أما في الآخرة: فالكلّ يصبح عباد؛ لأنه ليس هناك تكليف، أو عبادة، فالكل مطيع، ولا يعصي.
﴿عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ﴾: الفاء في فإني تفيد المباشرة، والتّعقيب؛ أي: بمجرد رفع صوتهم فإني أسمعهم، فالقرب هنا ليس قرب مكان، ولكن قريب بعلمه، فهذا يدل على سمعه، وكرمه، واستجابته، فهو يعلم أحوالنا، ويسمع أقوالنا، ويرى أعمالنا، فهو قريب، بل أقرب من حبل الوريد، ولم يقل: فقل لهم إني قريب؛ أي: من دون قل، أو: فقل لهم؛ لأنها تبعد، أو تفصل القرب من الرّب، فلذلك حذفها؛ لتكون وسيلة الاتصال مباشرة بين العبد وربه، ومن دون تدخل الرّسول ﷺ .
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾: أجيب، وقيل: بمعنى اسمع دعوة الدّاع، أو دعاء الدّاع، إذا دعان، أجيب: أعطي السّائل سؤله، وإذا كان الدّعاء؛ يعني: العبادة؛ أي: أقبل عبادة من عبدني، وقدَّم الإجابة على الشّرط بدلاً من أن يقول: إذا دعان الدّاع أجيبه، أو أستجيب له للاهتمام، والإجابة من الله تعني: القبول، والإجابة من العبد تعني: الطّاعة، والعبادة، والإيمان.
﴿إِذَا﴾: شرطية، تستعمل للأمور الواقعة لا محالة، والكثيرة الحدوث.
﴿دَعَانِ﴾: ولم يقل: دعاني «بالياء»، وحذف الياء؛ ليقصر الكلمة؛ لتدل على مجرد ما يبدأ بالدّعاء أجيبه، أو تبدأ الاستجابة، فليس هناك فاصل زمني، وقد تعني دعان بدعاء واحد لأمر واحد، أو أمور متعددة أدعية مختلفة، أو دعان
стр. 317
لثوان فقط، دعاء قصير جداً، أو أطال الدّعاء «ذو دعاء عريض»، أجيب دعوة الدّاع إذا دعان إذا كانت الإجابة خيراً له، وأجيبه إن لم يسأل مُحالاً، وما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، وما لم يستعجل بالإجابة، وما لم يتغذَّ بالحرام، وفي الآية حثٌّ وحضٌّ على الدّعاء، خاصة في شهر رمضان الفضيل.
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى﴾: الفاء: في فليستجيبوا لي: تدل على المباشرة والتّعقيب؛ أي: ليستجيبوا لي بسرعة، ومن دون تردد مباشرة، واللام: لام التّعليل، والأمر فليستجيبوا لي بالطّاعة، والإيمان، والدّعاء، والعبادة.
﴿لِى﴾: لي لوحدي بإخلاص، ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِى﴾: اللام: لام الأمر، والتّعليل؛ أي: يداوموا على الإيمان بي، ويستمروا على ذلك.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾: لعل: للتعليل؛ يرشدون: من الرَّشد: بفتح الراء، ويعني: الصلاح في أمور الدين؛ أي: ليرشدوا؛ أي: يهتدوا إلى الصّراط المستقيم، والحق والاستعداد للآخرة.، ويَرْشُدون تعني: الاستقامة على الدّين أيضاً، والبعد عن طريق الغي والضّلال، وأما الرُّشد: بضم الراء يعني: الصلاح في الأمور الدنيوية والأخروية، والرُّشد: أعم من الرَّشد. ارجع إلى سورة النّساء، آية (٦).
стр. 318
سورة البقرة [٢: ١٨٧]
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْئَانَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾:
سبب نزول هذه الآية: في بداية الإسلام كان الصّيام يمتد من وقت العشاء إلى غروب الشّمس، من الليلة القادمة، وكان يباح للمسلمين الأكل والشّرب والجماع من المغرب إلى وقت العشاء؛ أي: أقل من ساعتين، وكانوا يجدون مشقة كبيرة، وحرج في قصر مدَّة الإباحة، فكان النّاس يشكون إلى رسول الله ﷺ حتّى نزلت هذه الآية، فأصبحت فترة الإباحة للطعام والشّراب والجماع من وقت المغرب إلى وقت الفجر.
﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: الرفث في الأصل: الفُحش من القول، أو الكلام عن الجماع، واستعمل الرفث كناية عن الجماع من دخول وقت المغرب إلى وقت الفجر.
واستعملت كلمة الرّفث في موطني عبادة فقط الصّيام والحج، هذه الآية،
стр. 319
والآية (١٩٧) من سورة البقرة: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجِّ﴾.
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾: فيها تشبيه كلّ واحد من الزوجين باللباس، فالزّوج لباس لزوجه، والزّوجة لباس لزوجها، فالزّوج يستر عورة زوجته، والزّوجة تستر عورة زوجها، فكلّ واحد ساتر للآخر عن الحرام، والزّنى، وهذا التّشبيه مأخوذ من حالة اجتماعهما تحت غطاء واحد، واللباس: هو الثّوب الدّاخلي الذي يستر السّوءة.
﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾: ﴿تَخْتَانُونَ﴾: من الخيانة؛ أي: عدم أداء الأمانة: تخونون أنفسكم بارتكاب ما حرم الله عليكم من الجماع وقت الصّيام، والخيانة سببها قصر وقت الإفطار، تختانون أنفسكم، ولم يقل: تختانون نفوسكم: أنفسكم؛ أي: بعض الأنفس قامت بالخيانة، ونفوسكم تعني كلّ النفوس.
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾: ﴿فَتَابَ﴾: الفاء: للتعقيب، والتّرتيب، تاب عليكم: شرع لكم التّوبة أوّلاً، فتوبوا ثانياً، ثمّ يقبل منكم توبتكم التّوبة ثالثاً، ﴿وَعَفَا عَنكُمْ﴾: العفو هو ترك العقوبة عن الذّنب؛ أي: لا يعاقبكم على هذه الخيانة.
﴿فَالْئَانَ بَاشِرُوهُنَّ﴾: المباشرة تعني: الجماع.
﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: الآن بعد نزول هذه الآية التمسوا ما كتب لكم: مما يقع دون الجماع بين الزّوجين، أو ما كتب الله لكم من الولد، أو
стр. 320
ليلة القدر؛ أي: لا يشغلكم الرّفث عن ابتغاء ما كتب الله لكم من ليلة القدر والاعتكاف، أو أعمال البر، والتّقوى، وقراءة القرآن والتراويح، وما كتب لكم: أي: فرض لكم من الإباحة.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾: لم يقتصر التّرخيص الرّباني بالسّماح بالرّفث فقط، بل شمل كذلك الأكل والشّرب حتّى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، لا يعني ذلك أن نأتي بخيط أسود، وأبيض، وننظر إليهما، ومتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود فتتوقف عن الأكل والشرب والجماع.
وإنما المقصود بالخيط الأبيض هو علامة ظهور الشفق الأحمر، أو الطيف الأحمر الذي هو أطول ألوان الطيف المرئي المتكون من سبعة ألوان، وهي: الأحمر، والأصفر، والأخضر، والأزرق، والبرتقالي، والنيلي، والبنفسجي، فظهور الشفق الأحمر، أو الطيف الأحمر. هذا يدل على دخول وقت الفجر، ولكن من الصعب تحرِّيه، أو إدراكه فأبدله الله -جل وعلا- بظهور النور الأبيض (الخيط الأبيض) الذي هو ناتج عن وقوع أو امتزاج ألوان الطيف السبعة بالطبقة الغازية المحيطة بالأرض (الطبقة المضيئة) مما يعطينا هذا النور الأبيض الدال على دخول الفجر؛ أي: أول ما يتبين من بياض النهار.
والخيط الأسود: ما يبقى من سواد الليل؛ كأنه خيط محدود رقيق ينتشر؛ أي: يتبين لكم بياض النّهار من سواد الليل، ثم: لا تفيد التراخي في الزمن، وإنما لتباين الفضل بين الأكل والشرب، وفضل الصّيام.
следующие страницы →