← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

وإن: لها عدة احتمالات: إن: نافية تفيد التّحقير والتّصغير؛ بمعنى: ما كان مكرهم شديداً لتزول منه الجبال. إن: أشد نفياً من: ما. إن: قد تكون مخففة تفيد التّوكيد؛ أي: بالتّأكيد كان مكرهم شديداً قوياً يؤدي إلى زوال الجبال، ولكن الله أشد مكراً وأشد تنكيلاً. إن: قد تكون شرطية، وتقديرها: فلو كان مكرهم قوياً يُزيل الجبال؛ فلن ينالوك بشيء. ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ﴾: لتزول: اللام: للتأكيد. منه: الجبال؛ أي: تتحرك من مكانها، أو تتفتت، أو تخر. الفرق بين المكر والكيد والغدر: المكر: هو التّدبير الخفي؛ لإلحاق الضّرر بالغير، ولا يعلم ذلك الممكور به. الكيد: أقوى من المكر: وهو إيقاع الضّرر بالغير قهراً، سواء أعلم به الخصم أم لم يعلم. الغدر: هو نقض العهد الّذي كان يجب الوفاء به. سورة إبراهيم [١٤: ٤٧] ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ﴾: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّاهية. ﴿تَحْسَبَنَّ﴾: ارجع إلى الآية (٤٢) من نفس السّورة.

стр. 2522

﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾: مخلف؛ أي: غير منجز وعده، ووعد الله لرسله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢ - ١٧٣]؛ أي: النّصر، والفتح، والعصمة من النّاس، ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى﴾ [المجادلة: ٢١]: بإظهار الدّين. مخلف وعده رسله: الأصل مخلف رسله وعده قدم الوعد؛ للاهتمام به؛ أي: وعده بشكل عام يشمل أي وعد، ولو قدم رسله على الوعد فقال مخلف رسله وعده لكان يعني: أن الله لا يخلف رسله وعده، ولكن يمكن أن يخلف وعده لغير رسله وحاشا لله أن يفعل ذلك. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾: إنّ الله: للتوكيد. ﴿عَزِيزٌ﴾: قوي، غالب لا يُغلب، ولا يُقهر، ممتنع. ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾: القادر على انتقام من أعدائه، وكلّ من يعصيه؛ ذو انتقام: ذو عقاب. سورة إبراهيم [١٤: ٤٨] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: ظرف زماني، ويعني: يوم القيامة. ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾: أي: تبدل الأرض الحالية، الأرض الّتي خلقها الله سبحانه منذ حوالي (١٣ - ١٤ مليار سنة) بأرض جديدة هي أرض المحشر، التي هي أكبر بكثير من الأرض الحالية، وتضم الأرض الجديدة الأرض الحالية، وسوف نبعث من الأرض الجديدة، كما ورد ذلك في هذه الآية وفي الصّحيحين، وهذا التّبديل قد يكون تبديل كلّي كامل، وهو الذّهاب بالشّيء واستبداله بآخر، أو تبديل جزئي تبديل في مكوناتها من الجبال والبحار

стр. 2523

والأودية؛ أي: تزول جبالها وأوديتها؛ فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، أو تبديل في بعض صفاتها، والله أعلم. ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: البروز: هو الظّهور، والمواجهة بعد الخروج من القبور، وعبر عن البروز بالماضي بدلاً من المستقبل أو الحاضر؛ للدلالة على تحقق الوقوع؛ فكأن البروز حدث ووقع؛ لأن الله سبحانه خالق الزمان والمكان. ﴿الْوَاحِدِ﴾: اسم من أسماء الله الحسنى ويعني: لا شريك له، لا يتجزأ، لم يلد، ولم يولد، الواحد في ذاته، وصفاته، وأفعاله، وقد ذكر هذا الاسم في (٢١) موضعاً في القرآن. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد. ﴿الْقَهَّارِ﴾: اسم من أسماء الله الحسنى مشتق من صلة القهر: وهي الغلبة والقدرة، أو القادر على قهر كل شيء، والقهار: صيغة مبالغة من القهر، واسم الفاعل هو القاهر الدال على التجدد، والقهار: تدل على الثبوت والمبالغة في القهر بكل أنواعه وأحجامه، فقد دانت له الخلائق، وعنت له الوجوه، وقهر كلّ شيء، وتواضعت لعظمته وكبريائه الجبابرة، وبالموت والحساب. سورة إبراهيم [١٤: ٤٩] ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِى الْأَصْفَادِ﴾: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾: رؤية العين، الكافرين، والمشركين، ومرتكبي الكبائر. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لبيان معنى المجرمين. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لمزيد من البيان في معنى المجرمين. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم القيامة في ذلك اليوم. ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: من قرن الشيء بالشيء؛ أي: وصلته، مشدودين، مقيدين

стр. 2524

بعضهم مع بعض، أو المقرن من جمع مع غيره في قرن، وهو الوثاق، وقد تعني: قرنت أيديهم، وأرجلهم إلى أعناقهم بالسّلاسل. ﴿فِى الْأَصْفَادِ﴾: جمع صفد، والأصفاد: قيود تستعمل للأرجل (الأقدام)، بينما الأغلال: قيود تستعمل للأيدي. سورة إبراهيم [١٤: ٥٠] ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾: ﴿سَرَابِيلُهُمْ﴾: جمع سربال: وهو القميص، أو الثّوب. ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾: من: ابتدائية. ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾: مشربة بالقطران؛ القطران: قيل: هو الزّفت الأسود المستعمل في بناء الطّرقات، أو هو دهن أسود منتن الرّائحة؛ له رائحة مزعجة؛ تشتعل فيه النّار بسرعة؛ يستخرج من الخشب والفحم، أو القطران: دهن يستعمل للإبل للشفاء من الجرب، أو لحماية الحديد من الصدأ. وقيل: القطران: مؤلف من كلمتين: قطر: وهو النّحاس، آن: متناهي في الحرارة. ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾: تلفح، أو تغطي، أو تعلو وجُوهَهُمُ النّار. وخص ذكر الوجوه من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكل؛ أي: تغشى جميع أبدانهم، وخص الوجوه وقدمها على النار للانتباه لما سيلحقهم من الذلة والصغار. سورة إبراهيم [١٤: ٥١] ﴿لِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: ﴿لِيَجْزِىَ اللَّهُ﴾: اللام لام التعليل. والجزاء: أعم من الأجر ويعني المماثلة؛ أي: من جنس العمل، ويستعمل في العقاب، أو الثواب. ﴿كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.

стр. 2525

﴿مَا كَسَبَتْ﴾: من خير، أو شر، والكسب: في الأصل تعني: الزّائد عن الأصل؛ مثال: الزّائد عن رأس المال يسمى كسب، وتفسير ذلك: أن العبد حين يحرم نفسه من شيء، أو يقوم بعمل لا يقوم به الغير؛ فهو سيأخذ ثواب ذلك وزيادة. وكسب: عادة تخصص للحسنة. وأما اكتسب: تخصص للسيئة؛ فلماذا استعمل كسبت للسيئة؛ لأنّ فعل السّيئة أصبح سهلاً، وأمراً دأب عليه فلم يُعد في حسبانه فعلها، كما يفعل بالحسنة يفعلها بسهولة ويُسر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٨٦) للبيان. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: ارجع إلى الآية (٤١) من سورة الرّعد؛ للبيان. سورة إبراهيم [١٤: ٥٢] ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: ﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة للقرب، واسم إشارة يشير إلى القرآن العظيم. وقوله هذا: تنبيه للمخاطب على المشار إليه وقربه وللمبالغة في إيضاحه. ﴿بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾: بلاغ: من الإبلاغ، أو التّبليغ: وهو إيصال الشّيء، أو الرّسالة+ مع البيان والفهم؛ هذا القرآن بلاغ للناس كافة؛ أي: منهج الله للنّاس كافة، وفي سورة الأحقاف آية (٣٥) قال تعالى: ﴿بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وفي هذه الآية قال تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ فيه مبالغة وتوكيد أشد من قوله بلاغ. ﴿وَلِيُنذَرُوا بِهِ﴾: ولينذروا: الواو: عاطفة؛ اللام: لام التّعليل، الإنذار: هو الإعلام مع التّحذير، والتّخويف. ﴿وَلِيَعْلَمُوا﴾: أي: يستدلوا بما فيه من الآيات؛ اللام: لام التّعليل؛ ليعلموا

стр. 2526

من دراسة الآيات الكونية، والآيات المنزلة في هذا القرآن، والمعجزات: أن الله إله واحد. ﴿أَنَّمَا هُوَ﴾: أنما: كافة مكفوفة؛ تفيد الحصر. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: معبود واحد، لا شريك له، ولا ولد، ولا يتجزأ؛ أمّا قوله تعالى: الأحد؛ تعني: لا مثيل له ولا يشبه أحد. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد. ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: إنّ الله إله واحد، ولم يقل: وليتذكروا؛ لأنّ أولي الألباب لا يحتاجون إلى زمن طويل كي يذكروا: أنّ الله إله واحد. وليذكر أولوا الألباب، ولا ينسوا وحدانية الله، ووحدانية الرّب والأسماء والصّفات، ويدعوا غيرهم إلى التّوحيد. ارجع إلى الآية (١٧٩)، والآية (١٩٧) من سورة البقرة، والآية (١٩) من سورة الرّعد؛ لمزيد من البيان في معنى: أولي الألباب.

стр. 2527

سورة الحجر [١٥: ١] سورة الحجر ترتيبها في القرآن (١٥)، وفي النزول (٥٤)، نزلت بعد سورة يوسف. ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾: ﴿الر﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: تلك: اسم إشارة، واللام: للبعد؛ تفيد التّعظيم، والكثرة، وتشير إلى الآيات الآتية، أو الّتي سبقتها، أو الآيات بشكل عام. ﴿الْكِتَابِ﴾: أي: القرآن، وسمّي الكتاب؛ لأنّه مكتوب في السّطور، واللوح المحفوظ، وأل التعريف: تفيد الكتاب التّام الكامل، والتّعظيم. ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾: مبين: واضح الأحكام لكلّ فرد يقرأه، ويتدبره، ومبين في ذاته، ومبين لغيره، وأنّه منزل من عند الله تعالى، ويسمّى قرآن؛ لأنّه مقروء. مُبين للحق من الباطل، والحلال من الحرام، والمبين لمنهج الله تعالى، وافعل، ولا تفعل، وقرآن: نكرة للتعظيم، وجمع بين الوصفين الكتاب، وقرآن مبين؛ للدلالة على الكمال. والقراءة والكتابة ضرورية لحفظ كلام الله من التحريف والتبديل. فالتلاوة: القراءة، جمع صوتي لحروف وكلمات القرآن في الصدور، والكتاب يعني: الجمع والضم الحسي لحروف وكلمات القرآن في السطور. في سورة النّمل، الآية (١): ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾:

стр. 2528

يعكس التّرتيب مرة يقول تلك آيات القرآن وكتاب مبين، ومرة يقول: تلك آيات الكتاب، وقرآن مبين؛ فهو يعطف القرآن على الكتاب، أو الكتاب على القرآن؛ لزيادة الوصف. سورة الحجر [١٥: ٢] ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: ﴿رُبَمَا﴾: فيها قراءتان متواترتان صحيحتان: إحداهما: بالتّشديد، والأخرى: بالتّخفيف، وقيل: التّشديد هو الأصل، والتّخفيف لكثرة الاستعمال، رب: قد تستعمل للتكثير، أو تستعمل للتقليل. وحسب السّياق فقد تستعمل للتكثير إذا قيلت في سياق الآخرة؛ حيث يتمنى كثير من الكافرين لو كانوا مسلمين. وقد تستعمل للتقليل، كما هي حال الكفار في الدّنيا؛ فقليل فهم يودون لو كان مسلمين. ودخلت رب على ما؛ لأنّ رب وحدها لا تدخل على الفعل، فإذا لحقتها ما عندها يمكن أن تدخل على الفعل، كما هو الحال هنا دخلت على الفعل يود. ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: يود الّذين كفروا يوم القيامة (وهو المرجح) حين يروا أهوال يوم القيامة، وما تكون عليه حال المؤمنين، وحال الكافرين. ﴿لَوْ﴾: حرف مصدري للتمني. ﴿كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: أي: في الحياة الدّنيا. قال: ربما يود، ولم يقل: ربما ود؛ لحكاية الحال؛ لتبين شدة تمنيهم لو كانوا مسلمين.

стр. 2529

سورة الحجر [١٥: ٣] ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: ﴿ذَرْهُمْ﴾: دعهم؛ اتركهم؛ أي: ذر الكافرين يأكلوا، ويتمتعوا. ﴿يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾: يأكلوا، ويشربوا، ويلبسوا، ويتمتعوا بمتاع الدّنيا الزّائل؛ متاع الغرور، والتّمتع: هو الانتفاع، والتّمتع بالأكل، والشّرب، والملبس، والأداة: أداة المتعة والترفيه المختلفة من وسائل الاتصال، والتلفزة، واللعب. ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾: يشغلهم الأمل (بطول العمر) فلا يتوبوا ويرجعوا عن غيهم وضلالهم إلى الإيمان، أو يأملوا في أن يغفر لهم الله تعالى ذنوبهم بدون توبة أو بدون عمل صالح، والأمل: رجاءٌ يستمر، أو طمع فيما يبعد حصوله. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: الفاء: للتوكيد؛ سوف: للاستقبال، والتّراخي في الزّمن (تستعمل للزمن البعيد)؛ أي: يوم القيامة، أو يوم موتهم؛ سوف يعلمون عاقبة أمرهم، وجزاؤهم، وفيها تهديد، ووعيد. سورة الحجر [١٥: ٤] ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية؛ ما: النّافية. ﴿أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾: من: استغراقية؛ أي: كل قرية. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٤) لبيان معنى الهلاك. ﴿قَرْيَةٍ﴾: حذف كانت ظالمة؛ أي: ظالم أهلها، والقرية؛ تعني: أهل القرية، وعمرانها؛ أي: بتدمير بيوتها، وتخريبها، والقضاء، أو إهلاك أهلها بالرّجفة، أو الزّلازل، أو الفيضانات، أو الأوبئة، أو الكوارث الجوية. ارجع إلى سورة الحج، آية (٤٥). ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾: إلا: أداة حصر. ﴿وَلَهَا﴾: اللام: لام الاختصاص.

стр. 2530

﴿كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾: في اللوح المحفوظ مكتوب زمن إهلاكها، كتاب معلوم متى يجيء أجلها: انتهاء المدة المضروبة لانتهاء إبقاءها حية. سورة الحجر [١٥: ٥] ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَئْخِرُونَ﴾: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾: ما: النّافية؛ تسبق من أمة أجلها: أي: لا يأتي أجل أي أمة قبل أوانه؛ أي: لا ينقضي، وينتهي أجل أي أمة، ولو بمقدار ساعة، أو أقل. والأمة: جماعة من النّاس غير محدودة بعدد معين، ولا يحدها حيز جغرافي، ولها مبادئ، وقيم، وقوانين محددة. ﴿وَمَا يَسْتَئْخِرُونَ﴾: وما: الواو: عاطفة، وتكرار ما: يفيد توكيد النّفي؛ أي: وإذا لم يأت أجلها لا يستأخرون. سورة الحجر [١٥: ٦] ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: أي: عدد من كفار مكة؛ أمثال: النضر بن الحارث، والوليد بن المغيرة (قاله ابن عباس ﵄). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِى﴾: يا أيها: الياء: أداة نداء للبعد، والهاء: للتّنبيه. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول؛ قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء، والسّخرية. ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾: نزل: وليس أنزل؛ نزل: تفيد الإنزال على دفعات، أو منجماً خلال سنين طويلة (٢٣). قالوا ذلك تكبراً واستهزاء برسول الله ﷺ وسخرية منه وتهكم. ﴿الذِّكْرُ﴾: هو اسم علم يعني: القرآن، وسمي الذّكر؛ أي: ذي التذكير يذكِّر قارئه بربه، وآخرته، وما عليه من فرائض، وأحكام، والذّكر: هو الشّرف؛ أي: هذا القرآن شريف القدر لكونه محفوظاً من الله وغير منسي. ارجع إلى سورة ص آية (١)؛ لمزيد من البيان.

стр. 2531

﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾: إنّ: للتوكيد، الكاف: للخطاب. ﴿لَمَجْنُونٌ﴾: اللام: لزيادة التّوكيد؛ مجنون: من ذهب عقله؛ اتهموه بذلك باطلاً بسبب ما يدعوهم إليه من ترك ما يعبد آباءهم، والتّوحيد، وجعل الآلهة إلهاً واحداً، والبعث، والجزاء، وغيرها من أمور الدّين. سورة الحجر [١٥: ٧] ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: ﴿لَّوْ مَا﴾: لو: أداة حض، وحث. ما: للتوكيد. ﴿تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾: كي يشهدوا بصدقك؛ أي: بنبوتك، أو يكونوا معك نذيراً، والباء: للمصاحبة. ﴿إِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك، أو الافتراض. ﴿كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: أنك نبي مرسل، أو هذا القرآن من عند الله سبحانه. سورة الحجر [١٥: ٨] ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾: ما: النّافية. ﴿نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾: أمثال: جبرائيل، أو غيره؛ هذا رداً على سؤالهم السّابق في الآية (٧). ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: إلا: أداة حصر. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ الحق: هو الوحي؛ أي: بالقرآن، والحق: هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير، ولا يتبدل، أو بالأوامر، أو العذاب، أو لقبض أرواحهم عند موتهم، أو أمر محدد أو نزل الملائكة فعلاً، كما حدث في غزوة بدر لتقاتل مع المؤمنين.

стр. 2532

﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾: فإذا أنزلنا الملائكة؛ ما كانوا: لن يكون عندهم زمن للانتظار بعد نزول الملائكة بالعذاب، أو لقبض أرواحهم. ﴿إِذًا﴾: جواب، وجزاء للتوكيد. ﴿مُنْظَرِينَ﴾: من الإنظار؛ الإمهال، أو ممهلين؛ أي: حين نزول الملائكة بالعذاب لن يكونوا منظرين مؤخرين؛ لكي ينجو، أو يؤمنوا. سورة الحجر [١٥: ٩] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: ﴿إِنَّا﴾: إنّ: للتوكيد، ونا: للتعظيم. ﴿نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾: للتوكيد أنّ المنزل هو الله وحده. ﴿الذِّكْرَ﴾: القرآن. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة، والآية (١) من سورة (ص)؛ للبيان. رداً على قولهم: يا أيها الّذي نزل عليه الذّكر إنك لمجنون. ﴿وَإِنَّا لَهُ﴾: للتكرار، والتّوكيد. له: الهاء: تعود على الذّكر. ﴿لَحَافِظُونَ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ حافظون: من التّبديل، والتّغيير، والزّيادة، والنّقص، والتّحريف؛ بخلاف الكتب السّماوية السّابقة؛ فإنّه سبحانه لم يتولى حفظها، وإنما استحفظ الرّبانيين، والأحبار فما رعوها حق رعايتها؛ حافظون: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، وحافظون: جملة اسمية تفيد الثّبات، والاستمرار. بينما أوكل الله حفظ الكتب الأخرى كالتوراة والإنجيل إلى الأحبار والرهبان كما قال تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، فلم يحفظوها كما عهد الله إليهم مما أدى إلى ضياع بعضها وإلى تغير وتبديل بعضها.

стр. 2533

سورة الحجر [١٥: ١٠] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِى شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد. ﴿أَرْسَلْنَا﴾: ولم يقل: بعثنا. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ لمعرفة الفرق. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: من: ابتدائية؛ أي: رسلاً تضم الرّسل والأنبياء؛ من: تدل على قرب الزمان؛ أي: ليس منذ زمنٍ بعيد. ﴿فِى شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾: شيع: مشتقة من الشياع، وهي قطع الحطب الدقيقة الّتي تضاف إلى النار؛ لتزداد اشتعالاً؛ جمع شيعة: وهي الجماعة الّتي تجمعها عقيدة واحدة، أو مذهب. وشيع: تعني أيضاً: الفرق، وتعني: الجماعة الّتي تميل إلى رجل لمحبتهم إياه. سورة الحجر [١٥: ١١] ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم﴾: الواو: استئنافية؛ ما: النّافية. ﴿يَأْتِيهِم﴾: بصيغة المضارع بدلاً من أتاهم في الماضي؛ للدلالة على حكاية الحال. ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾: من: استغراقية؛ أي: رسول، وكل رسول هو نبي، وليس كل نبي رسول. ارجع إلى سورة النساء آية (١٦٤) لمزيد من البيان، والفرق بين الرسول والنبي. ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: إلا: أداة حصر. ﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾: من الاستهزاء، ويعني: تحقير المستهزئ به، والاستخفاف به، والتصغير من شأنه. ويستهزؤون: بصيغة المضارع التي تعني: الاستمرار في الاستهزاء، ولحكاية الحال.

стр. 2534

ولو قارنا هذه الآية مع الآية (٦) من سورة الزّخرف: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَّبِىٍّ فِى الْأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِم مِنْ نَّبِىٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾، كم هنا: خبرية؛ تفيد التّكثير؛ لأنّ الأنبياء عددهم أكثر بكثير من الرّسل. سورة الحجر [١٥: ١٢] ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾: ﴿كَذَلِكَ﴾: تعني: مثل ذلك؛ أي: كما سلكنا: أدخلنا الكفر، والتّكذيب، والاستهزاء في قلوب شيع الأولين من الأمم السابقة؛ كذلك ندخله في قلوب المجرمين من مشركي مكة، وغيرهم من المكذبين. ﴿نَسْلُكُهُ﴾: ندخله، والسّلك: أعم من الإدخال، والإدخال: حالة خاصة من السّلك؛ فالسّلك: يضم الإدخال، وغير الإدخال، ويعني: إدخال الشّيء في شيء آخر بسهولة بعكس الدّخول الّذي يعني: أكثر صعوبة، ومشقة، والهاء في نسلكه: تعود إلى الكفر، أو الشّرك، أو التّكذيب، أو الاستهزاء، وقد تعود إلى الذّكر؛ أي: القرآن، وقد تشمل الكل. ﴿فِى قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾: جمع مجرم، ولبيان معنى المجرمين ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١). سورة الحجر [١٥: ١٣] ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾: ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: لا يصدقون به، والهاء: تعود على الذّكر، أو الرّسول، أو العذاب، أو الكل. ﴿وَقَدْ خَلَتْ﴾: وقد: الواو: استئنافية؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد. ﴿خَلَتْ﴾: مضت، وسبقت.

стр. 2535

﴿سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾: السّنة: الطّريقة الّتي يصرِّف الله سبحانه بها كونه بما يحقق مصلحة الكون، والإنسان؛ أي: قوانين خلقه، وكونه. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: الّذين جاءوا قبلكم من الأمم كيف فعلنا بهم، أو أهلكناهم بسبب تكذيبهم لرسلهم. ارجع إلى سورة الفتح، آية (٢٣)، وسورة آل عمران، آية (١٣٧) وسورة النساء آية (٢٦)؛ لبيان معنى: السُنة. سورة الحجر [١٥: ١٤] ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: استئنافية؛ لو: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: هذه الآية من آيات الإعجاز العلمي في القرآن؛ فقد أثبتت الحقائق العلمية الحديثة: أن المركبات الفضائية إذا أرادت أن تخرج من الغلاف الجوي المحيط بالأرض لا تستطيع أن تخرج إلى حيز، أو مدار آخر، أو فلك آخر إلا من أماكن محددة تسمى: منافذ الغلاف الجوي (تسمى باباً)؛ فمن هذه الآية نستنتج: أنّ هناك أبواب للسماء إذا أرادت المركبات الفضائية الخروج إلى مدارات أخرى لا بد أن تخرج منها؛ كي تخرج بسلامة، أمّا إذا حاولت الخروج من غير هذه المنافذ، أو الأبواب تنفجر، وتتحطم على الفور؛ فالسّماء؛ أي: السّموات بناء محكم شديد الترابط بقوى كثيرة، وليست السّماء فراغاً كما كان يظن النّاس؛ فليس هناك فراغاً أبداً، إنما الكون مليء بالمادة، والغازات، والطاقة. والسّماء تعريفها: هو كل ما علاك، وتشمل السّموات السّبع، وما بينهن. ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِم﴾: ولم يقل فتحنا لهم؛ لأنّ على: تعني العلو، والاستعلاء، والمشقة؛ لأنّ الخروج من هذه الأبواب ليس سهلاً، وثانياً هم سوف يعرجون، أو يصعدون من أسفل إلى أعلى فالباب سيفتح لهم من أعلاهم، أو أنزلنا عليهم سُلماً يصعدون به إلى أعلى.

стр. 2536

﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾: فظلوا: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ ظلوا: من ظل؛ وظل: تستعمل خاصة للعمل في النّهار، وأمسى: تستعمل خاصة للعمل بالليل، وكان: تستعمل لمطلق الزّمان؛ فظل تعني: في ضوء النّهار؛ أي: ظلوا يصعدون في ضوء النّهار. ﴿فِيهِ﴾: ظرف زماني، ومكاني، والهاء: تعود على الباب؛ أي: فظلوا يعرجون نهاراً حتى يصلوا إلى الطبقة المظلمة المحيطة بالكون، وعندها لا يرون إلا الظلام. ﴿يَعْرُجُونَ﴾: تحمل معنى أول، وهو الصّعود، ومعنى ثان الحركة بشكل مائل إذن يعرجون تعني الصّعود مع الميلان بشكل مائل؛ أي: بخط منحني غير مستقيم؛ لأنّ السّماء الدّنيا مليئة بالأجرام، وهذه الأجرام تختلف في كتلها، وسرعة دورانها، وقوى التّجاذب، وقوى الطرد المركزي. ﴿يَعْرُجُونَ﴾: مشتقة من العرج، وهو الميل بالحركة؛ أي: يصعدون بشكل مائل، أو منحي، ولو كان الصّعود في الليل لقال الحق فباتوا فيه يعرجون بدلاً من كلمة فظلوا. فسوف يرون ظلاماً يسيطر على الكون، والأرض؛ أي: محيطاً بالأرض، ويرون الشّمس، والنّجوم بقاع، أو نقاط باهتة لا تعطي نوراً. فمن أين جاء الظّلام، وهذه هي حقيقة علمية في علم الفلك، والفضاء أننا لو تجاوزنا الغلاف الجوي سنرى ظلاماً قد أطبق على الكرة الأرضية؛ أي: ما حول الأرض غلاف مظلم، وطبقة النّهار، أو الطبقة المضيئة طبقة لا يزيد سمكها عن (٢٠٠ كم)، ومعظم أشعة الشّمس لا تصل إلينا إنما فقط تصل إلينا حزمة من أشعة الشّمس تسمّى حزمة الضوء المرئي المكونة من ألوان الأطياف السبعة الّتي حين تختلط بالطبقة الغازية المضيئة حول الأرض، وتعطينا هذا الضوء الأبيض.

стр. 2537

للتفريق بين الصّعود، والعروج، والرّقي. ارجع إلى الآية (٩٣) من سورة الإسراء. سورة الحجر [١٥: ١٥] ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا﴾: لقالوا: اللام: للتوكيد، والتّعليل؛ قالوا: الّذين يعرجون في السّماء؛ أي: رواد الفضاء. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد. ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾: من سِكْر الباب؛ أي: أغلقه، أو مشتقة من السُّكر الّذي يلي شرب الخمر؛ أي: غُطيت، وغُشيت أبصارنا؛ أي: اعتراها خلل في إحساسها، كما يعتري عقل السّكران بعد شرب الخمر؛ فيختل إدراكه. أو سدت أبصارنا، ومنعت عن الرّؤيا، وما نرى إلا ظلاماً، أو تخيلاً، وأوهاماً. ﴿بَلْ﴾: بل: للإضراب الانتقالي. ﴿نَحْنُ﴾: للتوكيد. عدلوا عن كلمة عقولهم إلى أبصارهم؛ أي: مسحورين في الأبصار. ﴿قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾: جمع مسحور؛ اسم مفعول من سحر؛ هي جملة اسمية تفيد الثّبوت؛ أي: هم لن يصدقوا، ويؤمنوا بهذه الحقائق الثّابتة الكونية الّتي هي عين اليقين الّتي لو رأوها بأعينهم لقالوا هذا سحر، وأوهام؛ لشدة عدم تصديقهم وتكذيبهم، ولمعرفة معنى السحر؛ ارجع إلى سورة طه، آية (٨).

стр. 2538

سورة الحجر [١٥: ١٦] ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ لقد: اللام: لام التّوكيد؛ قد: للتحقيق. ﴿جَعَلْنَا﴾: صير، والجعل يكون بعد الخلق. ﴿فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾: وهي منازل للشمس، والقمر، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]؛ أي: كلما تحركت الشمس في السّماء؛ تنتقل من برج إلى آخر. والبروج: هي تجمعات نجمية يراها أهل الأرض في أشكال هندسية معينة يسميها النّاس تسميات مختلفة؛ مثل: برج الحمل، والثور، والسرطان، والأسد، وبرج العقرب، أو الميزان، وهي في الحقيقة ليست كما يصفها النّاس، وهذه البروج عددها (٨٨ برجاً)، (١٢) برج تقع الشمس في كل واحد منها في كل شهر؛ فيستطيع الإنسان أن يحدد الشّهر عن طريق البرج الّذي تقع فيه الشمس، وكذلك تلعب هذه الأبراج (التجمعات النجمية) دوراً في تحديد جهة الشرق، وبقية الاتجاهات، وكذلك باقي الأبراج يلعب دوراً في زينة السّماء، وكما قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾: أي: السّماء. وسميت هذه البروج: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. والقمر: ينتقل في السّماء من منزل إلى آخر: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]. ارجع إلى سورة يس؛ لمزيد من البيان.

стр. 2539

﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾: أي: السّماء زيناها بالنجوم، والكواكب، والشموس، والأبراج، والمنازل. ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ النّاظرين: جمع ناظر: بالعين المجردة، أو بواسطة تلسكوب. سورة الحجر [١٥: ١٧] ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾: ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾: بالشّهب. أي: ومنعنا كل شيطان رجيم من الاقتراب من السّماء، واستراق السّمع. ﴿مِنْ كُلِّ﴾: من: استغراقية تستغرق كل شيطان. ﴿شَيْطَانٍ﴾: وكلمة شيطان مشتقة من شطن: بُعد عن الحق، وتمادي في الشّر، أو شاط احترق، أو الشّاطن الخبيث. ﴿رَجِيمٍ﴾: تعني: ١ - مرجوم بالشّهب. ٢ - مطرود من رحمة الله، أو مُبعد. ٣ - ملعون. سورة الحجر [١٥: ١٨] ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾: ﴿إِلَّا مَنِ﴾: إلا: أداة استثناء. من: ابتدائية. ﴿اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾: استمع في خُفية؛ كي يسرق الكلام المسموع بالتّنصت إلى الملائكة؛ سرقة مقرونة بخوف، وخفاء، وعدم استقرار لا يسمح بحسن الاستماع والفهم. ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾: فأتبعه: الفاء: للترتيب، والمباشرة مما يدل على إحكام السماء من اطلاع الشيطان على ما لم يرد الله اطلاعهم أو استماعهم إليه.

стр. 2540

﴿شِهَابٌ﴾: النجوم عندما تنفجر تتحول إلى نيازك تتفجر وتتحول إلى قطع عالية الكثافة؛ تنزل على الأرض بشكل قطع من الصخر؛ كالحديد، وبعضها عندما تنزل وتحتك بالغلاف الغازي للأرض تحترق احتراقاً كاملاً مشكلةً الشهب؛ فالشهب: أصلها نيازك صغيرة الحجم؛ فهذه الشهب جعلها ربنا رجوماً للشياطين، وإذا سقطت على الأرض تسقط بشكل رماد، وربنا سبحانه حرمَ على الشياطين القيام باستراق السمع بعد بعثة الرسول محمّد ﷺ . ما هو الفرق بين الشهاب المبين والشهاب الثاقب؟ الشهاب الثاقب: أشد، وأقوى من الشهاب المبين؛ لكونه يخترق الكثير من الأجسام. لننظر إلى كلمة شهاب في القرآن الكريم؛ فقد وردت في عدة آيات: في سورة الحجر هذه آية (١٨): ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾. في سورة النمل، آية (٧): ﴿سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾؛ أي: شعلة من النّار ملتهبة. في سورة الصّافات، آية (١٠): ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾؛ أي: ألسنة من النّار تنطلق من النّجم لتحرق الشيطان المارد. في سورة الجن، آية (٩): ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾. سورة الحجر [١٥: ١٩] ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ﴾: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: أي: مددنا قشرة الأرض؛ فالأرض بدأت من جزيرة بركانية ظهرت في وسط كل محيط، ثمّ استمرت ثورة البراكين، وظلت الأرض تتمدد حول هذه الجزيرة الّتي سميت الحافة وسط المحيط حتى شكلت القارة الأم الّتي تشققت بشبكة من الصدوع إلى سبع قارات، ثمّ تباعدت هذه القارات حتى أصبحت كما نراها اليوم.

стр. 2541

﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ﴾: رواسي: هي الجبال، وتتشكل حين تصطدم الألواح القارية تحت المحيطات بعضها ببعض؛ فحين ينزل لوح تحت لوح آخر تكشط كل الصخور الرسوبية عن السطح النازل، وتلقى على السطح الآخر، وعندما ينزل اللوح إلى درجات أعمق ذات درجات حرارة شديدة تنفجر البراكين، وتلقي البراكين بالحمم في الفضاء، ثمّ تنزل على الأرض لتشكل الجبال، أو تلقى على الأرض، ثمّ تنزل الجبال إلى قشرة الأرض، وحينما تصل إلى مناطق الضعف الأرضي تنزاح بعض الصخور المنصهرة، وتدفع إلى أعلى، وهذه تكون قلب الجبل، وهذه الجبال ساعدت على إبطاء حركة الأرض لكي تستطيع هذه الكائنات الحية مثل الإنسان، والحيوان، والنبات العيش عليها. ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ﴾: من: استغراقية تفيد التّوكيد، وتشمل كل نبات (يشمل الزروع والثمار). ﴿كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ﴾: معلوم الوزن، والقدر عند الله سبحانه، ومنها العناصر اللازمة لاستمرار حياته. سورة الحجر [١٥: ٢٠] ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ﴾: هيأنا، وأعددنا لكم في الأرض. ﴿مَعَايِشَ﴾: جمع معيشة: وهو ما يعيش عليه الإنسان من الطّعام، والشّراب، واللباس، والسكن. ﴿وَمَنْ لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾: من العيال، والخدم، والأنعام، والدّواب؛ أي: الله يرزقهم، ويرزقكم؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠]؛ حتى لا تظنوا أنكم أنتم الرّزاقون لهم خطئاً.

стр. 2542

سورة الحجر [١٥: ٢١] ﴿وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية؛ إن: نافية؛ أي: وما من شيء إلا عندنا خزائنه. ومن استغراقية تشمل كل شيء، وتفيد التّوكيد. ﴿إِلَّا﴾: تفيد الحصر. ﴿عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾: خزائن: جمع خزينة: لغة تعني المكان المخصص لحفظ الأشياء الثمينة؛ مثل: الأموال، والذهب، والفضة، والمعادن الثمينة هذا هو التفسير القديم، واصطلاحاً تعني: مقدورات الله تعالى التي تنفع الناس من رزق وخيرات ونعيم وكل ما يحتاجه الخلق في الحياة؛ وأما التفسير العلمي للخزائن، وهي: النجوم الّتي هي عبارة عن أفران نووية هائلة يخلق فيها ربنا كل ما تحتاجه هذه الحياة من عناصر، ومركبات؛ مثل: الحديد، والذهب، والفضة، والنحاس، والألماس … وغيرها؛ كلها تكونت من غاز الهيدروجين، أو الهليوم؛ فهناك أكثر من (١٠٠) عنصر خلقها الله سبحانه من غاز الهيدروجين؛ فكل ما تحتاجه الأرض يخلق في السّماء أصلاً، وعندما تتفجر هذه النجوم على شكل نيازك تنزل على الأرض، وغالباً ما تنزل في البحار، أو الأماكن غير المسكونة رحمة بالعباد. ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾: ما: نافية؛ ننزله إلا بقدر معلوم حسب المصلحة، والحكمة؛ أي: ننزل هذه المعادن. ﴿إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾: حصراً بقدر موزون، ومحدد الكمية، والحجم، والمصلحة، والفائدة.

стр. 2543

سورة الحجر [١٥: ٢٢] ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾: الرّياح في القرآن تستعمل في سياق الرّحمة، والرّيح تستعمل في سياق العذاب، والدّمار. ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾: لواقح: جمع لاقحة مشتقة من اللاقح الّذي يلقح الغير ليصير فيه جنين فالنّباتات تتكاثر، ولا بد من حمل عامل الذّكورة للوصول إلى عامل الأنوثة. والأهم من ذلك: أن الآية تتحدث عن تلقيح السحب، فأشعة الشمس تبخر الماء من البحار، والمحيطات، والأودية، والبحيرات، نتح أو تنفس النباتات، وتنفس الإنسان، والحيوان، فالرياح تحمل بخار الماء بشكل سحب، والسحب هذه لا تمطر؛ لأن ذرات بخار الماء خفيفة؛ فيرسل الله سبحانه إليها رياح أخرى محملة بهباءات الغبار، فتلقح السحب الحاملة لبخار الماء، وتصبح ذرات بخار الماء كثيفة حول هباءات الغبار، وحين تصل إلى كثافة معينة تنزل بشكل المطر المبارك. ﴿فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: الآية تتحدث عن دورة الماء حول الأرض. ارجع إلى سورة المؤمنون، آية (١٨)، وسورة يس، آية (٣٣)؛ للبيان. ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾: أي: أعددناه لسقياكم إن أردتم السّقيا، أو معداً للشراب. ﴿وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾: ما: النّافية. ﴿أَنتُمْ﴾: للتوكيد؛ قادرون على خزنه. ﴿بِخَازِنِينَ﴾: الباء: للإلصاق، والمصاحبة؛ فالله سبحانه يخزن لنا الماء النّازل من السّماء، والفائض عن الحاجة في جوف الأرض، والجبال عن طريق الصخور المسامية؛ كي يتيح لنا إخراجه حين الحاجة، أو يسيل بقدر الحاجة، وعلم الإنسان بناء السدود؛ ليخزن الفائض من الماء لحين الحاجة؛ فهناك مساحات كبيرة من القشرة الأرضية ليس فيها أنهار، ولا بحيرات، وفر الله

стр. 2544

سبحانه الماء لأهلها عن طريق الصخور المسامية، وذات النفوذ القادرة على خزن الماء؛ مثل: الصخور الرملية والّتي تسمح للماء، والغاز بالتحرك، أو الخزن لمئات، وآلاف السنين، والإنسان ليس له دور في خزن هذا الماء، ولا يحفظ هذا المخزون إلا الله سبحانه. ارجع إلى سورة المؤمنون، آية (١٨)؛ لمزيد من البيان. سورة الحجر [١٥: ٢٣] ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾: ﴿وَإِنَّا﴾: للتعظيم. ﴿لَنَحْنُ﴾: اللام: للتوكيد؛ نحن: لتعظيم مرة أخرى. ﴿نُحْىِ وَنُمِيتُ﴾: أي: كل الذّوات فانية، وزائلة؛ إلا ذاته -جل وعلا-؛ فهو وحده الّذي يحيي ويميت. ﴿وَنَحْنُ﴾: التّكرار، ويفيد التّوكيد، وبصيغة التعظيم (الجمع). ﴿الْوَارِثُونَ﴾: الباقون بعد هلاك الخلق كله؛ فهو يرث الأرض، ومن عليها؛ كقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. سورة الحجر [١٥: ٢٤] ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَئْخِرِينَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: ارجع إلى الآية (١٧). ﴿عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾: المستقدمين: جمع مستقدم: اسم فاعل من استقدام السداسي. أي: أول الخلق (الأمم السّابقة) الّذين جاؤوا قبلكم؛ أي: ماتوا من ذرية آدم. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَئْخِرِينَ﴾: تكرار، ولقد: للتوكيد. ﴿الْمُسْتَئْخِرِينَ﴾: جمع مستأخر: اسم فاعل من استأخر.

стр. 2545

﴿الْمُسْتَئْخِرِينَ﴾: آخر الخلق، أو الذين لم يخلقوا بعد، وسيموتون فيما بعد، أو كل من سيأتي من بعدكم إلى يوم القيامة. سورة الحجر [١٥: ٢٥] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿وَإِنَّ﴾: الواو: عاطفة؛ إن: للتوكيد. ﴿رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾: ربك؛ أي: الخالق، والمدبر، والوالي. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾: بعد النشر، والحشر: هو السّوق، والجمع إلى أرض المحشر، يحشرهم في أرض المحشر للحساب، والجزاء. ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾: إنّه: للتوكيد. ﴿حَكِيمٌ﴾: أحكم الحاكمين، الحاكم، والمالك للسموات، والأرض، وما فيهن، أو أحكم الحكماء مشتقة من الحكمة في تدبير شؤون خلقه، وكونه. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان. ﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة مشتقة من كثرة العلم يعلم ما يعلمه خلقه من صغير وكبير، ويعلم شؤون خلقه، وكونه؛ فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة من السّموات، ولا في الأرض؛ عليم بظواهر، وبواطن الأمور؛ لا تخفى عليه خافية. سورة الحجر [١٥: ٢٦] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾: ﴿خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾: أي: آدم. لفهم هذه الآية: لا بد من معرفة، أو ذكر المراحل الّتي مر بها خلق آدم ﵇. التراب: المرحلة الأولى: من تراب. الطين اللازب: المرحلة الثّانية: تراب + ماء = طين، وسمّي طين لازب؛ لأنّه يلتصق باليد.

стр. 2546

الحمأ: المرحلة الثّالثة: ترك الطّين ليجف، ويصيبه العفن، والنّتن؛ فأصبح لونه أسود؛ أي: الحمأ: طين أسود رائحته منتنة. المسنون: المتروك سنين عدة؛ فسمّاه: الحمأ المسنون. الصلصال كالفخار: المرحلة الرّابعة: ترك الحمأ المسنون ليجف، ويتقدم به الزّمن، وييبس حتى يصبح له صوت إذا نقر عليه يشبه صوت الصّلصال الفخار. ففي هذه الآية ذكر المرحلة الثّالثة والمرحلة الرّابعة. وفي سورة الصّافات، آية (١١) ذكر المرحلة الثّانية الطّين اللازب، والمرحلة الأولى ذكرت في عدة سور منها: سورة الروم، آية (٢٠)، وسورة الحج، آية (٥)، وسورة فاطر، آية (١١). سورة الحجر [١٥: ٢٧] ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾: ﴿وَالْجَانَّ﴾: يقصد به إبليس، وذريته من قبل؛ أي: من قبل خلق آدم. ﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾: من: ابتدائية. ﴿نَارِ السَّمُومِ﴾: من اللهب الّذي لا دخان فيه؛ شديد الحرارة يشبه الرّيح الحارة الّتي تتخلل مسام الجلد، وتؤثر في الجلد تأثير السّم. وفي صحيح مسلم، وأحمد، عن عائشة قال ﷺ : «خُلقت الملائكة من نور، وخُلقت الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم». سورة الحجر [١٥: ٢٨] ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾: إذ: ظرف للزمان الماضي؛ أي: واذكر إذ قال ربك، أو حين قال ربك. ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أي: خاصة للملائكة.

стр. 2547

المكلفين بتدبير الخلق، ولا يعني الملائكة العالين (حملة العرش ومن حوله). ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿خَالِقٌ بَشَرًا﴾: يسمى الإنسان بشراً؛ مشتقة من كونه له بَشرة خاصة به؛ أعطته حسن الهيئة، أو تعني الظهور. سورة الحجر [١٥: ٢٩] ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُّوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾: ﴿فَإِذَا﴾: الفاء: للتوكيد؛ إذا شرطية تفيد الحتمية؛ حتمية الحدوث. ﴿سَوَّيْتُهُ﴾: من التّسوية: أتممت خلقه، والتّسوية؛ تعني: اخترت له الصفات الوراثية الخاصة به؛ بحيث لا يشبه مخلوقاً آخر من الخلق على الإطلاق. ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُّوحِى﴾: ولا تعني الرّوح أنّها جزء من الله، وإنما الرّوح خلق من خلق الله أضافها إلى ذاته تشريفاً، وتكريماً لها: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. وإسناد التسوية ونفخ الروح إليه سبحانه تشريفاً للإنسان، وتبيان لمنزلة وتكريمه من بين سائر المخلوقات. ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾: الفاء: للترتيب والمباشرة، قعوا: خروا له مباشرة وبسرعة وبدون تردد. ﴿لَهُ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر له فقط. ﴿سَاجِدِينَ﴾: قيل: سجود شكر، وليس سجود عبادة، وسجودهم لآدم بذاته؛ هو طاعة لله سبحانه الّذي أمر بذلك، وليس طاعة لآدم. سورة الحجر [١٥: ٣٠] ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾: الفاء: تدل على المباشرة، والتّرتيب.

стр. 2548

﴿الْمَلَائِكَةُ﴾: الموكلون ببني آدم؛ فسجدوا سجود تحية، واحترام، وليس سجود عبادة كما قلنا. ﴿كُلُّهُمْ﴾: للتوكيد (توكيد أول). ﴿أَجْمَعُونَ﴾: توكيد ثان، أو لزيادة التّوكيد، وتعني: لم يتأخر منهم أحداً (سجدوا معاً جميعاً) وفي آن واحد، ولم يتأخر أحد منهم. سورة الحجر [١٥: ٣١] ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء؛ استثناء منقطع؛ أي: المستثنى ليس بعضاً من المستثنى منه؛ لأنّ إبليس من الجن، والجن ليسوا من الملائكة. ﴿أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾: ورغم أنّ إبليس ليس من الملائكة، ولكن الأمر الإلهي كان يشمله، كما قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، ولكنه أبى: الإباء: شدة الامتناع، وقد يرافق ذلك كره. واسم إبليس مشتق من الإبلاس: وهو شدة اليأس. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٣٤)؛ للبيان. ﴿مَعَ السَّاجِدِينَ﴾: مع الملائكة الّذين سجدوا سجود تحية.

стр. 2549

سورة الحجر [١٥: ٣٢] ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾: ﴿قَالَ﴾: الله سبحانه: يا إبليس. ﴿مَا لَكَ﴾: ما: استفهام؛ للتوبيخ، اللام: لام الاختصاص. ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾: ألا: (أن + لا)؛ أن: حرف مصدري يفيد التّعليل، والتّوكيد؛ لا: النّافية. ﴿تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾: مع السّاجدين؛ أي: الملائكة؛ لأنّه كان في صحبتهم، ولم يقل من السّاجدين؛ من الملائكة؛ لأنّ إبليس لم يكن من الملائكة؛ كان من الجن. أي: هو لم يكن مع السّاجدين، ولا هو من السّاجدين؛ أي: ما عذرك، أو ما منعك كونك غير ساجد مع الملائكة؛ فهذه الآية تسئل إبليس ما الّذي منعه من السّجود. سورة الحجر [١٥: ٣٣] ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾: لم: حرف نفي. ﴿لِّأَسْجُدَ﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد؛ سجود التّحية. ﴿لِبَشَرٍ﴾: يعني: آدم، وكلمة بشر: مشتقة من البشارة. ارجع إلى الآية السّابقة (٣٣)، وتعني: حسن الهيئة؛ فالإنسان يمتاز بحسن الهيئة عن غيره من المخلوقات؛ اللام: لام الاختصاص.

стр. 2550

﴿خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾: خلقته: يعني: آدم. ارجع إلى الآية (٢٨)؛ بينما إبليس خلق من نار السّموم؛ فهذه الآية تدل على أنّ القوة المانعة الّتي منعته من السّجود هي صادرة عن نفسه، وإرادته، وهي التكبر، والاستعلاء، وليس قوة مانعة خارجية أكرهته على ذلك. سورة الحجر [١٥: ٣٤] ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾: ﴿قَالَ﴾: لإبليس: ﴿فَاخْرُجْ﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة. ﴿مِنْهَا﴾: من الجنة؛ جنة أرضية، وليست جنة الآخرة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٣٥) لمزيد من البيان. ﴿فَإِنَّكَ﴾: الفاء: تعليلية، وتوكيد؛ إنك: إن: للتوكيد. ﴿رَجِيمٌ﴾: تعني: من المبعدين، والمطرودين من رحمة الله، أو الرجيم: الملعون من الملعونين، أو المرجوم بالكواكب، والشّهب الثّاقبة. سورة الحجر [١٥: ٣٥] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾: إن: للتوكيد. ﴿عَلَيْكَ﴾: على: تفيد الاستعلاء، والمشقة. ﴿اللَّعْنَةَ﴾: الطّرد من رحمة الله سبحانه، والبعد عنه. ﴿إِلَى﴾: حرف غاية عموم الغايات. ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾: يوم الجزاء، والحساب؛ أي: يوم القيامة.

стр. 2551

سورة الحجر [١٥: ٣٦] ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: ﴿قَالَ﴾: إبليس. ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِى﴾: فأنظرني: أخرني، أو أمهلني، والفاء: للتوكيد. ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: إلى: حرف غاية لعموم الغايات؛ بينما حتى: نهاية الغاية. ﴿يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: أي: إلى يوم البعث؛ فهو يريد أن ينجوا من النفخة الأولى؛ أي: أن لا يموت، ويصعق الّذي يتم أو يحدث حين النّفخة الأولى (نفخة الموت والصّعق). سورة الحجر [١٥: ٣٧] ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾: ﴿فَإِنَّكَ﴾: الفاء: للمباشرة؛ إنك: إن: للتوكيد. ﴿مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾: الممهلين، أو المؤخرين إلى يوم الوقت المعلوم. سورة الحجر [١٥: ٣٨] ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾: ﴿يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾: أي: إلى وقت النّفخة الأولى؛ نفخة الموت، والصّعق؛ حيث تموت كل الخلائق؛ المعلوم عند الله وحده متى سيكون، أو يحدث. سورة الحجر [١٥: ٣٩] ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: ﴿قَالَ رَبِّ﴾: إقرار بالرّبوبية لله. قال إبليس رب بما: الباء: السّببية، أو التّعليلية. ﴿أَغْوَيْتَنِى﴾: من الغي، والغي هنا قد يعني: إما الخيبة في الطّلب. بما أنّ الله سبحانه لم يستجب لطلب إبليس بأن يكون من المنظرين، أو

стр. 2552

أغويتني أضللتني؛ أي: طردتني من رحمتك، أو أبعدتني عن رحمتك، أو بما أغويتني بالطّلب للسجود لآدم. والله سبحانه لم يغويه، ولكن أعطاه الخيار؛ إما أن يعصي أمر الله، أو يطيعه بالسّجود لآدم. ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾: لأزينن: اللام: لام التّوكيد، والنّون: لزيادة التّوكيد. التّزيين: يكون في المعاصي، وتزيين الحياة الدّنيا، والانشغال بها عن الآخرة، وطاعة الله، وفي المحرمات يزين لهم المنكر، أو الباطل، أو الحرام، والزنى، والفاحشة، والشّرك، والتّزين؛ يكون في غير الضّروريات؛ لأنّ كل الضّروريات لم يحرمها الله سبحانه. ﴿فِى الْأَرْضِ﴾: في: ظرفية مكانية، وزمانية، والسؤال هنا: كيف علم إبليس أن آدم سيخرج من الجنة ويهبط إلى الأرض وآدم ما زال في الجنة وذلك لقول الله تعالى: ﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]؟ ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾: اللام، والنّون في أغوينهم؛ للتوكيد، والإغواء: الإضلال. وهناك فرق بين الضّلال، والإغواء: الضّلال: أعم من الإغواء، ويكون في الدّين، وغيره. أمّا الإغواء: يكون فقط في الدّين، والإغواء؛ يعني: الإفساد، والخيبة في المطلب. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: للتوكيد. ارجع إلى الآية (٤٢) من نفس السّورة؛ لمعرفة معنى الغاوي بالتفصيل.

стр. 2553

سورة الحجر [١٥: ٤٠] ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾: انتبه إلى الفرق بين المخلَصين في هذه الآية، والمخلِصين بكسر اللام: المخلِصين: بكسر اللام: الّذي يُخلِص نفسه، وطاعته لله، ويجاهد ليكسب ثواب الله؛ مثال: المتقين، والمحسنين. المخلَصين: أعظم درجة من المخلِصين؛ من أخلَصهم الله سبحانه بعد أن أخلصوا له. ﴿مِنْهُمُ﴾: من: هنا ابتدائية؛ أو: البعضية. سورة الحجر [١٥: ٤١] ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ﴾: ﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة للقرب، أو يشير إلى تخليص الله عباده المخلصين من إبليس، وأعوانه من الإغواء، والتّزيين، والإضلال. ﴿صِرَاطٌ عَلَىَّ﴾: هذا حق علي؛ أي: تخليص المخلصين من إبليس وأعوانه. على: تفيد الاستعلاء، والمشقة. أو تعني: الإخلاص طريق عليَّ مستقيم بدل إليَ بـ (عليَّ)؛ لأنّه طريق صعب وشاق سلوكه، والقيام به، وتجنب الرّياء. أو هذا صراط علي مستقيم، وعيد من الله سبحانه؛ أي: حسابك يا إبليس عليَّ، أو وعد من الله سبحانه لعباده المخلِصين بعدم قدرة إبليس على إغوائهم. ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾: ثابت لا يتغير؛ لا عوج فيه، ولا انحراف.

стр. 2554

وقد يكون هذا رد على قول إبليس في سورة الأعراف، آية (١٦ - ١٧) حين قال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. وهناك من قرأ عليَّ: علِي بكسر اللام، ورفع الياء، وتنوينها؛ أي: هذا صراط عليَّ؛ أي: رفيع عالٍ مستقيم. سورة الحجر [١٥: ٤٢] ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾: ﴿إِنَّ عِبَادِى﴾: إن: للتوكيد. ﴿عِبَادِى﴾: إضافة ياء المتكلم يدل على أنّهم أعلى، وأشرف من العبيد؛ فهم الّذين اختاروا أن يكونوا عباد الله؛ فإضافتهم إلى الله تدل على التّشريف، والمدح. ﴿لَيْسَ لَكَ﴾: ليس: للنفي. ﴿لَكَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والملكية. ﴿عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾: لا سلطان القهر، أو الغلبة، ولا سلطان الحجة، والبرهان. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مَنِ﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي؛ من: ابتدائية. ﴿اتَّبَعَكَ﴾: استجاب لك، واتبع خطواتك. ﴿الْغَاوِينَ﴾: جمع غاو، والسؤال هنا: إذا كان من الغاوين فليس لسلطان الشيطان عليه فائدة، فالغاوين تعني: من يريد الضلال والغواية، واتباع الشيطان، وتعريف الغاوي:

стр. 2555

١ - عالم بالحق، وعادل عنه، أو مائل عنه إلى الباطل، أو الغاوي هو: ٢ - الضال عن طريق الحق، والخير. ٣ - التائه عن الصّراط المستقيم، والإيمان، والدّين. ٤ - غير راشد. ٥ - الجاهل، والّذي يتمنى الأماني الكاذبة. ٦ - الخائب من خاب، ولم يتحقق مطلبه، أو لم يصب الحقيقة. وقيل الغي: ١ - العدول عن الحق بعد معرفته. ٢ - أصل الغي الفساد في المذهب، والعقيدة. ٣ - فساد الرّأي، وتعاطي الباطل من قول، وفعل. ٤ - ضد الرّشد. سورة الحجر [١٥: ٤٣] ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿جَهَنَّمَ﴾: اسم جنس مشتقة من الجهمومة الشّيء المخيف المركب الكريه المنظر، أو بعيدة القعر، وهي أول دركة من دركات النّار. ﴿لَمَوْعِدُهُمْ﴾: اللام: للتوكيد؛ الضّمير هم: يعود على الكافرين. موعدهم: الموعد يعني: الزّمان، والمكان. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: للتوكيد؛ الكل بدون تغيب أحد.

стр. 2556

سورة الحجر [١٥: ٤٤] ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾: قيل: لها سبعة أبواب. وكما أنّ للجنة ثمانية أبواب. قيل: للنار سبعة أبواب، وقيل: دركات؛ هي: جهنم، ولظى، والحطمة، وسقر، والسّعير، والهاوية، والجحيم. ﴿لِكُلِّ بَابٍ﴾: أو دركة. ﴿جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾: جماعة معينة، أو زمرة تدخل منه؛ لأنّ مراتب الكفر، والشّرك، والمعاصي مختلفة؛ مثال: الدّرك الأسفل من النّار للمنافقين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. سورة الحجر [١٥: ٤٥] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: جمع متقي: وهو من أطاع أوامر الله سبحانه، وتجنب نواهيه. ﴿فِى﴾: ظرف مكان. ﴿جَنَّاتٍ﴾: جمع جنة؛ مثل: جنات النّعيم، وعدن، والفردوس، والمأوى، ودار السّلام. ﴿وَعُيُونٍ﴾: جمع عين؛ أي: عين الماء، وذكرت (٩) مرات في القرآن. والفرق بين أعين، وعيون: أعين: جمع عين، وهي العين الّتي نُبصر بها. أمّا العيون: جمع عين؛ تعني: عين الماء الّتي نشرب منها.

стр. 2557

سورة الحجر [١٥: ٤٦] ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾: ﴿ادْخُلُوهَا﴾: يقال للمتقين: ادخلوا الجنة. ﴿بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾: بسلام: الباء: للإلصاق؛ بسلام من الملائكة، وبسلام من ربكم، وبسلام بعضكم لبعض؛ سلام آمنين من الأمراض، والآفات؛ آمنين من الخوف، والفزع، والجوع، والفقر، والموت؛ سلام أمن وطمأنينة من كل مكروه، وضرر. سورة الحجر [١٥: ٤٧] ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِمْ مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾: ﴿وَنَزَعْنَا﴾: من النّزع: وهو الاقتلاع بشدة: ونزعنا تدل على تغلغل وتحكم الغل مثل الحسد، والعداوة، وغيرها في قلوبهم بشكل عميق، وإن قلعها يحتاج إلى قوة وشدة حتى لا يبقى لها أي: أثر. ﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، ما: أوسع شمولاً وعموماً من الّذي. ﴿فِى﴾: ظرف مكاني؛ صدورهم. ﴿مِّنْ غِلٍّ﴾: من: استغراقية؛ غل: غل: نكرة تشمل كل أنواع الغل؛ مثل: الحسد، والعداوة، والغش، والخداع، والغيبة، والنّميمة، وألقى في صدورهم بعد النزع المحبة، والمودة، والصّفاء. ﴿إِخْوَانًا﴾: جمع أخ؛ إخواناً: تجمعهم أخوة الدّين، والإسلام، والّتي هي أهم من أخوة الدّم، والنّسب. ارجع إلى سورة الحجرات، آية (١٠). ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾: السّرير: اسم لما يجلس عليه، ولا يرى بعضهم ظهر بعض تدور بهم الأسرة.

стр. 2558

سورة الحجر [١٥: ٤٨] ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾: ﴿لَا﴾: لا: النّافية. ﴿يَمَسُّهُمْ﴾: من المس: وهو اللّمس الخفيف؛ أي: لا يصبهم في الجنة أدنى درجات التّعب، أو اللغوب. ﴿نَصَبٌ﴾: التّعب الجسماني، والّذي يحصل بعد العمل لعدة ساعات، واللغوب: الإعياء، أو التّعب النّفسي، أو هو الفتور النّاتج عن النّصب. ﴿وَمَا هُمْ﴾: ما: للنفي؛ هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿بِمُخْرَجِينَ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ مخرجين: من الجنة. أي: لن يصيبهم مثل ما أصاب أبوهم آدم حين أخرج من الجنة، وما هم بمخرجين: توكيد للوعد؛ لتطمئن قلوبهم؛ لأن أدخلوها بسلام آمنين تكفي. سورة الحجر [١٥: ٤٩] ﴿نَبِّئْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: بعد ذكر الوعد، والوعيد، وإنّ جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب؛ إن المتقين في جنات وعيون يتبعه بقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِى﴾: الخطاب موجه إلى رسول الله ﷺ ، والإنباء: هو الإخبار بأمر مهم، وعظيم، هو أنّ الله هو الغفور الرّحيم؛ أي أخبر عبادي بهذا الخبر العظيم، وهو أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم. ﴿أَنِّى﴾: أن: حرف توكيد. ﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل يفيد التّوكيد؛ وتوكيد القصر على أنّه هو الغفور الرّحيم.

стр. 2559

﴿الْغَفُورُ﴾: صيغة مبالغة من غافر كثير الغفران لعباده مهما كثرت، وعظمت ذنوبهم، ومهما تعددت وتكررت. ﴿الرَّحِيمُ﴾: الرّحيم: صيغة مبالغة من الرّحمة؛ كثير الرّحمة لعباده المؤمنين. سورة الحجر [١٥: ٥٠] ﴿وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾: ﴿وَأَنَّ عَذَابِى﴾: هو العذاب الأليم، ونبئهم أيضاً: أنّ عذابي: ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل يفيد التّوكيد، على أنّ عذابه هو العذاب الأليم الّذي لا يقارن بعذاب آخر. وهاتين الآيتين تجمعان مقامي الرّجاء، والخوف، وعلى المؤمن أن يجمع بينهما في عبادته. سورة الحجر [١٥: ٥١] ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾: وأخبرهم بالخبر الهام عن ضيف إبراهيم؛ ففي قصتهم مثالاً للبشارة، والإنذار، ومثال على عذاب الله سبحانه الأليم الّذي حل بقوم لوط. ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾: ضيف: تطلق على المفرد، والمثنى، والجمع، وقيل: كانوا ثلاثة من الملائكة، ومنهم: جبريل ﵇.

стр. 2560

سورة الحجر [١٥: ٥٢] ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي، وتعني: واذكر إذ دخلوا على إبراهيم ﵇ فجأة، أو حين دخلوا عليه، وألقوا ﵇. ﴿فَقَالُوا﴾: أي: الملائكة؛ الفاء: للترتيب، والمباشرة. ﴿سَلَامًا﴾: جاءت بالنّصب؛ أي: نُسلم سلاماً. ﴿قَالَ﴾: إبراهيم. ﴿إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾: في هذه الآية لم يذكر : أنّ إبراهيم رد ﵈، ولكنه في آيات أخرى في سورة الذّاريات، آية (٢٥): ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾. وفي سورة هود، آية (٦٩): ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾. وإذا نظرنا إلى سلام الملائكة، وكيفية رد إبراهيم ﵇ على سلامهم نجد أنّ سلام الملائكة جاء بصيغة الجملة الفعلية (سلاماً) الّتي تدل على التّجدد، والتّكرار بينما رد إبراهيم ﵇ جاء بصيغة الجملة الاسمية (سلام)، ونحن نعلم من قواعد اللغة العربية: أنّ الجملة الاسمية أقوى، وأثبت من الجملة الفعلية، وهذا يتناسب مع قول الحق سبحانه.
следующие страницы →