← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

سورة الحجر [١٥: ٤٤] ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾: قيل: لها سبعة أبواب. وكما أنّ للجنة ثمانية أبواب. قيل: للنار سبعة أبواب، وقيل: دركات؛ هي: جهنم، ولظى، والحطمة، وسقر، والسّعير، والهاوية، والجحيم. ﴿لِكُلِّ بَابٍ﴾: أو دركة. ﴿جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾: جماعة معينة، أو زمرة تدخل منه؛ لأنّ مراتب الكفر، والشّرك، والمعاصي مختلفة؛ مثال: الدّرك الأسفل من النّار للمنافقين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. سورة الحجر [١٥: ٤٥] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: جمع متقي: وهو من أطاع أوامر الله سبحانه، وتجنب نواهيه. ﴿فِى﴾: ظرف مكان. ﴿جَنَّاتٍ﴾: جمع جنة؛ مثل: جنات النّعيم، وعدن، والفردوس، والمأوى، ودار السّلام. ﴿وَعُيُونٍ﴾: جمع عين؛ أي: عين الماء، وذكرت (٩) مرات في القرآن. والفرق بين أعين، وعيون: أعين: جمع عين، وهي العين الّتي نُبصر بها. أمّا العيون: جمع عين؛ تعني: عين الماء الّتي نشرب منها.

стр. 2557

سورة الحجر [١٥: ٤٦] ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾: ﴿ادْخُلُوهَا﴾: يقال للمتقين: ادخلوا الجنة. ﴿بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾: بسلام: الباء: للإلصاق؛ بسلام من الملائكة، وبسلام من ربكم، وبسلام بعضكم لبعض؛ سلام آمنين من الأمراض، والآفات؛ آمنين من الخوف، والفزع، والجوع، والفقر، والموت؛ سلام أمن وطمأنينة من كل مكروه، وضرر. سورة الحجر [١٥: ٤٧] ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِمْ مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾: ﴿وَنَزَعْنَا﴾: من النّزع: وهو الاقتلاع بشدة: ونزعنا تدل على تغلغل وتحكم الغل مثل الحسد، والعداوة، وغيرها في قلوبهم بشكل عميق، وإن قلعها يحتاج إلى قوة وشدة حتى لا يبقى لها أي: أثر. ﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، ما: أوسع شمولاً وعموماً من الّذي. ﴿فِى﴾: ظرف مكاني؛ صدورهم. ﴿مِّنْ غِلٍّ﴾: من: استغراقية؛ غل: غل: نكرة تشمل كل أنواع الغل؛ مثل: الحسد، والعداوة، والغش، والخداع، والغيبة، والنّميمة، وألقى في صدورهم بعد النزع المحبة، والمودة، والصّفاء. ﴿إِخْوَانًا﴾: جمع أخ؛ إخواناً: تجمعهم أخوة الدّين، والإسلام، والّتي هي أهم من أخوة الدّم، والنّسب. ارجع إلى سورة الحجرات، آية (١٠). ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾: السّرير: اسم لما يجلس عليه، ولا يرى بعضهم ظهر بعض تدور بهم الأسرة.

стр. 2558

سورة الحجر [١٥: ٤٨] ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾: ﴿لَا﴾: لا: النّافية. ﴿يَمَسُّهُمْ﴾: من المس: وهو اللّمس الخفيف؛ أي: لا يصبهم في الجنة أدنى درجات التّعب، أو اللغوب. ﴿نَصَبٌ﴾: التّعب الجسماني، والّذي يحصل بعد العمل لعدة ساعات، واللغوب: الإعياء، أو التّعب النّفسي، أو هو الفتور النّاتج عن النّصب. ﴿وَمَا هُمْ﴾: ما: للنفي؛ هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿بِمُخْرَجِينَ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ مخرجين: من الجنة. أي: لن يصيبهم مثل ما أصاب أبوهم آدم حين أخرج من الجنة، وما هم بمخرجين: توكيد للوعد؛ لتطمئن قلوبهم؛ لأن أدخلوها بسلام آمنين تكفي. سورة الحجر [١٥: ٤٩] ﴿نَبِّئْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: بعد ذكر الوعد، والوعيد، وإنّ جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب؛ إن المتقين في جنات وعيون يتبعه بقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِى﴾: الخطاب موجه إلى رسول الله ﷺ ، والإنباء: هو الإخبار بأمر مهم، وعظيم، هو أنّ الله هو الغفور الرّحيم؛ أي أخبر عبادي بهذا الخبر العظيم، وهو أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم. ﴿أَنِّى﴾: أن: حرف توكيد. ﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل يفيد التّوكيد؛ وتوكيد القصر على أنّه هو الغفور الرّحيم.

стр. 2559

﴿الْغَفُورُ﴾: صيغة مبالغة من غافر كثير الغفران لعباده مهما كثرت، وعظمت ذنوبهم، ومهما تعددت وتكررت. ﴿الرَّحِيمُ﴾: الرّحيم: صيغة مبالغة من الرّحمة؛ كثير الرّحمة لعباده المؤمنين. سورة الحجر [١٥: ٥٠] ﴿وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾: ﴿وَأَنَّ عَذَابِى﴾: هو العذاب الأليم، ونبئهم أيضاً: أنّ عذابي: ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل يفيد التّوكيد، على أنّ عذابه هو العذاب الأليم الّذي لا يقارن بعذاب آخر. وهاتين الآيتين تجمعان مقامي الرّجاء، والخوف، وعلى المؤمن أن يجمع بينهما في عبادته. سورة الحجر [١٥: ٥١] ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾: وأخبرهم بالخبر الهام عن ضيف إبراهيم؛ ففي قصتهم مثالاً للبشارة، والإنذار، ومثال على عذاب الله سبحانه الأليم الّذي حل بقوم لوط. ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾: ضيف: تطلق على المفرد، والمثنى، والجمع، وقيل: كانوا ثلاثة من الملائكة، ومنهم: جبريل ﵇.

стр. 2560

سورة الحجر [١٥: ٥٢] ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي، وتعني: واذكر إذ دخلوا على إبراهيم ﵇ فجأة، أو حين دخلوا عليه، وألقوا ﵇. ﴿فَقَالُوا﴾: أي: الملائكة؛ الفاء: للترتيب، والمباشرة. ﴿سَلَامًا﴾: جاءت بالنّصب؛ أي: نُسلم سلاماً. ﴿قَالَ﴾: إبراهيم. ﴿إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾: في هذه الآية لم يذكر : أنّ إبراهيم رد ﵈، ولكنه في آيات أخرى في سورة الذّاريات، آية (٢٥): ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾. وفي سورة هود، آية (٦٩): ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾. وإذا نظرنا إلى سلام الملائكة، وكيفية رد إبراهيم ﵇ على سلامهم نجد أنّ سلام الملائكة جاء بصيغة الجملة الفعلية (سلاماً) الّتي تدل على التّجدد، والتّكرار بينما رد إبراهيم ﵇ جاء بصيغة الجملة الاسمية (سلام)، ونحن نعلم من قواعد اللغة العربية: أنّ الجملة الاسمية أقوى، وأثبت من الجملة الفعلية، وهذا يتناسب مع قول الحق سبحانه.

стр. 2561

﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]. إذاً: رد إبراهيم كان أقوى، وأحسن من تحية الملائكة؛ فقد كان بإمكان إبراهيم أن يقول سلاماً؛ فهذا يعني: رد التحية بالمثل، وسلام: نكرة، ولم يقولوا: السّلام عليكم؛ فهو يشمل سلام التّحية، وسلام الأمن، والاطمئنان، وسلام من كل مكروه، وأذى، وشر؛ أما القول السلام تعني: فقط سلام التّحية. ﴿قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾: في هذه السّورة لم يذكر -جل وعلا- تفاصيل ما حدث من رد السّلام، وإحضار الطّعام، وتهيئته لهم، وإنما انتقل إلى مواقف اختارها سبحانه في قصة إبراهيم، ولوط منها: ﴿إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾: وفي آيات أخرى قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذّاريات: ٢٥]، و ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]. ﴿إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ﴾: قالوا لا توجل: لا تخف إنا أرسلناك إلى قوم لوط، لماذا قال إبراهيم ﵇ ذلك لهم، أو لماذا خاف إبراهيم منهم، وكانوا ثلاثة ملائكة في صورة شباب حسان؟ لأنّهم دخلوا عليه فجأة بدون سابق إنذار، أو لأنّه لما رأى أيديهم لا تمتد إلى الطّعام لتأكل. ﴿إِنَّا﴾: بصيغة الجمع؛ للتعظيم. ﴿وَجِلُونَ﴾: الوجل: الخوف الشديد الّذي يصاحبه عوامل نفسية تؤدي إلى إفراز لبعض الهرمونات الّتي تؤدي إلى ازدياد عدد نبضات القلب، وقشعريرة في الجلد من الخوف الشديد. سورة الحجر [١٥: ٥٣] ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾: ﴿قَالُوا﴾: الملائكة قالوا لإبراهيم.

стр. 2562

﴿لَا تَوْجَلْ﴾: لا تخف؛ لا: النّاهية. ﴿إِنَّا﴾: إنا: للتوكيد. ﴿نُبَشِّرُكَ﴾: البشارة: هي الخبر السّار لأول مرة، والّتي تؤدي إلى ترك آثارها على وجه الإنسان من علامات السّرور، والفرح. ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ غلام: ولد. ﴿عَلِيمٍ﴾: صيغة مبالغة؛ أي: كثير العلم، وهو إسحاق ﵇؛ لأنّ إسماعيل كان شاباً في ذاك الزّمن. سورة الحجر [١٥: ٥٤] ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَى أَنْ مَّسَّنِىَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾: ﴿قَالَ﴾: إبراهيم ﵇؛ لأنّه لا يصدق ما تسمعه أذنيه من الخبر السّار بالغلام؛ فيحاول الحصول على تأكيدات على هذه البشارة؛ لأنّه يرى من الصّعب، أو المستحيل أن تنجب امرأته، وهي العقيم طوال عمرها، أو كيف يجتمع الكبر مع الإنجاب. ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى﴾: أبشرتموني: الهمزة: للاستفهام، وفيها معنى التّعجب بالغلام، أو الولد. وأصل أبشرتموني: أتبشرونني حذف النّون للتخفيف، والحصول على الخبر بسرعة. ﴿عَلَى أَنْ مَّسَّنِىَ الْكِبَرُ﴾: على: تفيد العلو، والمشقة بدلاً من كلمة: مع؛ أي: مع الكبر؛ كقوله تعالى في سورة إبراهيم، آية (٣٩): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد.

стр. 2563

﴿مَّسَّنِىَ الْكِبَرُ﴾: أصابني وحلَّ بي الكبر (التّقدم في السّن، أو العمر). ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾: أي: بأي: شيء تبشروني، الفاء: تدل على التعقيب والمباشرة، ما: هنا استفهامية، وحذف الياء من تبشرون؛ لأنها بشرى على الإنجاب بعد انقطاع الرجاء وبلوغه الكبر وامرأته عجوز عقيم؛ أي: جاء متأخراً. سورة الحجر [١٥: ٥٥] ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: أي: الملائكة. ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: قالوا؛ أي: الملائكة لإبراهيم ﵇ بشرناك بالحق؛ بالصدق، والحق: هو الشّيء، أو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير، أو يتبدل؛ أي: لا لبس فيه بأن سارة ستنجب غلاماً. والباء في كلمة الحق: للإلصاق، والتّوكيد. ﴿بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: من ربك؛ فهو الّذي قدَّر ذلك وشاء. ﴿فَلَا تَكُنْ﴾: الفاء: لربط المسبب بالسّبب، ولا: النّاهية. ﴿تَكُنْ﴾: ولم يقولوا: تك، أو تكوننَّ من القانطين. ﴿مِنَ الْقَانِطِينَ﴾: من: ابتدائية. ﴿الْقَانِطِينَ﴾: جمع قانط، والقنوط: هو شدة اليأس؛ أي: اليأس إذا اشتد يؤدي إلى القنوط، ويعني: انقطاع الأمل من حدوث شيء ما، والمؤمن الحق لا ييأس أبداً، و لا يقنط من رحمة الله تعالى، أو يقطع أمله في الله سبحانه. سورة الحجر [١٥: ٥٦] ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَّحْمَةِ رَبِّهِ﴾: قال إبراهيم، ومن يقنط: من: استفهامية فيها معنى النّفي؛ أي: لا يقنط، أو ييأس.

стр. 2564

﴿مِنْ﴾: من: ابتدائية. ﴿رَّحْمَةِ رَبِّهِ﴾: تعني هنا: الفرج، أو الولد، والرّحمة تعريفها: هي جلب ما يسر، ودفع ما يضر. ﴿إِلَّا﴾: إلا: أداة حصر. ﴿الضَّالُّونَ﴾: جمع ضال، ويعني: الكافرون، أو الجاهلون الّذين لا يعرفون قدرة الله، وعظم رحمته بخلقه. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٩٨) لمزيد من البيان. سورة الحجر [١٥: ٥٧] ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾: ﴿قَالَ﴾: إبراهيم. ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾: فما: الفاء: للتوكيد؛ ما: استفهامية. ﴿خَطْبُكُمْ﴾: من الخطب، والشّأن: وهو الأمر الخطير العظيم؛ أي: ما شأنكم، أو حالكم، أو ما هو الأمر الجلل الّذي جئتم من أجله سوى هذه البشارة، وسُمي خطباً؛ لأنّه أمراً يُشغل بال النّاس جميعاً؛ فيتحدثون عنه جماعات جماعات؛ أي: يتخاطبون به، وخطبة النساء من الخطب؛ لأنّه أمر عظيم، وكذلك خطبة الجمعة. ﴿أَيُّهَا﴾: منادى نكرة، والهاء: للتنبيه. ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾: جمع مرسل: وهم الملائكة المرسلون إلى قوم لوط. سورة الحجر [١٥: ٥٨] ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا﴾: إنا: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التّوكيد.

стр. 2565

﴿أُرْسِلْنَا﴾: من الله سبحانه، ولم يقل بعثنا؛ الإرسال: أخف من البعث. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩)؛ لمعرفة معنى: الإرسال، والبعث. ﴿إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾: وهم قوم لوط. ﴿مُّجْرِمِينَ﴾: لارتكابهم الفاحشة، وهي إتيان الذّكور من العالمين، وفيه إظهار للغاية؛ أي: لماذا أرسلوا؟ لإهلاك قوم لوط المجرمين: جمع مجرم: وأجرم الرّجل أذنب، وعصى، وكفر، وتكبر. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لبيان معنى مجرمين. سورة الحجر [١٥: ٥٩] ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾: إلا: أداة استثناء. ﴿آلَ لُوطٍ﴾: آل بيته. ﴿إِنَّا﴾: للتوكيد. ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد؛ لمنجوهم: النّجاة: هي الخلاص من المكروه، والفوز: هو الخلاص من المكروه، ونيل المرغوب؛ فالفائز: هو النّاجي من النّار، والمدخل الجنة. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تفيد التّوكيد. سورة الحجر [١٥: ٦٠] ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾: أداة استثناء، وهذه ثاني أداة استثناء؛ الأول: آل لوط، آل لوط؛ تعني: ذريته، وامرأته، والقاعدة: أنّها إذا توالت الاستثناءات نأخذ المستثنى الأول من المستثنى منه، ثمّ نأخذ المستثنى الثّاني من المستثنى الأول … وهكذا. ﴿امْرَأَتَهُ﴾: امرأة لوط، ولم يقل زوجته؛ لأنّها تخالف زوجها في الإيمان؛

стр. 2566

فإذا كان هناك اختلاف بين الزّوج، والزّوجة يقال للزوجة امرأة بدلاً من زوجة؛ لأنّ الزّوج يعني أن يشبه كل منهما الآخر. ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾: من التّقدير: وهو الحكم. وجاء التقدير بأنها لمن الغابرين بما اختارته بعملها أن لا تستجيب لدعوة زوجها لوط ﵇، ولا تتوقف عن فعل المنكر، وما نهى الله تعالى عنه. ارجع إلى سورة النمل آية (٥٧) للمقارنة بين الآيات المتشابهة. ﴿لَمِنَ﴾: اللام: للتوكيد؛ من: ابتدائية بعضية. ﴿الْغَابِرِينَ﴾: جمع غابر، والغابر: الباقي في القرية للهلاك؛ أي: الباقين في العذاب، أو الغابرين الماضين (من الماضي)؛ أي: من الّذين انقرضوا، وماتوا، وما دامت لم تخرج من القرية، وبقيت؛ فهي من الهالكين. سورة الحجر [١٥: ٦١] ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾: ﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾: فلما: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ لما: ظرف زماني؛ بمعنى: حين. ﴿جَاءَ﴾: حضر، وهناك فرق بين جاء، وأتى؛ جاء: المجيء بصعوبة، ومشقة، وجاء، وصلوا إلى لوط؛ وأتى: تعني: المجيء بسهولة، وأتى؛ أي: في طريقهم إلى لوط. ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾: الّذين كانوا ضيفاً على إبراهيم ﵇؛ أي: وصل الملائكة المرسلون إلى لوط. سورة الحجر [١٥: ٦٢] ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾: ﴿قَالَ﴾: لوط لهم:

стр. 2567

﴿إِنَّكُمْ﴾: للتوكيد. ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾: أي: لا أعرفكم، أو من أين جئتم، أو من أنتم. ﴿مُنْكَرُونَ﴾: جمع منكر، غير معروفين. سورة الحجر [١٥: ٦٣] ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: أي: المرسلون. ﴿بَلْ جِئْنَاكَ﴾: بل: للإضراب الانتقالي. ﴿جِئْنَاكَ﴾: المجيء كما قلنا فيه صعوبة ومشقة، واختار كلمة جئناك بدلاً من أتيناك؛ لأنّهم جاؤوا بالعذاب، والحجارة من سجيل. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ ما: اسم موصول بمعنى: الّذي. ﴿كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: يمترون: مشتقة من المرية، وهي الشّك، والتّهمة؛ جئناك بالعذاب الّذي فيه يمترون يشكون، ويتهموك بأنّه لن يحدث، وقالوا في آيات أخرى: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. سورة الحجر [١٥: ٦٤] ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: ﴿وَأَتَيْنَاكَ﴾: الإيتاء: هو المجيء بسهولة، ويسر. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق؛ الحق: وهو الصدق؛ الأمر الثّابت الّذي لا يتغير، وهو العذاب، أو الأمر بالإسراء بقطع من الليل، وعدم الالتفاف، والمضي حيث أُمروا. ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: وإنا: للتصديق.

стр. 2568

﴿لَصَادِقُونَ﴾: اللام: لزيادة التّوكيد؛ صادقون فيما نخبرك به، ونبلغك، وفيما يجب فعله. سورة الحجر [١٥: ٦٥] ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ الَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ الَّيْلِ﴾: الإسراء: هو السّير ليلاً. ﴿بِأَهْلِكَ﴾: الباء: للإلصاق، والأهل: الأولاد والزّوجة. ﴿بِقِطْعٍ مِنَ الَّيْلِ﴾: بجزء من الليل؛ أي: آخر جزء من الليل بقطع جمع قطعة. ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾: امشي خلفهم، والعادة أن يمشي أمامه وليس خلفهم؛ أي: في المقدمة؛ لتحثهم على السّرعة، أو كن خلفهم؛ لكي لا يلتفت منهم أحد لكونه يراقبهم من خلفهم، أو ليكون حائلاً بينهم وبين العذاب. ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾: لا: النّاهية. ﴿يَلْتَفِتْ﴾: الالتفات: النّظر إلى الخلف؛ أي: لا تنظروا ورائكم، أو خلفكم. ولا يمنة، ولا يسرة؛ حتى لا تروا ما سيحل بقومكم من العذاب المروع. ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾: ليكن مسيركم، واتجاهكم حيث أُمرتم. سورة الحجر [١٥: ٦٦] ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ﴾: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾: أي: أوحينا إليه، وأعلمناه. ﴿ذَلِكَ﴾: ذا: اسم إشارة؛ للبعد. ﴿الْأَمْرَ﴾: بهلاك قومه وامرأته.

стр. 2569

﴿أَنَّ﴾: أن: مصدرية؛ تفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿دَابِرَ هَؤُلَاءِ﴾: دابر: آخر، دابر الشّيء آخره، والدّابر: التّابع. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء: للتنبيه، أولاء: اسم إشارة للذم. ﴿دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾: قطع الدّابر؛ قطع لهم جميعاً؛ كناية عن استئصالهم عن بكرة أبيهم. ﴿مُّصْبِحِينَ﴾: آخر من يهلك منهم وقت الصّبح، أو ما أن يأتي الصّبح يكون هلاكهم قد تم، وانتهى، وهكذا أخبرت الملائكة لوطاً بما سيجري في تلك الليلة؛ لكي يتم الاستعداد لها. سورة الحجر [١٥: ٦٧] ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: ولما علم أهل المدينة من قوم لوط (أهل سدوم) بقدوم وفد من الشّبان الحِسان إلى عند لوط؛ جاءوا إليه. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: أي: مسرورين؛ الاستبشار: إظهار علامات السّرور؛ أي: قد جاءوا إليه فرحين؛ طمعاً في فعل الفاحشة، وفي آية أخرى: يُهرعون: مندفعين بسرعة يحث بعضهم بعضاً، وتظهر على وجوههم علامات السرور. سورة الحجر [١٥: ٦٨] ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِى فَلَا تَفْضَحُونِ﴾: ﴿قَالَ﴾: لوط لقومه حين جاؤوا يستبشرون. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِى﴾: إن: للتوكيد. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء: للتنبيه؛ أولاء: اسم إشارة للجمع، والقرب. ﴿ضَيْفِى﴾: أي: في حمايتي.

стр. 2570

﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾: فلا: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّاهية. ﴿تَفْضَحُونِ﴾: لا تجلبوا العار، والفضيحة إلي بالاقتراب منهم. سورة الحجر [١٥: ٦٩] ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾: خافوا الله ربكم، وأطيعوا أمره، وتجنبوا ارتكاب الفاحشة. ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾: لا: النّاهية. ﴿تُخْزُونِ﴾: من الخزي؛ أي: الفضيحة، والهوان أمام النّاس. والهوان؛ أي: يهان لوحده بمفرده بدون علم النّاس بذلك. سورة الحجر [١٥: ٧٠] ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: أي: قوم لوطٍ للوط. ﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة: همزة استفهام، وإنكار، وتوبيخ، والواو: تدل على شدة النّهي؛ لم: حرف نفي. ﴿نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: أولم نحذرك من قبل من عدم استضافة أحداً من العالمين في منزلك.

стр. 2571

سورة الحجر [١٥: ٧١] ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِى إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾: ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ﴾: ارجع إلى الآية (٦٨). ﴿بَنَاتِى﴾: لأن النّبي يعتبر أبا القوم، ونساء القوم بناته، قال لهم لوط هؤلاء بناتي (أي: بنات القوم)؛ فلماذا لا تتزوجهن، وحاشا لله أن يعني هؤلاء بناتي (يعني: بنات لوط)؛ فافعلوا فيهن الفاحشة بدون زواج، أو حاشا لله أن يقول لهم اذهبوا، وافعلوا الفاحشة مع بنات القوم بدون زواج. ﴿إِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الشّك، والافتراض. ﴿كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾: السّوء بضيفي. سورة الحجر [١٥: ٧٢] ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: ﴿لَعَمْرُكَ﴾: أي: أقسم بحياتك يا محمّد ﷺ ، والقسم بحياته تشريفاً له، وأصل عَمرك هي عُمرك بضم العين، وفتحت؛ لكثرة الاستعمال. لعمرك: لفظ يستعمل في القسم، ومعنى العمر: الحياة، وعَمْر وعُمْر، والعُمُر: شيء واحد، واللام: لام الابتداء، وقيل: إنّ القسم قد يكون بحياة لوط. ﴿إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: إن: للتوكيد. ﴿لَفِى﴾: اللام: للتوكيد، وفي: الظرفية. ﴿سَكْرَتِهِمْ﴾: السّكرة: تعني: الغفلة، أو الضّلالة، أو الخدرة العقلية الّتي

стр. 2572

تعصف بالعبد، أو تصيب العبد لفعل الفاحشة الجنسية، وتغطي على عقله؛ فتعمى بصيرته، كما يغطي الخمر على عقول شاربيه. ﴿يَعْمَهُونَ﴾: مشتقة من العمه في البصيرة، أو العمى في الرّأي، وهو التّردد، والحيرة في الضلال، والتّخبط، كما يفعل السّكران. وأما العمى: فهو عمى العين. سورة الحجر [١٥: ٧٣] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾: الفاء: تدل على التّرتيب، والمباشرة؛ أخذتهم: قضت عليهم الصّيحة؛ أي: أهلكتهم. ﴿الصَّيْحَةُ﴾: نوع من أنواع العذاب. ارجع إلى سورة المؤمنون، آية (٤١)؛ للبيان. ﴿مُشْرِقِينَ﴾: أي: بدأت الصّيحة بدخول صباح الفجر، وانتهت بطلوع الشّمس، أو الدّخول في وقت شروق الشّمس، وكيف علمنا أنّ بداية الصّيحة كانت عند دخول الصباح؟ هي الآية (٦٦)، وهي قوله تعالى: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ﴾: وقت دخول الصباح (الفجر)، ونهاية الصّيحة كانت في قوله مشرقين؛ مشرقين: وقت شروق الشّمس. سورة الحجر [١٥: ٧٤] ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾: ﴿فَجَعَلْنَا﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة، والتّعقيب؛ جعلنا: صيرنا، والضّمير يعود إلى الله، وملائكته. ﴿عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾: عاليها: هاء الضّمير تعود إلى قرى قوم لوط (المؤتفكات)؛ أي: اجتثت قراهم الخمسة؛ أي: اقتلعت من الأرض، ثمّ رفعت إلى السّماء، ثمّ قُلبت قراهم عاليها سافلها؛ أي: انقلاباً تاماً، وهوت على الأرض.

стр. 2573

﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾: على قوم لوط بعد قلب قراهم أمطرنا عليهم حجارة من سجيل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: أي: على قوم لوط. ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: من طين متحجر؛ أي: لا يعلم كنهه إلا الله. قد تكون مادة تشبه ما ينتج عن تفجر بعض الأجرام السّماوية؛ مثل: الاستروئيد، والّتي تسقط على الأرض أحياناً. أي: عبارة عن شظايا تنتج عن انفجار نجوم صغيرة نيازك تنفجر عندما تصطدم بالغلاف الأرضي، ويطلق عليها استروئيد، وتسقط على الأرض غالباً في البحار، والمحيطات؛ تسمّى حجارة من سجيل، أو حجارة من طين، أو سجيل منضود؛ أي: صخور متفتتة. ففي هذه الآية سجيل، وفي سورة الذّاريات، الآية (٣٣): ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾، وفي سورة هود، الآية (٨٢): ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾؛ منضود: متتابع في النّزول من النّضد: وهو وضع الشّيء بعضه على بعض. سورة الحجر [١٥: ٧٥] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إن: للتوكيد. ﴿فِى﴾: في: ظرفية. ﴿ذَلِكَ﴾: ذا: اسم إشارة للبعد؛ ما صنعنا أو حل بقوم لوط من الهلاك، والدّمار، والمطر عليهم بحجارة من سجيل … وغيرها. ﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام: للتوكيد؛ آيات: جمع آية، والآية: علامة، أو دلالة قاطعة، أو بينة؛ الآيات منها نجاة آل لوط، وجعل عاليها سافلها، وإنزال المطر من سجيل منضود.

стр. 2574

﴿لِّلْمُتَوَسِّمِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ المتوسمين: جمع متوسم: وهو الّذي عنده قدرة على الفراسة، أو النّاظر في السّمة الدّالة على الشّيء، والتّوسم: يعني: النّظر بتفكر، وحكمة؛ للكشف عن مكنون النّفوس، وبواطنها؛ أي: التّوصل إلى معرفة بعض الحقائق، والأمور الخفية عن النّظر؛ فالمتوسمون: المعتبرون النّاظرون، المتفكرون في عظمة الله سبحانه، وعلى طلاقة قدرته. سورة الحجر [١٥: ٧٦] ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾: ﴿وَإِنَّهَا﴾: إن: للتوكيد قرى لوط. ﴿لَبِسَبِيلٍ﴾: اللام: لام الابتداء، أو التوكيد. لبطريق مبين، واضح، مُعْلم؛ على طريق بين مكة والشّام، طريق ثابت؛ أي: لا يخفى على المسافرين المارين بها. سورة الحجر [١٥: ٧٧] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿فِى ذَلِكَ﴾: أي: لما حدث لقوم لوط من الهلاك، والدّمار. ﴿لَآيَةً﴾: دلالة بينة الآثار هي آية واحدة. ﴿لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ المؤمنين: أي: ينتفع بها المؤمنون؛ أي: عظة وعبرة؛ تدل على قدرة الله سبحانه، وأن عذابه هو العذاب الأليم، أو أخذه إذا أخذ القرى، وهي ظالمة: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]. سورة الحجر [١٥: ٧٨] ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾: هذه هي القصة الثالثة؛ الأولى: كانت قصة: آدم وإبليس، والثّانية: إبراهيم ولوط، والثّالثة: أصحاب الأيكة. ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾: إن: للتوكيد.

стр. 2575

﴿الْأَيْكَةِ﴾: الأيكة: الأشجار الملتفة المتشابكة، الكثيرة الأغصان؛ أرسل الله تعالى شعيب ﵇ إليهم، وكانوا بقرب مدين، وكثير من المفسرين يقولون: أنّ مدين، وأصحاب الأيكة هما أمتان مختلفتان بُعث إليهما شعيب ﵇، ومن المفسرين من يظن أنّ مدين، وأصحاب الأيكة هما أمة واحدة، والأرجح: هو القول الأول. ﴿لَظَالِمِينَ﴾: اللام: للتوكيد؛ ظالمين: لأنّهم أشركوا، وكذبوا شعيباً، أو كانوا لا يؤمنون بالمكيال، والميزان، وعاثوا في الأرض فساداً. سورة الحجر [١٥: ٧٩] ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾: من أصحاب الأيكة بعذاب يوم الظُّلة إنّه كان عذابُ يوم عظيم [الشّعراء: ١٨٩]. ﴿مِنْهُمْ﴾: تعود على أصحاب الأيكة، وقرى قوم لوط (المؤتكفات). أو: تعود إلى أصحاب الأيكة، وقوم مدين. ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾: لبإمام: اللام: للتوكيد؛ الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ إمام: طريق، وشبه الطريق بالإمام؛ لأنّ المسافر يأتم به، أو يهتدي به؛ حتّى يصل الموضع الّذي يريده. ﴿مُبِينٍ﴾: واضح، ظاهر للعيان؛ لبطريق مبين يسلكه النّاس في سفرهم من الحجاز إلى الشّام. سورة الحجر [١٥: ٨٠] ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾: هذه هي القصة الرّابعة في السّورة. ﴿وَلَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد. ﴿أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾: هم قبيلة ثمود (قوم صالح)، وسموا أصحاب الحجر:

стр. 2576

عاداً الثانية؛ لأنّهم كانوا يسكنون في منطقة الحجر (واد بين الشّام والمدينة المنورة)، واقعة في الأردن. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: كان نبيهم صالح من الأنبياء العرب، وهم كذبوا صالح، وجاء بصيغة الجمع؛ ليدل على أن تكذيب أحد الرّسل يمثل تكذيب لكلّ الرّسل؛ لأنّ رسالتهم واحدة أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. سورة الحجر [١٥: ٨١] ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾: أي: أريناهم آياتنا، والآيات البينات، والدّلالات، وتتضمن المعجزات الدّالة على النّبوة، أو الآيات الكونية، أو الآيات التشريعية، ومنها: آية النّاقة؛ ناقة الله، وهي وإن كانت آية واحدة؛ فهي تمثل الكثير من الآيات، والعبر؛ مثل: خروجها من الصّخرة، وعظم خلقها، وفصيلها، وكثرة لبنها. ﴿فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾: لم يقبلوا بتلك الآيات، وكذبوها، وأنكروها غير مبالين، ولا يتفكرون بها. سورة الحجر [١٥: ٨٢] ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾: يحفرون في الجبال، وينقبون الجبال؛ لكي يبنوا لهم بيوتاً فيها؛ لكي يأمنوا شر الأعداء، ولأنّ الخيام كانت لا تقيهم الأمن. ﴿مِنَ﴾: بعضية؛ أي: بعض الجبال؛ أي: قاموا ببناء بعض البيوت من الجبال. ﴿آمِنِينَ﴾: مطمئنين غير خائفين. أمّا الفرق بين هذه الآية، وآية الأعراف رقم (٧٤): ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾: كان هذا في المرحلة الأولى؛ حيث كان الكلّ يحاول أن يبني من الجبال

стр. 2577

بيوتاً، وحركة البناء مزدهرة، ثمّ قلت، وقل النّحت؛ فجاءت الآية في سورة الحجر؛ لتصور لنا هذه الحالة الأخيرة. سورة الحجر [١٥: ٨٣] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٧٣) من نفس السّورة. بعد أن عقروا النّاقة، وعتوا عن أمر ربهم، وتمادوا في التّحدي، وقالوا: يا صالح آتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين؛ عندها قال لهم صالح: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾: أهلكتهم، وقضت عليهم الصّيحة. ارجع إلى سورة المؤمنون، آية (٤١). وقت دخول الصّباح؛ فلم تنفعهم حصونهم، وبيوتهم، وتحميهم من العذاب. سورة الحجر [١٥: ٨٤] ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: ﴿فَمَا﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ ما: النّافية. ﴿أَغْنَى عَنْهُم﴾: ينفعهم، أو يمنعهم، أو يحميهم من العذاب ما يكسبون من الأموال، وبناء القصور، والزّروع. ﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، أو مصدرية، وما: أشمل وأعم من الّذي. ﴿يَكْسِبُونَ﴾: من الأموال، والبناء، ونحت الحصون، والبيوت، والزّروع. ولم يقل ما كسبوا، وجاءت بصيغة المضارع للدلالة على حكاية الحال إبدال الماضي بالمضارع لإحضاره أمام العين كأنك تراه الآن لشدة إتقان ما صنعوا من الجبال بيوتاً.

стр. 2578

سورة الحجر [١٥: ٨٥] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية؛ ما: النّافية. ﴿خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: ارجع إلى سورة إبراهيم، آية (١٩)؛ للبيان. أي: لم نخلق السّموات، والأرض وما بينهما باطلاً، ولا عبثاً، ولهواً. ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: أداة حصر؛ بالحق. ارجع إلى سورة إبراهيم، آية (١٩)؛ للبيان. ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿السَّاعَةَ﴾: ساعة تهدم النّظام الكوني. ﴿لَآتِيَةٌ﴾: اللام: لام التّوكيد أيضاً؛ آتية: قادمة، وآتية فيها معنى المجيء بسهولة، وذلك لأنّها لم تحدث بعد. ارجع إلى سورة طه آية (١٥) للبيان، والمقارنة مع الآيات المتشابهة؛ لآتية كي تجزى كلّ نفس بما كسبت، أو ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَائُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾: الصّفح: هو ترك العقوبة، وترك اللوم، وعدم التّذكير بما حدث، والصّفح: أبلغ من العفو؛ أي: اصفح يا محمّد ﷺ عمن أساء إليك بالحلم، والعفو، وترك اللوم. سورة الحجر [١٥: ٨٦] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿رَبَّكَ هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد على كمال العلم، والخلق.

стр. 2579

﴿الْخَلَّاقُ﴾: صيغة مبالغة للخلق: فهو خالق كلّ شيء، وكثير الخلق. ﴿الْعَلِيمُ﴾: صيغة مبالغة للعلم، واسع العلم، عليم بأحوال خلقه، وأحوالهم، وأعمالهم. سورة الحجر [١٥: ٨٧] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِى وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ اللام: للتوكيد؛ قد: حرف تحقيق، وتوكيد. ﴿آتَيْنَاكَ﴾: الإيتاء: عطاء مع إمكانية استرداد العطاء؛ أي: ليس فيه تملك، والإيتاء: أعم من العطاء، ويشمل الأشياء الحسية، والمعنوية. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥١)؛ للبيان. ﴿سَبْعًا﴾: أي: الفاتحة (فاتحة الكتاب)، وقيل: أم الكتاب، وهي سبع آيات بما فيها بسم الله الرحمن الرحيم؛ فهي أول الآيات السبع. ﴿مِنَ الْمَثَانِى﴾: من: بعضية. ﴿الْمَثَانِى﴾: سمّيت المثاني؛ لأنّها تثنى؛ أي: يُعاد قراءتها، وتكرر في كل ركعة، والمثاني: مشتقة من الثّناء (الحمد)؛ أُثني بها على الله إذ جمعت الحمد، والتّوحيد. ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾: هذا يسمى عطف العام (وهو القرآن العظيم) على الخاص، وهو السّبع المثاني، وفائدة ذلك التّوكيد على أهمية السّبع المثاني. سورة الحجر [١٥: ٨٨] ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: بعد أن بين الله -جل وعلا- لنبيه محمّد ﷺ ، وبالتّالي لأمته: أنّه أتاه السّبع المثاني، والقرآن العظيم ما لم يؤت أحداً من العالمين، وهو إيتاء للمؤمنين أيضاً، وهو

стр. 2580

إيتاء عظيم، وكافٍ، وينبغي معه عدم النّظر والالتفات، أو الطموح، والرغبة إلى ما عند غيرك من متاع، وزينة، ومال. ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ﴾: أي: أصناف من الكفار، أو المشركين، أو الأغنياء من متاع الحياة الدّنيا، وزينتها، وزخارفها، ومالها، وذهبها؛ لأنّه متاع زائل، وأمّا السّبع المثاني، والقرآن العظيم: فهو متاع دائم، وباق، وهو المتاع الحقيقي. ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: أي: لا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ لعدم الاستجابة لك، ورفضهم الدّخول في الإسلام، والإيمان فهم الّذين اختاروا لأنفسهم ذلك. ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: وخفض الجناح: كناية عن لين الجانب، والتّواضع، والرّفق بالّذين استجابوا لك من المؤمنين، وكن كالطّائر الّذي يخفض جناحيه إلى نسله؛ للرعاية، والحماية. سورة الحجر [١٥: ٨٩] ﴿وَقُلْ إِنِّى أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾: أي: أعلم قومك: ﴿وَقُلْ﴾: لهم. ﴿إِنِّى أَنَا﴾: للتوكيد: النّذير المبين. ﴿النَّذِيرُ﴾: المنذر؛ الإنذار يعني: الإعلام مع التّحذير، والتّخويف: النّذير لهؤلاء الّذين أعرضوا، وتولوا عن الإيمان، وكذلك لكلّ النّاس. ﴿الْمُبِينُ﴾: البين؛ الإنذار لكلّ واحد، وهذا الإنذار لا يحتاج إلى تبيان؛ لأنّه واضح من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد، وويل للمشركين، والكافرين من عذاب يوم أليم.

стр. 2581

سورة الحجر [١٥: ٩٠] ﴿كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾: أي: كما آتيناك سبعاً من المثاني، والقرآن العظيم؛ آتينا، أو أنزلنا التّوراة، والإنجيل على المقتسمين؛ أي: اليهود، والنّصارى، كما روي عن ابن عبّاس ﵄، أو كما آتيناك سبعاً من المثاني، والقرآن العظيم؛ أنزلنا على كفار مكة. وسموا المقتسمين: فإذا كانوا هم اليهود، والنّصارى كما روي عن ابن عباس؛ لأنّهم اقتسموا القرآن؛ فجعلوه أقسام ما يوافق التّوراة، والإنجيل، أو آرائهم حقاً، وما يخالفه باطلاً، أو آمنوا ببعض، وكفروا ببعض. وأمّا إذا كان يقصد بالمقتسمين كفار مكة قاله قتادة، وغيرهم من الكفار الّذين سماهم مقتسمين؛ لأنّهم قالوا: إنّ القرآن سحر، أو شعر، أو أساطير الأولين، أو مفترى، أو كانوا يقتسمون طرق مكة قاله ابن السائب، كما كان يفعل الوليد بن المغيرة يأمر أنصاره بالوقوف في شعاب مكة؛ ليصدوا كلّ من يدخل مكة عن الدّخول في الإسلام، أو الإيمان بمحمّد؛ فيقولون: هو شاعر، أو مجنون، أو كاهن … وغيرها.

стр. 2582

سورة الحجر [١٥: ٩١] ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول، ويعود على المقتسمين الّذين جعلوا القرآن عضين؛ فيمكن تعريف المقتسمين: بأنّهم هم الّذين جعلوا القرآن عضين. ﴿عِضِينَ﴾: من عضيت الشّيء؛ أي: فرقته، وجعلته أجزاء؛ كلّ فرقة عضّة، أو عضين: جمع عضَه؛ بمعنى: الكذب، والبهتان؛ أي: جعلوا القرآن شيء مفترى، وأكاذيب، وأساطير الأولين أُمْليت على محمّد ﷺ ، والمعنى يحتمل كلاهما معاً؛ أي: صيروا القرآن أجزاء، وقطع، وأكاذيب، أو أساطير الأولين. سورة الحجر [١٥: ٩٢] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾: الفاء: استئنافية، وربك: الواو: واو القسم؛ يقسم الرّب سبحانه بصفة الرّبوبية، والقسم هنا يفيد شدة الوعيد، أو التّوكيد. ﴿لَنَسْئَلَنَّهُمْ﴾: اللام: للتوكيد، والنون: لزيادة التّوكيد. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: للتوكيد أيضاً؛ فلا يفوت أحدٌ من هؤلاء الّذين جعلوا القرآن عضين، والسّؤال هنا سؤال توبيخ لهم، وتقريع، وليس سؤال استفهام. سورة الحجر [١٥: ٩٣] ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿عَمَّا﴾: عن: تفيد المجاوزة، والمباعدة؛ ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، أو مصدرية. ﴿كَانُوا﴾: في الدّنيا.

стр. 2583

﴿يَعْمَلُونَ﴾: يقولون، ويفعلون؛ يقولون؛ أي: يفترون على القرآن، ورسول الله ﷺ من الباطل، والأكاذيب، ويفعلون: بمنع النّاس وصدهم عن الدّخول في الإسلام، والإيمان بالله ورسوله، ويعبدون من دون الله تعالى ما لم ينزل به سلطاناً. سورة الحجر [١٥: ٩٤] ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: ﴿فَاصْدَعْ﴾: الفاء: للتوكيد؛ اصدع: من صدع، ويقال صدع بالحجة؛ أي: تكلم بها جهاراً بما أنزل الله إليك، وأعلن، واجهر بالدّعوة، وقم بتبليغها إلى كلّ فرد، وأظهر دينك، وادعوهم إلى التّوحيد، والإيمان بالله، ورسوله؛ فقد انتهى زمن الإسرار بالدعوة والخوف من المشركين. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ ما: اسم موصول بمعنى: الذي؛ تؤمر به، أو مصدرية. ﴿تُؤْمَرُ﴾: بما أنزل الله إليك، وأمرك به؛ من قول، أو فعل. ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: وأعرض: من الإعراض؛ أي: لا تبال بهم، ولا تهتم بما يقولوه، أو يفعلوه، ولا تلتفت إليهم. ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾: مثل مشركي مكة، أو غيرهم، وهم الّذين جعلوا لله شركاء الجن، والإنس. سورة الحجر [١٥: ٩٥] ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ﴾: ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم. ﴿كَفَيْنَاكَ﴾: شرَ المستهزئين؛ فلا تحتاج إلى مساعدة، أو نصر من أحدٍ؛ أي: توليناك، أو تولينا أمرك؛ فلا يصلون إليك بسوء.

стр. 2584

﴿الْمُسْتَهْزِءِينَ﴾: قيل: كانوا جماعة ذوي شوكة، وقوة من مشركين مكة عددهم خمسة، وقيل: سبعة؛ أمثال: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب. والمستهزئين: جمع مستهزأ، والاستهزاء: هو التّحقير، والاستخفاف، أو ذم الآخرين، أو تصغير قدر الآخر، أو الشّيء، وأهميته. سورة الحجر [١٥: ٩٦] ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: أي: المستهزئين. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذّم، والتّحقير. ﴿يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: أي: المستهزئين الّذين يجعلون مع الله إلهاً آخر؛ أي: أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وجعلوا له شركاء، واستهزؤوا بالقرآن، وبالرّسول. ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: للتوكيد؛ سوف: حرف للاستقبال؛ يفيد التّراخي في الزّمن. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: عاقبة أمرهم في الدّنيا، وفي الآخرة، وقيل: أصابتهم الآفات، والأمراض المختلفة، وماتوا شر ميتة، وفي الآية تهديد، ووعيد للمشركين، والمستهزئين بدين الله ورسوله ﷺ . سورة الحجر [١٥: ٩٧] ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، وزيادة التّوكيد. ﴿نَعْلَمُ أَنَّكَ﴾: أنّ: للتوكيد، والكاف: للمخاطب، وهو رسول الله ﷺ .

стр. 2585

﴿يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾: ضيق عارض لا يدوم طويلاً. ارجع إلى الآية (١٢) من سورة هود؛ للبيان. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ ما: اسم موصول بمعنى: الّذي يقولون، وما: أوسع شمولاً من: الّذي. ﴿يَقُولُونَ﴾: من الطّعن، والتّكذيب؛ مثل قولهم: كاهن، ساحر، مجنون، مفتر، أو يعلمه بشر. أو قولهم: لولا أنزله إليه ملك، لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم. لولا أنزل عليه كنز، أو جاء معه ملك، لولا يأتينا بآية. يقولون: ولم يقل بما قالوا: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدد، وتكرار قولهم، وأنّهم لم ينتهوا بعد، أو لحكاية الحال؛ لعظم ما يقولون، وكأنه يحدث الآن. سورة الحجر [١٥: ٩٨] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: فسبح: الفاء: للتوكيد؛ سبح: من التّسبيح، ومعناه: الصّلاة، وتنزيه الله سبحانه ذاته، وصفاته، وأسمائه من كلّ ما لا يليق بجلاله، وكماله سبحانه من النّقائض في الذّات، والصّفات، والأفعال. ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: وبحمده، والثّناء عليه، والشّكر على نعمه؛ أي: تنزيه مصاحب بالحمد، فالتّسبيح، والحمد علاج لضيق الصّدر، والهم، والحزن. ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾: وكن من المصلين.

стр. 2586

﴿السَّاجِدِينَ﴾: جمع ساجد، والسّجود يعني: الصّلاة، والسّجود: هو قمة الخضوع لله تعالى، وأقرب ما يكون العبد من ربه. سورة الحجر [١٥: ٩٩] ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾: ما دمت حياً، والعبادة تشمل كلّ قول طيب، وعمل صالح، وتشمل بضع وسبعون شعبة. ارجع إلى سورة النحل، آية (٧٣)، والأنبياء، آية (١٠٦)؛ للبيان. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية؛ يعني: نهاية الغاية. ﴿يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾: هو الموت، واليقين: العلم بالحق، وليس هناك غيره، والحق: هو الأمر الثّابت الحق الّذي لا يتغير، كما قال عيسى بن مريم ﵇: ﴿وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١].

стр. 2587

سورة النحل [١٦: ١] سورة النحل سورة النّحل [الآيات ١ - ٦] ترتيبها في القرآن (١٦)، وترتيبها في النزول (٧٠)، نزلت بعد سورة الكهف، وتسمى سورة النِّعم؛ لكثرة ما ذكر الله فيها من النِعم التي لا تعد ولا تحصى على عباده، كما ذكر القرطبي. ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: ﴿أَتَى﴾: دنى، واقترب؛ أي: شارف على الوقوع. ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾: أي: السّاعة، أو العذاب، وأتى: فعل ماض، والسّاعة لم تقم بعد؛ فالله سبحانه أقام الماضي مقام المستقبل؛ لأنّ الزّمن عنده سواء؛ أيْ: واحد؛ لأنّه سبحانه خالق الزمان، والمكان، وإذا قال الحق سبحانه أتى فالأمر واقع لا محالة، واعتبره وقع وحصل للدلالة على التقنين أو بمنزلة ما مضى، قال سبحانه: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، ولم يقل: جاء أمر الله؛ لأنّ هناك فرقاً بين أتى، وجاء. أتى: فيها معنى السّهولة في الإتيان، وجاء: فيها معنى المشقة، والصّعوبة في المجيء، وكون السّاعة، أو العذاب قادم، ولم يحدث بعد؛ فقد استعمل أتى، ويوم يحل، أو ينزل العذاب، أو تقوم السّاعة يقول جاء، وهذا تهديد للكفار، وإعلام بقرب هلاكهم، والله -جل وعلا- قادر على أن يأتي بالفعل كما يشاء. ﴿فَلَا﴾: فلا: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّاهية.

стр. 2588

﴿تَسْتَعْجِلُوهُ﴾: الهاء: هنا تعود على يوم القيامة، أو تعود على عذاب الله سبحانه، والاستعجال: هو طلب الحدث أو الشيء قبل وقته، وهو: مذموم غالباً، نقيض العجلة الأناة وهي محمودة. ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: فالله سبحانه نهى عن الاستعجال؛ فقال: فلا تستعجلوه، ثمّ قرن النّهي بالتّنزيه له عن الشّركاء؛ فقال -جل وعلا-: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ﴿سُبْحَانَهُ﴾: تعني: التّنزيه الكامل لذاته، وعمّا لا يليق بجاهه؛ فلا ذات مثل ذاته، ولصفاته، وأفعاله عن أيِّ شيء يوجد في البشر، وغير البشر، وعن الشّرك، والولد، والعجز، والنّقص؛ سبحانه: مصدر سبح. ﴿عَمَّا﴾: مركبة من عن: تفيد المجاوزة، والمباعدة، وما: اسم موصول؛ بمعنى الّذي، أو مصدرية. ﴿يُشْرِكُونَ﴾: به من الآلهة، والأصنام، والولد، والصّاحبة، والشّمس، والقمر، والكواكب، والأولياء، والأنبياء، والملائكة. يشركون: جاءت بصيغة المضارع بدلاً من أشركوا؛ لأنّ شركهم بالله يتجدَّد، ويتكرَّر، ولا ينتهي، ويتوقف. ولا بُدَّ من الانتباه كيف توالى نزول هذه الآيات الّتي تتعلق بيوم القيامة، والسّاعة. ١ - فقد نزلت الآية (١) من سورة القمر أوّلاً: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ترتيب نزول سورة القمر (٣٧).

стр. 2589

٢ - ثمّ نزلت الآية (١) من سورة النّحل ثانياً: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ترتيب نزول سورة النّحل (٧٠). ٣ - ثمّ نزلت الآية (١) من سورة الأنبياء ثالثاً: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ ترتيب سورة الأنبياء (٧٣). وكأنه سبحانه يقول: اقتربت السّاعة، اقترب أمر الله (العذاب)، اقترب الحساب: بالترتيب. سورة النحل [١٦: ٢] ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾: يُنزل الله -جل وعلا- الملائكة؛ أيْ: جبريل ﵇، وسمِّي باسم الجمع؛ لعظم مقامه، وسمِّي بالرّوح الأمين. ﴿بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾: بالروح: الباء: للإلصاق؛ والرّوح: يعني: الوحي، أو القرآن، وسمِّي روحاً؛ لأنّ فيه حياة القلوب؛ فالقرآن هو الرّوح الحقيقية للمؤمن، إضافة إلى روحه الّتي بين جنبيه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشّورى: ٥٢]، وبذلك نتبيَّن أنّ للمؤمن روحين، وليس روحاً واحدة. ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: من: ابتدائية. ﴿أَمْرِهِ﴾: بأمر الله تعالى، وإرادته، وإذنه؛ أيْ: نزول الوحي، أو نزول الملائكة لا يكون إلا بأمر الله تعالى، وكما قال تعالى على لسان جبريل ﵇: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤]، وكل ما ينزل من أمر الله فيه حياة للنفوس. ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: على: تفيد العلو، والسّمو، والمشقة.

стр. 2590

﴿مَنْ﴾: بعضية. ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: يعني: الأنبياء، والرّسل. ﴿أَنْ أَنذِرُوا﴾: أن: مصدرية؛ تفيد: التّعليل، والتّوكيد. ﴿أَنذِرُوا﴾: من الإنذار: وهو الإعلام، والتّحذير، والتّخويف؛ أنذروا المشركين، والعاصين، وغيرهم من النّاس، أو النّاس كافة بالقرآن، وبالإرشاد، والدعوة. ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾: أنّه: تفيد التّوكيد. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾: ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة. ﴿فَاتَّقُونِ﴾: الفاء: للتوكيد؛ اتقون: من التّقوى؛ أيْ: أطيعوا أمري، وتجنبوا ما أنهاكم عنه، أو احذروا عقابي، وعبادة غيري، ثمّ ذكر سبحانه الأدلة على كمال قدرته، وعظمته، ووحدانيته، وأنّه الإله الواحد الّذي يستحق العبادة، وأنّه واجب الوجود. ولم يرد في القرآن: فاتقوني (بياء المتكلم)؛ لأنّ التقوى: لا تكون إلا لله وحده، ولأنّه لا يستطيع أحد أن يتقي الله حق تقاته. تتقون وردت في (١٩) آية، يتقون في (١٨) آية. سورة النحل [١٦: ٣] ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: ارجع إلى الآية (٢٢ - ٢٩) من سورة البقرة، والآية (٣٠) من سورة الأنبياء، وسورة فصلت، آية (٩ - ١٢)، وسورة الأعراف، آية (٥٤)؛ للبيان.

стр. 2591

﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ خلق بتقدير وحساب لا يتغير، ولم يشاركه فيه أحد، والحق: هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير، ولا يتبدل؛ أيْ: بالدقة الفائقة، والقوانين الثّابتة الّتي تحكم الكواكب، والنّجوم، والمجرات بحيث كلٌّ في فلك يسبحون لا تصطدم ببعضها، ولا يتغيَّر بعدُها عن بعضها رغم اختلاف كتلها، وحركتها منذ خلقت منذ (١٣، ٥ مليار سنة)، ولم تخلق عبثاً، ومن دون غاية، وفائدة. ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: تنزه، وتقدس عمّا يشركون. ارجع إلى الآية (١) من نفس السّورة؛ للبيان. سورة النحل [١٦: ٤] ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾: ﴿خَلَقَ﴾: الخلق: الإيجاد؛ ابتدأ بتقدير، وحساب الخلق يكون من العدم، أو من شيء، أو من بعض الشّيء. ﴿الْإِنسَانَ﴾: اسم جنس؛ الإنسان: مشتق من الإنس؛ الّذي يعني: فيه عنصر الألفة، والمحبة. ﴿مِنْ﴾: من: ابتدائية. ﴿نُّطْفَةٍ﴾: وهي نطفة الرّجل؛ أي: الحيوان المنوي، ونطفة المرأة: البويضة. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء: تفيد الإسراع؛ تدل على التّعقيب، والمباشرة في الإسراع في الخصومة ما إن يبلغ سن البلوغ؛ حتّى يبدأ بالخصومة، أو هي فاء السّببية؛ أي: خَلْقه كان سبباً للخصومة، أو تعني: التّوكيد؛ إذا: الفجائية.

стр. 2592

﴿هُوَ خَصِيمٌ﴾: هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿خَصِيمٌ﴾: كثير الخصومة، أو شديد الخصومة، والجدال، ومنكر للحقائق، أو تعني: بدلاً من أن يكون شاكراً لربه على نعمه عليه كان خصماً عنيداً جاحداً لنعمه. ﴿مُبِينٌ﴾: ظاهر، وبين الخصومة؛ أيْ: خصومته، وجحوده، وعناده، وجداله لا يخفى على أحد، وهي خصومة ظاهرة لا تحتاج إلى من يُبينها، أو إلى برهان. سورة النحل [١٦: ٥] ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: ﴿وَالْأَنْعَامَ﴾: وهي ثمانية أزواج؛ أي: الذّكر والأنثى من الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الغنم اثنين، ومن الماعز اثنين. ﴿خَلَقَهَا لَكُمْ﴾: لكم: اللام: لام الاختصاص، والتّعليل لكم خاصة، وتقديم الأنعام؛ للحصر، والاهتمام بكم. ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾: تكرار لكم: يفيد التّوكيد؛ لكم فيها دفء: حيث يصنع من أشعارها، وأوبارها، وأصوافها الملابس، والفرش، والأغطية للتدفئة. قدم الدفء، ثم عطف العام (المنافع) على الخاص وهو الدفء؛ لأن الدفء من أعظم المنافع التي لا ينتبه إليها الكثير من الناس. ﴿وَمَنَافِعُ﴾: مثل: الرّكوب، والحراثة، والتّجارة بها، والبيع، والشّراء، والرّبح. ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: ولم يقل: وتأكلون منها؛ إنما قال: ومنها تأكلون:

стр. 2593

قدَّم الجار، والمجرور منها؛ ليدل على أنّ الأكل هو الأصل؛ أيْ: سخرها لكم أصلاً؛ لتأكلوا منها اللحم، والألبان، والشّحوم. سورة النحل [١٦: ٦] ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: ﴿وَلَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ لكم: خاصة. ﴿فِيهَا جَمَالٌ﴾: أيْ: هي جميلة الصّورة، والمنظر، والتّركيب، كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]. ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾: حين: ظرفية زمانية. ﴿تُرِيحُونَ﴾: حين تردونها عشية إلى مراحها؛ أيْ: حظيرتها الّتي تأوي وتبيت فيها، أو تروح عشية إليها، والمراح: هو مكانها الّذي تأوي إليه، ويسمَّى مراحها. ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: تكرار حين: يفيد التّوكيد. ﴿تَسْرَحُونَ﴾: تخرجونها في الصّباح إلى مسارحها؛ أيْ: مراعيها؛ لترعى، وتسرح؛ أيْ: تخرج لترعى، وتأكل.

стр. 2594

سورة النّحل [الآيات ٧ - ١٤] سورة النحل [١٦: ٧] ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾: جمع ثقل، والثّقل: هو الحمل الثّقيل؛ أي: الأحمال الثّقيلة. ﴿إِلَى بَلَدٍ﴾: بعيد. ﴿لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ﴾: لم: حرف نفي. ﴿بَالِغِيهِ﴾: أيْ: واصلين إليه. ﴿إِلَّا﴾: حصراً. ﴿بِشِقِّ الْأَنفُسِ﴾: شق: مشتقة من المشقة؛ أيْ: بجهد الأنفس، والمشقة، والتعب، والإعياء. ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: لرؤوف: اللام: للتوكيد؛ رؤوف: من الرّأفة، والرأفة: أشد وأبلغ من الرّحمة، وأخص؛ فالرحمة: تكون للمؤمن، وغير المؤمن، والرأفة: فقط للمؤمن. سورة النحل [١٦: ٨] ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾: قدَّم الخيل: لأهميتها، والتّشريف. وقد يسئل سائل: لماذا لم يذكر سبحانه الجمال، أو الإبل؟ لأنها تدخل في

стр. 2595

الأنعام، والسؤال الثاني: ما هو الفرق بين الحمير والحمر المستنفرة كما في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥٠ - ٥١]؟ الحُمر: تعني الحمر الوحشية، والحمير: للأهلية. ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾: اللام: لام التّعليل. ﴿وَزِينَةً﴾: أيْ: جمال، ولم يذكر ولتأكلوها. ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: ويخلق: جاء بصيغة المضارع؛ للتّجدد، والتّكرار، ويخلق ما لا تعلمون كُنْهَهُ مثل: السيارات والطائرات والقطارات والسفن، ومركبات الفضاء، والأقمار الاصطناعية، والطائرات المسيرة. ﴿مَا﴾: اسم مصول بمعنى: الذي، وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿لَا﴾: النّافية. سورة النحل [١٦: ٩] ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾: أيْ: تفضلاً من الله وكرماً منه. ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: وعلى الله تبيين السّبيل: الطريق السهل المستقيم الموصل إلى الغاية، أو القصد؛ أيْ: تبين الطريق الموصل إلى الغاية، وهي التّقوى، ورضوان الله، والحق، والجنة، أو طريق قصد، أو قاصد؛ إذا قصد بك إلى ما تريد، وتبيان السّبيل يكون بإرسال الرّسل، والأنبياء، وإنزال الكتب، والوحي؛ للهداية إلى الإسلام. ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾: السّبل: اسم جنس، ومنها جائر: أيْ: من السّبل، أو من السّبيل (تؤنث وتذكر) ما هو منحرف، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: لو: شرطية وليست للتمني.
следующие страницы →