Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ خلق بتقدير وحساب لا يتغير، ولم يشاركه فيه أحد، والحق: هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير، ولا يتبدل؛ أيْ: بالدقة الفائقة، والقوانين الثّابتة الّتي تحكم الكواكب، والنّجوم، والمجرات بحيث كلٌّ في فلك يسبحون لا تصطدم ببعضها، ولا يتغيَّر بعدُها عن بعضها رغم اختلاف كتلها، وحركتها منذ خلقت منذ (١٣، ٥ مليار سنة)، ولم تخلق عبثاً، ومن دون غاية، وفائدة.
﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: تنزه، وتقدس عمّا يشركون. ارجع إلى الآية (١) من نفس السّورة؛ للبيان.
سورة النحل [١٦: ٤]
﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾:
﴿خَلَقَ﴾: الخلق: الإيجاد؛ ابتدأ بتقدير، وحساب الخلق يكون من العدم، أو من شيء، أو من بعض الشّيء.
﴿الْإِنسَانَ﴾: اسم جنس؛ الإنسان: مشتق من الإنس؛ الّذي يعني: فيه عنصر الألفة، والمحبة.
﴿مِنْ﴾: من: ابتدائية.
﴿نُّطْفَةٍ﴾: وهي نطفة الرّجل؛ أي: الحيوان المنوي، ونطفة المرأة: البويضة.
﴿فَإِذَا﴾: الفاء: تفيد الإسراع؛ تدل على التّعقيب، والمباشرة في الإسراع في الخصومة ما إن يبلغ سن البلوغ؛ حتّى يبدأ بالخصومة، أو هي فاء السّببية؛ أي: خَلْقه كان سبباً للخصومة، أو تعني: التّوكيد؛ إذا: الفجائية.
стр. 2592
﴿هُوَ خَصِيمٌ﴾: هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿خَصِيمٌ﴾: كثير الخصومة، أو شديد الخصومة، والجدال، ومنكر للحقائق، أو تعني: بدلاً من أن يكون شاكراً لربه على نعمه عليه كان خصماً عنيداً جاحداً لنعمه.
﴿مُبِينٌ﴾: ظاهر، وبين الخصومة؛ أيْ: خصومته، وجحوده، وعناده، وجداله لا يخفى على أحد، وهي خصومة ظاهرة لا تحتاج إلى من يُبينها، أو إلى برهان.
سورة النحل [١٦: ٥]
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾:
﴿وَالْأَنْعَامَ﴾: وهي ثمانية أزواج؛ أي: الذّكر والأنثى من الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الغنم اثنين، ومن الماعز اثنين.
﴿خَلَقَهَا لَكُمْ﴾: لكم: اللام: لام الاختصاص، والتّعليل لكم خاصة، وتقديم الأنعام؛ للحصر، والاهتمام بكم.
﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾: تكرار لكم: يفيد التّوكيد؛ لكم فيها دفء: حيث يصنع من أشعارها، وأوبارها، وأصوافها الملابس، والفرش، والأغطية للتدفئة. قدم الدفء، ثم عطف العام (المنافع) على الخاص وهو الدفء؛ لأن الدفء من أعظم المنافع التي لا ينتبه إليها الكثير من الناس.
﴿وَمَنَافِعُ﴾: مثل: الرّكوب، والحراثة، والتّجارة بها، والبيع، والشّراء، والرّبح.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: ولم يقل: وتأكلون منها؛ إنما قال: ومنها تأكلون:
стр. 2593
قدَّم الجار، والمجرور منها؛ ليدل على أنّ الأكل هو الأصل؛ أيْ: سخرها لكم أصلاً؛ لتأكلوا منها اللحم، والألبان، والشّحوم.
سورة النحل [١٦: ٦]
﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾:
﴿وَلَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ لكم: خاصة.
﴿فِيهَا جَمَالٌ﴾: أيْ: هي جميلة الصّورة، والمنظر، والتّركيب، كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧].
﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾: حين: ظرفية زمانية.
﴿تُرِيحُونَ﴾: حين تردونها عشية إلى مراحها؛ أيْ: حظيرتها الّتي تأوي وتبيت فيها، أو تروح عشية إليها، والمراح: هو مكانها الّذي تأوي إليه، ويسمَّى مراحها.
﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: تكرار حين: يفيد التّوكيد.
﴿تَسْرَحُونَ﴾: تخرجونها في الصّباح إلى مسارحها؛ أيْ: مراعيها؛ لترعى، وتسرح؛ أيْ: تخرج لترعى، وتأكل.
стр. 2594
سورة النّحل [الآيات ٧ - ١٤]
سورة النحل [١٦: ٧]
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾: جمع ثقل، والثّقل: هو الحمل الثّقيل؛ أي: الأحمال الثّقيلة.
﴿إِلَى بَلَدٍ﴾: بعيد.
﴿لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ﴾: لم: حرف نفي.
﴿بَالِغِيهِ﴾: أيْ: واصلين إليه.
﴿إِلَّا﴾: حصراً.
﴿بِشِقِّ الْأَنفُسِ﴾: شق: مشتقة من المشقة؛ أيْ: بجهد الأنفس، والمشقة، والتعب، والإعياء.
﴿إِنَّ رَبَّكُمْ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: لرؤوف: اللام: للتوكيد؛ رؤوف: من الرّأفة، والرأفة: أشد وأبلغ من الرّحمة، وأخص؛ فالرحمة: تكون للمؤمن، وغير المؤمن، والرأفة: فقط للمؤمن.
سورة النحل [١٦: ٨]
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾: قدَّم الخيل: لأهميتها، والتّشريف. وقد يسئل سائل: لماذا لم يذكر سبحانه الجمال، أو الإبل؟ لأنها تدخل في
стр. 2595
الأنعام، والسؤال الثاني: ما هو الفرق بين الحمير والحمر المستنفرة كما في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥٠ - ٥١]؟ الحُمر: تعني الحمر الوحشية، والحمير: للأهلية.
﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾: اللام: لام التّعليل.
﴿وَزِينَةً﴾: أيْ: جمال، ولم يذكر ولتأكلوها.
﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: ويخلق: جاء بصيغة المضارع؛ للتّجدد، والتّكرار، ويخلق ما لا تعلمون كُنْهَهُ مثل: السيارات والطائرات والقطارات والسفن، ومركبات الفضاء، والأقمار الاصطناعية، والطائرات المسيرة.
﴿مَا﴾: اسم مصول بمعنى: الذي، وما: أوسع شمولاً من الذي.
﴿لَا﴾: النّافية.
سورة النحل [١٦: ٩]
﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾:
﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾: أيْ: تفضلاً من الله وكرماً منه.
﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: وعلى الله تبيين السّبيل: الطريق السهل المستقيم الموصل إلى الغاية، أو القصد؛ أيْ: تبين الطريق الموصل إلى الغاية، وهي التّقوى، ورضوان الله، والحق، والجنة، أو طريق قصد، أو قاصد؛ إذا قصد بك إلى ما تريد، وتبيان السّبيل يكون بإرسال الرّسل، والأنبياء، وإنزال الكتب، والوحي؛ للهداية إلى الإسلام.
﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾: السّبل: اسم جنس، ومنها جائر: أيْ: من السّبل، أو من السّبيل (تؤنث وتذكر) ما هو منحرف، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: لو: شرطية وليست للتمني.
стр. 2596
﴿شَاءَ﴾: المشيئة: مُلزمة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأما الإرادة: فهي نوعان: إرادة إلزام، وإرادة خيار، وفي هذه الآية تعني لو أراد إرادة إلزام لفعل، ولكنه سبحانه لم يريد وترك لهم الخيار.
﴿لَهَدَاكُمْ﴾: اللام: للتوكيد، والتّعليل.
﴿لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: هداية قسرية، ولكن لم يشأْ ذلك، وترك لكم الخيار لكي تسئلوا عما كنتم تعملون.
﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد. قد يسأل سائل لماذا وقعت هذه الآية في خضم الآيات التي جاءت في سياق تعداد النعم الكونية والإنسانية؟ لأن المقاصد الروحية مثل الهداية لها أهمية كبرى يجب أن لا ننساها، بل هي أعظم من المقاصد البدنية والمعيشية.
سورة النحل [١٦: ١٠]
﴿هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾:
﴿هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ﴾: هو ضمير فصل يفيد التّوكيد، والحصر؛ أيْ: هو وحده الّذي أنزل من السّماء ماءً.
﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: أيْ: من السّحاب؛ أي: السّحب الرّكامية. ارجع إلى سورة المؤمنون، آية (١٨)، وسورة النور، آية (٤٣)؛ للبيان.
وقوله: أنزل من السّماء ماءً، ولم يقل: من السّحاب؛ لأنّ تعريف السّماء: هي كلّ ما يعلو الإنسان يسمَّى: سماء، والسّحاب تعلو الإنسان؛ فالسّماء تعني: السّحاب في هذه الآية.
وكما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النّور: ٤٣].
стр. 2597
﴿لَكُمْ مِّنْهُ شَرَابٌ﴾: ارجع إلى سورة ق، آية (٩)؛ للبيان.
﴿لَكُمْ﴾: خاصة.
﴿مِّنْهُ﴾: من: بعضية.
﴿شَرَابٌ﴾: يعني: الماء العذب، وتقديم منه على الشّراب: يفيد الحصر، والاهتمام؛ أيْ: شرابكم أصله الماء؛ أمّا باقي الماء فيبقى مستودَعاً، ومخزَّناً. ارجع إلى سورة المؤمنون، آية (١٨)؛ للبيان.
﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾: ومن الماء ما يستخدم لسقاية الشّجر، والشّجر منه ما له ساق، ومنه ما ليس له ساق، وهو ما ترعاه الماشية. وقيل: الشجر يطلق على النبات ذي الساق الصلبة ويطلق على مطلق العشب والكلأ، وقال الزجاج: كل ما نبت على الأرض فهو شجر.
﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾: أيْ: ترعون دوابكم، ومواشيكم، والسّوم: الرّعي، وسامت الماشية: إذا رعت حيث شاءت، وتقديم: ومنه شجر؛ أيْ: أصل الشّجر الماء؛ فلولا الماء؛ لما نبت الشّجر.
سورة النحل [١٦: ١١]
﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾:
﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ﴾: بالماء، ينبت: فعل مضارع؛ يدل على التّجدُّد، والتّكرار.
﴿لَكُمْ﴾: خاصة، اللام: لام الاختصاص.
﴿الزَّرْعَ﴾: يشمل الحب؛ مثل: القمح، والرّز، والشّعير، والذّرة.
﴿وَالزَّيْتُونَ﴾: ثمر الزّيتون بأنواعه، وألوانه المختلفة.
﴿وَالنَّخِيلَ﴾: النّخل: اسم جنس؛ يضم النّخيل؛ فالنّخيل: جزء من النّخل، أو قسم من النّخل، ومنه المثمر، وغير المثمر.
стр. 2598
﴿وَالْأَعْنَابَ﴾: بأنواعه، وأشكاله المختلفة.
وذكر هذه الأنواع الأربعة الزّرع، والزّيتون، والنّخيل، والأعناب؛ لأنّها من أهم ما يحتاجه الإنسان في غذائه.
﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: ومن: هنا استغراقية.
﴿كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: أيْ: ثمرات الأرض على اختلاف أصنافها، وأنواعها؛ مثل: الرمان، والتين، والتفاح، والبرتقال … وغيرها، وقد أحصى العلماء أكثر من ألفين نوع.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿ذَلِكَ﴾: ذا: اسم إشارة للبعد؛ يشير إلى إنزال الماء، وإخراج الشّجر، وإنبات الزّرع، والزّيتون، والثّمرات، والنّخيل، والأعناب.
﴿لَآيَةً﴾: اللام: للتوكيد؛ آية: دلالة قاطعة، وبيِّنة، أو علامة ظاهرة.
﴿لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ لكي ينظروا إليها، ويدرسوها، ويصلوا إلى النّتيجة.
﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: التّفكر: هو إعمال العقل في الأخذ بكلّ الدّلائل، والبدائل، وبما أن الثمرات التي تزيد عن (٢٠٠٠) نوع، وكثير منها غير معروفة أو يعلمها الناس فقد أوصى بالتفكير فقال تعالى لقوم يتفكرون للوصول إلى معرفة عظمة وقدرة الخالق ووحدانيَّته، وأنّه هو الخالق، البارئ، المصور، لا إله إلا هو، واجب الوجود؛ الّذي يستحق العبادة، والشّكر على نعمه الّتي لا تعد، ولا تحصى.
стр. 2599
سورة النحل [١٦: ١٢]
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ﴾: سخَّر: خلق، وذلَّل الليل، والنّهار. ارجع إلى سورة إبراهيم، آية (٣٢).
وسخَّر الشّمس والقمر. ارجع إلى سورة إبراهيم، آية (٣٢)، وسورة يونس، آية (٥)؛ للبيان.
سخَّرها؛ ليؤدِّي كلٌّ وظيفته.
سخَّرها؛ لتستقيم بها الحياة على الأرض؛ حياة المخلوقات كلّها بما فيها الإنسان حسب ما اقتضت حكمته؛ فالليل: مسخَّر لراحة الإنسان، والنّهار: آية لطلب الرّزق، والسّعي، والعمل، والشّمس، والقمر: للنور، والدّفء، والطّاقة، ومعرفة الزّمن، والحساب، والشّهر، واليوم. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٥٤)، وسورة فاطر، آية (١٣)، وسورة يونس، آية (٥)؛ للبيان.
﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾: لها مهمتها في الاهتداء بها في السّفر، ومعرفة الجهات، ولها وظيفة التّزين، والشّهب رجوماً للشياطين … وغيرها.
ونلاحظ أنّه لم يأتِ بالنّجوم معطوفة على ما قبلها بالنصب، بل رفعها وخصها بجملة جديدة، وذلك لعظمتها، وكثرتها؛ فإن مجرة درب التبانة تحوي أكثر من (٤٠٠ مليار نجم)، وأقرب نجم يبعد عنا (٥، ٤ سنة ضوئية). والتسخير الأول (الليل والنهار، والشمس والقمر) واضح، ونشهده كل يوم، أما تسخير النجوم معظمه خفي، ومن ذلك مواقعها الّتي أقسم الله بها؛ فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦]. ارجع إلى سورة الواقعة آية (٧٥) لمزيد من البيان.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إنّ: للتوكيد.
стр. 2600
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿ذَلِكَ﴾: ذا: اسم إشارة؛ للبعد تشير إلى الليل، والنّهار، والشّمس، والقمر، والنّجوم.
﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام: للتوكيد. لآيات: ولم يقل آية كما في الآيات (١١، ١٣) من نفس السورة؛ لأن الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم آيات متعددة وليست محصورة في آية كونية واحدة، بل آيات متعددة.
﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: لقوم: اللام: لام الاختصاص.
﴿يَعْقِلُونَ﴾: مشتقة من عقل الشّيء؛ أيْ: عرفه بدليله، ومهمته بأسبابه، ونتائجه، وبالتّالي الوصول إلى الحقيقة، وهي أنّ هذه الآيات تكفي لأي عقل أن تدرك على عظمة، وقدرة الخالق، فهو وحده الّذي سخر هذه المخلوقات الكونية؛ لتدل عليه وحده سبحانه أنه الخالق الحق ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠].
سورة النحل [١٦: ١٣]
﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية.
﴿ذَرَأَ لَكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: ذرأ: بث، ونشر بالتّكاثر، والتّوالد؛ أيْ: خلق خلقاً يتكاثر بذاته، وبثهم، ونشرهم في الأرض من إنسان، وحيوان، ونبات، ومن ذكر وأنثى.
﴿لَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾: من بشر، وحيوان، ونبات، وبأنواعه، وأشكاله، وعدده، وعيشه، وموته، وتجدُّده.
стр. 2601
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً﴾: ارجع إلى الآية (١١). آية: لكونها كلها محصورة في الأرض.
﴿لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿يَذَّكَّرُونَ﴾: أيْ: هي آيات سبق علمها عندكم وهي آيات بينات، فما عليكم إلا أن تذكروها، ولا تنسوها، ولم يقل: لقوم يتذكرون؛ لأنّ هذه الآيات لا تحتاج إلى زمن طويل لتذكُّرها؛ فهي أمام أعينكم بشكل متجدِّد، ومتكرِّر.
سورة النحل [١٦: ١٤]
﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾: وهو: ضمير فصل؛ يفيد الحصر، والتّوكيد.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول؛ يفيد التّعظيم.
﴿سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾: ذلَّل، وأخضع البحر؛ للانتفاع منه؛ ليؤدِّي مهمته. والبحر: اسم جنس، وجمعه بحار، وأبحر الّتي تشكل ثلاثة أرباع مساحة الكرة الأرضية.
﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾: لتأكلوا: اللام: لام التّعليل.
﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾: بعض حيوانات البحر؛ مثل: السّمك، وغيرها من صيد البحر.
﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾: مثل: اللؤلؤ، والمرجان … وغيرها.
وقدَّم منه: الجار والمجرور؛ للحصر.
﴿تَلْبَسُونَهَا﴾: أي: الحلية الّتي تلبسها غالباً النّساء؛ كزينة وبما أنّها زينة للمرأة من أجل زوجها؛ فكأن الزّوج هو الّذي يستمتع بالحلية أيضاً.
стр. 2602
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾: السّفن، والفلك: تطلق على المفرد، والمثنى، والجمع. ارجع إلى سورة إبراهيم، آية (٣٢)؛ للبيان.
﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾: صفة للفلك من المَخْر: هو الشّق يقال مخَرَ الماء: إذا شقها بصوت هادئ تشق الماء شقاً، وقدَّم الفلك على البحر؛ لأنّ الحديث، أو السّياق في وسائل النّقل: الخيل، والبغال، والحمير، والفلك من وسائل النقل، ويخلق ما تعلمون، ولم يقل: وترى الفلك فيه مواخر، كما في الآية (١٢) من سورة فاطر؛ لأنّ السّياق في هذه: هو الحديث عن البحر ذاته، وليس على وسائل النقل.
﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: وزيادة الواو تشير إلى منافع أخرى لم تذكرها الآية؛ مثل: صيد السّمك، والغوص، والسباحة، والرّكوب، ولو قال: لتبتغوا من فضله من دون زيادة الواو؛ لكان المقصود فقط المنافع الّتي ذكرت في الآية فقط، واللام: لام الاختصاص، والتّعليل. من فضل الله: من كرمه، وفضله الفضل يعني: الزّيادة عن الأجر، والجزاء.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: لعل: للتعليل.
﴿تَشْكُرُونَ﴾: المنعم، وهو الله سبحانه على نعمه، ولا تنشغلوا فقط بالنّعمة. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠)؛ لبيان معنى تشكرون.
стр. 2603
سورة النّحل [الآيات ١٥ - ٢٦]
سورة النحل [١٦: ١٥]
﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾:
﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ﴾: الجبال. ألقى: إلقاءً حقيقياً؛ فعندما تثور البراكين تلقي بحممها من الأسفل إلى الأعلى داخل طبقات الأرض، وما إن تندفع من سطح الأرض تعود وتسقط المواد البركانية على الأرض مشكلة الجبال الّتي تمتد داخل الأرض ضعفين، أو أكثر من ارتفاعها على ظهر الأرض؛ فهذه الجبال تلعب دوراً أساسياً في عدم ترنح الأرض، أو الاضطراب، ولا ننسى كتلة الأرض؛ أيْ: لب الأرض المكون من كتلة ضخمة من الحديد غير المنصهر، وقوى الجاذبية، والألواح القارية. لمعرفة الفرق بين ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ﴾، وقوله تعالى ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ﴾ [الرعد: ٣]. ارجع إلى سورة الرعد آية (٣).
﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: أن: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، وكانت تفسر بـ: لئلا تميد بكم، أو خوفاً أن تميد بكم.
﴿تَمِيدَ بِكُمْ﴾: تميد من ماد يميد؛ أيْ: تضطرب الأرض، أو تميل.
﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا﴾: دائماً يربط الأنهار بالجبال؛ لأنّ الأنهار تنبع من قمم الجبال، ثمّ تنحدر على سفوحها، وما إن تصل إلى الأرض حتّى تشق الأنهار، والوديان، وبعض هذه الأنهار يجف؛ فيشكل السبل؛ أي: الطرق السهلة.
стр. 2604
﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: لعلكم: لعل: للتعليل؛ أيْ: لتهتدوا بها في سيركم على الأرض، وإلى مقاصدكم، ولتهتدوا بها إلى من أوجدها وخلقها لكم.
ما هو الفرق بين قوله تعالى تميد بكم، وتميد بهم؟
تميد بكم: بصيغة المخاطب تأتي في سياق الحديث عن ذكر نعم الله تعالى على النّاس.
أما تميد بهم: بصيغة الغائب فتأتي في سياق الحديث عن قدرة الله تعالى، وعظمته، وخلقه، كما في سورة الأنبياء آية (٣١) ﴿وَجَعَلْنَا فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾.
سورة النحل [١٦: ١٦]
﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾:
﴿وَعَلَامَاتٍ﴾: وألقى في الأرض علامات لتهتدوا بها في ظلمات البر، والبحر؛ كالجبال، والأنهار، والطّرق، والأشجار؛ أيْ: مختلف التضاريس الّتي تستعمل كوسائل للهداية للسيارات وللطائرات.
﴿وَبِالنَّجْمِ﴾: الباء: للإلصاق؛ أيْ: بالنّجوم، والنّجم: اسم جنس، ومثال على ذلك الاهتداء بالنّجم القطبي الّذي يتجه إلى الشمال الحقيقي، والذي من معرفة اتجاهه يمكن معرفة الشّرق، والغرب، والجنوب.
﴿هُمْ يَهْتَدُونَ﴾: هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد. يهتدون بالعلامات الظاهرة؛ أي: هداية ظاهرة كالجبال أو الأنهار أو المدن، وهي هداية عامة، وهناك الهداية الخاصة، أو الهداية القلبية.
стр. 2605
﴿يَهْتَدُونَ﴾: بالنّجم، كما في الزّمان القديم، ويهتدون إلى القبلة، أو في أسفارهم، أو أنّ قريش، والعرب آنذاك كانوا هم وحدهم يهتدون بالنّجم، وغيرهم لا يعرفون ذلك، يهتدون بها خاصة في ظلام الليل.
سورة النحل [١٦: ١٧]
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾:
﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري؛ من: للعقلاء.
﴿يَخْلُقُ﴾: وهو الله سبحانه هذه المخلوقات البديعة كالسّموات، والأرض، والماء، والرّواسي، والبحار، والأنهار، والسّبل، والنّجوم، والعلامات؛ أيْ: هذه الآيات الكونية.
﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾: كمن: الكاف: للتشبيه؛ من لا يخلق: أيْ: كالأصنام، والآلهة المزعومة، ورغم أنّ هذه الأصنام، والآلهة لا تعقل استخدم معها حرف (من) للعقلاء؛ لأنّهم لمّا عبدوها وسموها آلهة أجروها مجرى العقلاء؛ فجيء بمن على حسب اعتقادهم الباطل.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أفلا: الهمزة للاستفهام الإنكاري؛ ألا: للحثِّ، والتّحريض.
﴿تَذَكَّرُونَ﴾: أنّ هذه الآلهة، والأصنام هي حجارة لا تنفع، ولا تضر، ولا تخلق شيئاً، ولا تسمع، ولا تبصر، ولا تشفع، ولا تنطق، وأنتم صنعتموها، ولا تحتاجوا إلى عمق في التّفكير، أو طول زمن؛ لتدركوا الحقيقة، أو تذكرون ولم يقل: أفلا تتذكرون التي تحتاج إلى طول زمن للتذكر؛ لأن قضية الخلق واضحة تخص الله تعالى وحده كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
стр. 2606
وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وتعودوا إلى رشدكم، والصّواب؛ فقال: تذكرون، ولم يقل: تتذكرون.
سورة النحل [١٦: ١٨]
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾: وإن: الواو: استئنافية؛ إن: شرطية تفيد الشّك، والاحتمال في عدِّ، أو إحصاء نعمة الله.
﴿نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: لأنّ النّعمة الواحدة تشتمل على نعم لا تُحصى، ولا تعدُّ، ونِعمة: تعني نِعم لا تحصى، وهناك فرق بين نِعمة بكسر النون، ونَعمة بفتح النون، والتي تأتي في سياق النِعم المنبوذة، أو سياق البطر والشر.
﴿لَا﴾: النّافية.
﴿تُحْصُوهَا﴾: الإحصاء: هو العدُّ مع الجمع، والحفظ. ارجع إلى الآية (٣٤) من سورة إبراهيم؛ للبيان، والمقارنة.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿لَغَفُورٌ﴾: اللام: لزيادة التّوكيد؛ غفور: كثير الغفران يغفر الذّنوب جميعاً مهما تعدَّدت، وكبرت الذنوب.
﴿رَحِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من الرّحمة؛ رحيم: كثير الرّحمة؛ رحيماً بالمؤمنين في الدّنيا والآخرة، ولا يعاقبهم على إنكار نعمهُ الظاهرة، والباطنة، وغفور للذنوب العظيمة، وغفاراً للذنوب المتعددة الكثيرة، وإذا قارنا هذه الآية مع قوله تعالى في سورة إبراهيم آية (٣٤): ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا
стр. 2607
إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ فقد جاءت آية سورة النحل في سياق تعداد النعم على الإنسان وتذكيراً بعفو الله ورحمته، وذلك من أكبر النعم، أما آية سورة إبراهيم جاءت في سياق الذين بدلوا نعمة الله كفراً، وأحلوا قومهم دار البوار، ولذلك ختمت بقوله تعالى إن الإنسان لظلوم كفار. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٣٤) لمزيد من البيان والفرق بين نعمة بالتاء المربوطة، ونعمت بالتاء المفتوحة.
سورة النحل [١٦: ١٩]
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي، وهي أوسع شمولاً من الذي.
﴿تُسِرُّونَ﴾: من السّر، والسّر: ما هو تخفيه في نفسك، ولا يعلمه أحد.
﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: إعادة ما: للتوكيد، والفصل بين ما تسرون، وما تعلنون؛ أيْ: كلاً على حِدَةٍ، وتعلنون من العلن، وهو ما تجاهر به، ويكون علناً؛ سواء أهذا العلن كان صادراً من فردٍ، أم جمع غفير الكل يتكلم في آن واحد؛ فهو يعلم كلَّ ما يتكلَّم به عبادُهُ ولو كانوا ملايين الأفراد.
سورة النحل [١٦: ٢٠]
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾:
﴿وَالَّذِينَ﴾: المشركون، والكفار؛ الّذين: اسم موصول يفيد الذم.
﴿يَدْعُونَ﴾: يعبدون الأصنام، والآلهة، ويطلبون منها، ويدعونها للمساعدة، والعون، والشّفاعة.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله.
стр. 2608
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾: لا: النّافية.
﴿يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾: شيئاً: نكرة؛ أيَّ شيء مهما كان نوعه، وحجمه، وشكله، يخلقون سواء أكان من العدم، أم غيره.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾: هم: ضمير يفيد التّوكيد.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾: أيْ: هم أنفسهم يحتاجون إلى من يخلقهم؛ فكيف يخلقون.
سورة النحل [١٦: ٢١]
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾:
هذا وصف لهذه الآلهة، والأصنام المصنوعة من الحجارة، وغيرها إضافة إلى كونها لا تخلق شيئاً هي أموات لا تشعر بكم، ولا بدعائكم، وعبادتكم، وكذلك لا تعلم الغيب، ولا أيّان يوم البعث؛ أيْ: غير قادرة على البعث وإحياء الموتى، وإذا دل هذا إنما يدل على سخافة اعتقادكم بعبادة حجر لا يضر ولا ينفع.
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾: فكلمة غير أحياء؛ تعني: أموات، فلماذا ذكر ذلك؟ هذا يسمَّى إثبات الشّيء، ونفي ضده، ويفيد التّوكيد.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: ما: النّافية.
﴿أَيَّانَ﴾: للاستفهام الزّماني، وتختص بالمستقبل، وفيها معنى التّفخيم، والتّعظيم.
стр. 2609
سورة النحل [١٦: ٢٢]
﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُّنكِرَةٌ وَهُمْ مُّسْتَكْبِرُونَ﴾:
أيْ: كلّ الدلائل، والبراهين الّتي ذكرت سابقاً تدل على بطلان الآلهة، والأصنام، وتدل على أنّه إله واحد لا شريك، وتثبت وحدانيته سبحانه، ورغم كلّ ذلك استمر المشركون على شركهم، واستمروا على عدم إيمانهم بالآخرة، والبعث، والحساب.
فالإله: يعني: المعبود، والمستحق للعبادة، وهو الّذي يأمر بالتكاليف والذي يجب أن يطاع.
﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: أيْ: إله لا شريك له، واحد لا يتجزأ، ولا شريك له. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد.
﴿فَالَّذِينَ﴾: الفاء: استئنافية؛ الّذين: اسم موصول.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: أيْ: بالبعث، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار.
﴿قُلُوبُهُمْ مُّنكِرَةٌ﴾: قلوبهم جاحدة بوجود الله، والبعث، والحساب، ولا تعرف التّوحيد، والإنكار أعم من الجحود، والإنكار يكون للشيء الظاهر، أو الباطن، وقلوبهم منكرة لنعم الله.
﴿وَهُمْ مُّسْتَكْبِرُونَ﴾: جمع مستكبر: اسم فاعل من استكبر؛ أيْ: رفع نفسه فوق ما تستحق، وعظَّم من شأنه، ولا يكتفوا بذلك الإنكار، بل وهم مستكبرون؛ هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
стр. 2610
﴿مُّسْتَكْبِرُونَ﴾: عن الإيمان بربهم، ورسله؛ مستكبرون: جملة اسمية تدل على ثبوت صفة الكبر عندهم، وأنّهم مصرون على شركهم وكفرهم.
سورة النحل [١٦: ٢٣]
﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾:
﴿لَا جَرَمَ﴾: لا: النّافية.
﴿جَرَمَ﴾: لا بد، ولا محالة مشتقة من الجَرْم: القطع، جرم اللحم: قطع اللحم، وهناك من قال: لا جرم تعني حقاً، أو ما يأتي بعد لا جرم دائماً يعتبر حقاً.
﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: أنّ: للتوكيد.
﴿يَعْلَمُ﴾: ما يسرون.
﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: ارجع إلى الآية (١٩) من نفس السّورة.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾: إنّه: للتوكيد؛ إن الله لا يحب المستكبرين: أي: عن الإيمان، والتّوحيد؛ لا يحب الظالمين.
سورة النحل [١٦: ٢٤]
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية شرطية؛ تفيد: حتمية الحدوث.
﴿قِيلَ لَهُمْ﴾: قيل: مبني للمجهول؛ لأنّ المهم هنا المقولة، وليس القائل؛ أيْ: سُئلوا.
﴿مَاذَا﴾: استفهام أشد استفهاماً من ما.
﴿أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾: على رسوله محمّد ﷺ .
стр. 2611
﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: بدلاً من أن يقولوا: القرآن الكريم، والوحي، أو خيراً. قالوا أساطير الأولين: أيْ: أكاذيب وأباطيل.
﴿أَسَاطِيرُ﴾: جمع أسطورة؛ أيْ: كتابات قديمة غلب عليها الباطل، والكذب، أو قصص من الأولين، وخرافات.
سورة النحل [١٦: ٢٥]
﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾:
﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾: ليحملوا: اللام: للتعليل، والتّوكيد، وحذف على ظهورهم كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١].
﴿أَوْزَارَهُمْ﴾: جمع وزر؛ أصل الوزر الحمل على الظّهر، والأزر: هو الظّهر؛ لقوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِى﴾؛ أيْ: ظهري، فالأوزار: الآثام والذّنوب؛ أي: شبه الذنوب بالأوزار الثقيلة.
﴿كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: للتوكيد يوم القيامة.
﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾: ومن: بعضية، أو لبيان الجنس؛ أيْ: يحملون مثل أوزار من يضلونهم كاملة.
﴿الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أي: الّذين أعرضوا عن سبيل الله، وصدوا، وصرفوا غيرهم، ومنعوهم عن الإيمان، والتّصديق بالقرآن، وبالرّسول ﷺ ؛ فهم رؤساء الضّلال سيحملون وزرين: وزر ضلالهم أنفسهم، ووزر إضلالهم لغيرهم.
стр. 2612
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أيْ: هؤلاء الرّؤساء يضلون من لا يعلم أنّهم يتبعون من هو على ضلال مبين، أو قد تعني: أنّ رؤساء الضّلال يضلون غيرهم جاهلين بعاقبة أمرهم، وما سيحملون من آثام، وذنوب.
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾: ألا: أداة تنبيه.
﴿سَاءَ﴾: بئس من أفعال الذّم.
﴿مَا﴾: بمعنى: الّذي؛ اسم موصول.
﴿يَزِرُونَ﴾: ما يحملونه من آثام، وذنوب.
سورة النحل [١٦: ٢٦]
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾:
﴿قَدْ﴾: حرف للتحقيق؛ تفيد التّكثير.
﴿مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: مكر: ارجع إلى الآية (٤٦) من سورة إبراهيم.
مكر الكثير الّذين من قبلهم من قبل كفار مكة؛ مثل: النّمرود، والّذي ألقى بإبراهيم في النّار، وفرعون الّذي حاول قتل موسى … وغيرهم.
﴿مِنْ﴾: ابتدائية؛ أيْ: ما يحدث لك سبق وحدث مع من سبقك من الرّسل.
﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: شبّه مكر الماكرين: وهم كفار قريش حين اجتمعوا على قتل رسول الله ﷺ ، واختاروا من كلّ قبيلة رجلاً فيضربوه ضربة رجل واحد؛ فيتفرق دمه في القبائل؛
стр. 2613
فأتاه جبريل ﵇ فأخبره؛ فنجى رسول الله ﷺ من مكرهم «من سيرة ابن هشام»، وأذاقهم وبال مكرهم، أو مكر النّمرود بإبراهيم، أو فرعون بموسى … وغيرهم.
شبه مكرهم بحال قوم بنوا بنياناً عالياً؛ فتركهم الله سبحانه ليتموا البناء، ويشعروا بالأمن المزيف والباطل؛ فأتى الله بنيانهم من القواعد: إشارة إلى أن الله زلزل الأرض من تحتهم؛ مما أدى إلى إصابة بنياتهم من القواعد؛ أي: الأسس، وجذور بيوتهم؛ مما أدى إلى أن يخرَّ عليهم السقف من فوقهم؛ فيقضي عليهم.
﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: خرَّ سقط بسرعة، ومن دون إنذار.
﴿السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: أيْ: خرَّ البناء من فوقهم، ويعني هم كانوا تحته واقفون، أو جالسون تحته، أو نائمون.
﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: من جهة لا تخطر على بالهم؛ لكي لا يستعدوا لذلك، ولا ينجو منهم أحداً، ولا يتوقعون ذلك؛ فيكون مجيء العذاب فجأة، وهذا إنذار لهم، وأن مكرهم بالرّسل والمؤمنين سيرجع وباله عليهم، ويؤيِّد ذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
стр. 2614
سورة النّحل [الآيات ٢٧ - ٣٤]
سورة النحل [١٦: ٢٧]
﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾:
تستمر الآيات في ذكر ما سيحدث للذين أشركوا بالله، وقلوبهم منكرة للآخرة، والمستكبرون الّذين قالوا: ما أنزل الله هو أساطير الأولين.
﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ثم: للترتيب، والتّراخي في الزّمن.
﴿يُخْزِيهِمْ﴾: والخزي: هو الفضيحة أمام النّاس؛ أيْ: يفضحهم أمام النّاس، أو على رؤوس الخلائق، والأشهاد بكشف أعمالهم المنكرة أمام النّاس، وقدم يوم القيامة على يخزيهم للفت الانتباه إلى عظم الخزي الذي سيحل بهم يوم القيامة والذي لا يمكن مقارنته بالخزي الضئيل في الحياة الدنيا الزائل.
﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ﴾: أين: استفهام توبيخي، وتقريع لهم؛ أيْ: يوبخهم، ويسكتهم بالحُجَّة؛ أيْ: يغلبهم بالحُجَّة.
﴿شُرَكَاءِىَ﴾: من الجن، والإنس؛ أيْ: تلك الأصنام، والأوثان، أو ما كنتم تعبدون من دوني. شركائي: جمع شريك في الطّاعة، والعبادة، والدّعاء.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿كُنتُمْ﴾: كنتم: في الدّنيا.
﴿تُشَاقُّونَ﴾: من الشّق، ويقال: شق الجدار؛ أيْ: جعلتم بينكم وبين الرّسول، والمؤمنين شق لأجلهم؛ لأجل الآلهة، والأصنام، أو الشركاء. تشاقون فيهم: تخاصمون؛ تخالفون أمري لأجلهم، تنازعونني فيهم، وتشاقون: أبقى
стр. 2615
الإدغام ولم يفكه؛ لأنه لم يأتي فيها ذكر رسول الله ﷺ ، وتشاقون: بحذف الياء؛ لأن المشاقة كانت مؤقتة في الدنيا وانتهت حين ماتوا ولم تستمر في الأخرة.
﴿فِيهِمْ﴾: ظرفية بمعنى: لأجلهم؛ لأنّ مشاقة المؤمنين، أو رسوله كأنّها مشاقة لله، ولم يذكر في هذه الآية ردهم على هذا السّؤال، أو الاستفهام، بل ذكره في آيات أخرى؛ كقوله: ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ [غافر: ٧٤]: غابوا عنا، ولم يحضروا.
﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: أوتوا العلم: من الأنبياء، والعلماء، والّذين كانوا يدعون النّاس إلى الإيمان، والتّوحيد؛ أوتوا العلم: علوم الدِّين، والقرآن.
﴿إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿الْخِزْىَ﴾: الفضيحة، والعار.
﴿وَالسُّوءَ﴾: العذاب.
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: على: تفيد العلو، والمشقة.
﴿الْكَافِرِينَ﴾: جمع كافر: لم يؤمن، ويصدق بما أنزل الله، وجَحَدَ به، وبرسله. ارجع إلى سورة البقرة آية (٦) لمزيد من البيان، وسورة التوبة آية (٦٨) لمعرفة الفرق بين الكافرين والكفار.
سورة النحل [١٦: ٢٨]
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول؛ يفيد الذم.
﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: ولم يقل: توفاهم الملائكة.
﴿تَتَوَفَّاهُمُ﴾: من الوفاة، وقيل: الوفاة: هي المرحلة الّتي تسبق قبض الرّوح (الموت)، وقد تطول هذه الفترة، أو تقصر ساعة، أو ساعات، أو أيّام، ويكون فيها المريض غيرَ واعٍ لما حوله في غيبوبة، وقد يكون على الأجهزة التّنفسية، أو
стр. 2616
القلبية، وغيرها الّتي تساعده حتّى تقبض روحه، ومرحلة الوفاة إذا بدأت لا رجعة منها، أما إذا كان المريض في غيبوبة، أو فاقداً وعيه، ثمّ عاد إلى الحياة الدّنيا؛ فهذه لا تعتبر مرحلة الوفاة الّتي نتحدث عنها، ولكن مرحلة الوفاة الحقيقية تبدأ برؤية الملائكة ملائكة الموت وبعدها تستمر إلى أن تقبض روحه، وهنا في هذه المرحلة قد يعذب الكافر، أو المشرك عذاباً شديداً، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠].
﴿ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ﴾: بالكفر، والشّرك، والضّلال، والظلم، والمعاصي؛ أي: الكبائر، أو الآثام، والذّنوب.
﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾: أي: الاستسلام، والخضوع، وأظهروا الطّاعة، وأقروا بالرّبوبية، والوحدانية، وذلك حين أدركوا الحقيقة، وهم في سكرات الموت. ألقوا السّلم: قيل: حين يرون الملائكة في مرحلة الوفاة الّتي تسبق قبض الأرواح، أو يوم القيامة، وما داموا ألقوا السّلم؛ فهذا يدل على أنّهم كانوا في حرب مع الله ورسوله وأنفسهم؛ لمخالفتهم لمنهج الله تعالى، وهم اليوم يلقون أسلحتهم مستسلمين لله تعالى كما يلقي الأسير سلاحه أمام عدوه.
﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾: ما: النّافية.
﴿كُنَّا﴾: في الدّنيا نعمل من سوء؛ من: كفر، وتكذيب، وشرك، ومعاصي؛ أيْ: هم جحدوا، وأنكروا ما كانوا عليه كقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
﴿مِنْ﴾: استغراقية.
﴿بَلَى﴾: حرف جواب تختص بوقوعها بعد النفي فتجعله إثباتاً؛ أيْ: تؤكد الّذي كانوا يعملون من السّوء؛ أيْ: بل عملتم السّوء.
﴿إِنَّ﴾: إنّ: للتوكيد.
стр. 2617
﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة؛ أيْ: كثير العلم، بما كنتم في الدّنيا تعملون من سوء؛ تعني: يعلم كلّ أعمال السّوء الّتي قمتم بها.
﴿بِمَا﴾: والباء: للإلصاق؛ ما: حرف مصدري، أو اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، وأوسع شمولاً من الذي
﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: في الدنيا. تعملون: تشمل الأقوال والأعمال.
لنقارن بين هذه الآية: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ﴾.
والآية (٩٧) من سورة النّساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضِ﴾.
الذين تتوفاهم في سورة النّحل: تدل على أن عددهم أكثر من الّذين توفاهم في سورة النّساء، وتدل على الظلم العام بكل أنواعه، ومنه الشرك، وظلم الغير.
أما آية سورة النّساء: فتدل على عدد الّذين توفاهم الملائكة أقل، وظلمهم كان بعدم قدرتهم على الهجرة؛ ظلم جزئي مقارنة بظلم المذكورين في آية النّحل (الظلم العام).
فاستخدم تتوفاهم للعدد الأكثر، وتوفاهم للعدد الأقل (تاء واحدة).
سورة النحل [١٦: ٢٩]
﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾:
﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾: فادخلوا: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ أي: المباشرة. ادخلوا أبواب جهنم: لم يُبيِّن عددها في هذه الآية، وبيَّنها في سورة الحجر، الآية (٤٤)؛ فقال: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾.
﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾: قيل: هي دركات؛ قيل: دركة من دركاتها، وكلمة جهنم مشتقة من الجهمومة، وهو الشّيء المخوف الكريه المنظر، وكذلك تعني: بعيدة القعر.
стр. 2618
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: من الخلود: وهو البقاء، والاستمرار منذ دخولها بعد الحساب.
﴿فَلَبِئْسَ﴾: الفاء: للتوكيد، واللام: لزيادة التّوكيد؛ بئس: فعل من أفعال الذّم، وجاء بأداتين من أدوات التّوكيد: الفاء، واللام؛ لأنّ قلوبهم منكرة، وهم مستكبرون، ويقولون: أساطير الأولين؛ فلما تمادوا بالكبر والإنكار أكد على عذابهم.
﴿مَثْوَى﴾: المستقر، المثوى: مكان الإقامة الدّائمة المكان السيء الضيق والمقيد لا يسمح بالحركة، أو أسوء من السجن والمطبق عليه. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٥١) لمزيد من البيان ومعرفة الفرق بين مثوى ومأوى.
﴿الْمُتَكَبِّرِينَ﴾: جمع متكبر: الّذين أصبحت صفة الكبر عندهم ثابتة مستمرة، والكبر: هو إظهار عظم الشأن، ورفع النفس فوق ما تستحق. ارجع إلى الآية (٢٣) السّابقة من نفس السّورة.
سورة النحل [١٦: ٣٠]
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾:
بعد أن بيَّن جواب الّذين لا يؤمنون بالآخرة، وقلوبهم منكرة، وهم مستكبرون يُبيِّن جواب الطّرف الآخر المقابل وهم المتقون؛ ليتَّضح الفرق بين الجوابين.
﴿وَقِيلَ﴾: مبني للمجهول؛ لأنّ القائل هنا لا يهم، أو السّائل، والمهم هو المقولة.
﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿اتَّقَوْا﴾: أيْ: ربهم أطاعوا أوامره، وتجنَّبوا نواهيه، واتقوا النّار بأن جعلوا بينهم وبينها حاجزاً.
стр. 2619
﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾: ماذا: استفهام وأقوى في الاستفهام من: ما. ماذا أنزل ربكم: على رسوله، أو عليكم؟ قالوا: خيراً؛ أيْ: قالوا: أنزل الله خيراً؛ حذف أنزل؛ للإيجاز.
﴿قَالُوا خَيْرًا﴾: خيراً بالنّصب، ولما سأل الّذين لا يؤمنون بالآخرة، وقلوبهم منكرة، وهم مستكبرون ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: أساطيرُ الأولين بالرّفع، فلماذا نصب (خيراً)، ورفع (أساطيرُ)؟
أولاً: لأنّ الأساطير (الأكاذيب: جمع أسطورة، أو أكذوبة) ليست من الإنزال في شيء، والنّصب أقوى من الرّفع، وتدل على أن إجابة المتقين كانت بسرعة، وكأنّهم يعرفون سابقاً، ومن دون تردُّد، وحيرة أنّه كان خيراً.
وخيراً: جاء بصيغة النّكرة؛ لتشمل كلّ خير، والخير: هو الطّيب الحلال؛ أيْ: أنزل رحمة، وبركة، وهدى، وشفاء، ووقاية، وموعظة، وحسنة.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾: للذين: اللام: للاختصاص، والاستحقاق.
﴿أَحْسَنُوا﴾: اجتهدوا في العبادة، والأعمال الصّالحة، والطّاعة، والإحسان: هو جودة العمل كماً، وكيفاً. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٢) لمزيد في معنى الإحسان.
﴿فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾: قيل: الحسنة في الدّنيا: النّصر، والفتح، والحياة الطّيبة، والرّزق، والعافية. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠١)؛ لمزيد من البيان في معنى الحسنة لغةً وشرعاً.
وقد بيَّن ذلك في قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النّحل: ٩٧].
стр. 2620
﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾: دار الآخرة خير: من حسنة الدّنيا؛ فحسنة الدّنيا خير، وخيرٌ منها حسنة الآخرة. ولدار الآخرة: اللام: للتوكيد.
﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾: أي: الجنة خير من الدّنيا وما فيها.
﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾: نعمَ: من أفعال المدح.
ثم بيَّن دار المتقين: جناتُ عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار.
سورة النحل [١٦: ٣١]
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِى اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾:
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: جنات الإقامة الدّائمة في النّعيم.
﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أيْ: تنبع من تحتها الأنهار.
﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾: لهم: اللام: للاختصاص؛ تقديم فيها جار ومجرور تفيد حصراً؛ أيْ: حصراً في الجنة لهم فيها ما يشاؤون.
﴿مَا﴾: اسم موصول؛ يعني: الّذي، أو مصدرية.
﴿يَشَاءُونَ﴾: يختارون، ويبغون.
﴿كَذَلِكَ يَجْزِى اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾: أيْ: مثل هذا الجزاء جنات عدن تجري من تحتها الأنهار يجزي الله من اتقاه، وآمن به، وأصبحت التّقوى ثابتة عنده.
سورة النحل [١٦: ٣٢]
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: ارجع إلى الآية (٢٨) من نفس السّورة.
﴿طَيِّبِينَ﴾: أعمالهم صالحة طيبة (أقوالهم، وأفعالهم)، وطاهرين من الظّلم، والكفر، والمعاصي.
﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾: تقول الملائكة لهم: سلام عليكم.
стр. 2621
﴿سَلَامٌ﴾: نكرة ليشمل سلام التّحية، وسلام من الآفات، والمكروه، والموت، وسلام: أمان، واطمئنان، وسلام: ثابت دائم لا ينقطع؛ سلام عليكم من ربكم؛ سلام عليكم من الملائكة.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: بما: الباء: للإلصاق والبدلية، أو التّوكيد.
﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: في الدّنيا، تعملون: تضم الأقوال، والأفعال.
سورة النحل [١٦: ٣٣]
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾:
بعد أن أجابوا على السّؤال ماذا أنزل ربكم قالوا: أساطير الأولين، ثمّ بيَّن عاقبة أمرهم، وماذا سيحدث لهم يوم القيامة، وكيف تتوفاهم الملائكة؛ إذن: ما ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم، أو يأتيهم العذاب ليستأصلهم.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: هل: للاستفهام فيه معنى النفي؛ أيْ: ما ينظرون.
﴿يَنْظُرُونَ﴾: من الانتظار، والترقب.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: لقبض أرواحهم.
﴿أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: أي: العذاب المستأصل لهم في الدّنيا؛ كالصّواعق، والكوارث، والزلازل، أو أمر الله فيهم؛ أيْ: يوم القيامة، وأهواله، وعذابه.
﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: كذلك؛ أيْ: مثل الّذي فعلوه من الشّرك، والتّكذيب، والإعراض عن الرّسل؛ فعل الّذين من قبلهم من الأقوام السّابقة الّذين كذبوا برسلهم؛ فأتاهم العذاب، أو أمر الله من حيث لا يشعرون.
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾: بإهلاكهم بالعذاب، أو تدميرهم، أو أخذهم بالبأساء، والضّراء؛ لأنّه سبحانه أنذرهم، وحذرهم، وأمهلهم.
стр. 2622
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: ولكن: حرف استدراك، وتوكيد.
﴿كَانُوا﴾: في الدّنيا.
﴿أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بما فعلوا ما يستوجب العذاب، أو الاستئصال؛ أنفسهم يظلمون: بالشّرك، والمعاصي، وظلم الآخرين، والخروج عن منهج الله تعالى.
سورة النحل [١٦: ٣٤]
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾:
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾: فأصابهم: الفاء: للتوكيد، أو المباشرة؛ أصابهم سيئات ما عملوا: أيْ: أصابهم جزاء ما عملوا من السّيئات، وسمَّى الجزاء باسم سيئات الأعمال.
﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: أي: نزل بهم العذاب، أو أحاط بهم العذاب؛ فلا يستطيعون الفرار، ولا يجدون منفذاً، أو ملجأ يلجؤون إليه. ارجع إلى سورة غافر، آية (٤٥)؛ لمزيد من البيان، والفرق بين حاق ونزل.
﴿مَا﴾: بمعنى: الّذي، أو مصدرية.
﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: به: تعود على العذاب، أو البعث، أو الحساب، أو الرّسل، والملائكة.
﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٨) من سورة هود، والآية (١١) من سورة الحجر؛ للبيان.
стр. 2623
سورة النّحل [الآيات ٣٥ - ٤٢]
سورة النحل [١٦: ٣٥]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَىْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: أيْ: مشركو مكة، وغيرهم من الكفار.
﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ﴾: أيْ: من غيره من الآلهة، والأصنام؛ مثل: اللات، والعزى.
﴿مِنْ شَىْءٍ﴾: من: استغراقية؛ تشمل أيَّ شيء؛ كالآلهة، والأصنام، وعيسى، وعزير، والملائكة.
﴿نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾: أيْ: أنهم أشركوا بالله، ونسبوا ذلك إلى مشيئة الله تعالى بزعمهم دفاعاً عن شرعهم الباطل، وتقليدهم لآبائهم، ولو شاء الله لأجبرهم، وأقسرهم على عبادته وحده، وأنزل عليهم عذاباً من السّماء، أو آية؛ فالله سبحانه قادر، ولظلَّت أعناقهم لها خاضعين، ولكنه سبحانه لم يرد ذلك، بل خيرهم بعد أن بيَّن لهم الحق من الباطل، وأنذرهم بعاقبة أمرهم.
﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَىْءٍ﴾: كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. ارجع إلى سورة المائدة، آية (١٠٣)؛ للبيان.
﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أيْ: كذبوا، وأشركوا، وحرموا، أو أحلوا، كما يشاؤون، وليس كما يشاء الله سبحانه.
﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: فهل: استفهام تقريري.
стр. 2624
﴿الرُّسُلِ﴾: الأنبياء، والرّسل.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: أيْ: ما على الرّسل إلا تبليغ الرّسالة كاملة، وبشكل واضح.
سورة النحل [١٦: ٣٦]
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد؛ أيْ: قد تحقق ذلك.
﴿بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾: بعثنا: من البعث، ولم يقل: أرسلنا. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ للبيان الفرق بين البعث، والإرسال.
﴿فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾: في: ظرفية؛ كقوله تعالى ﴿وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤].
﴿أُمَّةٍ﴾: جماعة من النّاس تجمعها عقيدة، أو ملَّة، أو شريعة بغضِّ النظر عن الكم، أو الحيِّز الجغرافي.
﴿رَسُولًا﴾: كلّ رسول نبي، وليس كلّ نبي رسولاً. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٤)؛ لبيان الفرق بين الرّسول والنّبي.
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾: أن: مصدرية تفيد التّعليل، والتّوكيد.
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً.
стр. 2625
العبادة: هي طاعة العابد للمعبود؛ فيما أمر ونهى، ولها منهج افعل، أو لا تفعل، ولها جزاء، ولا تكون إلا للخالق، ولا بُدَّ معها من معرفة المعبود.
﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾: الاجتناب: هو الابتعاد؛ أي: ابتعدوا عن عبادة الطّاغوت، أو طاعته، والاجتناب: أشد من التّحريم؛ أمّا الطّاغوت: فارجع إلى الآية (٢٥٦) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ﴾: تعود على أفراد الأمم المذكورة؛ من: ابتدائية بعضية؛ من: الثّانية تفيد التّوكيد.
﴿هَدَى اللَّهُ﴾: أي: استجاب لأوامر الله بالطّاعة، واجتناب الطّاغوت، ووحَّد الله، وطلب الهداية، واستعان بالله فوفَّقه الله تعالى وهداه.
﴿وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾: ومنهم مثل السّابقة من حقت عليه الضّلالة؛ أيْ: رفض الاستجابة لله وعبادة الله، ووحدانيته، وطاعته، وسار في طريق الكفر، والضّلالة، واستمر على ذلك؛ فوجبت له الضّلالة؛ أيْ: تركه الله تعالى في ضلاله يرتع ويلعب. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٣٠)؛ لمعرفة الفرق بين حقَّت عليه الضلالة، وحقَّ عليه الضلالة.
﴿فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ﴾: فسيروا: الفاء: تفيد التّرتيب، والمباشرة.
﴿فِى الْأَرْضِ﴾: في: ظرفية؛ لأنّ الأرض تعني: الأرض، وتشمل: الطّبقة الغازية الّتي حولها، ولم يقل: على الأرض سيروا في الأرض؛ للاعتبار، والاطلاع على آثار الأمم السّابقة، وخراب ديارهم، وهلاكهم، ولمعرفة الفرق بين فسيروا في الأرض، ثمّ سيروا في الأرض؛ ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١٣٧).
﴿فَانْظُرُوا﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ انظروا: نظرة عينية، وقلبية فكرية، ونظرة اتعاظ.
стр. 2626
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: كيف: للاستفهام، والتّعجب، والإنكار.
﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: تذكير العاقبة باستعمال كان، وليس كانت؛ تعني: العذاب في كلّ القرآن الكريم؛ أمّا لو قال تعالى: كانت عاقبة بالتأنيث بدلاً من كان عاقبة؛ لدلَّت على الجنة، أو العاقبة الحسنة، أو الحسنى.
﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾: بالرّسل، وبما أنزل الله من الآيات الكونية، والمعجزات، وآيات القرآن، والمكذبين: جملة اسمية تفيد ثبوت الكذب عندهم، وأنّه أصبح صفة ثابتة عندهم؛ مقارنة بالّذين كذبوا الّذين صفة الكذب عندهم تتجدَّد، أو تتكرَّر، وأحياناً يصدقون في أقوالهم.
سورة النحل [١٦: ٣٧]
﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾:
﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشّك.
﴿تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾: تحرص: من الحرص: هو أشد الطّمع، والرغبة؛ فرغبة الرّسول ﷺ في إسلام قومه، وهدايتهم كان شغله الشّاغل.
فجاءت هذه الآية: لتخبره أنّ حرصه وطمعه لن يجدي شيئاً لمن اختار لنفسه الضّلال، والسّير في طريق الكفر؛ فهؤلاء لا يهديهم الله، ويتركهم وشأنهم يفعلون ما يشاؤون.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ يُضِلُّ﴾: فإن: الفاء: للتوكيد؛ إن: لزيادة التّوكيد.
﴿لَا يَهْدِى مَنْ يُضِلُّ﴾: لا: النّافية؛ لا يهدي الله إلى صراطه (دينه)، وطاعته من اختار طريق الضّلالة، ويريد أن يضل، وابتعد، وضل ضلالاً بعيداً، ولم يعد هناك أمل في عودته.
стр. 2627
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: وما: الواو: عاطفة؛ ما: النّافية.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿مِنْ﴾: استغراقية تشمل كلّ النّاصرين؛ أيْ: ما لهم يوم القيامة من أيِّ ناصر، أو من يدافع عنهم، أو يشفع لهم، أو يقدِّم لهم الفداء ولو كان له ملك الأرض، ولو افتدى به.
سورة النحل [١٦: ٣٨]
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾: من صفات المشركين، والمكذبين، والّذين لا يؤمنون بالآخرة؛ اعتقادهم أن البعث، والحساب أمر باطل، ولذلك يقسمون بالله جهد أيمانهم أغلظ الأيمان غير مصدقين بأنّ الله يبعث من يموت فهم يعتقدون اعتقاداً صادقاً مبنياً على الظّن، أو الباطل أنّه ليس هناك آخرة، أو حساب، أو بعث، ولم يقل: ويحلفون، وإنما قال: وأقسموا، والقسم غير الحلف. ارجع إلى سورة التوبة، آية (٥٦)؛ للبيان.
﴿بَلَى﴾: بلى: هنا تنفي النّفي الّذي قبلها؛ فيكون معناها: بل يبعث الله من يموت؛ لأنها حرف جواب تختص بوقوعها بعد النّفي؛ فتجعله إثباتاً.
﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾: الوعد: هو الإخبار بشيء لم يأتِ زمنه بعد.
﴿حَقًّا﴾: من الحق، وهو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير الوعد عادة يستخدم في الخير، واستعمل هنا في التّهديد بدلاً من الوعيد في سبيل التّهكم، والاستهزاء بهم؛ لأن الوعد إذا أطلق يعني: الخير، وإذا لم يطلق قد يأتي بمعنى الشّر؛ للتهكم، والاستهزاء؛ كقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء: ١٣٨].
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لكن: للاستدراك، والتّوكيد. لا
стр. 2628
يعلمون: أنّ الله قادر على البعث، والنّشر، وهو أهون عليه، كما أكد ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].
سورة النحل [١٦: ٣٩]
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾:
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾: ليبيِّن: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد؛ يبيِّن لهم: لمنكري البعث، والحساب.
﴿لَهُمُ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾: الّذي: اسم موصول؛ الّذي يختلفون فيه من أمر البعث، والحساب.
﴿يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾: ولم يقل: اختلفوا فيه؛ لأنّهم استمروا على الاختلاف، والتّكذيب به؛ حتّى يومنا هذا، وأصرُّوا على ذلك رغم كلّ البراهين، والآيات.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: وليعلم: اللام: للتعليل، والتّوكيد؛ الّذين كفروا.
﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾: أنّ: للتوكيد؛ كانوا في الدّنيا كاذبين في قولهم: لا يبعث الله من يموت.
سورة النحل [١٦: ٤٠]
﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: للتوكيد والحصر.
﴿قَوْلُنَا لِشَىْءٍ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ شيء: نكرة؛ أيِّ شيء ذكراً، أو أنثى، أو صغيراً، أو كبيراً، أو مهما كان نوعه، وشكله، وحجمه.
﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾: إذا: ظرفية للزمن المستقبل.
стр. 2629
﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾: أن: حرف مصدري يفيد التّوكيد، والتّعليل.
﴿لَهُ﴾: الهاء: تعود على الشّيء.
﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾: أيْ: إذا أراد الله شيئاً ما، أو أمراً ما مهما كان فبمجرَّد الإرادة فقط يُخلق ذلك الشّيء، أو يقع؛ أيْ: يحدث، وسبحانه لا يحتاج في ذلك للقول للشيء، أو الأمر كنْ فيكون، ولا يحتاج إلى زمن للانتظار؛ لأنّ القول كنْ فيكون يحتاج إلى زمن فالله سبحانه هو خالق الزّمن، ولا يحتاج حتّى إلى زمن يقدر بزمن القول كنْ ليكون، وإنما ذلك لتقريب مسألة الخلق إلى أذهان البشر، وسرعة الاستجابة إلى إرادته.
سورة النحل [١٦: ٤١]
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِى اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾:
سبب نزول الآية: قيل: نزلت هذه الآية في نفر من الصّحابة في زمن الرّسول ﷺ هاجروا إلى المدينة، وتركوا أموالهم، وديارهم ابتغاء مرضاة الله، كما رُوي عن ابن عبّاس ﵄، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السّبب.
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِى اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾: الّذين اسم موصول يفيد المدح.
﴿هَاجَرُوا﴾: في سبيل الله، وليس لسبب آخر، والهجرة ترك الوطن، أو الدّيار في سبيل الدّعوة، وإقامة الدِّين، أو إعلاء كلمة الله، أو استجابة لأمر من الله ورسوله، وهناك فرق بين هجر، وهاجر، هاجر تعني: أُخرج من وطنه مكرهاً، ومن دون اختيار بسبب الاضطهاد، أو عدم استطاعة إقامة شعائر دينه، أما هجر؛ أيْ: ترك وطنه باختياره، ومن دون أن يكون مضطهداً مثلاً ترك وطنه مختاراً يبحث عن عيشةٍ، أو معاشٍ أفضل.
هاجروا في الله، ولم يقل: إلى الله؛ في الله؛ أيْ: كان أحدهم سابقاً مظلوماً،
стр. 2630
وصابراً يتحمل الأذى في سبيل دينه؛ فهو في حالة تشبه حالة الهجرة، ثمّ أُلجئ، أو اضطر إلى ترك وطنه؛ فهو كأنّه استمر في هجرته في الله؛ أيْ: سواء أقام في وطنه، أو تركه إلى وطن ثانٍ، هو في هجرة في الله جديدة.
أمّا إذا كان غير مضطهد، أو يتعرض لأذى، وطلب منه الهجرة؛ فهو يهاجر إلى الله.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾: من: ابتدائية؛ أيْ: هاجروا من بعد أن ظُلموا مباشرة، ولم يكن هناك فاصل طويل بين الظّلم، والهجرة، ولو قال: بعد ما ظلموا لكان هناك فاصل زمنيٌّ طويل، أو قصير بين الظّلم، والهجرة، والفتنة: هنا في الدِّين؛ مثل الاضطهاد، والتّنكيل لكي يرتدُّوا عن دينهم.
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: لنبوئنَّهم: اللام: لام الاختصاص؛ أي: الاستحقاق، وقد تكون لام التّعليل، أو حتّى هناك من يقول: إنّها لام القسم، أو: الموطئة للقسم، أو: التّوكيد؛ نبوئنَّهم: ننزلهم، أو نسكننَّهم منازل ومساكن أفضل من منازلهم التي هجروها في سبيل الله وهي جنات الفردوس، جنات النعيم التي أعدت لهم مشتقة من فعل باء؛ أيْ: رجع. ارجع إلى الآية (٨٧ - ٩٣) من سورة يونس؛ للبيان.
﴿فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: أيْ: لننزلنَّهم منزلة أحسن، وأفضل من الّتي كانوا عليها، ونرزقنَّهم رزقاً حسناً آمنين غير خائفين؛ أيْ: عندما يهاجروا إلى الله، أو في الله؛ هذا في الدّنيا. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠١)؛ لمعرفة معنى الحسنة.
أمّا في الآخرة: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾: ولأجر: اللام: لام التّوكيد؛ أجر الآخرة: الجنة، ورضوان الله تعالى أكبر بكثير من أجر الدّنيا، بل هو أفضل، وأعظم.
следующие страницы →