← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: كيف: للاستفهام، والتّعجب، والإنكار. ﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: تذكير العاقبة باستعمال كان، وليس كانت؛ تعني: العذاب في كلّ القرآن الكريم؛ أمّا لو قال تعالى: كانت عاقبة بالتأنيث بدلاً من كان عاقبة؛ لدلَّت على الجنة، أو العاقبة الحسنة، أو الحسنى. ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾: بالرّسل، وبما أنزل الله من الآيات الكونية، والمعجزات، وآيات القرآن، والمكذبين: جملة اسمية تفيد ثبوت الكذب عندهم، وأنّه أصبح صفة ثابتة عندهم؛ مقارنة بالّذين كذبوا الّذين صفة الكذب عندهم تتجدَّد، أو تتكرَّر، وأحياناً يصدقون في أقوالهم. سورة النحل [١٦: ٣٧] ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشّك. ﴿تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾: تحرص: من الحرص: هو أشد الطّمع، والرغبة؛ فرغبة الرّسول ﷺ في إسلام قومه، وهدايتهم كان شغله الشّاغل. فجاءت هذه الآية: لتخبره أنّ حرصه وطمعه لن يجدي شيئاً لمن اختار لنفسه الضّلال، والسّير في طريق الكفر؛ فهؤلاء لا يهديهم الله، ويتركهم وشأنهم يفعلون ما يشاؤون. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ يُضِلُّ﴾: فإن: الفاء: للتوكيد؛ إن: لزيادة التّوكيد. ﴿لَا يَهْدِى مَنْ يُضِلُّ﴾: لا: النّافية؛ لا يهدي الله إلى صراطه (دينه)، وطاعته من اختار طريق الضّلالة، ويريد أن يضل، وابتعد، وضل ضلالاً بعيداً، ولم يعد هناك أمل في عودته.

стр. 2627

﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: وما: الواو: عاطفة؛ ما: النّافية. ﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق. ﴿مِنْ﴾: استغراقية تشمل كلّ النّاصرين؛ أيْ: ما لهم يوم القيامة من أيِّ ناصر، أو من يدافع عنهم، أو يشفع لهم، أو يقدِّم لهم الفداء ولو كان له ملك الأرض، ولو افتدى به. سورة النحل [١٦: ٣٨] ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾: من صفات المشركين، والمكذبين، والّذين لا يؤمنون بالآخرة؛ اعتقادهم أن البعث، والحساب أمر باطل، ولذلك يقسمون بالله جهد أيمانهم أغلظ الأيمان غير مصدقين بأنّ الله يبعث من يموت فهم يعتقدون اعتقاداً صادقاً مبنياً على الظّن، أو الباطل أنّه ليس هناك آخرة، أو حساب، أو بعث، ولم يقل: ويحلفون، وإنما قال: وأقسموا، والقسم غير الحلف. ارجع إلى سورة التوبة، آية (٥٦)؛ للبيان. ﴿بَلَى﴾: بلى: هنا تنفي النّفي الّذي قبلها؛ فيكون معناها: بل يبعث الله من يموت؛ لأنها حرف جواب تختص بوقوعها بعد النّفي؛ فتجعله إثباتاً. ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾: الوعد: هو الإخبار بشيء لم يأتِ زمنه بعد. ﴿حَقًّا﴾: من الحق، وهو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير الوعد عادة يستخدم في الخير، واستعمل هنا في التّهديد بدلاً من الوعيد في سبيل التّهكم، والاستهزاء بهم؛ لأن الوعد إذا أطلق يعني: الخير، وإذا لم يطلق قد يأتي بمعنى الشّر؛ للتهكم، والاستهزاء؛ كقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء: ١٣٨]. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لكن: للاستدراك، والتّوكيد. لا

стр. 2628

يعلمون: أنّ الله قادر على البعث، والنّشر، وهو أهون عليه، كما أكد ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. سورة النحل [١٦: ٣٩] ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾: ليبيِّن: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد؛ يبيِّن لهم: لمنكري البعث، والحساب. ﴿لَهُمُ﴾: اللام: لام الاختصاص. ﴿الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾: الّذي: اسم موصول؛ الّذي يختلفون فيه من أمر البعث، والحساب. ﴿يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾: ولم يقل: اختلفوا فيه؛ لأنّهم استمروا على الاختلاف، والتّكذيب به؛ حتّى يومنا هذا، وأصرُّوا على ذلك رغم كلّ البراهين، والآيات. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: وليعلم: اللام: للتعليل، والتّوكيد؛ الّذين كفروا. ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾: أنّ: للتوكيد؛ كانوا في الدّنيا كاذبين في قولهم: لا يبعث الله من يموت. سورة النحل [١٦: ٤٠] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: للتوكيد والحصر. ﴿قَوْلُنَا لِشَىْءٍ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ شيء: نكرة؛ أيِّ شيء ذكراً، أو أنثى، أو صغيراً، أو كبيراً، أو مهما كان نوعه، وشكله، وحجمه. ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾: إذا: ظرفية للزمن المستقبل.

стр. 2629

﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾: أن: حرف مصدري يفيد التّوكيد، والتّعليل. ﴿لَهُ﴾: الهاء: تعود على الشّيء. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾: أيْ: إذا أراد الله شيئاً ما، أو أمراً ما مهما كان فبمجرَّد الإرادة فقط يُخلق ذلك الشّيء، أو يقع؛ أيْ: يحدث، وسبحانه لا يحتاج في ذلك للقول للشيء، أو الأمر كنْ فيكون، ولا يحتاج إلى زمن للانتظار؛ لأنّ القول كنْ فيكون يحتاج إلى زمن فالله سبحانه هو خالق الزّمن، ولا يحتاج حتّى إلى زمن يقدر بزمن القول كنْ ليكون، وإنما ذلك لتقريب مسألة الخلق إلى أذهان البشر، وسرعة الاستجابة إلى إرادته. سورة النحل [١٦: ٤١] ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِى اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: سبب نزول الآية: قيل: نزلت هذه الآية في نفر من الصّحابة في زمن الرّسول ﷺ هاجروا إلى المدينة، وتركوا أموالهم، وديارهم ابتغاء مرضاة الله، كما رُوي عن ابن عبّاس ﵄، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السّبب. ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِى اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾: الّذين اسم موصول يفيد المدح. ﴿هَاجَرُوا﴾: في سبيل الله، وليس لسبب آخر، والهجرة ترك الوطن، أو الدّيار في سبيل الدّعوة، وإقامة الدِّين، أو إعلاء كلمة الله، أو استجابة لأمر من الله ورسوله، وهناك فرق بين هجر، وهاجر، هاجر تعني: أُخرج من وطنه مكرهاً، ومن دون اختيار بسبب الاضطهاد، أو عدم استطاعة إقامة شعائر دينه، أما هجر؛ أيْ: ترك وطنه باختياره، ومن دون أن يكون مضطهداً مثلاً ترك وطنه مختاراً يبحث عن عيشةٍ، أو معاشٍ أفضل. هاجروا في الله، ولم يقل: إلى الله؛ في الله؛ أيْ: كان أحدهم سابقاً مظلوماً،

стр. 2630

وصابراً يتحمل الأذى في سبيل دينه؛ فهو في حالة تشبه حالة الهجرة، ثمّ أُلجئ، أو اضطر إلى ترك وطنه؛ فهو كأنّه استمر في هجرته في الله؛ أيْ: سواء أقام في وطنه، أو تركه إلى وطن ثانٍ، هو في هجرة في الله جديدة. أمّا إذا كان غير مضطهد، أو يتعرض لأذى، وطلب منه الهجرة؛ فهو يهاجر إلى الله. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾: من: ابتدائية؛ أيْ: هاجروا من بعد أن ظُلموا مباشرة، ولم يكن هناك فاصل طويل بين الظّلم، والهجرة، ولو قال: بعد ما ظلموا لكان هناك فاصل زمنيٌّ طويل، أو قصير بين الظّلم، والهجرة، والفتنة: هنا في الدِّين؛ مثل الاضطهاد، والتّنكيل لكي يرتدُّوا عن دينهم. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: لنبوئنَّهم: اللام: لام الاختصاص؛ أي: الاستحقاق، وقد تكون لام التّعليل، أو حتّى هناك من يقول: إنّها لام القسم، أو: الموطئة للقسم، أو: التّوكيد؛ نبوئنَّهم: ننزلهم، أو نسكننَّهم منازل ومساكن أفضل من منازلهم التي هجروها في سبيل الله وهي جنات الفردوس، جنات النعيم التي أعدت لهم مشتقة من فعل باء؛ أيْ: رجع. ارجع إلى الآية (٨٧ - ٩٣) من سورة يونس؛ للبيان. ﴿فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: أيْ: لننزلنَّهم منزلة أحسن، وأفضل من الّتي كانوا عليها، ونرزقنَّهم رزقاً حسناً آمنين غير خائفين؛ أيْ: عندما يهاجروا إلى الله، أو في الله؛ هذا في الدّنيا. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠١)؛ لمعرفة معنى الحسنة. أمّا في الآخرة: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾: ولأجر: اللام: لام التّوكيد؛ أجر الآخرة: الجنة، ورضوان الله تعالى أكبر بكثير من أجر الدّنيا، بل هو أفضل، وأعظم.

стр. 2631

﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: لو: شرطية. ﴿كَانُوا﴾: تعود إلى المهاجرين لجاهدوا بأموالهم، وأنفسهم أكثر وأكثر، واجتهدوا في صبرهم في سبيل الله لنيل الأجر الأكبر فالأكبر، أو تعود إلى الكفار، والمشركين الّذين أخرجوا المؤمنين من ديارهم، لو كانوا يعلمون ما سيُعطى لهؤلاء المؤمنين من الأجر؛ لتركوهم من دون أذى، أو لآمنوا معهم، أو قد تعود إلى المؤمنين الّذين لم يهاجروا، وفي هذا ترغيب للهجرة في سبيل الله، ونيل أجر الآخرة الأكبر. سورة النحل [١٦: ٤٢] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: الّذين: اسم موصول؛ يفيد المدح، وتعود على الّذين هاجروا في الله. ﴿صَبَرُوا﴾: بصيغة الماضي؛ أيْ: فعلاً صبروا، وحدث منهم الصّبر على طاعة الله، وعلى أذى المشركين صبروا ابتغاء وجه الله وحده. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: قدَّم الجار والمجرور. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾: للحصر، والتّوكيد؛ أيْ: فقط على الله وحده يتوكلون. ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾: يطلبون المساعدة، والعون من الله تعالى بعد تقديم الأسباب، وتوكلهم مستمر غير منقطع، ومتجدِّد، ويدل على ذلك كلمة يتوكلون جاءت بصيغة الفعل المضارع الدّال على التّجدُّد، والتّكرار. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لبيان معنى التّوكل.

стр. 2632

سورة النّحل [الآيات ٤٣ - ٥٤] سورة النحل [١٦: ٤٣] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: هذه الآية ردٌّ على سؤالهم: ولو شاء الله لأنزل ملائكة وإنكارهم أن يرسل الله بشراً رسولاً، ويريدون ملكاً رسولاً. ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية؛ ما: النّافية. ﴿أَرْسَلْنَا﴾: بصيغة الجمع؛ للتعظيم؛ أرسلنا: تعني: بمنهج جديد، أو رسالة جديدة، وهناك فرق بين أرسلنا، وبعثنا. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩)؛ للبيان. ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾: إلا: أداة حصر. ﴿رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِمْ﴾: رجالاً: لها عدة معانٍ: الأول: أي: لن يرسل ملائكة، كما يطلبون. الثّاني: فيها دلالة على أنّ النّبوَّة لا تكون إلّا في الرجال فقط، ولا تكون في النّساء. الثالث: رجالاً نحن نختارهم، ولستم أنتم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. الرابع: يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق رداً على قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧].

стр. 2633

﴿نُّوحِى إِلَيْهِمْ﴾: الوحي: هو إعلام بخفاء، وشرعاً: هو ما يلقي الله على أنبيائه ورسله من تكاليف، وتعاليم دينية، وآيات ووعد ووعيد، ويكون بإرسال رسول؛ كجبريل، أو التكلُّم من وراء حجاب، أو غيره من الوسائل. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان. ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: فاسألوا أيها المشركون أهل الذّكر من مؤمني أهل الكتاب؛ مثل عبد الله بن سلام، أو سلمان الفارسي، أو علماء التّوراة والإنجيل؛ مثل: ورقة بن نوفل، وقيل: أهل الذّكر أيضاً أهل القرآن عن الرّسل الّذين جاؤوا قبل محمّد ﷺ ، هل كانوا إلّا بشراً، وما جاؤوا به الحق من ربهم، أو اسألوا أهل الذكر من هو النّبي المنتظر. ﴿إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: إن: شرطية تفيد الشّك، والاحتمال. سورة النحل [١٦: ٤٤] ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾: أرسلناهم بالبينات، جمع بيِّنة؛ أيْ: بالحجج الواضحة الدّالة على صدق دعواهم، والمعجزات، والآيات. ﴿وَالزُّبُرِ﴾: الكتب السّماوية السّابقة. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لبيان معنى: الزّبر. ﴿وَأَنزَلْنَا﴾: أيْ: جملة واحدة، أو دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، بينما نزلنا تعني: بالتدرج على دفعات خلال (٢٣) عام، ونزلنا: جاءت في سياق التوكيد والاهتمام. ﴿إِلَيْكَ﴾: إلى: تفيد عموم الغايات؛ أيْ: للتبليغ، والإيصال إلى النّاس. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لمعرفة الفرق بين إليك وعليك.

стр. 2634

﴿الذِّكْرَ﴾: القرآن، وسمِّي الذكر؛ لأنّه تذكرة لمن يخشى؛ لأنّه هو الشرف، والرفعة لهذه الأمة إليك، ولم يقل: عليك. ارجع إلى الآية (٤) من سورة البقرة، وسورة ص آية (١). ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾: لتبيِّن: اللام: للتعليل. ﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: للاختصاص؛ أيْ: توضح، وتشرح لهم. ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾: من الأحكام، والشّرائع، والحرام، والحلال. ﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، أو مصدرية. وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: لعل: أداة للتعليل. ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: أيْ: ينظرون في البينات، والدّلائل للوصول إلى أنّ محمّداً حقٌّ، وأنّ القرآن حقٌّ؛ فيؤمنوا به. ارجع إلى الآية (١١) من نفس السّورة. سورة النحل [١٦: ٤٥] ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: ﴿أَفَأَمِنَ﴾: الهمزة: استفهام توبيخي. ﴿الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾: الّذين: اسم موصول. المكر: هو التّدبير الخفي الّذي يقوم به الماكر؛ لإلحاق الضّرر بالممكور به، ومن دون علمه. الّذين مكروا السّيئات: هم مشركو، وكفار مكة؛ مكروا برسول الله ﷺ ؛ ليثبتوه، أو يقتلوه، أو يخرجوه، وحاولوا سحره. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّوكيد.

стр. 2635

﴿يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾: الخسف: هو أن تنشق الأرض، وتبتلعهم، كما حدث لقارون. يخسف بهم؛ أيْ: وحدهم لا غيرهم. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: أيْ: من أيِّ جهة لم تخطر على بالهم، ولم يأخذوا حذرهم، ويحتاطوا كما حدث لقوم لوط. سورة النحل [١٦: ٤٦] ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾: أو: للتخيير. ﴿يَأْخُذَهُمْ﴾: يهلكهم، ويحل بهم العذاب. ﴿فِى تَقَلُّبِهِمْ﴾: من التّقلب: وهو الانتقال من مكان إلى مكان للتجارة، أو للسفر، أو حين ممارستهم لأعمالهم اليومية طلباً للرزق، أو ذهابهم، ومجيئهم، والتّقلب قد يعني: من حال إلى حال، والتّقلب: مظهر من مظاهر القوة، وفي تقلبهم يعني: وهم على استعداد، أو غير استعداد، أو على حذر، أو غير حذر. ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: فما: الفاء: للتوكيد؛ ما: النّافية. ﴿هُمْ﴾: للتوكيد. ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: الباء: للإلصاق، وتوكيد النّفي؛ معجزين: فائتين من العذاب؛ معجزين مشتقة من أعجزه: هرب منه؛ أيْ: فاته ولم يقدر عليه، ويغلبه، ويقهره؛ فالله قادر على اللحاق بهم، والقضاء عليهم أينما كانوا. سورة النحل [١٦: ٤٧] ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة. ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: أو على خوف؛ أيْ: وهم يتوقَّعون أن يحل بهم العذاب، أو هم على مخافة، وحذر، واستعداد، أو مختبئون في الملاجئ، أو في البروج المشيدة، أو يحدث بشكل تدريجي؛ أي: يرون العذاب قادماً نحوهم بعد أن

стр. 2636

أهلك ما حولهم، وقيل: التّخوف الفزع من شيء لم يحدث بعد، فهو يتصوَّره بألوان شتى، ومخاوفَ، وخيالاتٍ مختلفة. ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ﴾: فإن: الفاء: للتوكيد. ﴿رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ﴾: لرؤوف: اللام للتوكيد؛ رؤوف: مشتقة من الرّأفة، والرّأفة: أخص من الرّحمة، أو الرّأفة أشد من الرّحمة، ومنهم من قال: أنّها تخص المؤمنين، ورؤوف من رأف به؛ أيْ: أشفق عليه بأن دفع عنه السّوء، أو كره أن يحل به مكروه. ﴿رَحِيمٌ﴾: صيغة مبالغة؛ أيْ: كثير الرّحمة، والرّحمة قد تشمل المؤمن، والكافر في الدّنيا؛ فلا يعجل لهم العقاب، أما في الآخرة: فهي خاصة بالمؤمن فقط. سورة النحل [١٦: ٤٨] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: تعود على الّذين مكروا السّيئات؛ فبعد أن خوفهم، وحذرهم الله سبحانه بالخسف، أو أخذِهم، وإهلاكهم؛ جاءت هذه الآية تذكرهم بالقدرة الإلهية، وعظمة الخالق الّذي خلق لهم ما يتفيأُ ظلاله، ويسجد له ما في السّموات والأرض. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: أولم: الهمزة: للاستفهام، والتّعجب، والتّوبيخ، والواو: تفيد التّوكيد، والانتظار. ﴿يَرَوْا﴾: رؤية عقلية، فكرية، ورؤية بصرية. ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، وأوسع شمولاً من الذي.

стр. 2637

﴿مِنْ شَىْءٍ﴾: من: ابتدائية، واستغراقية؛ تستغرق كلّ شيء. ﴿شَىْءٍ﴾: اسم جنس لكلّ شيء خلقه اللهُ. ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ﴾: من فاء؛ أيْ: رجع فالظّل المتحرك يسمَّى الفيء؛ لأنّه يعود إلى الشّمس؛ أيْ: أصله ناشئ عن حجب حزمة من أشعة الشّمس؛ فهناك أشعة غير قادرة على الاختراق، وأشعة قادرة؛ فالأشعة غير القادرة: تسبب الفيء بسبب عدم قدرتها على اختراق جسم كثيف كالجبال، والأشجار، والإنسان، والحيوان. ارجع إلى سورة يس آية (٥٦) لمزيد من البيان في معنى الظل. ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾: جاءت بالإفراد: من الصّبح إلى الظّهر من حين تطلع الشّمس من جهة المشرق يكون الظّل على يمين الشّيء (ويدوم ذلك من الصّباح إلى وقت الظّهر)، والظّل يضمحل، ويضمحل حتّى يأتي وقت الظّهر وقت الزّوال (زوال الظّل). ﴿وَالشَّمَائِلِ﴾: جمع شمال، من الظّهر إلى المغرب يكون الظّل على شمال، أو يسار الشّيء، والظّل يزداد، ويزداد؛ فعبر عن الزّيادة بالجمع؛ جمع الشمائل. ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾: سُجّداً: تعود على ظلال كل شيء بما فيه ظل الكفار. سجداً؛ أيْ: خضوعاً. السّجود: هو الخضوع، وقيل: سجودها يعني: ميلها، ودورانها؛ أيْ: إذا مالت، وتغيرت من جانب إلى جانب، أو طالت، أو قصرت. وقيل: هو سجود حقيقي؛ فالله سبحانه قادرٌ على فعل ذلك، والظّل: آية من آيات الله الكونية الّتي تخضع لربها. ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾: صاغرون، ذليلون؛ من دَخر يدخرُ: صَغُر، وذل، كما نرى الكفار والمشركين عندما يصابون بالمرض، أو البأساء، والضراء، والأوبئة، والكوارث الجوية … وغيرها.

стр. 2638

سورة النحل [١٦: ٤٩] ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: ﴿وَلِلَّهِ﴾: تقديم الجار والمجرور؛ اسم الجلالة للحصر؛ أيْ: له وحده يسجد. ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ﴾: ما: لغير العاقل، وصفات العاقل، وما: أوسع استعمالاً من (من في السّموات والأرض)، ما في السّموات كظرف، وكمظروف. ﴿وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: من جبال، وشجر، وحيوان، وحجر … وغيرها من المخلوقات. وما في الأرض كظرف، وما فيها كمظروف؛ الكلّ يسجد. ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: من: استغراقية. ﴿دَابَّةٍ﴾: اسم جنس؛ تشمل كلّ دابة تدب على الأرض، وتشمل الإنسان أيضاً. والسّجود قد يعني: الخضوع، أو يعني: السّجود الحقيقي، أو يعني الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]، وإذا لم يسجد الكافر السّجود الطّوعي؛ فهو يسجد سجود الخضوع رغماً عن أنفه حين مرضه، أو فقره، أو موته، أو مصيبته؛ فليس في الكون شيء يخرج عن إرادة الله تعالى، وأمره. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: فالملائكة لا تدب في السّموات، ولا يقال لهم دابة؛ فهم يتحركون بأجنحتهم، ولذلك قال: من دابة، والملائكة، وقوله: من دابة والملائكة: فيه عطف الخاص (الملائكة) على العام (من دابة)؛ للتوكيد على أن هناك بعض المؤمنين الذين يمشون على الأرض قد تصل منزلتهم منزلة الملائكة، أو أفضل من الملائكة، وهناك من البشر من هم كالأنعام أو الدواب، أو أضل.

стр. 2639

﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: وهم: ضمير فصل يفيد التّوكيد؛ لا: النّافية. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾: لا: يتكبرون عن عبادة ربهم، والسّجود له. ارجع إلى الآية (٢٩) السّابقة من نفس السّورة؛ لبيان معنى: التكبر. سورة النحل [١٦: ٥٠] ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: ولما كان الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فلماذا يخافون ربهم؟ ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾: الخوف: هو توقع الضرر المشكوك في وقوعه؛ هذا بالنسبة للإنسان، أما بالنسبة للملائكة هو خوف من التّقصير، أو خوف مهابة، وإجلال، وتعظيم دون ذنب، ودون تقصير. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: الفوقية هنا فوقية المكانة (المنزلة) على العرش استوى. وفوقية: المكان فالله سبحانه منزَّه أن يحيطه مكان وزمان؛ لأنّ المكان والزّمان من خلقه؛ أيْ: هو خالق الزمان، والمكان. ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: مثلاً: التّسبيح، والحمد؛ يسبحون الليل، والنّهار لا يفترون، ويستغفرون للذين آمنوا، ويفعلون ما يؤمرون فيها؛ حذف، أو إيجاز أصلها يفعلون ما يؤمرون، ويجتنبون ما يُنهون عنه. سورة النحل [١٦: ٥١] ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ﴾: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا﴾: لا: النّاهية. ﴿تَتَّخِذُوا﴾: لا تجعلوا، لا تعبدوا، لا تصيِّروا معي شريكاً. ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: الإله المعبود؛ أيْ: لا تعبدوا إلهين. ﴿اثْنَيْنِ﴾: توكيد لأمر التّوحيد.

стр. 2640

﴿إِنَّمَا هُوَ﴾: إنما كافة، ومكفوفة؛ تفيد التّوكيد. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد الحصر والتّوكيد. ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: معبود واحد، لا يتجزأ ليس له ولد، ولا يتجزأ، ويصبح اثنين، وأمّا قوله: أحد؛ فيعني: لا مثيل له، ولا يشبه أحد؛ لله وحده الألوهية، والوحدانية، والربوبية. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد. ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: إله: صفة ثابتة. ﴿وَاحِدٌ﴾: تأكيد للصفة الثّابتة وهي إلهٌ (صفة مؤكدة). ﴿فَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ﴾: الرّهبة: هي طول الخوف، واستمراره مع العلم بالذي تخافه، ويقال للراهب راهب؛ لأنّه يديم الخوف، والتّوخي، والحذر؛ فإياي فارهبون: يفيد القصر؛ أيْ: لا تخافوا غيري؛ فإياي فارهبون: بدلاً من فإياه فارهبون (حول صيغة الغيبة إلى المخاطب)؛ لأنّ الرّهبة من المتكلم خير من الرّهبة من الغائب، والرّهبة كما قلنا الخوف، والحذر، والعلم بمن تخافه وتعظمه. سورة النحل [١٦: ٥٢] ﴿وَلَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾: ﴿وَلَهُ﴾: اللام: لام الملكية، والاختصاص؛ له: تقديمها يفيد الحصر؛ أيْ: له وحده. ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما: للعاقل، وغير العاقل. ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: السبع: كظرف ومظروف؛ أي: له ملكية السموات السبع وما فيها. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: ذاتها كظرف ومظروف، وملكية الأرض وما فيها.

стр. 2641

﴿وَلَهُ﴾: وتكرار له يفيد التّوكيد، وفصل كلاً من الأمرين الملكية، والدِّين واصباً، وله وحدَه: ﴿الدِّينُ وَاصِبًا﴾: واصباً: دائماً، وثابتاً لا يتغيَّر، ولا يتبدَّل، أو له الدِّين الخالص. ﴿الدِّينُ﴾: الطّاعة، والخضوع له الدِّين، والخضوع دائماً وأبداً، أو الطّاعة واجب له. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٩) لبيان معنى الدِّين. ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾: أفغير: الهمزة: همزة استفهام للإنكار، والتّوبيخ؛ أفغير الله تطيعون، أو تعبدون، والتّقوى: هي تنفيذ أوامر الله سبحانه، وتجنب نواهيه. سورة النحل [١٦: ٥٣] ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾: ﴿وَمَا بِكُمْ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي؛ بكم: خاصة. وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿مِنْ نِّعْمَةٍ﴾: من: استغراقية تشمل كلّ نعمة ظاهرة وباطنة. ﴿نِّعْمَةٍ﴾: نكرة تعني: صغيرة، أو كبيرة، ومهما كان نوعها، والنّعمة تعريفها: هي ما يهبه الله لعبده من خير يجلب له المسرة، ويدفع عنه المضرة، وتشمل الصّحة، والغنى، والخصب، والجاه … وغيرها. ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾: فمن: الفاء: للتوكيد؛ من: ابتدائية؛ من الله سبحانه المنعم. ﴿ثُمَّ﴾: لتباين منزلة النّعمة، والضّر. ﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية تتضمن معنى الشّرط، وتفيد حتمية الحدوث. ﴿مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾: المس: أخف من اللمس مجرد المس؛ أي: الإصابة

стр. 2642

الخفيفة؛ أي: أصابكم الضّر، ولو إصابة خفيفة. الضُّرُّ: سوء الحال والمرض، وهو أشد من الأذى، ويكون في النفس أو غيرها. ﴿فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾: إليه وحده تجأرون: من جأر: رفع صوته بالدعاء تضرعاً؛ أيْ: ترفعون أصواتكم بالدّعاء، والاستغاثة؛ لكشف الضّر عنكم، وهذا يدل على تصوير حقيقة الإنسان الذي إذا مسه أدنى ضر يضيق صدره، وينفد صبره، ويجأر إلى الله لأدنى أذى. سورة النحل [١٦: ٥٤] ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب الزّمني، والتّراخي، أو لتباين منزلة الإصابة، والكشف. ﴿إِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث، أو كثرته، كشف الضّر. ﴿كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ﴾: رفع البلاء، والضّر: يشمل الفقر، والمرض، والجدب، والأوبئة، والكوارث. ﴿إِذَا﴾: الفجائية. ﴿فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ﴾: فريق جماعة منكم، وليس الكلّ. ﴿بِرَبِّهِمْ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد بعد أن كشف الضّر عنهم يعودون لما كانوا عليه. ﴿يُشْرِكُونَ﴾: يجعلون معه شريكاً وندّاً، وتدل على التّجدُّد، والتّكرار، والاستمرار في الشرك.

стр. 2643

سورة النّحل [الآيات ٥٥ - ٦٤] سورة النحل [١٦: ٥٥] ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾: ليكفروا: اللام: للتوكيد. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق؛ ما: اسم موصول بمعنى: الّذي، وأوسع شمولاً من الذي، والكفر يعني: كفر العقيدة، وإنكار وجود الخالق ووحدانيته، أو جحد النّعمة، وسترها، وإنكار المنعم. ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾: من الإيتاء: وهو العطاء، ولمعرفة الفرق بينهما: ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة. ليكفروا: بنعمنا، أو ليجعلوا ما أنعمنا عليهم سبباً للكفر، والشّرك، أو كلا الأمرين؛ كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]؛ فهم من جهة جحدوا بأنّ الله أنعم عليهم، ولم يشكروه على نعمه، ولم يكتفوا بذلك، بل صيَّروا هذه النّعم سبباً في الإسراع، والزّيادة في الكفر. ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾: الفاء: للتوكيد، والتّعقيب؛ التّمتع: الانتفاع، والاستمتاع باللذة العاجلة. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: فسوف: الفاء: للتوكيد؛ سوف: أداة للاستقبال البعيد، والتّراخي؛ أيْ: يوم القيامة، أو في الآخرة.

стр. 2644

﴿تَعْلَمُونَ﴾: عاقبة كفركم، أو شرككم، أو جحدكم لنعم الله؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزّمر: ٨]، وفي الآية تهديد ووعيد. انتبه إلى التّحول من صيغة الغائب ليكفروا بما آتيناهم إلى صيغة المخاطب: فتمتعوا فسوف تعلمون؛ لأنّ المخاطبين في هذه الآية قسم غائب، وقسم حاضر. قارن هذ الآية مع الآية (٦٦) من سورة العنكبوت: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: الكلّ في هذه الآية من الغائبين. سورة النحل [١٦: ٥٦] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾: ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾: من الجعل، ويعني: التّصيير، ولم يقل: وجعلوا. يجعلون: بصيغة المضارع؛ للدلالة على التّكرار، والتّجدُّد، والاستمرار في الجعل، والفاعل: يعود على الّذين كفروا، والمشركين من أهل مكة … وغيرهم. ﴿لِمَا﴾: اللام: لام الاختصاص، أو الملكية؛ ما: للعاقل، وغير العاقل. ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: أيْ: للأصنام أو الأوثان التي اتخذوها آلهة، وهم لا يعلمون، وهي لا تعلم أيضاً، فهم لا يعلمون أنّ لها ضراً، ولا نفعاً، ولا حساً، ولا معرفة، ولا تبصر، ولا تسمع، والأصنام الّتي لا تعلم شيئاً عن حالتهم، وما هم فيه، والتي لا تعلم ما يقولون، أو يفعلون؛ فهذا يدل على غباوتهم وسفاهة عقولهم. ﴿نَصِيبًا﴾: نصيباً: أيْ: قسماً جزءاً. ﴿مِمَّا﴾: من: البعضية؛ ما: اسم موصول بمعنى: الّذي وهي أوسع شمولاً. ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾: كصدقة للإلهة من المال ومن الحرث، والأنعام، والبحيرة،

стр. 2645

والسّائبة، والوصيلة، والحام؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦]. ﴿تَاللَّهِ﴾: التّاء: تاء القسم، وهي مخصصة للفظ الجلالة فيها معنى التّفخيم، وهي أشد أدوات القسم؛ أيْ: أوكدها. ﴿لَتُسْئَلُنَّ﴾: اللام: للتوكيد، والنّون: لزيادة التّوكيد؛ تسألنَّ: من السّؤال يوم القيامة هو سؤال توبيخ لهم. ﴿عَمَّا كُنتُمْ﴾: عن: تفيد المجاوزة، والمباعدة؛ ما: اسم موصول، أو مصدرية. ﴿كُنتُمْ﴾: في الدّنيا. ﴿تَفْتَرُونَ﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمد المختلق من أمر الأصنام، والآلهة. والافتراء على الله: بأن له ولد، أو شريك، أو صاحبة، أو أحل هذا، أو حرم ذلك، وهو لم يحل، أو يحرم. سورة النحل [١٦: ٥٧] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾: ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة، ويجعلون؛ أيْ: يعتقدون أنّ الملائكة بنات الله سبحانه. ﴿لِلَّهِ﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿الْبَنَاتِ﴾: قيل: نزلت هذه الآية في قبيلة خزاعة، وكنانة؛ حيث زعموا أنّ

стр. 2646

الملائكة بنات لله سبحانه وتعالى عما يشركون. ارجع إلى سورة الزخرف آية (١٩) لمزيد من البيان. ﴿سُبْحَانَهُ﴾: أيْ: هو منزَّه عما يفترونه، ومبرَّؤٌ منه، وحاشا لله أن يكون له ولد، ولا بنت؛ تنزيهاً لذاته، وصفاته، وأسمائه من الشّريك، والولد، والولي، والبنت … وغيرها. ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾: ولهم: اللام: لام الاختصاص، والملكية. ﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي. وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿يَشْتَهُونَ﴾: أي: البنين، أو ما يختارون؛ أيْ: ويجعلون لله ما يكرهون؛ أي: البنات سبحانه، ولهم ما يشتهون (ما يختارون) من البنين، والأنعام، والحرث. سورة النحل [١٦: ٥٨] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني للمستقبل متضمِّن معنى الشّرط. ﴿بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾: بُشر: من البشارة، وهي الخبر السّار نسمعه لأول مرة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩). ﴿بِالْأُنثَى﴾: أيْ: أُخبر أحدهم من المشركين، أو كفار مكة، أو العرب بأنّه قد ولِدَ له بنت. ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾: ظل: بمعنى: صار وجهه، أو تغير وجهه، وأصبح مسوداً كناية عن الكآبة، والحزن، والحياء من النّاس. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد.

стр. 2647

﴿كَظِيمٌ﴾: ممتلئ غمّاً وحزناً وغيظاً؛ أيْ: كاظم غيظه من دون إظهاره، ولكنه يكاد ينفجر، أو يظهر ما في نفسه من الغيظ، واستخدم كلمة بُشر؛ لأنّ الأنثى في الحقيقة كالولد هي بشارة. سورة النحل [١٦: ٥٩] ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾: يستخفي من القوم، ولا يريد أن يظهر أمامهم غيظه، ووجهه المسود. ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾: من: ابتدائية للتعليل. ﴿سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾: يعتبر الأنثى أمراً سيئاً، يُسيء إليه فقد تجلب له العار عندما تكبر، أو تصبح سبباً للفقر، أو غيرها من ظنون الجاهلية الباطلة. ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾: الهمزة: للاستفهام، أيبقيها حية. ﴿عَلَى هُونٍ﴾: على مذلة، والهُون: هو الهوان الذل والعار، وقد يعني: الحيرة، والتّردُّد، وأما الهَون: بفتح الهاء تعني التواضع والتؤدة. ﴿أَمْ﴾: أم: للإضراب الانتقالي. ﴿يَدُسُّهُ فِى التُّرَابِ﴾: الدّس: هو إخفاء الشّيء في الشّيء؛ أيْ: يدفن بنته، وهي حية (يئدُها)، وسماها سبحانه الموءودة: البنت التي تدفن حية. ارجع إلى سورة التكوير آية (٨). ﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه.

стр. 2648

﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: ساء من أفعال الذّم والتّحقير؛ أيْ: قبح، أو بئس ما يحكمون. ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿يَحْكُمُونَ﴾: من الحكم، وهو القضاء، ساء ما يحكمون بتفضيل الذّكر على الأنثى، وساء ما يحكمون بنسبة البنات لله، ولهم ما يشتهون، وأنّها افتراءات باطلة من أحكام الجاهلية الفاسدة. سورة النحل [١٦: ٦٠] ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ الّذين: اسم موصول يفيد الذّم. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: لا: النّافية. لا يؤمنون بالآخرة؛ أيْ: لا يصدقون بالبعث، والحساب، والجنة، والنّار. الباء: للإلصاق والمصاحبة. ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾: أيْ: صفة النّقص، وهي الحاجة إلى الأولاد، والذّكور، وكيف يعاملون البنات خشية الإملاق بالوأد، أو الإمساك على الهُون. ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: تقديم الجار والمجرور ويفيد الحصر والتّوكيد، المثل الأعلى: لكونه منزهاً عن الولد، والشّريك، والصّاحبة، ومنزه عن صفات المخلوقين فله الكمال المطلق، والتّنزيه، والتّقديس. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الّذي لا يُغلب، ولا يُقهر، والممتنع لا يضره أحد من خلقه. ﴿الْحَكِيمُ﴾: في تدبير شؤون خلقه، وكونه؛ فهو أحكم الحاكمين القاضين،

стр. 2649

والمشرعين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٢٩)؛ لمزيد من البيان. سورة النحل [١٦: ٦١] ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَئْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: حرف امتناع لامتناع. ﴿يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم﴾: يؤاخذ؛ أيْ: يجازي يعاقب، أو يعاجل الخلق بالعقوبة. ﴿بِظُلْمِهِم﴾: الباء: للإلصاق؛ باء: السّببية، أو البدلية؛ أيْ: بسبب ظلمهم (شركهم)، ومعاصيهم، وقولهم الملائكة بنات الله، وعبادتهم الأصنام، ووَأْدهم البنات، أو خروجهم عن منهج الله تعالى؛ فكل من يخرج عن منهج الله تعالى هو ظالم لنفسه. ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾: ما: النّافية. ﴿تَرَكَ عَلَيْهَا﴾: على الأرض. ﴿مِنْ﴾: استغراقية تشمل كلّ دابة؛ أيْ: لأهلك جميع من في الأرض، أو لأصاب العذاب كلّ إنسان، وحيوان، وجن، ولا يبقى على ظهرها مخلوق. ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك، وتوكيد. ﴿يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: بالعفو، والصّفح، والفضل؛ لكونه حليماً، وغفوراً؛ يمهل ولا يهمل.

стр. 2650

﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: إما الموت (انقضاء أجلهم؛ أيْ: أعمارهم)، أو إلى أن يحل العذاب بهم، وهم لا زالوا أحياء، أو يوم القيامة. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَئْخِرُونَ سَاعَةً﴾: فإذا: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ إذا: ظرف للزمن المستقبل. ﴿جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: انقضى أجلهم، وجاء زمن قبض أرواحهم، أو جاء زمن هلاكهم. ﴿لَا يَسْتَئْخِرُونَ سَاعَةً﴾: أيْ: إذا جاء أجلهم لا يؤخَّر ساعة، ولا أقل من ذلك، وقدم يستأخرون؛ لأن الإنسان يرغب بتأخير أجله (الموت). ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: أيْ: وإذا لم يجئْ أجلهم لا يستقدمون. ارجع إلى سورة يونس، آية (٤٩)؛ لمزيد من البيان. سورة النحل [١٦: ٦٢] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾: ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٥٦). ﴿لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾: ما يكرهون: هو البنات، ويجعلون لله البنات كما يزعمون (الملائكة بنات الله) [الزخرف: ١٩]، والشّريك في الألوهية، وما يكرهون من الحرث، والأنعام. ارجع إلى سورة الأنعام آية (١٣٦)، وآية (١٣٨ - ١٣٩). ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾: أيْ: تقول ألسنتهم الكذب، أو يدَّعون باطلاً، ولا تكتفي بذلك، بل تصور الكذب بصوره المتعددة لتزينه للآخرين.

стр. 2651

﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾: أنّ: للتوكيد. ﴿لَهُمُ﴾: اللام: لام الاختصاص، والملكية. ﴿الْحُسْنَى﴾: الجنة، أو الجزاء الحسن، أو الأولاد الذّكور، الحسنى: تأنيث الأحسن. ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾: لا جرم: لا بد، أو لا محالة، وبعد أن كثر استعمالها أصبحت بمعنى: حقاً، كما قال الفراء. جرم؛ أي: لا بُدَّ أنّ لهم النّار، أو لا محالة، أو حقاً لهم النّار. ﴿أَنَّ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿لَهُمُ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق. ارجع إلى الآية (٢٣) السّابقة من نفس السّورة. ﴿وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾: أنّ: للتوكيد. ﴿مُّفْرَطُونَ﴾: متركون في النّار منسيون؛ من أفرطه: إذا نسيه، وتركه، ولم يلتفت إليه؛ أيْ: حقاً أنّ لهم النّار، وأنّهم متركون فيها، أو منسيُّون فيها. وقيل: مفرطون؛ أيْ: معجلون إلى النّار، ومتركون فيها منسيُّون. سورة النحل [١٦: ٦٣] ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿تَاللَّهِ﴾: التّاء: تاء القسم؛ تفيد التّوكيد، فيها معنى التّعجُّب، والتّفخيم، يقسم الله تعالى بنفسه لرسوله، وهي أشد القسم (التاء والباء والواو واللام) ﴿لَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق.

стр. 2652

﴿أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أرسلنا رُسلاً إلى أمم من قبلك؛ فكذبت الأمم رُسُلها. من: الابتدائية. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩)؛ لتبيان معنى الإرسال. ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾: بالوسوسة، والإغراء، والتّزيُّن، وهو تجميل وتحسين الكفر، والشّرك (عبادة الأوثان) في أعينهم. ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾: وليهم اليوم؛ أيْ: ناصرهم في الدّنيا، أطلق على زمان الدّنيا يوم، وإذا كان المقصود يوم القيامة؛ فيكون معناه: قرينهم اليوم في النّار؛ أيْ: معهم في النّار. ﴿وَلَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: شديد الإيلام، لا يقدر عليه أحد. سورة النحل [١٦: ٦٤] ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ﴾: ما: النّافية. ﴿أَنزَلْنَا عَلَيْكَ﴾: ولم يقل: إليك؛ لمعرفة الفرق بين عليك، وإليك: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٤)؛ للبيان. ﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن. ﴿إِلَّا﴾: حصراً. ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾: اللام: لام التّعليل، والاختصاص.

стр. 2653

﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾: أيْ: توضح، وتشرح لهم، وهذا من واجباتك، ولذلك قال عليك. ﴿الَّذِى اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: من التّوحيد، والإشراك، والهدى، والضّلال، والتّحليل، والتّحريم، والحق، والباطل، والبعث، والجزاء، أو سائر الأحكام الشّرعية. ﴿وَهُدًى﴾: ارجع إلى الآية (٢) من سورة البقرة؛ مصدر هداية، أو هو الهدى بذاته. ﴿وَرَحْمَةً﴾: رحمة لمن اتبعه؛ أيْ: يجلب ما يسر، ويدفع ما يضر، ويقي من الوقوع في الشّر والمعصية. إذن ليس فقط للتبيان، وكذلك هدى ورحمة، وفي الآية (١٠٢) من نفس السورة قال تعالى: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ بالفوز بالجنة، والنجاة من النار. ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: لقوم: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: هذا القرآن هدى ورحمة خاصة بمن آمن بالله وحده، ورسوله، وصدق به، وعمل صالحاً. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ لتدل على التّجدد، واستمرار إيمانهم.

стр. 2654

سورة النّحل [الآيات ٦٥ - ٧٢] سورة النحل [١٦: ٦٥] ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: من السّحاب ماءً؛ أيْ: ماء المطر، وكلّ ما يعلو الإنسان يسمَّى سماء؛ فالسّحاب سماء، ويعني: من السّحب الركامية. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (٩٩). ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: فأحيا: الفاء: للترتيب، والتّعقيب. ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: أيْ: بعد أن كانت جدباء لا زرع فيها، ولا حب. بعد موتها: أيْ: أحياها بعد فترة طويلة، أو قصيرة من زمن موتها بالزّرع، والشّجر، وإخراج الثّمر، وليس مباشرة، ولو قال من بعد موتها؛ أي: من دون تراخٍ في الزّمن؛ يعني: مباشرة بدون مهلة أو فترة كما ورد في سورة العنكبوت آية (٦٣) ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾. ارجع إلى سورة الحج، آية (٥، ٦٣)، وفصلت، آية (٣٩)؛ للبيان المفصل. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً﴾: إن: للتوكيد. ﴿فِى ذَلِكَ﴾: الإحياء. ﴿لَآيَةً﴾: اللام: للتعليل؛ آية: دليل، وبرهان محسوس على قدرته تعالى وعظمته. ﴿لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: هذا المطر، أو الماء يُرى بالعين، وقليلاً ما يسمع صوته، ورغم ذلك قال سبحانه: ﴿لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾؛ لأنّ الله سبحانه يريد أن ينتقل بنا من

стр. 2655

آية ترى بالعين إلى آية تسمع بالأذن؛ لأننا أمام فهم يحتاج إلى السّمع، والبصر معاً. سورة النحل [١٦: ٦٦] ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِمَّا فِى بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾: وهذه الآية الأخرى دليل محسوس على قدرة الله تعالى في عالم الحيوان. ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى الْأَنْعَامِ﴾: وإن: للتوكيد. ﴿لَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: لكم خاصة أيها النّاس. ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿الْأَنْعَامِ﴾: ثمانية أزواج من الغنم اثنين، ومن الماعز اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الإبل اثنين. ﴿لَعِبْرَةً﴾: اللام: لام التّعليل؛ عبرة: مشتقة من العبور، وهو الانتقال من طرف إلى طرف من طرف الجهل إلى طرف العلم، والعبرة: الدّلالة الموصلة إلى اليقين، أو الآية الّتي يُعْبَرُ بها من منزلة الجهل إلى منزلة العلم. ﴿نُّسْقِيكُم مِمَّا فِى بُطُونِهِ﴾: نسقيكم: نسب السقيا إلى ذاته الكريمة لأهمية وعظم فائدة هذه السقيا، والتي تدل على رحمة الرب بعباده حتى يسقيهم بذاته؛ بطونه: التذكير يدل على القلة؛ لأن هذه الآية تتحدث عن إسقاء اللبن، واللبن؛ أي: الحليب يخرج من قسم من إناث الأنعام؛ هذا القسم الذي يعطي اللبن من الإناث هو قسم قليل مقارنة بعدد الأنعام عامة، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢١) من سورة المؤمنون، وهي قوله تعالى: ﴿نُّسْقِيكُم مِمَّا فِى بُطُونِهَا﴾ التأنيث يدل على الكثرة إذا قارنا عدد إناث بشكل عام بعدد الأنعام؛ الهاء: تعود على إناث الأنعام، ولم يقل مما في بطونها. انظر إلى الفرق بين بطونه وبطونها في نهاية الآية.

стр. 2656

﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾: من: ابتدائية. ﴿بَيْنِ فَرْثٍ﴾: الفرث: هو الطّعام المهضوم المختلط بعصارات الهضم … وغيرها، والجاهز للامتصاص من جدر الأمعاء. ﴿وَدَمٍ﴾: بعد امتصاص الفرث ينتقل بالدّم، ويصبح كريه المنظر، والرّائحة؛ ينتقل إلى الثديين، وكل ثدي رباعي التركيب؛ كلّ ربع يعمل مستقلاً لإنتاج وتخزين اللبن بواسطة الغدد اللبنية المتصلة بالشعيرات الدموية المغذية لها؛ هذه الغدد الّتي تستخلص اللبن من الدم الشرياني المؤكسد، واللنف الحامل للفرث (الطعام المهضوم) ليصفَّى، ويصبح: ﴿لَبَنًا خَالِصًا﴾: حليباً صافياً. ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾: السّائغ: طيب الطعم يسهل بلعه. لنقارن هذه الآية من سورة النّحل: ﴿نُّسْقِيكُم مِمَّا فِى بُطُونِهِ﴾، والآية (٢١) من سورة المؤمنون: ﴿نُّسْقِيكُم مِمَّا فِى بُطُونِهَا﴾. آية سورة النّحل: ممّا في بطونه: تتحدث عن نسبة الإناث الضئيلة الّتي تُحلب؛ أيْ: تعطي الحليب بالنّسبة لإناث الأنعام بشكل عام، والّتي تشمل الإناث الصّغيرة، أو المسنة، أو الّتي لا تدر باللبن؛ فإن عددها قليل؛ فجاء بصيغة المذكر (بطونه) بدلاً من بطونها؛ لتدل على القلَّة. أمّا آية (المؤمنون): مما في بطونها: فبطونها تشير إلى نسبة كلّ إناث الأنعام بشكل عام؛ لعدد الأنعام؛ فهي كثيرة؛ فاستعمل صيغة التأنيث (بطونها)؛ لتدل على الكثرة. أو آية النّحل: تشير إلى الجنس (جنس الأنعام)، فذكر الضّمير؛ فقال: في بطونه.

стр. 2657

أمّا آية (المؤمنون): فتشير إلى إناث الأنعام الّتي تُحلب، وتعطي الحليب أنث الضّمير. سورة النحل [١٦: ٦٧] ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾: من: ابتدائية. ﴿النَّخِيلِ﴾: التّمر. النخل: اسم جنس يشمل النخيل. ﴿وَالْأَعْنَابِ﴾: العنب. ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾: منه: من: هنا بعضية؛ لأنّ بعضها تؤكل، وبعضها يستخدم للعصير، والخمر. ﴿سَكَرًا﴾: أي: الخمر، ولم يصفه بالسّكر الحسن: لأنّه سبحانه حرَّمه بعد ذلك. ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾: العنب، والتّمر؛ سواء أكله، أم التّجارة به، وبيعه، وكذلك تحويله إلى الكحول المستعملة في التعقيم، والخل، والزّبيب، والعصير، والأطعمة، والحلويات المعمولة من التّمر، والعنب. ﴿وَرِزْقًا﴾: رزقاً حسناً؛ مقارنة باستخدامها لصنع الخمر. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿ذَلِكَ﴾: ذا: اسم إشارة للبعد. ﴿لَآيَةً﴾: اللام: لام التّعليل، أو التّوكيد علامة.

стр. 2658

﴿لِّقَوْمٍ﴾: اللام: لام الاختصاص. ﴿يَعْقِلُونَ﴾: من العقل، ومن عقل الشّيء عرفه بدليله، وأسبابه، ونتائجه؛ أيْ: إذا فكروا، وتدبروا الأمر، وصلوا إلى الحقيقة أنّ الخمر ضاراً بالنّاس. نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر، والّذي جاء في الآية (٩٠ - ٩١) من سورة المائدة. ارجع إلى سورة المائدة، آية (٩١)؛ لبيان مراحل تدرُّج تحريم الخمر. سورة النحل [١٦: ٦٨] ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾: قلنا: إنّ الوحي: هو إعلام بخفاء، والوحي هنا يتمثَّل بالتكوين الغريزي الخلقي للنحل؛ بما يسمَّى: نظام المعلومات عند النّحل، أو بما يمتلك النّحل من حواس الشّم، والذّوق، والبصر، ويستطيع النّحل أن يميز بالخلايا الموجودة على قرونه رائحة الزّهور، ورائحة الأسرة الّتي ينتمي إليها كلّ نوع من النّحل، ورائحة الخلية بما يفرزه كلّ نوع من مواد تشع في أرجاء الخلية، وتعرفها كلّ نحلة من تلك العائلة، أو الخلية، وتحمل هذه الرّائحة المميزة لها كلمة السّر، أو الهوية؛ فلا تدخل أيُّ نحلة في غير خلاياها، أو مسكنها، وللنحلة قدرة على تمييز الألوان، والقدرة على الرّؤية عندها أقوى من الرّؤية في الإنسان، وتستطيع رؤية الأشعة فوق البنفسجية، ولكلّ منها حركاتها الخاصة، ودورانها، والرّقص الدّائري، والاهتزازي، وتسمَّى لغة الرّقص الّتي بواسطتها تحدد المسافات بعدد الرّقصات. وتستطيع النّحلة أن تحدِّد مساراتها، والأمكنة المطلوبُ الوصول إليها

стр. 2659

للوقوف على الزّهور الخاصة، ثمّ العودة، والقدرة على اجتياز الطّرق الصّعبة، والأميال الطّويلة. ﴿أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾: أن: مصدرية؛ تفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾: مساكن لكي تأوي إليها مثل الخلايا؛ من: تفيد البعضية بعض الجبال. ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ﴾: من: البعضية؛ أي: اتخذي من بعض الشّجر اتخذي بيوتاً خلايا للسكن. ﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾: من: ابتدائية؛ ما: اسم موصول بمعنى: الّذي يبنيه النّاس من خلايا للنحل من خشب، أو طين، أو ما نسمِّيه الخلايا الاصطناعية. سورة النحل [١٦: ٦٩] ﴿ثُمَّ كُلِى مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: ﴿ثُمَّ كُلِى مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: ثمّ: تفيد التّباين بين تغذية النّحل بالمواد السّكرية المصنعة من قبل الإنسان، وبين تركها تأكل من كلّ الثّمرات؛ أيْ: كلّ أنواع الزهور الّتي خلقها الله سبحانه لها، أو سخرها لها بلا حصر، أو تقييد، وهو الأفضل. ﴿فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾: فاسلكي: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ اسلكي: من السّلوك؛ أي: الدّخول بسهولة ويُسر؛ أي: المسير في هذه السّبل الطرق، والمسالك، والمسارات الّتي سخرها الله سبحانه لها في رحلات الذّهاب والإياب بسهولة ويُسر، وأما لو قال ادخلي؛ الدخول فيه مشقة وصعوبة. ﴿ذُلُلًا﴾: أيْ: ذللها الله لك؛ الذُّلُل: جمع ذلول؛ أيْ: وطَّأها، ومهَّدها، وسهَّلها لك ربُّ العالمين.

стр. 2660

﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾: الشّراب: هنا العسل بمختلف ألوانه، وأنواعه؛ منه ذو اللون الأصفر، والأحمر المصفر، والعنبري اللون، والأصفر الباهت، واللون الزّيتوني، والأبيض … وغيرها من الألوان، وله أسماء مختلفة. وكلمة شراب: جاء بصيغة النّكرة؛ لتدل على أنّ هناك أنواعاً مختلفةً من الشّراب، أو الأشربة إضافة إلى العسل، وكلمة بطونها تشير إلى مكان تشكل العسل في النّحلة؛ أيْ: في معدتها الّتي تقع في بطن النّحلة. ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾: كلمة شفاء: نكرة ليشمل الكثير من أنواع العلاج، والشّفاء؛ ففي العسل شفاء للأمراض الجلدية، والجروح، والأمراض التّنفسية والتهاب القصبات، والرّبو، والأمراض الأخرى مثل القرحة، وأمراض الكبد. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: إنّ في ذلك: ارجع إلى الآية (٦٧) من نفس السّورة. ﴿لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: لقوم: اللام: لام الاختصاص. ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: في صنع الله، وعجائب مخلوقاته، والنّحل أكبر دليل على ذلك للوصول إلى عظمة الخالق، وقدرته، وأنّه هو الّذي يستحق العبادة وحده. سورة النحل [١٦: ٧٠] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾: أوجدكم، والخلق يعني: التّقدير، خلقكم من تراب، ثمّ من نطفة، ثمّ علقة، ثمّ من مضغة مخلقة، وغير مخلقة، ثمّ يخرجكم طفلاً، ثمّ لتبلغوا أشدكم، ثمّ لتكونوا شيوخاً.

стр. 2661

﴿ثُمَّ﴾: تفيد التّرتيب، والتّراخي في الزّمن. ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾: أيْ: يأمر ملك الموت بقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: من هنا البعضية، وليس الكلّ يُرد إلى أرذل العمر: أسوأ العمر، وذلك حين يبلغ الثّمانين، أو التّسعين، ويصاب بالخرف، والنّسيان، ويصبح عالة على غيره في حاجاته اليومية، ولا يعقل ما يقول، ولا يقوى على شيء، وهناك من النّاس من يبلغون الثّمانين، والتّسعين، ويقرؤون القرآن وغير عالة على غيرهم، وفي صحة جيدة. ﴿لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: كي: للتعليل الأساسي. ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: ولم يقل: لا يعلم من بعد علم شيئاً بإضافة (من)، كما في سورة الحج آية (٥). فقوله تعالى: ﴿لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: أيْ: لا يتذكر القريب، أو البعيد؛ أيْ: يصاب بفقد الذاكرة للأشياء القريبة، والبعيدة بعد زمن قد يقصر، أو يطول، ولو قارنَّا هذه الآية مع قوله تعالى في سورة الحج، آية (٥): نجدهُ أضاف كلمة (من) وقال تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: أيْ: لا يتذكر الأشياء القريبة فقط، أو تدل على فقد ذاكرته للأشياء القريبة بعد زمن قصير، ويتذكر الأشياء، أو الأمور البعيدة التي فعلها منذ زمن بعيد. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة كثير العلم بخلقه، وكونه، وما يحدث لهم، ويصيبهم من تغيرات وكم يعيشون.

стр. 2662

﴿قَدِيرٌ﴾: على كلّ شيء يبقي من يشاء حياً لسنين طويلة، ومن دون أيِّ ضعف، أو تغيير في الذاكرة، أو يصيب بعض الأفراد بفقدان الذاكرة في أيِّ عمر، أو زمان، وبفقدان ذاكرة واحدة للقرب، أو البعد، أو بفقدان ذاكرتين للقرب والبعد معاً. وهناك أمر آخر يجلب انتباه القارئ: وهو كيفية كتابة كلمة (لكي لا) في كلا الآيتين: ففي آية النّحل فصل بين كلمة كي ولا، بينما في آية الحج جمع بين كلمة كي ولا فكتبها لكيلا. فهذا يدل على براءة القرآن الكريم من أيِّ تحريف مهما كان نوعه منذ نزوله على قلب رسول الله ﷺ . والفصل بين (لكي ولا): ربما يشير إلى شيئين؛ أي: لكل (شيء) لا (شيء)، ويشيران لفقدان الذاكرتين القريبة والبعيدة. والجمع أو الوصل بين لكيلا: لتدل على فقدان ذاكرة واحدة، وهي القريبة، وهذا يتطابق مع تفسير الآية. سورة النحل [١٦: ٧١] ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِى الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِى الرِّزْقِ﴾: فضل: بسط، ووسع بين أرزاقكم؛ فجعل منكم الغني، والفقير، وهذا التّفضيل للابتلاء فقط، وليس له علاقة مطلقة بالعمل الصّالح، أو السيَّئ، أو الطالح. وجعل منكم المالك، والعامل، أو رب العمل، والأجير. ﴿فَمَا﴾: فما: الفاء: للتوكيد؛ ما: للنفي.

стр. 2663

﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿فُضِّلُوا بِرَادِّى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾: فما الّذين بسط الله لهم الرّزق، أو أصحاب العلم، أو المُلك بمعطين من يعملون لهم نصيباً مساوياً لنصيبهم حتّى يتساوون في الغنى، أو الملك، أو الربح، أو يتساوى ربُّ العمل مع أحد عماله. فكيف جعل المشركون الأصنامَ شركاءَ لله، وسوَّوا بين الله سبحانه وبين أصنامهم، وعبدوها كما عبدوا الله تعالى، وجعلوا لأصنامهم نصيباً مساوياً لنصيب الله. ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري، فكيف يجحدون بنعمة الله فيأخذون حق الله في العبودية والألوهية، ويعطونه للشركاء؛ فأنتم لا ترضون أن تتساووا مع عمالكم، وتكونوا شركاء، فكيف ترضون أن تجعلوا لله شركاء في ملكه، وتجحدون نعم الله عليكم ولا تشكرون المنعم؟ والجحود: هو إنكار الشّيء الظّاهر، أو العلم به، والجحود أخص من الإنكار. الإنكار: أعم من الجحود، والإنكار عادة لما هو خفي مع العلم، أو غير العلم به. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٥١) لمزيد من البيان. سورة النحل [١٦: ٧٢] ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أيْ: جعل لكم أزواجاً من جنسكم من الإنس، ولم يجعل لكم أزواجاً من الجن مثلاً، أو غير جنسكم.

стр. 2664

﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: البنين: هم الذّكور، والحفدة: هم وَلَدُ الولد. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الطّيبات؛ أي: الرّزق الحلال الطّيب الطّاهر من الطّعام، والشّراب. ﴿مِنَ﴾: البعضية. ارجع إلى سورة الأنفال، آية (٦٩)؛ لمزيد من البيان. ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾: أفبالباطل: الهمزة: استفهام إنكاري توبيخي، وتعجُّبي؛ الباطل لغةً: ما لا وجود له، أو الزائل الذاهب مثل الشرك، والظلم، والكذب … وغيرها، وتقليد الآباء بتحريم البحيرة، والسّائبة، أو أنّ لله الولد، والشّريك، والاعتقاد بشفاعة الأصنام، أو أنّها تقرِّبهم إلى الله زلفى. ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾: التّوحيد، والإسلام، والرّزق، والصّحة، والأمن. ﴿يَكْفُرُونَ﴾: ينكرون. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٣٤) لمعرفة الفرق بين نعمة ونعمت.

стр. 2665

سورة النّحل [الآيات ٧٣ - ٧٩] سورة النحل [١٦: ٧٣] ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: بعد أن عدد نعمه سبحانه عليهم، ورزقهم من الطّيبات، وجعل لهم من أنفسهم أزواجاً، وبنين، وحفدة؛ كان من الواجب أن يعبدوه لنعمه، وفضله عليهم، ولكنهم عبدوا غيره، وأشركوا به. ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾: العبادة لغةً: الذل والخضوع، والعبادة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من: الأقوال، والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار، واليتيم، والمسكين، والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله ﷺ ، وخشية الله تعالى، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادات؛ فالعبادة: هي طاعة الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتشمل العبادات الظاهرة والباطنة (العبادات القلبية) من الأقوال، والأفعال الظاهرة والباطنة، ولا تكون إلا لله وحده، ولا تكون إلّا مع المعرفة بالمعبود، وتعني: كمال الحب لله مع كمال الذل لله سبحانه، كما قال ابن القيم وهي الغاية من خلق الجن والإنس،
следующие страницы →