Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
﴿ثُمَّ﴾: تفيد التّرتيب، والتّراخي في الزّمن.
﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾: أيْ: يأمر ملك الموت بقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: من هنا البعضية، وليس الكلّ يُرد إلى أرذل العمر: أسوأ العمر، وذلك حين يبلغ الثّمانين، أو التّسعين، ويصاب بالخرف، والنّسيان، ويصبح عالة على غيره في حاجاته اليومية، ولا يعقل ما يقول، ولا يقوى على شيء، وهناك من النّاس من يبلغون الثّمانين، والتّسعين، ويقرؤون القرآن وغير عالة على غيرهم، وفي صحة جيدة.
﴿لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: كي: للتعليل الأساسي.
﴿لَا﴾: النّافية.
﴿يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: ولم يقل: لا يعلم من بعد علم شيئاً بإضافة (من)، كما في سورة الحج آية (٥).
فقوله تعالى: ﴿لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: أيْ: لا يتذكر القريب، أو البعيد؛ أيْ: يصاب بفقد الذاكرة للأشياء القريبة، والبعيدة بعد زمن قد يقصر، أو يطول، ولو قارنَّا هذه الآية مع قوله تعالى في سورة الحج، آية (٥): نجدهُ أضاف كلمة (من) وقال تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: أيْ: لا يتذكر الأشياء القريبة فقط، أو تدل على فقد ذاكرته للأشياء القريبة بعد زمن قصير، ويتذكر الأشياء، أو الأمور البعيدة التي فعلها منذ زمن بعيد.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة كثير العلم بخلقه، وكونه، وما يحدث لهم، ويصيبهم من تغيرات وكم يعيشون.
стр. 2662
﴿قَدِيرٌ﴾: على كلّ شيء يبقي من يشاء حياً لسنين طويلة، ومن دون أيِّ ضعف، أو تغيير في الذاكرة، أو يصيب بعض الأفراد بفقدان الذاكرة في أيِّ عمر، أو زمان، وبفقدان ذاكرة واحدة للقرب، أو البعد، أو بفقدان ذاكرتين للقرب والبعد معاً.
وهناك أمر آخر يجلب انتباه القارئ: وهو كيفية كتابة كلمة (لكي لا) في كلا الآيتين: ففي آية النّحل فصل بين كلمة كي ولا، بينما في آية الحج جمع بين كلمة كي ولا فكتبها لكيلا.
فهذا يدل على براءة القرآن الكريم من أيِّ تحريف مهما كان نوعه منذ نزوله على قلب رسول الله ﷺ .
والفصل بين (لكي ولا): ربما يشير إلى شيئين؛ أي: لكل (شيء) لا (شيء)، ويشيران لفقدان الذاكرتين القريبة والبعيدة.
والجمع أو الوصل بين لكيلا: لتدل على فقدان ذاكرة واحدة، وهي القريبة، وهذا يتطابق مع تفسير الآية.
سورة النحل [١٦: ٧١]
﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِى الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾:
﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِى الرِّزْقِ﴾: فضل: بسط، ووسع بين أرزاقكم؛ فجعل منكم الغني، والفقير، وهذا التّفضيل للابتلاء فقط، وليس له علاقة مطلقة بالعمل الصّالح، أو السيَّئ، أو الطالح. وجعل منكم المالك، والعامل، أو رب العمل، والأجير.
﴿فَمَا﴾: فما: الفاء: للتوكيد؛ ما: للنفي.
стр. 2663
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿فُضِّلُوا بِرَادِّى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾: فما الّذين بسط الله لهم الرّزق، أو أصحاب العلم، أو المُلك بمعطين من يعملون لهم نصيباً مساوياً لنصيبهم حتّى يتساوون في الغنى، أو الملك، أو الربح، أو يتساوى ربُّ العمل مع أحد عماله.
فكيف جعل المشركون الأصنامَ شركاءَ لله، وسوَّوا بين الله سبحانه وبين أصنامهم، وعبدوها كما عبدوا الله تعالى، وجعلوا لأصنامهم نصيباً مساوياً لنصيب الله.
﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري، فكيف يجحدون بنعمة الله فيأخذون حق الله في العبودية والألوهية، ويعطونه للشركاء؛ فأنتم لا ترضون أن تتساووا مع عمالكم، وتكونوا شركاء، فكيف ترضون أن تجعلوا لله شركاء في ملكه، وتجحدون نعم الله عليكم ولا تشكرون المنعم؟ والجحود: هو إنكار الشّيء الظّاهر، أو العلم به، والجحود أخص من الإنكار.
الإنكار: أعم من الجحود، والإنكار عادة لما هو خفي مع العلم، أو غير العلم به. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٥١) لمزيد من البيان.
سورة النحل [١٦: ٧٢]
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾:
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أيْ: جعل لكم أزواجاً من جنسكم من الإنس، ولم يجعل لكم أزواجاً من الجن مثلاً، أو غير جنسكم.
стр. 2664
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: البنين: هم الذّكور، والحفدة: هم وَلَدُ الولد.
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الطّيبات؛ أي: الرّزق الحلال الطّيب الطّاهر من الطّعام، والشّراب.
﴿مِنَ﴾: البعضية. ارجع إلى سورة الأنفال، آية (٦٩)؛ لمزيد من البيان.
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾: أفبالباطل: الهمزة: استفهام إنكاري توبيخي، وتعجُّبي؛ الباطل لغةً: ما لا وجود له، أو الزائل الذاهب مثل الشرك، والظلم، والكذب … وغيرها، وتقليد الآباء بتحريم البحيرة، والسّائبة، أو أنّ لله الولد، والشّريك، والاعتقاد بشفاعة الأصنام، أو أنّها تقرِّبهم إلى الله زلفى.
﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾: التّوحيد، والإسلام، والرّزق، والصّحة، والأمن.
﴿يَكْفُرُونَ﴾: ينكرون. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٣٤) لمعرفة الفرق بين نعمة ونعمت.
стр. 2665
سورة النّحل [الآيات ٧٣ - ٧٩]
سورة النحل [١٦: ٧٣]
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾:
بعد أن عدد نعمه سبحانه عليهم، ورزقهم من الطّيبات، وجعل لهم من أنفسهم أزواجاً، وبنين، وحفدة؛ كان من الواجب أن يعبدوه لنعمه، وفضله عليهم، ولكنهم عبدوا غيره، وأشركوا به.
﴿وَيَعْبُدُونَ﴾: العبادة لغةً: الذل والخضوع، والعبادة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من: الأقوال، والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار، واليتيم، والمسكين، والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله ﷺ ، وخشية الله تعالى، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادات؛ فالعبادة: هي طاعة الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتشمل العبادات الظاهرة والباطنة (العبادات القلبية) من الأقوال، والأفعال الظاهرة والباطنة، ولا تكون إلا لله وحده، ولا تكون إلّا مع المعرفة بالمعبود، وتعني: كمال الحب لله مع كمال الذل لله سبحانه، كما قال ابن القيم وهي الغاية من خلق الجن والإنس،
стр. 2666
ولها أجر وجاء بصيغة المضارع؛ للدلالة على التّجدد، والتّكرار، والاستمرار عليها. ارجع إلى سورة الأنبياء، آية (١٠٦)؛ لمزيد من البيان.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله؛ أيْ: بدلاً من عبادته وحده سبحانه عبدوا غيره من الأصنام، والأوثان الّتي لا تملك لهم رزقاً من السّموات والأرض مهما كان نوعه.
﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما: اسم موصول، وهي أوسع من الّذي للعاقل، وغير العاقل.
﴿لَا﴾: النّافية للمستقبل، والحاضر.
﴿يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مثل: المطر، أو الطّاقة الشّمسية، والنجوم المليئة بالمعادن، والأرض: مثل النّبات، والبترول، والغاز، والمعادن … وغيرها. شيئاً: نكرة لا تملك لهم نفعاً، ولا ضراً.
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: الاستطاعة: هي القدرة على فعل الفاعل مما يريده من أحداث الفعل.
والقدرة: أعم من الاستطاعة، والاستطاعة: أخص من القدرة، وتكرار (لا): يفيد توكيد النّفي.
سورة النحل [١٦: ٧٤]
﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾:
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّاهية.
﴿تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: أيْ: لا تجعلوا لله شركاء، أو أنداداً، أو تشبهوه بخلقه. تضربوا: من الضّرب فيه معنى التّهييج، والتّأثير في نفس السّامع؛ لكي يصل ما يقوله ضارب المثل إلى أعماق نفس المستمع.
والضّرب يعني: صوغ المثل، ويعني: نشره على ألسنة النّاس.
стр. 2667
﴿لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: الأمثال: جمع مثل، والمثل: هو قول موجز، أو تشبيه حال بحال يراد به توضيح أمر غامض، أو المقارنة، والموازنة، أو المفاضلة بين أمرين، أو التّبين، أو التّمثيل، أو الوصف والصنع، والاتخاذ، والأمثال دائماً تكون من باب المبين (الواضح)؛ فلا تضربوا لله الأمثال؛ فالله سبحانه ينهى عباده أن يضربوا له الأمثال، إنما هو سبحانه الّذي يضرب الأمثال؛ أيْ: لا تشبهوا الله سبحانه بشيء آخر؛ لأنّه سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته، وأفعاله، وصفاته، وأسمائه.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: حرف توكيد.
﴿يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: هذه هي علَّة النّهي عن ضرب الأمثال لله من قبلكم؛ لأنّه سبحانه يعلم بواطن الأمور، وظواهرها، ولا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السّماء، ويعلم الغيب، وما تخفي الأنفس.
﴿وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: جزاء أو عقاب تشبيه الله بالأصنام أو بخلقه أو لا تعلمون كيف تضربوا الأمثال.
سورة النحل [١٦: ٧٥]
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَنْ رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُنَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
روي عن ابن عبّاس أن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان ﵁؛ كان له مولىً كافرٌ، وكان عثمان ينفق عليه، ويكفله، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: ارجع إلى الآية (٧٤) السّابقة من نفس السّورة.
﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾: أيْ: عبد مملوك غير حر التّصرف؛ عاجز عن السّعي، والعمل؛ أيْ: مُقعد.
стр. 2668
﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾: أيْ: على التّصرف؛ أيْ: غير موكَّل بأن يعمل، أو يشارك، بل مُقعد لا يفهم التجارة.
﴿شَىْءٍ﴾: نكرة؛ أيْ: لا يستفاد منه في شيء. وهذا مثل الآلهة المُقعدة لا تفيد، ولا تضر.
﴿وَمَنْ رَّزَقْنَاهُ﴾: من: ابتدائية، وتشمل الفرد، أو الجمع، وللعاقل.
﴿مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾: أي: السّيد الحر الّذي رزقه الله رزقاً حلالاً طيباً وافراً.
﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾: أي: يسعى ويعمل في تجارته، وينفق في سبيل الله في شتَّى المناسبات.
﴿سِرًّا﴾: من دون أن يعلم به أحد.
﴿وَجَهْرًا﴾: ينفق بالعلن، ومن دون رياء.
﴿هَلْ يَسْتَوُنَ﴾: هل: للاستفهام التّقريري، والسؤال موجَّه إلى السّامع، والجواب إما بنعم، أو لا.
والجواب هنا: لا يستوون.
ولما لم يقل: هل يستويان بصيغة المثنى؛ لأنّ المراد هنا سؤال الجنس (سواء أكان واحداً، أو أكثر) النتيجة واحدة لا يستوون.
فكيف تستوي هذه الأصنام مع هذا العبد الحر؟
أو كيف يسوون بين الله سبحانه مالك الملك، الرزاق الّذي يرزق كلّ مخلوق، أو كل عبد حرٍّ يسعى في تجارته ويربح وينفق، والأصنام العاجزة المقعدة غير القادرة على شيء؟
стр. 2669
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: الحمد لله لها عدَّة معانٍ، ويجب الوقوف عليها.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: أنكم عرفتم الجواب: لا يستوون.
أو الحمد لله: لأنّه لا شريك له.
﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي.
﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أنّ الله هو واجب الوجود الّذي يستحق العبادة وحده، أو لا يعلمون توحيده، وعظمته وقدره، وهناك أقلية تعلم ذلك.
سورة النحل [١٦: ٧٦]
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: ارجع إلى الآية السّابقة.
﴿رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾: هذا مثل آخر للأصنام؛ فهي لا تسمع، ولا تتكلَّم، ولا تضرُّ، ولا تنفع عابديها.
﴿أَبْكَمُ﴾: الّذي لا يتكلَّم، ولا يُفهم ما يقوله، ولا يقدر على شيء؛ على النّفع، أو الضّر، أو العمل، أو التّدبير؛ أيْ: هو عاجز.
﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾: هو: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد.
﴿كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾: عالة على مولاه: سيده، أو وليه يحتاج إلى المساعدة، والإنفاق عليه؛ لأنّه غير قادر على إعالة نفسه.
﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾: يوجهه: يصرفه ليقوم بأمر ما لا خير فيه، أو لا يجيبه ولا يستفاد منه.
стр. 2670
﴿لَا﴾: النّافية؛ لا منفعة فيه البتة؛ لا يفيد نفسه، ولا غيره.
﴿هَلْ يَسْتَوِى﴾: هل للاستفهام التّقريري.
﴿يَسْتَوِى﴾: يشابه، أو يعادل، أو يماثل.
﴿هُوَ﴾: تعود على الأبكم الّذي لا يقدر على شيء، وتمثل الصنم، أو الوثن، أو الآلهة.
﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾: ومن: ابتدائية.
﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾: أيْ: يقول الحق، أو يدعو إلى طاعة الله وتوحيده، أو يأمر النّاس بالعدل: بالقسط.
﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: وهو: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿عَلَى﴾: الدِّين القيم المستقيم؛ دين الإسلام.
سورة النحل [١٦: ٧٧]
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
وبعد أن بيَّن حقيقة الأصنام، والشّركاء، وقال تعالى: بل أكثرهم لا يعلمون عظمته، وتوحيده، وقدرته يذكر هنا مظاهر أخرى لعظمته وقدرته، وكمال علمه.
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: لله: تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة؛ يفيد الحصر؛ حصر غيب السّموات والأرض له وحده؛ أيْ: علم الغيب، وعلم ملكوت السّموات والأرض؛ لا يشاركه في ذلك أحدٌ.
والغيب: هو كلّ ما غاب عن العباد؛ عن مدركاتهم الحسية؛ مثل: السّمع، والبصر، والعقل، ويشمل ملكوت السّموات، والأرض، والجنة، والنّار، وقيام السّاعة، ومن الغيب ما هو مطلق لا يعلمه إلا الله وحده؛ مثل: قيام السّاعة، ومن الغيب ما هو غيب نسبي، غيب أطْلع الله بعض رسله عليه.
стр. 2671
﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾: وذكر أمر الساعة، وهي لحظة تهدم النظام الكوني الحالي؛ لأنها أهم الأمور الغيبية.
﴿وَمَا﴾: للتأكيد.
﴿أَمْرُ السَّاعَةِ﴾: حدوثها، أو مجيئها، أو الإتيان بها.
﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾: إلا: أداة حصر.
﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾: وهو النّظر بسرعة، أو طرفة الجفن، أو إغماض الجفن (العين)، وفتحها فإذا بك تراها قد قامت.
﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾: من لمح البصر؛ للدلالة على إظهار شأنها العظيم، ولزرع الرهبة والخوف في قلوب الذين لا يؤمنون بها.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: على قيام السّاعة، والبعث. ارجع إلى الآية (٢٠) من سورة البقرة؛ للبيان.
سورة النحل [١٦: ٧٨]
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
ومن مظاهر قدرته سبحانه خلق الإنسان في أطوار مختلفة.
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: أيْ: أخرجكم من الأرحام.
﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾: لا: النّافية.
﴿شَيْئًا﴾: نكرة؛ أيْ: لا تعلمون شيئاً حين الولادة.
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾: أفرد السّمع.
﴿وَالْأَبْصَارَ﴾: جمع البصر.
стр. 2672
﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾: قيل: القلوب، أو العقول، والأفئدة بالجمع؛ لأنّ العقول مختلفة في الفهم، والإدراك، والنّتائج، واختار هذه الحواس الثلاثة؛ لأنها أهم حواس الإدراك.
ارجع إلى سورة البقرة، الآية (٧)؛ لمزيد من البيان، وسورة الملك، الآية (٢٣)، وسبب تقديم السّمع على الأبصار، وإفراد السمع وجمع البصر.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: لعل: أداة للتعليل؛ أيْ: لتشكروا المنعم على نعمه، أو لعلكم تستعملنا هذه الحواس؛ لتصلوا إلى معرفته، وتبصروا آثار صنعه، ومن ثمّ تشكروه على نعمه عليكم. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠)؛ لمزيد من البيان.
سورة النحل [١٦: ٧٩]
﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِى جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
هذه صورة أخرى من صور قدرة الله .
﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾: ألم: الهمزة: للاستفهام؛ لم: حرف نفي.
﴿يَرَوْا﴾: رؤية بصرية، ورؤية فكرية عقلية للتعجُّب من صنع الله.
﴿إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِى جَوِّ السَّمَاءِ﴾: سخر: هيّأ لها وجعلها قادرة على الطيران بما أودع الله سبحانه في جو السّماء من خصائص، وعناصر تحمل الطير، وبما أودع في الطير من أجهزة، وصفات تجعله يطير في جو السّماء، ولا يقع على الأرض؛ مثل: شكل الأجنحة، وأنواع الطيران، وخفة وزن الطائر، وشكل عظام الصدر، وعظام الطير الّتي تحوي على أكياس هوائية، وقوة عضلات الطيران … وغيرها. ومسخرات: قد تعني مذللات لأمر الله، ومذللات لمنافعكم.
﴿فِى﴾: في: ظرفية.
стр. 2673
﴿جَوِّ السَّمَاءِ﴾: أعالي السّماء.
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾: ما: النّافية.
﴿يُمْسِكُهُنَّ﴾: من السّقوط على الأرض.
﴿إِلَّا اللَّهُ﴾: إلّا: أداة حصر؛ إلا الله تعالى؛ فالمسألة ليست فقط مسألة أجنحة، بل ذلك آية من آيات قدرة الله تعالى، وبديع صنعه.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام: للتوكيد؛ لآيات عظيمة: تدل على عظمة قدرة الخالق، وأنّه الإله الحق لا إله إلا هو واجب الوجود الّذي يجب طاعته، وعبادته، والتّوكل عليه.
﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: يستفيد منها الذين يؤمنون بربهم؛ أما الكفار: فقد عميت أبصارهم عن رؤية آيات الله تعالى، وإذا رأتها فهي رؤية معدومة الفائدة؛ لأنها لا تدرك ما ترى.
في هذه الآية (٧٩) من سورة النّحل يقول سبحانه: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾، بينما في سورة الملك آية ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾.
الاختلاف: في سورة النّحل السّياق في التّوحيد، والنّهي عن الشّرك؛ فناسب اسم الله الّذي يشير على أنّه هو المعبود، أمّا في سورة فالملك السّياق في الرّحمة؛ فناسب ذلك ذكر الرّحمن، وفي سورة النحل قال تعالى (مسخرات) كما سبق ذكرها، وفي سورة الملك قال تعالى (صافات). ارجع إلى سورة الملك للبيان.
стр. 2674
سورة النّحل [الآيات ٨٠ - ٨٧]
سورة النحل [١٦: ٨٠]
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾:
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾: خاصة؛ جعل، صيَّر، أو أوجد لكم.
﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾: من: الابتدائية.
﴿بُيُوتِكُمْ﴾: جمع بيت، والبيت الّذي يبيت فيه أيْ: يقضي فيه الليل، سواء نام، أم لم ينم، وقد يكون خيمة، أو غرفة واحدة، أو دار.
﴿سَكَنًا﴾: أيْ: جعل بيوتكم سكناً؛ أيْ: للسكون، والرّاحة، كما أنّ الزّوجة سكن لزوجها، كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الرّوم: ٢١].
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾: جعل: صيَّر، وأوجد لكم من جلود الأنعام بيوتاً مثل الخيام، والأنعام (ثمانية أزواج من البقر، والغنم، والماعز، والإبل).
﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾: مشتقة من خفَّ يخف عليكم حملها، أو تجدونها خفيفة، وسهلة الحمل يوم سفركم رحيلكم. والظّعن: الانتقال من مكان إلى مكان؛ للبحث عن الكلأ، والمرعى، والماء، والعشب.
стр. 2675
﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾: يوم استقراركم، وعدم سفركم تجدونها كذلك سهلة البناء، والرّفع.
﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾: أصواف الغنم.
﴿وَأَوْبَارِهَا﴾: أوبار الإبل.
﴿وَأَشْعَارِهَا﴾: أشعار الماعز.
﴿أَثَاثًا﴾: مثل: الفرش، والأبسطة، واللحف، والسّتائر.
﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾: مثل: الألبسة، والأدوات، والخزائن، والمقاعد، ووسائل للزينة.
﴿إِلَى حِينٍ﴾: الحين: زمن غير محدود؛ زمن طويل، أو قصير، ثمّ تحتاجون إلى غيرها، وهذا الجمع يذكر بنعم الله تعالى وفضله العظيم على الناس، وكثرة إنعامه.
سورة النحل [١٦: ٨١]
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾:
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ﴾: جعل: صيَّر، وأوجد.
﴿مِمَّا﴾: من: ابتدائية بعضية؛ ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.
﴿مِمَّا خَلَقَ﴾: من الجبال، والشّجر، والبيوت، والسّحاب.
﴿ظِلَالًا﴾: جمع ظل: وهو الواقي من بعض أشعة الشّمس، أو ما يستظل به من حر الشّمس، وهذا يشير إلى أن بعض أشعة الشّمس لا تخترق بعض الأجسام؛ كالجبال، والشّجر … وغيرها، ولنعلم أن هناك أشعةً شمسيةً أخرى قادرة على
стр. 2676
اختراق أيِّ جسم. ارجع إلى الآية (٤٨) من نفس السورة للبيان. وارجع إلى سورة يس آية (٥٦) لمزيد من البيان في معنى الظلال.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾: جمع كنٍّ: وهو المكان الّذي يستتر فيه مثل النّفق، أو الكهف.
﴿مِنَ الْجِبَالِ﴾: من بعض الجبال، وليس كلّ الجبال.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾: سرابيل: جمع سربال: وهو القميص مصنوع من القطن، أو الصّوف، أو الكتان، واكتفى ولم يذكر سرابيل تقيكم البرد؛ لأنّ ذلك مفهوم من سياق الكلام، وذكر الحرَّ؛ لأنّ الحرَّ أهم عندهم من البرد؛ لأنّ الحرَّ أمر دائم، والبرد قلَّما يحدث.
﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾: البأس: الحرب؛ مثل: الدّروع تقيكم من الطّعن، أو الجراح، أو القنابل، والشظايا.
﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾: أيْ: مثلما أنعم الله عليكم هذه النّعم كذلك يريد أن يتم نعمته عليكم في الدّنيا (نعمة الإسلام والإيمان).
﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾: لعل: للتعليل؛ أيْ: لتسلموا، وتوحدوا الله، وتخلصوا له، وتؤمنوا بربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته؛ إيمان كامل، وليس إيماناً ببعض، وكفراً ببعض.
سورة النحل [١٦: ٨٢]
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ إن: شرطية تفيد الاحتمال.
стр. 2677
﴿تَوَلَّوْا﴾: ابتعدوا، أو انصرفوا، وأعرضوا عنك، ولم يسلموا، ويؤمنوا بما أنزل الله تعالى بعد كلّ هذه النّعم.
﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشّرط؛ إنما: كافة، ومكفوفة؛ تفيد التّوكيد.
﴿عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: على: تفيد العلو، والمشقة؛ أيْ: فليس عليك أمر هدايتهم، وإنما عليك البلاغ المبين.
﴿الْبَلَاغُ﴾: هو إيصال الرّسالة مع التبيين، أو الأداء على أتم وجه.
﴿الْمُبِينُ﴾: يعني: إيصال الرّسالة لكل فرد تستطيع منهم، وغيرهم، وإيصالها كاملة من دون نقصان؛ أي: البلاغ التّام الكامل.
سورة النحل [١٦: ٨٣]
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾:
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: يتمتعون بكلّ هذه النّعم الّتي أسبغها الله عليهم مثل البيوت والسّرابيل، ولا يشكرون المنعم، بل أو ينكرون ذلك، وهؤلاء يمثلون الأكثرية من النّاس، ويظنون أنّهم يستحقونها بسبب جهدهم، وعلمهم كما فعل قارون، أو هم ورثوها عن آبائهم، أو غير مطالبين بشكر المنعم، أو لكونهم يظنون أن نعمت الله هي المال فقط. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٢٨) لمعرفة الفرق بين نعمة ونعمت.
﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾: ثم: لبيان فضل الشكر على الإنكار، وارجع إلى سورة الأعراف، آية (٥١)؛ لبيان معنى الجحود، والإنكار.
﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾: أيْ: هناك أقلية تشكر المنعم، ولا تنكر إنعامه عليهم، وأمّا الأكثرية؛ فهم الكافرون جمع كافر، والكفر قد يعني: الكفر العقائدي، أو كفر النّعم؛ أيْ: سترها، وعدم الاعتراف بالمنعم، والكافرون جملة اسمية تفيد ثبوت صفة الكفر عندهم.
стр. 2678
سورة النحل [١٦: ٨٤]
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾:
﴿وَيَوْمَ﴾: أيْ: يوم القيامة، والتّنكير: للتهويل، والتّعظيم.
﴿نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: البعث: هو الإتيان من كلّ أمة بشهيد، أو المجيء بشهيد، والشّهيد من كلّ أمة: هو نبيها الّذي أرسل إليها؛ يشهد على نفسه أنّه قد بلغ الرّسالة لأمته، ويشهد على أمته أنّه قد بلغها، أو يشهد له بالإيمان، والتّصديق، أو يشهد عليهم بالكفر، والتّكذيب؛ مثلاً سيبعث الله تعالى من اليهود موسى شهيداً عليهم، وسيبعث الله بعيسى شهيداً على النّصارى.
﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ثم: للترتيب الذكري؛ بعد البعث لا يؤذن للذين كفروا بالاعتذار، ولا يطلب منهم العُتبى.
﴿لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: لا: النّافية.
﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿كَفَرُوا﴾: في الكلام، أو الاعتذار؛ لأنّه ليس لهم عذر صحيح مقبول.
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾: من أعتبه؛ أي: استرضاه فأرضاه؛ لا يؤذن لهم بطلب العتبى، ولا يسمح لهم، أو يُقبل عتابهم، ولو حاولوا ذلك، أو لا يشير عليهم أحد بأن يطلبوا العُتبى.
﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾: لم يجرؤوا على طلب العتاب بأنفسهم، وإنما طلب لهم العتاب غيرهم، أو شفعاؤهم. وكلمة يُستعتبون: جاءت في ثلاث سور: النّحل، الآية (٨٤)، وسورة الروم، الآية (٥٧)، وسورة الجاثية، الآية (٣٥).
وكلمة يَسْتعتبون: جاءت في آية واحدة في سورة فصلت، الآية (٢٤)؛ أيْ: طلبوا العتاب بأنفسهم؛ لكي يرضى الله عنهم، ويعفو عنهم.
стр. 2679
سورة النحل [١٦: ٨٥]
﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرف للزمن المستقبل يفيد حتمية الحدوث.
﴿رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ﴾: أي: الّذين أشركوا.
﴿الْعَذَابَ﴾: النّار، وفي آية أخرى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢].
إذن: هم يروها، وهي تراهم، كما في قوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ [الكهف: ٥٣].
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّافية.
﴿يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾: العذاب.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: تكرار لا يفيد التّوكيد، وفصل التّخفيف عن الإنظار، فلا يخفف عنهم العذاب من جهة، ولا هم ينظرون من جهة أخرى، ولا كلاهما.
﴿هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿يُنْظَرُونَ﴾: يمهلون، أو يؤجلون عن الدخول في العذاب.
سورة النحل [١٦: ٨٦]
﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ارجع إلى الآية السّابقة.
﴿رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾: من الّذين أضلوهم، وزيَّنوا لهم من شياطين الإنس، والجن الّتي عبدوها؛ أي: الّذين اتُّبِعوا، والّذين اتَّبَعوا؛ رأوا سادتهم، وكبراءَهم الّذين أضلوهم.
﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ﴾: أيْ: نعبد من
стр. 2680
غيرك؛ أي: اعترفوا بشركهم بعد أن حاولوا سابقاً كتم شركهم، وقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: فأنطق الله سبحانه السّادة، والكبراء، وقالوا للمشركين: إنّكم كاذبون، أو أنطق الله الأصنام والأوثان.
﴿إِنَّكُمْ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿لَكَاذِبُونَ﴾: اللام: لزيادة التّوكيد؛ كاذبون: جمع كاذب، وهي جملة اسمية تفيد ثبوت صفة الكذب عندهم.
سورة النحل [١٦: ٨٧]
﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:
﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾: يوم القيامة.
﴿السَّلَمَ﴾: الاستسلام، والخضوع؛ فهم لم يُسلموا طواعية، واختياراً في الدّنيا فها هم يستسلمون قهراً، وقسراً يوم القيامة.
﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾: غاب عنهم، أو بطل ولم تعد تنفعهم آلهتهم الّتي يعبدون من دون الله من شيء.
﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي. وما: أوسع شمولاً من الذي.
﴿كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: من الافتراء، وهو الكذب العمد؛ يكذبون عمداً، واختلاقاً في الدّنيا؛ كقولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، أو يقربونا إلى الله زلفى.
стр. 2681
سورة النّحل [الآيات ٨٨ - ٩٣]
سورة النحل [١٦: ٨٨]
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أيْ: منعوا النّاس من الدّخول في دين الله، أو أضلوهم عن الهداية، والإيمان، وزيَّنوا لغيرهم المعاصي، والابتعاد عن دين الله.
﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾: عذابان: عذاب على الكفر، وعذاب على الصّد عن سبيل الله، والفساد في الأرض.
﴿بِمَا﴾: الباء: باء البدلية، أو السّببية؛ ما: مصدرية، أو اسم موصول بمعنى: الّذي. وما: أوسع شمولاً من الذي.
﴿كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾: في الأرض بالكفر، وإضلال النّاس، وصدهم عن الإيمان بالله تعالى، وإثارة الفتن، وارتكاب المعاصي، والقتل، والسّرقة … وغيرها.
سورة النحل [١٦: ٨٩]
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾:
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾: هذه الآية تشبه الآية
стр. 2682
(٨٤)، مع الاختلاف الآتي: في هذه الآية قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، بينما في الآية (٨٤): ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾.
فكلمة في: تعني: الشّهيد من خارج هذه الأمة؛ أيْ: شاهد من أمة أخرى.
أمّا من: فتعني: الشّهيد من تلك الأمة نفسها، وقلنا: إنّ الشّهيد هنا يعني: النّبي الّذي بُعث لتلك الأمة؛ فهذا الشّهيد النّبي يشهد لنفسه، ويشهد على أمته؛ مثل: موسى ﵇، وعيسى ﵇، وإبراهيم ﵇.
أمّا في الآية (٨٩): ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾: أيْ: من جنسهم من البشر، ومن خارج تلك الأمة مثلاً: يبعث الله شهيداً من أمة محمّد ﷺ ؛ الأئمّة أو أولوا العلم الّذين بلغوا منهج الله ليشهدوا على أنّ موسى قد بلغ أمته الرّسالة، أو يشهدوا أنّ عيسى قد بلغ أمته الرّسالة، وهذا يؤكده قول الحق سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وكيف يشهد أحدهم، وهو لم يكن من معاصري تلك الأمة. ارجع إلى الآية (١٤٣) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾: وجئنا بك يا محمّد ﷺ شهيداً على هؤلاء؛ أيْ: على أمتك، وقال: شهيداً، وليس شاهداً؛ لمعرفة الفرق: ارجع إلى الآية (١٣٣) من سورة البقرة.
﴿بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾: بدلاً من القول: وجئنا على هؤلاء بك؛ تقديم
стр. 2683
بك الجار والمجرور يدل على الحصر، والاهتمام، وأمّا تقديم هؤلاء على كلمة بك: فيدل على ضلال تلك الأمة؛ لكونهم أشركوا، أو حرَّفوا كلام الله.
﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء: للتنبيه؛ أولاء: اسم إشارة تشير إلى أمة محمّد أمة الإسلام. ارجع إلى الآية (٤١) من سورة النّساء؛ للمقارنة.
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: ونزلنا؛ أيْ: منجماً مفرقاً عليك، وليس إليك. ارجع إلى الآية (٤) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن الكريم.
﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾: التّبيان مصدر مبين؛ أي: المبين لكلّ شيء.
﴿لِكُلِّ شَىْءٍ﴾: شيء: اسم جنس؛ تعني: كلَّ ما يسمَّى شيئاً، بيانه في الكتاب (القرآن)، ويؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِنْ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ويشمل ذلك سنة رسول الله ﷺ قولاً، وفعلاً، وتقريراً.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾: ارجع إلى الآية (٦٤) من نفس السّورة.
﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: البشرى: على وزن فُعلى: وهي الخبر السّارُّ تسمعه لأوّل مرة، وسمِّي بشرى من البشارة، والبشرة؛ لأنّه يظهر أثرها على الوجه بعلامات السّرور، والفرح، وغالباً ما تستعمل في الخير، وإذا ذكرت في سياق الشّر فيراد بها التّهكم؛ فالقرآن الكريم يُعدُّ بشرى للمسلمين.
﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: يبشرهم بالثّواب العظيم، والنّعيم الخالد في الآخرة.
стр. 2684
سورة النحل [١٦: ٩٠]
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَائِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾:
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾: العدل: هو إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقَّه، وهو المساواة الكاملة في الأحكام، أو المماثلة، والعدل: هو الحق، وقيل: العدل واجب، أو فرض، وأما القسط في اللغة: فهو الحظ والنصيب، واستعمله القرآن مع الميزان فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩]، والقسط يعني: تطبيق العدل.
﴿وَالْإِحْسَانِ﴾: ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة؛ للبيان، وهو إتقان العمل، والإحسان: تفعله وأنت محب له، والإحسان: لا يقتصر على النّفس، بل يتعدَّى إلى الغير، والإحسان: مندوب.
﴿وَإِيتَائِ ذِى الْقُرْبَى﴾: إعطاء القربى ما يحتاجونهم من مساعدة.
هذه الثلاثة عوامل هي أدوات لبناء المجتمع، وبالمقابل هناك ثلاثة عوامل تهدم المجتمع: هي الفحشاء، والمنكر، والبغي.
﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾: الزّنى؛ لما يسبب من اختلاط في الأنساب، وتدنس الأعراض، والفساد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
﴿وَالْمُنكَرِ﴾: ما أنكره الشّرع، وحرمه، واستقبحه العقل السّليم؛ كالكفر، والشّرك، والقتل، وهو باطل.
﴿وَالْبَغْىِ﴾: أخذ حقِّ الغير، والتّعدِّي عليهم بالقهر، والقوة.
стр. 2685
﴿يَعِظُكُمْ﴾: من الوعظ: وهو النّصح بالطّاعة، والعمل الصّالح، والإرشاد إلى الخير، وتذكره بالثّواب، والعقاب، والتّحذير، والنّهي. ارجع إلى سورة النّساء، آية (٥٨)؛ لمزيد من البيان.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: لعل: للتعليل.
﴿تَذَكَّرُونَ﴾: ما يعظكم به، ولا تنسونه كما نسيتم ذلك من قبل؛ أي: الأمر بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى.
سورة النحل [١٦: ٩١]
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾:
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: أيْ: أتموا عهد الله، والعهد هنا عام، وشامل يشمل كلّ العهود، ما عهده الله إلى عباده، وما تعاهد عليه الخلق فيما بينهم من بيع، وشراء، ويشمل العقود المؤكدة الّتي تسمَّى الميثاق، وأضاف العهد إليه سبحانه مما زاده أهمية وتفخيماً.
﴿إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾: إذا شرطية ظرفية للزمن المستقبل، وتفيد حتمية الحدوث؛ أيْ: أتموا عهد الله إذا عاهدتم.
﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾: النّقض: التّخلي، وعدم الوفاء باليمين.
﴿الْأَيْمَانَ﴾: جمع يمين: وهو القسم، أو الحلف بالله، وسمِّيت باليمين؛ لأنّهم إذا تحالفوا ضرب كلّ امرئ منهم يمينه على يمين صاحبه، واليمين يعني: القوة، والقدرة، ومشتقة من يمين الإنسان؛ أيْ: ذراعه الأيمن الأقوى من شماله.
стр. 2686
﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾: قد: للتحقيق، والتّوكيد.
﴿جَعَلْتُمُ﴾: من جعل، أو صير.
﴿عَلَيْكُمْ﴾: تقديم عليكم: يدل على التّوكيد، والقصر.
﴿كَفِيلًا﴾: شاهداً، أو رقيباً، أو حفيظاً وكيلاً.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾: يعلم ما تفعلون في السّر، وفي العلن، وما تخفون وتكتمون، ومن الوفاء، أو النّقض، وعليم بخفايا صدوركم.
سورة النحل [١٦: ٩٢]
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾: لا: النّاهية.
﴿كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾: يضرب الله لنا هذا المثل؛ ليبيِّن حال الّذين ينقضون العهد، والأيمان؛ كالمرأة القرشية الحمقاء الّتي كانت تقوم بعملية الغزل الّذي كان يحتاج إلى جهد عظيم، وزمن طويل، ثمّ تقوم بعد ذلك بفك الغزل، والنّسيج بعد مرور الغزل في مراحل دقيقة من تلاحم الألوان، والخيوط، والقرب من إتمام الصّنع.
﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾: أيْ: بعد عمل شاق احتاج إلى قوة، كما يحدث في إبرام العقد، أو أخذ العهد الّذي يحتاج إلى قوة، وجهد عظيم، ثمّ يحدث النقض.
стр. 2687
﴿أَنكَاثًا﴾: محلولاً، جمع نِكْثٍ: وهو ما نُقض وحُل فَتْله من الغزل؛ ليُغزل ثانية.
﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: أيْ: تمكرون، وتخدعون، وتنقضون عهدكم مع الطّرف الآخر من أجل جماعة أقوى عدداً، وعدَّة، أو فائدة ومصلحة لكم.
﴿دَخَلًا﴾: الدّخل: أن تُدخِل في الشّيء شيئاً آخر أدنى منه في الجودة في سبيل الغش، والخداع.
﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾: الأمة: جماعة من الناس تجمعهم شريعة واحدة، أو مبادئ ومصالح؛ بغض النظر عن الكم، أو الحيز الجغرافي؛ مثل: القبيلة، أو القوم؛ قبيلة أقوى، أو أغنى من قبيلة أخرى.
أيْ: تنقضون عهدكم خديعة، ومكراً مع قبيلة ما لتنضموا، وتدخلوا في تحالف جديد مع قبيلة أخرى أقوى، ولا تتموا عهدكم إلى مدته من أجل المصلحة، والطّمع طلباً للدنيا والسّمعة.
﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾: إنما: كافة، ومكفوفة؛ تفيد التّوكيد.
﴿يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾: به تعود على العهد، والوفاء به، والابتلاء يكون بالوفاء به، أو نقضه بالغدر، والخديعة، وقيل: به قد تعود إلى الكثرة الّتي تعني كثرة العدد (أربى).
﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ﴾: الواو: استئنافية؛ ليبيننَّ: اللام: لام التّوكيد، والنّون في يبيِّننَّ
стр. 2688
حرف النّون (زيادة التّوكيد)، والفاعل ضمير مستتر تقديره الله؛ ليبيِّننَّ: يوضح لكم، أو يُظهر لكم.
﴿لَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: لكم خاصة.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: ليبيِّننَّ لكم يوم القيامة ما كنتم في الدّنيا تختلفون فيه من أمر العهود، والوفاء بها، أو نقضها، والحق من الباطل، ويجازي كلاً على عمله، وفي هذا إنذار، ووعيد، وتحذير من مخالفة الوفاء بالعهود.
سورة النحل [١٦: ٩٣]
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾: لو: حرف امتناع لامتناع، امتناع وجود الجواب لامتناع وجود الشّرط.
﴿لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أيْ: لهداكم أجمعين سواء بالاختيار، أو القسر، أو كلاهما معاً، أو حملكم على الوفاء بالعهود قسراً، أو جعلكم على دين واحد، أو ملَّة واحدة؛ فلا اختلاف، ولا بغضاء، ولا عداوة، وألف بين قلوبكم، ولكن لم يشأ، بل منح لكم العقل، وعرض عليكم الأمانة، وبيَّن لكم الحق، والباطل، وأرسل إليكم رسله، وأنزل إليكم كتبه، وترك لكم الخيار.
﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾: يُضل؛ أيْ: من اختار لنفسه طريق الضّلال، والإعراض عن منهج الله، واستمر على ذلك وابتعد، عندها يتركه الله سبحانه لما اختاره لنفسه من الضّلال والخذلان، وكذلك يعلم سبحانه في علمه الأزلي
стр. 2689
أنّ هذا الضّال لن يتوب؛ أيْ: يرجع عن كفره فيمدُّ له في الضّلالة مدّاً، وقدَّم يضل على يهدي؛ لأنّ الضّالين في الأرض أكثر من المهتدين.
﴿وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾: ويهدي من اختار لنفسه طريق الهداية، والطّاعة، ويمدُّ له، ويزيد في هدايته.
﴿وَلَتُسْئَلُنَّ﴾: اللام: للتوكيد، والنّون: لزيادة التّوكيد.
﴿عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: عن: للمجاوزة، والابتعاد؛ ما: اسم موصول بمعنى: الّذي، أو مصدر. وما: أوسع شمولاً من الذي.
﴿كُنتُمْ﴾: في الدّنيا.
﴿تَعْمَلُونَ﴾: تقولون، وتفعلون العمل يشمل القول والفعل؛ تعملون: من الضّلال، أو الاهتداء.
ولو كانت مسألة الهداية، أو الضّلالة جبرية قسرية؛ لما سألهم عما كانوا يعملون.
стр. 2690
سورة النّحل [الآيات ٩٤ - ١٠٢]
سورة النحل [١٦: ٩٤]
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾:
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: أيْ: ولا تجعلوا.
﴿أَيْمَانَكُمْ﴾: الأيمان: جمع يمين: وهو القسم، أو الحلف الّذي نؤكد عليه؛ فنقول: والله، أو بالله. ارجع إلى الآية (٩١) من نفس السّورة؛ للبيان.
﴿دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: الدّخل: هو إدخال شيء في شيء آخر أدنى منه في الجودة للغش، والخداع؛ أيْ: لا تجعلوا أيمانكم وسيلة للخداع، ونقض العهود طلباً للدنيا، ومتاعها، وسبباً لوقوعكم في الضّلال.
﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾: فتزل: الفاء: فاء السّببية.
﴿قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾: أيْ: لا تنقضوا أيمانكم بالمكر، والخديعة الأمر الّذي يؤدِّي بكم للوقوع في الضّلال بعد أن كنتم ثابتين على الاستقامة، والإيمان؛ لأنّكم إذا فعلتم ذلك، فلن يبقى هناك من يثق بكم، ويأمن جانبكم، وبذلك لا يدخلون في الإسلام، وتكونون أنتم السّبب؛ بسبب نقضكم العهد.
﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: أي: العذاب الشّديد في الدّنيا بالمهانة، والاحتقار من قبل النّاس، وبما قمتم به من صد النّاس عن سبيل الله؛ أيْ: دين الله بسبب صنعكم، وقد يؤدِّي الأمر إلى قتلكم، وأسركم، ولكم في الآخرة عذاب عظيم.
стр. 2691
سورة النحل [١٦: ٩٥]
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾: لا: النّاهية.
﴿تَشْتَرُوا﴾: تستبدلوا، أو تبيعوا أيمانكم بأي ثمن، أو تبتغون بها عرض الدنيا.
﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: بعهد: الباء: للإلصاق؛ باء: البدلية؛ عهد الله يشمل جميع العهود فيما بين العبد وربه، وفيما بينه وبين النّاس.
﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: أيْ: تنقضوا عهودكم لأجل المال، أو لأيِّ عَرَضٍ دنيويٍّ مهما بلغ وزاد أو عظيم؛ فهو قليل مقارنة بما عند الله سبحانه. وقد ورد الثمن بأنه قليل في تسع آيات في القرآن، وورد مرة واحدة بالثمن البخس كما قال تعالى في سورة يوسف آية (٢٠) ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾، والبخس: يعني الرديء، أو هو ليس من قدر الشيء الذي بيع.
﴿إِنَّمَا﴾: إن ما: حرف مشبه بالفعل يفيد التّوكيد.
﴿عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: عند الله من نعيم، ورضوان، وجنات، وخلود.
﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: أفضل لكم؛ لكم خاصة: اللام: لام الاختصاص.
﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الشّك؛ أي: الشّك أنّكم تعلمون ذلك.
﴿كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: ما هو النّافع من الضّار، والباقي من الزّائل.
سورة النحل [١٦: ٩٦]
﴿مَا عِندَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿مَا عِندَكُمْ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.
стр. 2692
﴿عِندَكُمْ﴾: من رزق، ومال، ومتاع، وسمعة، وجاه، وقوة، وما تستعمل للشيء غير المحدد؛ أيْ: عامَّة، أو كلُّ ما عندكم.
﴿عِندَكُمْ﴾: ينتهي، ولا يبقى منه شيء؛ يفنى، والفناء فناء آخر الشّيء بعد فناء أوّله.
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾: دائم لا ينقطع.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّ﴾: اللام: للتوكيد، ونون النّسوة: لزيادة التّوكيد.
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾: ابتغاء وجه ربهم؛ الّذين: اسم موصول يفيد المدح، والتّعظيم، وصبروا على الطّاعة، واجتناب النّواهي، وصبروا على البلاء، والمحن، والبأساء، والضّراء، وصبروا على الوفاء بعهودهم، وإتمام المدَّة.
﴿بِأَحْسَنِ﴾: الباء: البدلية للإلصاق.
﴿مَا﴾: تستعمل للشيء غير المحدَّد عامة لذوات غير العقلاء، ولصفات العقلاء.
﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: في الدّنيا.
﴿يَعْمَلُونَ﴾: تشمل الأقوال، والأفعال، ولم يقل: الّذي كانوا يعملون؛ الّذي: تستعمل للشيء المعلوم (المعرّف)، أو الخاص.
سورة النحل [١٦: ٩٧]
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾: من: شرطية.
﴿عَمِلَ صَالِحًا﴾: من الفرائض، والنّوافل، والصدقات، وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر … وغيرها.
стр. 2693
﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: من: ابتدائية استغراقية؛ تستغرق؛ أيْ: تشمل كلّ ذكر، وأنثى، والمفرد والمثنى والجمع.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: وهو: الواو: تفيد التّوكيد؛ هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد أيضاً؛ أيْ: قرن العمل الصّالح بالإيمان، فالأعمال الصّالحة لا تقبل، أو تنفع إلا إذا اقترنت بالإيمان بالله تعالى.
﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾: فلنحيينَّه: الفاء: للتوكيد، واللام: لزيادة التّوكيد.
﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾: تعريف الحياة الطّيبة اختلف فيه العلماء، وجاءت بصيغة النّكرة؛ لتشمل كلّ عنصر من عناصر، أو مقومات الحياة الطّيبة، والتي تشمل النّاحية المادية، والمعنوية، ومن دون خوف، وقلق، بل الرضا بقضاء الله وقدره والاستقرار والأمن والتوكل على الله، والقناعة … وغيرها. ومنهم من قال: الحياة الطيبة: هي حياة الجنة، ومنهم من قال: الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة؛ أي: الجنة أيضاً، والفرق بين الحياة والمعيشة: أن الحياة أعم من المعيشة؛ أي: تشمل المعيشة التي تعني الأكل والشرب والنوم واللباس وغيرها، وعكس الحياة الطيبة المعيشة الضنكا، كما ورد في سورة طه آية (١٢٤) ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾: اللام، والنون: للتوكيد.
﴿أَجْرَهُم﴾: الأجر مقابل العمل.
﴿بِأَحْسَنِ﴾: الباء: للإلصاق، أو باء البدلية؛ أحسن: أفضل على وزن أفعل.
﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، أو مصدرية، وما: عامة شاملة غير محدَّدة.
﴿كَانُوا﴾ في الدّنيا.
стр. 2694
﴿يَعْمَلُونَ﴾: العمل يشمل القول، والفعل؛ أيْ: ما كانوا يقولون، أو يفعلون.
لنقارن هذه الآية (٩٧) من سورة النّحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
مع الآية (٧) من سورة العنكبوت: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِى كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
في سورة النّحل: من عمل صالحاً: نكرة، ذكر أو أنثى؛ لذلك جعل الجزاء عاماً؛ فجاء بـ (ما)؛ فقال: بأحسن ما (للعام) كانوا يعملون.
في سورة العنكبوت: والّذين آمنوا وعملوا الصّالحات: الّذين آمنوا، وعملوا الصّالحات: معرفة؛ فجاء بأحسن الّذي: اسم موصول يفيد المعرفة، أو جاء الجزاء خاص بهم؛ أي: استعمل ما: للعام، واستعمل الّذي: للخاص والمعرفة.
سورة النحل [١٦: ٩٨]
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾:
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾: فإذا: الفاء: للتوكيد؛ إذا: ظرف زماني للزمن المستقبل، ويتضمن معنى الشّرط، وتفيد حتمية الحدوث، وكثرته.
﴿قَرَأْتَ﴾: أي: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، والقراءة قد تعني: كلمة واحدة. أما التّلاوة: فأصلها إتْباع الشّيء بالشّيء؛ يقال: تلاه تبعه، والتلاوة: تكون من كتاب الله تعالى فقط، أما القراءة: تكون من الصحف، أو الكتب … وغيرها.
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾: تعني: اللجوء، والاعتصام، والاستجارة بالله تعالى؛ ألا يلبس عليك الشّيطان، أو يخلط عليك قراءتك، أو يمنعك من تدبر آيات الله تعالى: بالوسوسة، والتزيين. واستعذ: السين والتاء: تعني الطلب؛ أي: اطلب
стр. 2695
العون من الله سبحانه، واسم الله يمثل كل صفاته، ولكن تكون الاستعاذة كاملة بكل صفات الله جاء باسم الله، ولم يقل استعذ بالرحمن، أو القوي العزيز أو غيره من الأسماء؛ لأن اسم الله يمثل كل أسمائه الحسنى.
﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: ارجع إلى الآية (٣٦) من سورة البقرة؛ لمعرفة معنى: الشّيطان.
﴿الرَّجِيمِ﴾: مشتقة من الرجم، وله معانٍ مختلفة؛ منها: اللعن، والطرد من رحمة الله تعالى.
سورة النحل [١٦: ٩٩]
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾:
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ﴾: إنّه: إنّ: للتوكيد.
﴿لَيْسَ﴾: للنفي.
﴿لَهُ﴾: تعود على الشّيطان.
﴿سُلْطَانٌ﴾: أيُّ سلطان؛ سواء أكان سلطان الحُجَّة والبرهان، أم سلطان القهر والغلبة؛ أيْ: ليس للشيطان أيُّ سلطان مهما كان نوعه.
﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾: هذه بشرى للذين آمنوا؛ أيْ: ليس للشيطان عليهم أيُّ سلطان.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: تكرار (وعلى): تفيد العلو، والسّمو.
﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾: من التّوكل. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لمزيد من البيان.
سورة النحل [١٦: ١٠٠]
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾:
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ﴾: إنما: كافة ومكفوفة؛ تفيد التّوكيد.
стр. 2696
﴿سُلْطَانُهُ﴾: سلطان القهر، والغلبة، أو سلطان الحُجَّة، والإقناع.
﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: على: تفيد العلو، والمشقة.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿يَتَوَلَّوْنَهُ﴾: يتخذونه ولياً؛ يطيعون أمره، ويتبعون خطواته، ويخضعون لوساوسه.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾: والّذين: تكرارها يفيد التّوكيد، وفصل كلاً من الّذين يتولونه، والّذين هم به مشركون.
﴿بِهِ مُشْرِكُونَ﴾: به: تعود على الله، والّذين هم بالله مشركون، أو به: تعود على الشّيطان؛ أيْ: بسببه أشركوا بالله.
سورة النحل [١٦: ١٠١]
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرف للزمن المستقبل تفيد حتمية الحدوث.
﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: أيْ: نسخنا حكماً بحكم آخر، أو آية بآية أخرى، كما قال الحق: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾: جملة اعتراضية، والله أعلم بما ينزل: من الآيات.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق؛ ما: اسم موصول بمعنى: الّذي. وما: أوسع شمولاً من الذي.
﴿يُنَزِّلُ﴾: بصيغة المضارع؛ للدلالة على التّكرار، والتّجدد، وينزل:
стр. 2697
منجَّماً على دفعات، وليس جملة واحدة، والله ينسخ، ويثبت بما يُصلح خلقه، ويخفِّف عن عباده حسب حكمته، ومشيئته.
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾: قالوا؛ أي: الّذين كفروا.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة، ومكفوفة؛ تفيد التّوكيد، والحصر.
﴿أَنْتَ﴾: ضمير تفيد التّوكيد.
﴿مُفْتَرٍ﴾: من الافتراء: وهو الكذب المتعمد المختلق؛ أيْ: أنت تختلقه من نفسك.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: بل: للإضراب الإبطالي.
﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: الحكمة من النّسخ، أو التّبديل، وهناك أقلية تعلم، ويقولون: كلٌّ من عند ربنا.
سورة النحل [١٦: ١٠٢]
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾:
هذه الآية ردّاً على الّذين افتروا أنّ رسول الله اختلق القرآن، أو تَقَوَّلَه.
﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾: أي: القرآن؛ نزله من نزل، أيْ: من الله تعالى، أو من اللوح المحفوظ.
﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾: الرّوح الأمين جبريل ﵇ منجَّماً على طوال (٢٣ سنة) بالتّدرج.
وصف بالقدس لطهارته؛ فهو حمل الرّسالة الإلهية إلى الرّسل، ووصف بالرّوح الأمين؛ لأنّه نزل بالرّوح (بالقرآن) كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
стр. 2698
﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: وليس مفترىً، كما قالوا.
﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: على إيمانهم؛ اللام: لام التّوكيد (التّعليل)؛ يثبت: تعني: الاستقامة، والالتزام على دين الله، والإيمان، فلا تزغ قلوبهم بعد الهداية، فلا يضلوا، ولا يضعف إيمانهم.
﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٦٤ - ٨٩) من نفس السّورة.
﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: بالنّجاة من النّار، والفوز بالجنة، أو بالفلاح في الدّارين.
ونظير هذه الآية جاء في الآية (٩٧) من سورة البقرة: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
وفي الآيات (١٩٢ - ١٩٥) من سورة الشّعراء: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُبِينٍ﴾.
стр. 2699
سورة النّحل [الآيات ١٠٣ - ١١٠]
سورة النحل [١٦: ١٠٣]
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُبِينٌ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد؛ أيْ: تحقق ذلك، وحدث.
﴿نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾: إنما: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد؛ حيث يمكن أن تكون الآية نعلم أن كفار مكة وغيرهم أنّهم يقولون: يعلمه بشر.
﴿يَقُولُونَ﴾: ولم يقل: قالوا؛ لأنّهم استمروا في قولهم، وتجدَّد، وتكرَّر هذا القول بينهم يقولون: إنما يعلمه بشر (أحد من النّاس).
﴿بَشَرٌ﴾: اسم جنس: يشمل المفرد والمثنى والجمع، والذكر والأنثى مشتقة من البشرى، والبشارة؛ أيْ: حسن الهيئة؛ يقال: رجل بشر؛ أيْ: حسن الهيئة، أو تعني: الظّهور، أو علو شأنهم، ومنزلتهم، أو من الظّهور، أو من كون لا تغطيهم الأشعار.
وكلمة بشر: نكرة؛ لأنّهم ليسوا على يقين من هو ذلك البشر الّذي يعلم رسول الله ﷺ ، وتضاربت الآراء عندهم حول اسمه في تسعة أقوال؛ قالوا: هو غلام لبني عامر يقال له: يعيش كان يقرأ التوراة؛ فقالوا منه يتعلم محمد ﷺ كما روي عن ابن عباس، وقالوا: غلاماً لعامر بن الحضرمي واسم يسار (أبا فُكيهة)، وقال: عبد الله بن مسلم الحضرمي كان لنا غلامان روميان أحدهما يسار والآخر
стр. 2700
جبر، وكانا يضعان السيوف بمكة ويقرآن الإنجيل؛ فكان النبي يمر بهما وربما استمع إليهما فظن المشركون أنه يتعلم منهما.
﴿لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ﴾: لسان: العرب تستعمل لسان بمعنى اللغة؛ لأنّ اللسان: هو وسيلة الكلام؛ أي: ولغة الّذي يُلحدون إليه.
﴿يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾: وتقرأ ﴿يُلْحِدُونَ﴾ بضم الياء وكسر الحاء وتقرأ (يَلحَدون) بفتح الياء والحاء؛ أيْ: يميلون إليه، ويشيرون إلى اسمه، أو يزعمون أنه يعلمه، وأصل الإلحاد الميل يقال ألحد في القبر؛ أي: أمال حفرة عن الاستقامة واستعملت للقول ألحد في دينه أو ألحد في قوله، وبشكل عام الإلحاد هو: الميل.
﴿أَعْجَمِىٌّ﴾: أيْ: في لسانه عُجمةٌ؟ أي: الّذي تزعمون أنّه يعلم رسول الله ﷺ هو أعجمي، وليس عربياً، وزيدت الياء: للتوكيد، والأعجمي: قيل في تعريفه: من لا يتكلَّم العربية، أو لا يفصح، ولا يُبين الكلام، حتّى وإن كان أصله عربياً.
والعجمي: هو من أصله عجمي، وإن كان يتكلم العربية الفصحى.
﴿وَهَذَا﴾: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة، ويشير إلى القرآن الكريم.
﴿لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُبِينٌ﴾: أيْ: وهذا القرآن نزل بلسان عربي بلسان قريش باللغة العربية الفصحى.
﴿مُبِينٌ﴾: واضح، وظاهر لكلّ فرد لسانه؛ أيْ: لغته العربية، ومبين: لا يحتاج إلى دليل، أو برهان؛ لإثبات ذلك؛ لأنّه واضح من قراءته.
следующие страницы →