← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

﴿سُلْطَانُهُ﴾: سلطان القهر، والغلبة، أو سلطان الحُجَّة، والإقناع. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: على: تفيد العلو، والمشقة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿يَتَوَلَّوْنَهُ﴾: يتخذونه ولياً؛ يطيعون أمره، ويتبعون خطواته، ويخضعون لوساوسه. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾: والّذين: تكرارها يفيد التّوكيد، وفصل كلاً من الّذين يتولونه، والّذين هم به مشركون. ﴿بِهِ مُشْرِكُونَ﴾: به: تعود على الله، والّذين هم بالله مشركون، أو به: تعود على الشّيطان؛ أيْ: بسببه أشركوا بالله. سورة النحل [١٦: ١٠١] ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرف للزمن المستقبل تفيد حتمية الحدوث. ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: أيْ: نسخنا حكماً بحكم آخر، أو آية بآية أخرى، كما قال الحق: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾: جملة اعتراضية، والله أعلم بما ينزل: من الآيات. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق؛ ما: اسم موصول بمعنى: الّذي. وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿يُنَزِّلُ﴾: بصيغة المضارع؛ للدلالة على التّكرار، والتّجدد، وينزل:

стр. 2697

منجَّماً على دفعات، وليس جملة واحدة، والله ينسخ، ويثبت بما يُصلح خلقه، ويخفِّف عن عباده حسب حكمته، ومشيئته. ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾: قالوا؛ أي: الّذين كفروا. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة، ومكفوفة؛ تفيد التّوكيد، والحصر. ﴿أَنْتَ﴾: ضمير تفيد التّوكيد. ﴿مُفْتَرٍ﴾: من الافتراء: وهو الكذب المتعمد المختلق؛ أيْ: أنت تختلقه من نفسك. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: بل: للإضراب الإبطالي. ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: الحكمة من النّسخ، أو التّبديل، وهناك أقلية تعلم، ويقولون: كلٌّ من عند ربنا. سورة النحل [١٦: ١٠٢] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: هذه الآية ردّاً على الّذين افتروا أنّ رسول الله اختلق القرآن، أو تَقَوَّلَه. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾: أي: القرآن؛ نزله من نزل، أيْ: من الله تعالى، أو من اللوح المحفوظ. ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾: الرّوح الأمين جبريل ﵇ منجَّماً على طوال (٢٣ سنة) بالتّدرج. وصف بالقدس لطهارته؛ فهو حمل الرّسالة الإلهية إلى الرّسل، ووصف بالرّوح الأمين؛ لأنّه نزل بالرّوح (بالقرآن) كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].

стр. 2698

﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: وليس مفترىً، كما قالوا. ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: على إيمانهم؛ اللام: لام التّوكيد (التّعليل)؛ يثبت: تعني: الاستقامة، والالتزام على دين الله، والإيمان، فلا تزغ قلوبهم بعد الهداية، فلا يضلوا، ولا يضعف إيمانهم. ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٦٤ - ٨٩) من نفس السّورة. ﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: بالنّجاة من النّار، والفوز بالجنة، أو بالفلاح في الدّارين. ونظير هذه الآية جاء في الآية (٩٧) من سورة البقرة: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وفي الآيات (١٩٢ - ١٩٥) من سورة الشّعراء: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُبِينٍ﴾.

стр. 2699

سورة النّحل [الآيات ١٠٣ - ١١٠] سورة النحل [١٦: ١٠٣] ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُبِينٌ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد؛ أيْ: تحقق ذلك، وحدث. ﴿نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾: إنما: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد؛ حيث يمكن أن تكون الآية نعلم أن كفار مكة وغيرهم أنّهم يقولون: يعلمه بشر. ﴿يَقُولُونَ﴾: ولم يقل: قالوا؛ لأنّهم استمروا في قولهم، وتجدَّد، وتكرَّر هذا القول بينهم يقولون: إنما يعلمه بشر (أحد من النّاس). ﴿بَشَرٌ﴾: اسم جنس: يشمل المفرد والمثنى والجمع، والذكر والأنثى مشتقة من البشرى، والبشارة؛ أيْ: حسن الهيئة؛ يقال: رجل بشر؛ أيْ: حسن الهيئة، أو تعني: الظّهور، أو علو شأنهم، ومنزلتهم، أو من الظّهور، أو من كون لا تغطيهم الأشعار. وكلمة بشر: نكرة؛ لأنّهم ليسوا على يقين من هو ذلك البشر الّذي يعلم رسول الله ﷺ ، وتضاربت الآراء عندهم حول اسمه في تسعة أقوال؛ قالوا: هو غلام لبني عامر يقال له: يعيش كان يقرأ التوراة؛ فقالوا منه يتعلم محمد ﷺ كما روي عن ابن عباس، وقالوا: غلاماً لعامر بن الحضرمي واسم يسار (أبا فُكيهة)، وقال: عبد الله بن مسلم الحضرمي كان لنا غلامان روميان أحدهما يسار والآخر

стр. 2700

جبر، وكانا يضعان السيوف بمكة ويقرآن الإنجيل؛ فكان النبي يمر بهما وربما استمع إليهما فظن المشركون أنه يتعلم منهما. ﴿لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ﴾: لسان: العرب تستعمل لسان بمعنى اللغة؛ لأنّ اللسان: هو وسيلة الكلام؛ أي: ولغة الّذي يُلحدون إليه. ﴿يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾: وتقرأ ﴿يُلْحِدُونَ﴾ بضم الياء وكسر الحاء وتقرأ (يَلحَدون) بفتح الياء والحاء؛ أيْ: يميلون إليه، ويشيرون إلى اسمه، أو يزعمون أنه يعلمه، وأصل الإلحاد الميل يقال ألحد في القبر؛ أي: أمال حفرة عن الاستقامة واستعملت للقول ألحد في دينه أو ألحد في قوله، وبشكل عام الإلحاد هو: الميل. ﴿أَعْجَمِىٌّ﴾: أيْ: في لسانه عُجمةٌ؟ أي: الّذي تزعمون أنّه يعلم رسول الله ﷺ هو أعجمي، وليس عربياً، وزيدت الياء: للتوكيد، والأعجمي: قيل في تعريفه: من لا يتكلَّم العربية، أو لا يفصح، ولا يُبين الكلام، حتّى وإن كان أصله عربياً. والعجمي: هو من أصله عجمي، وإن كان يتكلم العربية الفصحى. ﴿وَهَذَا﴾: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة، ويشير إلى القرآن الكريم. ﴿لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُبِينٌ﴾: أيْ: وهذا القرآن نزل بلسان عربي بلسان قريش باللغة العربية الفصحى. ﴿مُبِينٌ﴾: واضح، وظاهر لكلّ فرد لسانه؛ أيْ: لغته العربية، ومبين: لا يحتاج إلى دليل، أو برهان؛ لإثبات ذلك؛ لأنّه واضح من قراءته.

стр. 2701

سورة النحل [١٦: ١٠٤] ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: هذه الآية جواب للذين قالوا: إنما أنت مفترٍ، كما ورد في الآية (١٠١)، والآية (١٠٣) من نفس السّورة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: لا: يصدقون بآيات الله. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: بآيات: الباء: للإلصاق؛ آيات الله القرآنية، أو الكونية، أو المعجزات، أو البينات، والدّلائل على وحدانيته، وعبوديته. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ولم يقل: آمنوا: يدل على عدم إيمانهم المتجدد، والمتكرر. ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾: هداية المعونة، أو الهداية الخاصة. ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿لَا يَهْدِيهِمُ﴾: لأنّهم أنفسهم اختاروا طريق الضّلالة، واستمروا عليه؛ لا يهديهم إلى الصّراط المستقيم، أو إلى سبيل الرّشد، والإيمان. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ولهم: اللام: لام الاستحقاق، هم: ضمير يفيد التّوكيد. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: عذاب شديد الإيلام، كمّاً ونوعاً؛ عذاب: نكرة؛ ليدل على هوله، وعظمته.

стр. 2702

سورة النحل [١٦: ١٠٥] ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾: هذه الآية، والآية السّابقة هي- كما قلنا- جواب للذين قالوا لرسول الله ﷺ : إنما أنت مفتر، وقالوا: إنما يعلِّمه بشر. ﴿إِنَّمَا﴾: إنما: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد. ﴿يَفْتَرِى الْكَذِبَ﴾: أيْ: لست أنت المفتر؛ إنما الّذين لا يؤمنون بآيات الله هم الّذين يفترون الكذب، وأولئك هم الكاذبون؛ الافتراء: هو الكذب المختلق المتعمَّد. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾: وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام، وأولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد؛ يشير إلى شناعة كذبهم. ﴿هُمُ﴾: للتوكيد: الكاذبون: جمع كاذب، وصفة الكذب ثابتة عندهم لا ينفكُّوا عنها؛ لأنّ المؤمن الحق لا يَكْذب. وتكرار الّذين لا يؤمنون بآيات الله مرتين يفيد التّوكيد مرة على قولهم إنما أنت مفترٍ، ومرة ثانية على قولهم: إنما يعلمه بشر، والخلاصة: الّذين لا يؤمنون بآيات الله أوّلاً: لا يهديهم، ثانياً: لهم عذاب أليم، ثالثاً: هم الكاذبون. سورة النحل [١٦: ١٠٦] ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: ﴿مَنْ﴾: شرطية للعاقل؛ تعني: المفرد، أو الجمع، أو المثنى.

стр. 2703

﴿كَفَرَ بِاللَّهِ﴾: كفر: كفر إلحاد بوجود الله، ووحدانيته بعد أن دخل في الإسلام. ﴿بِاللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق. ارجع إلى سورة البقرة آية (٦) للبيان. ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾: من: تفيد المباشرة، مباشرة من بعد إيمانه وإسلامه. ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾: إلا: أداة حصر، أو استثناء؛ أيْ: إلا من أكره على الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي. ﴿أُكْرِهَ﴾: بأن أصبحت حياته في خطر مهدَّد بالقتل، أو العذاب، والفتنة، فأكره على التّلفظ بالكفر، أو كلمة الكفر؛ فقالها لفظاً، ولكن قلبه مطمئن بالإيمان. ﴿مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾: مليءٌ بالإيمان، واليقين بالله تعالى، ورسوله ﷺ . سبب نزول الآية: قال ابن عبّاس ﵄: نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر بعد أن قتل المشركون أباه ياسر، وأمّه سُمَيَّة، وهما أوّل قتيلين في الإسلام، ولما جاؤوا إلى عمار أعطاهم ما أرادوا بلسانه من أجل التّقية. فمن أكره على الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، فهو أمام خيارين: الأوّل: أن يصمد ويصدع بالحق، وإذا قتل، أو مات مات شهيداً في سبيل الله. والثّاني: أن يأخذ بالتّقية، ويستخدم الرّخصة على شرط أن يكون قلبه مطمئن بالإيمان، وأمّا إذا أكره على الكفر، وأُمر بأن يقتل أحداً؛ فلا يجوز فعل ذلك، والامتناع، والصّبر.

стр. 2704

﴿وَلَكِنْ مَنْ﴾: لكن: حرف استدراك، وتوكيد. ﴿مَنْ﴾: شرطية، أو اسم موصول، وتعني العاقل، والمفرد، أو الجمع. ﴿شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾: أيْ: نطق بكلمة الكفر، وهو راضٍ وغير مبالٍ بها، أو سعيد بها، أو طابت نفسه بها. ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾: على: تعني: الجميع. ﴿غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾: سبحانه في الدّنيا؛ الغضب: أشد من اللعن الّذي هو الطّرد من رحمة الله تعالى. غضب من الله: جملة اسمية تدل على ثبوت لعنة الله عليهم، ولا رحمة، ولا مغفرة لهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: اللام: لام الاختصاص، هم: للتوكيد. ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: في الآخرة، وهو أشد أنواع العذاب، والعظيم: هو العذاب الّذي يشمل الأليم، والشّديد، والمهين، والمقيم. سورة النحل [١٦: ١٠٧] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: ذا: اسم إشارة؛ يشير إلى الوعيد أنّ غضب الله عليهم، ولهم عذاب عظيم. ﴿بِأَنَّهُمُ﴾: الباء: للتعليل؛ أنّهم: للتوكيد. ﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾: لم يقل: أحبوا، وإنما استحبوا؛ أيْ: تكلَّفوا، وغالوا في حبها؛ أيْ: حبهم زاد عن الحب الطّبيعي، بل انغمسوا، وأوغلوا في حبها، وساروا في طريق الشّهوات، والملذات، وآثروا الحياة الدّنيا على الآخرة. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: وأن: تفيد التّوكيد؛ لا: النّافية للجنس.

стр. 2705

﴿لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: الّذين اختاروا الكفر على الإيمان، وأصروا عليه، ولم يعد لهم أمل في ترك الكفر. سورة النحل [١٦: ١٠٨] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، وتشير إلى سوء حالهم، ومنزلتهم. ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: الطّبع: أشد من الختم؛ فلا يدخل قلوبهم أيُّ إيمان، ولا يخرج منها أيُّ كفر، وقوله تعالى: طبع الله على قلوبهم، ولم يقل: وطُبع على قلوبهم بالبناء للمجهول؛ للدلالة على شدة الطبع والتحذير منه. ﴿وَسَمْعِهِمْ﴾: السّمع: وسيلة من وسائل الإدراك، والختم على سمعهم يعني: فلا يسمعوا الوحي، أو القرآن، ولا الموعظة، ولا البينات، وأفرد السّمع؛ لأنّ الكلام المسموع هو نفسه بالنّسبة لكلّ فرد، وقدَّم السّمع على الأبصار؛ لأنّ السّمع أهم من البصر، وخلق السّمع قبل البصر. ارجع إلى الآية (٧) من سورة البقرة، والآية (٢٣) من سورة الملك؛ لمزيد من البيان. ﴿وَأَبْصَارِهِمْ﴾: جمع الأبصار؛ لأنّ كلّ عين ترى أشياء مغايرة للآخر. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: أولئك: ارجع إلى أولئك في مطلع الآية نفسها. ﴿هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد؛ أيْ: إذا كان هناك غافلون فهم أغفلهم، ولا أحد أغفل منهم، أو الّذين غفلتهم تامة كاملة. ﴿الْغَافِلُونَ﴾: جمع غافل، وغافلون تفيد أنّ صفة الغفلة ثابتة، وملازمة لهم، ولن يَصحُوا منها، ويعودوا إلى رشدهم؛ الغافلون عن الآخرة، والبعث،

стр. 2706

والحساب، والغافلون عن عاقبة أمرهم، ومصيرهم، وما لهم في الآخرة، وما ينتظرهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان في معنى: غافلين. والخلاصة: هؤلاء المرتدون الّذين كفروا بعد إيمانهم، وانشرحت صدورهم بالكفر عليهم غضب الله، ولهم عذاب عظيم، ولهم خمس صفات استحبوا الحياة الدّنيا على الآخرة، وحرموا من الهداية، وطبع الله على قلوبهم، وسمعهم، وأبصارهم، وهم من الغافلين والخاسرين. سورة النحل [١٦: ١٠٩] ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: ﴿لَا جَرَمَ﴾: لا محالة، ولا بُدَّ، أو حقّاً من جرم. ارجع إلى الآية (٦٢) من نفس السّورة؛ لمزيد من البيان. ﴿أَنَّهُمْ﴾: أنّ: للتوكيد. ﴿فِى الْآخِرَةِ هُمُ﴾: هم: ضمير يفيد التّوكيد. ﴿الْخَاسِرُونَ﴾: جمع خاسر؛ خسروا أنفسهم بأن أوردوها النّار، وقد تشمل أهليهم؛ أيْ: حقّاً، أو لا محالة هم الخاسرون. وإذا قارنا هذه الآية من سورة النحل مع الآية (٢٢) من سورة هود، وهي قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ فالأخسرون: هم أشد خسارة من الخاسرون والأخسرون؛ إذا نظرنا في سياق الآيات تعني: الذين صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم، أما الخاسرون جاءت في سياق الذي صد نفسه فقط، ولم يصد غيره، فالأخسرون يضاعف لهم العذاب كما ورد في سياق الآيات مقارنة بالخاسرون. سورة النحل [١٦: ١١٠] ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: تدلُّ على تباعد حال هؤلاء من أولئك الّذين كفروا وشرحوا بالكفر صدراً.

стр. 2707

﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿لِلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾: للذين: اللام: لام الاختصاص. ﴿هَاجَرُوا﴾: من مكة إلى المدينة. ارجع إلى الآية (٤١) من نفس السّورة؛ لمزيد من البيان. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: من بعد: منذ زمن قريب. ﴿فُتِنُوا﴾: أيْ: عذِّبوا؛ لأنّهم أسلموا؛ فتنوا: عن دينهم؛ ليكفروا، أو يرتدوا. ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا﴾: ثم: للترتيب الذّكري؛ أيْ: قاتلوا مع رسول الله ﷺ بعد الهجرة. ﴿وَصَبَرُوا﴾: على دينهم، وجهادهم، أو صبروا على الطّاعات، وتجنب المحارم، وصبروا على الفتنة، والبلاء. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: من بعد الفتنة، أو الهجرة، أو المجاهدة. ﴿لَغَفُورٌ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ غفور: كثير الغفر: وهو السّتر، ومحو الذّنب؛ غفور: كماً وكيفاً؛ يغفر الذنوب جميعاً؛ إلا الشرك والكفر بالله. ﴿رَحِيمٌ﴾: بهم، رحيم: على وزن فعيل؛ رحيم بهم في الآخرة، ورحيم: خاصة بالمؤمنين؛ لم يعجل لهم العقوبة؛ لعلهم يتوبوا وينيبوا إلى ربهم فيغفر لهم.

стр. 2708

سورة النّحل [الآيات ١١١ - ١١٨] سورة النحل [١٦: ١١١] ﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: منصوب جاء بصيغة النكرة؛ ليدل على هول ذلك اليوم، وعظيم أحداثه، ويعني: يوم القيامة. ﴿تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَّفْسِهَا﴾: كلّ إنسان له نفس واحدة، وهذه النّفس لها حق الاختيار في أن تفعل، أو لا تفعل، ما أمرها ربها في الدّنيا، أما في الآخرة فيصبح كلّ إنسان يجادل عن نفسه؛ أيْ: يدافع، أو يحاول الاعتذار ليخلص نفسه من العذاب، ولا يهمه شأن غيره؛ يقول: نفسي نفسي، والنّفس الأولى: هي عينها، أو ذاتها النّفس الثّانية. ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾: تعطى كلّ نفس جزاء عملها تاماً غير ناقصاً؛ مما عملت من خير، أو شر. ما عملت، ولم يقل: ما كسبت؛ العمل: أعم من الكسب، العمل يشمل الكسب وغيره. ﴿مَا﴾: حرف مصدري، أو بمعنى الّذي، وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿لَا﴾: النّافية للجنس. ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾: وإن كان مثقال حبة من خردل؛ لا يظلمون: ينقص شيئاً

стр. 2709

من حسناتهم، أو يُزاد إلى سيئاتهم سيئة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]، أو ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]. سورة النحل [١٦: ١١٢] ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: بعد أن هدَّد الله سبحانه الكفار، والمرتدين بالغضب، والعذاب العظيم في الآخرة؛ يهددهم في هذه الآية بآفات الدّنيا، وما يمكن أن يحل بهم إذا كفروا بأنعم الله. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: ارجع إلى الآية (٧٤) من نفس السّورة؛ لمعرفة معنى ضرب المثل، وضرب الأمثال يكون من باب المُبين. ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً﴾: قرية: قيل: هي مكة، كما قال أغلب المفسرون، والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب. ﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾: من الخوف من الاعتداء، والقتال. ﴿مُّطْمَئِنَّةً﴾: عندها مقومات الحياة الطّيبة، والمستقرة. ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: لا يحتاج أهلها إلى الانتقال والتّرحال طلباً للرزق، رزقها يأتيها من كلّ مكان من الثّمرات، والمنتجات، والطّعام، والشّراب، ومن متاع الدّنيا في رحلة الشّتاء، والصّيف من الشّام، واليمن. ﴿رَغَدًا﴾: الرّغد: العيش الهنيء الواسع. وقدَّم الأمن على الرّزق؛ لأنّ الرّزق لا يأتي إلا إذا توافرت الطّرق الآمنة؛ لوصول الرّزق، والسّفر، والتّنقل من دون خوف.

стр. 2710

﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾: الفاء: تدل على التّرتيب، والمباشرة؛ كفرت بأنعم الله؛ أي: الربانية الظاهرة؛ أيْ: جحدت النّعم، وأنكرت توحيده، وأشركت به، وكذبت برسوله محمّد ﷺ ، واستعملت نعم الله تعالى في سبيل التّصدي، ومنع النّاس من الدّخول في الإسلام، والصّد عن سبيل الله بدلاً من شكر المنعم، والثّناء عليه. وكلمة أَنْعُم: وردت مرتين في كل القرآن في هذه الآية، والآية (١٢٠) من نفس السورة، والأنْعُم: جزء من النِعَم؛ النعم: شاملة للظاهرة والباطنة، أما الأُنْعم: فهي الظاهرة. ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ إذا نظرنا في هذه الآية نجد ثلاثة أسئلة: الأوّل: لماذا استعمل كلمة: أذاقها بدلاً من مسها الجوع والخوف؟ الجواب: لأن التذوق يعني: تمكن الطعام من الامتصاص أو التسرب إلى اللسان؛ أي: جسم الإنسان، وأما المس: فهو الإصابة الخفيفة التي قد لا يكون لها أثر، فالتذوق أشد من المس؛ فيدل ذلك على أن الجوع والخوف قد أثر فيهم، وترك آثاره لزمن طويل، وكذلك التذوق قد يكون مراً كما هو الحال في بعض الأطعمة، وكذلك الجوع والخوف كان مراً مكروهاً عندهم. والثّاني: لماذا شبه الجوع، والخوف باللباس؟ لأن اللباس يحيط بالجسم كاملاً، وكذلك أحاط بهم الجوع والخوف، وتمكن منهم، فالكل أصيب بالجوع والخوف معاً. والثّالث: لماذا قدَّم الجوع على الخوف؟ أولاً: لأن الجوع أشد على الإنسان من الخوف؛ أي: يمكن أن يتحمل الإنسان الخوف، ولكن لا يتحمل

стр. 2711

الجوع. ثانياً: لأن الجوع يسبق الخوف، أو يؤدي إلى الخوف حيث أن الجوع قد يؤدي إلى السرقة والقتل، وهذا بدوره يؤدي إلى الجريمة والخوف. فالمس يعني: الإصابة الخفيفة، والذّوق يعبر عن الإصابة الأشد؛ فأذاقها تعني: الجوع؛ أيْ: أجاعها، والجوع: أقوى الحواس، وأشد ألماً وحساً من المس؛ فلذلك استعمل الذوق. ارجع إلى سورة هود، آية (٩)؛ لمزيد من البيان. واستعمل لباس الجوع، والخوف: لشدة الجوع؛ أي: الحرمان من الطّعام، والذي استمر عدة سنين، والخوف الّذي حل بمكة، وقريش؛ فعندما يقل الطّعام يحتاج الجسم إلى الطاقة الحرورية، وعندما تنقص السكريات في الجسم؛ مما يؤدِّي إلى التّحول إلى استعمال الدّهون (المادة الشحمية)؛ كمصدر للطاقة، وإذا استمر الجوع يؤدِّي في النّهاية إلى استعمال البروتينات في توليد الطّاقة، وعندها تظهر على الجسم علامات شدة الجوع على البشرة الجلدية الّتي تجف، وتنكمش، وتتغير معها ملامح الوجه، ويظهر الشّحوب، ويقل وزن الإنسان، ويصبح متعب مرهق. فالجوع الشّديد تصاحبه تغيرات في البشرة، واللون، والجسم، والوزن، تغيُّرات ظاهرية تشبه باللباس الّذي يحيط بالإنسان، كما أحاطت مظاهر شدة الجوع بجسم الإنسان، وهذا ما حدث لقريش أصابهم الفقر الشّديد في سبع سنين؛ فكانوا يأكلون الجيف، والعظام. وأمّا الخوف الشّديد، فكذلك يؤدِّي إلى تغيُّرات في جسم الإنسان تؤدِّي إلى فرز هرمونات تؤدِّي إلى إثارة نهايات الأعصاب الّتي تقبض مسام البشرة، وبالتّالي مما يؤدِّي بالخائف إلى اضطرابات في عدد ضربات القلب، ويقشعر جلده، ويتغير لونه، وبالتّالي تحيط تلك التّغيرات بكامل الجسم، وهذه التّغيُّرات العامة الناتجة عن الخوف تشبه اللباس الّذي يحيط بالإنسان؛ فقد كانت قريش

стр. 2712

تعيش حالة غير آمنة مهددة من القبائل الأخرى، واليهود، والرّعب الّذي بثَّه الله في قلوبها، وهذه الآية من آيات الإعجاز العلمي الطّبي في القرآن الّذي يدل على عظمة القرآن، وأنّه منزل من الخالق. والجواب على السّؤال الثّالث: أمّا تقديم الجوعّ على الخوف؛ فلأنّ الإنسان يحتاج إلى الطّعام قبل الأمن؛ لأنّ الجوع إذا اشتد قد يؤدِّي إلى السّرقة، أو القتل أحياناً، وإشاعة الخوف، والرّعب في قلوب النّاس؛ فقدَّم الأهم أولاً، وهو الجوع على الخوف. ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: بما: الباء: باء البدلية، أو السّببية. ﴿يَصْنَعُونَ﴾: ولم يقل: يعملون؛ لأنّهم أصبحوا على درجة عالية من ممارسة الشّرك والكفر، والإصرار عليه، ومعاداة الرّسول ﷺ ، وأصبحوا ماهرين لا يفوقهم أحد، فهم تجاوزوا مرحلة العمل إلى مرحلة الصّنع، والصّنع: هو حسن العمل؛ أيْ: أصبحوا راسخون في صناعة الكفر؛ أيْ: تفنَّنوا في الكفر، والشّرك، ولم يكتفوا بذلك؛ فحاولوا قتل رسول الله ﷺ ؛ فدعا عليهم رسول الله فاستجاب الله تعالى لرسوله ﷺ ، وألبسهم لباس الجوع، والخوف. سورة النحل [١٦: ١١٣] ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾: بعد أن ذكر الله سبحانه في الآية السّابقة ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾، ومن أعظم نعم الله تعالى الّتي كفروا بها هي أن: ﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾: لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد؛ أيْ: تحقق ذلك. ﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾: جاءهم، ولم يقل: أتاهم، جاء فيها معنى: المشقة، والصّعوبة، والإتيان: فيها معنى السّهولة، وجاء يعني: وصل إليهم، جاءَهم

стр. 2713

على فترة من الرّسل، وكانت أخلاقهم أخلاق الجاهلية. جاءهم: ليقوم ويصلح فسادهم، ومبادئهم. ﴿مِّنْهُمْ﴾: من العرب من قريش يعرفونه وعاش بينهم ولقبوه بالصادق الأمين. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ كذبوه ولم يصدقوا به، ويتبعوه. ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾: فأخذهم: الفاء: للترتيب والمباشرة؛ الجوع، والخوف، ولم يقل: فأخذهم الله بالعذاب؛ قال: أخذهم العذاب؛ كأنّ العذاب نفسه يريد أن ينقض عليهم؛ لأنّهم عاملوا رسولَ الله ﷺ بالمعاملة السيئة. ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾: وهم: الواو: واو الحالية للتوكيد، وهم: ضمير للتوكيد. ﴿ظَالِمُونَ﴾: جمع ظالم: كافرون، ومشركون صفة الظّلم أصبحت ثابتة عندهم. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٤) لمعرفة معنى الظلم. سورة النحل [١٦: ١١٤] ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: الخطاب هنا في هذه الآية للمؤمنين ليأكلوا من الرّزق الحلال الطّيب، أو الخطاب موجَّه لقريش بعد أن أكلوا الجيف، وأصابهم لباس الجوع، والخوف. ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾: لأنّهم كانوا قبل نزول هذه الآيات لا يتورَّعون عن أكل ما حرَّم الله، أو أكل الخبيث؛ فجاءت هذه الآية تحثهم على أكل الطيبات؛ أي: الحلال والطاهر. ارجع إلى سورة الأنفال، آية (٦٩).

стр. 2714

وكذلك كانوا لا يشكرون نعمه، فجاءت هذه الآية؛ لتحذرهم أن يقعوا مرة أخرى فيما وقعوا به سابقاً، وتحثهم على شكر المنعم. ﴿إِنْ كُنتُمْ﴾: إن: شرطية تفيد الشّك. ﴿إِيَّاهُ﴾: إياه: للحصر، والتّوكيد. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٧٣) من نفس السّورة، وفي الآية حث على العبادة، والاستمرار عليها. سورة النحل [١٦: ١١٥] ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد. ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾: الّتي خرجت منها الرّوح، سواء أكانت منخنقة، أو موقوذة، أو متردية، أو نطيحة، أو ما أكل السَّبُع، أو قتلت بوسائل أخرى، أو ماتت لكبر سنها، أو ماتت لمرض؛ فكل هذه الأسباب تؤدي باللحم إلى التفسخ، والفساد نتيجة موت الخلايا لنقص الأوكسجين، وتحلل الأنسجة، وسرعة انتشار الميكروبات والجراثيم، وحدوث الخثرات الدموية في الأوعية والأنسجة. ﴿وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾: والدم: يحمل كل نفايات الجسد السامة، والمواد الكيماوية، والمركبات الضارة؛ مثل: البولة الدموية التي يحاول الجسم التخلص منها، وكذلك البكتريا، والدّم الجاري المسفوح حرم شربه، واستعماله بأيِّ وسيلة، ومستثنى من ذلك الكبد والطحال، ولحم الخنزير؛ لأن الخنزير حيوان قذر ونجس يأكل القاذورات، ولحمه بؤرة مناسبة لنمو الفيروسات والبكتريا والديدان التي هي متعايشة مع الخنزير فلا تؤثر عليه، وكذلك لحمه يحوي على

стр. 2715

نسبة عالية من الحموض الدهنية غير المشبعة، والحاوية على الكولسترول، ومسببات الأمراض، ومنها ارتفاع الضغط، والبرودة الجنسية. ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: بأن ذكر اسم غير اسم الله عليه عند ذبحه؛ مثل: اسم اللات، والعزى، أو اسم هذا الولي، أو ذاك بدلاً من القول باسم الله، والله أكبر؛ فقد أثبتت التجارب العلمية على أن تذكية الحيوان بالذبح كما شرع الله يؤدي إلى زيادة في تصفية لحم الحيوان من الدم، وكذلك ذكر اسم الله عليه عند الذبح، والقول باسم الله والله أكبر يؤدي إلى مزيد من تصفية اللحم من الدم نتيجة الاختلاجات الناتجة عن الذبح والتكبير، وبذلك يكون أطهر وأطيب للجسم، وندرك بعض الحكمة من التحريم. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: أن يأكل عليه أن لا يكون باغ ولا عاد. ارجع إلى سورة المائدة، آية (٣)؛ للبيان. ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: أيْ: ليس عنده بدائل عن أكل الميتة، أو غيرها من المحرمات؛ أيْ: يأكل طعام يسد رمقه. ﴿وَلَا عَادٍ﴾: يأكل غير متجاوز حدَّ حاجته؛ أيْ: لا يملأ بطنه، وإنما يأكل لسدِّ رمقه. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: فإنّ: الفاء: للتوكيد؛ إنّ: لزيادة التّوكيد. ﴿غَفُورٌ﴾: لأنّه يغفر الذّنب للمضطر، وغفور: كثير الغفر؛ أي: السّتر، يغفر الذّنوب جميعاً. ﴿رَحِيمٌ﴾: لإعطاء الرّخصة بالأكل من الميتة، والدّم، ولحم الخنزير في حالة الاضطرار التي قد يؤدِّي إلى التّهلكة.

стр. 2716

سورة النحل [١٦: ١١٦] ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾: ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾: لا: النّاهية. ﴿تَقُولُوا﴾: هذا حلال، وهذا حرام. ﴿لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾: أيْ: لا تصفوا الشّيء بالكذب، وتقولوا: هو حلال، أو حرام؛ مثال: لا تصفوا البحيرة، والسّائبة، والوصيلة، أو الحام بالكذب، أو تقولوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا، ومحرَّم على إناثنا، وتقولوا: هو حلال، أو هو حرام من دون الاستناد إلى دليل شرعيٍّ. ﴿لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: لتفتروا: اللام: لام التّعليل؛ لتقولوا عن الحلال حرام، والحرام حلال، أو تحلوا، أو تحرموا حسب أهوائكم، أو ما وجدتم عليه آباءكم؛ لتفتروا على الله الكذب بدلاً من: لتفتروا الكذب على الله؛ تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، والقصر. ﴿الْكَذِبَ﴾: جاء بألف التّعريف؛ لأنّه كذب معروف؛ مثل: البحيرة، والسّائبة، والوصيلة، والحام، أو الميتة، ولم يقل: كذباً بصيغة النّكرة الّذي يشمل كلّ أنواع الكذب. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول؛ يفيد الذّم. ﴿يَفْتَرُونَ﴾: من الافتراء: وهو الكذب المختلق المتعمَّد، ويفترون: بصيغة المضارع الدّالة على التّجدد، والتّكرار.

стр. 2717

﴿عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: يكذبون على الله سبحانه؛ يقولون: هذا ما حرَّم الله، وهو تعالى لم يحرِّمه، أو بالعكس. ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾: لا: النّافية. ﴿يُفْلِحُونَ﴾: في الدّنيا، والآخرة، والفلاح: النّجاة من النّار، والفوز بالجنة؛ أيْ: لن ينالوا الخير، وينجوا من النّار. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥)؛ للبيان. سورة النحل [١٦: ١١٧] ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾: النّفع، والفائدة الّتي حصلتم عليها من جراء الافتراء على الكذب؛ متاع قليل، وزائل، ولن يدوم طويلاً. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: شديد الإيلام في الآخرة؛ غير قادر على تحمُّله أحدٌ. سورة النحل [١٦: ١١٨] ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: المناسبة: بعد أن ذكر الله سبحانه ما حرَّم مشركو مكة افتراء على الله، وقالوا: هذا حلال، وهذا حرام؛ يذكرنا الله سبحانه ما فعله الذين هادوا من قبل. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾: كان كلّ الطّعام حلالاً لهم، ثمّ حرَّم الله عليهم ما قصصنا عليك يا محمّد ﷺ . والسؤال: لماذا قدم (على) في هذه الآية بدلاً من (وحرمنا على الذين هادو)؟ للدلالة على أن ذلك التحريم خاصاً بهم، ولم يكن محرماً في شريعة إبراهيم ﵇، وإنما حرم عليهم ابتداءً عندما صدوا عن سبيل الله، وأخذوا الربا، وأكلوا أموال الناس بالباطل عندها حرم عليهم كل ذي ظفر وشحوم البقر والغنم، وهذا التحريم كان خاصاً بهم دون غيرهم.

стр. 2718

﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أيْ: ما ذكرناه في سورة الأنعام، الآية (١٤٦)، ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾. ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾: لأنّ سبب التّحريم: هو ظلمهم، وصدهم عن سبيل الله، وغيرها من الأسباب الّتي ذكرها الله سبحانه في سورة النّساء، الآية (١٦٠ - ١٦١)؛ فقد قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾، وكذلك: اتخاذهم العجل، ونقضهم ميثاقهم، فكانت هناك الأسباب الكثيرة الّتي أدت إلى التّحريم، ولم يكن ظلماً من الله سبحانه. ﴿وَلَكِنْ﴾: وما ظلمهم الله، ولكن: حرف استدراك، وتوكيد. ﴿كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بما ارتكبوا من المعاصي، وببغيهم، وطغيانهم.

стр. 2719

سورة النّحل [الآيات ١١٩ - ١٢٨] سورة النحل [١٦: ١١٩] ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للتوكيد، أو للترتيب الذكري. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿لِلَّذِينَ﴾: للذين: اللام: للاختصاص؛ الّذين: اسم موصول. ﴿عَمِلُوا السُّوءَ﴾: كفروا بأنعم الله، وافتروا على الله الكذب بالتّحليل، والتّحريم، والكفر، والشّرك، وسمِّي سوءاً لسوء عاقبته. ﴿بِجَهَالَةٍ﴾: الباء: للإلصاق؛ جهالة: أيْ: عملوا السّوء مع العلم بالعقوبة، أو عاقبة أمرهم، ولكنهم تغافلوا عنها سفهاً، وطيشاً، وتهاوناً لنيل الشّهوة العاجلة، ولو فكروا، وتدبروا لما فعلوا ذلك، وقيل: كلّ عاص هو جاهل حين معصيته، أو سُمُّوا جهالاً لكونهم ارتكبوا المعصية، والجهل ناتج عن عدم العلم. إذن: الفرق بين الجهل، والجهالة: الجهل: هو عدم العلم بالعقوبة مثلاً، والجهالة: هي العلم بالعقوبة، ولكن لم يتجنَّبها سفهاً، وحماقة أصابته حين قام بها. ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: ثم: للبعد، والتّباين بين الحالين عمل السّوء، والتّوبة، والإصلاح.

стр. 2720

﴿تَابُوا﴾: استغفروا ربهم، وتابوا، وكفوا عن عمل السّوء، ولم يعودوا إليه، وندموا على ذلك، وعملوا الصّالحات. ﴿مِنْ﴾: تفيد قصر الزّمن، أو الفترة؛ أيْ: تابوا مباشرة بعد عمل السّوء. ﴿بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أيْ: بعد عمل السّوء بزمن قصير، ولمعرفة أركان التوبة ارجع إلى سورة النساء، آية (١٧ - ١٨). ﴿وَأَصْلَحُوا﴾: إصلاح ما أفسدوا بأقوالهم، وأفعالهم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿رَبَّكَ﴾: المربي، والخالق، والمدبر. ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾: من بعد التّوبة، والإصلاح. ﴿لَغَفُورٌ﴾: اللام: للتوكيد؛ غفور: كثير المغفرة يغفر لهم ذنوبهم، وما عملوا من السّوء، وغفور؛ أيْ: كثير المغفرة يغفر الذنوب جميعاً إلا الشّرك، والكفر. ﴿رَحِيمٌ﴾: كثير الرّحمة لا يعجل لهم العقوبة لعلهم يتوبون، ويعودون إلى رشدهم. رحيم: تخص المؤمنين بأنّه رحيم بهم في الدّنيا، وفي الآخرة. سورة النحل [١٦: ١٢٠] ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: المناسبة: بعد ذكر الّذين كفروا بأنعم الله، وافتروا على الله الكذب بالتّحريم، والتّحليل، والشّرك، وذكر الّذين هادوا وما حرم عليهم، يذكرهم بجدهم إبراهيم ﵇ الأسوة الحسنة الّتي يجب اتباعها، وأنّه تعالى أوحى إلى نبيه محمّد ﷺ باتباع ملة إبراهيم ﵇.

стр. 2721

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿كَانَ أُمَّةً﴾: الأمّة: هنا تعني: الإمام كقوله: ﴿إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، أو فلان أمة في مقام أمة؛ أي: جماعة من الناس في الطّاعة، والعبادة، والخير فيه خصائص الأمة. ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾: مطيعاً لله قائماً بأوامره، وخاشعاً لله. ﴿لِلَّهِ﴾: اللام: لام الاختصاص. ﴿حَنِيفًا﴾: مائلاً عن الملل الباطلة إلى الدِّين الحق. ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: لم: نافية تنفي النّفي المتصل إلى زمن التّكلم، وتنفي الاستمرار. ﴿يَكُ﴾: ولم يقل: يكن؛ يك: أقل من يكن، وأدنى منها؛ أيْ: لم يشرك بالله، ولو أدنى الشرك. سورة النحل [١٦: ١٢١] ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ﴾: بينما أنتم يا أهل مكة كفرتم بأنعمه، وأنّكم تزعمون أنّكم على ملة إبراهيم، وإبراهيم ﵇ كان شاكراً لأنعم الله. الأَنْعم: هي أخص من النّعم، وتعني: النّعم الظّاهرة؛ فهو شاكراً لأنعم الله الظّاهرة. والنِّعِم: تعني الظاهرة والباطنة، وشاكراً لأنعمه: أي: بعض نِعِمِهِ؛ لأن شكر النِّعِم كلها لا يستطيع عليها أحد، كما إن إحصاؤها لا يقدر عليه أحد، كذلك شكرها، والنِّعِم: جمع كثرة، والنَّعَم: جمع قلة مقارنة بالنِّعِم. ﴿اجْتَبَاهُ﴾: مأخوذ من جبيت الشّيء: إذا أخلصته لنفسك وجبيت الماء

стр. 2722

في الحوض؛ إذا جمعته، أو خصه الله بنعم خاصة به، أو الاجتباء يكون بعد الاختيار: اختاره للنبوَّة، وأن يكون خليلاً للرحمن. ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: هداه هداية خاصة، هداية المعونة إلى الإسلام، الصّراط المستقيم الّذي لا عوج فيه. والصّراط: تعني: الواسع، والموصل إلى الغاية، وهي النّجاة من النّار، والفوز بالجنة بأقصر زمن، ومسافة، ومن دون عوائق. سورة النحل [١٦: ١٢٢] ﴿وَآتَيْنَاهُ فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾: من الإيتاء: وهو العطاء من دون تملك، وإمكانية استرداد ما أعطي، والإيتاء: أعم من العطاء، ويشمل الأشياء الحسية، والمعنوية. ﴿فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: قيل: الحسنة في الدّنيا تعني: الثّناء عليه من قبل جميع أهل الأرض، ومحبتهم له، والحسنة: هي الذّكر الحسن، أو الثّناء الحسن، والصّلاة عليه المقرونة بالصلاة على محمّد ﷺ ، وقيل: الحسنة هي النّبوَّة. أو هي الذّرية الطّيبة: ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٣٧]، وجاء بصيغة النّكرة؛ لكي تشمل كلّ أنواع الحسنات، ولمعرفة معنى الحسنة: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠١)؛ لمزيد من البيان. ﴿وَإِنَّهُ﴾: إنّ: للتوكيد؛ أيْ: إبراهيم. ﴿فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: في: ظرفية زمانية، ومكانية. ﴿لَمِنَ﴾: اللام: للتوكيد، والاختصاص. ﴿الصَّالِحِينَ﴾: ارجع إلى سورة البقرة، الآية (١٣٠).

стр. 2723

لنقارن هذه الآية من سورة النّحل: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. مع الآية (٢٧) من سورة العنكبوت: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِى الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. استعمل أجره بدلاً من حسنة؛ لأنّ في سورة العنكبوت: ذكر تبليغ الرّسالة، والدّعوة إلى التّوحيد فيها ذكر العمل المتواصل، ولذلك ذكر الأجر المقابل للعمل به. بينما في سورة النّحل: لم يذكر أيَّ دعوة، أو تبليغ لإبراهيم، وإنما ذكر محاسن إبراهيم، ولذلك ليس هناك ذكر للأجر المقابل للعامل. سورة النحل [١٦: ١٢٣] ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: تفيد التّباعد، والتّراخي في الزّمن بين زمن إبراهيم، وزمن رسول الله ﷺ ، أو التّباعد، والتّباين بين منزلة الرّسول ﷺ ، وإبراهيم ﵇. ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: من الوحي: هو الإعلام بخفاء أخبرناك يا محمّد ﷺ . ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٣)؛ لبيان معنى: أوحينا إليك. ﴿أَنِ﴾: أن: مصدرية تفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿اتَّبِعْ﴾: الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ ، وأمته. ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: شريعة إبراهيم الحنيفية السّمحة؛ شريعة التّوحيد، والإسلام. ارجع إلى سورة إبراهيم، آية (١٣)؛ لمزيد من البيان في معنى الملة. ﴿حَنِيفًا﴾: مائلاً عن الملل الباطلة إلى الدِّين الحق، دين التّوحيد.

стр. 2724

﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: وما: الواو عاطفة؛ ما: نافية. ما كان من المشركين: توكيد لقوله تعالى حنيفاً. ﴿وَمَا كَانَ﴾: تنفي عنه الشّرك نفياً يشمل كلّ الأزمنة، وبكل أنواعه، وفي الآية (١٢٠) نفى عنه مقداره؛ فقال: لم يك من المشركين. سورة النحل [١٦: ١٢٤] ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: المناسبة: وأنتم كذلك اتبعوا ملة إبراهيم ﵇، ولا تختلفوا كما اختلف اليهود في السّبت. واختيار يوم الجمعة كان دليلاً على اتباع محمّد ﷺ ؛ ملة إبراهيم حنيفاً؛ لأنّ إبراهيم كان قد اختار يوم الجمعة في شرعه، بينما اليهود اختاروا يوم السّبت الّذي لم يكن من شرع إبراهيم. فقد قال موسى لهم: تفرغوا لعبادة الله يوم الجمعة؛ فرفضوا ذلك، واختاروا يوم السّبت، فرجعوا إلى أحبارهم؛ فقال أحبارهم: اسمعوا لأمر نبيكم؛ فأبوا فذلك اختلافهم، كما روي عن ابن عباس. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد. ﴿جُعِلَ السَّبْتُ﴾: فرض تعظيم السّبت، والانشغال بالعبادة فيه، أو جعل وبال تركه حُجَّة على الّذين اختلفوا فيه. ﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: على الّذين اختلفوا: أي: اليهود. ﴿فِيهِ﴾: قد تعود إلى اختيارهم يوم السّبت للتفرُّغ للعبادة بدلاً من الجمعة، أو تعود إلى إبراهيم.

стр. 2725

الّذين اختلفوا فيه؛ أي: اليهود، والنّصارى، هل كان يهودياً أم نصرانياً، وإذا كان الاختلاف يرجع إلى السّبت؛ فقد كان اختلافهم بينهم، وبين نبيهم موسى ﵇، وليس بين اليهود بعضهم مع بعض؛ لأنّ الكلّ اختار السّبت، أمّا موسى ﵇ فقد اختار الجمعة؛ فخالفوه، واختاروا السّبت؛ فجعل السّبت حُجَّة على الّذين اختلفوا فيه. وقد تعود إلى القرية الّتي كانت حاضرة البحر؛ إذ يعدون في السّبت بأن أحلوا الصيد منه، فاختلف أصحاب القرية، فانقسموا إلى ثلاث طوائف. ارجع إلى سورة الأعراف، الآيات (١٦٣ - ١٦٦). ﴿عَلَى﴾: تفيد العلو، والمشقة؛ أيْ: كان عاقبة اختيارهم للسبت ليس لمصلحتهم، وإنما عليهم. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ليحكم: إن واللام: تفيدان التّوكيد. ﴿لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: بين اليهود أنفسهم؛ بين أهل الملة الواحدة بالمجازاة على أعمالهم. ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: أيْ: سيجازي هؤلاء الّذين خالفوا أمر نبيهم، ويجازي الّذين أحلُّوا حرمته، واصطيادهم يوم السّبت، والّذين عظموا حرمته.

стр. 2726

سورة النحل [١٦: ١٢٥] ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾: بعد أن أمر الله سبحانه نبيه محمّد باتباع ملة إبراهيم حنيفاً؛ جاءت هذه الآية لتبين كيف يتم منهاج الإتباع، وبالتّالي الدّعوة إلى دين الله وشرعه. ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾: ادع: من الدّعوة، والدّعوة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية: الدّعوة إلى الله: هي الدّعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا. وقيل: الدّعوة إلى الله: تتضمن الأمر بكلّ ما أمر الله به، والنّهي عن كلّ ما نهى الله عنه. وقيل: الدّعوة: هي إبلاغ النّاس، ودعوتهم إلى الإسلام بالوسائل، والأساليب المناسبة لكلّ زمان، ومكان. ﴿سَبِيلِ رَبِّكَ﴾: هو الإسلام؛ أيْ: دين ربك، والإسلام كما جاء في حديث جبريل ﵇ حين قال لرسول الله ﷺ : أخبرني عن الإسلام؟ قال ﷺ : «أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان، وتحج إلى البيت إن استطعت إليه سبيلاً». رواه مسلم عن عمر بن الخطاب. والإسلام لغةً: يعني: الخضوع، والاستسلام، والانقياد لله رب العالمين اختياراً لا قسراً؛ أي: الخضوع الاختياري لله رب العالمين. وقيل: هو مجموع ما أنزل الله سبحانه على رسوله محمّد ﷺ من أحكام العقيدة والشّريعة، والأخلاق، والعبادات، والمعاملات في القرآن والسّنة.

стр. 2727

﴿بِالْحِكْمَةِ﴾: لها تعريفات كثيرة منها: هي إصابة الحق بالعلم، والعقل، وقد تعني: النّبوَّة والرّسالة. وقيل: هي القرآن، أو الفقه في الدِّين، ومعرفة الأحكام، والتّفسير، والتّأويل، وتطلق على الحق، وعلى البصيرة، والإصابة في القول والفعل. وقيل: هي القول المناسب في الوقت المناسب، والأسلوب المناسب. وقد تعني: مزيج من كلّ هذه التّعاريف؛ أي: الصّواب، والسّداد، والحق، والعلم، والعدل، والحلم، والقرآن، والسّنة، والباء بالحكمة تعني: باء الإلصاق، والاستعانة. ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾: والموعظة: مأخوذة من الوعظ، وهو زجر مقترن بتخويف. وقيل: التّذكير بالخير بأسلوب التّرغيب، والتّرهيب، والموعظة تشمل: القول، والفعل، والنّصح بالطّاعة، والعمل الصّالح، والإرشاد إلى الخير، والتّذكير بالثّواب، والعقاب، والتّحذير، والنّهي. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠١)؛ لمعرفة معنى الحسنة. ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾: أي: الدّعوة تكون بالحكمة، والموعظة الحسنة أوّلاً وأخيراً؛ أيْ: مقصورة أوّلاً على الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال يضاف إلى وسائل الدّعوة إذا لزم الأمر واحتيج إليه، وعندها فليكن بالّتي هي أحسن. والجدال: مشتق من الجَدْل: أصلها الفتل؛ فتل الحبل، واصطلاحاً: هو حوار بين طرفين، أو أطراف؛ لإثبات حق، أو إظهار حُجَّة، أو دفع شبهة،

стр. 2728

والجدال: أشد من الحوار؛ قد تحدث فيه مخاصمة، وغضب. ارجع إلى سورة غافر، آية (٤). ﴿بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾: أيْ: أحسن الطّرق في المجادلة، وهي الرّفق، واللين، واليُسر، وتجنب الغضب، والتّكبر، والمراء. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿رَبَّكَ هُوَ﴾: هو: للتوكيد، والحصر. ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: أعلم: على وزن أفعل صيغة مبالغة؛ أي: كثير العلم. ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ﴾: بمن: الباء: للإلصاق؛ من: اسم موصول؛ من: للعاقل، وتشمل المفرد، أو الجمع. ﴿ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: تاه، وضاع، ضل عن دينه، وعن الصّراط المستقيم. ﴿ضَلَّ﴾: فعل ماض، خرج عن دينه أيّام، أو أسابيع، أو شهر، وسنين، وسار في طريق الكفر، أو المعصية بسبب قلة علمه، وهواه، والشّيطان. وإذا قارنا هذه الآية من سورة النحل مع الآية (١١٧) من سورة الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: جاءت بصيغة المضارع التي تدل على التجدد والتكرار. ارجع إلى سورة الأنعام آية (١١٧) لمزيد من البيان. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ﴾: وهو: تكرار يفيد التّوكيد. ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾: أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين منذ الأزل حتّى قبل خلقهم، وهو أعلم بالسّائرين على الصّراط؛ أيْ: دينه؛ أي: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالّتي هي أحسن، وما عليك

стр. 2729

إلا البلاغ، وهون عليك، واصبر، واعلم: أنّ أمر الهداية الخاصة بيد الله تعالى يهدي من اختار لنفسه طريق الهداية، ويضل من اختار لنفسه طريق الضّلال. سورة النحل [١٦: ١٢٦] ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾: قال ابن عبّاس ﵄، وجمهور المفسرون: إنّ سورة النّحل سورة مكية؛ إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة بعد قتل العبّاس، وهي: (١٢٦، ١٢٧، ١٢٨) نهاية سورة النّحل. وسبب النّزول: بعد انتهاء معركة أُحُدٍ: رأى رسول الله ﷺ حمزة ﵁ وقد مُثِّل به، فشق ذلك على رسول الله ﷺ ، وتوعَّد رسول الله ﷺ المشركين بالثّأر لحمزة؛ فنزلت هذه الآية. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى نبيه محمّد ﷺ بالدّعوة إلى الله بالحكمة، والموعظة الحسنة؛ يأمر الله كذلك نبيّه بالعدل، والمماثلة في القصاص، وبالصّبر على المصائب، والبلاء، أو التّسامي إلى درجة الصّفح، والعفو بدلاً من المقابلة، والمماثلة في القصاص؛ فقال: ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الافتراض، أو ندرة الحدوث، وكأنّ المعنى الأفضل ألا تعاقبوا، ولم يقل: وإذا، الّتي تفيد الحتمية، وكثرة الحدوث، والتّأكيد. ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾: أي: للمقتصِّ حقُّ المماثلة؛ أيْ: يماثل الجاني.

стр. 2730

﴿فَعَاقِبُوا﴾: الفاء: فاء السّببية، وقد ورد هذا المعنى في سورة البقرة، الآية (١٩٤): ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾: ولئن: اللام: للتوكيد؛ إن: شرطية تفيد الاحتمال، والنّدرة. ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾: لهو: اللام: للتأكيد؛ أي: الصّبر خير من الانتقام، أو العقوبة، وفيه حثٌّ على الصّبر، والعفو لنيل الثّواب، والأجر. ﴿لِلصَّابِرِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: صبركم خيرٌ لكم من معاقبتكم الجاني. سورة النحل [١٦: ١٢٧] ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: ﴿وَاصْبِرْ﴾: الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ ، وبالتّالي إلى أمته، أو إلى الجميع بالصّبر على الأذى، والبلاء، وعدم الانتقام، صبراً وأنت قادر على الانتقام، والثّأر؛ أيْ: صبراً ليس بسبب الضّعف، والجبن، ولكنه صبر تطوع ابتغاء مرضاة الله؛ الصّبر له درجات، وأنواع؛ انظر في ملحق هذه الآية؛ للبيان. ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾: وما: النّافية. ﴿إِلَّا بِاللَّهِ﴾: إلا: أداة حصر. ﴿بِاللَّهِ﴾: أي: استعن بالله على الصّبر؛ فإن لم يصبرك؛ فلن تصبر؛ لأنّه هو المعين على الصّبر، ولو قال: واصبر، وما صبرك إلا لله؛ أي: اصبر ابتغاء وجه الله، أو مرضاة الله. ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: لا: النّاهية.

стр. 2731

﴿تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ: لا تحزن على قومك إن لم يؤمنوا، أو لا تحزن على كفرهم، وشركهم، وعنادهم، أو ما فعلوا بك يوم أُحُدٍ. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (٣٢)؛ لمعرفة معنى الحزَن، والحزُن. ﴿وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: ولا: الواو: عاطفة؛ لا: النّاهية. ﴿تَكُ﴾: أيْ: لا يكن في صدرك أيُّ ضيق مهما قلَّ، أو صغر، وحذف النّون، ولم يقل: ولا تكن في ضيق مما يمكرون، كما في الآية (٧٠) من سورة النّحل: إشارة إلى أقل الضّيق مما يمكرون؛ أي: اطمئن وهوِّن عليك، ولا تهتم بمكرهم، ولو أقل الاهتمام، وأدناه، ولتعريف المكر: ارجع إلى الآية (٤٦) من سورة إبراهيم. ﴿يَمْكُرُونَ﴾: جاء بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدُّد، وتكرار مكرهم، وأنّه لن يتوقف. ارجع إلى الآية (١٢) من سورة هود؛ لمعرفة الفرق بين ضائق صدرك، ويضيق، وضيق مما يمكرون. والصّبر: خمس مراتب: صابر، مصطبر، متصبر، صبار، صبور. صابر: اسم فاعل لفعل صبر. مصطبر: مليء بالصّبر مداوم على الصّبر، اصطبر: داوم على الصّبر. متصبِّر: يحمل نفسه (يجاهد) على الصّبر. صبَّار: صيغة مبالغة كثير الصّبر في الكم. صبور: صيغة مبالغة كثير الصّبر كيفاً عنده كلّ أنواع الصّبر.

стр. 2732

أنواع الصّبر: صبر على طاعة الله، وصبر عن المعصية، وصبر على الشّدائد، والمصائب. وأما الصّبر الجميل: الصّبر الّذي لا شكوى فيه، وإذا اشتكى لا يشتكي إلى أَحَدٍ إلّا الله فقط حصراً. اصبروا: على الدِّين، والتّكاليف الشّرعية، وعلى تجنب المعصية، وعلى القضاء، والقدر. صابروا: أشدُّ من اصبروا؛ كن أكثر صبراً من عدوك: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. صابروا: أعداءَكم. وهناك صبر بالله كقوله تعالى في هذه الآية: واصبر وما صبرك إلا بالله؛ أي: استعن بالله؛ أي: اعلم أنّه هو المُصبر إن لم يُصبرك هو؛ فلن تصبر. صبر لله: صبر لوجه الله ابتغاء مرضاة الله؛ الباعث على الصّبر: هو محبة الله، ومرضاته كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٢٢]. صبرٌ مع الله: صبر الصّديقين: هو أصعب أنواع الصّبر؛ صبرٌ وفقاً لأوامر الله تعالى، ومحارمه؛ صبرٌ على الطّاعات، واجتناب المحرمات، والشّدائد؛ صبر التّسامي إلى درجة الصّفح، والعفو كقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. سورة النحل [١٦: ١٢٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ﴾: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ: للتوكيد.

стр. 2733

﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ﴾: مع: أصلها اسم لمكان أو زمان، ومع تعني: ضم الشيء إلى الشيء، أو اسم معناه الصحبة، كما جاء في لسان العرب؛ أي: إن الله سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون بعلمه وبرعايته وبالقرب منهم، وكونه معهم فهو شرف لهم. التّقوى خاصَّة بالفرد نفسه، تقواه تعود بالفائدة عليه نفسه. والتّقوى: أعلى درجة من الإيمان، والتقوى: هي امتثال أوامر الله تعالى، وتجنب نواهيه. الإحسان لا يقتصر على الفرد نفسه، بل يتعداه إلى غيره. فالإحسان: أعلى درجة من التّقوى. والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنّه يراك. فالّذين اتقوا لهم جزاء، ولهم معيَّة مع الله سبحانه، كلّ حسب درجته. والمحسنون: لهم جزاء، ولهم معيَّة مع الله سبحانه، كلّ حسب درجته. والإحسان: يشمل الكمَّ، والكيف، والمحسنون: أصبحت صفة الإحسان عندهم ثابتة لا تتغيَّر. ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة؛ لمعرفة المزيد عن الإحسان.

стр. 2734

سورة الإسراء [١٧: ١] سورة الإسراء ترتيبها في القرآن (١٧)، وترتيبها في النزول (٥٠)؛ نزلت بعد عام الحزن بعد أن فقد رسول الله ﷺ زوجه خديجة، وفقد عمه أبا طالب، ولجأ إلى الطائف؛ فقُذف بالحجارة، وعاد إلى مكة حزيناً منكسر القلب؛ فجاءت حادثة الإسراء والمعراج؛ لتغطي على تلك الأحداث، وتدخل الأمن، والطمأنينة إلى قلبه ﷺ . ﴿سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: ﴿سُبْحَانَ﴾: اسم مصدر لفعل سبّح؛ أي: أنزهُ الله تنزيهاً مطلقاً: أن يكون له شبيه، أو مثيل في كمال الذات، وكمال الصفات، وكمال الأفعال؛ لتبقى ذاته متفردة بالوحدانية، وكمال القدرة العجيبة الّتي خلقت الأزواج كلها، والّتي سَرت بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرجت به؛ ليكون قاب قوسين أو أدنى، والّذي بيده ملكوت كل شيء رب السّموات والأرض، رب العرش العظيم، تنزيهاً له عن ذوات خلقه، وعن الولد، والبنت، والصّاحبة، والشّريك تنزيهاً ثابتاً ودائماً من قبل أن يخلق من ينزهه، تنزيهاً يدل على الثبوت والدوام. ارجع إلى سورة الحديد آية (١) لمزيد من البيان. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول (معرفة) يختص بالمفرد المذكر يفيد التّعظيم؛

стр. 2735

أي: الله سبحانه، ولم يقل: سبحان من أسرى. من: عامة تشمل المفرد، والجمع، ونكرة. ﴿أَسْرَى﴾: من السُّري: وهو السير ليلاً مبني على السّر، والخفاء. ﴿بِعَبْدِهِ﴾: الباء: للإلصاق؛ أي: بمحمد ﷺ ببدنه، وروحه، ونفسه معاً، وليس فقط بالروح، والهاء: تعود إلى الله سبحانه، وتدل على التشريف. ﴿لَيْلًا﴾: تعني: في تلك الليلة، وتفيد التّوكيد؛ لأنَّ أسرى تعني: السير ليلاً، وتعني: الإسراء، تم في جزء من الليل، ولم يستغرق الليل كله، ولو قال: سبحان الّذي أسرى بعبده الليل؛ لكان يعني: أن الإسراء استغرق كل الليل. ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: من: ابتدائية؛ ابتداء الغاية المكانية. ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: يشمل البيت الحرام: الكعبة، وكل ما هو داخل في حدود الحرم، وهو أول بيت وضع للناس للعبادة، وأول من بناه الملائكة، واختاره الله سبحانه، وسمي المسجد الحرام؛ لأنّه حرّم فيه ما لم يُحرم في غيره من المساجد. ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾: الأقصى؛ أي: الأبعد، وسمي الأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام، أو عن مكة في ذلك الزمن، ولم يكن وراءه مسجد حينذاك. ﴿الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾: دليل على المبالغة في البركة، بركة دينية كونه مهبط الرسالات والأنبياء، والصّلاة فيه تعادل في الثّواب بـ (خمسمائة صلاة)، وكونه كان قبلة المسلمين الأولى قبل تحويلها إلى بيت الله الحرام؛ فقد صلَّى رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس (١٦ - ١٧) شهراً، كما أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ﵁، وكونه مسرى النبي ﷺ ، وموضع عروجه إلى السماء، كما أخرج الإمام مسلم عن أنس بن مالك، وكونه ثاني مسجد وضع
следующие страницы →