Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
﴿تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ: لا تحزن على قومك إن لم يؤمنوا، أو لا تحزن على كفرهم، وشركهم، وعنادهم، أو ما فعلوا بك يوم أُحُدٍ. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (٣٢)؛ لمعرفة معنى الحزَن، والحزُن.
﴿وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: ولا: الواو: عاطفة؛ لا: النّاهية.
﴿تَكُ﴾: أيْ: لا يكن في صدرك أيُّ ضيق مهما قلَّ، أو صغر، وحذف النّون، ولم يقل: ولا تكن في ضيق مما يمكرون، كما في الآية (٧٠) من سورة النّحل: إشارة إلى أقل الضّيق مما يمكرون؛ أي: اطمئن وهوِّن عليك، ولا تهتم بمكرهم، ولو أقل الاهتمام، وأدناه، ولتعريف المكر: ارجع إلى الآية (٤٦) من سورة إبراهيم.
﴿يَمْكُرُونَ﴾: جاء بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدُّد، وتكرار مكرهم، وأنّه لن يتوقف.
ارجع إلى الآية (١٢) من سورة هود؛ لمعرفة الفرق بين ضائق صدرك، ويضيق، وضيق مما يمكرون.
والصّبر: خمس مراتب: صابر، مصطبر، متصبر، صبار، صبور.
صابر: اسم فاعل لفعل صبر.
مصطبر: مليء بالصّبر مداوم على الصّبر، اصطبر: داوم على الصّبر.
متصبِّر: يحمل نفسه (يجاهد) على الصّبر.
صبَّار: صيغة مبالغة كثير الصّبر في الكم.
صبور: صيغة مبالغة كثير الصّبر كيفاً عنده كلّ أنواع الصّبر.
стр. 2732
أنواع الصّبر: صبر على طاعة الله، وصبر عن المعصية، وصبر على الشّدائد، والمصائب.
وأما الصّبر الجميل: الصّبر الّذي لا شكوى فيه، وإذا اشتكى لا يشتكي إلى أَحَدٍ إلّا الله فقط حصراً.
اصبروا: على الدِّين، والتّكاليف الشّرعية، وعلى تجنب المعصية، وعلى القضاء، والقدر.
صابروا: أشدُّ من اصبروا؛ كن أكثر صبراً من عدوك: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
صابروا: أعداءَكم.
وهناك صبر بالله كقوله تعالى في هذه الآية: واصبر وما صبرك إلا بالله؛ أي: استعن بالله؛ أي: اعلم أنّه هو المُصبر إن لم يُصبرك هو؛ فلن تصبر.
صبر لله: صبر لوجه الله ابتغاء مرضاة الله؛ الباعث على الصّبر: هو محبة الله، ومرضاته كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٢٢].
صبرٌ مع الله: صبر الصّديقين: هو أصعب أنواع الصّبر؛ صبرٌ وفقاً لأوامر الله تعالى، ومحارمه؛ صبرٌ على الطّاعات، واجتناب المحرمات، والشّدائد؛ صبر التّسامي إلى درجة الصّفح، والعفو كقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].
سورة النحل [١٦: ١٢٨]
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ﴾:
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ: للتوكيد.
стр. 2733
﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ﴾: مع: أصلها اسم لمكان أو زمان، ومع تعني: ضم الشيء إلى الشيء، أو اسم معناه الصحبة، كما جاء في لسان العرب؛ أي: إن الله سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون بعلمه وبرعايته وبالقرب منهم، وكونه معهم فهو شرف لهم. التّقوى خاصَّة بالفرد نفسه، تقواه تعود بالفائدة عليه نفسه.
والتّقوى: أعلى درجة من الإيمان، والتقوى: هي امتثال أوامر الله تعالى، وتجنب نواهيه.
الإحسان لا يقتصر على الفرد نفسه، بل يتعداه إلى غيره.
فالإحسان: أعلى درجة من التّقوى.
والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنّه يراك.
فالّذين اتقوا لهم جزاء، ولهم معيَّة مع الله سبحانه، كلّ حسب درجته.
والمحسنون: لهم جزاء، ولهم معيَّة مع الله سبحانه، كلّ حسب درجته.
والإحسان: يشمل الكمَّ، والكيف، والمحسنون: أصبحت صفة الإحسان عندهم ثابتة لا تتغيَّر. ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة؛ لمعرفة المزيد عن الإحسان.
стр. 2734
سورة الإسراء [١٧: ١]
سورة الإسراء
ترتيبها في القرآن (١٧)، وترتيبها في النزول (٥٠)؛ نزلت بعد عام الحزن بعد أن فقد رسول الله ﷺ زوجه خديجة، وفقد عمه أبا طالب، ولجأ إلى الطائف؛ فقُذف بالحجارة، وعاد إلى مكة حزيناً منكسر القلب؛ فجاءت حادثة الإسراء والمعراج؛ لتغطي على تلك الأحداث، وتدخل الأمن، والطمأنينة إلى قلبه ﷺ .
﴿سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾:
﴿سُبْحَانَ﴾: اسم مصدر لفعل سبّح؛ أي: أنزهُ الله تنزيهاً مطلقاً: أن يكون له شبيه، أو مثيل في كمال الذات، وكمال الصفات، وكمال الأفعال؛ لتبقى ذاته متفردة بالوحدانية، وكمال القدرة العجيبة الّتي خلقت الأزواج كلها، والّتي سَرت بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرجت به؛ ليكون قاب قوسين أو أدنى، والّذي بيده ملكوت كل شيء رب السّموات والأرض، رب العرش العظيم، تنزيهاً له عن ذوات خلقه، وعن الولد، والبنت، والصّاحبة، والشّريك تنزيهاً ثابتاً ودائماً من قبل أن يخلق من ينزهه، تنزيهاً يدل على الثبوت والدوام. ارجع إلى سورة الحديد آية (١) لمزيد من البيان.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول (معرفة) يختص بالمفرد المذكر يفيد التّعظيم؛
стр. 2735
أي: الله سبحانه، ولم يقل: سبحان من أسرى. من: عامة تشمل المفرد، والجمع، ونكرة.
﴿أَسْرَى﴾: من السُّري: وهو السير ليلاً مبني على السّر، والخفاء.
﴿بِعَبْدِهِ﴾: الباء: للإلصاق؛ أي: بمحمد ﷺ ببدنه، وروحه، ونفسه معاً، وليس فقط بالروح، والهاء: تعود إلى الله سبحانه، وتدل على التشريف.
﴿لَيْلًا﴾: تعني: في تلك الليلة، وتفيد التّوكيد؛ لأنَّ أسرى تعني: السير ليلاً، وتعني: الإسراء، تم في جزء من الليل، ولم يستغرق الليل كله، ولو قال: سبحان الّذي أسرى بعبده الليل؛ لكان يعني: أن الإسراء استغرق كل الليل.
﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: من: ابتدائية؛ ابتداء الغاية المكانية.
﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: يشمل البيت الحرام: الكعبة، وكل ما هو داخل في حدود الحرم، وهو أول بيت وضع للناس للعبادة، وأول من بناه الملائكة، واختاره الله سبحانه، وسمي المسجد الحرام؛ لأنّه حرّم فيه ما لم يُحرم في غيره من المساجد.
﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾: الأقصى؛ أي: الأبعد، وسمي الأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام، أو عن مكة في ذلك الزمن، ولم يكن وراءه مسجد حينذاك.
﴿الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾: دليل على المبالغة في البركة، بركة دينية كونه مهبط الرسالات والأنبياء، والصّلاة فيه تعادل في الثّواب بـ (خمسمائة صلاة)، وكونه كان قبلة المسلمين الأولى قبل تحويلها إلى بيت الله الحرام؛ فقد صلَّى رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس (١٦ - ١٧) شهراً، كما أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ﵁، وكونه مسرى النبي ﷺ ، وموضع عروجه إلى السماء، كما أخرج الإمام مسلم عن أنس بن مالك، وكونه ثاني مسجد وضع
стр. 2736
للناس في الأرض بعد المسجد الحرام، كما روي عن أبي ذر الغفاري وأخرجه البخاري ومسلم، وبركة دنيوية: من بساتين، وثمار، ومياه، وسعة في العيش، والرّزق، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الأرض المقدسة وأرض الشام.
﴿لِنُرِيَهُ﴾: اللام: لام التّعليل، والهاء: ضمير يعود إلى رسول الله ﷺ ؛ فقد أعطاه الله القدرة والقوة على رؤية وتحمل الأشياء التي لا تقوى عليها أي رؤية بشرية؛ سواء أفي الإسراء والعروج إلى السموات العليا التي تحتاج إلى استعداد وتحضير وأجهزة وأوكسجين لا يتصوره العقل.
﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾: من: بعضية، وليس كلها.
﴿آيَاتِنَا﴾: الكونية، والمعجزات الخارقة للعادة بالإسراء من مكة إلى بيت المقدس، ثم العروج إلى سدرة المنتهى، وتكليمه من وراء حجاب، والعودة إلى مكة في أقل من ليلة واحدة، ورؤيته ﷺ للجنة، والنّار، وملكوت السّموات. وإضافة الآيات إلى الله سبحانه يدل على تشريف الآيات.
﴿إِنَّهُ هُوَ﴾: إن: للتوكيد.
﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التّوكيد.
﴿السَّمِيعُ﴾: السّميع لأقوال رسوله ﷺ ، وأقوال المشركين في السر، والعلن؛ الّذين كذبوا رسول الله ﷺ بعد الإسراء، والمعراج، كما كذبوه قبل الإسراء، والمعراج، ولم يصدقوا ما أخبرهم به عن الإسراء، والمعراج، وأقوال من صدقوه مثل: أبي بكر. والسميع لأقوال خلقه جميعاً.
﴿الْبَصِيرُ﴾: بأفعال رسوله ﷺ ، وأفعال المشركين حين آذوه في الطّائف، وبعد عودته إلى مكة من رحلة الإسراء، والمعراج، وأفعال الّذين صدقوه؛ أمثال: أبي بكر وغيره من الخلق جميعاً.
стр. 2737
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾: فيه وعيد للكفار على تكذيبهم لمحمّد ﷺ .
سورة الإسراء [١٧: ٢]
﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِى وَكِيلًا﴾:
المناسبة: بعد ذكر حادثة الإسراء، والمعراج، وما حصل من تكريم رسول الله ﷺ يذكر كذلك إكرام الله سبحانه لموسى ﵇.
﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أي: التّوراة.
﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: وصيرناه هدى: مصدراً لهداية بني إسرائيل (بني يعقوب)، والموصل إلى الغاية: وهي إخراج بني إسرائيل من الظلمات إلى النّور إلى صراط العزيز الحميد.
﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾: ألا: مركبة من أن: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، ولا: للتوكيد.
﴿تَتَّخِذُوا﴾: من الاتخاذ، أو التصيير.
﴿مِنْ دُونِى﴾: من سواي، أو من غيري.
﴿وَكِيلًا﴾: الوكيل الّذي تسند إليه الأمور؛ لتدبيرها، ومن يطلب منه العون، ويأتي بالخير والنفع؛ لأنّه سبحانه القوي، وهو على كل شيء قدير.
﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ … ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِى وَكِيلًا﴾: فيه انتقال من صيغة الغائب إلى صيغة المخاطب؛ للفت الانتباه بعدم اتخاذ من هو دون الله وكيلاً. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لبيان معنى: التّوكل.
стр. 2738
سورة الإسراء [١٧: ٣]
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾:
﴿ذُرِّيَّةَ﴾: منصوبة على الاختصاص بقصد المدح؛ أي: أنتم خاصة يا ذرية نوح، وحذف (يا) ياء النداء بدلاً من (يا ذرية) من حملنا مع نوح، وحذف الياء؛ للقرب المعنوي، أو الحقيقي.
﴿مَنْ﴾: تدل على القلة، قلة من حملنا مع نوح على الفلك، ولو قال: الّذين؛ فتدل على الكثرة؛ من: ابتدائية.
﴿حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: في الفلك، أو السفينة.
وذرية: الذّرية أصلها: الأولاد، وتقع على الصّغار، والكبار، أو النسل، وهذه "من حملنا مع نوح"، أي: أولاد نوح: سام، وحام، ويافث.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا﴾: إنّه: للتوكيد.
﴿كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾: أي: كان نوحٌ عبداً شكوراً: كثير الشكر؛ صيغة مبالغة.
﴿شَكُورًا﴾: ولم يقل شاكراً؛ لأنّ شاكراً: يشكر الله أحياناً، أمّا شكوراً: دائب الشّكر، أو كثير الشّكر.
أي: يا ذرية نوح: تشبهوا بأبيكم نوح ﵇ الّذي كان كثير الشّكر وكونوا مثله.
سورة الإسراء [١٧: ٤]
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ فِى الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِى الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾:
﴿وَقَضَيْنَا﴾: أي: أعلمنا؛ قضى إليه؛ أي: أعلمه، وأخبره. أما: قضى به: فصل الأمر على التّمام؛ أي: حكمنا.
стр. 2739
﴿إِلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: بني يعقوب.
﴿فِى الْكِتَابِ﴾: في التّوراة.
أي: أعلمنا بني إسرائيل في التّوراة؛ أي: أخبرناهم.
﴿لَتُفْسِدُنَّ فِى الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾: لتفسدن: اللام: للتوكيد، والنّون: لزيادة التّوكيد.
تفسدن: من الإفساد: تخالفن شرع الله بالمعاصي، وبمخالفة التّوراة، وتحلُّون ما حرم الله، وتحرِّمون ما أحل الله، وتقتلون الأنبياء بغير حق، وقتل الّذين يأمرون بالمعروف من النّاس، وتحريف التّوراة، وكتمانه … وغيره من طرق الفساد. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥١).
﴿فِى الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾: لم يحدد القرآن الزّمن قبل الإسلام، أو بعد مجيء الإسلام.
﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾: ولتعلن: الواو: عاطفة؛ لتعلن: اللام: لام التّوكيد، والنون: كذلك لزيادة التّوكيد، والعلو: هو التّكبر في الأرض عن طاعة الله، والاستعلاء على النّاس: بالظلم، والبغي، ومعصية الله، والعلو: الغرور بالقوة، أو القدرة، والشّعور بالفوقية.
سورة الإسراء [١٧: ٥]
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾:
﴿فَإِذَا﴾: الفاء: للتوكيد؛ إذا: ظرف زماني للمستقبل، شرطية تفيد حتمية الحدوث.
﴿جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾: أولى مرتي الفساد، أو الفساد الأول. قيل: هو ما
стр. 2740
حدث من يهود بني النضير، وبني قينقاع، وبني قريظة الّذين خالفوا العهد مع رسول الله ﷺ ، واعتدوا على حرمات المسلمين.
﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾: أي: جالوت وجنوده كما قال ابن عباس، وقيل: بختنصر وجنوده كما قال ابن المسيب والفراء، وقيل: العمالقة (القوم الجبارين).
﴿عَلَيْكُمْ﴾: تفيد العلو، والسيطرة.
﴿أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أولي قوة شديدة وعدد.
﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾: من: جاس يجوس؛ أي: فتَّش، ونقَّب، وبحث، أو دخل الدار بدون حرب، واستولى عليها بدون مقاومة، أو طافوا خلال الديار يبحثون عنكم لقتلكم؛ فقتلوا الكثير، وأحرقوا التّوراة، وخربوا المسجد الأقصى.
﴿خِلَالَ الدِّيَارِ﴾: بين الديار؛ أي: تتبعوا آثاركم ينظرون هل بقي أحدٌ لم يقتل؛ حتّى يقتلوه.
﴿وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾: أي: وعد صدق قادرين على إنجازه؛ نافذاً لا محالة.
سورة الإسراء [١٧: ٦]
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب الزمني، والتّراخي.
﴿رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾: الحديث موجَّه إلى بني إسرائيل؛ أي: جعلنا لكم الغلبة، والقوة، والنّصر على أعدائكم، وسلطناكم عليهم، وسواء أكان ذلك بقتل داود لجالوت، أو قتل بختنصر، وقيل: الكرة الأولى: كانت للمسلمين في عهد الرسول ﷺ ، والكرة الثانية: كانت لليهود على المسلمين.
стр. 2741
﴿الْكَرَّةَ﴾: أي: الغلبة، من: الكر، والفر الّذي يحدث في الحرب.
﴿وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾: أمدهم الله بالمال، فأصبحوا أكبر أصحاب رؤوس الأموال في العالم، والبنوك، والتجارات، وازدادت أعدادهم بإمدادهم بالبنين والهجرة.
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾: من النفير، أو النافر؛ أي: من يَنْفرُ مع الرجل من عشيرته للتصدي للعدو، ونصرته على أعدائه؛ أي: سخرنا الكثير من الدول الكبرى؛ لنصرتكم، أو مساندتكم، أو جعلنا الكثير من الدول تهب لنصرتكم، ولا زالت هذه قائمة.
سورة الإسراء [١٧: ٧]
﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُئُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾:
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال، والشّك.
﴿أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾: الخطاب لا زال لبني إسرائيل: إن أحسنتم أحسنتم بالإيمان، والطاعة، والعمل الصالح من قول، وفعل، في الدنيا أحسنتم لأنفسكم بالثواب؛ كقوله: من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها.
﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾: وإن: شرطية كالسّابقة.
﴿أَسَأْتُمْ﴾: بالمعاصي، والكفر.
﴿فَلَهَا﴾: الفاء: للتوكيد، واللام: للاختصاص؛ أي: جزاء ذلك عائد إلى نفسه؛ كقوله: ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره، أو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، أو الإساءة تعود إليه؛ أي: يسيء إلى نفسه، والإثم والعقوبة يقع عليه، أو يعود عليه.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: مرة الفساد الثانية. قيل: هذا الفساد الثاني: هو ما
стр. 2742
نراه يحدث الآن في فلسطين، وبلاد الشام من خراب، ودمار من اليهود. انظر إلى الآية (٥) السّابقة.
﴿فَإِذَا﴾: إذا: شرطية زمانية جوابها محذوف؛ تقديره: بعثناهم مرة أخيرة؛ أي: المؤمنين.
﴿لِيَسُئُوا وُجُوهَكُمْ﴾: الخطاب لبني إسرائيل؛ أي: تظهر على وجوههم آثار الإساءة، آثار الهزيمة، والخزي للمرة الثّانية.
﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: ليدخلوا: اللام: للتوكيد؛ أي: ليدخلوا أي: المسلمون المؤمنون المسجد الأقصى؛ أي: يسترجعونه من أيدي اليهود كما دخلوه أول مرة، قيل: في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، وكان المسجد الأقصى عندها في أيدي المسيحيين النّصارى، أو في زمن بختنصر.
وهذه الآية: تدل على أن المسجد الأقصى سيستولي عليه اليهود، وسيدخله المسلمون، ويطهرونه من رجس اليهود دخولاً ثانياً، وبعد المرة الثانية لن يكون لليهود غلبة بعدها.
﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾: يتبروا؛ أي: يهلكوا، ويدمر المسلمون ما أقامه اليهود، وما بنوه، وشيدوه؛ ليزيلوا آثاره، ومعالمه، والتتبير: هو الهلاك.
﴿مَا عَلَوْا﴾: ما استولوا عليه، أو ما أقاموه، وما شيدوه، وليس بذاتهم، وأموالهم، وإنما بمساعدة أنصارهم.
﴿تَتْبِيرًا﴾: هلاكاً.
стр. 2743
سورة الإسراء [١٧: ٨]
﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾:
﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾: أداة للترجي؛ أي: أن تكونوا راجين ربكم أن يرحمكم، ولا تعني: أن الله سبحانه هو الّذي يرجو.
﴿أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾: أن: أداة استقبال خاصة بالمستقبل، والخطاب لبني إسرائيل؛ أي: عسى ربكم أن يرحمكم حينذاك؛ أي: حين يجيء وعد الآخرة، أو في المستقبل.
انتبه إلى الفرق بين: عسى أن يرحمكم، أو عسى أن ترحموا، وبين: لعلكم ترحمون.
عسى أن ترحموا، أو أن ترحموا: أن: تفيد الاستقبال؛ أي: الرّحمة في المستقبل، ولا تعني الآن، وعسى دائماً تقترن بأن في القرآن.
بينما لعلكم ترحمون: زمن الرّحمة مطلق في الماضي، والمستقبل، والحاضر، وفيها تجدد، واستمرار.
ولعلكم ترحمون: معناها اتخاذ الأسباب الّتي توصل إلى الرّحمة مع رجاء الرّحمة من الله معاً، ولو أراد اتخاذ الأسباب فقط بدون رجاء الرّحمة من الله لقال بدلاً من لعلكم ترحمون: لترحموا.
﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال.
﴿عُدتُّمْ عُدْنَا﴾: أي: إن عدتم إلى الفساد للمرة الثّالثة، عدنا إلى عقوبتكم،
стр. 2744
ولم يقل: وإن تعودوا نعد، الّتي تدل على كثرة العودة مرات عديدة. ارجع إلى سورة الأنفال، آية (١٩)؛ للمقارنة.
﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ﴾: جهنم: ارجع إلى الآية (١٨) من سورة الرعد.
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: اللام: لام الاستحقاق، والاختصاص.
﴿حَصِيرًا﴾: أصل الحصير: البساط المنسوج الّذي يفرش على الأرض، وحصير من الحصر؛ أي: التضييق؛ أي: جعلنا جهنم سجناً، أو محبساً ضيقاً يحبسون فيه؛ أي: لا يخرجون منها، وهي ضيقة مطبقة عليهم لها ميزتان: الحبس، والضيق. وفي سورة الهُمزة، آية (٨ - ٩): وصفها "إنها عليهم مؤصدة في عمد ممدة".
سورة الإسراء [١٧: ٩]
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾:
﴿إِنَّ هَذَا﴾: إن: للتوكيد.
﴿هَذَا﴾: اسم إشارة، والهاء: للتنبيه، وذا: اسم إشارة للقرب؛ لكونه يهدي، والهداية تحتاج إلى شيء قريب.
﴿الْقُرْآنَ﴾: من كونه مقروءاً، أو من القراءة، والقراءة تحتاج إلى قرب؛ إذاً الهداية والقراءة كلاهما يحتاجان إلى قرب؛ فاستعمل "هذا".
﴿يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾: يهدي للوصول إلى الغاية؛ يهدي إلى الّتي هي أسَدُّ، وأصوب، وهي ملة الإسلام، أو الصراط المستقيم بأقصر زمن، وأقل مسافة، ودون عائق.
стр. 2745
﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾: يبشر من البشارة. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة، والبشارة: هي الإخبار بأمر سارٍّ لأول مرة.
﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: الّذين أصبح الإيمان صفةً ثابتةً لهم؛ المؤمنين بالله، وما أنزل على رسله.
﴿يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾: يعملون: تدل على التّجدد، والتّكرار لعمل الصالحات.
﴿أَنَّ لَهُمْ﴾: أن: للتوكيد.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿أَجْرًا كَبِيرًا﴾: الأجر مقابل العمل.
﴿كَبِيرًا﴾: تدل على عظم الأجر؛ فالكبير كل ما عداه صغير.
سورة الإسراء [١٧: ١٠]
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾:
مقابل المؤمنين الّذين يعملون الصّالحات في الآية السّابقة: الّذين لا يؤمنون بالآخرة.
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ﴾: أن: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: لا: النّافية.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: يصدقون بالآخرة؛ أي: بالبعث، والحساب، والباء: للإلصاق.
﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: أعتدنا؛ أي: أعددنا، وهيَّأنا.
стр. 2746
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾: شديد الإيلام، لا يتحمله أحد.
سورة الإسراء [١٧: ١١]
﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾:
﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ﴾: الإنسان: اسم جنس؛ يدعو: من الدعاء بالشر على نفسه، أو ولده، أو ماله عند الضجر، والغضب، والعجلة، وعدم الصّبر؛ يدعو بالموت، والهلاك، أو اللعنة، ولا ينظر في عاقبة دعائه.
﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾: أي: يدعو بالشر كما يدعو بالخير بالسلامة، والرزق، والعافية، سواء بشهوة أم بغضب متعجلاً بدون صبر وتمهل فيدعو على نفسه أو أولاده، ولو استجاب الله سبحانه له لأصابه الضر، وربما هلك، ولكن من رحمته سبحانه، وفضله لم يستجب لدعائه، وعليه الكف عن هذا للخوف من أن تكون ساعة استجابة فيندم حين لا ينفع الندم.
﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾: كان: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ أي: كان عجولاً في كل الأوقات؛ عجولاً في دعائه، وأفعاله، وأقواله؛ عجولاً: صيغة مبالغة: كثير العجلة. وكما قال تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، ولا تعني أن الله خلقه عجولاً، وإنما من كثرة عجلته التي هي مكتسبة، أو من صنع يده يظهر كأنه خلق عجولاً. وهناك من الناس من يتجمَّل بالصبر ولا يتسرع، ولكن هذه الفئة قليلة، والغالبية ممن يبدو كأنه مجبول على العجلة، وعدم الصبر والتريث، وهناك أمور يستحب فيها العجلة مثل: دفن الموتى، والإسراع في سداد الدين، والرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة، وكذلك الزواج في سن مبكرة وغيرها.
стр. 2747
سورة الإسراء [١٧: ١٢]
﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾:
﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾: الجعل يتم بعد الخلق.
﴿الَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾: علامتين دالتين على كمال قدرة الله سبحانه، وعظمته على الخلق، ووحدانيته.
﴿آيَتَيْنِ﴾: مثنى آية: آية كونية تدل على كروية الأرض، وأنّها تدور حول نفسها، وحول الشّمس؛ مما يؤدي إلى تعاقب الليل، والنّهار؛ الأمر الهام لاستقامة واستمرار الحياة على الأرض. ارجع إلى سورة يونس، آية (٦٧)؛ للبيان.
﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾: في بداية خلق الأرض كان الليل يضاء بستائر من نور تنزل من السّماء بشكل رأسي، ثم تنحني قليلاً حين وصولها إلى الأرض، وتكون على أشدها في القطبين الشمالي، والجنوبي، وتضعف كلما اتجهنا إلى خط الاستواء، وكانت تسمى: ظاهرة الفجر الكاذب، وكان النهار يضاء بالشمس؛ فكان النور، أو الضوء يعم الليل، والنّهار، ولكن الله سبحانه منَّ على البشرية بأنه خلق نُطُق الحماية الّتي لم تكن موجودة في بداية الخلق، وتكونت على مراحل؛ فقامت هذه النُّطُق بحجب هذه الأشعة، أو الستائر الّتي هي آية الليل، وبقي النهار مبصراً.
فالغلاف الجوي لم يكن موجوداً عند نشأة الأرض، وإنما تكون على مر العصور، وكان الليل هو السائد على الأرض في بداية الخلق رغم وجود الشّمس، وشروقها، ثم تكون الغلاف الجوي الّذي يضيء؛ لكونه يحتوي على غازات قابلة للإضاءة بنور الشّمس، واستغرق ذلك ملايين السنين؛ فبدأ الليل ينجلي تدريجياً، وضوء النهار يزداد قوة؛ فزالت الظلمة المحيطة بالكرة الأرضية،
стр. 2748
فمع بداية الفجر تدخل أشعة الشّمس الطبقات العليا للغلاف الجوي، الّتي تتميز بكثافة ضعيفة، ثم تدخل أشعة الشّمس الطّبقات السفلى ذات الكثافة العليا؛ فإذا بالشّمس تشرق، ويصبح النهار مبصراً، وتنمحي آية الليل عن نصف الكرة الأرضية المقابلة للشّمس. ارجع إلى سورة يونس آية (٦٧) لمزيد من البيان.
﴿لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: أي: لليل مهمة: وهي لتسكنوا فيه، وللنهار مهمة: هي لتبتغوا فيه فضلاً من ربكم؛ تسعون فيه لطلب رزقكم، وتبحثون عن أسباب عيشكم.
﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾: الواو: عاطفة؛ أي: جعلنا الليل والنهار آيتين؛ لتبتغوا فضلاً من ربكم أولاً، وثانياً: لتعلموا عدد السنين والحساب؛ فالشّمس تحدد لنا الأيام؛ فالأرض تستغرق في دورتها حول الشمس (٣٦٥ يوماً وخمس ساعات و ٤٨ دقيقة و ٤٦ ثانية)؛ أي: ما يعادل (٣٦٥١٢٥ يوماً)، وتقرر جمع أرباع اليوم وإضافتها إلى السنة الرابعة لتصبح (٣٦٦ يوماً)، وتسمى السنة: الكبيسة، والسنة القمرية تقدر بـ (١٢ دورة للقمر حول الأرض)، وتقدر كل دورة بـ (٢٩ يوماً و ١٢ ساعة و ٤٤ دقيقة و ٣ ثوان)؛ فالسنة القمرية تعادل (٣٥٤ يوماً و ٨ ساعات و ٤٨ دقيقة و ٣٤ ثانية)، بحوالي (١١ يوماً) الفرق بين السنة الشمسية والقمرية، وكل (٣٣ سنة) يصبح هناك فرق سنة واحدة بين النظام الشمسي والنظام القمري. ارجع إلى سورة يونس، آية (٥)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾: وكل شيء تحتاجون إليه في أمور دنياكم، وحياتكم، وأمور الدين؛ أي: دينكم، وأمور آخرتكم بيَّنَّاه بياناً لا التباس فيه.
نظير ذلك قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِنْ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
стр. 2749
سورة الإسراء [١٧: ١٣]
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾:
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ﴾: هنا يذكر مبدأ المسؤولية الفردية؛ فبما أن كل إنسان مخير في عمله؛ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وكل إنسان ألزمناه عمله في عنقه.
العمل شبه بالطائر؛ أي: طائره بمعنى: عمله؛ فقد كانت العرب في الماضي إذا أراد أحدهم أن يقوم بعمل ما يأتي بطائر، ثم يطلقه؛ فإن طار عن يساره يتشاءم، ولا يقوم بذلك العمل، وإن طار عن يمينه يتفاءل به، ويقوم به.
وبعد ذلك يلوم الطائر على عمله، ويتهمه.
وأما بالنسبة للعنق: كانت العرب تعبر عن تلازم الشّيء بالشّيء بما يوضع في العنق؛ تقول: هذه أمانة في عنقك، كما تلازم القلادة العنق، هكذا يكون عملك ملازماً لك.
﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾: سجل أعماله، ويقول: ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة، ولا كبيرة إلا أحصاها؟! ووجدوا ما عملوا حاضراً؛ يخرج له كتابه يوم القيامة كي يراه، ويقرأه، ونخرج: نون الجمع للتعظيم، أو الملائكة يخرجون له كتابه.
﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾: مفتوحاً معداً للقراءة قبل وصول صاحبه إليه ليقرأه.
سورة الإسراء [١٧: ١٤]
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾:
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾: اقرأ سجل أعمالك بنفسك، وانظر إلى ما عملته في الدّنيا، وحاسب نفسك بنفسك؛ القائل هو الله سبحانه على ألسنة الملائكة.
﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ﴾: يوم القيامة.
стр. 2750
﴿عَلَيْكَ﴾: على: تفيد العلو، والمشقة.
﴿حَسِيبًا﴾: محاسباً؛ أي: حاكماً، أو قاضياً.
سورة الإسراء [١٧: ١٥]
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾:
﴿مَنِ اهْتَدَى﴾: من: شرطية.
﴿اهْتَدَى﴾: يعني: التزم بمنهج الله، وسار على دينه، واهتدى إلى الصّراط المستقيم.
﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء: للتوكيد؛ إنما: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد.
﴿يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ﴾: لنفسه: اللام: تفيد الاختصاص، والاستحقاق؛ أي: هو المنتفع بذلك.
﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا﴾: مثل: من اهتدى فإنما.
﴿يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: على: تفيد الاستعلاء؛ أي: عاقبة الضّلال، والإعراض عن منهج الله تقع عليه.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: هذه الآية تؤكد الآية السّابقة (١٣).
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة؛ لا: نافية.
﴿تَزِرُ﴾: تحمل. والوزر: هو الحمل الثقيل (أو الثقل العظيم)، وعبر بالوزر بدلاً من الإثم، وكما أن الحمل الثقيل (الوزر) يتعب صاحبه (حامله) كذلك الإثم فإنه قد يقصم ظهر حامله.
﴿وَازِرَةٌ﴾: أي: نفس آثمة، أو وازرة محملة بالذنوب.
стр. 2751
﴿وِزْرَ أُخْرَى﴾: أي: إثم نفس أخرى، وإنما تحمل إثمها فقط.
وهذه القاعدة تنطبق على الّذي ضل في ذاته، ولم يتعدَّ ضلاله إلى غيره، وأما إذا تعدى ضلاله إلى غيره فسوف يحمل وزره، وأوزاراً مع وزره؛ أي: وزره ووزر من أضله، كما بيَّن رسول الله ﷺ : «من سنَّ في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». أخرجه مسلم.
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾: ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤].
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية، نهاية الغاية.
﴿نَبْعَثَ رَسُولًا﴾: ليُبين لهم ما نُزل إليهم، وما كنا معذبين أحداً في الدّنيا والآخرة على فعل شيء، أو تركه إلا بعد إرسال الرّسل، والإنذار، وإقامة الحجة، وإعطائهم المهلة الكافية للتوبة. ولمعرفة الفرق بين نبعث، ونرسل: ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩).
سورة الإسراء [١٧: ١٦]
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني للمستقبل يتضمن معنى الشرط.
﴿أَرَدْنَا أَنْ نُّهْلِكَ﴾: أن: حرف مصدري يفيد التّوكيد، والتّعليل.
﴿قَرْيَةً﴾: أي: سكان القرية، وكلمة القرية تعني: أهل القرية، والبنيان.
﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾: أمرنا أغنياءها بالطاعة، والالتزام بمنهج الله على لسان الرّسل، ولكنهم خالفوا، وعصوا، أو معنى أمرنا: كثرنا. قيل: أمر كثر؛ أي: كثرنا عدد المترفين فيها؛ لكي يشتد فسادهم، وفسقهم.
стр. 2752
﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾: ففسقوا: الفاء: للتوكيد؛ فسقوا: خرجوا عن طاعة الله تعالى، أو عن دينه، وخالفوا، وعصوا.
﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾: فحق: الفاء: للتوكيد؛ حق: وجب عليها العذاب، أو استحقت القول (العذاب)، ولم يقع بعد، وسيقع لا محالة في الدّنيا.
ولو قال: ووقع القول كما في قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [النمل: ٨٥]؛ أي: قد وقع وانتهى، أو يقع الآن.
﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾: التدمير يعني: الخراب، والهلاك، والدمار: هو دائماً يأتي كعقوبة، ويشمل كل شيء بلا استثناء. ارجع إلى سورة الحج، آية (٤٥)؛ لمعرفة معنى: الهلاك.
أي: أهلكنا كل أهلها، ولم يُستثنَ أحد من المترفين وغيرهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾؛ أي: تصيب الجميع؛ لأنّ غير المترفين لم ينهوا المترفين بالكف عن عصيانهم، وضلالهم، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]، وحديث رسول الله ﷺ : «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث»، كما روى البخاري عن زينب بنت جحش.
سورة الإسراء [١٧: ١٧]
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾:
﴿وَكَمْ﴾: الواو: استئنافية؛ كم: الخبرية تفيد الكثرة؛ أي: أهلكنا الكم الكثير من القرون.
﴿أَهْلَكْنَا﴾: ارجع إلى الآية (٤) من سورة الأعراف؛ لبيان معنى الهلاك.
﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾: من: ابتدائية.
стр. 2753
﴿الْقُرُونِ﴾: جمع قرن، والقرن (مائة سنة)، أو القرن قوم عاشوا في زمن واحد مقترنين، مأخوذة من الاقتران.
﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾: ولم يقل من بعد آدم. قيل: كان النّاس بين آدم ونوح على دين الإسلام أمة واحدة، ومن هذه القرون الّتي أهلكت من بعد قوم نوح عاد، وثمود، ولوط، ومدين، وفرعون، وأصحاب الرس، وقرون بين ذلك كثير.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾: أي: سبحانه لا هو يخبر أحداً من عباده عن ذنوب عباده، وهو سبحانه لا يحتاج من أحد من البشر؛ أي: من خلقه، أن يخبره، أو ينقل إليه ما يفعله عباده؛ لأنّه سبحانه خبير، عليم ببواطن الأمور، وخفاياها. بصير: يرى ويبصر أعمال عباده؛ فلا تخفى عليه خافية، سواء أكانت أعمالاً ظاهرة، أم باطنة، وسواء أكانت في السر، أم في العلن.
стр. 2754
سورة الإسراء [١٧: ١٨]
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾:
﴿مَنْ﴾: ابتدائية شرطية.
﴿كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾: العاجلة: مؤنث العاجل؛ أي: الدّنيا، ولم يقل: من أراد الدّنيا؛ إنما قال: يريد: فعل مضارع يدل على التّجدد، وطلب الدّنيا باستمرار، وعدم الكف عن ذلك.
﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾: بالقدر الّذي نشاء، ولمن نختار، أو لمن نريد، وليس حسب ما يريده ويطلبه العبد، أو بالقدر الّذي يشاؤه العبد؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِى الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧]. وإذا قارنا هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥]؛ لأن الثواب متجدد في كل عمل.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾: ثم: للترتيب، والتراخي في الزمن.
﴿جَعَلْنَا﴾: صيرنا، أو هيَّئنا.
﴿لَهُ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا﴾: يحترق بها، ولمعنى جهنم: ارجع إلى الآية (١٨) من سورة الرعد.
стр. 2755
﴿مَذْمُومًا﴾: مذموماً، من الذم: من الله، والملائكة، والناس أجمعين، والذم يعني: أتى بعمل يستحق الذم؛ أي: اللوم على أمر قبيح، سواء أكان المذموم أمامك، أم غائباً، وهو نقيض المدح.
وأما الفرق بين اللوم، والذم؛ اللوم: قد يكون على فعل حسن؛ كاللوم على كثرة الصدقة.
أما الذم: فلا يكون إلا على فعل قبيح فقط.
﴿مَّدْحُورًا﴾: مطروداً من رحمة الله سبحانه، أو مبعداً عنها.
الفرق بين يريد، وأراد:
يريد: تدل على التّجدد، والاستمرار في طلب الدّنيا، وأنه دائماً مشغول بها.
أراد: بصيغة الماضي تدل على قلة الطلب، والانشغال، والركض وراء الدّنيا.
ولربط الذم بالدحر مذموماً مدحوراً.
مذموماً: أي: فعل أمراً قبيحاً يستحق أن يُذم عليه، واستحق أن يُطرد، ويُبعد عن رحمة الله بسببه؛ أي: مدحوراً: اسم مفعول من دحر: طرد، وأبعد.
ولربط الذم بالخذلان: مذموماً مخذولاً.
مذموماً: أي: فعل أمراً قبيحاً يستحق أن يذم عليه، ولن يجد من يدافع عنه، أو ينصره؛ أي: مخذولاً من: خذله ترك عونه ونصرته، ومخذولاً: اسم مفعول.
стр. 2756
سورة الإسراء [١٧: ١٩]
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾:
﴿وَمَنْ﴾: ابتدائية شرطية.
﴿أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾: ولم يقل: يرد الآخرة كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾: (الفعل المضارع الذي يدل على التكرار والتجدد). إنما أراد؛ أي: ولو مرة واحدة، أو أرادها بقليل من العمل الصالح والمستمر، والإرادة: تعني العزم على القيام بالفعل، أو تعني الثبات والرسوخ في الإرادة، أو كان أدنى من إرادة الدنيا على الأقل.
﴿وَسَعَى﴾: سعى من السعي: الحركة، والعمل بجد بالأعمال الصالحة المقرونة بالإيمان.
﴿لَهَا﴾: اللام: لام الاختصاص؛ لها؛ أي: للآخرة.
﴿سَعْيَهَا﴾: عمل ما في وسعه من الأعمال الصّالحة؛ لنيل ثواب الآخرة.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: وهو: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿مُؤْمِنٌ﴾: إيماناً ثابتاً راسخاً في القلب بالله واليوم الآخر وملائكته وكتبه ورسله.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد؛ أولئك: اسم إشارة يشير إلى منزلتهم العالية.
﴿كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾: كانوا مثابين على سعيهم (عملهم)، وسعيهم مقبولٌ مضاعفُ الأجر والثواب.
стр. 2757
سورة الإسراء [١٧: ٢٠]
﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾:
﴿كُلًّا﴾: أي: كلا الفريقين السابقين: الفريق الّذي يريد العاجلة (الدّنيا الفانية)، والفريق الّذي أراد الآخرة، وسعى لها سعيها.
﴿نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾: هؤلاء: الّذين أرادو الدّنيا، وهؤلاء: الّذين أرادوا الآخرة نمدهم من عطاء ربك.
الفرق بين المد، والإمداد:
المد: هو الإعانة، والتقوية، والزيادة في الخير والشر.
والإمداد: لا يكون إلا في الخير.
﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾: من عطاء الربوبية الّذي ينال المؤمن، والكافر، والطائع، والعاصي، بينما عطاء الألوهية: فهو عطاء خاص بالمؤمنين دون غيرهم.
﴿وَمَا﴾: الواو: واو الحالية، أو التّوكيد؛ ما: النّافية.
﴿كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾: كان: تشمل كل الأزمنة.
﴿عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾: ممنوعاً من أحد، لا يمنعه من المؤمن، أو الكافر، والحظر: هو المنع. إذن: عطاء الربوبية الكل له نصيب منه.
ما هو الفرق بين: محظوراً، وقوله تعالى في الآية (٥٧): ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾؟
المحظور: الممنوع، الحظر: المنع؛ عطاء ممنوع.
стр. 2758
المحذور: من الحذر؛ أي: اتخاذ الوقاية، والحيطة، والخوف من وقوع الأمر المحذور منه.
سورة الإسراء [١٧: ٢١]
﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾:
﴿انظُرْ﴾: انظر نظرة قلبية، وفكرية.
﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام، والتّعجب.
﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: لكي يحدث تكافلٌ في المجتمع، كل فرد يحتاج إلى الآخر؛ كقوله: ليتخذ بعضهم بعضاً سُخرياً، وفضلنا بعضهم على بعض: قد تعني: في الرزق، والجاه، والعافية، وغيره من أمور الدّنيا؛ للابتلاء، والاختبار.
﴿وَلَلْآخِرَةُ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾: أعظم درجات التفاوت تكون في درجات الجنة.
﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾: من الدّنيا؛ لأن تفضيل الآخرة هو التّفضيل الحقيقي، والأعظم، والدائم، وتفضيلاً: مصدر لفعل فضّل (الرباعي).
سورة الإسراء [١٧: ٢٢]
﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾:
﴿لَا تَجْعَلْ﴾: لا تتخذ؛ لا: النّاهية.
﴿مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: شريكاً، أو نداً في ألوهيته، وعبادته، وربوبيته، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه.
فإن فعلت ذلك عندها ﴿فَتَقْعُدَ﴾: فتصبح كالّذي خارت قواه على القيام؛
стр. 2759
فأصبح غير قادر على القيام ولم تعد لك قوة، وتصبح ﴿مَذْمُومًا﴾: من قبل الله، ومن قبل النّاس.
﴿مَّخْذُولًا﴾: من الخذلان، وهو عدم النصرة، أو العون؛ أي: لا ينصرك أحد، ولا يدافع عنك، أو يُعينك أحد. ارجع إلى الآية (١٨) من السّورة نفسها.
سورة الإسراء [١٧: ٢٣]
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾: أي: أمر، وألزم، وأوجب، وقضى: قد تأتي بمعنى: حكم، أو تدل على انتهاء المدة: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ [القصص: ٢٩].
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾: أي: حكم، وأمر الله سبحانه: ألَّا: أصلها: أن، ولا؛ أن: حرف مصدري يفيد التّعليل، والحكم، ولا: نافية، أو ناهية.
﴿تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾: لمعرفة معنى العبادة: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١)، أو الأنبياء، آية (١٠٦).
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿إِيَّاهُ﴾: للتوكيد.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: وبالوالدين: الوالد والوالدة، ولم يقل بالأبوين؛ اختار لفظ الولادة على الأبوة وبالوالدين؛ أي: من الولادة، والتي تقوم بها الأم؛ الباء: باء الإلصاق، والاستمرار؛ أي: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وقضى أن تحسنوا بالوالدين إحساناً؛ أي: أن تبروهما؛ فقد قرن الإحسان للوالدين بعبادته سبحانه، وقضى بالإحسان إلى الوالدين؛ لأنّهما هما السبب، أو الوسيلة في
стр. 2760
وجودنا؛ لما تتحمله الأم خلال الحمل، والوضع، والرضاعة، والسهر، والتربية، وما يوفره الأب من المعاش، والإنفاق، والتربية، ولهذين الوالدين حقوق، كما أن للخالق الحقيقي حقوقاً. ارجع إلى سورة النساء آية (٣٦)، وسورة البقرة آية (١١٢) لمزيد من البيان.
﴿إِحْسَانًا﴾: مصدر أحسن؛ حذف الفعل، وجاء بالمصدر؛ ليفيد التّوكيد.
﴿إِمَّا﴾: مركبة من: إن، وما؛ إن: الشّرطية، وزيدت عليها ما: للتوكيد.
﴿يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾: يبلغن: من بلغ؛ أي: أدرك، أو وصل؛ أي: بلغا الكبر؛ أي: وصلا إلى سن الكبر عندك، أو أحدهما، والنون في "يبلغن" للتوكيد، ولم يقل يبلغا.
انتبه إلى تقديم كلمة "عندك"، ولم يقل: يبلغن الكبر عندك، العنديَّة هنا هامة، ومقصودة، وخاصة، ويجب فهم معناها.
وتعني المعية (أي: معك)؛ أي: حافظ على والديك؛ أي: أبقِ والديك عندك، ولا تُلقِ بهما في دور العجزة، أو دور إقامة المسنين، أو الكهول؛ فالمكان بحد ذاته مهم، والأهم منه رعايتهما، والإحسان إليهما، والاهتمام بهما، وإذا كان هناك أخوة، وأخوات؛ فالكل يشارك في المسؤولية.
ولتثبيت هذا المعنى في النفس انظر إلى ما قالته امرأة فرعون: ﴿رَبِّ ابْنِ لِى عِنْدَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] قدمت كلمة "عندك" بدلاً من القول: رب ابن لي بيتاً عندك في الجنة، تبغي العنديَّة؛ أي: المعية؛ أي: الرعاية، والقُربى؛ عندك أنت خاصة، وهي أهم من المكان.
стр. 2761
﴿الْكِبَرَ﴾: بعد مرحلة القوة والشباب تأتي مرحلة الكبر؛ مرحلة الحاجة، والضعف، والمرض، وهنا تتجلى صورة الإنسان بشكل واضح.
﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾: قدم الأهم أحدُهما؛ لأن كليهما قد يساعد أحدهما الآخر؛ أما حين يكون الإنسان وحيداً؛ فهو بحاجة أشد للعون، والإحسان.
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾: فلا: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّاهية.
﴿تَقُلْ﴾: مضارع تدل على الاستمرار، والتّجدد.
﴿أُفٍّ﴾: صوت يدل على ضجر المتكلم من شيء ما، ومنهم من قال: أف اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر فيكون المعنى لا تشعر تضجرك للوالدين، وهي أقل لفظة يمكن أن تقال، وجاءت بصيغة التنكير؛ تعني: أي: شيء، أو قول؛ أي: لا تضجر بأدنى تضجر منهما، أو من غيرهما فتضجر أمامهما.
﴿وَلَا﴾: ولا: الواو: عاطفة؛ لا: ناهية، وتكرار لا: تفيد التّوكيد.
﴿تَنْهَرْهُمَا﴾: النهر: هو الزجر بقسوة، وانفعال تالٍ للتضجر؛ أي: احذر من التأفف، والتضجر منهما، ولا ترفع صوتك عليهما.
﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾: وقل سبقتها كلمة: فلا تقل، ثم جاء بقل: لتفيد التّوكيد.
﴿قَوْلًا كَرِيمًا﴾: سمحاً ليناً فيه مظاهر الرّحمة، والمحبة، والحنان خاصة إذا حدث خطأ منهما، أو تصرف غير طبيعي.
سورة الإسراء [١٧: ٢٤]
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾:
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾: جناح الذّل: كناية عن الطاعة،
стр. 2762
والحنان، والتواضع، والخضوع، والذل قد يأتي بمعنى: القهر، والغلبة، أو بمعنى: العطف، والرحمة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٤]؛ أي: عطوفين رحيمين بالمؤمنين؛ بينما القول: أذلة للمؤمنين؛ أي: قاهرين ليس عندهم رحمة، أو رأفة بالمؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾: كالطائر الّذي يخفض جناحيه حين يريد أن يحنو على صغاره، ويغذيهم، وإذا أراد أن يطير يرفع جناحيه، ويرفرف، ويعني: التواضع السمع والطاعة، وتنفيذ أوامرهما، والإصغاء لما يقولانه، والنظر إليهما بعين الرأفة والحنان والعطف.
﴿مِنَ﴾: تعليلية.
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾: أي: لا يكفي رعايتك لهما، ورحمتك بهما، بل لا بد من أن تدعو لهما، وتطلب لهما الرّحمة من الله سبحانه؛ فهو أرحم الراحمين، وقل هذا الدعاء: رب أرحمهما، كما ربياني صغيراً؛ أي: مثلما ربياني صغيراً، وهذا الدعاء يشمل كل مربٍّ شارك الوالدين في تربيتك.
﴿كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾: تفيد التّعليل، والاعتراف بفضل الوالدين.
سورة الإسراء [١٧: ٢٥]
﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾:
المناسبة: ذكرت هذه الآية بعد ذكر: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً؛ إذن: المطلوب هو الإخلاص في العبادة، والتّوحيد، وكذلك معاملة الوالدين بالبر، والإحسان لهما، وربكم أعلم بما في نفوسكم من الإيمان، ومن النفاق، والرياء، أو الإخلاص، والإحسان، والصدق، وكما أن النفاق يكون
стр. 2763
في الدين، والإيمان، هناك نفاق في بر الوالدين؛ بحيث يقول بلسانه ما ليس في قلبه، يقول بلسانه رياءً.
فهناك من الأبناء من يظهر بمظهر البار بوالديه أمام النّاس، وفي الداخل يتمنى، أو يسأل الله سبحانه أن ينقضي أجَلُهما، أو يتخلص منهما، فجاءت الآية لتحذر من هذا النفاق، والرياء في عبادة الله، والبر بالوالدين؛ فقال:
﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ﴾: ربكم المتولي تربيتكم، وشؤونكم الحياتية. ربكم: يعلم ما يصلحكم.
﴿أَعْلَمُ﴾: ولم يقل: يعلم، بل قال: أعلم على صيغة أفعل؛ صيغة مبالغة كثير العلم.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق. وما: اسم موصول بمعنى الذي، وأوسع شمولاً من الذي.
﴿فِى نُفُوسِكُمْ﴾: ولم يقل أنفسكم؛ نفوسكم تعني: كل نفس، وجميع النفوس المؤمنة، والكافرة، والمنافقة على الإطلاق؛ بينما "أنفسكم" تعني: بعض الأنفس، وليس كلها، وقد وردت النفوس في آيتين فقط في هذه السورة، وفي سورة التكوير آية (٧).
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشك.
﴿تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾: إن: كنتم صالحين كان بها، ولكم أجركم، وإن لم تكونوا؛ فتوبوا إلى الله، وأصلحوا نفوسكم، واحذروا ما لا تحمد عقباه.
﴿فَإِنَّهُ﴾: إنه: للتوكيد، والفاء: جواب الشرط.
﴿كَانَ﴾: ولا زال، وسيكون:
стр. 2764
﴿لِلْأَوَّابِينَ﴾: جمع أوّاب: صيغة مبالغة من آب، يؤوب؛ من الأوب: الرجوع، والعودة إلى الله بالتوبة، والإنابة. للأوابين؛ أي: للتوابين، والراجعين إلى ربهم بالتوبة، والإنابة.
﴿غَفُورًا﴾: صيغة مبالغة من: "غفر" كثير الغفران يغفر الذنوب جميعاً مهما كثرت، أو عظمت، والغفران: صفة أزلية فيه سبحانه، وغفوراً تشير إلى أنه يغفر الذنوب العظيمة الكبيرة.
سورة الإسراء [١٧: ٢٦]
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر الله سبحانه البر إلى الوالدين، وقرن ذلك بعبادته يوسع دائرة الإحسان، والبر؛ لتشمل ذوي القربى، والمساكين، وابن السبيل؛ فقال تعالى:
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾: أي: أعطِ ذا القربى حقه؛ أي: جعل الله سبحانه حقاً للأقارب يجب الإيفاء بهذا الحق؛ أي: حقه من المال إذا كان محتاجاً، أو فقيراً، وحقه من المساعدة بشتى صورها، وإن لم يكن محتاجاً؛ فعليك البر إليه (صلة الرحم) بالمعاملة الكريمة، والسؤال عنه، وتفقد حاله، وزيارته، وبالإهداء إليه.
﴿وَالْمِسْكِينَ﴾: تعريف المسكين: الّذي عنده مال لا يكفيه، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩].
والفقير: هو الّذي لا يملك شيئاً؛ أي: هو أسوأ حالاً من المسكين.
وقوله: المسكين: يشمل الفقير، والمسكين؛ لأن الفقير أجدر بالعطاء من المسكين؛ حقه من الزكاة، والصدقات.
﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: أي: ابن الطريق المنقطع الّذي ضاع ماله، أو سُدَّت السبل
стр. 2765
أمامه، وليس معه ما يسد حاجته إلى العودة إلى دياره، والأكل. ارجع إلى الآية (٣٦) من سورة النساء؛ للبيان.
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾: ولا: النّاهية.
﴿تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾: التّبذير: هو إنفاق المال فيما لا يحل مثل إضاعة المال في المعاصي، والقمار … وغيرها.
والتّبذير أعظم من الإسراف، والتّبذير: مصدر لفعل: بذَّر (الرباعي).
والتّبذير: مأخوذة من البذر: وهو العملية الّتي يقوم بها الفلاح حيث يأخذ البذور الّتي يريد زراعتها، وينشرها بيده؛ فإن كان ماهراً يجيد البذر، تراه يبذر الحب؛ أي: يوزع الحب على الأرض بنسب متساوية بدون أن يضيع كمية من الحب في أمكنة لا تحتاج البذر.
وإن من الخطأ أن يظن القارئ: أن المقصود بهذه الآية أن التّبذير يعود على ذي القربى، والمسكين، وابن السبيل، وإنما الآية تشير إلى الإسراف في الأمور غير المباحة.
سورة الإسراء [١٧: ٢٧]
﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾:
﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ﴾: إن: للتوكيد.
﴿الْمُبَذِّرِينَ﴾: جمع مبذر، والتّبذير: هو إنفاق المال في غير حلِّه، وهو يعتبر معصية، وكفراً لنعمة الله. ارجع إلى الآية (٢٦) السّابقة.
﴿كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾: كانوا: من كان، وكان: قد تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ كانوا في الماضي، وسيكونون في الحاضر والمستقبل؛ كانوا في الدّنيا:
стр. 2766
﴿إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾: الإخوان: قوم اجتمعوا على مبدأ واحد خير، أو شر، وفي هذه الآية: اجتمعوا على مبدأ التّبذير.
وسموا بإخوان الشّياطين: إما لكونهم يكفرون، أو يجحدون نِعَم الله، أو إضاعة المال؛ فهم مثل إخوانهم الشّياطين؛ لكونهم تجمعهم صفة الإسراف في المعاصي، والتبذير والكفر؛ أي: ساتر لنعم الله أو جاحدها. ارجع إلى سورة الحجرات آية (١٠) لبيان معنى إخوان وإخوة.
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ﴾: كان: كما قلنا تشمل كل الأزمنة الماضي، والحاضر، والمستقبل، والشيطان: يمثل الشياطين.
﴿لِرَبِّهِ﴾: اللام: لام التّعليل.
﴿كَفُورًا﴾: كثير الكفر: صيغة مبالغة: كثير الكفر لنعم الله تعالى، أو محترفاً في مهنة الكفر؛ فهو كافر، ويعمل على تكفير غيره.
وإذا عدنا إلى كلمة أخ؛ فهي تجمع على: إخوة، وإخوان، والقرآن استعمل كلمة إخوة في سياق إخوة النسب، وكلمة إخوان تأتي في سياق قوم اجتمعوا على مبدأ واحد في الخير والشر؛ أمثلة إخوان لوط (في الفاحشة)، أو سياق النسب كما في قوله في سورة النور آية (٣١) إخوانهن، أو بمعنى الأصدقاء كقوله إخواناً على سرر متقابلين (في الجنة في الخير).
стр. 2767
سور الإسراء [الآيات ٢٨ - ٣٨]
سورة الإسراء [١٧: ٢٨]
﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾:
﴿وَإِمَّا﴾: مركبة من إن: الشرطية؛ تفيد الاحتمال؛ ما: للتوكيد.
﴿تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾: خجلاً، وحياءً؛ لأنك لم تعطهم من حقهم، كما جاء في الآية (٢٦): ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ﴾: إذن تعرض عن ذوي القربى أو المساكين، أو ابن السبيل بعد أن يسألوك، تعرض عنهم، ولم تعطهم شيئاً قليلاً، أو كثيراً بسبب فقرك، أو القلة، أو ليس عندك الكفاية، أو ما يسد حاجتهم.
﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾: طلباً للرزق الّذي تنتظره أن يأتيك فتعطيهم منه.
﴿فَقُلْ لَّهُمْ﴾: فقل: الفاء: للتوكيد؛ قل لهم: اللام: لام الاختصاص.
﴿قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾: قولاً سهلاً ليناً بالاعتذار لهم، أو الوعد بأن تعطيهم حين يتوفر لك الرزق.
﴿مَّيْسُورًا﴾: اسم مفعول من: يسر.
سورة الإسراء [١٧: ٢٩]
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية؛ لا: النّاهية.
﴿تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾: أي: لا تجعل يدك الّتي تعطي بها الصدقات مغلولة؛ أي: مقيدة، أو مربوطة إلى عنقك (مشهد من مشاهد يوم القيامة) كقوله
стр. 2768
تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس: ٨]، وحين تقيد اليد إلى العنق فهي لا تمتد بالعطاء، كناية عن الإمساك، والبخل.
﴿مَغْلُولَةً﴾: مقيدة بالغل، والغل: هو القيد الّذي يوضع في اليدين، والعنق.
﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ كناية عن الإسراف والتبذير؛ أي: تنفق كل ما لديك.
والواجب الاعتدال؛ أي: التوسط في الإنفاق، كما جاء في آيات أخرى؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾: فتقعد: ارجع إلى الآية (٢٢).
﴿مَلُومًا﴾: من اللوم؛ سواء أكان من نفسك، أم من النّاس، وهو تنبيه الفاعل على شيء فعله غير جيد أو مناسب، يُعاتب عليه، أو يلام عليه، ويؤنب من أجله، وهو الإسراف.
ملوماً: تمثل البخيل.
محسوراً: تمثل المسرف الذي أسرف ماله فأصبح كالبعير الحسير الذي أتعبه السير فلم تعد له قوة.
﴿مَّحْسُورًا﴾: من الحسر؛ كالبعير الّذي ذهبت قواه؛ لكونه أنفق كل ما عنده، وافتقر، ولم يدخر شيئاً؛ فأصبح غير قادر على القيام بسبب الإسراف؛ فهو في كلا الحالين ملوم إن قبضت يدك، وملوم إن بسطت يدك كل البسط.
سورة الإسراء [١٧: ٣٠]
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: إن: للتوكيد. ربك: أي الخالق الرازق
стр. 2769
والمدبر؛ أي: يوسع الرزق لمن يشاء من عباده؛ أي: يُغني من يشاء حسب ما تقتضيه حكمته سبحانه، وهو ابتلاء من الله تعالى.
﴿وَيَقْدِرُ﴾: يفقر، أو يضيق على من يشاء؛ ابتلاءً لهم، وحسب الحكمة الإلهية، وحسب ما يصلح حال عباده.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والحال، والمستقبل.
﴿بِعِبَادِهِ﴾: الباء: للإلصاق.
﴿خَبِيرًا﴾: يعلم بواطن أمورهم، وخفايا صدورهم، ومصالحهم، فيرزقهم حسب مصالحهم.
سورة الإسراء [١٧: ٣١]
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾: ولا: الواو: استئنافية؛ لا: النّاهية.
﴿تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾: بالوأد، أو غيره من الطرق؛ مثل: الإجهاض، أو إسقاط الحمل.
﴿أَوْلَادَكُمْ﴾: تعني: الذكور، والإناث (البنين والبنات)؛ لأن قتل الأولاد هو اعتداء على إرادة الله، وحكمته.
﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: خوفاً من الإملاق، وهو شدة الفقر، والخشية تعني: الفقر لم يحدث بعد، وإنما مظنة أنه سيحدث في المستقبل؛ بينما في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ﴾ [آية: ١٥]؛ أي: الفقر قد وقع، وهم الآن يعانون منه.
стр. 2770
﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾: أي: لا تقتلوا أولادكم سنرزقهم أولاً، ونرزقكم أيضاً، أو ترزقون برزقهم.
﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ﴾: إن: للتوكيد؛ قتلهم: بالوأد، أو غيره من الوسائل؛ كالإجهاض.
﴿كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾: خطئاً: الخطء: الإثم، أو الذنب العظيم؛ أي: قتلهم كان إثماً كبيراً.
أو خِطئاً: بكسر حرف الخاء، ولها معان أخرى بالإضافة إلى الإثم؛ منها: ضد الصواب؛ اسم من: أخطأ.
أو خطئاً: اشتقَّت من: خطا يخطو؛ أي: خروجاً عما تعارف عليه النّاس؛ أي: خروجاً عن العادة، والعرف. ولم يقل خَطأ: بفتح الخاء؛ لأن الإثم لا يكون إلا عن قصد وتعمد، وأما الخطأ بفتح الخاء هو السهو أو غير العمد وفعله أخطأ واسم الفاعل مخطئ كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وهذا يدل على أن قتلهم للأولاد إثم كبير.
﴿كَبِيرًا﴾: توكيد.
سورة الإسراء [١٧: ٣٢]
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية؛ لا: النّاهية.
﴿تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾: الزنى: هو الوطء من غير عقد شرعي، واستمرار عملية الزنى يسمى الفجور، وإذا استمر الفجور وأقامت الزانية مع الزاني يسمى السفاح، والسفاح للرجل والمرأة، أما البغاء: يطلق على المرأة التي تجاوزت حرم الله وتسمى البغي، تقربوا أشد وأبلغ في التحريم من قوله: لا تزنوا، أو حرم عليكم الزنى، أو لا تأتوا الزنى، ولو قال ذلك؛ لكانت عملية الزنى هي فقط المحرمة، وأما ما يجري من لقاءات، ومجون؛ لكان كله غير داخل في التحريم.
следующие страницы →