Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
﴿إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾: الإخوان: قوم اجتمعوا على مبدأ واحد خير، أو شر، وفي هذه الآية: اجتمعوا على مبدأ التّبذير.
وسموا بإخوان الشّياطين: إما لكونهم يكفرون، أو يجحدون نِعَم الله، أو إضاعة المال؛ فهم مثل إخوانهم الشّياطين؛ لكونهم تجمعهم صفة الإسراف في المعاصي، والتبذير والكفر؛ أي: ساتر لنعم الله أو جاحدها. ارجع إلى سورة الحجرات آية (١٠) لبيان معنى إخوان وإخوة.
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ﴾: كان: كما قلنا تشمل كل الأزمنة الماضي، والحاضر، والمستقبل، والشيطان: يمثل الشياطين.
﴿لِرَبِّهِ﴾: اللام: لام التّعليل.
﴿كَفُورًا﴾: كثير الكفر: صيغة مبالغة: كثير الكفر لنعم الله تعالى، أو محترفاً في مهنة الكفر؛ فهو كافر، ويعمل على تكفير غيره.
وإذا عدنا إلى كلمة أخ؛ فهي تجمع على: إخوة، وإخوان، والقرآن استعمل كلمة إخوة في سياق إخوة النسب، وكلمة إخوان تأتي في سياق قوم اجتمعوا على مبدأ واحد في الخير والشر؛ أمثلة إخوان لوط (في الفاحشة)، أو سياق النسب كما في قوله في سورة النور آية (٣١) إخوانهن، أو بمعنى الأصدقاء كقوله إخواناً على سرر متقابلين (في الجنة في الخير).
стр. 2767
سور الإسراء [الآيات ٢٨ - ٣٨]
سورة الإسراء [١٧: ٢٨]
﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾:
﴿وَإِمَّا﴾: مركبة من إن: الشرطية؛ تفيد الاحتمال؛ ما: للتوكيد.
﴿تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾: خجلاً، وحياءً؛ لأنك لم تعطهم من حقهم، كما جاء في الآية (٢٦): ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ﴾: إذن تعرض عن ذوي القربى أو المساكين، أو ابن السبيل بعد أن يسألوك، تعرض عنهم، ولم تعطهم شيئاً قليلاً، أو كثيراً بسبب فقرك، أو القلة، أو ليس عندك الكفاية، أو ما يسد حاجتهم.
﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾: طلباً للرزق الّذي تنتظره أن يأتيك فتعطيهم منه.
﴿فَقُلْ لَّهُمْ﴾: فقل: الفاء: للتوكيد؛ قل لهم: اللام: لام الاختصاص.
﴿قَوْلًا مَّيْسُورًا﴾: قولاً سهلاً ليناً بالاعتذار لهم، أو الوعد بأن تعطيهم حين يتوفر لك الرزق.
﴿مَّيْسُورًا﴾: اسم مفعول من: يسر.
سورة الإسراء [١٧: ٢٩]
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية؛ لا: النّاهية.
﴿تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾: أي: لا تجعل يدك الّتي تعطي بها الصدقات مغلولة؛ أي: مقيدة، أو مربوطة إلى عنقك (مشهد من مشاهد يوم القيامة) كقوله
стр. 2768
تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس: ٨]، وحين تقيد اليد إلى العنق فهي لا تمتد بالعطاء، كناية عن الإمساك، والبخل.
﴿مَغْلُولَةً﴾: مقيدة بالغل، والغل: هو القيد الّذي يوضع في اليدين، والعنق.
﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ كناية عن الإسراف والتبذير؛ أي: تنفق كل ما لديك.
والواجب الاعتدال؛ أي: التوسط في الإنفاق، كما جاء في آيات أخرى؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾: فتقعد: ارجع إلى الآية (٢٢).
﴿مَلُومًا﴾: من اللوم؛ سواء أكان من نفسك، أم من النّاس، وهو تنبيه الفاعل على شيء فعله غير جيد أو مناسب، يُعاتب عليه، أو يلام عليه، ويؤنب من أجله، وهو الإسراف.
ملوماً: تمثل البخيل.
محسوراً: تمثل المسرف الذي أسرف ماله فأصبح كالبعير الحسير الذي أتعبه السير فلم تعد له قوة.
﴿مَّحْسُورًا﴾: من الحسر؛ كالبعير الّذي ذهبت قواه؛ لكونه أنفق كل ما عنده، وافتقر، ولم يدخر شيئاً؛ فأصبح غير قادر على القيام بسبب الإسراف؛ فهو في كلا الحالين ملوم إن قبضت يدك، وملوم إن بسطت يدك كل البسط.
سورة الإسراء [١٧: ٣٠]
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: إن: للتوكيد. ربك: أي الخالق الرازق
стр. 2769
والمدبر؛ أي: يوسع الرزق لمن يشاء من عباده؛ أي: يُغني من يشاء حسب ما تقتضيه حكمته سبحانه، وهو ابتلاء من الله تعالى.
﴿وَيَقْدِرُ﴾: يفقر، أو يضيق على من يشاء؛ ابتلاءً لهم، وحسب الحكمة الإلهية، وحسب ما يصلح حال عباده.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والحال، والمستقبل.
﴿بِعِبَادِهِ﴾: الباء: للإلصاق.
﴿خَبِيرًا﴾: يعلم بواطن أمورهم، وخفايا صدورهم، ومصالحهم، فيرزقهم حسب مصالحهم.
سورة الإسراء [١٧: ٣١]
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾:
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾: ولا: الواو: استئنافية؛ لا: النّاهية.
﴿تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾: بالوأد، أو غيره من الطرق؛ مثل: الإجهاض، أو إسقاط الحمل.
﴿أَوْلَادَكُمْ﴾: تعني: الذكور، والإناث (البنين والبنات)؛ لأن قتل الأولاد هو اعتداء على إرادة الله، وحكمته.
﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: خوفاً من الإملاق، وهو شدة الفقر، والخشية تعني: الفقر لم يحدث بعد، وإنما مظنة أنه سيحدث في المستقبل؛ بينما في سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ﴾ [آية: ١٥]؛ أي: الفقر قد وقع، وهم الآن يعانون منه.
стр. 2770
﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾: أي: لا تقتلوا أولادكم سنرزقهم أولاً، ونرزقكم أيضاً، أو ترزقون برزقهم.
﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ﴾: إن: للتوكيد؛ قتلهم: بالوأد، أو غيره من الوسائل؛ كالإجهاض.
﴿كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾: خطئاً: الخطء: الإثم، أو الذنب العظيم؛ أي: قتلهم كان إثماً كبيراً.
أو خِطئاً: بكسر حرف الخاء، ولها معان أخرى بالإضافة إلى الإثم؛ منها: ضد الصواب؛ اسم من: أخطأ.
أو خطئاً: اشتقَّت من: خطا يخطو؛ أي: خروجاً عما تعارف عليه النّاس؛ أي: خروجاً عن العادة، والعرف. ولم يقل خَطأ: بفتح الخاء؛ لأن الإثم لا يكون إلا عن قصد وتعمد، وأما الخطأ بفتح الخاء هو السهو أو غير العمد وفعله أخطأ واسم الفاعل مخطئ كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وهذا يدل على أن قتلهم للأولاد إثم كبير.
﴿كَبِيرًا﴾: توكيد.
سورة الإسراء [١٧: ٣٢]
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية؛ لا: النّاهية.
﴿تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾: الزنى: هو الوطء من غير عقد شرعي، واستمرار عملية الزنى يسمى الفجور، وإذا استمر الفجور وأقامت الزانية مع الزاني يسمى السفاح، والسفاح للرجل والمرأة، أما البغاء: يطلق على المرأة التي تجاوزت حرم الله وتسمى البغي، تقربوا أشد وأبلغ في التحريم من قوله: لا تزنوا، أو حرم عليكم الزنى، أو لا تأتوا الزنى، ولو قال ذلك؛ لكانت عملية الزنى هي فقط المحرمة، وأما ما يجري من لقاءات، ومجون؛ لكان كله غير داخل في التحريم.
стр. 2771
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾: أي: لا تقربوا أسبابه من اختلاط، وخلوة، وعدم غض البصر.
﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾: إن: للتوكيد.
﴿كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة.
﴿فَاحِشَةً﴾: عمل شيء قبيح.
﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: ساء: فعل لإنشاء الذم يشبه بئس؛ لأنّه يؤدي إلى هتك الأعراض، واختلاط الأنساب، والاعتداء على الآخرين، وهدم الأسرة، وانتشار الأمراض الفتاكة، والفقر، والهوان، والفساد في الأرض، ونرى اقتران آيات قتل النفس التي حرم الله مع آيات الزنى، وذلك في سورة الإسراء والفرقان والممتحنة؛ قد يكون الاقتران إشارة إلى أن الزنى قد يؤدي إلى الحمل؛ فتلجأ المرأة إلى الاجهاض؛ لتغطية جريمة الزنى، وقتل الجنين حتى بعد الولادة أحياناً.
﴿سَبِيلًا﴾: طريقاً، ونهاية؛ لأنّه يؤدي إلى عذاب النّار، وبئس المصير.
وإذا قارنا هذه الآية من سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، مع الآية (٢٢) من سورة النّساء: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ زاد في هذه الآية مقتاً؛ لأنّه في آية الإسراء زنى بامرأة محرمة عليه، وفي آية النساء زنى بامرأة أبيه؛ فزاد مقابل ذلك مقتاً. ارجع إلى سورة النساء، آية (٢٢).
سورة الإسراء [١٧: ٣٣]
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾:
﴿وَلَا﴾: انظر في الآيات السّابقة.
стр. 2772
﴿تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: إلا: أداة حصر.
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق، والاستمرار، وبالحق تعني: القصاص من القاتل إذا لم يعفُ ولي المقتول، أو بالردة بعد الاستتابة، أو الثيب المحصن.
﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾: من: شرطية.
﴿قُتِلَ مَظْلُومًا﴾: أي: عدواناً، وظلماً، وعمداً، أما القتل الخطأ؛ فلا يدخل تحت حكم هذه الآية.
﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد.
﴿جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ﴾: لولي المقتول؛ اللام: لام التّعليل، والاختصاص، وقد يكون أباه، أو أخاه، أو الابن، أو العم، وإن لم يكن له ولي فالحاكم يتولى إقامة الحكم.
﴿سُلْطَانًا﴾: سلطان القوة، والقهر بالقصاص، والدية، أو العفو.
﴿فَلَا﴾: فلا: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّاهية.
﴿يُسْرِف فِّى الْقَتْلِ﴾: بأن يقتل غير القاتل، أو يعذب القاتل، أو يقتل أكثر من فرد، أو يقتل شريفاً بدلاً من عبد، أو رجلاً بدلاً من امرأة، ولا يمثّل بالجثة.
﴿إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾: إنه: للتوكيد؛ أي: ولي المقتول.
﴿مَنصُورًا﴾: لأنّه أعطي حق القصاص، والخيار.
سورة الإسراء [١٧: ٣٤]
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾: ارجع إلى الآية (٣٢) السّابقة، ولا تأكلوا مال اليتيم، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تسرفوا مال اليتيم.
стр. 2773
﴿مَالَ الْيَتِيمِ﴾: اليتيم: الّذي فقد أباه في سن الطفولة.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾: إلا بأحسن الطرق؛ فهو يحتاج إلى من يدبر، ويحسن التصرف بماله، وينمي ماله. ارجع إلى الآية (١٥٢) من سورة الأنعام؛ للبيان، وسورة النّساء، آية (٢).
﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: حتّى: حرف غاية، نهاية الغاية.
﴿يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: اختلف في معنى يبلغ أشده؛ فمنهم من قال: يبلغ سن الرشد، وهو (٢١ سنة)؛ أي: سلامة العقل، وحسن التصرف، أو يصبح قادراً على إنجاب مثله؛ أي: سن البلوغ.
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾: أي: أتموه، ولا تنقضوا عهودكم، والعهد: كل ما يلزمه، ويعقده الإنسان على نفسه باختياره؛ مثل: النذر، والباء: للإلصاق، والاستمرار، والتّوكيد.
﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾: إن: للتوكيد.
﴿كَانَ مَسْئُولًا﴾: أي: مسؤولاً عنه مطلوباً منه، وعلى المعاهد ألا يضيعه، ويفي به.
﴿الْعَهْدَ﴾: هو وعد مقرون بشرط، ويقتضي الوفاء، وهناك فرق بين العهد، والعقد؛ العهد: يكون بطرف واحد؛ كالنذر، أو ما يعاهد العبد ربه، أو يعاهده ربه على لسان نبيه؛ أما العقد: لا يتم إلا بطرفين متعاقدين، وهو أوثق، أو أبلغ من العهد.
стр. 2774
سورة الإسراء [١٧: ٣٥]
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾:
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾: أتموه، والكيل: المعايير لما يكال حجماً.
﴿إِذَا كِلْتُمْ﴾: أي: حين البيع، والشراء؛ أي: وقت كيلكم؛ للتأكيد على إتمامه، وعدم التأخير.
﴿إِذَا﴾: ظرف زمان للمستقبل متضمن معنى الشرط، وإذا: تعني: الحتمية.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: القسطاس: من القِسط، وهو العدل والحصة والنصيب، والغاية من الميزان: هو أن يأخذ كل إنسان نصيبه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩]، ودائماً يأتي الوزن مقروناً بالقسط، والقسطاس: هو الميزان، وزنوا بالميزان السويِّ العدل؛ الميزان الصغير؛ كميزان الذهب، أو الكبير (مثل: القبَّان) بأعدل الموازين.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾: ذلك: اسم إشارة، واللام: للبعد يشير إلى الوزن بالقسطاس، وإيفاء الكيل خير وأفضل لكم عند الله من التطفيف.
﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: عاقبةً، ومآلاً؛ أي: نتيجةً في الجزاء؛ تأويلاً: مشتقة من: آلَ؛ أي: رجع، أو ما يؤول إليه.
سورة الإسراء [١٧: ٣٦]
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾:
﴿وَلَا تَقْفُ﴾: لا: النّاهية؛ تقف: القفو: اتباع أثر الشخص، أو السير خلفه، والقيافة: تتبع الأثر، وقفوت الشّيء: أي: تبعت أثره.
﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾: من قول، أو فعل؛ أي: لا تقل ما لا تعلم، ولا بد من التحقق، والتثبت إذا جاءكم إنسان بخبر لمعرفة صدقه أو كذبه، أو حق، أو باطل.
стр. 2775
ويندرج تحت ذلك شهادة الزور، وقول الزور، وعدم الظن، والقذف.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ﴾: هذه الحواس كل إنسان مسؤول عنها، ويحاسب عليها، وقدم السمع على البصر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٧)، وسورة الملك آية (٢٣) لمعرفة السبب.
وأما الفؤاد: فقد قيل هو القلب، والحقيقة: الفؤاد هو الخلايا القلبية المتميزة والقادرة على الذكرى والشعور والحنان والعاطفة، وكأنها تشبه خلايا الذاكرة في الدفاع. ارجع إلى سورة الحج آية (٤٦) لمزيد من البيان.
﴿كُلُّ﴾: تفيد التّوكيد.
﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾: كل: أي: السّمع، والبصر، والفؤاد عبر عنها بأولئك؛ أي: أعطاها صفة العاقل العقل، والإدراك.
﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾: محاسب على كل واحدة منها، وكل منها سوف تشهد له، أو تشهد عليه يوم القيامة.
وقدم السّمع على البصر؛ ارجع إلى الآية (٧) من سورة البقرة؛ للبيان، وإلى سورة الملك، آية (٢٣)؛ للبيان.
سورة الإسراء [١٧: ٣٧]
﴿وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾:
﴿وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحًا﴾: في الأرض، ولم يقل على الأرض؛ لأنّ الطبقة الغازية المحيطة بالأرض جزء من الأرض.
﴿مَرَحًا﴾: بتكبُّر، وخيلاء، وفخر.
﴿إِنَّكَ لَنْ﴾: إن: للتوكيد؛ لن: تنفي المستقبل القريب والبعيد معاً.
стр. 2776
﴿تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾: في القريب، أو الزمن البعيد القادم؛ تعليل للنهي، ولن يحدث ذلك أبداً مهما حاول الإنسان، وفيه تهكم بالمختال؛ فقد دلت البحوث على أن قطر الأرض يبلغ حوالي (١٢، ٧٥٦ كم).
﴿تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾: لن تستطيع أن تحفر الأرض، أو تقطعها أو تنفذها إلا بقدر؛ فقد تبين أبعد ما وصل إليه الباحثون في الحفريات في عمق الأرض هو حوالي (٨ ميل)، أو (١٢ كم) فقط، ولم يتمكنوا بعدها من الحفريات؛ لأن أدوات الحفر بدأت تنصهر وتذوب بسبب شدة ارتفاع درجة الحرارة.
﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾: ولن: كالسّابقة.
﴿تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾: أي: لن تبلغ بطولك طول الجبال؛ أي: علوها؛ فهي أعلى منك؛ فقد أشارت الدراسات إلى أن ارتفاع جبال هيملايا (قمة أفرست) حوالي (٨، ٨ كم)؛ أي: (٥، ٥ ميل) من سطح البحر، وتكرار لن: تفيد التّوكيد، وفصل كل منهما عن الآخر: خرق الأرض، وبلوغ الجبال طولاً، ولذلك لا يجوز للعاجز في هاتين الحالتين أن يتكبر، ويختال، ويفخر؛ فالتواضع أفضل، والأرض والجبال أقوى منك؛ فإياك والغُرور.
سورة الإسراء [١٧: ٣٨]
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾:
﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾: كل: للتوكيد.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد؛ تشير إلى ما وصى، ونهى، وأمر به الله تعالى عباده في الآيات السّابقة (٢٣ - ٣٨) من سورة الإسراء. ذلك: تصلح للواحد، والجمع، والمؤنث، والمذكر.
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾: أي: السيئ: هو المكروه عند الله؛ أما الأمور الحسنة: مثل: بر الوالدين، وإيتاء ذي القربى، والوفاء بالعهد هذه أمور حسنة،
стр. 2777
ومخالفتها كعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم، وعدم الوفاء بالعهد يحولها إلى أمور سيئة.
﴿مَكْرُوهًا﴾: والمكروه عند ربك: هو المخالف لمنهج العبودية، والربوبية، والمخالف لما جاء به رسول الله ﷺ ، ويمكن تلخيص الآيات السّابقة بما يلي:
١ - عبادة الله وحده، وتحريم الشرك.
٢ - الإحسان إلى الوالدين.
٣ - إيتاء ذي القربى، والمساكين، وابن السبيل، والقول الميسور إذا تعذر الإيتاء.
٤ - عدم التبذير، والإسراف، وعدم البخل.
٥ - تحريم قتل الأولاد من الإملاق، أو خشية الإملاق.
٦ - تحريم الزنى.
٧ - تحريم قتل النفس إلا بالحق؛ حق القصاص؛ وتحريم الإسراف في القصاص.
٨ - تحريم أكل مال اليتيم.
٩ - الوفاء بالعهد.
١٠ - إيفاء الكيل، والميزان بالقسط (بالعدل).
١١ - التثبت من الأخبار، وتجنب الظن.
١٢ - تجنب التكبر، والخيلاء.
стр. 2778
سورة الإسراء [١٧: ٣٩]
﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد؛ تشير إلى ما سبق ذكره من الوصايا، والأوامر، والنواهي الإلهية، وكرر كلمة ذلك؛ للتوكيد، وذلك: تصلح للواحد، والجمع.
﴿مِمَّا﴾: مركبة من كلمتين: من: الابتدائية البعضية؛ وما: اسم موصول بمعنى: الذي، وما: أوسع في المعنى من: الذي.
﴿أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ﴾: أوحى: من الوحي: وهو الإعلام بخفاء، والوحي في الشرع: هو ما يُلقي الله إلى رسله من تكاليف وتعاليم وآيات، ووعد، ووعيد … وغيره.
﴿إِلَيْكَ رَبُّكَ﴾: الرب: هو الخالق المربي، والمدبر. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣) لمزيد من البيان في معنى الوحي.
﴿مِنَ الْحِكْمَةِ﴾: من: هنا بعضية؛ أي: بعض الحكمة، ولذلك أحد تعاريف الحكمة: هي التّكاليف الشّرعية، أو الفقه بأمور الدّين، ولتعريف الحكمة: ارجع إلى سورة النحل، آية (١٢٥).
﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: كرر النّهي عن الشرك مرة أخرى في أول آية؛ آية
стр. 2779
(٢٢)، وآخر آية؛ للتوكيد، وللتذكير بأن التّوحيد هو البداية والنهاية، والفاتحة، والخاتمة، وبدون الوحدانية لا تُقبل تلك الأعمال، وليس لها ثواب.
﴿فَتُلْقَى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾: ملوماً: أي: لا تجعل مع الله إلهاً آخر؛ أي: لا تشرك بالله تعالى؛ فيكون سبباً في إلقائك في جهنم موبخاً ملوماً على شركك. ارجع إلى الآية (٢٩) من السّورة نفسها.
انتبه إلى أول الآيات: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾ وآخر الآيات ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾.
الآيتان معاً جمعتا: مذموماً مخذولاً، ملوماً مدحوراً؛ أي: الشرك بالله يؤدي بصاحبه إلى الذم، والخذلان، واللوم، والبعد، والطرد من رحمة الله تعالى، وفي الآية الأولى: فتقعد، وفي الثّانية: فتلقى في جهنم، والإلقاء: يكون أولاً، ثم القعود.
فتقعد في جهنم خائر القوى عاجزاً لا تستطيع حتّى القيام.
ولذلك وصف الله الشرك بأنه ظلم عظيم للنفس، والذات، وجاءت الآيات الكثيرة في القرآن محذرة منه.
سورة الإسراء [١٧: ٤٠]
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾:
هذه الآية، والآيات القادمة تبين لنا بعض أنواع الشرك.
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾: الهمزة في "أصفاكم" للاستفهام، والإنكار، والتوبيخ، والفاء: للدلالة على شدة الإنكار، والتّوكيد، والتّهديد.
أصفاكم: من الاصطفاء. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٤٤)؛ لمعرفة
стр. 2780
معنى الاصطفاء، والمعنى العام: أي: اختار، وخصكم ربكم بالبنين، أو فضلكم على ذاته، وخص نفسه بالملائكة الإناث؛ كما يزعم بعض المشركين!
﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾: اتخذ: من أفعال التّحويل، والتّصيير؛ أي: جعل من الملائكة إناثاً.
وفي آية أخرى يقول الحق: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩].
وكذلك الآية: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧].
﴿إِنَّكُمْ﴾: إن: للتوكيد.
﴿لَتَقُولُونَ﴾: اللام، والنون: لزيادة التّوكيد.
﴿قَوْلًا عَظِيمًا﴾: أي: قولاً في منتهى العظم، والكفر، والشّرك، والجرأة على الله . ارجع إلى سورة الكهف، آية (٥)؛ للبيان.
سورة الإسراء [١٧: ٤١]
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق؛ أي: تحقق ذلك التّصريف.
﴿صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْآنِ﴾: صرفنا من التّصريف، والتّبيين؛ أي: صرفنا الآيات؛ أي: جئنا بها بصور شتى، وأساليب متعددة؛ حتّى تفهموا معانيها؛ أي: (آية واحدة) جئنا بها بصور مختلفة مثل: الرّيح، والرّياح، لواقح، عقيم، العاصفة، طيبة، وغيرها من أشكال الرّيح.
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه، وذا: اسم إشارة للقرب.
﴿الْقُرْآنِ﴾: لكونه مقروءاً، أو يقرأ؛ أي: عن قرب.
стр. 2781
﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾: اللام: لام التّعليل؛ يذكروا: من جديد بعد أن غفلوا عما أمرهم الله به، ونهاهم عنه، أو نَسُوا، وغفلوا عن اتباع الحق، وعن آيات الله، وبدلاً من أن يذكروا ازدادوا نفوراً.
﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾: ما: النّافية.
﴿يَزِيدُهُمْ﴾: ذلك التّذكير.
﴿إِلَّا نُفُورًا﴾: إلا: للحصر؛ ابتعاداً عن الهدى، والإيمان. والنفور: مشتق من نفور الدابة؛ أي: هروب الدابة خشية من الأذى كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥٠ - ٥١].
وإذا قارنا هذه الآية (٤١) مع الآية (٨٩) من السّورة نفسها.
الآية (٤١): ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾.
الآية (٨٩): ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.
نجد النّفور: يحدث أولاً، ثم يأتي الكفور ثانياً، أو يتلو النّفور الكفر؛ فَذكَر كلتا المرحلتين، وبدأ بالمرحلة الأولى (النّفور)، ثم المرحلة الثّانية (وهي الكفر).
سورة الإسراء [١٧: ٤٢]
﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِى الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ .
﴿لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾: لو: حرف امتناع لامتناع.
﴿مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾: أي: هناك آلهة أخرى غير الله مثل الشّمس، أو القمر، أو النّجوم، أو الملائكة، أو الأصنام، أو بشر، أو جن، أو غيرها.
﴿إِذًا﴾: حرف جواب.
стр. 2782
﴿لَّابْتَغَوْا﴾: اللام: لام التّوكيد.
﴿إِلَى ذِى الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾: أي: لو كان هناك آلهة كما يزعمون فهم سيبحثون عن الإله الواحد الحق؛ ليأخذوا، ويستمدوا منه القوة، أو لالتمسوا؛ أي: طلبوا إلى ذي العرش (صاحب العرش) طريقاً؛ سبيلاً؛ أي: لطلبت تلك الآلهة لنفسها القوى، والزلفى من الله تعالى؛ فهي غير قادرة على اتخاذ السبيل لنفسها؛ فكيف تستطيع أن تشفع، أو تقربكم إلى الله زلفى؟ أو لحاولت تلك الآلهة الاستيلاء على العرش، والوصول إليه بالقتال، والعداوة، والقهر.
سورة الإسراء [١٧: ٤٣]
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾:
﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيهاً له مطلقاً أن يكون له شريك، أو مثيل في الذات، والصفات، والأفعال، وتنزيهاً؛ أي: تبرئة له.
﴿وَتَعَالَى﴾: تعاظم. ارجع إلى سورة الحديد، آية (١)، وإلى الآية (١) من السّورة نفسها؛ لبيان معنى: سبحانه.
﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾: من وجود الشركاء، والولد، والبنات … وغيرها. يقولون، ولم يقل قالوا؛ لأنّهم استمروا في أقوالهم؛ فهي تتجدد، وتتكرر، ولم يكفوا عنها بعد.
﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾: تعالى سبحانه علواً كبيراً (مبالغة في البراءة عما يقولون) من أن له ولداً، أو شريكاً، أو بنتاً، أو الملائكة (إناثاً).
﴿كَبِيرًا﴾: تعني: كل ما سواه صغير، ولم يقل: أكبر الّذي يعني: ما دونه كبير؛ أي: مشارك له في الكبر، وهذا ليس صحيحاً.
стр. 2783
سورة الإسراء [١٧: ٤٤]
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ﴾: أي: تنزهه.
﴿السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾: من: للعاقل، وتشمل: المفرد، والمثنى، والجمع. ارجع إلى سورة الحديد، آية (١)؛ للبيان.
﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾: من مخلوقات؛ كالملائكة، والثقلين: الجن، والإنس؛ تسبح له كل المخلوقات؛ مثل: الشّمس، والقمر، والنّجوم، والجبال، والشجر، والدواب، والجمادات، والنباتات، تسبح، وتشهد بوحدانيته.
﴿وَإِنْ﴾: إن: نافية؛ وتعني: ما، وإن: أشد نفياً من: ما؛ أي: وما من شيء إلا يسبح بحمده.
﴿مِنْ﴾: ابتدائية استغراقية.
﴿شَىْءٍ﴾: اسم جنس، ونكرة يشمل كل شيء، والشّيء: هو أقل القليل.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾: تسبيح وحمد معاً، ولمعرفة معنى الحمد: ارجع إلى سورة الفاتحة، آية (٢).
﴿وَلَكِنْ﴾: أداة استدراك؛ تفيد التّوكيد.
﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾: التسبيح: هو تنزيه الله سبحانه عما لا يليق بذاته وأسمائه وصفاته من كل عيب ونقص، ويعني: تعظيم وتمجيد الله تعالى، فنحن نسمع تسبيحها ولكن لا ندرك أو نفهم ما تقول؛ فقد قال تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]؛ فكل شيء في الكون يعلم كيف يُصلي لله بطريقته الخاصة، ولغته الخاصة، ويسبحه، وعدم فقه تسبيحهم قد يكون رحمة بالعباد؛ فلو فهموا
стр. 2784
أو فقهوا تسبيح الأشياء الّتي يأكلونها لربما امتنعوا عن الأكل، وربما لم يستطيعوا أن يناموا لحظة من سماعهم ما تقول تلك المخلوقات حين نسمع أصواتها، أو غيرها من الآثار المترتبة على سماع وفهم تسبيح مخلوقات الله. وانظر إلى قوله تعالى: ﴿تَسْبِيحَهُمْ﴾، ولم يقل (تسبيحها): وصف الغير عاقل بالعاقل، وعاملها معاملة العاقل؛ لأن الله حين خلط مع العقلاء غيرهم جرى على أحدهما ما جرى للآخر إذا كان مشارك في المعنى.
﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾: إنه: للتوكيد.
﴿كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ كان، ولا زال، وسيبقى.
﴿حَلِيمًا﴾: لا يعجل بالعقوبة للغافل؛ لعله يذكر ربه، ويسبح، أو يتوب إلى ربه، ورفيقاً بعباده كثير الصبر والإناة.
﴿غَفُورًا﴾: لمن تاب، وأناب؛ كثير الغفران صيغة مبالغة؛ يغفر الذنوب جميعاً مهما كثرت، أو عظمت، والغفر؛ يعني: الستر، ثم يمحوها من كرمه، وفضله.
سورة الإسراء [١٧: ٤٥]
﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾
المناسبة: كما ذكر القرطبي؛ قيل: إن جماعة من كفار قريش منهم: أبو جهل، وأبو سفيان، وأبو لهب، وأم جميل كانوا يتنصتون على رسول الله ﷺ وهو يقرأ القرآن؛ ليسمعوا ما يقول، وكانوا يؤذونه؛ فحجب الله سبحانه عنهم سماع القرآن، وكذلك حجب الله سبحانه رسوله ﷺ عن أبصارهم عند قراءة القرآن؛ فكانوا يمرون به، ولا يرونه، ولا يسمعونه، ومثال على ذلك: حين نزلت سورة "تبت يدا أبي لهب"؛ فجاءت امرأة أبي لهب بحجر، والنّبي ﷺ مع أبي بكر؛ فقالت لأبي بكر: أين صاحبك الّذي هجاني؟ ولم تر رسول الله ﷺ ،
стр. 2785
وأخبرها أبو بكر بأن السّورة ليست من قوله. وقيل: نزلت في أبي سفيان، والنضر بن الحارث، وأبي جهل، كما روي عن ابن عبّاس ﵄.
﴿وَإِذَا﴾: ظرف زمان يتضمن معنى الشّرط، واستعمال إذا: يفيد حتمية الوقوع، وكثرة وقوعه.
﴿قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾: ولم يقل: ساتراً، بل: مستوراً؛ مبالغة في الستر، والإخفاء، وهذا الحجاب نفسه مستور، حجاب معنوي يمنعهم من سماعك، أو رؤيتك، كما قال تعالى: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢].
مستور: على وزن مفعول؛ أي: مانع للعين من الرؤية، ومانع للأذن أن تسمع، والقدرة الإلهية الّتي تُسير هذا الكون قادرة على أن تعطل أيَّ أداة عن أداء مهمتها؛ فلا عجب؛ فقد جعل النّار برداً وسلاماً على إبراهيم ﵇.
سورة الإسراء [١٧: ٤٦]
﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِى آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾:
﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾: كما جعل الله سبحانه على أعين كفار مكة حجاباً مستوراً لا ترى رسول الله ﷺ أحياناً، وعطل سمعهم أحياناً؛ كذلك جعل على قلوبهم أكنَّة: أغطية؛ جمع كنان: غطاء.
﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: أي: يفهموا القرآن يفهموا أسراره ومعانيه وحقائقه التي تبعث على الإيمان بالله وحده. أن: حرف مصدري للتعليل، وما جعل الله على قلوبهم أكنَّة؛ إلا بعد أن قالوا عن أنفسهم: قلوبنا في أكنَّة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر؛ أي: ثقل في السّمع؛ لكيلا يسمعوا هذا القرآن، أو ما يقوله رسول الله ﷺ سماع يُستفاد منه بالرجوع إلى طريق الهداية، والإيمان، والتّوبة.
﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾: أي: إذا ذكرت ربك وحده، ولم تذكر
стр. 2786
آلهتهم الّتي يظنون أنها ستشفع لهم، أو تقربهم من الله زلفى، أو قلت: لا إله إلا الله وحده، وذكرت آيات تدل على التّوحيد؛ خافوا مما سمعوا.
ثم ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾: (أعطوك ظهورهم)، وابتعدوا عنك فارين لا يريدون سماع ما تقول، ولا يريدون منك أن تذكر الله وحده.
سورة الإسراء [١٧: ٤٧]
﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾:
المناسبة: روي عن ابن عبّاس i أن جماعة من كفار مكة مثل النضر بن الحارث، وأبي سفيان، وأبي جهل، وغيرهم كانوا يجلسون إلى النّبي ﷺ ، ويستمعون إلى حديثه للاستهزاء به، أو التّعجب، أو لكي يلغوا في القرآن.
﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ سبب الاستماع: هو الاستهزاء، أو اللغو … وغيرها، والهاء: تعود للقرآن؛ أي: يستمعونه، وهناك فرق بين يستمعون به، ويستمع إليك؛ يستمع إليك تعني: ذكر الرسول، أو القصد الرسول، وحين يقول يستمعون به تعني: القرآن.
﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾: إذ: ظرف زماني؛ أي: وإذ هم ذوو نجوى؛ فكأن كل حالهم، وهمهم النجوى.
﴿هُمْ نَجْوَى﴾: يتحدثون سراً بينهم، ويقولون: رجل مسحور، أو ساحر، أو كاهن، أو مجنون.
وأحياناً يقولون: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو، ولا يُعلى عليه من السيرة النبوية لابن هشام، أو يقولون: إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً (اسم مفعول)؛ أي: سحره غيره، وفي مرات أخرى قالوا: ساحر، وهنا يقولون: مسحوراً سحره غيره.
стр. 2787
﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾: المشركون.
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾: إن: نافية أقوى في النفي من: ما.
﴿إِلَّا﴾: حصراً.
﴿رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾: أي: سحره غيره. ارجع إلى سورة طه، آية (٥٨)؛ لبيان معنى: السّحر.
فهم ما قالوا ذلك إلا بعد أن تأثروا بما جاء في القرآن، فشبهوا ذلك بالسّحر الّذي يؤثر في نفوس النّاس.
سورة الإسراء [١٧: ٤٨]
﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾:
﴿انظُرْ كَيْفَ﴾: استفهام فيه معنى التّعجب.
﴿ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾: لك: اللام: لام الاختصاص؛ لك: خاصة، وليس لغيرك؛ أي: أنت وحدك الّذي اتهموه بكل هذه الأمثال؛ فقالوا ساحر، شاعر، مجنون، كاهن. ارجع إلى سورة النحل آية (٧٤ - ٧٥) لمزيد من البيان في معنى المثل.
﴿فَضَلُّوا﴾: الفاء: عاطفة؛ ضلوا: عن الصّواب، ولم يهتدوا إلى الحق، ولم يجدوا مخرجاً إلا هذه الافتراءات.
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتأكيد؛ لا: النّافية.
﴿يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾: ليس لهم القدرة، والاستطاعة أن يصدوا أحداً عن سبيل الله، أو عن رسول الله ﷺ ، أو الدخول في الدّين إذا شاء الله بأي وسيلة، أو طريقة يملكونها.
﴿سَبِيلًا﴾: نكرة؛ أيّ سبيل، أو طريقة يستعملونها.
стр. 2788
سورة الإسراء [١٧: ٤٩]
﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾:
﴿وَقَالُوا أَإِذَا﴾: أإذا: الهمزة: استفهام إنكاري، وتعجب، واستبعاد؛ أي: قال المشركون منكرو البعث.
﴿كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾: ولم يقولوا هذه المرة تراباً وعظاماً، وإنما قالوا: عظاماً ورفاتاً، فقط في سورة الإسراء ذُكرت العظام، والرفات، والأصل: تراباً، وعظاماً، وليس عظاماً ورفاتاً؛ لأننا إذا بحثنا في القبر نجد التّراب، وتحته العظام؛ فالعظام، والرفات: هي ناتجة عن تكسر العظام وتفتتها، وهي تدل أو تشير إلى مرحلة متأخرة جداً بعد الموت تلي مرحلة التراب والعظام.
والعظام: جمع عظم، وتتكسر العظام، ثم تتفتت على مرور السنين.
والرفات: هو الفتات (فتات العظام) وهم قالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾؛ لأن بعضهم أحضر إلى رسول الله ﷺ عظماً بالياً وكسره وسئل رسول الله ﷺ كما قال تعالى في سورة ياسين آية (٧٨) ﴿قَالَ مَنْ يُحْىِ الْعِظَامَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾.
فهؤلاء المشركون ومنكرو البعث يستبعدون أنهم بعد موتهم، وتحولهم إلى عظام ورفات أنهم سوف تعاد لهم الحياة، ويُبعثون من قبورهم للحساب، والجزاء.
﴿أَإِنَّا﴾: استفهام إنكاري، واستبعاد.
﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ مخلوقون من جديد.
﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾: بعد الموت.
стр. 2789
سورة الإسراء [١٧: ٥٠]
﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾:
قل لهم يا محمّد ﷺ : لو كنتم حجارة، أو حديداً بدلاً من العظام، والرفات، أو أي شيء بين الحجارة، أو الحديد؛ فإن الله سبحانه قادر على بعثكم خلقاً جديداً للحساب، والجزاء، ولن تفلتوا من عقابه.
سورة الإسراء [١٧: ٥١]
﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾:
﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ﴾: التّحدي ازداد لمنكري البعث بأبعد من الحجارة، أو الحديد: بأن يختاروا خلقاً حسب ما يتصورونه، ويكون أصعب، أو أبعد التّصورات من الحديد، أو الحجارة؛ مهما كان نوعه، وشكله أعظم شيء يمكن تصوره، أو تخيله بعيداً عن قابلية الحياة.
﴿فِى صُدُورِكُمْ﴾: في نفوسكم.
﴿فَسَيَقُولُونَ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ سيقولون: السين: للاستقبال القريب.
﴿مَنْ يُعِيدُنَا﴾: إلى الحياة، أو يبعثنا.
﴿قُلِ الَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ : الّذي فطركم (خلقكم) أول مرة.
стр. 2790
﴿فَطَرَكُمْ﴾: أخرجكم أظهركم للوجود من: تفطر الشجر؛ أي: تشقق بالورق.
﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾: فسينغضون: الفاء: للترتيب، والتعقيب، والمباشرة، والسين: للاستقبال القريب؛ ينغضون إليك رؤوسهم: يحركون رؤوسهم كما نفعل حين نرد على سؤال ما بدون النطق نحرك الرأس من الأعلى إلى الأسفل، وتعني: نعم، أو من الأسفل إلى الأعلى، وتعني: كلا، أو لا.
نغض الرأس: حركة الرأس بارتفاع، أو انخفاض تعجباً، أو استهزاءً أحياناً.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾: أي: متى سيكون البعث، والإعادة.
﴿مَتَى﴾: للاستفهام الزماني، وفيها معنى الاستنكار، والتعجب، والاستبعاد؛ لحصول البعث.
﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾: عسى: للطمع، والتّرجي، والمتوقع حدوثه:
﴿أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾: أن: للتوكيد.
﴿يَكُونَ قَرِيبًا﴾: بدون طول انتظار.
سورة الإسراء [١٧: ٥٢]
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾: بالنّفخة الثّانية: نفخة البعث؛ يدعوكم للخروج، أو للبعث من القبور؛ كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥].
﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾: فتستجيبون: الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ تستجيبون: للداعي، وهو إسرافيل ﵇؛ تستجيبون: تجيبون دعوة الداعي بمشقة وجهد.
стр. 2791
﴿بِحَمْدِهِ﴾: الباء: للإلصاق، والتّعليل؛ بحمده؛ أي: بأمره، أو حامدين لله شاكرين له؛ أي: تقومون طائعين تحمدون الله الّذي طالما أعلمكم بهذا اليوم، أو بالبعث.
﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: وتظنّون: من الظن، وهو الخبر الراجح (نسبة الإثبات أعلى من نسبة النّفي).
﴿إِنْ لَّبِثْتُمْ﴾: إن: للنفي أشد نفياً من حرف: ما؛ أي: ما لبثتم، واللبث: الإقامة المقترنة بزمن محدد مقارنة بالمكث الغير محدد بزمن معين.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: أداة حصر، قليلاً من الزّمن؛ لأنّه سبحانه قادر على قبض الزّمن، وبسطه في آن واحد، وقادر على جمع الضدين، كما حدث في قصة الّذي مر على قرية، وهي خاوية على عروشها، وكقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦].
سورة الإسراء [١٧: ٥٣]
﴿وَقُلْ لِّعِبَادِى يَقُولُوا الَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾:
﴿وَقُلْ لِّعِبَادِى﴾: يا محمّد ﷺ .
﴿لِّعِبَادِى﴾: اللام: لام الاختصاص؛ عبادي: أي: الّذين آمنوا، الطبقة المؤمنة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٨٦)؛ لمعرفة الفرق بين عبادي وعبيد وعباد.
﴿يَقُولُوا الَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾: قيل: الّتي هي أحسن هي: لا إله إلا الله، وتشمل كل الأقوال الحسنة؛ "يقولوا الّتي هي أحسن": على وزن أفعل؛ أي: أفضل عند حديثهم مع بعضهم، أو عند محاورتهم للمشركين، أو غيرهم من النّاس.
стр. 2792
﴿أَحْسَنُ﴾: تشمل كل حسن، وحكمة.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾: إن: للتوكيد.
﴿الشَّيْطَانَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٦) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾: النزغ: هو الإهاجة، والإثارة بأن يهيج، ويثير الغضب بعضهم على بعض؛ حتّى تحدث العداوة بينهم، أو يفسد بينهم بالوسوسة، والطعن، والغيبة.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾: إن: للتوكيد.
﴿كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾: كان: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ كان، ولا يزال، وسيبقى.
﴿لِلْإِنسَانِ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ الإنسان: مشتقة من الإنس؛ أي: الإلفة.
﴿عَدُوًّا مُبِينًا﴾: أي: بين العداوة عدواً ظاهر العداوة عداوته لا تخفى على كل فرد، وعداوته لا تحتاج إلى برهان، أو دليل. ومبيناً: صفة مشبهة من فعل أبان.
سورة الإسراء [١٧: ٥٤]
﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾:
﴿رَّبُّكُمْ﴾: الرب: هو الخالق، والمربي، والمدبر، ورب المؤمن، والكافر، ورب كل شيء.
﴿أَعْلَمُ بِكُمْ﴾: الخطاب هنا للكل، أو قد يكون للمشركين، أو للمؤمنين. أعلم بكم: أعلم بالمؤمن، أو غير المؤمن، والطائع، والعاصي؛ أعلم بإيمانكم، وبأعمالكم، وأحوالكم، وتقلبكم، وأعلم بحسناتكم، وسيئاتكم، وذنوبكم.
стр. 2793
﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾: إن: شرطية؛ يشأ: من المشيئة الّتي تسبق الإرادة، والمشيئة لا تتغير.
فإذا كان الخطاب للمؤمنين يرحمكم: بالتوبة، ويغفر لكم ذنوبكم، ويرحمكم في الدّنيا، والآخرة بكثير من أنواع الرّحمة، أو أن يعذبكم بكثير من أنواع العذاب.
وإذا كان الخطاب للمشركين العاصين يرحمكم: يهديكم للإيمان، أو يعذبكم في الدّنيا، والآخرة بأنواع كثيرة من أنواع العذاب، أو يميتكم على الكفر.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾: ما: النّافية؛ أرسلناك: يا محمّد ﷺ . ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩) لبيان معنى الإرسال والبعث.
﴿عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾: أي: ليس موكلاً إليك أمرهم عنا لكي تجبرهم على الإسلام، والإيمان، أو مسؤول عن إيمانهم، أو مؤاخذ على أفعالهم، أو ليس موكلاً عليك الدفاع عنهم؛ لأنّ الوكيل يدافع عن موكله؛ أي: لتدافع عنهم يوم القيامة؛ أي: أنت لست وكيلاً عليهم ولست وكيلاً عنا.
وهذا من رأفة الله تعالى، ورحمته برسوله ﷺ ، وليس انتقاصاً من قدره؛ لأنّه كان ﷺ باخعاً نفسه، وحريصاً على إيمانهم. وإذا قارنا هذه الآية مع قوله تعالى ﴿أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]؛ حفيظاً: تعني لكي تحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها.
سورة الإسراء [١٧: ٥٥]
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّنَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾:
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ﴾: على وزن أفعل التفضيل؛ تدل على المبالغة في العلم، والله كذلك عليم، والله عالم الغيب، والشهادة، وأجاز لمن دونه أن يتصف
стр. 2794
بالعلم؛ فوصفه بالعالم؛ أي: العالم كذا، والله علام الغيوب؛ فهو سبحانه عليم، وعالم، وعلام؛ يملك كل درجات العلم سبحانه.
﴿بِمَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: بمن: الباء: للإلصاق، ومن: للعاقل، وتشمل المفرد والمثنى والجمع والذكر والأنثى من الإنس، والجن، والملائكة أعلم بأحوالهم، وسبل عيشهم، وإيمانهم، وموتهم.
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد.
﴿فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّنَ عَلَى بَعْضٍ﴾: فضلنا: بالقرب من الله، وبالدرجة في الجنات، والله سبحانه له الأمر، والتفضيل؛ لأنّه سبحانه يعلم بواطن الأمور (خبير)، وظواهرها. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥٣) لمزيد من البيان في الفضل والكيفية.
﴿النَّبِيِّنَ﴾: تشمل الرّسل، والأنبياء؛ فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً.
وذكر تفضيل الرّسل في آية أخرى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾: الزبور: الكتاب الّذي أنزل على داود، وهو كتاب دعاء، وتحميد، وتمجيد ليس فيه من الفرائض، والحدود، أو الحلال، والحرام.
والزبور: تطلق على كل كتاب أنزله الله سبحانه. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان في معنى: زبوراً، ولماذا خص داود بالذكر عقب تفضيل بعض الأنبياء على بعض، ولم يذكر نبياً من أولي العزم؟ الله أعلم، وقد يكون السبب لأنه كان ملكاً رسولاً بعد أن كان راعياً للغنم.
стр. 2795
سورة الإسراء [١٧: ٥٦]
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾:
سبب نزولها: أن نفراً من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن، كما روى ابن مسعود، وأخرجه البخاري. وقيل: أن المشركين كانوا يعبدون الآلهة، أو الملائكة، وغيرهم من الشّركاء؛ فلما ابتلوا بالقحط سبع سنين، وراحوا يشكون حتّى أكلوا الكلاب، والجيف، وضاقت السبل قيل لهم:
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ﴾: أي: من غير الله، على سبيل التهكم؛ من الملائكة، والأصنام، وعيسى، أو الجن، أو المعبودين حتّى يطعموكم، أو ينزلوا الغيث عليكم، أو يكشفوا الضر عنكم، والعبرة بعموم اللّفظ، وليس بخصوص السّبب.
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّافية.
﴿يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ﴾: فلا يقدرون إزالة، أو إيقاف الضّر من الفقر، والجوع، والمرض، والبؤس.
﴿يَمْلِكُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ لتدل على التّجدد، والاستمرار.
﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾: ولا يقدرون على تحويل الضر عنكم إلى غيركم، أو تحويل العسر إلى يسر، أو تحويل الضر إلى النافع.
وتكرار (لا) مرتين: تفيد التّوكيد لا كشف الضر، ولا تحويله، ولا كليهما.
سورة الإسراء [١٧: ٥٧]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد (سواء عيسى، أو الملائكة، أو عزير، أو الجن).
стр. 2796
﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾: أي: هم أنفسهم يدعون.
﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾: أي: يطلبون أو يلتمسون القربى من الله تعالى بالطاعة، والعبادة، والدعاء؛ جاءت بالمضارع؛ لتدل على التّجدد، والاستمرار.
﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾: جنته، أو دفع الضر عن أنفسهم، والوقاية من وقوع العذاب بهم.
﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾: عذاب النّار (عذاب الآخرة)، أو الأخذ بالعذاب في الدّنيا.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾: من الحذر؛ أي: أن عذاب ربك مُحذر منه، يُخاف منه ويُبتعد عنه، بينما المحظور: الممنوع، والحظر: هو المنع (فالعطاء محظور، والعذاب محذور)؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠].
سورة الإسراء [١٧: ٥٨]
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾:
انتبه إلى هذه الآية الّتي تخبر بحكم مطلق بتعذيب كل قرية، أو إهلاكها قبل يوم القيامة، والإطلاقات في بعض الآيات القرآنية تقيدها آيات أخرى، وعلى سبيل المثال هذه الآية الّتي تقيدها آيتان هما قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾: وإن: الواو: استئنافية؛ إن: نافية أشد نفياً من: ما؛ أي: وما من قرية.
стр. 2797
﴿مِنْ﴾: ابتدائية استغراقية.
﴿قَرْيَةٍ﴾: تعني: أهل القرية، والبناء، وكما قلنا: من قرية؛ أيّ قرية ظالمة، أما القرية غير الظالمة، والقرية الّتي أهلها غافلون، أو مصلحون؛ فلن تعذب، أو تهلك قبل يوم القيامة.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿نَحْنُ﴾: بصيغة التّعظيم؛ للدلالة على شدة الهلاك.
﴿مُهْلِكُوهَا﴾: بالاستئصال. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٤) لبيان معنى الهلاك.
﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾: من التعذيب، والتعذيب يكون قبل الاستئصال، ويتم بالألم، والجوع، والصواعق، والكوارث الجوية، وفيه عطف الخاص على العام.
﴿كَانَ ذَلِكَ﴾: العذاب، والهلاك.
﴿فِى الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾: أي: مسجلاً في اللوح المحفوظ؛ منذ الأزل.
стр. 2798
سورة الإسراء [١٧: ٥٩]
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾:
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾: ما: النّافية.
﴿مَنَعَنَا﴾: لا يمنع الله سبحانه أيُّ شيء، واستعمل منعنا بدلاً من صرفنا؛ أي: وما صرفنا عن إرسال الآيات الّتي طلبوها، أو المعجزات الّتي اقترحوها مثل تحويل الصفا إلى ذهب، أو أن ينحّي عنهم جبال مكة كي يزرعوا ويحصدوا، كما أخرج الإمام أحمد وغيره عن ابن عباس، أو غيرها من الآيات الّتي سيأتي ذكرها في الآيات القادمة (٩٠ - ٩٣)، والآيات تعني: المعجزات.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾: أي: ما صرفنا عن الاستجابة إلى طلبهم بإرسال الآيات الّتي اقترحوها إلا تكذيب الأولين الّذين سبقوهم بتلك المعجزات، أو الآيات؛ لأنّه لو أرسلنا تلك الآيات، واستجبنا لما طلبوه، ولم يؤمنوا بعدها، لَحقَّ عليهم العذاب، وهلكوا كما حدث لقوم ثمود الّذين ظلموا بها؛ أي: بالنّاقة الّتي أرسلت إليهم كآية:
﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾: وأرسلنا إلى ثمود النّاقة؛ كآية معجزة دالة على صدق نبوة صالح. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لبيان معنى الإيتاء والعطاء.
﴿مُبْصِرَةً﴾: بينة، واضحة على نبوة صالح، وصدق ما دعاهم إليه، ونسب
стр. 2799
الإبصار إلى الناقة؛ لأنها كانت سبباً كافياً للدلالة لإبصار طريق الهدى والإيمان؛ مبصرة كالنهار، مبصراً بنوره، وهم عمون عن الحق.
﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ ظلموا بها؛ أي: بالنّاقة كآية؛ أي: جحدوا بها، وكذبوا بها، ولم يمتثلوا أوامر نبيهم صالح؛ فأخذتهم الصيحة؛ ﴿فَأَصْبَحُوا فِى دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧]. والسؤال لماذا خص ثمود بالذكر دون غيرهم؛ لأن قصة ثمود وآية الناقة التي أرسلت إليهم اشتهرت بين العرب، ولأن آثار ديارهم لا زالت قائمة بين مكة والشام، ويمكن الوصول إليها ورؤيتها.
﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾: أي: ما نرسل بالآيات؛ آيات التنزيل، أو المعجزات، أو الكونية إلا حصراً، وقصراً؛ لتخويف العباد؛ كي يتذكروا، أو يتعظوا، أو يصحوا من سباتهم، ويتوبوا إلى الله، ويؤمنوا به، وبما أُنزل عليهم من الآيات وتشمل الآيات الكونية، والزلازل، والبراكين، والأحداث الجوية.
﴿إِلَّا تَخْوِيفًا﴾: أي: إنذاراً؛ أي: وما نرسل بآيات القرآن إلا تحذيراً، وإنذاراً بعذاب الآخرة، والخوف: هو توقع الضرر المشكوك في وقوعه، وأما الحذر: فهو توقي الضرر سواء أكان ظناً أم يقيناً.
سورة الإسراء [١٧: ٦٠]
﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّءْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ﴾: ظرف زمان للماضي؛ أي: واذكر إذ قلنا لك، أو حين قلنا لك، أو أوحينا إليك.
﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾: إن: للتوكيد.
﴿رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾: أي: أحاط بعلمه، وبقدرته؛ أي: إحاطة علم، وقدرة؛ أي: الكل في قبضته، ولا بد من كليهما معاً.
стр. 2800
﴿بِالنَّاسِ﴾: الجن، والإنس معاً. وقيل: "إن ربك أحاط بالنّاس": بشرناك بما سيحدث في معركة بدر؛ سيهزم الجمع، ويولون الدبر.
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّءْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ﴾: اختلف المفسرون في هذه الرؤيا على عدة تفاسير:
١ - ما رأى رسول الله ﷺ في منامه ليلة بدر حيث رأى مصارع القوم مصرع فلان، وفلان من قريش؛ فسمعت قريش فكانوا يسخرون ويضحكون من تلك الرؤيا الّتي كانت فتنة للناس من حيث التّصديق، أو التّكذيب بها. أخرجه مسلم، وأحمد في مسنده من حديث أنس ﵁.
٢ - رؤيا الإسراء، والمعراج: وسميت رؤيا؛ لأنّها وقعت بالليل فما كان من قريش إلا أن أنكروا ذلك، وكذبوا رسول الله ﷺ عندما أخبرهم بما حدث، كما روى عكرمة عن ابن عباس وغيره من الصحابة، وهذا هو المرجح، وهي رؤيا بصرية حقة، وليست رؤيا منامية حصلت باليقظة.
﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾: إلا: أداة حصر؛ فتنة للناس: ابتلاءً واختباراً.
﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ النّاس: قريش، ومن حولهم.
﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْآنِ﴾: أي: شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٤ - ٦٥]، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣]؛ حيث قال أبو جهل وأصحابه استهزاءً بها وسخرية منها: إن محمد يعدكم بالزقوم ولا نعرف الزقوم إلا التمر والزُّبدُ لنتزقمها تزقماً، كما روى ابن عباس، وكما روى قتادة: ووصفت بالشجرة الملعونة: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] في أبعد مكان من الرّحمة، أو العرب تقول لكل طعام مكروه: ملعون. قول: طعام الأثيم؛ الأثيم: لا شك هو ملعون، وهي طعام الأثيم، وهي آية من آيات الله الدّالة على قدرته؛ فهي تنبت في أصل الجحيم؛
стр. 2801
تنبت في النّار، وأعدت لإطعام الأثيم؛ فهي شبهت برؤوس الشياطين لقبحها، ولكونها مخيفة، والتي رآها رسول الله ﷺ في الإسراء والمعراج.
﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾: ونخوفهم: بالآيات، أو بالعذاب، ونخوفهم بالصواعق، والبراكين، والريح العقيم، والصيحة.
﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ﴾: تخويفنا، أو إرسال الآيات.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾: الطغيان: تجاوزهم الحد في الضّلال، والظلم، والشرك، والكفر، وبعداً عن الدين.
سورة الإسراء [١٧: ٦١]
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾:
﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾: إذ: ظرف زمان للماضي؛ أي: واذكر إذ قلنا، أو اذكر حين قلنا.
﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾: سجود طاعة لله، أو تحية، وليس سجود عبادة.
﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾: الفاء: تدل على المباشرة، سجدوا مباشرة.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع؛ لأن إبليس ليس من الملائكة، وإنما من الجن.
﴿إِبْلِيسَ﴾: هو أبو الجن؛ كان من الجن ففسق عن أمر ربه، وله ذرية هم الجن، كما أن آدم أبو البشر. إبليس: اسم أعجمي ممنوع من الصرف، وقيل: مشتق من الإبلاس؛ لأن الله سبحانه أبلسه من رحمته، وآيسه من مغفرته، سجدوا تعني: الملائكة الموكلين بذرية آدم.
стр. 2802
﴿قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾: قال إبليس: أأسجد: الهمزة همزة استفهام إنكاري، وتعجب، واستبعاد؛ لأنّه ظن نفسه أفضل من آدم؛ لكونه خلق من نار، وآدم خلق من طين. ارجع إلى سورة الحجر، آية (٢٨)؛ للبيان.
سورة الإسراء [١٧: ٦٢]
﴿قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
﴿قَالَ﴾: إبليس.
﴿أَرَءَيْتَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ﴾: أرأيتك: الهمزة: همزة استفهام، وإنكار، وتعجب؛ أرأيتك: الرؤية هنا تعني: رؤية قلبية، وممكن أن تكون بصرية؛ أي: أخبرني، وأعلمني بالتأكيد عن هذا الّذي كرَّمته عليَّ، وأنا أفضل منه، وأصابني بسببه ما أصابني.
﴿هَذَا الَّذِى﴾: هذا: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة يشير إلى آدم
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول مختص بالمفرد المذكر.
﴿كَرَّمْتَ عَلَىَّ﴾: فضَّلت عليَّ، وكرَّمت أشد بلاغاً، وتوكيداً؛ أشد تكريماً من القول: أكرمت عليَّ.
﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾: لئن: اللام: للتوكيد؛ أخرتن: ولم يقل أخرتني؛ حذف الياء؛ لأن تأخير إبليس ليس طلباً لطول عمره؛ أي: من أجل نفسه، وإنما يريد التأخير للإضلال، والإغواء لبني آدم؛ فهو تأخير ليس فيه نفع لإبليس نفسه، وتأخير سيجلب له زيادة في العذاب، ولو كان التّأخير فيه فائدة ومصلحة له لقال أخرتني مقارنة بقوله تعالى: ﴿أَخَّرْتَنِى إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] حيث التأخير هنا كائن لمصلحة؛ أي: فائدته والطلب في هذه الآية طلب صريح بينما الطلب في آية الإسراء هو شرط.
стр. 2803
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: إلى حرف غاية.
﴿يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أي: يريد أن ينجو من نفخة الصعق، والموت، ويبقى حياً إلى يوم القيامة (نفخة البعث) النفخة الثّانية.
﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾: لأحتنكن: اللام: لام التّوكيد؛ ذريته: أي: نسل آدم؛ أحتنكن لها عدة معان منهم من قال: اشتقت من حنك الدابة، وتعني: وضع اللجام في فمها حتّى يمكن السيطرة عليها، وتوجيهها حيث يريد الراكب عليها؛ أي: يصبح كالدابة يسيره كيف يشاء، أو احتنك الجراد الأرض؛ أي: أكل نباتها، وأتى عليها؛ فيصبح معنى الاحتناك هو: الاستيلاء، والاستئصال؛ أي: أستولي على كل ضعيف إيمان، ومشرك، وكافر فأضله، وأغويه؛ حتّى أورده مورد التّهلكة؛ فيصبح لجهنم حطباً؛ (وقوداً لجهنم)، ومعنى ذلك: الاستئصال.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: إلا: أداة استثناء.
﴿قَلِيلًا﴾: أي: إلا عبادك منهم المخلِصين.
سورة الإسراء [١٧: ٦٣]
﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا﴾:
﴿قَالَ﴾: الله لإبليس.
﴿اذْهَبْ﴾: فعل أمر يحمل معنى: الطرد، والإبعاد.
﴿فَمَنْ﴾: الفاء: للتأكيد؛ من: استغراقية تستغرق كل من تبعك، وشرطية، وجوابها: فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً.
﴿تَبِعَكَ﴾: ساروا وراءك، واتبعوا خطواتك؛ أي: استجابوا لك، وأطاعوك.
﴿مِنْهُمْ﴾: من الإنس، والجن.
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: رابطة للجواب.
стр. 2804
﴿جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾: ولم يقل: جزاؤهم؛ لأنّ إبليس مخاطب كذلك، وداخل معهم، وفي حكمهم.
﴿جَزَاءً مَّوْفُورًا﴾: وافياً كاملاً فيه من كل أنواع العذاب، والجزاء في الأصل المماثلة؛ أي: من جنس العمل، ويشمل العقاب والثواب.
سورة الإسراء [١٧: ٦٤]
﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾:
﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾: من: فز؛ أي: قم، وحرك، أو انهض، وحرض، وحث.
﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾: من: ابتدائية استغراقية، كل من استطعت.
﴿بِصَوْتِكَ﴾: بوسوستك.
﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾: أجلب: صِح عليهم، أو صِح بهم راكباً كنت أو ماشياً؛ يصور الله سبحانه حالة الشيطان في تسلطه على الغاوين بالفارس الّذي يصيح بجنده، ويشجعهم للهجوم على الأعداء، ودحرهم.
﴿وَشَارِكْهُمْ فِى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾: كيف يشاركهم؟ بأن يزين لهم المال الحرام، والربا؛ فيأخذوه، والسرقة، وأكل مال اليتيم؛ فتقلّ بركة المال، أو يصرف في التبذير، والمعاصي، والرذيلة، وزين لهم الزنى، وعقوق الوالدين، ووأد البنات.
﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: عدهم بالأماني الكاذبة، وطول العمر، وزين لهم الباطل في صورة الحق.
﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: ما: النّافية.
﴿الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: إلا: أداة حصر؛ يعني: ما يعدهم إلا باطلاً.
والغرور: الخداع، غرَّ فلان فلاناً؛ أي: خدعه، وأصل الغرور تزيين الباطل بما يوهم بأنه حق، مثال شفاعة الآلهة لهم شفاعة باطلة فالآلهة لا تنفع، ولا تضر،
стр. 2805
والتسويف بتأجيل التّوبة، والاتكال على الرّحمة، ولا جنة، ولا نار، وفي الآية انتقال من صيغة المخاطب إلى صيغة الغائب للتوكيد؛ أي: تحول من مخاطبة الشيطان إلى مخاطبة النّاس بصيغة الغائب ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ بدلاً من قوله: وعدهم، وما يعدكم الشّيطان إلا غروراً؛ لأن ما يعدهم بصيغة المضارع؛ لتدل على التجدد والتكرار وهو الغرور، والتزيين، والوهم، والباطل، والشّيطان يسمى الغَرور: بفتح الغين.
سورة الإسراء [١٧: ٦٥]
﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾:
﴿إِنَّ عِبَادِى﴾: إن: للتوكيد.
﴿عِبَادِى﴾: عبادي: هم الطبقة من الّذين آمنوا، واختاروا طريق الإيمان بأنفسهم؛ فشرفهم الله تعالى، فقال: عبادي، وليس عبيد؛ الكل عبيد، وعبادي هم الطبقة المؤمنة، وعبادِ هم أعلى درجة من عبادي، وهم المؤمنون حقاً. ارجع إلى سورة الزمر، آية (١٨)؛ للبيان.
﴿لَيْسَ لَكَ﴾: ليس: أداة نفي.
﴿لَكَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والخطاب لإبليس.
﴿عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾: أي: ليس لك على عبادي سلطان، سواء أكان سلطان الحجة، والبرهان، أو سلطان القهر، والغلبة؛ لحملهم على المعصية؛ أي: سواء بالحجة، والتزيين في القول، أو الوسوسة، والنزغ، أو بالقوة، والغلبة.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾: وكفى؛ أي: هو كافيك، ولا تحتاج إلى سواه في الدّنيا، ولا في الآخرة.
﴿بِرَبِّكَ﴾: الباء: للاهتمام، والتوكيد.
﴿وَكِيلًا﴾: الكافي، والقائم بأمور العباد، والموكول إليه تدبير كل أمر، أو شيء.
следующие страницы →