Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
تنبت في النّار، وأعدت لإطعام الأثيم؛ فهي شبهت برؤوس الشياطين لقبحها، ولكونها مخيفة، والتي رآها رسول الله ﷺ في الإسراء والمعراج.
﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾: ونخوفهم: بالآيات، أو بالعذاب، ونخوفهم بالصواعق، والبراكين، والريح العقيم، والصيحة.
﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ﴾: تخويفنا، أو إرسال الآيات.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾: الطغيان: تجاوزهم الحد في الضّلال، والظلم، والشرك، والكفر، وبعداً عن الدين.
سورة الإسراء [١٧: ٦١]
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾:
﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾: إذ: ظرف زمان للماضي؛ أي: واذكر إذ قلنا، أو اذكر حين قلنا.
﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾: سجود طاعة لله، أو تحية، وليس سجود عبادة.
﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾: الفاء: تدل على المباشرة، سجدوا مباشرة.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع؛ لأن إبليس ليس من الملائكة، وإنما من الجن.
﴿إِبْلِيسَ﴾: هو أبو الجن؛ كان من الجن ففسق عن أمر ربه، وله ذرية هم الجن، كما أن آدم أبو البشر. إبليس: اسم أعجمي ممنوع من الصرف، وقيل: مشتق من الإبلاس؛ لأن الله سبحانه أبلسه من رحمته، وآيسه من مغفرته، سجدوا تعني: الملائكة الموكلين بذرية آدم.
стр. 2802
﴿قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾: قال إبليس: أأسجد: الهمزة همزة استفهام إنكاري، وتعجب، واستبعاد؛ لأنّه ظن نفسه أفضل من آدم؛ لكونه خلق من نار، وآدم خلق من طين. ارجع إلى سورة الحجر، آية (٢٨)؛ للبيان.
سورة الإسراء [١٧: ٦٢]
﴿قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
﴿قَالَ﴾: إبليس.
﴿أَرَءَيْتَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ﴾: أرأيتك: الهمزة: همزة استفهام، وإنكار، وتعجب؛ أرأيتك: الرؤية هنا تعني: رؤية قلبية، وممكن أن تكون بصرية؛ أي: أخبرني، وأعلمني بالتأكيد عن هذا الّذي كرَّمته عليَّ، وأنا أفضل منه، وأصابني بسببه ما أصابني.
﴿هَذَا الَّذِى﴾: هذا: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة يشير إلى آدم
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول مختص بالمفرد المذكر.
﴿كَرَّمْتَ عَلَىَّ﴾: فضَّلت عليَّ، وكرَّمت أشد بلاغاً، وتوكيداً؛ أشد تكريماً من القول: أكرمت عليَّ.
﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾: لئن: اللام: للتوكيد؛ أخرتن: ولم يقل أخرتني؛ حذف الياء؛ لأن تأخير إبليس ليس طلباً لطول عمره؛ أي: من أجل نفسه، وإنما يريد التأخير للإضلال، والإغواء لبني آدم؛ فهو تأخير ليس فيه نفع لإبليس نفسه، وتأخير سيجلب له زيادة في العذاب، ولو كان التّأخير فيه فائدة ومصلحة له لقال أخرتني مقارنة بقوله تعالى: ﴿أَخَّرْتَنِى إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] حيث التأخير هنا كائن لمصلحة؛ أي: فائدته والطلب في هذه الآية طلب صريح بينما الطلب في آية الإسراء هو شرط.
стр. 2803
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: إلى حرف غاية.
﴿يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: أي: يريد أن ينجو من نفخة الصعق، والموت، ويبقى حياً إلى يوم القيامة (نفخة البعث) النفخة الثّانية.
﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾: لأحتنكن: اللام: لام التّوكيد؛ ذريته: أي: نسل آدم؛ أحتنكن لها عدة معان منهم من قال: اشتقت من حنك الدابة، وتعني: وضع اللجام في فمها حتّى يمكن السيطرة عليها، وتوجيهها حيث يريد الراكب عليها؛ أي: يصبح كالدابة يسيره كيف يشاء، أو احتنك الجراد الأرض؛ أي: أكل نباتها، وأتى عليها؛ فيصبح معنى الاحتناك هو: الاستيلاء، والاستئصال؛ أي: أستولي على كل ضعيف إيمان، ومشرك، وكافر فأضله، وأغويه؛ حتّى أورده مورد التّهلكة؛ فيصبح لجهنم حطباً؛ (وقوداً لجهنم)، ومعنى ذلك: الاستئصال.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: إلا: أداة استثناء.
﴿قَلِيلًا﴾: أي: إلا عبادك منهم المخلِصين.
سورة الإسراء [١٧: ٦٣]
﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا﴾:
﴿قَالَ﴾: الله لإبليس.
﴿اذْهَبْ﴾: فعل أمر يحمل معنى: الطرد، والإبعاد.
﴿فَمَنْ﴾: الفاء: للتأكيد؛ من: استغراقية تستغرق كل من تبعك، وشرطية، وجوابها: فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً.
﴿تَبِعَكَ﴾: ساروا وراءك، واتبعوا خطواتك؛ أي: استجابوا لك، وأطاعوك.
﴿مِنْهُمْ﴾: من الإنس، والجن.
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: رابطة للجواب.
стр. 2804
﴿جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾: ولم يقل: جزاؤهم؛ لأنّ إبليس مخاطب كذلك، وداخل معهم، وفي حكمهم.
﴿جَزَاءً مَّوْفُورًا﴾: وافياً كاملاً فيه من كل أنواع العذاب، والجزاء في الأصل المماثلة؛ أي: من جنس العمل، ويشمل العقاب والثواب.
سورة الإسراء [١٧: ٦٤]
﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾:
﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾: من: فز؛ أي: قم، وحرك، أو انهض، وحرض، وحث.
﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾: من: ابتدائية استغراقية، كل من استطعت.
﴿بِصَوْتِكَ﴾: بوسوستك.
﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾: أجلب: صِح عليهم، أو صِح بهم راكباً كنت أو ماشياً؛ يصور الله سبحانه حالة الشيطان في تسلطه على الغاوين بالفارس الّذي يصيح بجنده، ويشجعهم للهجوم على الأعداء، ودحرهم.
﴿وَشَارِكْهُمْ فِى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾: كيف يشاركهم؟ بأن يزين لهم المال الحرام، والربا؛ فيأخذوه، والسرقة، وأكل مال اليتيم؛ فتقلّ بركة المال، أو يصرف في التبذير، والمعاصي، والرذيلة، وزين لهم الزنى، وعقوق الوالدين، ووأد البنات.
﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: عدهم بالأماني الكاذبة، وطول العمر، وزين لهم الباطل في صورة الحق.
﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: ما: النّافية.
﴿الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: إلا: أداة حصر؛ يعني: ما يعدهم إلا باطلاً.
والغرور: الخداع، غرَّ فلان فلاناً؛ أي: خدعه، وأصل الغرور تزيين الباطل بما يوهم بأنه حق، مثال شفاعة الآلهة لهم شفاعة باطلة فالآلهة لا تنفع، ولا تضر،
стр. 2805
والتسويف بتأجيل التّوبة، والاتكال على الرّحمة، ولا جنة، ولا نار، وفي الآية انتقال من صيغة المخاطب إلى صيغة الغائب للتوكيد؛ أي: تحول من مخاطبة الشيطان إلى مخاطبة النّاس بصيغة الغائب ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ بدلاً من قوله: وعدهم، وما يعدكم الشّيطان إلا غروراً؛ لأن ما يعدهم بصيغة المضارع؛ لتدل على التجدد والتكرار وهو الغرور، والتزيين، والوهم، والباطل، والشّيطان يسمى الغَرور: بفتح الغين.
سورة الإسراء [١٧: ٦٥]
﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾:
﴿إِنَّ عِبَادِى﴾: إن: للتوكيد.
﴿عِبَادِى﴾: عبادي: هم الطبقة من الّذين آمنوا، واختاروا طريق الإيمان بأنفسهم؛ فشرفهم الله تعالى، فقال: عبادي، وليس عبيد؛ الكل عبيد، وعبادي هم الطبقة المؤمنة، وعبادِ هم أعلى درجة من عبادي، وهم المؤمنون حقاً. ارجع إلى سورة الزمر، آية (١٨)؛ للبيان.
﴿لَيْسَ لَكَ﴾: ليس: أداة نفي.
﴿لَكَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والخطاب لإبليس.
﴿عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾: أي: ليس لك على عبادي سلطان، سواء أكان سلطان الحجة، والبرهان، أو سلطان القهر، والغلبة؛ لحملهم على المعصية؛ أي: سواء بالحجة، والتزيين في القول، أو الوسوسة، والنزغ، أو بالقوة، والغلبة.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾: وكفى؛ أي: هو كافيك، ولا تحتاج إلى سواه في الدّنيا، ولا في الآخرة.
﴿بِرَبِّكَ﴾: الباء: للاهتمام، والتوكيد.
﴿وَكِيلًا﴾: الكافي، والقائم بأمور العباد، والموكول إليه تدبير كل أمر، أو شيء.
стр. 2806
سورة الإسراء [١٧: ٦٦]
﴿رَبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْفُلْكَ فِى الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾:
﴿رَبُّكُمُ﴾: الرب: هو الخالق، والرازق، والمدبر، والمتولي أموركم.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول مختص بالمفرد المذكر.
﴿يُزْجِى﴾: يُسير الفلك برفق فوق الماء؛ أي: يسوق، ويدفعها برقَّة؛ يقال: أزجى الإبل: ساقها برفق، والريح تُزجي السحاب: تسوقه تحمله، وتسير به، والآلة، أو المحرك يسير ويعمل بإذن الله؛ فهو سبحانه القادر على تعطيلها، أو تشغيلها.
﴿لَكُمُ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿الْفُلْكَ﴾: السفن، وتشمل المفرد، والجمع. ارجع إلى سورة إبراهيم، آية (٣٢)؛ للبيان، كيف يُسير لكم الفلك.
﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: الابتغاء: القصد من فضله: من رزقه؛ أي: اللحم الطري السمك، وغيره من الحيوانات المائية؛ التي تؤكل، أو يستفاد منها، والانتقال، والسفر، والتجارة، وحمل الأثقال، والمتاع.
﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾: إنه: للتوكيد.
﴿كَانَ﴾: من الأزل، ولا يزال، وسيبقى بكم رحيماً.
﴿رَحِيمًا﴾: صيغة مبالغة من الرّحمة في تسخيرها لكم، والفلك التي تحملكم وتسير بكم، والتجارة، وصيد البحر، واللحم الطري، واستخراج الحلية، كل ذلك من مظاهر رحمة الله بكم.
стр. 2807
سورة الإسراء [١٧: ٦٧]
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني للمستقبل متضمن معنى الشرط؛ تدل على حتمية الوقوع، أو الحدوث.
﴿مَسَّكُمُ﴾: المس: الإصابة الخفيفة.
﴿الضُّرُّ فِى الْبَحْرِ﴾: أي: الغرق، أو الخوف، أو التيه، أو المرض.
﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾: أي: لم تعودوا تدعون أو تذكرون إلا إياه مغيثاً، وغاب وتاه، ولم يعد في بالكم أحد تدعونه إلا الله.
﴿فَلَمَّا﴾: لما: ظرفية زمانية؛ بمعنى: حين.
﴿نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾: نجاكم: تعني: ببطء، ولم يقل: أنجاكم؛ أي: بسرعة رجعتم إلى كفركم، وشرككم، ودعاء سواه.
﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾: جاحداً لنِعم الله.
﴿كَفُورًا﴾: صيغة مبالغة من الكفر؛ أي: كثير الكفر لنِعم الله، ومن مظاهر الكفر: الإعراض عن التّوحيد، والإيمان، وستر نِعم الله تعالى.
стр. 2808
سورة الإسراء [١٧: ٦٨]
﴿أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾:
﴿أَفَأَمِنتُمْ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، والفاء: للتوكيد؛ أفأمنتم بعد إذ نجاكم من الغرق، وعدتم إلى اليابسة (أي: البر):
﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾: أي: تنهار الأرض بكم، كما فُعل بقارون.
﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾: أو أن يرسل عليكم ريحاً مدمرة تحمل في طياتها الحصى، والحجارة، وتدمر كل شيء.
﴿ثُمَّ﴾: للاستبعاد.
﴿لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾: لا تجدوا لكم من ينصركم، ويدافع عنكم، ويعينكم، ويتولى أمركم، أو يخفف، ويدفع عنكم عذابنا.
سورة الإسراء [١٧: ٦٩]
﴿أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾:
﴿أَمْ أَمِنتُمْ﴾: أم: الهمزة استفهام إنكاري؛ أم: هنا المنقطعة، والانتقال إلى سؤال، أو استفهام آخر.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّوكيد.
﴿يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾: يعيدكم في البحر مرة ثانية.
﴿فَيُرْسِلَ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة.
﴿عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾: أي: ريحاً تقصف كل شيء تمر به، وتكسر، أو تدمر الفلك؛ من: قصف فلان ظهر فلان؛ أي: كسره. والريح في القرآن تأتي في سياق الشر والعذاب والدمار، وأما الرياح فتأتي في سياق الخير والنعمة.
стр. 2809
وللريح أنواع (ذكرت في القرآن):
ريحاً قاصفاً: ريحاً شديدة لا تمر بشيء إلا قصفته؛ أي: كسرته.
ريحاً عاصفاً.
ريحاً حاصباً: ترمي بالحصى، والحجارة.
ريحاً عقيماً: لا فائدة منها إلا الدمار، والخراب.
﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ﴾: فيغرقكم: الفاء: للتعقيب، والمباشرة.
﴿بِمَا﴾: الباء: للتعليل، أو باء السببية، أو البدلية؛ أي: بسبب كفركم.
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾: ثم: للتعقيب، والتّراخي؛ لأن ذلك يأخذ زمناً، ويحتاج فيه للمتابعة، وأخذ الثأر، ثم لا تجدوا لكم ناصراً، أو معيناً، أو ولياً لكم يوالي تتبعنا، ويبحث عنا؛ لأخذ ثأره منا؛ أي: لا تجدوا لكم تبعاً يأخذ بثأركم، أو يطالبنا بفدية لكم.
﴿تَبِيعًا﴾: صيغة مبالغة على وزن فعيل من: تابع، وتبيع اسم فاعل: وهو المطالب بحق، أو بثأر؛ لأن الله سبحانه لا يخاف رد الفعل منكم؛ فلا يستطيع أحد أن يرد على عذابه، أو انتقامه.
سورة الإسراء [١٧: ٧٠]
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق.
﴿كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ﴾: فضَّلنا بني آدم: كرَّمنا، ولم يقل أكرمنا؛ كرَّمنا: أشد مبالغة من أكرمنا بني آدم بالعقل، والإيمان، والعلم، والنطق، والتّمييز، وحسن الهيئة، والصورة، والبيان، وكَرَّمنا تفيد دوام وأتم وأبلغ التكريم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤].
стр. 2810
﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: بالسيارات، الفلك، ووسائل النقل المتعددة، والأنعام، وغيرها كما قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]؛ أي: الطائرات والسفن الفضائية؛ أي: حملناهم في البر والبحر والجو (السماء).
﴿وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: من الأطعمة، والأشربة الحلال.
﴿الطَّيِّبَاتِ﴾: جمع طيب: وهو الحلال الطاهر. ارجع إلى سورة الأنفال، آية (٦٩)؛ للبيان.
سورة الإسراء [١٧: ٧١]
﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾:
﴿يَوْمَ﴾: يوم القيامة، وتنكيره للتهويل، والتعظيم.
﴿نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾: ندعو كل أناس بنبيهم: يا أمة محمّد، يا أمة عيسى، يا أمة موسى، يا أمة إبراهيم، أو كتابهم: يا أهل القرآن، يا أهل التّوراة، يا أهل الإنجيل، يا أهل الزبور.
﴿فَمَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾: فمن: الفاء: عاطفة؛ من: شرطية.
﴿أُوتِىَ كِتَابَهُ﴾: من هؤلاء المدعوين أعطي كتابه بيمينه: فهذه بشارة الخير، والسلامة.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ أولئك: اسم إشارة؛ اللام: للبعد، وتشير إلى علو المنزلة، والتّكريم
انتبه إلى: فمن أوتي … فأولئك: قد يظنه البعض انتقالاً من المفرد إلى الجمع، والحقيقة: فمن أوتي؛ من: تفيد الإفراد، والتّثنية، والجمع، والمذكر، والمؤنث؛ إذن: من أوتي: جاءت في معنى: الجمع.
стр. 2811
﴿يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾: كتاب أعمالهم، أو حسناتهم؛ كقوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّى ظَنَنْتُ أَنِّى مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٠].
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة؛ لا: النّافية.
﴿يُظْلَمُونَ﴾: بزيادة سيئة واحدة، ولا نقصان حسنة.
﴿فَتِيلًا﴾: هو الخيط في بطن نواة التمر، وبالإضافة إلى الفتيل هناك: النقير، والقطمير.
فالنقير: هو نقطة، أو حفرة تظهر في ظهر نواة التمر.
والقطمير: اللفافة الرقيقة بين الثمرة، والنواة.
فهذه الكلمات الثلاث: الفتيل، والنقير، والقطمير: مأخوذة من حبة التمر.
سورة الإسراء [١٧: ٧٢]
﴿وَمَنْ كَانَ فِى هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِى الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾:
ذكر الله سبحانه في الآية السّابقة: فمن أوتي كتابه بيمينه، وهذه الآية تشير إلى الّذي سيأخذ كتابه بشماله؛ فوصفه بالأعمى أعمى البصيرة في الدّنيا، وأعمى البصر والبصيرة معاً في الآخرة.
أعمى البصيرة في الدّنيا؛ أي: أعمى القلب، لا يفهم آيات الله، ولا يؤمن، ولا يهتدي سبيلاً، وأما في الآخرة؛ فهو أعمى البصر، والبصيرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، و ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
وقد يكون عمى الدّنيا أقل شدة بكثير من عمى الآخرة.
﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾: فمن كان في الدّنيا ضالاً فسيكون في الآخرة أضل بكثير مما كان عليه في الدّنيا؛ حيث لا يمكن أن يتدارك ضلاله في الآخرة؛ بينما في الدّنيا كان باستطاعته أن يتوب، ويرجع عن عصيانه، وضلاله.
стр. 2812
سورة الإسراء [١٧: ٧٣]
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾:
﴿وَإِنْ كَادُوا﴾: إن: للتوكيد؛ كادوا: من أفعال المقاربة؛ أي: كاد قارب على الحدوث، ولكنه لم يحدث.
﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾: اللام: لام التّوكيد، والنون في "يفتنونك" لزيادة التّوكيد؛ يفتنونك: أي: يخدعونك، أو يزلونك عن الحق، ولكن هذا لم يحدث؛ مثال: قالوا: نعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا سنة كما روي عن ابن عباس، أو حين طلبت ثقيف من رسول الله ﷺ أن يخصها بأمور تفتخر بها على العرب، كما روى عطاء عن ابن عباس، وذكره الواحدي في أسباب النزول.
﴿عَنِ﴾: تفيد المجاوزة، والمباعدة.
﴿الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ الّذي أوحينا إليك: هو القرآن الكريم، ولمعرفة معنى أوحينا: ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)، والافتراء: هو الكذب المتعمد المختلق.
﴿وَإِذًا﴾: جواب، وجزاء.
﴿لَاتَّخَذُوكَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والتّعليل.
﴿خَلِيلًا﴾: من الخلَّة، وهي المودة؛ أي: لاتَّخذوك صديقاً مخلصاً، ومشتقة من: تخلل الخليلان كلٌ في الآخر، والاندماج معاً.
سورة الإسراء [١٧: ٧٤]
﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾:
﴿وَلَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود؛ أي: لأننا ثبتناك لم تركن إليهم، ولو ركوناً قليلاً.
﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل، والتوكيد.
стр. 2813
﴿ثَبَّتْنَاكَ﴾: عصمناك؛ أي: لم تخدع بما قالوه، أو عرضوه عليك.
﴿لَقَدْ كِدْتَ﴾: لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق.
﴿كِدْتَ﴾: قاربت.
﴿تَرْكَنُ﴾: تميل، الركون: الميل، أو تخدع بأقوالهم.
﴿إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾: بقبول بعض ما اقترحوه.
سورة الإسراء [١٧: ٧٥]
﴿إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾:
﴿إِذًا﴾: حرف جواب، وجزاء؛ أي: لو ركنت إليهم:
﴿لَّأَذَقْنَاكَ﴾: اللام: للتعليل.
﴿لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾: الضعف: مضاعفة الشّيء: قدر الشّيء مرتين؛ أي: أذقناك ضعف عذاب الحياة الدّنيا، وضعف عذاب الممات. قيل: هو عذاب القبر، أو الآخرة؛ يضاعف له العذاب؛ لأنّه ﷺ الأسوة والقدوة
﴿ثُمَّ﴾: للاستبعاد.
﴿لَا﴾: لا: النّافية.
﴿تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾: لا تجد لك ناصراً، أو من يدفع العذاب عنك، أو يمنعه.
стр. 2814
سورة الإسراء [١٧: ٧٦]
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
﴿وَإِنْ كَادُوا﴾: ارجع إلى الآية (٧٣)؛ أي: قاربوا.
﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ يستفزونك: استفزه: أثاره، أو خوفه؛ ليترك المكان؛ من فز؛ أي: قم، وانهض؛ ليحملوك، أو يكرهوك على الخروج من الأرض؛ أي: من مكة.
﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾: أي: من مكة (وكأن مكة تمثل كل الأرض)؛ فالله سبحانه منعهم من إخراج رسول الله ﷺ حتّى أمره بالخروج مهاجراً إلى المدينة المنورة.
﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ﴾: إذاً: حرف جواب، وجزاء.
﴿خِلَافَكَ﴾: أي: بعدك.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿قَلِيلًا﴾: من الزمن، وقيل: هذا حدث، فبعد خروجه حدثت بدر، وقتل سبعون منهم، وأُسر سبعون، ولم يتمتعوا بعد خروجه لا بنعيم، ولا بسيادة كانوا يرجونها.
سورة الإسراء [١٧: ٧٧]
﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾:
السنة: هي العادة، الطريقة الّتي لا تتبدل، ولا تتحول.
وكانت هذه هي سنة الله في الرّسل الّذين أرسلناهم قبلك منذ الزمن
стр. 2815
البعيد، أو القريب، كل قوم أخرجوا رسولهم بالقوة، والإكراه، والمعاداة لم يلبثوا بعد خروجه أحياء إلا قليلاً، وقليلاً: للدلالة على التّوكيد.
﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾: لا: النّافية، وفي آية أخرى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]، ولمعرفة معنى السنة: ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٣٧)، والنساء، آية (٢٦).
فما هو الفرق بين التحويل، والتبديل؟
ـ التحويل: تتحول السنة من قوم إلى قوم، أو شخص إلى شخص، أو جماعة إلى جماعة.
ـ التبديل: أن يضع سنة بدلاً من سنة أخرى. مثال: لا يبدل العذاب بعذاب آخر: صاعقة بدلاً من فيضان، أو صيحة برجفة.
وتقديم: لسنَّتنا: الجار والمجرور: للحصر، والقصر.
وسنَّتنا: بصيغة الجمع؛ للتعظيم، والإنذار الشديد.
سورة الإسراء [١٧: ٧٨]
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾:
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾: أي: أتم الصّلاة، أو أدها بشروطها، وأركانها، وأوقاتها، وخشوعها، والمداومة، والمحافظة عليها، والصلاة في جماعة.
﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: لدلوك: اللام: لام التوقيت؛ بمعنى: عند دلوك الشّمس.
ودلوك الشّمس: هو ميل الشّمس، أو زوالها عن كبد السّماء؛ أي: وسط السّماء؛ أي: عند الظهر (صلاة الظهر)؛ أي: أقم الصّلاة وقت زوال الشّمس؛ أي: صلاة الظهر.
стр. 2816
﴿إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ﴾: إلى حرف غاية (لعموم الغايات)؛ سواء أكانت في أول الشّيء، أم آخره، أم منتصفه، وتعني: إلى العصر، وإلى المغرب، وإلى العشاء.
﴿غَسَقِ الَّيْلِ﴾: سواد الليل، وشدة ظلمته، ويشير ذلك إلى صلاة العصر، والمغرب، والعشاء؛ أي: أقم صلاة العصر، وصلاة المغرب إلى صلاة العشاء الّتي هي في غسق الليل.
﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: أي: صلاة الفجر؛ أي: وأقم صلاة الفجر، وسميت الصّلاة قرآناً؛ لأن قراءة القرآن ركن من أركان الصّلاة (ويسمى هذا إطلاق الجزء على الكل).
﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾: إن: للتوكيد.
﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: تكرار "قرآن الفجر" يدل على التّوكيد.
﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾: أي: تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار الّذين يتعاقبون في النزول في صلاة الفجر، وصلاة العصر.
سورة الإسراء [١٧: ٧٩]
﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾:
﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾: من: ابتدائية.
﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾: فتهجد: الفاء: للتوكيد؛ تهجد به: التهجد: هو ترك النوم للصلاة.
تهجد: من الهجود، وهو النوم، وتهجد: سهر، أو ترك النوم؛ فهو من أفعال الأضداد، ويقال للنائم: هاجد، ومتهجد، وكذلك للساهر، وقيل للقائم إلى الصّلاة من النوم: المتهجد؛ لتركه الهجود، وأطلق على الصّلاة: صلاة التهجد.
تهجد به: "به": تعود على القرآن؛ أي: تهجد بالقرآن.
﴿نَافِلَةً لَكَ﴾: النافلة: الزيادة عن الفرض.
стр. 2817
﴿لَكَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أي: لك خاصة دون غيرك؛ فقد قيل: إن فرض التهجد لم ينسخ بحق الرّسول ﷺ ، وصلاة التهجد: هي تطوع لغير رسول الله ﷺ .
﴿عَسَى﴾: فعل رجاء؛ رجاء حصول الفعل في المستقبل.
﴿أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾: يبعثك ربك المقام: هو محل القيام أو يعني المنزلة العظيمة، والدرجة (عبر عنها بالمقام) وهو مقام الشفاعة يوم القيامة؛ مقام الشفاعة العظمى في فصل القضاء، أو مقام الشفاعة لأمته؛ لإخراج من في قلبه ذرة من الإيمان من النّار.
﴿يَبْعَثَكَ﴾: من البعث يوم القيامة؛ أي: يبعثك ربك يوم القيامة ذا مقام محمود؛ أي: المقام الّذي يحمده لأجله أهل المحشر؛ أي: الشفاعة العظمى.
سورة الإسراء [١٧: ٨٠]
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّى مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾:
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِى﴾: أدخلني: أي يسأل الله أن يدخله (يُدخله شخص آخر) لا يدخل من تلقاء نفسه؛ أي: المدينة المنورة، أو أي مدخل، وبدأ بالمدخل؛ لأن الدخول هو الغاية من الخروج، وهو الأهم مقارنة بالخروج.
﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: من أدخَل أما مَدخل من دخل يدخل فهناك مَدخل، ومُدخل، وإضافة الصدق إلى المدخل، والمخرج: هو مدح لهما، أو مُدخلاً مرضياً ابتغاء مرضات الله تعالى، ونصرة دينه، ونشره، وأما مَدخل مثل: دخلت مَدخلاً صعباً؛ أي: دخلت بإرادتي.
﴿وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: وأخرجني من مكة المكرمة مخرجاً مرضياً ابتغاء مرضات الله تعالى، ونصرة دينه، ونشره، أو أي مخرج، وليكن خروجك، أو دخولك في سبيل الله، وابتغاء مرضاته.
стр. 2818
﴿وَاجْعَل لِّى مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾: من لدنك: تشير إلى القرب الخاص بين رسول الله ﷺ ، وبين ربه؛ بدلاً من قوله: واجعل لي منك؛ من: عامة للمؤمن، والكافر.
﴿سُلْطَانًا﴾: الدليل والبرهان والسلطان، وهو إما سلطان الحجة والبيان، أو سلطان القوة والغلبة؛ لنشر دينك، وإعلاء كلمتك.
﴿نَّصِيرًا﴾: قوة لكي يتم النصر بها على أعدائك؛ صيغة مبالغة من فعل نصر.
سورة الإسراء [١٧: ٨١]
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾:
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾: الإسلام الحق (الدين الحق).
﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾: زهق: زال واندحر، واضمحل الباطل؛ يقال: زهقت نفسه؛ أي: خرجت.
﴿الْبَاطِلُ﴾: في اللغة: الزائل، أو الذاهب، وقيل: ما لا وجود له، ويطلق على الكفر، والشرك، وعبادة الأصنام، والظلم، والكذب، والإحباط.
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾: إن: للتوكيد. كان: تشمل جميع الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل.
﴿الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾: زهوقاً صيغة مبالغة من زهق؛ بمعنى: زال واضمحل؛ أي: هالكاً زائلاً مندحراً؛ أي: هذا شأن الباطل في كل زمان رغم أننا نراه أحياناً يعلو ويظهر للناس، ولكن ذلك لن يدوم وسرعان ما يضمحل ويزول.
стр. 2819
سورة الإسراء [١٧: ٨٢]
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ﴾: من: استغراقية؛ من آيات القرآن، والآية تسمى: قرآناً، والقرآن كاملاً يسمى: قرآناً.
﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى: الذي، وما: أوسع شمولاً من: الذي.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿شِفَاءٌ﴾: من أمراض: الجهل، والشك، والنفاق، والضّلال، والأمراض النفسية، والحيرة، والتردد، والاكتئاب، والجنون، وأمراض القلوب، والزيغ؛ حتّى الأمراض العضوية؛ فقد تبين: أن الأمراض النفسية؛ مثل: التوتر، والهم، والغم: ترفع الضغط الشرياني، وتسبب الإصابة بأمراض القلب، وكذلك الأمراض النفسية المختلفة؛ تؤدي إلى ضعف في الجهاز المناعي عند الإنسان، الّذي يؤدي بدوره إلى عدم قدرة الجسم على مكافحة الإنتانات، والسرطانات … وغيرها.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾: الرّحمة: الوقاية؛ فهو شفاء، وعلاج، وفي الوقت نفسه وقاية للمؤمنين من الأمراض النفسية، والعضوية.
﴿لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ المؤمنين: ولم يقل: الّذين آمنوا؛ المؤمنين: أعلى درجة من الّذين آمنوا؛ فهم الّذين أصبحت صفة الإيمان عندهم ثابتة لا تتغير، أو تتبدل، واستقاموا على طاعة الله.
﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾: ولا: الواو: عاطفة؛ لا: النّافية.
﴿يَزِيدُ الظَّالِمِينَ﴾: المشركين.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، وقصر.
стр. 2820
﴿خَسَارًا﴾: أي: نزول القرآن، وسماع آياته من قبل المشركين، أو الضالين، والكافرين لا يزيدهم إلا كفراً، وضلالاً، وبالتالي هلاكاً، وعذاباً فوق العذاب.
سورة الإسراء [١٧: ٨٣]
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾:
﴿وَإِذَا﴾: الواو: عاطفة؛ إذا: ظرف زمان يتضمن معنى الشرط، وتدل على حتمية الحدوث؛ ظرفية تدل على الاستمرار في الماضي والمستقبل وكأن هذا هو دأبه.
﴿أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ﴾: آتيناه من النعم، وأحسنا إليه مثل سعة الرزق، والصحة، والقوة، والعلم، والولد، وكشفنا عنه البلاء، وشفيناه من المرض.
﴿أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾: أنكر نعمة الله عليه؛ أي: بدلاً من أن يشكر المنعم؛ تكبر، وازداد غروراً، وابتعد عن دين الله، وعن عبادة الله، بدلاً من أن يتقرب إليه.
﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾: نأى: ابتعد.
﴿بِجَانِبِهِ﴾: بنفسه، أو لوى جانبه، وولى ظهره.
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾: وإذا: ظرفية شرطية تدل على حتمية الحدوث.
﴿مَسَّهُ﴾: من المس: وهو الإصابة الخفيفة. مسه الشر بما قدمت يداه أو كسبت يداه، والله سبحانه لا ينسب الشر لنفسه مطلقاً؛ لأن الله سبحانه ليس بظلام للعبيد، وقد يكون ابتلاءً أيضاً، ونتيجة الابتلاء قد تكون لمصلحة المبتلى.
﴿الشَّرُّ﴾: الأذى، والظلم، والسجن، أو البلاء، والسقم، وهناك فرق بين الضُّر والشر. ارجع إلى سورة الأنعام آية (١٧) للبيان.
﴿كَانَ يَئُوسًا﴾: من اليأس: انقطاع الأمل في حدوث الشّيء، واليأس قد
стр. 2821
يكون قبل، أو بعد الأمل، والقنوط: أشد من اليأس؛ أي يئس من رحمة الله، وانقطع أمله.
الفرق بين أنعمنا وأذقنا:
الإنعام: يكون فقط في الخير، وأذقنا: تكون، أو تستعمل في الخير، والشر؛ مثال: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ [الشورى: ٤٨]، ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨].
سورة الإسراء [١٧: ٨٤]
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾:
﴿قُلْ﴾: يا محمّد ﷺ
﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾: كل: اسم يفيد الاستغراق والإحاطة بالأفراد والأجزاء؛ أي: تشمل أو تستغرق كل فرد من أفراد الجنس، أو تستغرق كل أجزاء الشيء الواحد، وقد تضاف إلى معرفة أو نكرة؛ أي: كل من المؤمنين، أو الكافرين، أو المشركين، والموحدين الضالين، والمهتدين، أو الطائعين، والعاصين.
كل واحد من هؤلاء يعمل على شاكلته: على طريقته، وهواه.
﴿شَاكِلَتِهِ﴾: مأخوذة من الشكل: وهو المِثل والنظير؛ كل واحد يعمل حسب ما يشاء، ويرغب، أو يختار لنفسه، وفيها تحذير خفي للضالين، والظالمين.
﴿فَرَبُّكُمْ﴾: الفاء: للتوكيد؛ ربكم: الخالق المربي المدبر هو وحده.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد، والحصر.
﴿أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾: هو أعلم على وزن أفعل: صيغة مبالغة بمن هو على صراط مستقيم، أو في ضلال مبين، وبمن هو أكثر هداية من غيره؛ من: تشمل المفرد، والمثنى، والجمع، ومن للعاقل.
﴿أَهْدَى﴾: صيغة مبالغة.
стр. 2822
﴿سَبِيلًا﴾: طريقة، ومذهباً، أو منهجاً؛ أي: ملتزماً بالقرآن، والسنة من غيره.
سورة الإسراء [١٧: ٨٥]
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾: الواو: تدل على أنهم سألوا رسول الله ﷺ عدة أسئلة في آن واحد، ولو قال تعالى يسئلونك عن الروح (بدون الواو العاطفة) لدلت على أنهم سألوه سؤالاً واحداً فقط؛ فقد سألوه عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح في آن واحد، والسائل هم قريش، ويسألونك؛ تعني: مباشرة؛ أي: السائل يقف أمام المسؤول، والسؤال يراد به اختبار رسول الله ﷺ : هل هو نبي، أم لا؟ وليس للتعلم، وكشف الجهل، والمعرفة.
والروح هنا: يقصد بها الروح الّتي تمد الجسم بالحياة؛ يسألونه عن ماهيتها، وحقيقتها؛ فرد الله سبحانه على هذا السؤال بقوله:
﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾: من أمر؛ أي: من شأن ربي، أو اختصاصه.
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: ما: النّافية.
﴿أُوتِيتُمْ﴾: أعطيتم من العلم بالنسبة للروح؛ إلا قليلاً.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿قَلِيلًا﴾: الشّيء القليل.
إذن: نحن أوتينا شيئاً قليلاً من العلم عن الروح أمثلة متى تنفخ الروح في الجنين، وماذا يحدث للجسم إذا خرجت منه الروح، وهذه الروح لا يعلم كنهها إلا الله وحده سبحانه، وتشير البحوث العلمية الأخيرة، والدراسات القرآنية إلى وجود اختلاف بين الروح والنفس، وأن الروح شيء، والنفس شيء آخر، والروح تسري في كل الجسم، وتبقى بعد توقف، أو تعطل عمل النفس؛ هذه النفس ربما هي الّتي تتمثل فيما يسمى جهاز لمبيك في الدماغ، وتتكون من عدة
стр. 2823
أجزاء، وظائفها الوعي، والإدراك، واتخاذ القرارات، والذاكرة الطويلة والقصيرة، والذاكرة الجديدة والقديمة، والسرور، والعاطفة، والسمع، والبصر، والسلوك، والشعور، والناحية الجنسية … وغيرها.
والروح شيء أساسي، وضروري للنفس؛ لكي تؤدي وظيفتها.
ويمكن إيقاف، أو تعطيل النفس عن العمل في حالتي الموت، والنوم، أو التخدير العام؛ للقيام بالعمل الجراحي، أو إصابة الدماغ بحادثة تؤدي إلى السبات، وتعطيل عمل النفس الّذي قد يدوم أسابيع عدة، ثم يصحو الإنسان، ولا يذكر ما حدث له.
أما الروح: لا تُوقف، ولا تُعطل، وإنما تنزع، أو تنشط نشاطاً من الجسم، كما قال تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات: ١ - ٢]، وذلك عند الموت من قبل الملائكة، أو ترغم على ترك الجسم بالقتل، وإذا خرجت الروح من البدن يعني: الموت.
وأما النفس: لا تخرج من البدن، وإنما تتوفى تتوقف عن العمل عند النوم، أو تعطل عن العمل، وتتوقف أو تتوفى عند خروج الروح من البدن؛ أي: عند الموت؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾، وبعد النوم (الوفاة، أو التعطيل) تعود النفس إلى العمل؛ لأن الروح ما زالت في البدن. ارجع إلى سورة الزمر، آية (٤٢)؛ لمزيد من البيان.
وحين الموت تخرج الروح من البدن مما يؤدي إلى توقف عمل النفس، وعمل الأعضاء كاملة: القلب، وجهاز التنفس، والدماغ، وتنتهي مرحلة الحياة الدّنيا.
سورة الإسراء [١٧: ٨٦]
﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾:
﴿وَلَئِنْ﴾: اللام: للتوكيد؛ إن: شرطية تفيد الاحتمال، والشك.
стр. 2824
﴿شِئْنَا﴾: من المشيئة، والمشيئة تسبق الإرادة والفعل، والمشيئة: لا تتبدل، أو تتغير ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ أما الإرادة فقد تتبدل، أو تتغير؛ فالإرادة: هي العزم على الفعل.
﴿لَنَذْهَبَنَّ﴾: اللام، والنون: للتوكيد.
﴿بِالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: أي: بالقرآن الكريم؛ الذي: اسم موصول؛ يفيد التعظيم.
﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: عن طريق جبريل، وذلك بأن نمحوه من صدور العالمين؛ أي: ينسوه، ولا يتذكرونه. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لمعرفة معنى: أوحينا.
وإذا فعلنا ذلك ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾: فلن تجد من تتوكل عليه؛ لاسترداده، وإعادته محفوظاً، ولكن رحمة من ربك لم يشأ، وله الحمد، والمنة.
وانتبه إلى حكمة مجيء هذه الآية بعد آية يسألونك عن الروح؛ لأن الّذي أوحينا إليك هو روح أيضاً؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ فالقرآن روح أيضاً؛ فكما أنَّا قادرون على أن نذهبن بأرواحكم، وقادرون على أن نذهبن بالّذي أوحينا إليكم (وهو القرآن)، وهو الروح الحقيقة لكم.
стр. 2825
سورة الإسراء [١٧: ٨٧]
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: تركه، وعدم الذهاب بالقرآن، أو عدم محوه من صدور العالمين هو رحمة من ربك.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾: فضل الله بعدم رفعه، والذهاب به، وبالنّبوة، والشّفاعة العظمى، وغيرها من الفضائل تعد فضلاً كبيراً عليك، وعلى أمتك.
سورة الإسراء [١٧: ٨٨]
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ رداً على قولهم: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١].
﴿لَئِنِ﴾: اللام: للتوكيد؛ إن: شرطية تفيد الاحتمال والشّك.
﴿اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ﴾: الثقلان، وأدخل الجن في التحدي؛ لأن بعض العرب كانوا يعتقدون أن بعض العباقرة المفكرين يستعينون بالجن، أو يلجؤون إلى الجن؛ لكي يساعدوهم في بعض الأمور، وكان هناك تحدي في مكة، وتحدي في المدينة المنورة، والتحدي في مكة جاء بأشكال متعددة؛ مثل: بحديث، بآية، بسورة، أو عشر سور، والتحدي في المدينة جاء بشكل: بسورة من مثله، أو بمثله؛
стр. 2826
أي: ما يماثله؛ لأنه لا يوجد ما يماثل القرآن أو ببعض ما يماثله، وأما قوله تعالى: ﴿بِسُورَةٍ مِنْ مِّثْلِهِ﴾ من: تشمل الاستغراق؛ أي: أي سورة من الفاتحة والبقرة إلى سورة الناس.
﴿عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾: أن: شرطية تفيد الاحتمال، والشك، وجوابها محذوف؛ يعني: لا يأتون، والباء للتبعيض.
﴿لَا يَأْتُونَ﴾: لا: النّافية.
﴿بِمِثْلِهِ﴾: ولم يقل مثله؛ لأنّهم لا يمكن لهم أن يأتوا به نفسه؛ لأنّه نزل من عند الله، وهذا مستحيل، ولذلك قال: بمثله؛ أي: المشبه له؛ أي: لا يمكنهم أن يأتوا بالأصل، ولا حتّى قادرون على أن يأتوا بالمشبه له؛ فهم غير قادرين على الإتيان بآية واحدة، ولا بسورة، وقدم الإنس على الجن في هذه الآية؛ لأن الإنس هم أقدر وأبلغ من الجن في مدار التحدي للغة القرآن واللغة العربية.
﴿وَلَوْ﴾: لو: شرطية
﴿كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾: معيناً، ومساعداً. ظهيرا: مشتقة من الظهر، ويسند ظهره؛ أي: يعاونه.
وفي سورة الفرقان، آية (٥٥): ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾؛ أي: يحث ويُعين أوليائه على المعصية، والشرك، والكفر، وعدم طاعة الله تعالى.
وفي سورة القصص، آية (١٧): ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: معيناً، ومساعداً للمجرمين؛ هذا ما قاله موسى بعد أن وكز موسى عدوه فقضى عليه.
стр. 2827
سورة الإسراء [١٧: ٨٩]
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتوكيد.
﴿صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْآنِ﴾: التصريف يعني: تصريف الآيات والتصريف يعني: عرض مسألة ما بأساليب شتى؛ حتّى يوضح ويتبين المعنى الحقيقي، والهدف، مثال: تصريف الرياح بأساليب مختلفة: ريح عقيم، ريح عاصف، ريح مصفرة …
مثال آخر على البرهان على وحدانية الله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِى الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢].
﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: من: استغراقية؛ من الأمثال المختلفة، ومن: تستعمل للمفرد، والمثنى، والجمع، والذكر، والأنثى، وقدم الناس على القرآن رغم أن القرآن أهم بالأصالة من الناس؛ لأن السياق التحدي وإقامة الحجة عليهم.
﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: فأبى: الإباء: شدة الامتناع، وقد يخالطه كراهية، وأبى: رفض أكثر النّاس الإيمان، ورضوا بالكفر.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿كُفُورًا﴾: من فعل: كفر كفوراً على وزن فعول: صيغة مبالغة في الكفر؛ أي: إنكاراً للقرآن، وتكذيباً بما جاء فيه من الحق ومن التّوحيد، والإيمان.
стр. 2828
ولا بد من مقارنة هذه الآية من سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾، مع الآية (٥٤) من سورة الكهف: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾.
قدم النّاس في آية الإسراء؛ لأنّ السّياق تتحدث عن الإنسان، ونعم الله عليه، كما في قوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣].
وقدم القرآن في آية الكهف؛ لأنّ السّياق عن القرآن، كما في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: ١].
سورة الإسراء [١٧: ٩٠]
﴿وَقَالُوا لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾:
﴿وَقَالُوا لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ﴾: قالوا؛ أي: رؤساء قريش من المشركين، والكفار.
﴿لَنْ﴾: نافية تنفي المستقبل القريب والبعيد.
﴿نُّؤْمِنَ لَكَ﴾: نصدقك، ونتبعك، ولم يقولوا: نؤمن بك؛ لأن به تعني: الإيمان بالله، أو إيمان العقيدة، والإيمان له تعني: التصديق بالرسول، واتباعه.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية، نهاية الغاية.
﴿تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾: تَفجر: بفتح التاء، وسكون الفاء على صيغة أفعل؛ تعني: كثرة الانفجار من الينبوع الواحد. أما تُفَجر: بضم التاء، وفتح الفاء؛ تعني: كثرة الانفجار من ينابيع عديدة، كما سيأتي في الآية (٩١) من السّورة نفسها.
﴿يَنْبُوعًا﴾: عيناً ينبع الماء منها، ولا ينضب ماؤها؛ أي: لا يغور، تفيض بالماء باستمرار دون أن يقل ماؤها، أو ينقص.
стр. 2829
سورة الإسراء [١٧: ٩١]
﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾:
﴿أَوْ﴾: للتخيير.
﴿تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ﴾: بستان من نخيل وعنب؛ "من": اسم جنس.
﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا﴾: تفجر: بضم التاء، وفتح الفاء؛ أي: تتدفق الأنهار خلالها: داخلها، وسطها من ينابيع عدة، وبقوة حتّى تخرج الثمار، والزرع. وتفجِّر: على صيغة فعِّل تفيد التكثير والمبالغة بكثرة الأنهار مقارنة بـ: ﴿تَفْجُرَ﴾ [آية: ٩٠].
فَتُفجِّر الأنهار: بضم التاء، وفتح الفاء: كثرة الانفجار من ينابيع عديدة.
إذن: هم طلبوا الأمرين تَفْجر، وتُفَجر، ولم يطلبوا أمراً واحداً.
﴿تَفْجِيرًا﴾: للتوكيد.
سورة الإسراء [١٧: ٩٢]
﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾:
﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾: من الزعم، وهو ادعاء العلم غير المستند إلى دليل، وأكثر ما يقع في الباطل.
﴿عَلَيْنَا﴾: تقديم "علينا" يدل على الحصر، والقصر؛ أي: علينا خاصةً.
﴿كِسَفًا﴾: ولم يقل كِسْفاً. كِسَفاً: ذكرت في أربع آيات، وأما كِسْفاً: ذكرت في آية واحدة.
كِسَفاً؛ أي: أسقطها قطعاً كثيرة؛ أي: على شكل قطع.
أما كِسْفاً؛ أي: أسقطها كقطعة واحدة كطبق علينا، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤].
стр. 2830
﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾: أي: نرى الله ربنا، والملائكة عياناً، كما سأل بنو إسرائيل موسى؛ فقالوا: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]؛ حتى يشهد لك الله والملائكة على أنك رسوله.
سورة الإسراء [١٧: ٩٣]
﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِى السَّمَاءِ وَلَنْ نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾:
﴿أَوْ﴾: للتخيير.
﴿يَكُونَ لَكَ﴾: لك: اللام: لام الاختصاص.
﴿بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾: مزين بالذهب والفضة، أو مزين بأجمل أنواع الزخارف والزينة.
﴿مِنْ زُخْرُفٍ﴾: من: ابتدائية.
﴿أَوْ﴾: للتخيير.
﴿تَرْقَى فِى السَّمَاءِ﴾: الرقي: هو الصعود في معارج السّماء شيئاً فشيئاً.
﴿وَلَنْ﴾: للنفي القريب، والبعيد.
﴿نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾: نصدق صعودك.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية، نهاية الغاية.
﴿تُنَزِّلَ عَلَيْنَا﴾: خاصة.
﴿كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ﴾: كتاباً من رب العالمين أنك رسول الله تعالى، أو كتاب منزل على فلان، وفلان يخبر أنك رسوله، وغيرها من الادعاءات الباطلة.
﴿قُلْ﴾: يا محمّد ﷺ .
стр. 2831
﴿سُبْحَانَ رَبِّى﴾: تنزيهاً له من كل عجز، أو نقص، أو عدم القدرة؛ فهو إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون، أو سبحان قد تقال حين التعجب من شيء، أو مقولة.
﴿هَلْ كُنْتُ﴾: هل: للاستفهام، والتعجب، والنفي؛ أي: ما كنت.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿بَشَرًا﴾: كسائر البشر.
﴿رَسُولًا﴾: من الله إليكم، ورسولاً: توكيد على أن الرسل بشر.
وما الفرق بين الرقي في السّماء، والصعود، والعروج؛ ففي هذه الآية قال: ﴿أَوْ تَرْقَى فِى السَّمَاءِ﴾؛ أما في الآية (١٢٥) من سورة الأنعام: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ﴾، والآية (١٤) من سورة الحجر: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾.
الرقي: أعم من الصعود، ويشمل المكان، وغير المكان؛ قد يكون في العلم، والمنزلة، وفيه صعود بالتدرج شيئاً فشيئاً.
والصعود: مقصور على المكان.
وأما العروج: صعود بشكل مائل، أو بخطِّ منحنٍ.
سورة الإسراء [١٧: ٩٤]
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾:
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾: ما: النّافية.
﴿مَنَعَ النَّاسَ أَنْ﴾: أن: حرف مصدري يفيد التّعليل.
﴿يُؤْمِنُوا﴾: بالله، وبما أنزل في القرآن، وبنبوة محمّد ﷺ .
﴿إِذْ جَاءَهُمُ﴾: إذ: ظرف زمان للماضي.
стр. 2832
﴿الْهُدَى﴾: الكتب السّماوية، والرّسل، والأنبياء.
﴿إِلَّا أَنْ﴾: إلا: أداة حصر.
﴿أَنْ قَالُوا﴾: أن: حرف مصدري للتعليل.
﴿قَالُوا أَبَعَثَ﴾: أبعث: الهمزة همزة استفهام إنكاري، وتعجب؛ لكون الرّسول ﷺ بشراً.
﴿أَبَعَثَ﴾: من البعث، وفيه حث، وتهييج، وعزم، وبعث؛ أي: إحياء لما نُزل إليهم من قبل. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩)؛ لمزيد من البيان في البعث، والإرسال.
﴿اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾: بشراً: مشتق من البشرة، والبشارة؛ أي: حُسن الهيئة، ومن البشرة الخاصة بجلد الإنسان؛ ولظهورهم عكس الجن المستورين؛ فهم يريدون ملكاً رسولاً، فكيف يكون ملكاً من الملائكة، وهم بشرٌ؛ فجاء الرد على هذا في الآية القادمة.
سورة الإسراء [١٧: ٩٥]
﴿قُلْ لَّوْ كَانَ فِى الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾:
﴿قُلْ لَّوْ كَانَ فِى الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ﴾: أي: قل لهم يا محمّد ﷺ رداً على تعجبهم من إرسال بشر رسولاً، ولم يكن ملكاً رسولاً.
﴿لَّوْ﴾: شرطية.
﴿كَانَ فِى الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ﴾: يعيشون في الأرض، ويمشون مطمئنين؛ فعندها قد ننزل عليهم ملكاً رسولاً؛ ليكون من جنسهم يفهمون ما يقول لهم، ويعلمهم ما نُزل إليهم.
ولو بعثنا عليهم ملكاً رسولاً؛ لجعلناه بشراً؛ لأنّهم غير قادرين على رؤية الملائكة، أو التلقي عنهم؛ لأنّ الملائكة من نور، والبشر من طين.
стр. 2833
والحقيقة يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين، ويقولون حجراً محجوراً.
فلا بد أن يكون الرّسول من جنسهم، وبلسان قومه (أي: يتكلم لغتهم).
سورة الإسراء [١٧: ٩٦]
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾:
﴿قُلْ﴾: رداً على ما اقترحوه، وطلبوه من الآيات (المعجزات)، وعلى اعتراضهم أن يكون الرّسول بشراً.
﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ : كفى؛ أي: يكفي أن يكون الله سبحانه شهيداً بيني وبينكم أني رسول الله إليكم. والباء (بالله): تفيد الإلصاق والتوكيد.
﴿شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾: الشّهيد أقوى من الشّاهد؛ حيث يعلم بخفايا الأمر، وبظواهره، صيغة مبالغة للشّاهد. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٣)؛ لبيان معنى شهيداً، وتقديم شهيداً على بيني وبينكم هو الأصل، بينما في سورة العنكبوت آية (٥٢) أخَّر شهيداً. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٥٢) للبيان.
﴿إِنَّهُ﴾: تفيد التّوكيد.
﴿كَانَ بِعِبَادِهِ﴾: كان: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والماضي المستمر، والحاضر، والمستقبل.
﴿بِعِبَادِهِ﴾: الباء: للإلصاق.
﴿خَبِيرًا﴾: يعلم بواطن الأمور، والنوايا، وما تخفي الصدور.
﴿بَصِيرًا﴾: يعلم بظواهر الأمور.
стр. 2834
سورة الإسراء [١٧: ٩٧]
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾:
﴿وَمَنْ﴾: من: ابتدائية، وللعاقل، وتشمل: المفرد، والجمع، والذكر، والأنثى، ومن: شرطية، وجوابها: فهو المهتد، ومن: جاءت هنا لتدل على المفرد المذكر بالذات.
﴿يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾: من يختار طريق الهداية لنفسه، ويسأل الله الهداية، والثبات على دين الله، والاستقامة على الصراط المستقيم.
﴿فَهُوَ﴾: الفاء: للتوكيد؛ هو: لزيادة التّوكيد.
﴿الْمُهْتَدِ﴾: اسم فاعل؛ يدل على الثبوت على طريق الهداية؛ أي: الّذي هداه الله هداية يسيرة أو قليلة أو خاصة حتى يستقيم على الصراط المستقيم، ولم يقل: المهتدي كما ورد في سورة الأعرف آية (١٧٨): الّذي يحتاج إلى هداية أكبر، أو طويلة حتى لا يضل مرة أخرى ويرسخ إيمانه.
﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾: مثل "من يهد"، ومن: تدل على الجمع، والمذكر.
﴿يُضْلِلْ﴾: يسير في طريق الضّلال، ويصر، ويستمر على ذلك يتركه وشأنه، وما اختاره من الضّلال.
﴿فَلَنْ﴾: الفاء: للتوكيد؛ لن: نفي المستقبل القريب، والبعيد.
﴿تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾: أولياء: جمع ولي: أي مُعين؛ جاءت بصيغة الجمع؛ لأن طرق الضّلال وسبله متعددة، وأسبابه مختلفة؛ كالشيطان، والهوى، والكبر، والتقليد، والبدع، والجهل.
стр. 2835
فلن تجد لهم أولياء: معاونين يهدونهم إلى العودة إلى دين الله تعالى من هذه السبل المتفرقة.
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: والحشر: هو السَّوق من القبور، والجمع في أرض المحشر للحساب.
﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: أي: ﴿يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨].
أو يمشون حقيقة على وجوههم، والله سبحانه قادر على ذلك، كما جاء في صحيح البخاري، ومسلم: «أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: الّذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه» للدلالة على التشويه والتعذيب والإهانة.
﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾: أي: منهم من يحشر أعمى، ومنهم من يحشر أبكم، ومنهم من يحشر أصم؛ فهم جماعات مختلفة؛ كل جماعة لها صفة من الصفات الثلاث.
ولو قال: عمياً بكماً صماً، وحذف الواو بينهما: عندها تعني جماعة واحدة تحمل الصفات الثلاث معاً في آن واحد. والآخرة قيل: هي مواطن، أو مواقف فقد يكون أعمى في هذا الموقف، وأصم في موقف، أو موطن آخر، وأبكم لا ينطق في موطن آخر.
﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: المأوى: دار الإقامة، والمأوى: اسم مكان؛ أي: منزلهم، ومكان استقرارهم جهنم، وكلمة المأوى فيها معنى الضم.
﴿جَهَنَّمُ﴾: من جهنام؛ أي: بعيدة القعر. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) لمزيد من البيان.
﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾: كلما: مركبة من: كل، وما: المصدرية الظرفية الزمانية، وتفيد التكرار.
стр. 2836
﴿خَبَتْ﴾: سكنت، أو خمدت، أو أصبحت كالجمر الأحمر سكن لهيبها.
﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾: ولم يقل زدناها سعيراً وإنما زدناهم.
والسؤال: كيف تخبو النّار، أو تسكن مع أن العذاب لا يخفف، ولا يفتر؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]؟
قيل: حين تشتعل النار في أجسادهم وتبدأ أجسادهم تتفحم وتتحول إلى رماد عندها تخبو النار في أجسادهم حتى يعادوا مرة أخرى أحياء من جديد، وتبدل جلودهم كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦].
سورة الإسراء [١٧: ٩٨]
﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد يشير إلى ما حدث لهم من الحشر على وجوههم، ومأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيراً.
﴿جَزَاؤُهُمْ﴾: الجزاء مقابل العمل، أو من جنس العمل، ويشمل العقاب والثواب.
﴿بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾: بأنهم: الباء: للتعليل، أو السببية.
﴿كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾: جحدوا، وأنكروا آياتنا، ولم يؤمنوا بها. آياتنا: تشمل الآيات القرآنية، والكونية، والمعجزات.
﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: ارجع إلى الآية (٤٩) من السّورة نفسها؛ للبيان.
سورة الإسراء [١٧: ٩٩]
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾:
حين أنكروا البعث، وإعادة الخلق رد الله عليهم بأن الّذي خَلَقَ السّموات
стр. 2837
والأرض ـ وخَلْقُ السّمواتِ والأرضِ أكبر من خلق النّاس ـ قادرٌ على أن يخلق مثلهم؛ لأن من خلق الشّيء الأعظم والأكبر هو قادر على خلق الأصغر، والأقل.
وإعادة الخلق أهون من ابتداء الخلق، وهم اعترفوا بذلك حين سئلوا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٠ والزمر: ٣٨].
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: أي: أولم يعلموا، والرؤية هنا: رؤية قلبية، والهمزة في أولم: للاستفهام، والإنكار، والتوبيخ، والواو: للتوكيد، وشدة الإنكار؛ لم: حرف نفي؛ أي: كيف ترى شيئاً تنكره، وغيرك لا ينكره؟
﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: أن: مصدرية؛ تفيد التّعليل، والتوكيد.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التعظيم؛ مختص بالمفرد المذكر.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾: أي: قادر أن يخلقهم هم أنفسهم، ويعيدهم من جديد، أو يخلق خلقاً آخر مثلهم يشبههم.
﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: الأجل: هو مدة حياتهم، والأجل: هو الموت، أو يوم القيامة، أو البعث.
﴿لَا﴾: النّافية.
﴿رَيْبَ فِيهِ﴾: الريب: هو الشك، والتهمة.
﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾: أبى: لم يرضَ، ورفض الظالمون: المشركون، والكافرون رغم التبيان والتفصيل إلا كفوراً، والإباء: شدة الامتناع قد يخالطه كراهية.
﴿إِلَّا كُفُورًا﴾: إلا: أداة حصر.
стр. 2838
﴿كُفُورًا﴾: صيغة مبالغة على وزن فُعلولاً؛ أي: الاستمرار في الكفر، والزيادة فيه.
سورة الإسراء [١٧: ١٠٠]
﴿قُلْ لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّى إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ .
﴿لَّوْ﴾: شرطية.
﴿أَنتُمْ﴾: للتوكيد.
﴿تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّى﴾: خزائن الأرزاق. ارجع إلى سورة الحجر، آية (٢١)؛ للبيان.
أو خزائن الرّحمة، أو النعم، والخيرات، والمعادن؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١]؛ أي: لو أن الله سبحانه أعطى خزائن خيراته للناس، ثم وكل إليهم أن ينفقوا منها على العباد، كما ينفق الله تعالى، لأمسكوا وبخلوا خوفاً من الفقر، أو النفاد. ارجع إلى سورة الحجر آية (٢١) لمزيد من البيان في معنى خزائن.
﴿إِذًا﴾: حرف جواب.
﴿لَّأَمْسَكْتُمْ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ أي: بخلتم، أو توقفتم، أو امتنعتم.
﴿خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ﴾: خوف النفاد، والخشية: خوف خاص مصحوب بالعلم، والرهبة، وعظمة المخشي منه؛ أي: الإنفاق.
﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ﴾: كان: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
﴿قَتُورًا﴾: صفة مشبهة من فعل قتر بخيلاً على النّاس، وبخيلاً على نفسه؛ أي: يبخل على النّاس، ويشتد بخله حتّى يبخل على نفسه، وعندها يصبح قتوراً: مشتقة من القتار: وهو الدخان الأسود من الشواء.
стр. 2839
سورة الإسراء [١٧: ١٠١]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَسْئَلْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق.
مناسبة ذكر هذه الآيات: يريد الله سبحانه أن يبين لنبيه ﵇، ومن تبعه من المؤمنين: أن ما يطلبه كفار مكة من آيات مثل تفجر الأرض ينبوعاً، وإسقاط السّماء عليهم كسفاً، أو بيت من زخرف، أو رقي في السّماء، وإنزال كتاب، وغيرها: إنما حدث لموسى ﵇؛ فقد آتاه الله تسع آيات؛ منها: العصا، واليد، والسنين وغيرها، فلم تغير من كفر فرعون وقومه شيئاً، ولم تردعهم، ولذلك لا فائدة من الاستجابة لكفار مكة.
﴿آتَيْنَا﴾: الإيتاء: هو العطاء مع إمكانية استرداده، وليس فيه تملك؛ أما العطاء: فيه تملك، وليس فيه استرداد؛ لأي شيء، والإيتاء: يشمل الأمور الحسية، والمعنوية معاً، والعطاء: فقط للأمور الحسية. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥١)؛ للبيان.
﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: واضحات، وهي خاصة بفرعون، ويجب عدم خلطها مع الآيات الّتي أنزلت على بني إسرائيل، وهي: العصا، واليد، والسنين، ونقص من الأموال، والأنفس، والثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم.
أما الآيات الخاصة ببني إسرائيل: فهي النجاة من فرعون، وفلق البحر، والانفجار، وانبجاس الماء، والمن، والسلوى، ونتق الجبل فوقهم كأنّه ظلة، والغمام … وغيرها.
﴿فَسْئَلْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾: والأمر كيف يسأل رسول الله بني إسرائيل الّذين جاءهم موسى؛ فقد ماتوا، وانقرضوا، ولم يبق أحدٌ منهم.
стр. 2840
الجواب: أي: اسأل ذريتهم كأنك سألتهم أنفسهم؛ لأنّهم سمعوا الأحداث، وتناقلوا الأخبار جيلاً بعد جيل.
اسألهم سؤال حجة، واستشهاد، وماذا فعل فرعون وقومه بالآيات؟ فقد كذبوا وجحدوا بها. وقد يسأل سائل ما هو الفرق بين ﴿فَسْئَلْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾، و ﴿سَلْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١]؟ العرب: إذا بدأت بالفعل تخفف وتقول سل، وأما إذا سبق الفعل سل شيء تقول: اسأل.
﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ﴾: فقال: الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ قال فرعون لموسى (فرعون الابن منفتاح). ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) للبيان: ﴿إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾؛ أي: سحرك غيرك؛ أي: كانت نتيجة إرسال التسع آيات اتهام موسى بالسحر؛ كذلك يسألك قومك من الآيات فقط للّج، والجدال، كما حدث لموسى ﵇.
سورة الإسراء [١٧: ١٠٢]
﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾:
﴿قَالَ لَقَدْ﴾: قال موسى لفرعون:
﴿لَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد؛ قد: حرف تحقيق.
﴿عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾: هؤلاء: الهاء: للتنبيه، أولاء: اسم إشارة يعود على الآيات التسع.
﴿إِلَّا﴾: إلا: أداة حصر.
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: هو وحده الّذي أنزلها.
والسؤال: هل علم فرعون، وأدرك أن هذه الآيات هي من عند الله تعالى؟
الجواب: كما قال ابن عبّاس ﵄: نعم؛ أي: علم، ولكنه أبى، واستكبر؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النحل: ١٤].
следующие страницы →