← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

﴿خَبَتْ﴾: سكنت، أو خمدت، أو أصبحت كالجمر الأحمر سكن لهيبها. ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾: ولم يقل زدناها سعيراً وإنما زدناهم. والسؤال: كيف تخبو النّار، أو تسكن مع أن العذاب لا يخفف، ولا يفتر؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]؟ قيل: حين تشتعل النار في أجسادهم وتبدأ أجسادهم تتفحم وتتحول إلى رماد عندها تخبو النار في أجسادهم حتى يعادوا مرة أخرى أحياء من جديد، وتبدل جلودهم كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]. سورة الإسراء [١٧: ٩٨] ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد يشير إلى ما حدث لهم من الحشر على وجوههم، ومأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيراً. ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾: الجزاء مقابل العمل، أو من جنس العمل، ويشمل العقاب والثواب. ﴿بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾: بأنهم: الباء: للتعليل، أو السببية. ﴿كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾: جحدوا، وأنكروا آياتنا، ولم يؤمنوا بها. آياتنا: تشمل الآيات القرآنية، والكونية، والمعجزات. ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: ارجع إلى الآية (٤٩) من السّورة نفسها؛ للبيان. سورة الإسراء [١٧: ٩٩] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾: حين أنكروا البعث، وإعادة الخلق رد الله عليهم بأن الّذي خَلَقَ السّموات

стр. 2837

والأرض ـ وخَلْقُ السّمواتِ والأرضِ أكبر من خلق النّاس ـ قادرٌ على أن يخلق مثلهم؛ لأن من خلق الشّيء الأعظم والأكبر هو قادر على خلق الأصغر، والأقل. وإعادة الخلق أهون من ابتداء الخلق، وهم اعترفوا بذلك حين سئلوا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٠ والزمر: ٣٨]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: أي: أولم يعلموا، والرؤية هنا: رؤية قلبية، والهمزة في أولم: للاستفهام، والإنكار، والتوبيخ، والواو: للتوكيد، وشدة الإنكار؛ لم: حرف نفي؛ أي: كيف ترى شيئاً تنكره، وغيرك لا ينكره؟ ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: أن: مصدرية؛ تفيد التّعليل، والتوكيد. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التعظيم؛ مختص بالمفرد المذكر. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾: أي: قادر أن يخلقهم هم أنفسهم، ويعيدهم من جديد، أو يخلق خلقاً آخر مثلهم يشبههم. ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: الأجل: هو مدة حياتهم، والأجل: هو الموت، أو يوم القيامة، أو البعث. ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿رَيْبَ فِيهِ﴾: الريب: هو الشك، والتهمة. ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾: أبى: لم يرضَ، ورفض الظالمون: المشركون، والكافرون رغم التبيان والتفصيل إلا كفوراً، والإباء: شدة الامتناع قد يخالطه كراهية. ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾: إلا: أداة حصر.

стр. 2838

﴿كُفُورًا﴾: صيغة مبالغة على وزن فُعلولاً؛ أي: الاستمرار في الكفر، والزيادة فيه. سورة الإسراء [١٧: ١٠٠] ﴿قُلْ لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّى إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ . ﴿لَّوْ﴾: شرطية. ﴿أَنتُمْ﴾: للتوكيد. ﴿تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّى﴾: خزائن الأرزاق. ارجع إلى سورة الحجر، آية (٢١)؛ للبيان. أو خزائن الرّحمة، أو النعم، والخيرات، والمعادن؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١]؛ أي: لو أن الله سبحانه أعطى خزائن خيراته للناس، ثم وكل إليهم أن ينفقوا منها على العباد، كما ينفق الله تعالى، لأمسكوا وبخلوا خوفاً من الفقر، أو النفاد. ارجع إلى سورة الحجر آية (٢١) لمزيد من البيان في معنى خزائن. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب. ﴿لَّأَمْسَكْتُمْ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ أي: بخلتم، أو توقفتم، أو امتنعتم. ﴿خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ﴾: خوف النفاد، والخشية: خوف خاص مصحوب بالعلم، والرهبة، وعظمة المخشي منه؛ أي: الإنفاق. ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ﴾: كان: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. ﴿قَتُورًا﴾: صفة مشبهة من فعل قتر بخيلاً على النّاس، وبخيلاً على نفسه؛ أي: يبخل على النّاس، ويشتد بخله حتّى يبخل على نفسه، وعندها يصبح قتوراً: مشتقة من القتار: وهو الدخان الأسود من الشواء.

стр. 2839

سورة الإسراء [١٧: ١٠١] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَسْئَلْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق. مناسبة ذكر هذه الآيات: يريد الله سبحانه أن يبين لنبيه ﵇، ومن تبعه من المؤمنين: أن ما يطلبه كفار مكة من آيات مثل تفجر الأرض ينبوعاً، وإسقاط السّماء عليهم كسفاً، أو بيت من زخرف، أو رقي في السّماء، وإنزال كتاب، وغيرها: إنما حدث لموسى ﵇؛ فقد آتاه الله تسع آيات؛ منها: العصا، واليد، والسنين وغيرها، فلم تغير من كفر فرعون وقومه شيئاً، ولم تردعهم، ولذلك لا فائدة من الاستجابة لكفار مكة. ﴿آتَيْنَا﴾: الإيتاء: هو العطاء مع إمكانية استرداده، وليس فيه تملك؛ أما العطاء: فيه تملك، وليس فيه استرداد؛ لأي شيء، والإيتاء: يشمل الأمور الحسية، والمعنوية معاً، والعطاء: فقط للأمور الحسية. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥١)؛ للبيان. ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: واضحات، وهي خاصة بفرعون، ويجب عدم خلطها مع الآيات الّتي أنزلت على بني إسرائيل، وهي: العصا، واليد، والسنين، ونقص من الأموال، والأنفس، والثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. أما الآيات الخاصة ببني إسرائيل: فهي النجاة من فرعون، وفلق البحر، والانفجار، وانبجاس الماء، والمن، والسلوى، ونتق الجبل فوقهم كأنّه ظلة، والغمام … وغيرها. ﴿فَسْئَلْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾: والأمر كيف يسأل رسول الله بني إسرائيل الّذين جاءهم موسى؛ فقد ماتوا، وانقرضوا، ولم يبق أحدٌ منهم.

стр. 2840

الجواب: أي: اسأل ذريتهم كأنك سألتهم أنفسهم؛ لأنّهم سمعوا الأحداث، وتناقلوا الأخبار جيلاً بعد جيل. اسألهم سؤال حجة، واستشهاد، وماذا فعل فرعون وقومه بالآيات؟ فقد كذبوا وجحدوا بها. وقد يسأل سائل ما هو الفرق بين ﴿فَسْئَلْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾، و ﴿سَلْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١]؟ العرب: إذا بدأت بالفعل تخفف وتقول سل، وأما إذا سبق الفعل سل شيء تقول: اسأل. ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ﴾: فقال: الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ قال فرعون لموسى (فرعون الابن منفتاح). ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) للبيان: ﴿إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾؛ أي: سحرك غيرك؛ أي: كانت نتيجة إرسال التسع آيات اتهام موسى بالسحر؛ كذلك يسألك قومك من الآيات فقط للّج، والجدال، كما حدث لموسى ﵇. سورة الإسراء [١٧: ١٠٢] ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾: ﴿قَالَ لَقَدْ﴾: قال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد؛ قد: حرف تحقيق. ﴿عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾: هؤلاء: الهاء: للتنبيه، أولاء: اسم إشارة يعود على الآيات التسع. ﴿إِلَّا﴾: إلا: أداة حصر. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: هو وحده الّذي أنزلها. والسؤال: هل علم فرعون، وأدرك أن هذه الآيات هي من عند الله تعالى؟ الجواب: كما قال ابن عبّاس ﵄: نعم؛ أي: علم، ولكنه أبى، واستكبر؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النحل: ١٤].

стр. 2841

﴿بَصَائِرَ﴾: آيات وحججاً واضحة، وبينات تدل على الخالق واجب الوجود، الإله الحق، وتدل على وحدانيته، وقدرته، وعظمته، وأنه هو الّذي يستحق العبادة. ﴿بَصَائِرَ﴾: جمع بصيرة؛ أي: آيات يُرى من خلالها، أو يتضح الحق من رؤيتها، ويُبصر الإنسان الأمر، أو الشّيء الّذي كان لا يعلمه؛ أي: تفتح الأبصار، والقلوب إلى رؤية الحق، والاهتداء للوصول إلى الإله الحق. ارجع إلى سورة الجاثية آية (٢٠) لمزيد من البيان في بصائر. ﴿وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾: لأظنك: اللام: للتوكيد. ﴿يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾: المثبور: الهالك، أو الممنوع من الخير، ومثبوراً: اسم مفعول من فعل: ثبر. وكأن الله سبحانه أطلع موسى على مصير فرعون، وأنه هالك عن قريب، وكأن قول موسى لفرعون: ﴿وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾: ردٌّ على قول فرعون لموسى: ﴿إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾. سورة الإسراء [١٧: ١٠٣] ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُم مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾: ﴿فَأَرَادَ﴾: فرعون. ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُم﴾: يستأصلهم كما قال ابن عباس؛ أي: يحرضهم؛ أي: بني إسرائيل وموسى على الخروج من مصر بالإيذاء، والسوء، وقتل أبنائهم، واستحياء نسائهم؛ ليكرههم على الخروج؛ الفاء: للترتيب الذكري. ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾: أرض مصر. ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والمباشرة؛ فأغرقناه: الهاء: تعود إلى فرعون. في اليم: البحر. ﴿وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾: ومن معه من جنده، وتدل على العدد، ليس بالعدد الكبير، ولو قال: والّذين معه؛ لكان ذلك يعني: العدد الكبير.

стр. 2842

﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد. سورة الإسراء [١٧: ١٠٤] ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِى إِسْرَاءِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: من بعد هلاك فرعون وجنوده قلنا لبني إسرائيل على لسان موسى ﵇. ﴿اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾: قيل: الأرض المقدسة، وقيل: اسكنوا جميع الأرض، وليس بقعة معينة؛ اسكنوا كل بقاع الأرض، وبما أنه لم يحدد لهم مكاناً، ولا عنواناً؛ فهذا يدل على أنها تعني كل الأرض، وهذه هي الحقيقة؛ فهم مبعثرون ومشردون في كل أنحاء العالم، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِى الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٨]. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: فإذا: الفاء: للتوكيد؛ إذا: ظرفية زمانية تدل على المستقبل، وعلى حتمية الحدوث. ﴿وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: هو الإفساد الثاني لبني إسرائيل: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِى الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤]، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُئُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٧]. ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾: جئنا بكم من أقطار الأرض إلى الأرض المقدسة؛ ليتحقق وعد الآخرة. ﴿لَفِيفًا﴾: اللفيف: هو الجمع الكبير من أخلاط، أو أجناس، أو أعراق مختلفة، ومن أوطان شتى؛ أخلاط تشمل: الشريف والدنيء، والمطيع والعاصي، والقوي والضعيف، وهذا ما يحدث الآن.

стр. 2843

سورة الإسراء [١٧: ١٠٥] ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ﴾: وبالحق: الباء: للإلصاق، والتوكيد؛ الحق: هو الشّيء الثابت الّذي لا يتغير، أو يتبدل أبداً؛ فالقرآن: هو الحق، والحق: هو القرآن، فلن يتغير منه حرف منذ نزل حتّى يوم القيامة. ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾: أي: جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا في ليلة القدر. ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾: وكذلك نزل من السّماء على رسول الله ﷺ طوال (٢٣) عاماً منجَّماً حسب الأحداث، ولم يتغير منه حرف: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤]. إذن هناك مرحلتان: المرحلة الأولى: إنزال من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا بالحق. والمرحلة الثّانية: نزول من السّماء الدّنيا على رسول الله ﷺ بالحق، أو التّوحيد. وقيل: الحق الأول غير الحق الثّاني؛ فالحق الأول: إنزال بالحكمة الإلهية، وبالحق نزل؛ أي: بما فيه من الأحكام، والوعد، والوعيد. ﴿وَمَا﴾: ما: النّافية.

стр. 2844

﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾: لمعرفة معنى الإرسال، والفرق بين البعث، والإرسال: ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩)؛ للبيان. ﴿إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾: إلا: أداة حصر. ﴿مُبَشِّرًا﴾: للمؤمنين، والطائعين، والبشارة: تكون بالخير. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. ﴿وَنَذِيرًا﴾: للعاصين، والكافرين. سورة الإسراء [١٧: ١٠٦] ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾: القرآن سمي بذلك؛ لكونه مقروءاً. ﴿فَرَقْنَاهُ﴾: أي: نزلناه مفرقاً، وليس جملة واحدة، أو دفعة واحدة، كما حصل للكتب السّابقة: التّوراة، والإنجيل، بعد أن كان مجموعاً في اللوح المحفوظ. ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ﴾: لتقرأه: اللام: للتوكيد، أو التّعليل. ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: على: تفيد العلو، والمشقة. ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾: على تؤدة، وتمهل، وتأنٍّ بلا عجلة، وفي آية أخرى: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]. ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾: توكيد نزلناه ببطء آيات، آيات، أو سورة بعد سورة. سورة الإسراء [١٧: ١٠٧] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ . ﴿آمِنُوا بِهِ﴾: أي: القرآن.

стр. 2845

﴿أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾: أو: للتسوية؛ سواء آمنتم به، أم لم تؤمنوا؛ الأمر سواء؛ أي: متساوٍ عند الله سبحانه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: إن: للتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح. ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: مؤمنو أهل الكتاب من اليهود، والنّصارى، والّذين قرؤوا التّوراة، والإنجيل قبل إنزال القرآن؛ مثل: عبد الله بن سلام، وورقة بن نوفل … وغيرهما. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: قبل نزول القرآن، أو قد ترجع إلى إرسال رسول الله محمّد ﷺ . ﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية تدل على حتمية الحدوث. ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: يُقرأ القرآن على الّذين أوتوا العلم، أو ما أُنزل إليهم من عند الله. ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾: أذقان: جمع: ذقن: وهو ملتقى اللحيين. ﴿يَخِرُّونَ﴾: بين يدي الله تعالى سجداً مشتقة من خرير الماء، أو الشلال، وتعني: الهبوط بسرعة، وله صوت. يخر: يسقط كسقوط الماء في الشلال، وبصوت. ﴿لِلْأَذْقَانِ﴾: إضافة اللام؛ تعني: المبالغة في الخشوع، والخضوع، وعلى كمال السجود؛ لأن السجود يكون على الجبهة، والأنف، أما للأذقان: تدل على كمال وشدة السجود؛ ليشمل الذقن (كناية عن الوجه، والجزء يشير إلى الكل)؛

стр. 2846

أي: سجود تام كامل حتّى يبلغ الذقن، ولم يقل على الأذقان (على تفيد المشقة والصعوبة)، وإنما للأذقان للدلالة على الحرص على التقرب لله تعالى. سورة الإسراء [١٧: ١٠٨] ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾: ﴿وَيَقُولُونَ﴾: تدل على التّجدد، والاستمرار، ولم يقل: وقالوا الّتي قد تعني مرة واحدة. ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾: تنزيهاً لربنا من الإخلاف بوعده، أو عدم إنجاز وعده الّذي وعده في الكتب السماوية السّابقة بإرسال محمّد ﷺ ، وإنزال القرآن على قلبه. ارجع إلى سورة الحديد، آية (١)؛ لبيان معنى التّسبيح. ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾: إن: للتوكيد. ﴿كَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ كان وعد ربنا مفعولاً لكل ما وعده على مر الزمن. ﴿لَمَفْعُولًا﴾: اللام: للتوكيد؛ مفعولاً: كائناً واقعاً لا محالة. سورة الإسراء [١٧: ١٠٩] ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾: انظر في الآية (١٠٧)، وتكرار "يخرون" للتوكيد. ﴿يَبْكُونَ﴾: في هذه المرة "يبكون" تدل على التّجدد، والتكرار. ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾: أي: القرآن، وتلاوته خشوعاً. ﴿خُشُوعًا﴾: تواضعاً، وليناً في القلب، والخشوع يعني: الخضوع، والإخبات أيضاً.

стр. 2847

سورة الإسراء [١٧: ١١٠] ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾: الله: اسم الذات الجامع لكل صفات الكمال الّتي انطوت عليها أسماء الله الحسنى، واسم العلم الدّال على واجب الوجود. ﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾: أو: للتخيير. ﴿ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾: الرحمن: من الرّحمة الّتي هي الصفة والسمة العامة والثابتة لذاته، والتي تمثل كل صفاته الأخرى؛ فهو أرحم الراحمين، والرحمن الرحيم، فهو سبحانه رحمة، وشريعته رحمة، وقرآنه رحمة؛ كل ما يفعله بعباده رحمة؛ لأنّه هو الرحمن دائم الرّحمة، ومتجدد الرّحمة. ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾: أي: هنا شرطية. ﴿مَا﴾: للتوكيد؛ أي: هي أكثر أدوات الشرط إبهاماً، وإضافة ما: تزيدها إبهاماً. ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: فله: الفاء: للتوكيد؛ له: تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة يدل على الحصر؛ أي: له وحده الأسماء الحسنى، وكلمة حُسنى: أفعل تفضيل للمؤنث، والمذكر منها: أحسن، وأسماء الله الحسنى تقسم إلى قسمين: منها ما هو أسماء ذات؛ أي: لا يقابل الاسم اسم مقابل؛ أي: مضاد؛ مثل العزيز لا يقابله الذليل، والكريم لا نقول البخيل؛ الحي لا يقابله الميت، ومنها ما هو أسماء صفات مثل: المُعز، يقابلها المذل، والضار، ويقابلها النافع، والمحيي، ويقابلها المميت. ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: أي: لا ترفع صوتك بالقراءة، أو الدعاء، أو لا تجهر بصلاتك حتّى يسمعك المشركون فيسبوا القرآن عَدْواً.

стр. 2848

﴿وَلَا﴾: النّاهية، وتكرارها يفيد التّوكيد. ﴿تُخَافِتْ بِهَا﴾: ولا تخفض الصوت؛ فلا يسمعك أصحابك في الصّلاة. ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: بين الجهر، والإخفاء؛ أي: وسطاً. ابتغ: أي: اتخذ، أو اسلك في التلاوة سبيلاً وسطاً. سورة الإسراء [١٧: ١١١] ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِىٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾: وقل: الخطاب لرسول الله ﷺ ولأمته. الحمد لله: ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٢) للبيان. الذي: اسم موصول يفيد التعظيم. لم: للنفي، يتخذ ولداً: لا عيسى، ولا عزير، ولا الملائكة، ولا غيرهم. فكونه لم يتخذ ولداً نعمة كبيرة على العباد يجب أن يحمدوه عليها؛ فكل الخلق عنده سواء إلا بالتقوى. فأحبهم، وأقربهم إليه أتقاهم. إذن: الخلق كله يتمتع بحنان ربهم، ورحمته، ولا يشاركهم بهذا الحنان والرحمة ولد، ولا يحتاج سبحانه لولد؛ لأنّه هو خالد، وباقٍ، ودائم، والولد هو امتداد لوالديه، والحمد لله الّذي لم يشبه عباده، ولا يحتاج إلى ولد؛ لأنّه سبحانه لا يعتريه ضعف، أو نقص؛ ليحتاج إلى ولد، وهو الحي القيوم، وهو الوارث. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ﴾: وهذا أيضاً يستوجب الحمد، فلو كان له شريك لكان سبباً للحيرة، والعداوة. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِىٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾: وأيضاً يستحق الحمد، والشكر؛ لأنّه لم يكن له ولي من الذّل. ﴿وَلِىٌّ﴾: الولي: المعين، أو الملجأ؛ فلا يحتاج إلى معين، أو ناصر، أو

стр. 2849

معز؛ لأن العزة لله جميعاً؛ أي: لا يحتاج إلى موالاة أحد؛ لأن به مذلة، أو عيب، أو نقص. ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾: أي: قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر من كل شيء. الله أكبر: أكبر اسم تفضيل، وأما كبير: اسم فاعل، واسم التفضيل يدل على الكمال التام، أكثر من اسم الفاعل، وبما أنه لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذّل، ولهذا يجب أن نكبر هذا الإله تكبيراً على كل نعمة أنعمها علينا، وسميت هذه: آية العز.

стр. 2850

سورة الكهف [١٨: ١] سورة الكهف ترتيبها في القرآن (١٨)، وترتيبها في النّزول (٦٩). فضل سورة الكهف: عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال» رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي. وعن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: «من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال» رواه مسلم، والإمام أحمد، والنسائي. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجَا﴾: انظر إلى كيف ختم الله سبحانه سورة الإسراء بقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، وكيف بدأ سورة الكهف بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، وكما بدأت سورة الكهف بالحمد لله؛ فقد سبقتها فاتحة الكتاب بالحمد لله، وسورة الأنعام، وسوف يأتي بعد سورة الكهف سورة سبأ، وسورة فاطر، وكلاهما بدأتا بالحمد لله أيضاً؛ فيكون مجموع السّور الّتي بدأت بالحمد خمس سور. ارجع إلى سورة الحمد، الآية (١)؛ للبيان.

стр. 2851

فالحمد لله حمداً مطلقاً على ما أنعمه علينا من النّعم، وعلى نعمة الإسلام، والهداية إلى الصّراط المستقيم، والحمد لله في سورة الأنعام؛ لأنّه خلق السّموات والأرض، وجعل الظّلمات والنّور، وأمّا الحمد لله في سورة الكهف؛ لأنّه أنزل على عبده الكتاب، والحمد لله في سورة سبأ؛ لأنّ له ما في السّموات، وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة أيضاً، والحمد لله في سورة فاطر؛ لأنّه خلق الملائكة الّذين يحفظون لنا أعمالنا، ويكتبوها. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: ارجع إلى سورة الفاتحة، آية (٢)؛ للبيان. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول مختص بالمفرد المذكر. ﴿أَنْزَلَ﴾: أي: جملة واحدة (دفعة واحدة) أنزل الكتاب (أي: القرآن) من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا سماه كتاباً لكونه مكتوباً في اللوح المحفوظ، ومكتوباً في السّطور. ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾: على: تفيد العلو؛ على عبده محمّد ﷺ . ﴿عَبْدِهِ﴾: الهاء: تدل على التّشريف. ﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن الكريم، ودخول (ال) التعريف؛ للدلالة على أنّه كتاب تام، وكامل. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢)؛ لمزيد من البيان. ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجَا﴾: أي: مستقيماً لا عوج فيه منذ البداية لم يجعل له عوجاً لا في اللفظ، ولا في المعنى، ولم يقل: ولم يجعل فيه عوجاً؛ لكان من المحتمل أنّ هذا العوج حدث للقرآن في زمان ما ثمّ زال عنه، وهناك من المفسرين من

стр. 2852

قال: هناك تقديم وتأخير في هذه الآية؛ لأنّها قد تقرأ الحمد لله الّذي أنزل على عبده الكتاب قيماً لا عوج له، وقدم كلمة عبده على الكتاب للاهتمام. ﴿عِوَجَا﴾: بصيغة النّكرة؛ لتشمل كلّ أنواع العِوج؛ أي: خالٍ من أي عوج مهما كان. وهناك فرق بين العِوج: بكسر العين، والعَوج: بفتح العين. فالعِوج: بكسر العين أكثر ما تستعمل في سياق المعاني، والكلام، والدين. والعَوج: بفتح العين في سياق الأشياء الحسية؛ مثل: حائط، عصا … سورة الكهف [١٨: ٢] ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾: ﴿قَيِّمًا﴾: تعود على الكتاب؛ قيماً تعني: مستقيماً لا ميل فيه، ولا زيغ، وقيماً بمصالح العباد الدّينية، والدّنيوية؛ لتستقيم به أمور العباد، وقيماً: تفيد التّوكيد؛ توكيد لا عوج فيه. لم يجعل له عوجاً تفيد نفي العوج؛ قيماً: تثبت استقامته. ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا﴾: لينذر: اللام: للتعليل، والتّوكيد، والإنذار موجه إلى الكفار، والعاصين، ويحمل في طياته الوعيد، والإنذار: هو الإعلام، والتّحذير، والتخويف. ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾: عذاباً شديداً، وأصل البأس: الشّدة في الحرب. ﴿مِنْ لَّدُنْهُ﴾: من لدنا: تستعمل للأمور الخاصة فيها معنى القرب إلى الله

стр. 2853

سبحانه، أو للعبد، ولم يقل: من عنده مما يدل على أنّه عذاباً خاصاً لا طاقة لأحدٍ به، ويستعمل من عندنا، أو منا للأقل قرباً، أو للأمور العامة. ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾: يعملون: تدل على التّجدد، والتّكرار، والاستمرار بقيامهم بالأعمال الصّالحة، والبشارة: تكون في الخبر السّار، والمسموع لأوّل مرة؛ مما يؤدي إلى ظهور علامات البشارة على البشرة؛ أي: الوجه. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩)، وسورة النّحل، آية (٨٩)؛ لمزيد من البيان. ﴿أَنَّ﴾: أنّ: مصدرية تفيد التّعليل. ﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص لهم خاصة. ﴿أَجْرًا حَسَنًا﴾: الأجر مقابل العمل، والأجر الحسن: قد يعني: الجنة، أو الحسنة بعشر أمثالها، أو أكثر، أو الذي يزيد عما يستحقه المؤمن. سورة الكهف [١٨: ٣] ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾: المكث في اللغة: هو الانتظار، أو البقاء والاستقرار الغير محدد بزمن، ولم يقل لابثين: اللبث يقترن بزمن محدد؛ أي: ماكثين فيه: باقين فيه، وإضافة أبداً أضافت إليه معنى الخلود؛ ماكثين فيه (فيه تعود على الأجر)؛ أي: ماكثين في الأجر أبداً، ويعني: الجنة، أو الأجر الدّائم الغير منقطع. ﴿أَبَدًا﴾: للتوكيد؛ أي: خالدين فيه.

стр. 2854

سورة الكهف [١٨: ٤] ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: هذا هو الإنذار الثّاني؛ الإنذار الأوّل: قيماً لينذر بأساً شديداً: هو إنذار عام، ومطلق لكلّ من كفر، وعصى ربه، وهذا الإنذار هو الإنذار الثّاني، والخاص بالّذين قالوا اتخذ الله ولداً؛ ينذر النّصارى الّذين قالوا المسيح ابن الله، أو ثالث ثلاثة، أو غيره من مظاهر الشّرك، أو ينذر المشركين الّذين قالوا إنّ الملائكة بنات الله، أو اليهود الّذين يقولون عزيراً ابن الله، أو غيرهم.

стр. 2855

سورة الكهف [١٨: ٥] ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾: ﴿مَا﴾: ما: لنفي الحال، والاستقبال. ﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ هم: تعود على الّذين قالوا اتخذ الله ولداً. ﴿بِهِ﴾: تعود على القول اتخذ الله ولداً. ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾: من: ابتدائية استغراقية تستغرق كلَ علم؛ أي: هو قول صادر عن جهل، أو تقليد، أو لا دليل له، وتشمل أي علم ذاتي، أو مكتسب، أو وراثي. ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾: لا: النّافية لنفي كلّ الأزمنة، ولا لآبائهم الّذين قالوا ذلك أيضاً من غير علم ذاتي، أو وراثي. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: كبرت: عظمت كلمةً، أو ما أكبرها من كلمة في القبح، والشّناعة، والإثم حين تفوهوا بها، وقالوا: اتخذ الله ولداً دون فهم، ولا عقل، ولا علم؛ فقد خرجت من أفواههم وبلغت درجة عظيمة؛ لأنها أضلت خلقاً كثيراً، وجاءت بالنصب، وليست بالرفع؛ لأنّ النصب أقوى، وأبلغ، وفيه معنى التعجب. ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾: إن: حرف نفي أقوى نفياً من ما؛ أي: ما يقولون إلا كذباً.

стр. 2856

﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿كَذِبًا﴾: باطلاً لا صحة له؛ مفترىً. وكذباً: نكرة؛ أي: كُلُهُ كذب. وكما جاء في الحديث القدسي الّذي أخرجه البخاري، عن أبي هريرة ﵁، عن النّبي ﷺ ؛ قال الله تعالى: «كذبني ابن آدمَ، ولم يكُنْ له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبُهُ إياي؛ فقوله: لن يُعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته، وأما شتمُهُ إياي؛ فقولُهُ: اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد لم أَلِدْ ولم أولَدْ ولم يكنْ لي كُفُواً أحَد». سورة الكهف [١٨: ٦] ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾: الفاء: للتوكيد؛ لعلك: لها عدة احتمالات، والخطاب هنا لرسول الله ﷺ : لعلك: للتراخي في المحبوب، وللإشفاق من المحذور، ويعني: أن يبخع نفسه، وهو المحذور. لعلك: تعني النّهي؛ أي: لا تبخع نفسك، وتجمع الإشفاق على رسول الله ﷺ بالإضافة إلى النّهي. لعلك: قد تفيد الاستفهام الّذي يحمل معنى النّهي؛ تعني: هل أنت ستهلك نفسك من جراء عدم إيمانهم. ﴿بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾: مُهلك، أو قاتل نفسك؛ لكي يؤمنوا، وكلمة باخع أصلها البخع، وتعني: أن تبلغ بالذّبح البخاع، وهو وريد دم قريب من صُلب عظام الرّقبة، وهو أقصى حد يصل إليه الذّبح؛ أي: قاتلٌ نفسك حزناً، وأسفاً على إعراضهم، وعدم إيمانهم، وتكذيبهم بالقرآن كمن يذبح نفسه إلى درجة يصل بها الذبح إلى

стр. 2857

البخاع، وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله ﷺ ما عليك إلا البلاغ؛ خفف عنك هذا الحُزن والهم. ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾: فلا تستمر في ملاحقتهم بعد توليهم ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]. ﴿إِنْ لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشّك. ﴿لَّمْ﴾: نافية. ﴿يُؤْمِنُوا﴾: يصدقوا. ﴿بِهَذَا﴾: الباء: للإلصاق. ﴿الْحَدِيثِ﴾: هو القرآن الكريم. ﴿أَسَفًا﴾: المبالغة في الحزن، وقيل: أسفاً: ندماً، وجزعاً، وغضباً، فالله سبحانه نهى رسوله ﷺ عن كثرة الحرص على إيمان قومه؛ لكي يؤدي ذلك إلى إصابته بضرر في نفسه من شدة الحُزن والأسى. سورة الكهف [١٨: ٧] ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: ﴿إِنَّا﴾: إن: للتوكيد، ونا: المتكلم؛ للتعظيم. ﴿جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾: جاءت هذه الآية لتعليل النّهي عن أن يبخع الرّسول ﷺ نفسه على آثارهم؛ لأنّ الدّنيا زائلة، وفانية، وما عليها من زينة، وزخرف، وجمال، إنما لابتلائهم؛ أي: اختبارهم، ولإقامة الحجة عليهم؛ لأنّ الله -جل وعلا- يعلم من هو أحسن عملاً منذ الأزل قبل خلقهم، وإظهارهم للوجود. ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾: اللام: لام التّوكيد، والتّعليل.

стр. 2858

﴿أَيُّهُمْ﴾: أي: للاستفهام. ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: اسم تفضيل من حسن؛ أي: عملاً من الأعمال الصّالحة، والطّاعة، وتجنب النّواهي، والعمل الصّالح يشمل القول، والفعل معاً؛ أحسن: أفضل عملاً. ولم يقل سبحانه: أكثر عملاً، وإنما: أحسن؛ أي: أخلص عملاً وأصوب. ارجع إلى سورة الملك آية (٢). سورة الكهف [١٨: ٨] ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾: ﴿وَإِنَّا﴾: وإن: للتوكيد؛ نا: ضمير المتكلم؛ للتعظيم بصيغة الجمع. ﴿لَجَاعِلُونَ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ جاعلون: من الجعل: وهو التّصيير. ﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الذي، وأكثر شمولاً من الذي. ﴿عَلَيْهَا﴾: من الزينة من نباتات، وجبال، وأشجار، وجنات، وهضاب، ووديان تزول وتتلاشى حين تقوم الساعة؛ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧]. ﴿صَعِيدًا﴾: الصعيد: هو وجه الأرض، ووجه الأرض: هو التّراب؛ أي: تراباً. ﴿جُرُزًا﴾: الجرز: الأرض الّتي لا ينبت فيها شيء؛ فالله سبحانه يجعل الأرض يوم القيامة أرض ملساء يابسة مستوية لا نبات فيها، ولا ماء؛ أرض قحط. ارجع إلى سورة طه آية (١٠٦ - ١٠٧) للبيان. سورة الكهف [١٨: ٩] ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾: سبب نزول هذه الآيات كما ذكر القرطبي عن ابن إسحاق: سألت قريش

стр. 2859

يهود المدينة عن صدق نبوة رسول الله ﷺ ، وصفته، وما ورد في كتبهم؛ فأشاروا إليهم أن يسألوا رسول الله ﷺ عن الروح، وأصحاب الكهف، وعن ذي القرنين؛ فسألوه فقال ﷺ : سأخبركم غداً، ولم يقل إن شاء الله، وجاء الغد، ولم ينزل الوحي عليه بالأجوبة؛ فشعر رسول الله ﷺ بالحرج، والضيق. ارجع إلى الآية (٢٣ - ٢٤) من نفس السّورة، والآية (٦٤) من سورة مريم. ﴿أَمْ﴾: المنقطعة للاستفهام، تحمل معنى: التّعجب. ﴿حَسِبْتَ﴾: اعتقدت؛ حسبت: تعني: الظّن الرّاجح، وتعني: الحساب القائم على النّظر، والتّجربة، والحساب. ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾: أنّ: للتوكيد. ﴿أَصْحَابَ﴾: جمع صاحب الملازم؛ صاحب: من صحب؛ أي: الرفيق، والصديق الّذي ينفعك، ولا يعني: القرين: الشّيطان الّذي يضرك. ﴿الْكَهْفِ﴾: الغار الواسع في الجبل. ﴿وَالرَّقِيمِ﴾: اللوح المرقوم المكتوب فيه أسماء أصحاب الكهف، أو لوح حجري كتبت فيه أسماء أصحاب الكهف، كما قال ابن عباس والفراء. ﴿كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾: أي: أحسبت أنّ أصحاب الكهف، والرّقيم كانوا أعجب آياتنا لا هناك الكثير من آياتنا ما هو أعجب من أصحاب الكهف. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية. ﴿آيَاتِنَا عَجَبًا﴾: أي: أعجبها؛ فهناك الآيات الكثيرة الّتي هي أعجب من قصة أصحاب الكهف الدّالة على عظمة وقدرة الله سبحانه على الخلق، والبعث، والإحياء.

стр. 2860

سورة الكهف [١٨: ١٠] ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرف زمان للماضي. ﴿أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾: أوى: التجأ، أو جعلوا الكهف مأوى لهم. ﴿الْفِتْيَةُ﴾: جمع فتى؛ بمعنى: الشّبان، والفتية، ولم يقل: الفتيان؛ الفتية في القرآن؛ تعني: الفئة الصّالحة المؤمنة. أمّا الفتيان في القرآن: تأتي في سياق الفئة غير المؤمنة، وسياق التسخير؛ أي: الخدم، وأمّا اللغة: فلا تفرق بين الفتية، والفتيان، وهناك فرق آخر: الفتية: جمع قلة؛ الفتيان: جمع كثرة، أو فتيان: أكثر عدداً مقارنة بالفتية، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٢]. ﴿فَقَالُوا﴾: الفاء: للمباشرة، والتّعقيب. ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾: ربنا، ولم يقولوا: يا ربنا؛ لأنّه سبحانه قريب؛ فلم يستعملوا ياء النّداء للبعد. ﴿آتِنَا﴾: من الإيتاء: وهو العطاء الّذي لا تملك فيه. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة؛ لمعرفة الفرق. ﴿مِنْ﴾: من: ابتدائية. ﴿لَدُنْكَ﴾: ولم يقولوا منك؛ من لدنك خاصة بالمقربين فيها معنى المبالغة والقرب واللين والخصوصية من الله تعالى، وأما منك تأتي في سياق العامة من النّاس، وتقديم من لدنك؛ تعني: خاصة من لدنك وحدك. ﴿رَحْمَةً﴾: جاءت في صيغة النّكرة؛ لتشمل أنواع كثيرة من الرّحمة؛ منها:

стр. 2861

الرّزق، والأمن، والصّحة، والمغفرة، والرّحمة: هي جلب ما يَسرُ، ودفع ما يضر، وتعني: الوقاية من الوقوع في الذّنوب. ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾: هيئ: يسر لنا، واجعل أمرنا كله رشداً؛ أي: صلاحاً، والرَّشَد: بفتح الراء؛ يعني: الصّلاح في أمور الدّين، والآخرة. أما الرُّشد: ضد الغي، والضّلال، والسّفه، وسوء التّدبير؛ أي: اهدنا إلى طريق الصّواب، والصّلاح، والحق، والخير، والإيمان، والتّوحيد، والرُّشد: بضم الرّاء: الصّلاح في الأمور الدّنيوية، والأخروية، والرُّشد: أعم من الرَّشَد. سورة الكهف [١٨: ١١] ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِى الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾: ﴿فَضَرَبْنَا﴾: الفاء: للمباشرة، والتّعقيب، والضّرب: يعني: إيقاع شيء على شيء، والضّرب في الأرض: أي: السّفر؛ يضرب بقدمه الأرض؛ أي: يسافر، والضرب على الأذن في الحالات العادية: يؤدي إلى الصمم الناتج أحياناً إلى تمزق غشاء الطبل في الأذن، وتعطل حاسة السّمع عندهم. ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِى الْكَهْفِ﴾: أي: بعد أن أووا إلى الكهف جعلنا على آذانهم حجاباً، أو حائلاً يمنع وصول الصّوت إلى آذانهم؛ لأنّ الله سبحانه لا يريد أن يوقظهم بسماع أي صوت، وأضاف الضّرب إليه سبحانه؛ أي: أصبحوا لا يسمعون شيئاً لسنين طويلة. ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾: أبقاهم الله سبحانه أحياء ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [آية: ٢٥] من نفس السّورة. ﴿عَدَدًا﴾: للتوكيد؛ أي: (٣٠٠ سنة شمسية) ما يعادل (٣٠٩ سنة قمرية) أبقاهم أحياء بدون طعام، أو شراب، أو شيء من مقومات الحياة العادية.

стр. 2862

سورة الكهف [١٨: ١٢] ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للتراخي في الزّمن؛ أي: بعد زمن طويل بلغ ثلاث مائة وتسع سنوات. ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾: أيقظناهم من نومهم، والبعث: يعني: الحث، والإثارة، والتّحريك. ﴿لِنَعْلَمَ﴾: اللام: لام التّعليل. ﴿أَىُّ الْحِزْبَيْنِ﴾: أي: للاستفهام. ﴿الْحِزْبَيْنِ﴾: قيل: الفتية انقسموا حزبين (جماعتين)، والحزب: هو جماعة من النّاس تجمعهم مصالح مشتركة، وآراء متشابهة؛ حزب قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، وحزب قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، وبعض المفسرين قالوا: الحزبين هم الفتية، وأهل المدينة. ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾: لما: ظرفية زمانية، وما: مصدرية؛ أحصوا: من الإحصاء: وهو العد، والجمع، والطرح، والحفظ، والكتابة. ﴿لَبِثُوا﴾: وهم رقود في كهفهم. ولبثوا: اللبث: هو الاستقرار المقرون بزمن محدد بعكس المكث: هو الاستقرار الغير مقرون بزمن محدد. ﴿أَمَدًا﴾: والأمد: أما أن يكون ظرفاً من الزمان أو المكان، وفي هذه الآية ظرف للزمان منتهى الأجل، أو المدة (عدد السنين)، وانتهى التساؤل أن كلا الحزبين لم يعلم الجواب الحق. سورة الكهف [١٨: ١٣] ﴿نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾: ﴿نَّحْنُ﴾: ضمير منفصل بصيغة الجمع؛ للتعظيم.

стр. 2863

﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ﴾: نخبرك، أو نطلعك على نبأهم. ﴿نَبَأَهُمْ﴾: النّبأ: هو الخبر الهام العظيم. ﴿بِالْحَقِّ﴾: بالصّدق؛ الباء: للإلصاق، والحق: هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير، أو يتبدل، وما يقصه الله سبحانه علينا هو علم اليقين، وصدق، ولا يخالطه أي شك، أو ريبة؛ لأنّ هناك من الأنباء ليست بالحق؛ أي: ليست صادقة. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿فِتْيَةٌ﴾: ارجع إلى الآية (١٠)؛ للبيان. ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾: آمنوا إيمان عقيدة، وتوحيد، وصدقوا بربهم، وهذه شهادة من الله لهم، ويا لها من شهادة عظمى. ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾: أي: إقبالاً على الله، وإيماناً، وبصيرة، وهديناهم الهداية الخاصة الموصلة إلى الغاية، وهي سعادة الدّارين. ﴿هُدًى﴾: نكرة؛ تشمل كلّ أنواع الهداية. سورة الكهف [١٨: ١٤] ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَّدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: الرّبط: الشّد؛ أي: ألهمناهم، قويناهم بالصّبر، والثبّات، واليقين، والجرأة (عدم الخوف) على الإيمان، والتّوحيد حتّى لا يفزعوا. وقوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، ولم يقل: وربطنا قلوبهم؛ على: تدل على العلو، والمشقة؛ أي: على القلب؛ على ما فيها من إيمان، وتقوى. أما

стр. 2864

ربطنا قلوبهم؛ تعني: ربط القلب ذاته بجهاز، أو شيء حسي، كما يحدث في العمليات الجراحية. ﴿إِذْ قَامُوا﴾: إذ: ظرف زمان للماضي؛ بمعنى: حين قاموا يدعون الله وحده، ويعبدونه. ﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: الرّبط خاصة حين قاموا لمواجهة الشّرك، والباطل، والتّصدي له، وأعلنوا الكلمة الطّيبة كلمة التّوحيد لا إله إلا الله، ربنا رب السّموات والأرض في أرض الشّرك، والضّلال. ﴿لَنْ نَّدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾: لن: لنفي المستقبل القريب، والبعيد. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: من دون الله، من غير الله. ﴿إِلَهًا﴾: معبوداً آخر، ولا شريكاً له، أو مثيلاً. ﴿لَّقَدْ قُلْنَا﴾: لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق. ﴿قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾: الشّطط: الجور، والظّلم، أو الابتعاد عن الحق، والصّواب؛ أي: إذا ادعينا أنّ هناك إلهاً آخر من دونه؛ فقد قلنا كلاماً شططاً؛ أي: كذباً بعيداً عن الحق، والصّواب، وظلماً، وجوراً. سورة الكهف [١٨: ١٥] ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا﴾: هؤلاء: الهاء: للتنبيه؛ أولاء: اسم إشارة تشير إلى الّذين اتخذوا من دون الله آلهة. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: من: ابتدائية. ﴿دُونِهِ﴾: دون الله آلهة يعبدونها.

стр. 2865

﴿لَّوْلَا﴾: أداة عرض، وحض. ﴿لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾: بسلطان؛ أي: دليل، وحجة على إشراكهم بالله واتخاذ الآلهة. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: فمن: الفاء: للتوكيد؛ من: استفهامية تفيد النّفي، واستفهام تقرير حتّى يجيب المخاطب بنفسه، والمعنى: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً، ولو قال تعالى: لا أحد أظلم؛ لكان عبارة عن كلام إنشائي على سياق الخبر؛ بينما قوله: فمن أظلم ممن افترى كلام استفهامي على سياق السّؤال، وهو أبلغ، وأرسخ في النّفس، والافتراء: هو الكذب المتعمد المختلق. ﴿كَذِبًا﴾: نكرة يشمل كلّ أنواع الكذب القليل، والكثير بكلّ أنواعه.

стр. 2866

سورة الكهف [١٨: ١٦] ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾: وإذ؛ أي: واذكروا إذا اعتزلتموهم؛ أي: اعتزلوا قومهم؛ أي: تركوا قومهم، وخلوا بأنفسهم. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ﴾: وما: النّافية. ﴿يَعْبُدُونَ﴾: إلا الله. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، أو استثناء. ﴿فَأْوُا إِلَى الْكَهْفِ﴾: هذا قول بعضهم لبعض؛ أي: الجؤوا إلى الكهف، واجعلوه مقر عبادتكم. ﴿يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَّحْمَتِهِ﴾: يوسع، ويبسط لكم ربكم كلّ أنواع رحمته. ﴿رَّحْمَتِهِ﴾: من الصّحة، والعافية، ومن الطّعام، والشّراب الّتي تحتاجون إليها في هذا الكهف الخالي من مقومات الحياة، والمعيشة. ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾: مرفقاً: جمعه مرافق؛ أي: منافع، ومرافق الحياة: الأمور الّتي لا يستغني عنها الإنسان من غذاء، وشراب، وتدفئة، أو تبريد، أو هواء، وشمس. وأصل كلمة مرفقاً: ما يرتفق به؛ أي: يتكأ عليه، أو يستعان به مثل عضو المرفق، وهو المفصل المسمى المرفق، أو الكوع كقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].

стр. 2867

سورة الكهف [١٨: ١٧] ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾: وترى الشّمس: رؤية العين؛ إذا طلعت أشرقت على كهفهم، وإذا تفيد حتمية الحدوث، وكثرته. ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾: أي: تتزاور أدغمت التّاء في الزّاي، فأصبحت تزاور؛ أي: تميل وتنحرف عنهم؛ لئلا تؤذيهم بأشعتها، أو سرعان ما تتحول، وتميل، أو تعدل عن كهفهم، من الزّور: وهو الميل. ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾: جهة يمين الكهف؛ أي: على يمين الدّاخل إلى الكهف. ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ﴾: إذا: ظرفية زمانية، وتدل على حتمية الحدوث، وكثرته؛ أي: مالت للغروب. ﴿تَّقْرِضُهُمْ﴾: تتجافى عنهم، ولا تَقْربهم (قرض المكان تركه وتجاوزه) فلا تؤذيهم عند الغروب. ﴿ذَاتَ الشِّمَالِ﴾: أي: تصيبهم إصابة خفيفة حين الغروب؛ لأنّ الشّمس ضرورية لما فيها من أشعة فوق البنفسجية الغير مرئية الضرورية لإنتاج فيتامين (د) وكثرتها تؤدي إلى الإصابة بسرطانات الجلد، ولم يقل: تزاور عن كهفهم ذات الشّمال. ﴿وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِّنْهُ﴾: وهم: الفتية. ﴿فِى فَجْوَةٍ مِّنْهُ﴾: الفجوة: المتسع، أو وسط الكهف. ﴿مِّنْهُ﴾: أي: الكهف.

стр. 2868

﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: التّزاور، والإقراض عند الشّروق، وعند الغروب، ودوران الشّمس، وميلها، والضّرب على آذانهم، ونومهم (٣٠٩ سنة) بدون طعام، أو شراب، وتقليبهم ذات اليمين، وذات الشّمال آيات من آيات الله؛ أي: دلائل، وبراهين على عجائب قدرته سبحانه. ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ﴾: ارجع إلى الإسراء، الآية (٩٧)؛ للبيان. ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾: ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٨٦)؛ للبيان. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾: فلن: الفاء: للتوكيد؛ لن: نافية تنفي المستقبل القريب، والمستقبل البعيد. ﴿تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا﴾: معيناً. ﴿مُّرْشِدًا﴾: اسم فاعل من الفعل أرشد؛ أي: دل وهدى؛ أي: يرشده إلى الدّين، والهدى، والصّواب، والصّلاح. سورة الكهف [١٨: ١٨] ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾: من الحسبان: وهو الظّن الرّاجح، أو الاعتقاد المبني على الحساب والتجربة. ﴿أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾: جمع يقظ؛ أي: غير نائم أيقاظاً؛ لكون أعينهم مفتحة رغم أنهم نيام سنين طويلة (٣٠٩ سنة). ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾: نقلبهم على جنبهم الأيمن ثمّ الأيسر، ولم يذكر لماذا؟ وهذا من المعجزات العلمية؛ فالتّقلب لتجنب تقرحات الجلد،

стр. 2869

والعضلات النّاشئة عن عدم تروية الجلد بسبب الضّغط المباشر على الجلد من جراء النّوم لزمن طويل على جنب واحد، ولتجنب تشكل الخثرات الدموية في الأوردة الّتي قد تترك مكانها وتستقر في الرئتين، أو القلب مما يؤدي إلى الموت أحياناً، فالتقلب والحركة تمنع حدوث ذلك. ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾: الوصيد بفناء الكهف، أو مدخله (عتبة الكهف). ﴿ذِرَاعَيْهِ﴾: الطّرفين الأماميين. ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾: لو: شرطية. ﴿اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾: أي: رأيتهم لأوّل مرة؛ أي: وقع بصرك عليهم لأوّل مرة. ﴿لَوَلَّيْتَ﴾: اللام: للتوكيد، وليت: من ولى أدبر. ﴿مِنْهُمْ﴾: تقديم الجار، والمجرور؛ يفيد الحصر؛ أي: منهم خاصة. ﴿فِرَارًا﴾: الهروب بسرعة مع الخوف مع عدم محاولة التّستر، والاختفاء. أما الهروب العادي: هو الجري بسرعة، قد يرافقه التّستر، والاختفاء. ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾: ولملئت: الواو: لمطلق الجمع، وليس للترتيب؛ انظر إلى تقديم الفرار على الرعب؛ أي: يحدث الهروب أوّلاً، ثمّ يليه الرّعب، أو يحدث الرّعب، والعادة أن يحدث الرّعب، ثمّ الهروب، وإذا حدث الفرار (الهروب) أوّلاً، وتبعه الرّعب دلّ على شدة المنظر المخيف المهيل.؛ فهم رقود وعيونهم مفتحة، وأوقع سبحانه عليهم الهيئة المرعبة حتّى يحميهم، ولا يستطيع أحد أن ينظر في وجوههم، ويعرفهم. سورة الكهف [١٨: ١٩] ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا

стр. 2870

لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾: ﴿وَكَذَلِكَ﴾: ولم يقل: ثم بعثناهم، وإنما قال: وكذلك بعثناهم؛ أي: كما ضربنا على آذانهم، وأنمناهم وحفظناهم أحياء لثلاث مائة سنين، وتسع؛ فهم لم يموتوا، وإنما ناموا؛ كذلك بعثناهم؛ أي: آية نومهم تشبه آية بعثهم كلاهما يدل على عظمة الخالق. ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾: أيقظناهم من نومهم بعد (٣٠٩ سنين). ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾: ليتساءلوا: اللام: لام التّعليل؛ يسأل بعضهم بعضاً. ﴿قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾: كم: استفهامية، وتستعمل للسؤال عن العدد، وهناك كم الخبرية؛ كقوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١]. أي: سأل سائل منهم كم لبثتم: اللبث: الإقامة المحدودة بزمن محدد؛ أي: كم مر علينا من الزّمن في نومنا، أو كم استغرقنا في نومنا. ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾: قال بعضهم: يوماً أو بعض يوم؛ لأنّهم شاهدوا أن شعرهم، وشكلهم، وهيئتهم لم تتغير كثيراً. ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾: وألهم الله بعضهم الآخر للإجابة بالقول ربكم أعلم بما لبثتم، ودعونا من هذا السّؤال نريد أن نأكل: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾: الوَرِق: العملة من الفضة مضروبة، أو غير مضروبة؛ فهم لا يزال معهم دراهم من الفضة؛ الوَرِق: الفضة.

стр. 2871

﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾: لم يذكر اسمها؛ لأنه ليس مهم. ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾: أزكى: أي: الحلال الطّيب الجيد، أو الأبعد عن الحرام. ﴿فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾: فليأتكم: الفاء: للترتيب، والمباشرة. ﴿بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾: بطعام (الطّعام رزق). ﴿مِّنْهُ﴾: من: البعضية؛ أي: من بعضه. ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾: اللام: للتوكيد؛ ليذهب، ويأتي بالطّعام لنا بلطف وخفاء؛ ليتلطف في المعاملة؛ أي: يحاول جهده أن يكون لطيفاً ممن يشتري منه؛ فهم ما زالوا على حذر، وخوف من قومهم الّذين ليسوا على ملتهم، أو شريعتهم، وأنّهم يلاحقونهم، ويبحثون عنهم، هكذا ظنوا أنّهم لا زالوا في زمنهم قبل (٣٠٩ سنة). ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾: ولا: لا: النّاهية. ﴿يُشْعِرَنَّ﴾: النّون: نون التّوكيد. ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾: أي: لا يخبرن، أو لا يطلعن أحداً بمكانكم، ولا يفعل، أو يقول شيئاً يؤدي إلى الشّعور بنا؛ سواء أكان بغير قصد أم الخطأ. سورة الكهف [١٨: ٢٠] ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ﴾: إنّهم: للتوكيد. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد احتمال الحدوث، أو النّدرة، أو الافتراض. ﴿يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: يطَّلعوا عليكم، أو يظفروا بكم، أو يعلموا مكانكم.

стр. 2872

﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾: أي: يقتلوكم رمياً بالحجارة. ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ﴾: في شريعتهم كرهاً، والملة: هي الشّريعة، أو الطريقة، أو المذهب. ارجع إلى سورة إبراهيم، آية (١٣)؛ للبيان. ﴿وَلَنْ﴾: للنفي للمستقبل القريب، أو البعيد. ﴿تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾: إذا عدتم في ملتهم، أو أحيط بكم؛ فلن تفلحوا. ﴿تُفْلِحُوا﴾: تنجو من عذاب الله، وتفوزوا بالآخرة؛ أي: بالجنة. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب، وجزاء للتوكيد. ﴿أَبَدًا﴾: للتوكيد؛ أي: إذا عدتم في ملتهِم، وأمّا إذا عثروا عليهم ورجموهم فهم سيكونوا شهداء في سبيل الله.

стр. 2873

سورة الكهف [١٨: ٢١] [٢١] ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾: وكذلك؛ أي: مثل ذلك (تفيد التشبيه)، كما بعثناهم أحياء ليتساءلوا بينهم. ﴿أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾: أطلعنا عليهم النّاس الّذين جاؤوا بعد (٣ قرون). ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ﴾: ليعلموا: اللام: لام التّوكيد. ﴿أَنَّ﴾: لزيادة التّوكيد. ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: وعد الله بالبعث حق، وعد الله حق؛ أي: ثابت لا يتغير؛ لأنّ الضّرب على آذانهم وهم رقود لمدة ثلاث مائة سنين وتسع يشبه، أو يمثل حياة البرزخ، ثمّ بعثهم يمثل حالة من يبعث من قبره، ويساق إلى أرض المحشر عند قيام السّاعة. ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: أنّ: للتوكيد، ولم يقل: آتيه؛ لأنّه في هذه الآية لا يتحدث عن السّاعة؛ أي: لحظة تهدم النّظام الكوني، وإنما يتحدث عن ساعة قيام الفتية من نومهم، وبعثهم بعد (٣٠٩ سنة) دليلاً على آتيه، وكلمة ليعلموا: تعود على أصحاب الكهف، أو تعود على قومهم؛ فإذا كانت تعود على أصحاب الكهف؛ فهم يعلمون أنّ وعد الله حق؛ لأنّهم يؤمنوا بالله، ولو قال: كي يعلموا ذلك؛ يعني: أن الفتية لا يعلموا أن وعد الله حق، وهذا ليس صحيحاً، وإذا كانت تعود إلى قومهم.

стр. 2874

﴿لِيَعْلَمُوا﴾: اللام: للتأكيد؛ ليعلموا قومهم من إحياء أصحاب الكهف أنّ وعد الله بالبعث حق، وأنّ السّاعة؛ أي: ساعة تهدم النّظام الكوني لا ريب فيها؛ فكلا المعنيين وارد. ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾: إذ: ظرف زماني للزمن الماضي. ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾: بصيغة الفعل المضارع الدّالة على التجدد، والتكرار، أو حكاية الحال، لم يقل: تنازعوا: للدلالة على الماضي؛ لأنّ الكثير من النّاس لا زالوا يتنازعون، يتخاصمون في أهل الكهف، وعددهم، ومكانهم، وشأنهم، والتّنازع في ذلك الزّمان حدث بين أفراد الجماعة الّتي عثرت على أصحاب الكهف بعد بعثهم من مرقدهم، والتّنازع في اتخاذ بنيان لهم يضم قبورهم، أو اتخاذ مسجدٍ عليهم. وانتبه إلى تقديم كلمة بينهم بدلاً من قوله؛ إذ يتنازعون أمرهم بينهم؛ أخر كلمة أمرهم؛ لأنّ أمر أصحاب الكهف لم يُعد سراً، والكلّ يعلم بقصتهم، والنّاس كلهم قد آمنوا حين عُثر عليهم بعد (٣٠٩ سنة)، ولنعلم أن الكثير من النّاس حتّى يومنا هذا لا زالوا يتنازعون في أصحاب الكهف عددهم ومكانهم وقصتهم. ولو قارنا هذه الآية مع الآية (٦٢) من سورة طه: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: الآية تتحدث عن سحرة فرعون قبل إلقاء عصيهم، وحبالهم. ففي هذه الآية جاء بفعل ماض: تنازعوا، وجاء بكلمة: أمرهم قبل بينهم؛ فقال: أمرهم بينهم؛ قدم أمرهم هنا؛ لأنّه كان أمر سري، وهام، ولم يطلعوا السّحرة عليه أحداً من النّاس، وأمّا المجيء بالفعل الماضي تنازعوا؛ لأنّ التّخاصم، والتّنازع بين السّحرة كان مرة واحدة وانتهى بعد أن تبين لهم الحق حين ألقى موسى عصاه، والتقفت ما صنعوا، وبعدها آمنوا برب العالمين، وانتهى الأمر. ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا﴾: قسم من الّذين عثروا على أصحاب الكهف اقترحوا أن يبنوا عليهم بنياناً.

стр. 2875

﴿بُنْيَانًا﴾: من البناء، والبنيان يختلف عن البناء؛ البنيان: هو الثابت الّذي لا يتغير، ويدوم قروناً طويلة؛ مثل: الأبنية الأثرية التاريخية؛ كالأهرامات. أما البناء: ليس ثابتاً قد يتغير؛ مثل: المنازل العادية. ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾: أي: قال الأكثرية؛ أي: أهل المدينة المؤمنون، أو الرّؤساء القادة؛ أي: الملك، وأصحابه المؤمنون: لنتخذن عليهم مسجداً. ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾: لنتّخذنّ: اللام: للتوكيد، والنّون: لزيادة التّوكيد؛ أي: لنبنينَّ عليهم مسجداً. سورة الكهف [١٨: ٢٢] ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَّبِّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾: ﴿سَيَقُولُونَ﴾: السّين: للاستقبال القريب؛ سيقول الّذين يتنازعون في أمرهم؛ أي: يخوضون في قصتهم. ويقولون: بصيغة المضارع الدالة على التجدد والتكرار، ولم يقل قالوا ثلاثة رابعهم كلبهم، وقالوا خمسة سادسهم كلبهم. ﴿ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: عددهم ثلاثة رابعهم كلبهم. ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: ويقولون عددهم: خمسة سادسهم كلبهم. ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾: رجماً: مشتقة من الرّجم بالحجارة الّتي لا تصيب المرمى، أو يرمي إلى مكان لا يعرف مداه، واستعيرت لرمي الكلام من غير علم، أو دليل؛ أي: ما قالوه من باب الظّن بدون علم. ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: قالوا: زيادة حرف الواو في كلمة وثامنهم: تدل على الاهتمام؛ أي: التّوكيد؛ فقالوا: هذا هو الأقرب إلى الصّواب؛
следующие страницы →