Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾: لم يذكر اسمها؛ لأنه ليس مهم.
﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾: أزكى: أي: الحلال الطّيب الجيد، أو الأبعد عن الحرام.
﴿فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾: فليأتكم: الفاء: للترتيب، والمباشرة.
﴿بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾: بطعام (الطّعام رزق).
﴿مِّنْهُ﴾: من: البعضية؛ أي: من بعضه.
﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾: اللام: للتوكيد؛ ليذهب، ويأتي بالطّعام لنا بلطف وخفاء؛ ليتلطف في المعاملة؛ أي: يحاول جهده أن يكون لطيفاً ممن يشتري منه؛ فهم ما زالوا على حذر، وخوف من قومهم الّذين ليسوا على ملتهم، أو شريعتهم، وأنّهم يلاحقونهم، ويبحثون عنهم، هكذا ظنوا أنّهم لا زالوا في زمنهم قبل (٣٠٩ سنة).
﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾: ولا: لا: النّاهية.
﴿يُشْعِرَنَّ﴾: النّون: نون التّوكيد.
﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾: أي: لا يخبرن، أو لا يطلعن أحداً بمكانكم، ولا يفعل، أو يقول شيئاً يؤدي إلى الشّعور بنا؛ سواء أكان بغير قصد أم الخطأ.
سورة الكهف [١٨: ٢٠]
﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾:
﴿إِنَّهُمْ إِنْ﴾: إنّهم: للتوكيد.
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد احتمال الحدوث، أو النّدرة، أو الافتراض.
﴿يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: يطَّلعوا عليكم، أو يظفروا بكم، أو يعلموا مكانكم.
стр. 2872
﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾: أي: يقتلوكم رمياً بالحجارة.
﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ﴾: في شريعتهم كرهاً، والملة: هي الشّريعة، أو الطريقة، أو المذهب. ارجع إلى سورة إبراهيم، آية (١٣)؛ للبيان.
﴿وَلَنْ﴾: للنفي للمستقبل القريب، أو البعيد.
﴿تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾: إذا عدتم في ملتهم، أو أحيط بكم؛ فلن تفلحوا.
﴿تُفْلِحُوا﴾: تنجو من عذاب الله، وتفوزوا بالآخرة؛ أي: بالجنة.
﴿إِذًا﴾: حرف جواب، وجزاء للتوكيد.
﴿أَبَدًا﴾: للتوكيد؛ أي: إذا عدتم في ملتهِم، وأمّا إذا عثروا عليهم ورجموهم فهم سيكونوا شهداء في سبيل الله.
стр. 2873
سورة الكهف [١٨: ٢١]
[٢١] ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾:
﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾: وكذلك؛ أي: مثل ذلك (تفيد التشبيه)، كما بعثناهم أحياء ليتساءلوا بينهم.
﴿أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾: أطلعنا عليهم النّاس الّذين جاؤوا بعد (٣ قرون).
﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ﴾: ليعلموا: اللام: لام التّوكيد.
﴿أَنَّ﴾: لزيادة التّوكيد.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: وعد الله بالبعث حق، وعد الله حق؛ أي: ثابت لا يتغير؛ لأنّ الضّرب على آذانهم وهم رقود لمدة ثلاث مائة سنين وتسع يشبه، أو يمثل حياة البرزخ، ثمّ بعثهم يمثل حالة من يبعث من قبره، ويساق إلى أرض المحشر عند قيام السّاعة.
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: أنّ: للتوكيد، ولم يقل: آتيه؛ لأنّه في هذه الآية لا يتحدث عن السّاعة؛ أي: لحظة تهدم النّظام الكوني، وإنما يتحدث عن ساعة قيام الفتية من نومهم، وبعثهم بعد (٣٠٩ سنة) دليلاً على آتيه، وكلمة ليعلموا: تعود على أصحاب الكهف، أو تعود على قومهم؛ فإذا كانت تعود على أصحاب الكهف؛ فهم يعلمون أنّ وعد الله حق؛ لأنّهم يؤمنوا بالله، ولو قال: كي يعلموا ذلك؛ يعني: أن الفتية لا يعلموا أن وعد الله حق، وهذا ليس صحيحاً، وإذا كانت تعود إلى قومهم.
стр. 2874
﴿لِيَعْلَمُوا﴾: اللام: للتأكيد؛ ليعلموا قومهم من إحياء أصحاب الكهف أنّ وعد الله بالبعث حق، وأنّ السّاعة؛ أي: ساعة تهدم النّظام الكوني لا ريب فيها؛ فكلا المعنيين وارد.
﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾: إذ: ظرف زماني للزمن الماضي.
﴿يَتَنَازَعُونَ﴾: بصيغة الفعل المضارع الدّالة على التجدد، والتكرار، أو حكاية الحال، لم يقل: تنازعوا: للدلالة على الماضي؛ لأنّ الكثير من النّاس لا زالوا يتنازعون، يتخاصمون في أهل الكهف، وعددهم، ومكانهم، وشأنهم، والتّنازع في ذلك الزّمان حدث بين أفراد الجماعة الّتي عثرت على أصحاب الكهف بعد بعثهم من مرقدهم، والتّنازع في اتخاذ بنيان لهم يضم قبورهم، أو اتخاذ مسجدٍ عليهم.
وانتبه إلى تقديم كلمة بينهم بدلاً من قوله؛ إذ يتنازعون أمرهم بينهم؛ أخر كلمة أمرهم؛ لأنّ أمر أصحاب الكهف لم يُعد سراً، والكلّ يعلم بقصتهم، والنّاس كلهم قد آمنوا حين عُثر عليهم بعد (٣٠٩ سنة)، ولنعلم أن الكثير من النّاس حتّى يومنا هذا لا زالوا يتنازعون في أصحاب الكهف عددهم ومكانهم وقصتهم.
ولو قارنا هذه الآية مع الآية (٦٢) من سورة طه: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: الآية تتحدث عن سحرة فرعون قبل إلقاء عصيهم، وحبالهم.
ففي هذه الآية جاء بفعل ماض: تنازعوا، وجاء بكلمة: أمرهم قبل بينهم؛ فقال: أمرهم بينهم؛ قدم أمرهم هنا؛ لأنّه كان أمر سري، وهام، ولم يطلعوا السّحرة عليه أحداً من النّاس، وأمّا المجيء بالفعل الماضي تنازعوا؛ لأنّ التّخاصم، والتّنازع بين السّحرة كان مرة واحدة وانتهى بعد أن تبين لهم الحق حين ألقى موسى عصاه، والتقفت ما صنعوا، وبعدها آمنوا برب العالمين، وانتهى الأمر.
﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا﴾: قسم من الّذين عثروا على أصحاب الكهف اقترحوا أن يبنوا عليهم بنياناً.
стр. 2875
﴿بُنْيَانًا﴾: من البناء، والبنيان يختلف عن البناء؛ البنيان: هو الثابت الّذي لا يتغير، ويدوم قروناً طويلة؛ مثل: الأبنية الأثرية التاريخية؛ كالأهرامات. أما البناء: ليس ثابتاً قد يتغير؛ مثل: المنازل العادية.
﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾: أي: قال الأكثرية؛ أي: أهل المدينة المؤمنون، أو الرّؤساء القادة؛ أي: الملك، وأصحابه المؤمنون: لنتخذن عليهم مسجداً.
﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾: لنتّخذنّ: اللام: للتوكيد، والنّون: لزيادة التّوكيد؛ أي: لنبنينَّ عليهم مسجداً.
سورة الكهف [١٨: ٢٢]
﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَّبِّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾:
﴿سَيَقُولُونَ﴾: السّين: للاستقبال القريب؛ سيقول الّذين يتنازعون في أمرهم؛ أي: يخوضون في قصتهم. ويقولون: بصيغة المضارع الدالة على التجدد والتكرار، ولم يقل قالوا ثلاثة رابعهم كلبهم، وقالوا خمسة سادسهم كلبهم.
﴿ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: عددهم ثلاثة رابعهم كلبهم.
﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: ويقولون عددهم: خمسة سادسهم كلبهم.
﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾: رجماً: مشتقة من الرّجم بالحجارة الّتي لا تصيب المرمى، أو يرمي إلى مكان لا يعرف مداه، واستعيرت لرمي الكلام من غير علم، أو دليل؛ أي: ما قالوه من باب الظّن بدون علم.
﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: قالوا: زيادة حرف الواو في كلمة وثامنهم: تدل على الاهتمام؛ أي: التّوكيد؛ فقالوا: هذا هو الأقرب إلى الصّواب؛
стр. 2876
أي: عددهم سبعة، وثامنهم كلبهم؛ لأنّ الواو يؤتى بها في أماكن الاهتمام، والتّوكيد.
﴿قُلْ رَّبِّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ : لا داعي للجدال في عددهم، ولا يهم معرفة عددهم، والأفضل أن تردوا ذلك إلى الخالق إذا لم تكونوا على يقين؛ أي: قولوا: الله أعلم بعدتهم.
﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: فالله سبحانه يعلم عددهم، وحالهم، وإيمانهم منذ الأزل، وكذلك هناك عدد قليل من النّاس يعرف عددهم، وحقيقتهم.
﴿مَا﴾: النّافية.
﴿إِلَّا﴾: تدل على الحصر، وما يعلمهم إلا قليل.
﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾: فلا: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّاهية.
﴿تُمَارِ﴾: من المراء: وهو الجدال بعد ظهور الحق؛ أي: حسبك ما قصصنا عليك، وأطلعناك عليه من أمر أهل الكهف؛ فلا تزد، أو تنقص عند الحديث عنهم، فلا تمار فيهم؛ أي: تخوض في الحديث عنهم بعدما تبين لك الحق إلا مراء ظاهراً؛ أي: بحجة ويقين، فلا تجادل مثلاً في أسمائهم، أو مكانهم، أو عددهم، وإنما جادلهم بما أخبرناك به من الآيات والذكر الحكيم.
﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾: ولا: لا: النّاهية.
﴿تَسْتَفْتِ﴾: من الفتوى، أو طلب الفتيا، ولا تسأل أحداً عن أمر من أمورهم لا تعلمه عن أصحاب الكهف؛ أي: لا تسأل أحداً من أهل الكتاب عن أي شيء آخر لم نطلعك عليه، وما أخبرناك عنهم يكفي، ولا تحتاج إلى ذلك، وانتهى الأمر.
سورة الكهف [١٨: ٢٣]
﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾:
سبب نزول هذه الآية كما روى ابن عباس: عندما سألت قريش
стр. 2877
رسول الله ﷺ عن الرّوح، وأصحاب الكهف، وذي القرنين؛ فقال ﷺ : سأخبركم غداً، ونسي أن يقول: إن شاء الله؛ فتأخر الوحي بالنّزول لفترة قيل خمسة عشرة ليلة؛ فشعر رسول الله ﷺ بالحرج من قريش، ثمّ نزل جبريل ﵇ فأخبر رسول الله ﷺ بالأجوبة الثّلاثة، كما جاء في هذه الآيات، وحين سأل رسول الله ﷺ جبريل ﵇ لما تأخر عنه؟ جاء الرّد في الآية (٦٤) من سورة مريم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
﴿وَلَا تَقُولَنَّ﴾: ولا: الواو: استئنافية؛ لا: النّاهية.
﴿تَقُولَنَّ﴾: النّون: فيها للتوكيد.
﴿لِشَاىْءٍ﴾: اللام: لام التّعليل؛ شيء: أي: شيء جاءت بصيغة النّكرة؛ لتشمل كلّ شيء، أو أمر، والشّيء: هو أقل القليل.
﴿إِنِّى﴾: إنّي: للتوكيد.
﴿فَاعِلٌ﴾: بالتّنوين، ولم يقل فاعلُ؛ لأنّ فاعلٌ: اسم فاعل يدل على الحال، أو الاستقبال، أمّا لو قال فاعلُ يدل على أنّ الفعل حدث في الماضي؛ أي: لا تقولن لشيء سأفعله غداً، أو في المستقبل إلا أن يشاء الله.
﴿ذَلِكَ غَدًا﴾: ذلك: اسم إشارة تشير إلى الشّيء.
﴿غَدًا﴾: المراد بالغد ما يستقبل من الزّمان، ولا يعني بالضّرورة الغد بعد (٢٤) ساعة، فالغد يطلق على المستقبل من الزّمان.
سورة الكهف [١٨: ٢٤]
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، وحصر.
стр. 2878
﴿أَنْ﴾: أن: حرف مصدري يفيد التّعليل، والتّوكيد، والاستقبال. إلا: أداة استثناء.
﴿يَشَاءَ اللَّهُ﴾: أي: أراد، ولم يقل: إن يشاء ربك: لأنّ هذا الأمر؛ أي: القول: إن شاء الله: هو أمر تعبدي، والعبادة تخص الإلوهية (الله -جل وعلا-).
وإن شاء الله: تأتي عادة في سياق الأمور التي نقوم بها بأنفسها، أما بإذن الله: تأتي في سياق الأمور التي لا دخل لنا فيها، بل هي بتدبير خارج عن إرادتنا.
﴿وَاذْكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾: لها معنيين:
المعنى الأوّل: أي: إذا قلت سأفعل كذا، وكذا، ونسيت أن تقول إن شاء الله، ثمّ تذكرت أنّك لم تقل ذلك؛ فقل عندها: إن شاء الله، ولو كان الوقت متأخراً؛ فمتى تذكرت قل: إن شاء الله، وهذا هو قول الجمهور، وابن عبّاس ﵄ … وغيرهم.
المعنى الثّاني: إذا وقع النّسيان لشيء، ثمّ تذكرت أنّك لم تقل: إن شاء الله؛ فقل: مثلاً سبحان الله، لا إله إلا الله، أستغفر الله؛ لأنّ النّسيان من الشّيطان، وذكر الله يطرد الشّيطان.
وانتبه إلى هذه الآيات الثّلاثة الّتي تشير إلى علاقة النّسيان بالشّيطان: وأنه قد يكون السبب في النّسيان: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩].
وأمّا الحكمة من إبطاء نزول الوحي جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ ؛ فالله سبحانه وحده يعلم ذلك، ومع ذلك فقد فسر ذلك الإبطاء بعدة احتمالات:
الاحتمال الأوّل: لتعلم قريش، أو غيرهم: أنّ الرّد على أسئلَتهم، أو عدم
стр. 2879
الرّد: هو بيد الله وحده، وليس بيد الرّسول ﷺ ؛ فإن شاء الله فعل، أو إن لم يشأ لم يفعل.
الاحتمال الثّاني: لتعلم قريش، أو غيرهم: أن رسول الله ﷺ إن هو إلا وحي يوحى؛ فهو لا يأتي بشيء من عنده، ومن تلقاء نفسه إلا أن يشاء الله وحين يشاء الله سبحانه.
الاحتمال الثّالث: ليعلمنا ربنا أن نقول: إن شاء الله في كلّ أمر يراد القيام به، ولا ننسى ذلك وأن نتوكل على الله وحده.
﴿وَقُلْ﴾: يا محمّد ﷺ .
﴿عَسَى﴾: من أفعال الرّجاء؛ سواء يرجى حصوله عن قريب، أو بعيد، وما بعدها متحقق الوقوع غالباً.
﴿أَنْ﴾: للدلالة على الاستقبال.
﴿يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾: أي: يرشدني ربي إلى شيء آخر غير قصة أصحاب الكهف أقرب في الدّلالة وأوضح يدل على نبوتي لهؤلاء المشركين من قريش؛ أي: من الغيبيات (علم الغيب)، أو قصص الأنبياء الآخرين، وغيرها أعظم خبراً من أصحاب الكهف؛ فاستجاب له ربه فأخبره بقصة موسى، والخضر الّتي سترد في الآيات القادمة، ويهدين: بحذف ياء المتكلم لأنها هداية شاملة عامة له ولغيره أن يهديهم ربهم هداية الدين. ارجع إلى سورة القصص آية (٢٢) للمقارنة.
لنقارن هذه الآية (٢٤) من سورة الكهف: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾، وقوله في الآية (٢٢) من سورة القصص: ﴿قَالَ عَسَى رَبِّى أَنْ يَهْدِيَنِى سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
الاختلاف بين الآيتين يرجع إلى تقديم الهداية (أن يهدين) على كلمة ربي
стр. 2880
في الكهف، وتقديم كلمة (ربي) على أن يهديني في القصص، وكلمة يهدين في الكهف بدون ياء، ويهديني في القصص بزيادة الياء.
هذا الاختلاف يعود إلى أنّ المقام في سورة القصص يعود إلى كون موسى كان خائفاً، ولا يعرف الطّريق إلى مدين؛ فهو يطلب النّجاة، والحماية، والهداية من الرّب؛ فقدم كلمة ربي؛ لأنّ الرّب هو الهادي؛ أي: مصدر الهداية، ولم يقل: الله؛ لأنّ الله هو المعبود، والمقام مقام هداية، وليس عبودية.
ثانياً: قال يهديني بإضافة ياء المتكلم؛ لأنّ موسى يطلب الهداية الكاملة التّامة؛ لكونه لا يعرف أي شيء عن الطّريق، وأين هو ذاهب.
أمّا آية الكهف جاءت في سياق نسيان رسول الله ﷺ أن يقول: إن شاء الله، وطلب الرّسول أن يهديه ربه إلى دلالة، أو برهان أقرب من قصة أصحاب الكهف؛ تدل على نبوته، فقصة أصحاب الكهف تكفي، ولكن يطلب قصةً أشد تبين نبوته لقريش فجاءت قصة موسى والخضر؛ فهو يطلب دلالة، أو هداية جزئية، ولذلك حذف الياء، وأخر كلمة ربي؛ لأنّ الموقف لا يقارن بموقف موسى الخائف من أن يضل الطّريق، والقتل، والرّسول ﷺ ليس في مقام الخوف، أو القتل، كما هو الحال في موسى ﵇.
سورة الكهف [١٨: ٢٥]
﴿وَلَبِثُوا فِى كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾:
﴿وَلَبِثُوا فِى كَهْفِهِمْ﴾: ناموا في كهفهم: سمى الكهف كهفهم لما ناموا فيه لمدة طويلة (٣٠٩ سنة)؛ كأنّه أصبح كهفهم.
﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾: من السّنين الشّمسية.
﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾: أي: تسع سنين؛ أي: وزد على ذلك تسع سنين إذا كان الحساب بالسّنة القمرية (٣٠٠ سنة شمسية = ٣٠٩ سنة قمرية، كلّ سنة شمسية= سنة قمرية+ ١٠ أيام).
стр. 2881
وكلّ (٣٣ سنة شمسية = ٣٤ سنة قمرية)؛ أي: زيادة سنة واحدة.
وكل (١٠٠ سنة شمسية = ١٠٣ سنة قمرية).
وكل (٣٠٠ سنة شمسية = ٣٠٩ سنة قمرية).
وهذا يعتبر إحدى المعجزات العلمية الّتي أخبر القرآن الكريم بها من قبل أن يُعرف علم الفلك، ودوران الشّمس والقمر. أما تذكير العدد وتأنيثه:
العدد من (٣ - ٩) تكون عكس المعدود في التّذكير، والتّأنيث سواء أكانت مفردة؛ أمثلة: سبع ليال، ثمانية أيام حسوماً.
أو مركبة مثل: خمسة عشر مفتاحاً، سبع عشرة طاولة، أو ثلاثة وعشرين يوماً، أو أربعاً وعشرين ساعة.
وأمّا واحد (١)، أو (٢) اثنان: فهما وفق المعدود.
سورة الكهف [١٨: ٢٦]
﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا﴾:
﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾: نزلت عندما قال النّصارى لرسول الله ﷺ : أمّا الثّلاث مئة فقد عرفناها، فأمّا التّسع فلا علم لنا بها؛ فنزلت هذه الآية كما قال ابن السائب: قل الله أعلم منكم بما لبثوا؛ فقد لبثوا (٣٠٩) قمرية، أو (٣٠٠) شمسية، وهذا هو الحق والصح.
﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: تقديم له: يفيد الحصر والتوكيد له وحده؛ أي: هو المختص بعلم الغيب؛ فهو عالم الغيب، والشّهادة، ويعلم الغيب في السّموات، والأرض، ويعلم كم لبثوا في كهفهم، ولستم أنتم أعلم منه سبحانه.
﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾: أسلوب تعجب؛ أي: ما أشد بصره، وما أشد سمعه، لا يغيب عن بصره وسمعه شيء مهما كان خفي، أو جلي صغير، أو كبير كقوله
стр. 2882
تعالى: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى السَّمَاوَاتِ أَوْ فِى الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].
﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾: ما: النّافية.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أي: ما لأهل السّموات، وما لأهل الأرض.
﴿مِنْ دُونِهِ﴾: من غيره سبحانه.
﴿مِنْ وَلِىٍّ﴾: من: ابتدائية استغراقية تستغرق كلّ ولي، والولي: هو المعين، والقريب؛ أي: ما لأهل السّموات، والأرض من دون الله من أي: معين، أو من يتولى أمورهم، ويدبرها إلا هو وحده سبحانه.
﴿وَلَا يُشْرِكُ﴾: لا: لتوكيد النّفي.
﴿يُشْرِكُ﴾: في حكمه أحداً؛ لأنّه سبحانه غني عن الشّريك، والولد، وكلّ من في السّموات والأرض.
﴿فِى حُكْمِهِ أَحَدًا﴾: أي: لا حاكم إلا هو وحده.
﴿أَحَدًا﴾: توكيد، ولا معقب لحكمه.
سورة الكهف [١٨: ٢٧]
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾:
﴿وَاتْلُ﴾: من التّلاوة: وهي اتباع الشّيء بالشّيء، وتلاه تعني: تبعه، والتّلاوة تخص كتب الله، وهي أخص من القراءة؛ فكلّ تلاوة قراءة، وليس كلّ قراءة تلاوة، والتّلاوة تعني: القراءة، وتعني الاتباع؛ أي: واتل تلاوة عبادة، أو تعليماً للنّاس، أو دعوة النّاس إلى ربهم، ولا تعبأ بما يقوله المشركون، والتّلاوة لها أجر كلّ حرف بعشر حسنات.
﴿مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ﴾: ما: اسم موصول بمعنى: الّذي، وأوسع شمولاً.
стр. 2883
﴿أُوحِىَ إِلَيْكَ﴾: عن طريق جبريل، ولمعرفة معنى الوحي: ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٣).
﴿مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾: من: ابتدائية.
﴿كِتَابِ رَبِّكَ﴾: أي: من القرآن الكريم. كتاب ربك: نسب الكتاب إليه: تشريفاً لهذا الكتاب.
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: ولو كلمة واحدة، أو حتّى حرفاً واحداً منذ أُنزل على قلب محمّد ﷺ إلى أن يُرفع من الأرض.
﴿لَا﴾: النّافية للجنس؛ لنفي كلّ الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
﴿وَلَنْ﴾: لنفي المستقبل القريب، والمستقبل البعيد.
﴿تَجِدَ مِنْ دُونِهِ﴾: من غير الله.
﴿مُلْتَحَدًا﴾: ملجأ تعدل إليه، أو تميل إليه؛ لتحتمي به، وألحد: مال، وعدل، والالتحاد: الميل؛ أي: لن تجد غير الله سبحانه من تحتمي به، أو يدافع عنك، وينقذك.
بعد ذكر قصة أصحاب الكهف جاءت أوامر الله سبحانه لرسوله ﷺ بتلاوة القرآن، والاستمرار في مصاحبة الفقراء، والجلوس معهم، وعدم الطّمع في إيمان بعض الأغنياء، وأمره بقول الحق من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولا إكراه في الدّين، وما أُعد للظالمين من جزاء، وما أعد للذين آمنوا وعملوا الصّالحات.
стр. 2884
سورة الكهف [١٨: ٢٨]
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾:
أسباب النّزول: كما ورد في أسباب النّزول للواحدي: إنّ بعض أشراف قريش طلبوا من رسول الله ﷺ لولا نحَّيت عنا هؤلاء؛ أي: سلمان، وأبا ذر، وفقراء المسلمين جلسنا إليك، وأخذنا عنك؛ فنزلت هذه الآية تحث رسول الله ﷺ على عدم الاستجابة لمطالب هؤلاء، وإن يثبت، ويجالس الفقراء من المسلمين، ويبقى معهم.
﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ﴾: أي: يذكرون ربهم، ويحمدونه، ويسبحونه، ويعبدونه صباحاً، ومساءً؛ كناية عن دوام العبادة.
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾: يبتغون رضا الله وحده مخلصين له.
﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: لا تتجاوز عيناك، أو تنصرف، وتبتعد عن هؤلاء الفقراء، والمساكين؛ تتركهم، وتتطلع إلى هؤلاء الأغنياء كأنك تريد زينة الحياة الدّنيا.
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ﴾: ولا: النّاهية.
﴿تُطِعْ مَنْ﴾: من: للعاقل، والمفرد، والجمع.
стр. 2885
﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾: أي: نسوا الله فأنساهم أنفسهم؛ أي: غفلوا عن ذكر الله، وأعرضوا عن الإيمان به، واتبعوا أهوائهم.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: الهوى: ارجع إلى الآية (٥٦) من سورة الأنعام.
﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾: أمره: طاعته، أو عبادته.
﴿فُرُطًا﴾: مصدر بمعنى: الإفراط، أو التّفريط من أفرط في الأمر: تجاوز الحد، وإفراطاً: إسرافاً، وتجاوزاً عما أمر الله، أو التّفريط: التّقصير، أو فرطاً: سفهاً وضياعاً؛ لأنّه يكفر، ويشرك بالله، ويتبع الباطل، كان أمره؛ أي: أعماله إسرافاً وتجاوزاً حدود الله، أو تقصيراً، أو ضياعاً لا قيمة لها.
سورة الكهف [١٨: ٢٩]
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾:
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: وقل لهم يا محمّد ﷺ .
﴿الْحَقُّ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: أي: هذا القرآن، أو الوحي الّذي جئتكم به هو الحق من ربكم. الحق الأمر الثّابت الّذي لا يتغير، أو لا يتبدل المنهج الرّباني الموصل إلى الغاية، والّذي يصلح به أمر دنياكم، وآخرتكم.
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِن﴾: من: شرطية.
﴿شَاءَ﴾: منكم فليؤمن بالله، وما أنزل إليكم.
﴿فَلْيُؤْمِن﴾: الفاء: جواب الشرط؛ ليؤمن: اللام: للتعليل.
стр. 2886
﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾: من: ابتدائية.
﴿فَلْيَكْفُرْ﴾: اللام: للتّعليل، وفي الآية تهديد، ووعيد.
نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
﴿إِنَّا﴾: ضمير فصل يفيد التّعظيم.
﴿أَعْتَدْنَا﴾: هيأنا، وأعددنا، والمسألة منتهية؛ فالنّار مخلوقة فعلاً، ومعدة، وجاهزة.
﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: للمشركين، والكافرين، والعاصين، واللام: هنا لام الاختصاص، أو الاستحقاق.
﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾: السُّرادق: كلّ ما أحاط بشيء من حائط، أو دهليز، أو جدران؛ سرادق النّار: أي: ألسنة النّار تحيط بهم من كلّ جانب؛ فلا يفلتون منها.
﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والافتراض.
﴿يَسْتَغِيثُوا﴾: يطلبوا الغوث؛ لإنقاذهم من العذاب، وشدة العطش.
﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾: استعمال كلمة يغاثوا: أسلوب تهكمي، أو استهزاء، والمهل قيل: هو النّحاس المذاب، أو ماء أذيب فيه معادن مختلفة من حديد، ورصاص، ونحاس، أو دردري الزّيت، أو عصارة الزّيت المغلي.
﴿يَشْوِى الْوُجُوهَ﴾: من شدة حرارته قبل شربه يحرق الوجوه، فما بالك بعد أن يشربه.
стр. 2887
﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾: بئس من أفعال الذّم؛ أي: ساء الشّراب.
﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾: تعود على النّار؛ ساءت: من ساء: وهو فعل من أفعال الذّم؛ مثل بئس.
﴿مُرْتَفَقًا﴾: من المرتفق: هو الشّيء الّذي يضع الإنسان عليه مرفقه ليجلس مُستريحاً؛ أي: المتكأ، وإطلاق كلمة مرتفق على النّار على سبيل التّهكم، وهل نار جهنم مكاناً للراحة؛ أي: لا تجد فيها أي مرفق من مرافق الحياة الكريمة. ارجع إلى الآية (١٦) من نفس السورة
سورة الكهف [١٨: ٣٠]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾:
﴿إِنَّ﴾: إن: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. آمنوا وعملوا الصّالحات.
﴿آمَنُوا﴾: بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الفرائض، والسنن، والذكر، والطاعات.
﴿إِنَّا﴾: ضمير فصل للتوكيد، والتّعظيم.
﴿لَا نُضِيعُ أَجْرَ﴾: لا: النّافية.
﴿نُضِيعُ أَجْرَ﴾: أي: سنوفيهم أجور أعمالهم الحسنة، ولن يفوتهم أجر أي حسنة.
﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾: من: استغراقية تشمل كلّ واحد عمل عملاً حسناً حتّى الكفار؛ فإنّ أجر حسناتهم تعود عليهم في الدّنيا، وليس لهم في الآخرة من
стр. 2888
نصيب؛ أمّا الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات: فأجرهم يمتد إلى الآخرة، ولم يقل: إنّا لا نضيع أجرهم؛ أي: لم يقيد الأجر بهم فقط؛ فالأجر لهم؛ أي: للذين آمنوا، وعملوا الصّالحات، ولغيرهم، وكلّ من أحسن عملاً.
سورة الكهف [١٨: ٣١]
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد؛ يشير إلى الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات.
﴿لَهُمْ﴾: لهم: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: العدن: الإقامة، أو عدن في مكان؛ أي: أقام في مكان؛ جنات الإقامة الدّائمة الّتي لا تزول، ولا تنتهي.
﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾: من تحتهم، ولم يقل: من تحتها؛ لأنّ السّياق، والحديث عن المؤمنين الّذين آمنوا، وعملوا الصّالحات، وإذا كان السّياق عن الجنات، والاهتمام بها يقول سبحانه من تحتها؛ أي: تنبع من تحتها، وإذا كانت تنبع من مكان آخر تمر تحتها.
﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾: يحلون: يلبسون الحلي فيها في الجنات، والحلي هي الأساور من الذّهب للزينة، والزّخرف، والأساور؛ إما من ذهب، أو فضة، أو لؤلؤ، كما ذكرت الآيات الأخرى.
﴿مِنْ﴾: ابتدائية.
стр. 2889
﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾: من اسم جنس (لبيان الجنس).
﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾: من: لبيان الجنس.
﴿سُنْدُسٍ﴾: رقيق؛ أي: (الحرير الرّقيق).
﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾: هو الحرير الغليظ ذو اللون الأخضر؛ لأنّ اللون الأخضر مُريح للعين.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: الاتكاء: هو الجلوس على الجنب الّذي يُريح الإنسان؛ الاضطجاع قليلاً.
﴿الْأَرَائِكِ﴾: هي السّرر جمع أريكة، وقيل: الفُرش.
﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾: نعم: من أفعال المدح، نعم الثّواب؛ أي: الجنة، ولباسها، وشرابها، ونعيمها.
﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾: مجلساً ومقراً؛ فالجنة حسنت مرتفقاً، والنّار ساءت مرتفقاً، ويسمى هذا من المقابلة في بديع اللغة. مرتفقاً: ارجع إلى الآية (١٦) من نفس السورة.
الفرق بين كلمة أساور في هذه الآية، وأسورة في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزّخرف: ٥٣]. أساور: جمع كثرة، أسورة: جمع قلة.
الفرق بين كلمة يحلون في هذه الآية، وكلمة: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]. يحلون: الكلام عن المستقبل جاء بالفعل المضارع؛ حلوا: بصيغة الماضي؛ أي: اعتبر الأمر، أو الفعل قد حدث، وانتهى.
стр. 2890
سورة الكهف [١٨: ٣٢]
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾:
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ﴾: واضرب لهم: اللام: لام الاختصاص؛ أي: لهؤلاء المشركين الأغنياء الّذين طلبوا منك أن تبعد الّذين يدعون ربهم بالغداة، والعشي؛ أي: الفقراء، والمساكين؛ كي يجلسوا معك، ويستمعوا إليك. اضرب لهم مثلاً رجلين: واضرب لهم هذا المثل؛ لكي ينبههم، ويوقظهم، وربما يثير إحساسهم، ويرتدعوا، وهذا المثل مثل حقيقي، وليس تصوري، ويراد بضرب هذا المثل تبين الغموض، وذلك بتشبيه حال بحال، أو الموازنة والمفاضلة بين هذا الغني الّذي جعلنا له جنتين، ولكنه أشرك بالله، واستكبر، وبين الفقير المؤمن الّذي يدعو صاحبه، وقيل أخوه الغني إلى العودة إلى الإيمان، والتّوحيد، ولم يوضح الحق سبحانه من هم هذين الرّجلين؛ لأنّ هذا غير مهم
﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾: الجنة: البستان.
﴿جَعَلْنَا﴾: صيرنا له جنتين من أعناب.
﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾: أحطنا كلّ منهما بشجر النّخل، والعنب من الفاكهة.
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾: الّذي هو مصدر القوت الضّروري إذن هيئ له كلّ ما يحتاجه من الفاكهة والزّرع.
سورة الكهف [١٨: ٣٣]
﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾:
﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾: كلّ من الجنتين أثمرت، وأينعت، وكلمة كلتا: تعني: كلّ جنة أتت أكلها، ولم يقل أتتا أُكُلها: فهو وحد، وجمع بقوله: أتت أكلها.
стр. 2891
﴿وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا﴾: ولم تظلم: ولم تنقص منه تعود على أكلها؛ أي: ثمرها، وزرعها، وحبها.
﴿شَيْئًا﴾: الشّيء: هو أقل القليل، وشيئاً: نكرة مهما كان نوعه، وكثرته، أو قلته.
وانتبه إلى قوله تعالى: لم تظلم منه شيئاً: وهل تظلم الأرض، أو هل الأرض هي الّتي تعطي، أو تمنع، أم الله الغني الكريم؟ لقوله في آية أخرى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ [يس: ٣٥]، والحقيقة: هو الله سبحانه الّذي سخر الأرض، وهو لا يحرم الكافر، أو العاصي أجره إذا قام بعمل خير، وحلال في الدّنيا، وحرث، وبذر، وسقى الأرض؛ فالله سبحانه يعطيه ثواب عمله، ولا يظلمه حقه.
﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾: وفجرنا من التّفجير: فجر الله سبحانه لكلتا الجنتين نهراً يفيض بالماء الغزير الّذي لا ينقطع.
﴿خِلَالَهُمَا﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أي: نهر خاص بهما لا يشارك فيه أحد. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (٩٠ - ٩١)؛ لبيان معنى: فجرنا.
سورة الكهف [١٨: ٣٤]
﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾:
﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾: أي: لصاحب الجنتين ثمر: جمع ثمرة؛ أي: أعطاه الله الثّمر الكثير، وتقديم له يدل على الحصر، والقصر؛ أي: له وحده، وقيل في تفسير ثمر: مال، أو ثمر كثير باعه، فأصبح غنياً؛ لأنّه قال لصاحبه: أنا أكثر منك مالاً؛ فالثّمر قد يعني: الثّمر الكثير العادي بأشكاله المختلفة، والمال، والولد.
﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾: فقال: الفاء: تدل على التّرتيب، والتّعقيب، والصاحب:
стр. 2892
قد تطلق على الأخ، أو الصديق، أو المسافر، أو من يلازمه في كثير من الأوقات، والصاحب: يطلق على الّذي ينتفع منه، ولا تضر صحبته؛ فإذا كانت صحبته فيها مضرة يطلق عليه: القرين كالشيطان؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾: هو: يفيد التّوكيد. الحوار: مناقشة بين طرفين كلّ منهما يبدي رأيه في مسألة الإيمان، والكفر، أو طلب الدّنيا، وطلب الآخرة.
﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: هذا القول يدل على الفخر، والتّكبر، أو الاستعلاء. النّفر: قيل: من (٣ - ١٠).
﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: إما ولداً، أو عشيرة، أو أعواناً. أعز: أكثر، أو أشد عزة، والنّفر: الّذين ينفرون معه للدفاع، أو القتال، أو الخروج لأمر طارئ.
стр. 2893
سورة الكهف [١٨: ٣٥]
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾:
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾: الواو: عاطفة؛ أي: دخل جنته، وهو لا زال يحاور صاحبه، دخل جنته، ولم يقل جنتاه؛ لأنّ الإنسان، وإن كان له جنتان؛ فلا يستطيع أن يدخلهما معاً في نفس الوقت، بل يدخل الواحدة، ثمّ الأخرى.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾: معجب بنفسه، ومصاب بالغرور، ومتكبرٌ.
﴿قَالَ مَا أَظُنُّ﴾: ما: النّافية. الظّن: حين ترجح كفة الإثبات على كفة النّفي: وهو ضرب من الاعتقاد الخاطئ في هذه الآية.
﴿أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾: أن: للتوكيد.
﴿تَبِيدَ﴾: هذه الجنة: تهلك، أو ينقطع ثمرها، أو تصاب بطارئ مثل إعصار وغيره.
﴿أَبَدًا﴾: للتوكيد.
سورة الكهف [١٨: ٣٦]
﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾:
﴿وَمَا أَظُنُّ﴾: كما في الآية السّابقة، وتكرارها: للتوكيد.
﴿السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾: يستنكر البعث، وقيام السّاعة القادم لحظة تهدم النظام الكوني الحالي، ويوم القيامة.
стр. 2894
﴿وَلَئِنْ﴾: اللام: للتوكيد؛ إن: شرطية: تفيد الشّك، أو الاحتمال.
﴿رُدِدْتُ إِلَى رَبِّى﴾: ولم يقل: ولئن رجعت إلى ربي من الرّد، وهو العودة، أو الرّجوع بإكراه، وقسر، أو جبر، وكراهية؛ لأنّه يريد الخلود في الدّنيا؛ لكثرة النّعم الّتي أنعمها الله عليه، أي: ولئن رددت إلى ربي مكرهاً لا خيار لي، ولم يقل: ولئن رجعت؛ لأنّ الرّجوع ليس فيه معنى الكراهية؛ أي: يرجع راغباً، وليس مكرهاً، كما هو الحال في الرّد.
﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا﴾: لأجدن: اللام: للتوكيد، والنّون: لزيادة التّوكيد؛ ليعطيني ربي أفضل من جنتي هاتين، وهذا يدل على الغرور، وكأنه يعلم الغيب.
﴿مُنقَلَبًا﴾: من الانقلاب: هو الرّجوع إلى حالة غير الحالة الّتي كان فيها؛ فالمنقلب خاتمة الأمر وعاقبته؛ أي: خيراً من جنتك عاقبةً ومصيراً؛ ثلاث كذبات قالها هذا الظّالم، والمغرور بنفسه لأخيه، وهو يحاوره الأولى: ما أظن أن تبيد هذه أبداً، والثّانية: ما أظن السّاعة قائمة، والثّالثة: ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً.
ولنقارن هذه الآية (٣٦) من سورة الكهف: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾: مع الآية (٥٠) من سورة فصلت: ﴿وَلَئِنْ رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّى إِنَّ لِى عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾: هنا رُجعت: تعني الرّجوع بإكراه مثل رُددت بضم الرّاء، ولم يقل: رَجعت بفتح الرّاء الّتي تدل على الرّجوع برغبة وبدون إكراه.
فالفرق بين الرّجوع والرّد:
فالرّجوع: يكون بالانطلاق من مكان ما، ونية الرّجوع إلى نفس المكان، والرّجوع يكون بإكراه، أو بدون إكراه راغباً في الرّجوع.
وأمّا الرّد: يكون العودة بإكراه، وعدم الرّضا، وليس عنده نية العودة، أو
стр. 2895
الرّجوع، وكلا الآيتين في سياق الكفر بقيام الساعة واليوم الآخر والكفر بأنعم الله.
سورة الكهف [١٨: ٣٧]
﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾:
﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾: ارجع إلى الآية (٣٤) من نفس السورة.
﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ﴾: الهمزة في أكفرت همزة استفهامية، وإنكار وتعجب، أتنكر الّذي خلقك من تراب؛ أي: يكفي ما تقوله غروراً، وباطلاً، واستعلاء، وكفر بالنّعمة، وإنكار المنعم، والبعث، والسّاعة، والبعث، والساعة. والكافر غير مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وليس بالضرورة مشرك، والكفر أعم من الشرك، وكل مشرك كافر، وليس كل كافر مشرك، وصاحب الجنة مشرك وكافر؛ كافر لأنه كفر بنعمة الله ولم يؤدي شكرها بالإضافة إلى الشرك.
﴿خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾: ارجع إلى سورة الحج، آية (٥)، والروم آية (٢٠)؛ للبيان.
﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾: ثمّ للترتيب، والتّراخي.
﴿سَوَّاكَ رَجُلًا﴾: أي: كيف تنسى خالقك الّذي خلقك من تراب؛ سواك رجلاً تشير إلى التسوية، والتي تعني: الصّفات الخلقية الوراثية الّتي يتميز بها كلّ إنسان عن الآخر.
سورة الكهف [١٨: ٣٨]
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّى وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّى أَحَدًا﴾:
﴿لَكِنَّا﴾: فيها قراءات مختلفة لكنّا، ولكنَّ، ولكنَّه وأصلها: لكن أنا
стр. 2896
حذفت الهمزة، وأدغمت النّون في النّون؛ أي: لكن أنا أؤمن بأن الله هو ربي. لكنا: للاستدراك، وكأنه يستدرك مما قاله صاحبه من الكفر، ويستغفر ربه.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل للتوكيد.
﴿اللَّهُ رَبِّى﴾: جمع بين الإلوهية، والرّبوبية معاً؛ فهو المعبود الّذي يستحق العبادة: وهو ربنا الّذي خلقنا ورزقنا المال، والولد، وكلّ شيء.
﴿وَلَا﴾: ولا: النّافية.
﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّى أَحَدًا﴾: ولا: النافية لكل الأزمنة؛ يريد أن يعلم صاحبه كيف يؤمن، ولا يشرك بربه أحداً، وقوله: ولا أشرك بربي أحداً: هو توكيد لقوله: لكنا هو الله ربي.
سورة الكهف [١٨: ٣٩]
﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾:
﴿وَلَوْلَا إِذْ﴾: للحث، والحض؛ إذ: ظرف زمان للزمن الماضي.
﴿دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: هلا، أو ليتك تقول عندما تدخل جنتك بدلاً من القول ما أظن أن تبيد هذه أبداً.
أي نقول: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾: أو هذا ما شاء الله أن يخلق، أو يفعل؛ فقد روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة».
﴿لَا﴾: لا: النّافية.
﴿قُوَّةَ﴾: أي: القدرة على مزاولة الأفعال الشاقة.
﴿إِلَّا﴾: إلا حصراً بالله.
стр. 2897
﴿بِاللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق؛ أي: هذا ليس بقوتي، وحولي، وإنما هذا ما شاء الله تعالى هو الّذي أعطاني القوة، ويسر لي لكي أحصل عليها بفضله وكرمه، وإحسانه (أي: رد النّعمة إلى المنعم والاعتراف بالعجز).
﴿إِنْ تَرَنِ﴾: إن: شرطية تفيد الشّك، أو الاحتمال.
﴿تَرَنِ﴾: حذفت الياء بدلاً إن ترني؛ لأنّ الرّؤية محدودة، أو مؤقتة بالدّنيا، وليست دائمة؛ لكي يستعمل ياء المتكلم ترني.
﴿أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾: إن تنظر إلي بأني أقل منك مالاً وولداً؛ فهذا في الدّنيا، وهذا شيء مؤقت وزائل.
سورة الكهف [١٨: ٤٠]
﴿فَعَسَى رَبِّى أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾:
﴿فَعَسَى﴾: الفاء: للتوكيد؛ عسى: للرجاء المتوقع الحدوث، والإشفاق من حدوث المكروه لصاحبه.
﴿رَبِّى أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾: أي: أرجو ربي أن يؤتين من الإيتاء: وهو العطاء. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة؛ لمعرفة الفرق بين الإيتاء، والعطاء، وحذف الياء في يؤتين بدلاً من القول يؤتيني؛ لأنه عطاء يبدأ في الأخرة ولا يبدأ من الآن يبدأ بعد البعث والحساب.
﴿خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾: أي: جنة الخلد أو الفردوس.
﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: وتعني: عسى أن يرسل عليها حسباناً من السّماء؛ أي: وأخاف، أو أخشى أن يرسل الله عليها حسباناً من السّماء.
﴿حُسْبَانًا﴾: عذاباً من السّماء؛ مثل: إعصار فيه نار.
стр. 2898
﴿فَتُصْبِحَ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والمباشرة.
﴿صَعِيدًا﴾: أي: هذه الجنة المليئة بالنّخيل، والأعناب؛ تصبح أرض ملساء لا نبات فيها عديمة النّفع.
﴿زَلَقًا﴾: أرض ملساء لا نبات فيها، ولا يثبت عليها قدم؛ أي: تراباً مُبللاً تنزلق عليه الأقدام.
وقول المؤمن لهذا المغرور الضال: عسى ربي أن يؤتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً ليس من قبيل الحسد، وإنما من قبيل التذكير والتحذير والرجوع إلى الله، والتوبة قبل أن يحل عليها سخط الله وغضبه.
سورة الكهف [١٨: ٤١]
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾:
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾: غائراً في الأرض، والماء الغائر في الأرض يمكن استخراجه بآلات الضّخ، أو الأجهزة الحديثة، ولذلك قال: فلن تستطيع له طلباً.
﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾: لن: لنفي المستقبل القريب، والبعيد؛ أي: لن تستطيع له طلباً؛ أي: لن يمكن الوصول إليه، واستخراجه بأي وسيلة من وسائل الضّخ والآبار.
سورة الكهف [١٨: ٤٢]
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّى أَحَدًا﴾:
وما كان يحذر منه الرّجل المؤمن لصاحبه الكافر وقع بالفعل.
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾: أي: أحاط الدّمار، والهلاك بالثّمر من كلّ جانب ولم
стр. 2899
يبق فيها ثمر صالح. بثمره: الباء: للإلصاق بكل الثمر الّذي هو الغاية من الزّرع، والحرث؛ لتكون الفاجعة الكبرى.
﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾: فأصبح: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، أصبح الكافر صاحب الجنتين، يقلب كفيه على ما أنفق فيها كناية عن الحسرة، والنّدم يضرب كفاً على كف ظهراً لبطن لا يتكلم أسفاً، ومتحسراً، ونادماً على ما أنفق فيها: من جهد ومال، وزمن.
﴿فِيهَا﴾: ظرفية؛ أي: أنفق عليها؛ فيها: تدل على أنّ الإنفاق مستمر منذ الزّمن القديم بالإضافة إلى الإنفاق الجديد.
﴿وَهِىَ﴾: وهي: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: العروش: هي الدّعائم الّتي كانت منصوبة للأشجار؛ مثل: دعائم شجر العنب. خاوية: أي: تساقطت عروشها على الأرض ولم تعد فائمة.
﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّى أَحَدًا﴾: يا ليتني تستعمل لتمني النّادر، أو المستحيل، أو الأمور الصّعبة الحدوث، وكأنّه الآن تذكر موعظة صاحبه المؤمن.
سورة الكهف [١٨: ٤٣]
﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾:
﴿وَلَمْ﴾: الواو: استئنافية؛ لم: للنفي.
﴿تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ﴾: فئة: من فاء رجع؛ أي: لم يكن له من أصحاب، أو جماعة يفيء إليهم لينصرونه، أو يمنعونه من عذاب الله.
﴿لَهُ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله.
стр. 2900
﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾: ما: النّافية، وما كان قادراً على نصرة نفسه أيضاً.
وإذا قارنا هذه الآية من سورة الكهف مع الآية (٨١) من سورة القصص: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾ (الحديث عن قارون) في آية القصص جاء بكلمة من الاستغراقية، والمنتصرين أكثر عدداً من منتصراً (جماعة مقابل فرد)؛ فالتّأكيد أشد، وأقوى في آية القصص.
حيث في آية الكهف صاحب الجنتين رغم أنّه أحيط بثمرة فقد بقي حياً بينما في سورة القصص قارون قال تعالى عنه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾.
سورة الكهف [١٨: ٤٤]
﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾:
﴿هُنَالِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد إشارة إلى الآخرة، أو يوم القيامة.
﴿الْوَلَايَةُ﴾: الملك، والسّلطان، والحكم.
﴿لِلَّهِ الْحَقِّ﴾: لله وحده حصراً، الحق: الأمر الثّابت الّذي لا يتغير.
﴿هُوَ﴾: هو: ضمير منفصل يفيد التّوكيد.
﴿خَيْرٌ ثَوَابًا﴾: جزاءً لأوليائه؛ أي: أفضل ثواباً، وجزاءً من غيره.
﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾: خيرٌ عاقبة ومآلاً ومصيراً.
سورة الكهف [١٨: ٤٥]
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾:
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٣٢) من نفس السّورة.
﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾: شبه الله سبحانه حال الحياة الدّنيا في قصرها، وسرعة زوالها، وزهرتها، وبهجتها بحال النّبات الّذي ينزل عليه المطر من السّحاب.
стр. 2901
﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾: فيختلط به تعود على ماء المطر حتّى يرتوي، ويخضر، وينمو، ويستغلظ، ويستوي على سوقه، ثمّ يهيج.
﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ أي: بعد أن يهيج، وينمو يذبل ويصفر، ويصبح يابساً تحطمه الرّياح، وتنثره؛ فيتلاشى، ولا يبقى له أثر، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِى الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١]، وهذا ما يحدث للإنسان في دورة حياته.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾: مقتدراً: اسم فاعل من فعل: اقتدر الخماسي؛ مقتدراً: ذو القدرة العظيمة التّامة الكاملة الّذي لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السّماء.
стр. 2902
سورة الكهف [١٨: ٤٦]
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: المال والبنون: جمع المال والبنون في حكم واحد وهو زينة الحياة الدنيا، والزّينة: ما يتجمل به الإنسان من الحلي، والذّهب، والفضة، والزّينة: الأمر الزّائد عن ضروريات الحياة، ومقوماتها، ولكنها زينة سريعة الزّوال لا تدوم طويلاً؛ لأنّها متاع الغرور، ومجرد فتنة للناس.
وجاءت هذه الآية في سياق: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾، وقدم المال على البنون؛ لأنّ المال أعم؛ كلّ إنسان لديه المال، وإن قل. أمّا البنون: فليس كلّ إنسان له بنين؛ فقدم الكثير على القليل.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾: الباقيات الصّالحات: قيل: هي العبادات (الفرائض)، والذّكر: (تسبيح، وتحميد، وتكبير)، وأعمال الخير، والنّوافل، وسميت الباقيات الصّالحات؛ لأنّها باقية في الآخرة، وغير زائلة بزوال الدّنيا، كما يزول المال والبنون.
﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾: أفضل ثواباً، وجزاءً عند ربك من المال والبنين، فالله سبحانه ثوابه أفضل ثواب.
стр. 2903
﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾: خير طمعاً فيما يطمع النّاس في الحصول عليه من عرض الدّنيا، ومتاعها أملاً في النّجاة من النّار، والفوز بالجنة، ورضوان الله، ورؤية وجهه الكريم، وتكرار خير للتوكيد، ولفصل كلّ منهما على حدة الثّواب، والأمل، وكلاهما معاً.
ولنقارن هذه الآية (٤٦) من سورة الكهف: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾، والآية (٧٦) من سورة مريم: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾: الاختلاف في خير أملاً، وخير مرداً؛ خير أملاً: انظر إلى ما سبق شرحه، أما خير مرداً: المرد هو المرجع إلى الله تعالى، أو خير مردود؛ أي: تعطي نتاج، أو محصول من الحسنات خير من الأثاث والرِءَيا.
وإذا قارنا هذه الآية (٤٦) من سورة الكهف، مع الآية (١٤) من سورة آل عمران: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾: الآية في آل عمران تتحدث عن حب الشّهوة؛ بينما الآية في سورة الكهف تتحدث عن حب المال، والبنين؛ فالحب شيء، والشّهوة شيء آخر، فالمحبة تختلف عن الشهوة؛ لأن المحبة يمكن التحكم بها بالإرادة، وأما الشهوة فهي توقان النفس لشيء، وليست من قبيل الإرادة، وشهوة النّساء أقوى الشّهوات عند الرّجل الشاب المعافى من شهوة المال، والأولاد، ولذلك قدمها على حب البنين، والقناطير المقنطرة من الذّهب والفضة، وقدم شهوة الأولاد على شهوة المال (القناطير المقنطرة) بعكس ما ورد في آية الكهف؛ فالسّياق مختلف في كلّ آية.
стр. 2904
وإذا قارنا الآية (٤٦) من سورة الكهف: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾، والآية (٤٤) من سورة الكهف: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾.
الآية (٤٦): تتحدث عن الباقيات الصّالحات.
أمّا الآية (٤٤): تتحدث عن الله؛ أي: عن ذاته سبحانه الّذي يثيب على الباقيات الصّالحات، والقائل: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ متيقن من رحمة الله، وثوابه.
وأمّا القائل: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾: هو متأمل بالوسائل المقدمة لنيل الثّواب والرّحمة، وليس ضامن، وكلاهما مطلوب الأمل واليقين برحمة الله، وثوابه؛ لأن (هو) تفيد التوكيد.
سورة الكهف [١٨: ٤٧]
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾:
﴿وَيَوْمَ﴾: القيامة، ولم يذكر الاسم؛ للتهويل، والتّعظيم.
﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾: هناك عدة أطوار تمر بها الجبال يوم القيامة، وهي التّالية: الزوال عن أماكنها، وكما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ أي: تسير بسرعة السحاب. ارجع إلى سورة النّمل، آية (٨٨).
والنسف، والدّك كما قال تعالى: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥].
وتصبح كالرمال ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤].
ثم مرحلة البس، كما قال تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥].
ثم تكون كالعهن المنفوش، وتصبح الأرض: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى
стр. 2905
فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٦ - ١٠٧]. ارجع إلى سورة التكوير آية (٣) لمزيد من البيان.
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: الأرض الجديدة الحاوية على الأرض الحالية بكل ذراتها، ومكوناتها، وأمواتها، والّتي ذكرها الله سبحانه في سورة إبراهيم بقوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨].
ظاهرة خالية من أي جبل، أو شجر، أو بناء أرض مستوية. أرض جديدة أكبر بكثير من الأرض الحالية؛ قادرة على استيعاب بلايين بلايين البشر.
﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾: من الحشر: هو السّوق، والجمع في أرض المحشر كلّهم: المؤمن، والكافر، والمطيع، والعاصي.
﴿فَلَمْ﴾: فلم: الفاء: للتوكيد؛ لم: للنفي.
﴿نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: لم يتخلف منهم أحداً عن الحشر.
سورة الكهف [١٨: ٤٨]
﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا﴾:
﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾: من العرض: الظهور أمام ربهم صفاً صفاً؛ أي: مصفوفين يوم القيامة للحساب، وعرضوا بصيغة الماضي، وهو أمر لم يحدث بعد ومجيئه بصيغة الماضي يدل على قطعية الحدوث؛ أي: اعتبره حدث، وانتهى، والزّمن بالنّسبة لله تعالى كلّه سواء الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ لأنّه مالك الزّمان والمكان وخالقهما.
وعند خروجهم من القبور يكونوا كالجراد المنتشر: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ
стр. 2906
كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٨]، وفي أرض المحشر يكونوا كالفراش المبثوث: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]، ثم تصفهم الملائكة في صفوف للعرض.
﴿لَّقَدْ﴾: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، وزيادة التّوكيد.
﴿جِئْتُمُونَا﴾: مشتقة من المجيء، والمجيء فيه معنى المشقة، والصّعوبة؛ لأنّ البعث، والخروج من القبور أمراً ليس سهلاً لما فيه من الخوف، والرّعب، والأحداث الجسام يوم القيامة.
﴿كَمَا﴾: كما: الكاف للتشبيه؛ ما: حرف مصدري يفيد التّعليل.
﴿خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: كما خرجتم من بطون أمّهاتكم حفاة عراة لا شيء معكم فرداً فرداً؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥].
﴿بَلْ﴾: بل: للإضراب الانتقالي؛ الخطاب موجه إلى منكري البعث، والحساب.
﴿زَعَمْتُمْ﴾: من الزّعم: وهو القول الغير مستند إلى دليل، أو ادعاء العلم، وأكثر ما يقع في الباطل.
﴿أَلَّنْ﴾: أن: للتوكيد؛ لن: لنفي المستقبل القريب، والبعيد.
﴿نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا﴾: للقيامة، والحساب موعداً للعرض على ربكم.
سورة الكهف [١٨: ٤٩]
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا
стр. 2907
الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾:
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾: كتاب أعمال العباد في أيديهم في أيمانهم، أو شمائلهم فالمؤمن يأخذه بيده اليمنى، والكافر يأخذه بشماله، أو من وراء ظهره ليقرأ كلٌّ كتابه بنفسه، الكتاب اسم جنس؛ أي: كتاب الأعمال الحسنات، والسّيئات.
﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾: فترى: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والمباشرة، ترى المجرمين (ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) للبيان) مشفقين: جمع مشفق اسم فاعل من فعل أشفق، والإشفاق: هو الشعور بالتقصير بحق الله، وخائفين يرتعدون من الخوف مما فيه من الأعمال السّيئة، والمعاصي، وبعد أن يقال لكلّ واحد اقرأ كتابك بنفسك فما أن يرى أعماله يقول كلّ منهم:
﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا﴾: ﴿يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١]، أو ﴿يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٩٧]، أو الويلة: الهلكة من الويل وهو الهلاك يدعو على أنفسهم بالهلاك كأنّهم يقولون: يا هلاكنا، يا عذابنا: احضر وأرحنا من هذا البلاء.
﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾: ما: استفهامية للتعجب والدهشة.
﴿هَذَا الْكِتَابِ﴾: لهذا: اللام: للتوكيد؛ هذا الكتاب: كتاب الأعمال لم يترك عملاً صالحاً، ولا حسنة، ولا عملاً سيئاً؛ أي: ذنباً إلا كتبه، وأحصاه.
стр. 2908
﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾: لا: النافية، صغيرة ولا كبيرة، تكرار (لا) مرة أخرى يفيد لتوكيد النفي، وفصل كل منهما عن الأخرى؛ أي: لا صغيرة، ولا كبيرة، ولا كلاهما. وقوله: لا صغيرة، ولا كبيرة: نفي فيه تقديم الأدنى على الأعلى، وكان يكفي نفي الصغيرة؛ فهو يدل على نفي الكبيرة، ولو قال: ولا يغادر كبيرة ولا صغيرة؛ فهذا النفي من الأعلى إلى الأدنى؛ فقد لا يغادر الكبيرة، ولكنه يغادر الصغيرة؛ فهذه الآية تدل على أن الله سيحاسب العبد على الصغيرة قبل الكبيرة، وحتى لا يتواكل العبد على رحمة الله، والصغيرة: قد تعني صغائر الذنوب، والكبيرة؛ أي: الكبائر.
﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾: إلا: أداة حصر. أحصاها: عدَّها وجمعها وكتبها.
﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾: ووجدوا ما عملوا في حياتهم الدّنيا مكتوباً مسطوراً في كتب أعمالهم؛ أي: ما عملوا في دنياهم أحضر لهم في الآخرة؛ ليروه، ويحاسبوا عليه.
﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾: لا: النّافية للجنس؛ تنفي كلّ الأزمان؛ أي: لا ينقص حسنة من ميزان أحد، ولا يزيد سيئة في ميزان أحد.
﴿أَحَدًا﴾: للتوكيد.
سورة الكهف [١٨: ٥٠]
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾: أي: اذكر إذ قلنا للملائكة.
стр. 2909
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: ارجع إلى سورة البقرة، الآية (٣٤).
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء؛ يسمى هذا: استثناء منقطع، أو منفصل المستثنى إبليس، والمستثنى منه الملائكة، وهو ليس من جنسهم؛ لأنّه كان من الجن، وكان مع الملائكة حين أمروا بالسّجود، وكان الأمر يشمله.
﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾: ففسق: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ فسق: عصى ربه، وخرج عن طاعته، ولم يسجد.
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وتعجب، والخطاب موجه لذرية آدم، والهاء: تعود إلى إبليس.
﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾: أتباعه، وسماهم ذريته مجازاً. وهم شياطين الجن والإنس.
﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِى﴾: جمع ولي: وهو المعين والمساعد. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٢٨)
﴿مِنْ دُونِى﴾: من غيري، أو سواي.
﴿وَهُمْ﴾: هم: ضمير منفصل يفيد التّوكيد.
﴿عَدُوٌّ﴾: ولم يقل أعداء؛ لأنّ العداوة مقصورة، أو سببها واحد: هو العداوة في الدّين، ولو كانت العداوة لها أسباب مختلفة، أو عداوات متعددة لاستعمل أعداء.
﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾: بئس: فعل من أفعال الذّم؛ بئس: لمن استبدل طاعة الله بطاعة الشّيطان وذريته.
стр. 2910
﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق. الظّالمين: المشركين؛ استبدلوا موالاتهم لله تعالى بموالاتهم للشيطان وذريته.
سورة الكهف [١٨: ٥١]
﴿مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾:
﴿مَا أَشْهَدتُّهُمْ﴾: ما: النّافية.
﴿أَشْهَدتُّهُمْ﴾: أي: إبليس، وذريته، والملائكة، والجن، والإنس.
﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أشهدتهم: أريتهم، أو أطلعتهم كيف خلقت السّموات والأرض، أو شاورتهم، أو استعنت بهم.
﴿وَلَا﴾: النّافية نافية للجنس؛ لنفي كلّ الأزمنة.
﴿خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾: أي: كيف خلقتهم أيضاً.
﴿وَمَا﴾: ما: النّافية.
﴿مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾: جمع مضل من فعل أضل والمضلين هم الشّياطين من الجن والإنس. الّذين يضلون غيرهم.
﴿عَضُدًا﴾: شبه المضلين بالعضد، وعَضُداً عُوناً مأخوذة من العضد؛ عُضد الإنسان: وهو من المرفق إلى الكتف، وهو ما يساعد اليد على العمل، ويعطيها القوة؛ أي: ما استعنت بهم، ولا شاورتهم حين خلقت السّموات والأرض، ولا حين خلقت آدم، وفي هذا بيان لكمال قدرته، وعظمته، وغناه عن الأعوان، والشركاء، وأنه الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد.
следующие страницы →