Полный текст (5 934 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
من عبيد؛ أي: الذين اختاروا أن يكونوا عباداً لله تعالى، وكلمة عباد: أفضل وأعلى درجة من عبادي هم الصفوة.
أما في الآخرة: فالكلّ يصبح عباد؛ لأنه ليس هناك تكليف، أو عبادة، فالكل مطيع، ولا يعصي.
﴿عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ﴾: الفاء في فإني تفيد المباشرة، والتّعقيب؛ أي: بمجرد رفع صوتهم فإني أسمعهم، فالقرب هنا ليس قرب مكان، ولكن قريب بعلمه، فهذا يدل على سمعه، وكرمه، واستجابته، فهو يعلم أحوالنا، ويسمع أقوالنا، ويرى أعمالنا، فهو قريب، بل أقرب من حبل الوريد، ولم يقل: فقل لهم إني قريب؛ أي: من دون قل، أو: فقل لهم؛ لأنها تبعد، أو تفصل القرب من الرّب، فلذلك حذفها؛ لتكون وسيلة الاتصال مباشرة بين العبد وربه، ومن دون تدخل الرّسول ﷺ .
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾: أجيب، وقيل: بمعنى اسمع دعوة الدّاع، أو دعاء الدّاع، إذا دعان، أجيب: أعطي السّائل سؤله، وإذا كان الدّعاء؛ يعني: العبادة؛ أي: أقبل عبادة من عبدني، وقدَّم الإجابة على الشّرط بدلاً من أن يقول: إذا دعان الدّاع أجيبه، أو أستجيب له للاهتمام، والإجابة من الله تعني: القبول، والإجابة من العبد تعني: الطّاعة، والعبادة، والإيمان.
﴿إِذَا﴾: شرطية، تستعمل للأمور الواقعة لا محالة، والكثيرة الحدوث.
﴿دَعَانِ﴾: ولم يقل: دعاني «بالياء»، وحذف الياء؛ ليقصر الكلمة؛ لتدل على مجرد ما يبدأ بالدّعاء أجيبه، أو تبدأ الاستجابة، فليس هناك فاصل زمني، وقد تعني دعان بدعاء واحد لأمر واحد، أو أمور متعددة أدعية مختلفة، أو دعان
стр. 317
لثوان فقط، دعاء قصير جداً، أو أطال الدّعاء «ذو دعاء عريض»، أجيب دعوة الدّاع إذا دعان إذا كانت الإجابة خيراً له، وأجيبه إن لم يسأل مُحالاً، وما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، وما لم يستعجل بالإجابة، وما لم يتغذَّ بالحرام، وفي الآية حثٌّ وحضٌّ على الدّعاء، خاصة في شهر رمضان الفضيل.
﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى﴾: الفاء: في فليستجيبوا لي: تدل على المباشرة والتّعقيب؛ أي: ليستجيبوا لي بسرعة، ومن دون تردد مباشرة، واللام: لام التّعليل، والأمر فليستجيبوا لي بالطّاعة، والإيمان، والدّعاء، والعبادة.
﴿لِى﴾: لي لوحدي بإخلاص، ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِى﴾: اللام: لام الأمر، والتّعليل؛ أي: يداوموا على الإيمان بي، ويستمروا على ذلك.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾: لعل: للتعليل؛ يرشدون: من الرَّشد: بفتح الراء، ويعني: الصلاح في أمور الدين؛ أي: ليرشدوا؛ أي: يهتدوا إلى الصّراط المستقيم، والحق والاستعداد للآخرة.، ويَرْشُدون تعني: الاستقامة على الدّين أيضاً، والبعد عن طريق الغي والضّلال، وأما الرُّشد: بضم الراء يعني: الصلاح في الأمور الدنيوية والأخروية، والرُّشد: أعم من الرَّشد. ارجع إلى سورة النّساء، آية (٦).
стр. 318
سورة البقرة [٢: ١٨٧]
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْئَانَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾:
سبب نزول هذه الآية: في بداية الإسلام كان الصّيام يمتد من وقت العشاء إلى غروب الشّمس، من الليلة القادمة، وكان يباح للمسلمين الأكل والشّرب والجماع من المغرب إلى وقت العشاء؛ أي: أقل من ساعتين، وكانوا يجدون مشقة كبيرة، وحرج في قصر مدَّة الإباحة، فكان النّاس يشكون إلى رسول الله ﷺ حتّى نزلت هذه الآية، فأصبحت فترة الإباحة للطعام والشّراب والجماع من وقت المغرب إلى وقت الفجر.
﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: الرفث في الأصل: الفُحش من القول، أو الكلام عن الجماع، واستعمل الرفث كناية عن الجماع من دخول وقت المغرب إلى وقت الفجر.
واستعملت كلمة الرّفث في موطني عبادة فقط الصّيام والحج، هذه الآية،
стр. 319
والآية (١٩٧) من سورة البقرة: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجِّ﴾.
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾: فيها تشبيه كلّ واحد من الزوجين باللباس، فالزّوج لباس لزوجه، والزّوجة لباس لزوجها، فالزّوج يستر عورة زوجته، والزّوجة تستر عورة زوجها، فكلّ واحد ساتر للآخر عن الحرام، والزّنى، وهذا التّشبيه مأخوذ من حالة اجتماعهما تحت غطاء واحد، واللباس: هو الثّوب الدّاخلي الذي يستر السّوءة.
﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾: ﴿تَخْتَانُونَ﴾: من الخيانة؛ أي: عدم أداء الأمانة: تخونون أنفسكم بارتكاب ما حرم الله عليكم من الجماع وقت الصّيام، والخيانة سببها قصر وقت الإفطار، تختانون أنفسكم، ولم يقل: تختانون نفوسكم: أنفسكم؛ أي: بعض الأنفس قامت بالخيانة، ونفوسكم تعني كلّ النفوس.
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾: ﴿فَتَابَ﴾: الفاء: للتعقيب، والتّرتيب، تاب عليكم: شرع لكم التّوبة أوّلاً، فتوبوا ثانياً، ثمّ يقبل منكم توبتكم التّوبة ثالثاً، ﴿وَعَفَا عَنكُمْ﴾: العفو هو ترك العقوبة عن الذّنب؛ أي: لا يعاقبكم على هذه الخيانة.
﴿فَالْئَانَ بَاشِرُوهُنَّ﴾: المباشرة تعني: الجماع.
﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: الآن بعد نزول هذه الآية التمسوا ما كتب لكم: مما يقع دون الجماع بين الزّوجين، أو ما كتب الله لكم من الولد، أو
стр. 320
ليلة القدر؛ أي: لا يشغلكم الرّفث عن ابتغاء ما كتب الله لكم من ليلة القدر والاعتكاف، أو أعمال البر، والتّقوى، وقراءة القرآن والتراويح، وما كتب لكم: أي: فرض لكم من الإباحة.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾: لم يقتصر التّرخيص الرّباني بالسّماح بالرّفث فقط، بل شمل كذلك الأكل والشّرب حتّى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، لا يعني ذلك أن نأتي بخيط أسود، وأبيض، وننظر إليهما، ومتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود فتتوقف عن الأكل والشرب والجماع.
وإنما المقصود بالخيط الأبيض هو علامة ظهور الشفق الأحمر، أو الطيف الأحمر الذي هو أطول ألوان الطيف المرئي المتكون من سبعة ألوان، وهي: الأحمر، والأصفر، والأخضر، والأزرق، والبرتقالي، والنيلي، والبنفسجي، فظهور الشفق الأحمر، أو الطيف الأحمر. هذا يدل على دخول وقت الفجر، ولكن من الصعب تحرِّيه، أو إدراكه فأبدله الله -جل وعلا- بظهور النور الأبيض (الخيط الأبيض) الذي هو ناتج عن وقوع أو امتزاج ألوان الطيف السبعة بالطبقة الغازية المحيطة بالأرض (الطبقة المضيئة) مما يعطينا هذا النور الأبيض الدال على دخول الفجر؛ أي: أول ما يتبين من بياض النهار.
والخيط الأسود: ما يبقى من سواد الليل؛ كأنه خيط محدود رقيق ينتشر؛ أي: يتبين لكم بياض النّهار من سواد الليل، ثم: لا تفيد التراخي في الزمن، وإنما لتباين الفضل بين الأكل والشرب، وفضل الصّيام.
стр. 321
﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾: أي: أتموا الصّيام من الفجر ﴿إِلَى الَّيْلِ﴾: أي: غروب الشّمس.
﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَاجِدِ﴾: ﴿وَلَا﴾: لا: النّاهية.
﴿تُبَاشِرُوهُنَّ﴾: كناية عن الجماع، أو الرّفث، وتعني: التقاء البشرتين.
﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَاجِدِ﴾: في زمن الاعتكاف من عكف على الشّيء؛ أي: لزم الشّيء، وداوم عليه، والاعتكاف: سنة، ويعني: لزوم المسجد للعبادة، وطاعة الله، وخاصة في العشر الأواخر من رمضان.
﴿فِى الْمَسَاجِدِ﴾: جمع مسجد، والمسجد المكان الّذي تقام فيه الصّلوات الخمس، وللاعتكاف أحكامه. ارجع إلى كتب السّنة، فالمعتكف لا يحل له أمر الجماع، ولا ما يتصل بالجماع، حتّى يخرج من اعتكافه، فالجماع يبطل الاعتكاف.
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾: ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة يفيد البعد، وتشير إلى حرمة الأكل والشّرب، والجماع وقت الصّيام.
﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: جمع حد، والحد هو الفاصل المانع، والحدود: تشمل المحارم، أو ما أحله الله من الأحكام، فإذا كانت الحدود تعني محارم الله يحذر عندها الله بقوله: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، وإذا كانت تعني ما أحلَّه الله يحذر عندها الله سبحانه بقوله: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، وقوله: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾: لا: النّاهية، ﴿تَقْرَبُوهَا﴾: أي: اجتنبوها، والنّهي عن الاقتراب أشد وأبلغ من النّهي عن التّحريم.
стр. 322
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾: أي: كما بين آيات الصّيام مثل ذلك يبين سائر آياته الأخرى في العبادات، آياته، ولم يقل الآيات، إضافة الآيات إليه تفيد التّشريف، والتعظيم لهذه الآيات.
﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أي: خاصة بالناس. ارجع إلى الآية (٢١) للبيان.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: لعل: للتعليل، ﴿يَتَّقُونَ﴾: ارجع إلى الآية (١٨٣) من سورة البقرة للبيان.
سورة البقرة [٢: ١٨٨]
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم﴾: الواو: استئنافية، ﴿وَلَا﴾: النّاهية، ﴿تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم﴾: أي: لا تأخذوها، والأكل هنا معناه الأخذ والاستيلاء عليها من دون حق، ولماذا استعمل لا تأكلوها بدلاً من لا تأخذوها؛ لأنّ عملية الأخذ عندهم أصبحت متكررة كعملية الأكل المتكررة ثلاث مرات باليوم، أو أكثر، وعدم الشّبع الّذي يقابله الجشع والطّمع.
﴿بَيْنَكُم﴾: الخطاب موجه إلى الجميع بلا استثناء.
﴿بِالْبَاطِلِ﴾: هو كلّ ما لم يُبيح الشّرع أخذه، أو أكله، وإن طابت به النّفس، والباطل هو الزّائل الّذي لا يدوم كالرّبا، والميسر، وثمن الخمر، والرّشوة، وشهادة الزّور، واليمين الكاذبة، والسّرقة، والخيانة، والغش والغصب، وأكل مال اليتيم، والباء: للإلصاق، باء السّببية؛ أي: لا يأخذ، أو يأكل بعضكم مال
стр. 323
بعض، وفي قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾: تعني أيضاً: لا تأكلوها أنتم، ولا تدخلوها في بطون من تعولون.
﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾: تدلوا: مأخوذة من أدلى دلوه ليملأها بالماء من البئر؛ أي: أنزل الدّلو، ودلوتها تعني: إذا أخرجتها، والحبل الّذي يعلق به الدّلو يسمى الرّشاء، والرّشوة مأخوذة من الرّشاء: لترشوهم بها؛ لكي يقضوا لكم بالباطل؛ لتأكلوا أموال النّاس بالباطل. وقيل: هذه هي آية الرّشوة في القرآن.
تدلوا بها: ترجع إلى الأموال والخصومات، وما تدلون به من الحجج الباطلة في المحاكم ودور القضاء، إلى الحكام الّذين يشرعون الأحكام الوضيعة، والقوانين المادية، ويتركون شرع الله، والحكام الّذين يقبلون أخذ الرّشاوى مثل القضاء، وولاة الأمور، ومن يعملون في محاكم الدّولة، ومديرو الدوائر، تدلوا بها إلى الحكام ليقضوا لكم بالباطل، والظّلم، والحيف.
﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: ﴿لِتَأْكُلُوا﴾: اللام: لام التّعليل، أو التّوكيد؛ أي: ليأخذوا، ﴿فَرِيقًا﴾: قسماً، أو شيئاً من أموال النّاس. ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة للبيان.
﴿بِالْإِثْمِ﴾: أي: بالظّلم وشهادة الزّور، واليمين الكاذبة، والإثم: الجرم كائن ما كان، والإثم (الذّنب العظيم)، والباء: للإلصاق؛ تعني: عمداً. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٣٣) للبيان.
﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أنكم آثمون، وهذه مبالغة في الجرأة، والمعصية على
стр. 324
الإثم، وعلى الباطل، أو أنكم تعلمون حرمة هذه الأمر، ومع ذلك تقوموا بها، انتبه لتأكلوا الأولى بالباطل، والثّانية بالإثم، وتفيد التّوكيد في الحرمة.
سورة البقرة [٢: ١٨٩]
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾:
سبب النّزول: قال ابن عبّاس ﵄: نزلت هذه الآية في رجلين من الصّحابة قالا: يا رسول الله! ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل الخيط، ثم يزيد حتّى يمتلئ ويستوي ويعظم، ثمّ لا يزال ينقص ويدق حتّى يعود كما كان.
﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: بصيغة المبني للمجهول، لا يهم من هم السّائلين هنا، المهم هو السّؤال، وجاء بصيغة المضارع كأنّهم يسألون الآن؛ لأهمية السّؤال. ارجع إلى الآية (٢١٥) من نفس السورة لمزيد من البيان عن معنى كلمة يسألونك.
﴿عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾: جمع هلال: وهو ما يبدو دقيقاً من حجم القمر في بداية الشّهر القمري، وسمي هلالاً؛ لأنّ الإنسان ساعة يراه يهل؛ أي: يرفع صوته بالتّهليل، بالقول: لا إله إلَّا الله.
الأهلة تعني: تغيرات حجم القمر خلال الشّهر. ارجع إلى سورة ياسين آية (٣٩) لبيان معنى الأهلة.
﴿قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ : ﴿هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾: جمع ميقات، مشتقة من الوقت؛ أي: الزّمن، فبالأهلة يعرف النّاس بدء الشّهر،
стр. 325
ومنتصفه، وآخره، ورمضان، وموسم الحج، والأشهر الحرم، والهلال ميقات الشّهر، والميقات ظرف زمان، أو ظرف مكان.
﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاختصاص، النّاس: ارجع إلى الآية (٢١) لمزيد من البيان.
وبالنسبة للحج الميقات الزماني هو: الزمن الّذي يُحرم فيه الحاج للحج والعمرة «الحج أشهر معلومات تبدأ من أوّل يوم عيد الفطر، والجمهور حددها بشهرين وعشرة أيام»، والميقات المكاني: الموقع، أو الأرض الّتي يحرم فيها الحاج للحج والعمرة، وقد حددها رسول الله ﷺ بخمس مواقيت، وهي مواضع الإحرام، كما في حديث الصحيحين، عن ابن عبّاس ﵄: أنّ رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحُليفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، ولمن كان مقيماً بمكة ميقاته الحرم في الحج، أو الجعرانة، أو التنعيم في العمرة.
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾: السّؤال هنا ما وجه الصّلة في هذا الشّطر من الآية وما قبلها، هم يسألون عن الأهلة، وأجابهم إلى ذلك فقال هي مواقيت للناس والحج، انتهى السّؤال والجواب، قيل: هذا من باب الاستطراد في القرآن، أراد الله سبحانه أن يسألهم بالمقابل أو بالمناسبة لما تدخلون البيوت من ظهورها أيام الإحرام للحج.
وقال المفسرون: كان النّاس في الجاهلية، وفي أوّل الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل بستاناً، ولا بيتاً، ولا داراً من بابه، فإن كان
стр. 326
من أهل مكة نقب نقباً في ظهر بيته، منه يدخل ومنه يخرج، أو يتخذ سلماً فيصعد فيه، وإن كان من أهل الخيام خرج من خلف الخيمة والفسطاط، ولا يدخل من الباب، حتّى يحل من إحرامه، ويرون ذلك ذمّاً، إلَّا أن يكون من الحُمْس: وهم قريش، وكنانة، وخزاعة، وثقيف، وخثعم، وبنو عامر بن صعصعة، وبنو النّضير بن معاوية، سمّوا حمساً لشدتهم في دينهم.
قالوا: فدخل رسول الله ﷺ ذات يوم بيتاً لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار على إثره من الباب وهو محرم، فأنكروا عليه، فقال له رسول الله ﷺ : «لِمَ دخلت من الباب وأنت محرم؟»، فقال: رأيتك دخلت من الباب، فدخلت على إثرك، فقال رسول الله ﷺ : «إني أحمسيّ»، قال الرّجل: إن كنت أحمسيّاً فإنّي أحمسيّ، ديننا واحد، رضيت بهديك وسمتك ودينك، فأنزل الله هذه الآية، رواه ابن أبي حاتم، والحاكم عن جابر.
الحُمْس: جمع أحمس من الحماسة، وهي الشّدة، والصّلابة؛ لتشدُّدهم في الدّين، فهم كانوا يظنون أنّ دخول البيوت من ظهورها هو من التّقوى والطاعة والبر، وهو في الحقيقة من أعمال الجاهلية، فنزلت هذه الآية لتدلَّهم على البر الحقيقي.
فقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾: ولكن ﴿الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾: أي: أطاع أوامر الله، واجتنب نواهيه، وعاد وأكَّد عليهم بدخول البيوت من أبوابها، قال: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي: أطيعوا الله بما أمر به ونهى عنه،
стр. 327
﴿لَعَلَّكُمْ﴾: للتعليل، ﴿تُفْلِحُونَ﴾: أي: لتفلحوا في دنياكم وآخرتكم، ﴿تُفْلِحُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٥) من سورة البقرة.
ومما يلفت النّظر قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ﴾: جاءت كلمة البرُ مرفوعة وجاءت مرفوعة؛ لأنّها جاءت اسم ليس، أما في قوله: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾: فالبرُّ هنا خبر (ليس) المقدَّم المنصوب، وتفسير آخر ليس البرُّ: جاءت بالرّفع؛ لأنّهم يظنون أنّهم يعرفون ما هو البر، وهم لا يعرفونه، أو للفت الانتباه إلى أن ما يعملونه من دخول البيوت من ظهورها هو خطأ، واللهُ أعلم.
سورة البقرة [٢: ١٩٠]
﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾:
سبب نزول هذه الآية: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية قال ابن عبّاس ﵄ فيما أخرجه الواحدي: نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية، وذلك أنّ رسول الله ﷺ لما صُدَّ عن البيت هو وأصحابه، نحر الهَدْي بالحديبية، ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه، ثمّ يأتي القابل، على أن يُخْلُوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء، وصالحهم رسول الله ﷺ ، فلما كان العام المقبل، تجهَّز رسول الله ﷺ وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدّوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشّهر الحرام في الحرم، فأنزل الله: ﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾: يعني قريشاً.
стр. 328
﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: جاهدوا في سبيل الله لإعلاء كلمته ونصر دينه، من المفسرين من قال: أنّ هذه الآية هي أوّل آية نزلت في القتال بالمدينة المنورة، ومنهم من قال: أنّ أوّل آية هي قوله تعالى في سورة الحج الآية (٣٩): ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، ثم نزلت آية: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].
﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾: أي: في الأشهر الحرم، أو المسجد الحرام، أو غيرها، وأكد قتالهم بزيادة النّون في كلمة يقاتلونكم فقط، فكان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتل ويكف عمن كف.
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾: بابتداء القتال، أو المفاجأة، أو لا تعتدوا بقتال النّساء، والشّيوخ، والصّبيان، والّذين بينكم وبينهم عهد.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ للتوكيد.
﴿لَا يُحِبُّ﴾: لا: النّافية، المعتدين. ارجع إلى سورة الحج آية (٣٩) لبيان معنى الجهاد والقتال في سبيل الله والفرق بين الجهاد والقتال.
стр. 329
سورة البقرة [٢: ١٩١]
﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾:
﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: حيث ظرف مكان وزمان، واقتلوهم في أي مكان وزمان بشرط أن تثقفوهم: تستعمل في سياق الحرب أو القتال والمعاداة، وتثقفوهم: من ثقف الرّجل؛ أي: تمكن منه حيث وجده؛ أي: تجد العدو، وأنت متمكن على قتله، أو أسره، أو هزيمته فقد تجده وأنت غير قادر عليه، فهناك فرق بين حيث وجدتموهم «مجرد أن تجده سواء كنت قادراً عليه أم لا»، وبين ثقفتموهم «تجده وأنت قادر على قتله وهزيمته»؛ إذن ثقفتموهم: تستعمل في حال الحرب، أو قتال العدو، أو الخصومة؛ وجدتموهم: تستعمل في غير هذه الحالات. ارجع إلى سورة الحج آية (٣٩) لمعرفة معنى القتال والجهاد.
﴿وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾: أي: من مكة، وقد فعل بهم ذلك عام فتح مكة.
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾: الفتنة: هنا تعني الشّرك أي: ارتداد المؤمن إلى الشّرك بسبب «الفتنة»؛ أي: اضطهادهم إياه أشد عليه من أن يقتل، وبقاؤهم على الشّرك أعظم من قتلكم إياهم، والفتنة أي: الشّرك أعظم من القتل في الحرم، والفتنة: لها معان أخرى مثل التّشريد، والنّزوح من الدّيار، والاضطهاد أشد من القتل.
﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ
стр. 330
الْكَافِرِينَ﴾: ﴿وَلَا﴾: النّاهية، ﴿تُقَاتِلُوهُمْ﴾؛ أي: المشركين عند المسجد الحرام لحرمته، ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية ونهاية، ﴿يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾: أي: إذا بدؤوا بقتالكم واجترؤوا عليكم، فعندها عليكم بقتالهم، ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ كذلك؛ أي: مثل هذا القتل والإخراج هو جزاء الكافرين.
سورة البقرة [٢: ١٩٢]
﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿فَإِنِ﴾: الفاء: عاطفة، وتعني: التّرتيب والتعقيب والمباشرة، إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشّك «أن ينتهوا».
﴿انتَهَوْا﴾: عن الشّرك، والكفر، والفتنة، وقتالكم، وأسلموا.
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء، وإن: للتوكيد.
﴿اللَّهَ غَفُورٌ﴾: صيغة مبالغة يستر ذنوبهم ولا يفضحهم. ارجع إلى الآية (١٧٣) من سورة البقرة.
﴿رَحِيمٌ﴾: لأنّه يعفو عنهم ويغفر لهم. ارجع إلى الآية (١٧٣) من سورة البقرة.
سورة البقرة [٢: ١٩٣]
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: الفتنة: هنا الشّرك، كما قال ابن عبّاس وغيره، فهذه الآية تأمر المؤمنين بقتال المشركين «كفار مكة» حتّى لا يبقى في مكة من يضطهد في دينه، ويتعرض للفتنة والتّعذيب كي يرتد عن دينه، أو من يصد عن سبيل الله أي: الإسلام. ارجع إلى سورة الحج آية (٣٩) لبيان معنى القتال والجهاد.
﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: فلا يُعبد غيره.
стр. 331
﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: انتهوا عن الشّرك، وأسلموا فلا عدوان؛ إلَّا على من اعتدى عليكم، وبقي على شركه وظلمه.
وإذا نظرنا إلى هذه الآية وقارناها بالآية (٣٩) من سورة الأنفال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ترى الاختلاف هو زيادة كلمة (كلُّهُ) في الأنفال، وحذفها في آية سورة البقرة، وهذا يعود إلى أنّ آية الأنفال تشمل قتال كلّ الكفار «ولذلك زاد كلّه» بينما آية البقرة محصورة في قتال كفار مكة فقط، وقد نزلت آية البقرة أولاً في السنة الأولى من الهجرة، وحثت على قتال كفار مكة، ونزلت آية الأنفال بعد آية البقرة بعد غزوة بدر وقتل كثير من صناديد قريش فحثت الآية على قتال الكفار جميعاً، أمّا نهاية آية البقرة، فلا عدوان إلَّا على الظّالمين ردّاً على قوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: إذن فلا عدوان إلَّا على الظّالمين، أما نهاية آية الأنفال، ﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ بعد اقتلاع الفتنة، فإن أسلموا كان خيراً، وإن لم يسلموا: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾، ﴿اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
سورة البقرة [٢: ١٩٤]
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾:
المناسبة: أنّ النّبي ﷺ أقبل هو وأصحابه، ومعهم الهدي معتمرين فصدهم المشركون فصالحهم الرّسول على أن يرجع عنهم، ثمّ يعودوا في العام القادم، وهو صلح الحديبية، فلما رجع رسول الله مع أصحابه افتخر المشركون؛ إذ ردُّوه يوم الحديبية، ومنعوه من دخول مكة في ذلك العام، فأقصه الله منهم، وأدخله مكة في الشّهر الّذي ردُّوه فيه من العام المقبل.
стр. 332
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾: أي: إذا قاتلوكم في الشّهر الحرام «اسم جنس» يعني: الأشهر الحرم فقاتلوهم في الشّهر الحرام، أو الأشهر الحرم والباء للإلصاق.
﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: الحرمات جمع حرمة، والحرمة ما منع الشّرع من القيام به، والقصاص بمعنى المساواة. ارجع إلى الآية (١٧٩) من سورة البقرة للبيان، فمن جرح جرح بمثل ما جرح به، ومن قتل قتل بمثل ما قتل به، وإذا صدوكم عن الدخول إلى المسجد الحرام في ذي القعدة من العام الماضي، فأنتم داخلون المسجد الحرام في ذي القعدة من العام المقبل.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: فمن: الفاء: للتأكيد، من: شرطية، اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل «بمقدار وبنفس الطّريقة» الّتي اعتدى بها عليكم.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي: أطيعوا أوامره، وتجنبوا نواهيه.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ﴾: للتوكيد.
﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: بالعون والنّصر.
هذه الآية: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: تشابه الآية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وكذلك الآية: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشّورى: ٤٠].
سورة البقرة [٢: ١٩٥]
﴿وَأَنْفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾:
﴿وَأَنْفِقُوا﴾: من الإنفاق هو إخراج المال من الملك؛ فإن لم يملكه لا يُعد إنفاقاً.
стр. 333
﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة، وإعزاز دينه يحتاج إلى الإعداد له بالمال والنّفس، فلا بد من الإنفاق في سبيل الله «لشراء السّلاح والعتاد والإنفاق على المحاربين وكلّ ما تحتاجه الحرب … ».
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾: الباء: للإلصاق والتّوكيد، بأيديكم أي: بأنفسكم، ذكر الجزء وإرادة الكلّ.
﴿إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: إلى الموت والهلاك، أو العذاب بترك ما فرضه الله عليكم من فرائض مثل ترك الإنفاق في سبيل، أو ترك الجهاد، ضد العدو؛ مما يؤدي إلى نيل العدو منكم وإهلاككم، أو اليأس من رحمة الله، وقتل أنفسكم، ولا تعني عدم الجهر والصّدع بالحق في وجه الحاكم الظّالم.
﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: أحسنوا من الإحسان في العمل والنّفقة كماً وكيفاً. ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: الّذين أصبحت صفة الإحسان عندهم ثابتة.
سورة البقرة [٢: ١٩٦]
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
مقدِّمة: كان الحج معروفاً منذ زمن إبراهيم ﵇، وبقي في عهد كلّ الأنبياء من بعده، وكان الحج مشوباً بأعمال الشّرك والبدع، وانتبه إلى أنّ هذه الآية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: نزلت في السّنة السادسة من الهجرة، وفيها معنى الإتمام
стр. 334
إذا شرع في القيام بالحج والعمرة سابقاً، ويحب الإتمام، ولكن هذا الشّروع في الحج والعمرة لم يُبين، أو تعني عليكم بأداء الحج والعمرة، والإتيان بالأركان والشروط كاملة والمناسك، كما سنرى.
ولما نزلت الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: في السّنة التّاسعة من الهجرة دلَّت على فرض الحج ووجوبه، ولم يبادر رسول الله ﷺ في الحج في السّنة التّاسعة «سنة نزول هذه الآية»؛ لأنّ المشركين كانوا لا يزالون يحجون في ذلك العام، وكانوا يطوفون عراة، كما سنرى في سورة الأنفال الآية (٣٥).
ولذلك أمر رسول الله ﷺ أبا بكر، وعليّاً بالذّهاب في ذلك العام، وإنذار المشركين بأنهم لن يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا أي: العام التّاسع، كما جاء في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٧].
﴿الْحَجَّ﴾: في اللغة القصد، وفي الشّرع: التّعبد لله بأداء المناسك على ما جاء في سنة رسول الله ﷺ .
﴿وَالْعُمْرَةَ﴾: في اللغة: الزّيارة، وفي الشّرع: التّعبد لله بالطّواف بالبيت، وبالصّفا والمروة، والحلق، أو التّقصير.
والحج فرض بالكتاب والسّنة، وإجماع المسلمين، ومنزلته في الدّين أنه أحد أركان الإسلام، واجب مرة واحدة في العمر لمن توافرت له شروط الوجوب.
والعمرة: اختلف العلماء هل هي واجبة، أو سنة، والّذي يظهر أنّها واجبة.
стр. 335
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: ﴿وَأَتِمُّوا﴾: اختلفوا في معنى إتمامها، فقالوا الإتمام:
ـ هو أن يتمهما بمناسكهما، وحدودهما، وسننهما هو قول ابن عبّاس ﵄ وغيره.
ـ أتموها بإخلاص دون قصد دنيوي من تجارة، أو حاجة أخرى.
ـ أتموها أي: إذا شرع في أحدهما العمرة والحج لم يفسخه حتّى يتم وإذا نسي شعيرة يأتي بها.
ـ قد يعني إتمامهما التّمتع يقوم بالعمرة ويتمها، ويتحلل، ثمّ يحرم من مكة، ويتم الحج.
﴿لِلَّهِ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق، خالصة لله وحده.
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ﴾: الإحصار: أي: عرض لكم شيء يكون سبباً لفوات الحج، أو مانعاً يمنع من الوصول إلى البيت الحرام، والإحصار بسبب أمر عارض مفاجئ غير متوقع بسبب عدو أو خطر، أو عدم الأمن، أو الإرهاب، أو انتشار مرض معدٍ أو وباء، وأما إذا كان بسبب الحبس يقال عندها حُصرتم؛ فالحصر: هو الحبس مع التضييق.
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: إن: شرطية تفيد الشّك في وقوع ذلك. ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾: من الأحصار؛ أي: منعتم من إتمام الحج والعمرة عندها تحلَّلوا وعليكم ما استيسر من الهدي.
﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، ﴿الْهَدْىِ﴾: ما يتم ذبحه تقرباً من الله، أو كفارة عما حدث من خطأ، والهدي: قد يكون من الإبل، أو البقر، أو الغنم يذبح ويفرَّق على الفقراء.
стр. 336
﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ﴾: أي: لا يجوز حلق الرّأس، أو التّقصير حتّى ينتهي من عرفات، ومزدلفة، وينزل إلى منى يوم العيد، وأما في حالة الإحصار والمنع من الوصول إلى مكة، وإتمام مناسك الحج فعندها ينحر هديه في مكان الإحصار، وهو الرّأي الغالب.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: أي: من تحلل من الإحرام بسبب مرض، أو أذى من رأسه «آفة أو قمل … » عليه فدية وهو مخيَّر بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام (٦) مساكين، أو نسك «هدي؛ أي: ذبيحة»، هذه الثّلاثة الأمور مرتبة ترتيباً تصاعدياً حسب الطّاقة، والاستطاعة.
فالصّيام لا يتعدَّى النّفع فيه إلى الغير، وأما الصّدقة فمحدودة بـ (٦) مساكين، أما النّسك أو الذّبيحة فينتفع بها الجميع، أمّا الذّبح فيتم في مكة، وفي أيامنا هذه لا يقوم الحاج بالذّبح، بل يكلف الجمعية المخصصة لهذا العمل بالقيام به، وهو فقط يدفع الثّمن، وهنا حذف المعطوف، وأصل الآية فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه فحلق ففدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.
﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ﴾: فإذا: الفاء: للتوكيد، إذا: شرطية تدل على حتمية الحدوث، ﴿أَمِنتُمْ﴾: من العدو، أو الإحصار «أو انتهى الإحصار»، ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾: أي: وأتم العمرة، وتحلل بعدها «هذا يسمى التّمتع»، ويبقى في مكة متمتعاً إلى يوم التّروية «اليوم الثّامن» بدء أعمال الحج فعليه ذبح هدي يذبحها يوم النّحر، «ويتم هذا عن طريق الدفع للجمعيات المسؤولة، كما ذكرنا».
﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾: ﴿فَمَنْ﴾: الفاء: عاطفة، من: شرطية، لم يجد هدي «أو ثمنه» عندها يصوم ثلاثة أيام
стр. 337
في الحج قبل يوم التّروية «أي: قبل اليوم الثّامن»، وسبعة أيام بعد العودة إلى بلاده، وقوله تعالى: تلك عشرة كاملة: إشارة إلى الثّلاثة والسّبعة، ونحن نعلم أنّ (٣+٧=١٠) للتأكيد على فعل ذلك، إذن صيام (١٠) أيام يعادل كمن ذبح، والأجر واحد.
﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة؛ يعني: صيام عشرة أيام (ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم)، لمن كان من غير أهل مكة «أهله حاضري المسجد الحرام؛ أي: مقيمين بمكة»، أما إن كان من أهل مكة، وتمتع بالعمرة، أو أقرن بالحج فليس عليه هدي، ولا صيام، وحدود المسجد الحرام تقدر بـ (١٢) ميلاً، فمن أقام داخل هذه المسافة لا يلزمه ذبح، ولا صوم؛ لأنّ المقيمين حول المسجد الحرام «أهل مكة»، طوافهم دائم، وهذا يغنيهم عن العمرة.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أطيعوا أوامر الله، واجتنبوا نواهيه، ﴿وَاعْلَمُوا﴾: علم اليقين، ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد، ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: العقاب من التّعقيب، والعقاب هو الجزاء على الجرم، أو المعصية، أو الذّنب، والعقاب يحدث بعد الذّنب مباشرة يعاقب عليه في الدّنيا، أما العذاب فقد يؤخر إلى الآخرة، أو يحدث في الدّنيا؛ لماذا هذا التّهديد؛ لأنّ هناك من يتقاعس، أو يحاول التّعجل عن إتمام حجه، أو عمرته مستوفياً لكلّ مطلوبات المشرع في الحج والعمرة.
стр. 338
سورة البقرة [٢: ١٩٧]
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِى الْأَلْبَابِ﴾:
انتبه إلى النّسق والتّرتيب القرآني بعد أن تكلم عن الأهلة «مواقيت للناس إلى الحج»، ثم الصّيام، ثمّ الحج، وذكر خلال ذلك القتال في الأشهر الحرم يتابع ذكر الحج.
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾: ﴿الْحَجُّ﴾: تعريفه، ارجع إلى الآية السّابقة.
﴿أَشْهُرٌ﴾: جمع قلة وهي: شوال، وذي القعدة، وذي الحجة؛ أي: الحج أشهر ثلاثة.
﴿مَّعْلُومَاتٌ﴾: عند النّاس «ومنهم العرب»؛ لأنّ الحج كان معروفاً عند العرب قبل الإسلام، والحج أشهر معلومات؛ أي: أفعال الحج لا تصلح إلَّا فيها، فلا تبديل، ولا تأخير، كما كان يفعل أهل الجاهلية، ولم يقل الحج في أشهر معلومات: لكان الحج يمكن أن يصح في كل يوم من هذه الأشهر.
﴿أَشْهُرٌ﴾: جمع شهر، وأقل الحج ثلاثة، فهي ثلاثة أشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
﴿مَّعْلُومَاتٌ﴾: جمع معلومة «مؤنث معلوم»، اسم مفعول من علم يعلم؛
стр. 339
أي: وأشهر الحج لا تنتهي إلَّا في ثلاثين من ذي الحجة؛ أي: أن لا يخرج شهر ذو الحجة وعليه شيء من أعمال الحج.
﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ﴾: الفاء: عاطفة للتوكيد، من: شرطية، وجواب الشّرط ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾.
﴿فَرَضَ فِيهِنَّ﴾: نوى، ولبى، ولبس ثياب الإحرام.
﴿فَلَا رَفَثَ﴾: الجماع، وقيل: الفحش، والقول القبيح، والحديث عن الوطء. ارجع إلى الآية (١٨٧) للبيان.
﴿وَلَا فُسُوقَ﴾: الخروج عن طاعة الله، وارتكاب المعاصي «بترك واجب، أو فعل حرام». ارجع إلى الآية (٢٦) من نفس السورة لمزيد من البيان، وإلى سورة المائدة آية (٣) لمعرفة الفرق بين الفسوق والفسق.
والفسوق: ممنوع في كل وقت، وامتناعه أشد في الحج، والبيت الحرام.
﴿وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجِّ﴾: حوار بين طرفين تحصل فيه مشادة كلامية، وخصومة، والتعالي على الخصم، وأحياناً السباب.
وتكرار: ﴿وَلَا﴾ ثلاثة مرات تفيد التّوكيد توكيد النّهي عن عمل أي واحدة منهن الثّلاث، أو كلهن: الرّفث، والفسوق، والجدال.
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: شرطية تفيد الإطلاق، والشّمول.
﴿مِنْ﴾: استغراقية تشمل أي خير.
﴿خَيْرٍ﴾: نكرة مهما كان صغيراً، أو كبيراً، والخير: يشمل كل أنواع
стр. 340
الطّاعات والذّكر: الصّدقة، والعفو، والصّفح، والكلام الطّيب، ومساعدة الحاج، والصّبر، والنّظافة.
﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾: وذكر يعلمه الله للتوكيد، والحث على فعل الخير، وتجنب الدّفع والزّحام والانتظار، فالله يعلم الشّيء قبل أن يقع، ومنذ الأزل، والخير هو الشّيء الحسن النّافع، يعلمه الله؛ أي: فيجازيكم به.
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾:
سبب نزول هذه الآية: كما روى البخاري عن ابن عبّاس ﵄: كان أهل اليمن يحجون بلا زاد؛ أي: قوت، ويقولون نحن متوكلون؛ فإن قدِموا مكة سألوا النّاس الزاد، والمركب، وأصبحوا عالةً، وكَلّاً على الآخرين، فأنزل الله هذه الآية.
والعبرة هنا بعموم اللفظ، وليس بخصوص السّبب؛ أي: تزودوا: بالمال، والطّعام، ووسيلة النّقل، وكل شيء تحتاجونه في سفركم، ولا تسألوا النّاس أشياءهم، وتزودوا فيما وراء الزّاد الدّنيوي بزاد الآخرة وهو التّقوى، أو اتخذوا التّقوى زادكم، فإنّها خير زاد «تشبيه بليغ».
﴿وَاتَّقُونِ﴾: الواو: استئنافية، اتقون: أطيعوا أوامري، واجتنبوا نواهيّ، أصله اتقوني «الياء محذوفة»؛ أي: اتقون ما استطعتم ومهما كانت لن تكون تقوى كاملة، أو تدل على قلة عدد المتقين مقارنة بعدد الكفار.
﴿يَاأُولِى الْأَلْبَابِ﴾: المخلصين الموحِّدين الّذين أنابوا إلى الله، والّذين يستمعون القول «القرآن»، فيتبعون أحسنه «المحسنين»، انظر في سورة الزّمر آية (١٧ - ١٨)؛ لتعريف أولو الألباب، ﴿يَاأُولِى﴾ أصحاب، اللّب باطن العقل،
стр. 341
المؤمنين ذوي العقول النّيرة حكماء الأمة. «المخلصين الموحِّدين» ارجع إلى (١٧٩) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [٢: ١٩٨]
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾:
﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص، نفي للحال، أو غير مقيدة بزمن للماضي، والاستمرار والاستقبال.
﴿عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: أي: إثم، ﴿جُنَاحٌ﴾: من جنح؛ أي: مال عن القصد، وسمي الإثم جناح للميل فيه من الحق إلى الباطل.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّوكيد.
﴿تَبْتَغُوا﴾: من الابتغاء هو الطلب والالتماس.
﴿فَضْلًا﴾: عطاءً ورزقاً، «بتجارة، أو بيع، أو شراء، أو إجارة، أو تقديم الخدمات، أو شراء الهدايا».
﴿فَضْلًا﴾: جاءت نكرة؛ لتشمل كل أنواع الفضل «الزّيادة».
﴿مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: أي: أنّ الفضل والرّزق كله من عند الله، وإياكم أن تقولوا: إنّ تقديم الأسباب وحده كافٍ، فلا بد من التّوكل على الله وحده.
﴿فَإِذَا﴾: الفاء: للتأكيد، إذا ظرفية زمانية تتضمن معنى «حين»، وتدل على حتمية الحدوث، أو كثرته؛ أي: الإفاضة.
стр. 342
﴿أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾: أصله أفضتم أنفسكم؛ أي: دفعتم من عرفات، فترك ذكر المفعول «أنفسكم».
واستبدلت بأفضتم: من الإفاضة، وهي دفع بكثرة تشبيهاً بفيض الماء الكثير، وفاض الماء إذا سال منصباً، فكأنّ عرفات إناء قد امتلأ، وكأن الدّفع من عرفات سيل فتدفق، وهكذا دوماً تكون الإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس من اليوم التّاسع من ذي الحجة.
﴿مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾: بعد الوقوف بها، والّذي هو فرض، أو ركن من أركان الحج، إلى مزدلفة، وعرفات: اسم علم من ملحقات الجمع المؤنث السّالم، واسم المكان الّذي يقف فيه الحجاج يوم التّاسع من ذي الحجة؛ أي: المكان الفسيح، ولا يعني جبل الرّحمة الّذي يقف عليه بعض الحجاج فقط.
وقيل في معنى عرفات أقوال مختلفة تنسب إلى مكان لقاء آدم بحواء بعد هبوطهما من الجنة.
﴿فَاذْكُرُوا﴾: الفاء: للتعقيب، والتّرتيب.
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾: أي: بالتلبية، والتّكبير، والتحميد، والصّلاة فيه المغرب والعشاء جمعاً، والفجر، والدّعاء عند المشعر الحرام في مزدلفة.
وقيل: هو جبل قزح، وقيل: ما بين جبلي المزدلفة من مضيقي عرفة ووادي محسر.
стр. 343
وسمي المشعر الحرام: من الشّعار وهو العلامة؛ لأنّه من معالم الحج، وصف بالحرام: لحرمته.
﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾: كما الكاف للتشبيه، وما: المصدرية.
وبعضهم قال: للتعليل؛ أي: اذكروه لهدايته إياكم إلى معالم دينه ومناسك حجه، وكيف تحجون، وتكرار واذكروه: للمبالغة عن أهمية الذّكر في أيام الحج، وعند تلك المشاعر، وتعني: المواصلة في الذّكر.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية، إن: مخففة تفيد التّوكيد، ﴿كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾: «ها الضّمير هنا» تعود على الهدى، وهو القرآن، أو الإسلام، أو رسول الله ﷺ ، وقد ترجع إلى كل ذلك معاً.
﴿لَمِنَ﴾: اللام: لام الاختصاص، من: ابتدائية. ﴿الضَّالِّينَ﴾: جمع ضال، والضّلال هو الانحراف، والبعد عن الهدى، وسواء كان ضلال في الاعتقاد، أو ضلال في العمل، أو غيره.
والضّالين: جمع ضال، اسم فاعل من ضل، والضّالين: جملة اسمية تدل على ثبوت صفة الضّلال عندهم، والضّالين الّذين جهلوا الحق فضلوا، وقد يضلوا غيرهم.
والضّلال سببه الجهل بالحق، وأما الغي: فهو العدول عن الحق بعد معرفته، والضّلال له معان شتى: يعني الهلاك، ويعني: الضياع، والنسيان. يقال: ضل عن قومه؛ أي: ضائع لا يعرف منزله، ويعني: الغيبوبة والاضمحلال، كما في قوله: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠]؛ أي: دفنوا وغابوا فيها، وضل
стр. 344
الشّيء: خفي، وغاب، وضل المسافر؛ أي: لم يعرف طريقه. فالضلال في الدِّين هو العدول عن المنهج، والصواب، والضّلال قد يكون مقصوداً وبيِّناً؛ أي: يعرف المنهج وينحرف عنه، أو غير مقصود؛ كمن ينسى، أو يسهو، والضّلال إما يقتصر على صاحبه، أو يتعدَّى صاحبه فيضل غيره، وبذلك يكون قد أضلَّ ذاته (إضلال النفس)، كقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩].
سورة البقرة [٢: ١٩٩]
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: ثم: لتباين المرتبة؛ أي: الأفضل الإفاضة من عرفات.
﴿أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾: الخطاب إلى كل حاج ومنهم أهل مكة وموجَّه إلى الحُمْس وهم قريش، وكنانة، وخزاعة، وثقيف، وخثعم، وبنو عامر، وبن صعصعة، وبنو النضير بن معاوية «سُمُّوا حمساً؛ لشدتهم في الدِّين»، وظنهم أنّهم أولياء الحرم، ويقومون على حمايته، ولذلك لا يجب عليهم الخروج إلى عرفات، والوقوف فيها؛ فنزلت هذه الآية لتكن أيها الحُمس إفاضتكم من حيث أفاض النّاس؛ أي: من عرفات، ولا تكن من مزدلفة، ويكفي التّرفع على النّاس، والتّعالي عليهم، ولمعرفة معنى النّاس؛ ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة للبيان.
فجاءت هذه الآية لتأمر بالعدل والمساواة بين النّاس، فالكل يجب أن يقف بعرفة «والحج عرفة»، وبعد ذلك أمرهم بالاستغفار، فقال:
﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾: لمخالفتكم في عدم الوقوف بعرفة في السّابق.
стр. 345
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل يفدي التّوكيد، الله تعالى.
﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية (١٧٣) من نفس السّورة.
سورة البقرة [٢: ٢٠٠]
﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾:
﴿فَإِذَا﴾: الفاء: للتعقيب، إذا: ظرفية زمانية للمستقبل، شرطية تفيد حتمية الحدوث، أو كثرته.
﴿قَضَيْتُم﴾: أديتم وانتهيتم «فرغتم».
﴿مَّنَاسِكَكُمْ﴾: أعال الحج هي: الرّمي، والذّبح، والطّواف، والسّعي، والحلق.
﴿فَاذْكُرُوا﴾ الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والمباشرة.
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾: في منى عند الجمرات.
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾: الذّكر يشمل الذّكر العادي من تسبيح، وتكبير، وتهليل، وتحميد، والذّكر يعني: الدّعاء، والصّلاة، وقراءة القرآن، أو الاستماع إلى حديث رسول الله ﷺ .
﴿كَذِكْرِكُمْ﴾: الكاف: للتشبيه، كما تذكروا آباءكم، بل أشد ذكراً.
﴿أَوْ﴾: تعني: بل.
стр. 346
﴿أَشَدَّ ذِكْرًا﴾: اذكروا الله أكثر من ذكركم آباءكم.
فأراد الله سبحانه أن يبطل عادة الجاهلية بالتّفاخر بالآباء والأجداد في منى بعد الانتهاء من أعمال الحج، وبدأ أيام التّشريق الثّلاثة، بعمل أفضل هو ذكر الله سبحانه بدلاً من ذكر الآباء والأجداد.
﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾: الفاء: للتفضيل، من: ابتدائية، النّاس؛ ارجع إلى الآية (٢١) من سورة البقرة.
﴿مَنْ يَقُولُ﴾: من: للتبعيض، يقول: أي: يدعو ربه.
﴿رَبَّنَا آتِنَا﴾: الإيتاء هو العطاء، ولكن لا تملك في الإيتاء؛ أي: يمكن استرداد ما أعطى، أما العطاء ففيه تملك، ولا يسترد، والإيتاء أعم من العطاء، ويشمل النّواحي المعنوية، والحسية «المادية» أما العطاء فيشمل النّواحي المادية فقط.
﴿آتِنَا فِى الدُّنْيَا﴾: المال، والجاه، والوالد، والزوجة، والنّصر، والغيث، وغيرها، ولا يسأل الله تعالى أي شيء من أمور الآخرة فقط يسأله، ويدعو الله في أمور الدّنيا الفانية.
﴿وَمَا لَهُ﴾: الواو: عاطفة، ما: النّافية النفي فيها أقوى من النّفي بليس.
﴿لَهُ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق، أو الملكية، والهاء ضمير يعود على الدّاعي.
﴿فِى الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: ﴿مِنْ﴾: استغراقية، ﴿خَلَاقٍ﴾: حظ، أو نصيب قُدّر له؛ أي: لا شيء. ارجع إلى نفس السورة آية (١٠٢) لمزيد من البيان.
стр. 347
سورة البقرة [٢: ٢٠١]
﴿وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾:
﴿وَمِنْهُم﴾: الواو: عاطفة، منهم: من ابتدائية؛ أي: ومن النّاس.
﴿مَنْ﴾: بعضية.
﴿يَقُولُ﴾: يدعو ربه.
﴿رَبَّنَا آتِنَا﴾: ولم يقل: يا ربنا؛ لأنّه يعلم أنّ الله قريب جداً، ولا يحتاج إلى يا النّداء الّتي تستعمل للبعد.
﴿آتِنَا﴾: ارجع إلى الآية السّابقة.
﴿فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: الحسنة لغة تعني: ما يسرُّ النفس، أو كل ما يستحسنه الإنسان: من صحة، وغنى، وعلم، ومال، وجاه، وولد، وأمن، وزوجة، وخصب، وغيث.
والحسنة شرعاً: تعني: كل ما يستحسنه الشّرع، ويورث ثواباً، وبامتثال أوامر الله وتجنب نواهيه.
﴿وَفِى الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾: مثل المغفرة، والجنة، ورضوان الله تعالى.
﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: نجنا، وجنبا عذاب النّار، وقنا من الوقاية؛ أي: اجعل بيننا وبين النّار حاجزاً، وواق، وهذه هي الصّيغة الأفضل في الدّعاء الّتي تجمع خيري الدّنيا والآخرة معاً، وهذه الآية تعتبر من جوامع الدّعاء الّتي يجب الإكثار منها، فقد كان رسول الله ﷺ يكثر من هذا الدّعاء، كما جاء في الصّحيحين عن أنس.
стр. 348
سورة البقرة [٢: ٢٠٢]
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد يدل على بُعد منزلة أولئك الدّاعون ربهم: ربنا آتنا في الدّنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة في كل الأوقات، «ولا تنسى السّعي والإيمان المقرون بالعمل الصّالح»، والدّعاء أخيراً، وكذلك تشمل الّذين أدوا مناسك الحج.
﴿لَهُمْ نَصِيبٌ﴾: اللام: للاختصاص، والاستحقاق.
﴿نَصِيبٌ﴾: النّصيب هو الحظ المعين المحدد من الأجر، أو الجزاء، أو الثواب من جنس ما كسبوا.
﴿مِمَّا﴾: من + ما: ما قد تكون اسم موصول؛ أي: من الّذي كسبوا، أو مصدرية نصيب كسبهم.
﴿كَسَبُوا﴾: الكسب عادة يكون في الخير، والاكتساب عادة يستعمل في الشّر «اكتسب على وزن افتعل»، من خصائص القرآن. ارجع إلى الآية (٢٨٦) من نفس السورة.
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: ارجع إلى الآية (٤١) من سورة الرعد.
стр. 349
سورة البقرة [٢: ٢٠٣]
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾:
هذه هي المرة الرّابعة الّتي ينبه الله سبحانه إلى الذّكر:
١ - ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.
٢ - ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾.
٣ - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
٤ - ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾.
فيجب أنّ نعلم أنّ ذكر الله يجب أن يكون دائم أيام الحج، واذكروا الله قيل: تعني التكبير بعد الصّلوات حتّى عصر اليوم الثالثّ.
﴿فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾: أيام معدودات: جمع قلة، أما قوله تعالى: أيام معدودة: جمع كثرة، هي أيام التّشريق الثّلاثة الّتي تبدأ بعد يوم العيد «يوم النّحر»، وسمِّيت أيام التّشريق نسبة إلى شروق الشّمس، فقد كانوا يضحون، ويأخذوا اللحم، ويضعوه لمطلع الشّمس كوسيلة لتقديده، ولحفظه، وكان هذا في الزمن القديم، والمعدودات جمع قلة؛ لأنّه أقل من عشرة.
﴿فَمَنْ﴾: الفاء: للتفصيل من ابتدائية.
стр. 350
﴿تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ﴾: فمن رمى الجمرات في اليوم الأوّل، والثّاني من أيام التّشريق وسافر، فلا إثم عليه.
﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾: رمى الجمرات في الأيام الثّلاثة كلها، فلا إثم عليه.
السّؤال هنا: لماذا قال: لا إثم على الّذي تأخر في يومين بدلاً من الزّيادة في أجره؛ لأنّه أتم الثّلاثة أيام؟
الإثم في هذه الآية، لا علاقة له بالتّعجل، أو بالتّأخر، وإنّما يعود على الإثم الّذي ارتكبه المتعجل، أو المتأخر قبل الحج من تقصير، أو خطأ.
فالمتعجِّل والمتأخِّر كلاهما زالت آثامهما الّتي كانت عليهما قبل حجهما، على شرط الّذي تعجل، أو الّذي تأخر حج، ولم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه، وكذلك لا إثم على المتعجل، أو المتأخر بشرط التّقوى الّذي ذكره: لمن اتقى؛ أي: أتم الحج المبرور، واللام في لمن: للتوكيد، والمسألة ليست مسألة زمن يومين، أو ثلاثة، ولكن المسألة مسألة إخلاص، وتقوى، وإحسان في الحج، وتكرار قوله: فلا إثم عليه، مرتين للتوكيد، والإثم: في الأصل التّقصير، ويعني: الذّنب. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٣٣) للبيان.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أطيعوا أوامر الله، وتجنبوا نواهيه، واستقيموا على ذلك.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: إليه جار ومجرور والتّقديم بدلاً من قوله: أنكم تحشرون إليه يفيد الحصر؛ أي: إليه وحده.
﴿تُحْشَرُونَ﴾: الحشر هو السّوق والجمع إلى أرض المحشر، إخراج الموتى من القبور، وسوقهم إلى الموقف؛ أي: أرض المحشر، والحشر: لا
стр. 351
يكون إلَّا في أمر مكروه، واختيار كلمة تحشرون للتذكير بالزحام في الحج يجب أن يُذكَّر الحاج بيوم الحشر، للاستعداد له.
سورة البقرة [٢: ٢٠٤]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾:
بعد ذكر المتقي الّذي يرجع من حجه المبرور، لا ذنب عليه كمن ولدته أمه، يذكر مقابل المنافق الّذي حجه هو الإفساد في الأرض، وقيل: عن ابن عبّاس أنّ هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ولقب بالأخنس؛ لأنّه خنس ورجع يوم بدر، فلم يقاتل المسلمين مع قريش، وكان ساعة يقابل رسول الله ﷺ يظهر إسلامه، وكان ليِّن الكلام كافر القلب، ويحلف أنَّه يُحب رسول الله ﷺ .
وفي أحد الأيام خرج من عند رسول الله ﷺ فمر بزرع وحُمرٌ لقوم من المسلمين، فأحرق الزّرع وقتل الحُمر.
والآية تشمل كل منافق والعبرة بعموم اللّفظ، وليس بخصوص السّبب، فيقول سبحانه:
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: الواو: استئنافية، من: ابتدائية اسم موصول للعقلاء تشمل المفرد، والمثنى، والجمع. النّاس: ارجع إلى الآية (٢١) من سورة البقرة.
﴿مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ﴿مَنْ﴾: ابتدائية، ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾: تُسَرُّ لقوله، حلو اللّسان، ليِّن الكلام. والإعجاب هو: انفعال النّفس عند مشاهدة أو رؤية أمر سار غير مألوف.
﴿فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: إذا تحدث تحدث في أمور الدّنيا، مثل التجارة،
стр. 352
والمال، والزّرع، والأكل، والشّرب فقط، ولا يتطرق إلى ذكر الآخرة؛ لكونه لا يعلم عنها شيء، أو لا تهمه، أو يخاف أن يظهر على حقيقته.
﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ﴾: أي: يحلف الأيمان الكاذبة حتّى يصدقه النّاس، كما كان يفعل الأخنس يحلف لرسول الله ﷺ أنه يُحبه والله يشهد على ما يقوله، وما في قلبه.
﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾: الألد: الشديد الخصومة، وأصل اللّديد هو الّذي لا يمكن صرفه عما يريد؛ أي: أعدى الأعداء؛ لكونه يخدعك، ويبطن خصومته، أما الّذي يُظهر عداوته فهو ليس ألد الخصام؛ لأنّك تحتاط منه، وتبتعد عنه.
سورة البقرة [٢: ٢٠٥]
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرف زمان لما يستقبل من الزّمن، ويتضمن معنى الشّرط، وتفيد حتمية الحدوث، أو كثرته.
﴿تَوَلَّى﴾: لها عدَّة معانٍ:
١ - انصرف أو ذهب بعيداً؛ أي: ابتعد عن النّاس، أو انصرف عن القول الّذي قاله؛ أي: إذا وعد أخلف، أو اؤتمن خان.
٢ - غضب كما قال ابن عبّاس ﵄.
٣ - صار والياً من الولاية.
﴿سَعَى فِى الْأَرْضِ﴾: سعي: أحدث، أو السّعي بالقدَم؛ أي: السّعي، والمشي الحثيث.
стр. 353
﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾: اللام للتوكيد؛ أي: بعلم ونية «تعمد»، ويفسد من الفساد، وأعظم الفساد هو الشّرك بالله، والكفر، والظّلم، ومعاداة الدِّين، والفساد الفكري، وتعريف الفساد: انفلات الفرد، أو المجتمع عن ضوابط الشّرع، والفساد يكون في المعتقد، والسّلوك، والسّحر، والقتل، وأكل الرّبا، ومال اليتيم، والكبائر، والزّنى، والتّلوث البيئي، وقطع الأشجار، وهدم البيوت، وأكل أموال النّاس بالباطل، وغيرها.
﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾: أي: بالقتل، أو الإحراق، والتخريب، أو التدمير، أو الظّلم والإضلال.
﴿الْحَرْثَ﴾: يعني: الزّرع، والحرث: النّساء: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
﴿وَالنَّسْلَ﴾: الذّرية، والأولاد، قتل الأولاد والنّساء في الحروب والغزوات، أو الحيوان.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾: ﴿وَاللَّهُ﴾: لفظ الجلالة: قُدم اسم الفاعل الله سبحانه على الفعل؛ للاهتمام والتّعظيم.
﴿لَا﴾: النّافية لجميع الأزمنة.
﴿يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾: الحب: الميل، ﴿الْفَسَادَ﴾: نقيض الصلاح؛ أي: أن تعمد إلى الصّالح فتفسده؛ ارجع إلى الآية (٢٥١) لمزيد من البيان.
سورة البقرة [٢: ٢٠٦]
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية؛ لما يستقبل من الزمان متضمنة معنى الشّرط، وتفيد حتمية الحدوث، أو كثرته بعكس إن.
стр. 354
﴿قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾: أي: إذا ظهر من أعماله ما يدل على الفساد في الأرض، وقلت له: اتق الله؛ أي: لا تفعل ذلك، أو خاف الله وعذابه؛ عندها يشعر المنافق، أو يفهم: أنّ ما في قلبه من نفاق قد ظهر، وانكشف.
﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾: العزة: الحَمِيَّة، خلاف الذُّل، والانكسار، ظهرت عليه علامات الحَمِيَّة، والغضب؛ أي: حملته الحَمِيَّة على فعل الإثم الّذي أمر باجتنابه، أو استمر على فعله، ولم يتب. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٣٣) للبيان.
والسّؤال هنا: هل هناك عزة بغير إثم؟
نعم! العزة لله، ولرسوله، وللمؤمنين هي عزة حقيقية، وهناك العزة المذمومة الّتي نحن بسياقها، ﴿الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾: الباء: للإلصاق، والثّبوت.
﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والسّرعة، حسبه: يكفيه جهنم فراشاً مهيئاً له. جهنم: هذا الاسم مشتق من كونها بعيدة القعر، وشديدة الغضب والكريهة والمستنكرة والمخيفة.
﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: الواو: للتأكيد، واللام: لزيادة التأكيد في لبئس، وبئس: من أفعال الذّم والتّحقير.
﴿الْمِهَادُ﴾: جمع مهد، وهو الفراش المريح الممهد للطفل لينام عليه، وهنا تعني: فراش المنافق النّار المهيأة له لكي يستريح فيها، وكما أنّ الطفل لا يستطيع مغادرة مهدِه، وهو عاجز، وغير قادر على المغادرة، وكذلك المنافق يفقد القدرة على الخروج من جهنم، وهذا التشبيه من قبيل التهكُّم.
стр. 355
سورة البقرة [٢: ٢٠٧]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾:
بعد ذكر صفات المنافق الأخنس بن شريق يذكر لنا هنا صفات الّذي يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، وهو كما قال أكثر المفسرون أمثال صهيب بن سنان الرّومي.
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: من: ابتدائية، النّاس: ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة للبيان.
﴿مَنْ يَشْرِى نَفْسَهُ﴾: من: ابتدائية، اسم موصول للعاقل، وتشمل المفرد، والمثنى، والجمع.
﴿يَشْرِى﴾: لها معنيان: باع نفسه ابتغاء مرضات الله، وأخذ عوضها «أي: اشترى» الجنة لنفسه، أو اشترى نفسه؛ أي: النّفس الإيمانية «المؤمنة»، وضحَّى بالمال في سبيل إبقائها حية.
﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: ﴿ابْتِغَاءَ﴾: طلباً، ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: جمع مرضية؛ قلبت الياء ألفاً فأصبحت مرضاة على وزن مفعلة، ومرضاة مصدر ميمي من رضي، وتختلف عن الرضوان، فالرضوان أعظم الرضى، ويخص الله تعالى وحده، وأما المرضاة فقد تكون من الله سبحانه، أو من غيره؛ أي: ليست مختصة بالله وحده؛ أي: طلباً لكل أنواع رضى الله ومحبته.
وسبب نزول هذه الآية: كما قال أكثر المفسرين: أنّ الصّحابي صهيب بن سنان الرّومي لما أراد الهجرة إلى المدينة؛ ليلحق برسول الله ﷺ منعته قريش،
следующие страницы →