Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٨]، وفي أرض المحشر يكونوا كالفراش المبثوث: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]، ثم تصفهم الملائكة في صفوف للعرض.
﴿لَّقَدْ﴾: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، وزيادة التّوكيد.
﴿جِئْتُمُونَا﴾: مشتقة من المجيء، والمجيء فيه معنى المشقة، والصّعوبة؛ لأنّ البعث، والخروج من القبور أمراً ليس سهلاً لما فيه من الخوف، والرّعب، والأحداث الجسام يوم القيامة.
﴿كَمَا﴾: كما: الكاف للتشبيه؛ ما: حرف مصدري يفيد التّعليل.
﴿خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: كما خرجتم من بطون أمّهاتكم حفاة عراة لا شيء معكم فرداً فرداً؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥].
﴿بَلْ﴾: بل: للإضراب الانتقالي؛ الخطاب موجه إلى منكري البعث، والحساب.
﴿زَعَمْتُمْ﴾: من الزّعم: وهو القول الغير مستند إلى دليل، أو ادعاء العلم، وأكثر ما يقع في الباطل.
﴿أَلَّنْ﴾: أن: للتوكيد؛ لن: لنفي المستقبل القريب، والبعيد.
﴿نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا﴾: للقيامة، والحساب موعداً للعرض على ربكم.
سورة الكهف [١٨: ٤٩]
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا
стр. 2907
الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾:
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾: كتاب أعمال العباد في أيديهم في أيمانهم، أو شمائلهم فالمؤمن يأخذه بيده اليمنى، والكافر يأخذه بشماله، أو من وراء ظهره ليقرأ كلٌّ كتابه بنفسه، الكتاب اسم جنس؛ أي: كتاب الأعمال الحسنات، والسّيئات.
﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾: فترى: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والمباشرة، ترى المجرمين (ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) للبيان) مشفقين: جمع مشفق اسم فاعل من فعل أشفق، والإشفاق: هو الشعور بالتقصير بحق الله، وخائفين يرتعدون من الخوف مما فيه من الأعمال السّيئة، والمعاصي، وبعد أن يقال لكلّ واحد اقرأ كتابك بنفسك فما أن يرى أعماله يقول كلّ منهم:
﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا﴾: ﴿يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: ٣١]، أو ﴿يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٩٧]، أو الويلة: الهلكة من الويل وهو الهلاك يدعو على أنفسهم بالهلاك كأنّهم يقولون: يا هلاكنا، يا عذابنا: احضر وأرحنا من هذا البلاء.
﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾: ما: استفهامية للتعجب والدهشة.
﴿هَذَا الْكِتَابِ﴾: لهذا: اللام: للتوكيد؛ هذا الكتاب: كتاب الأعمال لم يترك عملاً صالحاً، ولا حسنة، ولا عملاً سيئاً؛ أي: ذنباً إلا كتبه، وأحصاه.
стр. 2908
﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾: لا: النافية، صغيرة ولا كبيرة، تكرار (لا) مرة أخرى يفيد لتوكيد النفي، وفصل كل منهما عن الأخرى؛ أي: لا صغيرة، ولا كبيرة، ولا كلاهما. وقوله: لا صغيرة، ولا كبيرة: نفي فيه تقديم الأدنى على الأعلى، وكان يكفي نفي الصغيرة؛ فهو يدل على نفي الكبيرة، ولو قال: ولا يغادر كبيرة ولا صغيرة؛ فهذا النفي من الأعلى إلى الأدنى؛ فقد لا يغادر الكبيرة، ولكنه يغادر الصغيرة؛ فهذه الآية تدل على أن الله سيحاسب العبد على الصغيرة قبل الكبيرة، وحتى لا يتواكل العبد على رحمة الله، والصغيرة: قد تعني صغائر الذنوب، والكبيرة؛ أي: الكبائر.
﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾: إلا: أداة حصر. أحصاها: عدَّها وجمعها وكتبها.
﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾: ووجدوا ما عملوا في حياتهم الدّنيا مكتوباً مسطوراً في كتب أعمالهم؛ أي: ما عملوا في دنياهم أحضر لهم في الآخرة؛ ليروه، ويحاسبوا عليه.
﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾: لا: النّافية للجنس؛ تنفي كلّ الأزمان؛ أي: لا ينقص حسنة من ميزان أحد، ولا يزيد سيئة في ميزان أحد.
﴿أَحَدًا﴾: للتوكيد.
سورة الكهف [١٨: ٥٠]
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾: أي: اذكر إذ قلنا للملائكة.
стр. 2909
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: ارجع إلى سورة البقرة، الآية (٣٤).
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء؛ يسمى هذا: استثناء منقطع، أو منفصل المستثنى إبليس، والمستثنى منه الملائكة، وهو ليس من جنسهم؛ لأنّه كان من الجن، وكان مع الملائكة حين أمروا بالسّجود، وكان الأمر يشمله.
﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾: ففسق: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ فسق: عصى ربه، وخرج عن طاعته، ولم يسجد.
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وتعجب، والخطاب موجه لذرية آدم، والهاء: تعود إلى إبليس.
﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾: أتباعه، وسماهم ذريته مجازاً. وهم شياطين الجن والإنس.
﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِى﴾: جمع ولي: وهو المعين والمساعد. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٢٨)
﴿مِنْ دُونِى﴾: من غيري، أو سواي.
﴿وَهُمْ﴾: هم: ضمير منفصل يفيد التّوكيد.
﴿عَدُوٌّ﴾: ولم يقل أعداء؛ لأنّ العداوة مقصورة، أو سببها واحد: هو العداوة في الدّين، ولو كانت العداوة لها أسباب مختلفة، أو عداوات متعددة لاستعمل أعداء.
﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾: بئس: فعل من أفعال الذّم؛ بئس: لمن استبدل طاعة الله بطاعة الشّيطان وذريته.
стр. 2910
﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق. الظّالمين: المشركين؛ استبدلوا موالاتهم لله تعالى بموالاتهم للشيطان وذريته.
سورة الكهف [١٨: ٥١]
﴿مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾:
﴿مَا أَشْهَدتُّهُمْ﴾: ما: النّافية.
﴿أَشْهَدتُّهُمْ﴾: أي: إبليس، وذريته، والملائكة، والجن، والإنس.
﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أشهدتهم: أريتهم، أو أطلعتهم كيف خلقت السّموات والأرض، أو شاورتهم، أو استعنت بهم.
﴿وَلَا﴾: النّافية نافية للجنس؛ لنفي كلّ الأزمنة.
﴿خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾: أي: كيف خلقتهم أيضاً.
﴿وَمَا﴾: ما: النّافية.
﴿مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾: جمع مضل من فعل أضل والمضلين هم الشّياطين من الجن والإنس. الّذين يضلون غيرهم.
﴿عَضُدًا﴾: شبه المضلين بالعضد، وعَضُداً عُوناً مأخوذة من العضد؛ عُضد الإنسان: وهو من المرفق إلى الكتف، وهو ما يساعد اليد على العمل، ويعطيها القوة؛ أي: ما استعنت بهم، ولا شاورتهم حين خلقت السّموات والأرض، ولا حين خلقت آدم، وفي هذا بيان لكمال قدرته، وعظمته، وغناه عن الأعوان، والشركاء، وأنه الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد.
стр. 2911
سورة الكهف [١٨: ٥٢]
﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَاءِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا﴾:
﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾: يوم: نكرة للتهويل والتعظيم القيامة يقول الله سبحانه للكفار والمشركين:
﴿نَادُوا شُرَكَاءِىَ﴾: أي: ادعوا شركائي الّذين زعمتم؛ ادعيتم باطلاً في الدّنيا؛ أنّهم شركائي فأطعتموهم، وعبدتموهم، نادوهم لعونكم ومساعدتكم، وإنقاذكم، أو تخفيف العذاب عنكم، أو نادوهم ليشفعوا لكم؛ مثل عيسى، أو عزير، أو الملائكة، أو الأولياء، أو الأصنام، والآلهة.
﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾: الفاء: تدل على المباشرة؛ أي: دعوهم مباشرة ولم ينتظروا؛ أي: نادوا يا عيسى، يا عزير، يا ملائكة، يا فلان، يا اللات، يا عزى، دَعوهم ولم يخافوا، أو يخجلوا من الله؛ لأنهم كانوا موقنين بشركهم.
﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾: الفاء: للمباشرة، والتّوكيد؛ لم: للنفي، لم يستجيبوا لهم بأي كلمة يسمعوهم.
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا﴾: مصدر من وبق بمعنى هلك، أو حاجزاً بين الدّاعين، والشركاء.
وكلّ حاجز بين شيئين يسمى: موبقاً. وقيل: موبقاً: اسم مكان؛ أي: مَهْلِكاً؛ أي: كلّ من حاول أن يتعداه هلك؛ من وبق: أي: هلك، وقيل: موبقاً: وادٍ في جهنم، وقيل: الموبق أمداً بعيداً، أو برزخاً بعيداً.
стр. 2912
سورة الكهف [١٨: ٥٣]
﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾:
من الرّؤية: أي: وقع بصرهم على النّار؛ أي: هم يرون النّار، والنّار تراهم، كما ورد في قوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]؛ كلاهما يرى الآخر، وكأنه يعرفه.
المجرمون: ارجع إلى سورة الأنفال آية (٨) لبيان معنى المجرمون.
﴿فَظَنُّوا﴾: علموا، أو أيقنوا من الظّن الّذي وصل درجة اليقين.
﴿أَنَّهُمْ﴾: أنّهم: للتوكيد.
﴿مُوَاقِعُوهَا﴾: واقعون فيها؛ أي: داخلون فيها.
﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾: لم: للنفي؛ لم يجدوا عنها مكاناً يخرجون منه، أو يهربون منه؛ مثل: الباب، أو النّافذة؛ فهي مطبقة عليهم، وعليها ملائكة غلاظ شداد يحيطون بها. الموبق: موجود، والمصرف مفقود، وكلمة يجدوا، ولم يقل ما وجدوا، لم يجدوا تدل على التّكرار، والتّجدد؛ أي: أنّهم بحثوا مراراً، وتكراراً على المصرف، فلم يجدوا، ولو قال: ما وجدوا تدل على مرة واحدة، وانتهى البحث عن المصرف.
стр. 2913
سورة الكهف [١٨: ٥٤]
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْآنِ﴾: لقد: اللام للتوكيد، وقد: للتحقيق.
﴿صَرَّفْنَا﴾: التّصريف بينا الآيات بأساليب مختلفة، وصور شتى لكي يتبين لهم المعنى الحقيقي.
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿هَذَا الْقُرْآنِ﴾: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة يفيد القرب.
﴿الْقُرْآنِ﴾: لأنّه مقروء، والقراءة تحتاج إلى قرب.
﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاختصاص. النّاس: مشتقة من النّوس؛ أي: كثرة الحركة.
﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: من: ابتدائية.
﴿كُلِّ مَثَلٍ﴾: أي: ولقد بينا في هذا القرآن الأمثال الكثيرة، والكافية؛ لإزالة الغموض، وبيان المجمل والإيضاح، والآيات الدّالة على إلوهية، وربوبية الإله الحق، واجب الوجود: وهو الله سبحانه.
﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾: نزلت هذه الآية في أشخاص مثل: النضر بن الحارث كانوا يجادلون بشأن القرآن كما قال ابن عباس، أو يجادلون في البعث
стр. 2914
كقولهم إذا كنا عظاماً، ورفاتاً أإنا لمبعوثون خلقاً جديداً، كما قاله ابن السائب، أو غيرها من الأسباب.
﴿جَدَلًا﴾: من الجدال؛ أي جدل الإنسان أكثر من جدل كلّ شيء آخر، أو هو أكثر المخلوقات جدلاً؛ أي: فاق في جدله كل من اتصف بالجدل، وقوله تعالى ﴿أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ يدل على عمق صفة الجدال في نفس الإنسان. والجدال: هو الحوار الّذي يحصل فيه اختلاف في الآراء بين طرفين أو أكثر لدفع شبهة، أو إثبات حق، أو إظهار حجة.
سورة الكهف [١٨: ٥٥]
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾:
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾: ما: النّافية.
﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل.
﴿يُؤْمِنُوا﴾: بالله، وبما أنزل.
﴿إِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي.
﴿جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾: القرآن، أو محمّداً، أو الإسلام، والبينات.
﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾: يستغفروا لذنوبهم، أو يطلبوا من الله المغفرة؛ أي: يستر ذنوبهم، ويمحوها.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿أَنْ﴾: مصدرية؛ تفيد التّعليل، والتّوكيد.
﴿تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾: تأتيهم: في المستقبل.
стр. 2915
﴿سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾: لتعريف السنّة. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١٣٧)، والنّساء، آية (٢٦)؛ للبيان.
﴿سُنَّةُ﴾: الهلاك، والدّمار بعد التّكذيب برسلهم.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾: عياناً، أو مستقبلاً ديارهم، أو متجهاً نحوهم عندها إذا آمنوا، أو استغفروا فلن ينفعهم ذلك، أو يرفع عنهم العذاب.
سورة الكهف [١٨: ٥٦]
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِى وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾:
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ﴾: ما: النّافية.
﴿نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ﴾: الأنبياء، والرّسل.
﴿إِلَّا﴾: حصراً.
﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾: ليكونوا مبشرين لمن أطاع الله تعالى، وصدق برسله، والبشارة تعني: الخبر السّار، ومنذرين لمن عصى الله تعالى، وكذب برسله، والإنذار هو: الإعلام، والتّحذير، والتّخويف، ولمعرفة معنى البشارة: ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩)، والنّحل، آية (٨٩)؛ للبيان.
﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾: الجدال: هو الحوار الّذي يحصل فيه اختلاف في الآراء، والمشوب بالمشادة الكلامية، والمخاصمة؛ لإثبات حق، أو دفع شبهة، أو إظهار حجة.
﴿بِالْبَاطِلِ﴾: هو ما لا وجود له، ولغةً: هو الزّائل، أو الذّاهب، والباطل في القرآن: يطلق على الشّرك، والأصنام، والشّيطان، ويطلق على الكذب، والظلم، والإحباط.
стр. 2916
﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾: ليدحضوا: اللام: للتوكيد، والتّعليل؛ يُدحضوا: يزيلوا به الحق مأخوذة من الدّحض: الطين الذي يزلق فيه مشتقة من ادحاض القدم، وهو انزلاق القدم والزلة عن مكانها؛ أي: يجادلوا بالباطل كي يبطلوا ما جاء به محمّد ﷺ ، أو يأمرهم به القرآن، أو ينهاهم عنه؛ أي: يجادلوا ليبطلوا الحق أو يزيلوه.
﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِى وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾: ما: مصدرية، أو اسم موصول بمعنى: الّذي. واتخذوا: جعلوا الإنذار بالعذاب موضع استهزاء، أو استهزءوا بالإنذار، ولم يعبؤوا به. ارجع إلى سورة الزمر آية (٤٨) لبيان معنى الاستهزاء.
لنقارن هذه الآية (٥٦) من سورة الكهف: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِى وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾، والآية (١٠٦) من سورة الكهف: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِى وَرُسُلِى هُزُوًا﴾: الآية (٥٦) تتحدث عن الاستهزاء بالإنذار نفسه، وأمّا الآية (١٠٦): تتحدث عن الاستهزاء بالرّسل أنفسهم. ارجع إلى الآية (١٠٦)؛ للبيان، والمقارنة؛ فهم استهزءوا بالإنذار، وبالرسل معاً، أو منهم من استهزأ بالنُذر، ومنهم من استهزأ بالرّسل.
سورة الكهف [١٨: ٥٧]
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِى آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾: من: استفهامية، ولم يقل: لا أحد أظلم، بل قال: ومن أظلم: استفهام يحمل معنى الإقرار؛ لكي يجيب المسؤول بنفسه بالقول: لا أحد أظلم على وزن أفعل.
أمّا لو قال: لا أحد أظلم؛ فهذا خبر فقط، ولا يحتاج إلى جواب، والإقرار:
стр. 2917
هو سيد الأدلة، ويطلق على هذا أنّ الخبر جاء بصورة استفهام تقريري لإقامة الحُجة على المسؤول.
﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾: آيات ربه: آيات القرآن، وتشمل أيضاً الآيات الكونية، والمعجزات … وغيرها.
﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾: فأعرض: الفاء: تدل على المباشرة، والتّرتيب؛ تدل على أنّ التّذكير حدث حين أو بعد الجدال؛ أي: جادلوا بالباطل؛ فَذُكِّروا مباشرة بآيات ربهم؛ فأعرضوا عنها مباشرة، ولم يتعظوا بها، أو يتدبروها، أو يستفيدوا منها، وكان من المفروض من أحدهم أن يتريث زمناً قبل إعراضه مباشرة؛ لعله يتدبر ويتفكر؛ فيتوب، ويؤمن، ولكنه بالعكس نسي ما قدمت يداه.
﴿وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾: نسي ما فعله من الذّنوب، والمعاصي، واختار كلمة يداه بدلاً من ذاته، أو نفسه؛ لأنّ كثيراً من الذّنوب تحدث بالأيدي؛ مثل: القتل، والسّرقة، والشّرك، والظّلم.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: أكنة: أغطية، وحجب؛ فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها كفر، وهذا الجعل هُمْ الّذين كانوا سبباً له؛ حيث أعرضوا، وأصموا آذانهم، وطلبوه لأنفسهم.
﴿أَنْ﴾: مخففة تفيد التّعليل؛ أي: لئلا يفقهوه، أو يفهموه؛ أي: يفهموا القرآن.
﴿وَفِى آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: أي: كأنّ في آذانهم، وقراً: ثقل في السّمع، ويختلف عن الصمم؛ فلم يسمعوا جيداً؛ أي: موعظة، أو نصيحة، أو آية.
﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشّك.
стр. 2918
﴿إِلَى الْهُدَى﴾: الإيمان، والقرآن، أو الإسلام.
﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾: فلن: الفاء: للتوكيد؛ لن: للنفي المستقبل القريب، والبعيد.
﴿إِذًا﴾: حرف جواب.
﴿أَبَدًا﴾: للتّوكيد.
لنقارن هذه الآية (٥٧) من سورة الكهف: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾، مع الآية (٢٢) من سورة السّجدة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.
نجد الاختلاف في استعمال الفاء في آية الكهف (فأعرض عنها) الّتي تدل على التّرتيب، والمباشرة؛ أي: حصل الإعراض عن الآيات بعد التّذكير بآيات الله مباشرة. بينما استعمل: (ثمّ) في آية السّجدة، ثمّ أعرض عنها الّتي تدل على التّرتيب، والتّراخي في الزّمن؛ أي: حصل الإعراض عن الآيات بعد التّذكير بها بزمن، ولم يحدث مباشرة.
فالإعراض يحصل من الكفار؛ فمنهم من يعرض مباشرة بعد التّذكير، ومنهم من يعرض بعد مرور فترة من الزّمن قد تطول، أو تقصر.
سورة الكهف [١٨: ٥٨]
﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَّوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾:
﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ﴾: الغفور: صيغة مبالغة من الغفر؛ أي: كثير المغفرة للذنوب الكبيرة والصغيرة.
المغفرة: تتضمن ستر الذّنب، وترك العقوبة، وإثابة المغفور له على أعماله الصّالحة.
стр. 2919
﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾: ذو: بمعنى: صاحب وذو اسم من الأسماء الخمسة تضاف للتابع بينما صاحب تضاف للمتبوع، وذو: أشرف، وأفضل في الثّناء من كلمة صاحب. ذو الرّحمة: ذو النّعمة، والرّحمة: تشمل العافية، والرّزق، وتأخير العذاب، ولكونه يغفر الذّنوب إلا الشّرك، يرحم المؤمن، والكافر، والمطيع، والعاصي في الدّنيا، ويرحم عباده المؤمنين في الآخرة. ارجع إلى الآية (١٠) من نفس السّورة.
﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾: لو: شرطية.
﴿يُؤَاخِذُهُمْ﴾: يعاقبهم.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق؛ باء: السّببية، أو للتعليل؛ ما: اسم موصول بمعنى: الّذي كسبوا، أو مصدرية.
﴿كَسَبُوا﴾: من الذّنوب، والسّيئات، والكبائر.
﴿لَعَجَّلَ﴾: اللام: للتوكيد.
﴿لَهُمُ﴾: اللام: لام الاختصاص لهم خاصة.
﴿الْعَذَابَ﴾: في الدّنيا، ولكنه حليم يمهل، ولا يهمل.
﴿بَلْ﴾: حرف إضراب انتقالي.
﴿لَهُمْ مَّوْعِدٌ﴾: يعذبهم فيه، والموعد: زمن، أو يعني: يوم للجزاء، والحساب، والعذاب.
﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ﴾: من غير الله، أو سواه. لن: للنفي المستقبل القريب، والبعيد معاً.
стр. 2920
﴿مَوْئِلًا﴾: ملجأ يلجؤون إليه، أو منجى مشتقة من آل فلان إلى؛ أي: لجأ.
الفرق بين ملتحداً، الآية (٢٧)، وموئلاً، الآية (٥٨): الملتحد: أي: لن تجد غير الله إلهاً تحتمي به. موئلاً: أي: لن تجد مكاناً تلجأ إليه، أو منجىً، أو محيصاً.
سورة الكهف [١٨: ٥٩]
﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾:
﴿وَتِلْكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، وتشير إلى القرى البعيدة عن مكة. واستعمل اسم الإشارة رغم أن الآيات السابقة لم تشمل أسماء أو ذكر القرى الهالكة؛ لأن العرب كانوا يعرفون ديار عاد وثمود ولوط ومدين وهي مشاهدة أمامهم يستطيعون إنكارها.
﴿الْقُرَى﴾: قرى عاد، وثمود، وصالح، ولوط … وغيرها، والقرى يعني: أهلها بالإضافة إلى البنيان.
﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: دمرناهم، وقضينا عليهم بذنوبهم. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٤).
﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾: لما: ظرف زمان بمعنى حين.
﴿ظَلَمُوا﴾: بالشّرك، وتكذيب الرّسل، والمعاصي، وعدم الإيمان.
﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾: موعداً: اسم زمان، واسم مكان؛ أي: جعلنا زمناً، ومكاناً (متى وأين) ننزل بهم العذاب. مهلكهم: من مَهْلَك: وهو مصدر ميمي من فعل هَلَك، ومَهْلِك: بكسر اللام يعني: مكان وزمن محدد لإهلاكهم لا يتأخرون عنه ساعة، ولا يستقدمون.
стр. 2921
سورة الكهف [١٨: ٦٠]
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾:
المناسبة: جاءت قصة موسى مع الخضر في سورة الكهف- مع العلم أنّ كفار مكة لم يسألوه عن موسى، أو الخضر- لتبين لكفار مكة، وأهل الكتاب صدق نبوة رسول الله ﷺ ، جاءت هذه القصة استجابة للآية: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾؛ أي: عسى أن يخبرني ربي خبراً، أو بينةً، أو قصةً أقرب، أو أوضح بياناً، وبرهاناً من قصة أصحاب الكهف، وذي القرنين ترشد، أو تهدي أهل مكة الّذين لم يصدقوا بنبوة محمّد ﷺ .
فهم يسألون عن أصحاب الكهف؛ فجاءت قصة موسى والخضر دليلاً آخر وأهم من قصة أصحاب الكهف على صدق نبوة محمد ﷺ .
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾:
أسباب النزول: عن أُبي بن كعب، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه؛ إذ لم يردَّ العلم إليه فأوحى الله إليه أن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به فأخبره» رواه البخاري ومسلم.
وإذ: أي: واذكر إذ قال موسى، أو حين قال موسى ﵇ بن عمران لفتاه قيل: هو يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف كان يتبع موسى، ويتعلم منه، واختار كلمة فتاه بدلاً من صاحبه؛ لأنّ فتاه تحمل معنى اللطف، والحنان، والاحترام. ارجع إلى الآية (١٠) من نفس السورة لمعرفة معنى الفتية.
﴿لَا أَبْرَحُ﴾: لا: النّافية.
стр. 2922
﴿أَبْرَحُ﴾: أمضي سائراً إشارة إلى تصميم موسى ﵇ على أنّه سوف لا يألو جهداً، أو طاقة، أو سعياً سائراً حتّى يلتقي بالعبد الصّالح الّذي أخبره الله سبحانه عنه بأنّه أعلم من موسى، ثمّ أوحى إلى موسى كيف يجتمع بهذا العبد الصّالح، وما حدث في اللقاء وكيف كانت الخاتمة هذا ما ستبينه الآيات (٦٠ - ٨٢).
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿أَبْلُغَ﴾: حتّى ألحق بهذا العبد الصّالح، وألتقي به عند مجمع البحرين.
﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: مُلتقى البحرين، ولم يُبين هذين البحرين.
﴿أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾: أي: أسير زمناً لا نهاية له.
﴿حُقُبًا﴾: أي: أحقاباً، أو أزمان طويلة، وقيل: الحقب (٨٠ سنة)، أو دهراً طويلاً يخبر موسى فتاه لكي يستعد لهذه الرّحلة الطّويلة.
سورة الكهف [١٨: ٦١]
﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَبًا﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ لما: ظرف زماني؛ بمعنى: حين.
﴿بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾: وصلا مجمع البحرين أفضل ما قيل عند نقطة التقاء خليج العقبة وخليج السويس.
﴿بَيْنِهِمَا﴾: بين: ظرف مكان؛ أي: مكان اختلاط مائهما، والبين: هو الفراق، والبعد الفاصل.
﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾: في هذه الآية قال تعالى: نسيا (بالمثنى)، وفي الآية (٦٣) من نفس السورة قال: نسيت (بالمفرد)، الحقيقة كان واجب موسى وفتاه أن يكونا
стр. 2923
حذرين ولا يغفلا عن ذلك الأمر المهم؛ لأن موسى كان متعباً ونام أو أخذته سِنة عند الصخرة ولم يشعر بما حدث للحوت، ونسي يوشع أن يخبر موسى عن الحوت (السمك الحوت)، وقد أعده للأكل، وكان فتى موسى يحمله في مكتل (سلة)؛ فخرج الحوت (السّمكة) من السّلة، ودخل كوة محفورة في الأرض متصلة بماء البحر (سرداب)، وكان موسى في ذلك الوقت في غفوة؛ حيث كانا يأخذان استراحة عند الصّخرة، وهما لا يدريان أنّ هذا هو المكان الّذي يبغيانه، وموسى نائم، ويوشع يقظ؛ فرأى يوشع ما حدث للسمكة كيف أعاد الله سبحانه الحياة لها، وخرجت من السّلة (المكتل)، وتوجهت في طريقها إلى البحر سرباً، وبعد أن أفاق موسى نسي يوشع أن يخبره بما حدث للسمكة.
﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ﴾: فاتخذ: الفاء: للمباشرة، والتّرتيب؛ اتخذ سبيله في البحر سرباً: اتخذ: شق.
﴿سَبِيلَهُ﴾: طريقه، والهاء: هاء الضمير تعود على الحوت (السمكة).
﴿سَرَبًا﴾: السّرب نفق صغير سرداب محفور بالأرض ينتهي في البحر؛ أي: خرج الحوت من السلة ودخل في السرب.
стр. 2924
سورة الكهف [١٨: ٦٢]
﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ لما: ظرف زمان بمعنى: حين.
﴿جَاوَزَا﴾: ثمّ عاودا السير بعد الاستراحة، وتعدا في سيرهما مجمع البحرين، وهو المكان الّذي يبغيانه.
﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾: شعر موسى بالجوع فسأل فتاه أن يخرج الطّعام ليأكلان طعام الغداء الّذي يطلق على الطّعام المتناول عند الظّهيرة.
﴿لَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد.
﴿لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾: أكد موسى على معاناته من التّعب بعد هذا السّفر، ولعل الطّعام يخفف من هذا التّعب.
سورة الكهف [١٨: ٦٣]
﴿قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَجَبًا﴾:
﴿قَالَ أَرَءَيْتَ﴾: قال يوشع لموسى ﵇: أرأيت: الهمزة همزة استفهام وتعجب.
﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾: أي: أتذكر.
﴿إِذْ﴾: أي: حين أوينا إلى الصّخرة؛ أي: استرحنا عندها.
стр. 2925
﴿فَإِنِّى نَسِيتُ الْحُوتَ﴾: نسيت أن أخبرك أنّي فقدت الحوت من المكتل، أو هرب الحوت من المكتل. وهل حقيقة نسي أم غفل عما ذكره موسى له أنه يريد أن يبلغ مجمع البحرين وفي ذلك المكان الذي يتخذ الحوت سبيله في البحر سرباً.
﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾: وراح يعتذر لكونه نسي أو غفل أن يخبره بذلك، ونسب ذلك النّسيان إلى نفسه، وهذا نوع من الأدب.
﴿إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾: تفيد الحصر؛ أي: والشّيطان وحده هو السّبب.
﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾: أن: للتوكيد.
﴿أَذْكُرَهُ﴾: أي: أذكر ذلك، وأخبرك به.
﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَجَبًا﴾: وشق طريقه من المكتل بشكل عجيب؛ كيف دبت به الحياة بعد أن أُعد للطعام، وشويَ على النّار، ودخل في السّرداب عائداً إلى البحر؛ فهذه آية من آيات الله تعالى الدّالة على عظمة قدرته تعالى.
وما أنسانيهُ إلا الشّيطان استعمل الضّمة، وهي من أثقل الحركات لتناسب هذا الأمر الخارق للعادة؛ لكونها أندر حالات النّسيان في أندر، أو أعجب حالات الإحياء.
وفي القرآن فقط حالتين استعمل حركة الضّمة فيهما هذه الحادثة، والآية (١٠) من سورة الفتح حين قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ والّتي نزلت في بيعة الحديبية الّتي كانت من أثقل البيعات، أو المعاهدات؛ لكون الصّحابة بايعوا رسول الله ﷺ على الموت؛ فاستعمل أثقل الحركات، وهي الضّمة؛
стр. 2926
لتناسب أثقل وأشد العهود، وفخم لفظ الجلالة، وهناك من فسر استعمال حركة الضّم بما يناسب لغة الحجاز حيث يقولون بهُ وإليهُ.
سورة الكهف [١٨: ٦٤]
﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾:
﴿قَالَ ذَلِكَ﴾: قال موسى ﵇ لفتاه.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد؛ يشير إلى مكان الصّخرة الّتي أووا إليها؛ ليستريحوا عندها؛ هو المكان المطلوب الّذي نبحث عنه.
﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي نريده.
﴿نَبْغِ﴾: ولم يقل: نبغي؛ حذف ياء المتكلم؛ لأنّ موسى ﵇ يبغي اللقاء بالخضر، ولم يبغ مكان الصّخرة بالذّات؛ فهو علامة على وجود الخضر؛ فبغيته لم تكمل بعد، ولا زال يبحث عن الخضر، ولذلك قال نبغ ولم يقل نبغي، أو لكونه يريد العودة بسرعة إلى المكان الذي فقد الحوت عنده فاختصر الكلام، ولا داعي لذلك لقصر الزمن.
مقارنة بقول إخوة يوسف حين رجعوا إلى أبيهم، ووجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا: يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا؛ أي: هدفهم النّهائي، أو الحقيقي شراء الميرة؛ أي: الطّعام بما عندهم من البضاعة؛ فهم حققوا هدفهم؛ فذكر الفعل كاملاً: نبغي.
بينما موسى هدفه الكامل الوصول إلى الخضر (العبد الصّالح)، ولم يتحقق بعد فاستعمل: نبغ.
стр. 2927
﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾: رجعا في طريقهما إلى الصّخرة، وكانا يتبعان آثار أقدامهما، كما يفعل من يحاول قص الأثر، والوصول إلى الحقيقة.
سورة الكهف [١٨: ٦٥]
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾:
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا﴾: عبداً: في اللغة تعني: إنساناً؛ سواء أكان مملوكاً أم حُراً؛ موسى وفتاه وجدا عبداً من عبادنا: هو العبد الصّالح، وقيل: اسمه الخضر، ولكنه جاء بصيغة التنكير للعبد الصالح فقال عبداً، ولم يقل العبد الصالح، والسؤال لماذا هذا التنكير؟ للدلالة أن هذا العبد الصالح ما هو إلا عبد من عباد الله الكثيرين الذين لهم الزلفى عند ربهم.
وسمي بالخضر؛ لأنّه كان إذا جلس أو صلى اخضر ما حوله، أو قيل في حديث رواه الإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة: أنّه جلس على فروة بيضاء (أي: على الحشيش اليابس) تحول لونها إلى خضراء، والله أعلم.
﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِنَا﴾: الرّحمة: قيل: الوحي، والكرامة، والمنزلة، والصّلاح، وقيل: درجة النبوة.
﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾: وعلمناه بعضاً من علم الغيب الخاص به.
﴿مِنْ لَدُنَّا﴾: لدن: بمعنى: عند، ولكنها أقرب مكاناً، وأبلغ، وأخص من عندنا. انظر كيف استعمل رحمة من عندنا، وعلمناه من لدنا علماً. وانظر إلى الفرق بين من لدنا، ومن عندنا، أو منا.
من لدنا: تستعمل للشيء الخاص الّذي يراد إعطاؤه لشخص مقرب إلى الله تعالى؛ مثل: شيء من علم الغيب.
стр. 2928
وأما منا: تستعمل للمؤمن، والكافر، والصّالح، والطّالح.
﴿عِلْمًا﴾: من علم الغيب من لدن الله أوحاه الله تعالى إلى الخِضر.
إذن كلمة من لدنا: أقرب، وأخص، وأبلغ من كلمة: من عندنا، وعندنا: أقرب من كلمة: منا، وقد وردت كلمة من لدنا في القرآن في سبع عشرة آية؛ كلها جاءت في سياق الرّحمة، واللين، والهبة، والإيتاء، والعطاء الخاص.
سورة الكهف [١٨: ٦٦]
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾:
﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾: استفهام يفيد العرض.
﴿أَتَّبِعُكَ﴾: بالتّشديد بدلاً من اتْبعك؛ دلالة على شدة حرص موسى على المتابعة، أو المبالغة في الاتباع، والاجتهاد، والسؤال هنا: ماذا حدث لفتى موسى يوشع بعد ذلك؟ لم يخبرنا القرآن بشيء عنه.
﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾: أن: حرف مصدري يفيد التّوكيد؛ أي: ليس له غرض آخر غير طلب العلم؛ فهو لا يريد مال، ولا جاه من هذا الاتباع. على: تفيد تحديد المطلوب، والإخلاص في العلم.
﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾: مما: من: ابتدائية بعضية؛ ما: بمعنى: الذي، أو مصدرية؛ أي: أن تعلمني بعضاً مما عندك من العلم.
مما عُلمت رشداً: علماً ذا رشد، أو علماً يؤدي إلى الرّشد مما علمك الله سبحانه، وتعلمن حذف منها الياء، ولم يقل: تعلمني؛ لأنّ ما سيتعلمه موسى من الخضر علم قليل مهما طالت صحبتهما.
стр. 2929
﴿رُشْدًا﴾: ولم يقل: رَشَداً. لمعرفة الفرق: رُشداً: مما يهدي إلى الأصلح، والأفضل في الأمور الدّنيوية، والأخروية.
أما رَشَداً: مما يهدي إلى الحق، والخير، والصّواب في الأمور الأخروية فقط؛ فالرُشد أعم من الرَشد.
سورة الكهف [١٨: ٦٧]
﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾:
﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ﴾: قال العبد الصّالح لموسى: إنّك: للتوكيد؛ لن: لنفي المستقبل القريب، أو البعيد. والسؤال هنا كيف علم الرجل الصالح (الخضر) أن موسى لن يستطيع معه صبراً؟ ربما يكون ما فعله موسى سابقاً من البطش بالقبطي، وعدم تريثه في القتل.
﴿تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾: في هذه الآية ينبه العبد الصّالح موسى ﵇ إلى طبيعة ما سيتعلم منه من علم بواطن الأمور، وموسى ليس عنده علم بها، وكأنّه يخبره بكلّ تأكيد أنّه لن يستطيع أن يصبر على ما سيراه من صنع العبد الصّالح من أفعال لا يفهم أو يعرف مرادها بالتّسرع بالسّؤال عنها، أو الإنكار. ولم يقل لموسى إنك لن تستطيع صبراً، بل قيد صبر موسى فقال معي؛ أي: ما دمت في صحبتي سينفد صبرك مهما حاولت، أما دون ذلك موسى ﵇ نبي، ومن سمات النبي الصبر؛ أي: تصبر في الأمور الأخرى، ولذلك لم يقيد صبر موسى ولم يقل إنك لن تستطيع صبراً.
стр. 2930
سورة الكهف [١٨: ٦٨]
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾:
﴿وَكَيْفَ﴾: استفهام يفيد الاستبعاد؛ استبعاد أن يصبر موسى على ما سيراه من فعل العبد الصّالح.
سورة الكهف [١٨: ٦٩]
﴿قَالَ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾:
قال موسى: ستجدني: السّين: للاستقبال القريب.
﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾: ولم يقل من الصّابرين، وفي هذه الآية أربعة أمور:
الأمر الأوّل: وعد موسى ﵇ العبد الصّالح بالصّبر، وعلق الصّبر بمشيئة الله؛ فقال: إن شاء الله: إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشّك في كونه سيصبر.
الأمر الثّاني: قرن الوعد بالرّضا، وعدم العصيان؛ لأنّ الإنسان قد يكون صابراً، وغير راض عما يحدث، أو مُكرهاً على الصّبر.
الأمر الثّالث: صابراً، ولم يقل من الصّابرين ـ جاء بصيغة المفرد ـ ولم يأت بصيغة الجمع الّتي هي أفضل لبركة الجماعة، وأكثر حظاً في القبول مقارنة بدعاء إسماعيل حين أراد تله للجبين قال: ﴿سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصّافات: ١٠٢].
الأمر الرّابع: قول موسى ﵇ للعبد الصّالح: ولا أعصي لك أمراً؛ دليلاً على تواضع موسى ﵇ رغم أنّه كان نبي زمانه ورسولاً إلى بني إسرائيل، ومن أولي العزم.
стр. 2931
سورة الكهف [١٨: ٧٠]
﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْئَلْنِى عَنْ شَىْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾:
﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِى﴾: قال العبد الصّالح لموسى: فإن اتبعتني: إن شرطية تفيد الاحتمال، أو الشّك.
﴿اتَّبَعْتَنِى﴾: صاحبتني، هناك شرط فلا تسألني عن شيء حتّى أنا أخبرك به.
﴿فَلَا تَسْئَلْنِى﴾: فلا: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّاهية.
﴿تَسْئَلْنِى﴾: عن أي شيء أفعله (شيء: نكرة مهما كان).
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية؛ أي: حتّى أنتهي من فعله.
﴿أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾: حتّى أكون أنا الّذي أُخبرك، وأبين لك الشّيء، وإياك وعدم الصّبر، وقبِل موسى شروط العبد الصّالح.
سورة الكهف [١٨: ٧١]
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾:
﴿فَانْطَلَقَا﴾: الفاء: تدل على التّرتيب، والمباشرة؛ انطلقا: سارا معاً موسى ﵇، والعبد الصّالح على ساحل البحر ينتظران السّفينة؛ ليركبا فيها. ولم يعد هناك ذكراً لفتى موسى ويبدو أنه لم ينطلق معهما حيث أنه لم يقل فانطلقوا.
﴿حَتَّى﴾: حتّى: حرف نهاية الغاية.
﴿إِذَا﴾: ظرفية استعملت للزمن الماضي وغالباً ما تكون للمستقبل وقد تستخدم للحال والماضي والاستمرار، وجاءت إذا للماضي في الآيات (٧٤، ٧٧، ٨٦، ٩٠، ٩٣، ٩٦).
стр. 2932
﴿رَكِبَا فِى السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾: الخرق: يكون عرضاً، والشّق يكون طولاً؛ خرقها: اقتلع العبد الصّالح لوحاً، أو لوحين من مقدمتها.
﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾: قال موسى للعبد الصّالح: أخرقتها: الهمزة همزة استفهام إنكار وتعجب.
﴿لِتُغْرِقَ﴾: اللام: لام التّعليل.
﴿أَهْلَهَا﴾: أصحابها.
﴿لَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق.
﴿جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: جئت: أي: قمت بشيء عظيم بالغ الضرر لا يقوم به ذي عقل ليعرض حياة الآخرين للخطر.
﴿إِمْرًا﴾: من أمِر الأمرُ؛ أي: عظم، وكبر؛ أي: أمراً عظيماً بالغ الضّرر.
سورة الكهف [١٨: ٧٢]
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾:
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ﴾: قال العبد الصّالح لموسى: ألم: الهمزة استفهام إنكاري؛ لم: حرف نفي.
﴿إِنَّكَ﴾: للتوكيد. ولم يقل: ألم أقل لك إنك (كما في الآية ٧٥ من نفس السورة)، فما الفائدة من إضافة لك؟ اللام: للاختصاص، وتفيد التلطف والوعظ، وتحثه على مزيد من الصبر.
﴿لَنْ﴾: لنفي المستقبل القريب، والبعيد.
стр. 2933
﴿تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾: أي: ألم أحذرك بأنّك لن تستطيع معي صبراً، وكان هذا هو الإنذار الأوّل.
سورة الكهف [١٨: ٧٣]
﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾:
﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ﴾: قال موسى معتذراً من العبد الصّالح: لا تؤاخذني بما نسيت: الباء: للتعليل بسبب نسياني، والنّسيان يرفع المؤاخذة، والنّسيان هنا قد يكون حقيقة هو نسي العهد بينهما على عدم السّؤال، وانتظار العبد الصّالح أن يُبين له لماذا فعل ذلك، أو النّسيان عن عمد وقصد، وعدم الالتزام بما عاهد عليه؛ أي: تركه العهد، أو بما نسيت، أو مجرد عذر اعتذر به، وهو لم ينسى، والله أعلم.
﴿وَلَا﴾: تكرار لا تفيد التّوكيد، وفصل كلا الأمرين عدم المؤاخذة، وعدم الإرهاق.
﴿تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾: ترهقني: من أرهقه؛ أي: غشاه؛ أي: لا تحملني من أمر اتباعك عُسراً ومشقة، أو لا تعاملني بالعسر، والتّضييق يكفيني ما أعانيه.
سورة الكهف [١٨: ٧٤]
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾:
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا﴾: ارجع إلى الآية (٧١).
﴿لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾: أي: قتل العبد الصّالح الغلام، والفاء: تدل على المباشرة مجرد ما لقيه قتله، ولم يُبين كيف قتله، أو ماذا استعمل لقتله.
﴿غُلَامًا﴾: نكرة غير معروف لقياه في الطّريق، بينما قال في الآية (٧١) ركبا
стр. 2934
في السّفينة عرف السّفينة؛ لأنّ الخضر كان يعرف أصحاب السّفينة، أمّا الغلام؛ فكان غير معروف للخضر لقياه في الطّريق.
﴿قَالَ أَقَتَلْتَ﴾: قال موسى للعبد الصّالح: أقتلت: الهمزة: همزة استفهام، وإنكار.
﴿نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾: نفساً طاهرة من الذّنوب لم تبلغ سن الحلم، أو بريئة لم تفعل ما يوجب قتلها؛ أي: لم يكن قتلها قصاص، أو حق.
﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾: لقد قمت بجريمة بشعة تنكرها العقول، والأعراف. لقد: اللام للتوكيد، وقد: للتحقيق والتوكيد.
﴿نُّكْرًا﴾: أسوء، وأشد بشاعة، وهولاً أنكر من الأول؛ أي: من إمراً، أو شيئاً تنكره العقول شيء غريب في ظاهره خطأ يدعو للدهشة والغضب والإنكار في عقول البشر (ميزان البشر) لجهلهم الحقيقة وما فعله الرجل الصالح (الخضر) هو صحيح وصواب في ميزان الله تعالى.
وهناك من قال: إمراً أشد هولاً، وعاقبة من نكراً؛ لأنّ خرق السّفينة يؤدي إلى غرق كلّ من عليها؛ أي: الكثير، وأما قتل الغلام؛ فهو واحد فقط.
وهناك فرق بين نُّكْرا ومنكَر: المنكر: هو ينكره الشرع، ويحرمه الله، وهو باطل وإن رضي الناس به.
أما نُّكرا: ما تنكره العقول، وقد يكون في ميزان الله حق وصواب.
стр. 2935
سورة الكهف [١٨: ٧٥]
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾:
هذه الآية تشبه الآية السّابقة (٧٢)، وإنما أضاف كلمة لك؛ لأنّ الإنكار من قبل العبد الصّالح أشد، أو اشتد لعدم صبر موسى ﵇؛ فهو قد نقض العهد مرتين.
سورة الكهف [١٨: ٧٦]
﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَّدُنِّى عُذْرًا﴾:
﴿قَالَ إِنْ﴾: قال موسى للعبد الصّالح، وهو يعتذر إليه: هذه هي المرة الأخيرة أفعلها.
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال، والشّك.
﴿سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا﴾: شيء: نكرة. سألتك عن أي شيء مهما كان بعد هذه المرة.
﴿فَلَا تُصَاحِبْنِى﴾: فلا: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّاهية.
﴿تُصَاحِبْنِى﴾: في سفرك؛ أي: فارقني، وتخلى عني.
﴿قَدْ﴾: للتوكيد، والتّحقيق.
﴿بَلَغْتَ مِنْ لَّدُنِّى عُذْرًا﴾: أي: ليس لي عُذر بعد هذه المرة الثّالثة؛ فقد أعذرتني الكفاية.
﴿لَّدُنِّى﴾: أصلها لَدْني: بفتح اللام، وتسكين الدّال. هذا هو الأصل. لَّدُنَّي: أشد توكيداً؛ لإضافة النّون تشمل كلا الطّرفين القائل والمخاطب، وكأن موسى
стр. 2936
يقول للعبد الصّالح: لقد صبرت علي كفاية، وألححت عليك في السّؤال، أو قد وصلت إلى العذر الذي يبيح قطع الصحبة وشبه العذر بمكان يُقصد وهو النهاية.
سورة الكهف [١٨: ٧٧]
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾:
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا﴾: ارجع إلى الآية (٧١).
﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية.
﴿أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾: قدما إلى قرية لم يُبين اسم هذه القرية، والقرية تعني: إحدى ضواحي المدينة، وهي عبارة عن تجمع سكاني، وإذا اتسعت القرية تسمى مدينة. ارجع إلى الآية (٨٢) من نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾: الألف، والسّين تعني الطّلب؛ أي: طلبا الطّعام من أهل القرية، ويبدو أنّهما كانا جائعين، وعليك أن تتصور هذا المشهد العظيم أقرب عبدين إلى الله تعالى في ذلك الزّمان فقيرين جائعين موسى، والعبد الصّالح يقفان على كلّ باب يسألان الطّعام دون أن يجدا أحداً يقدم لهما رغيف خبز، أو شربة ماء.
﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾: رفض أهل القرية اللئام:
﴿أَنْ﴾: للتوكيد.
﴿يُضَيِّفُوهُمَا﴾: مشتقة من كلمة أضاف؛ أي: أنزله ضيفاً؛ أي: لم يمتنعوا فقط عن تقديم الطّعام لهما؛ كذلك رفضوا إيوائهما، ومعاملتهما معاملة حسنة، ولك أن تتصور أليس الله سبحانه بقادر على أن يجعل أهل القرية يضيفوهما، أو هو سبحانه قادر على أن ينزل عليهم مائدة من السّماء، ولكن لم يفعل حتّى يُشعرنا بشدة الابتلاء الّذي جرى لهما، وهما من أقرب النّاس إليه سبحانه.
﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾: أي: قارب على الانهيار، رأى العبد
стр. 2937
الصّالح فيه علامات التّصدع، والميلان، وقوله تعالى: يريد أن ينقض؛ كأن للجدار عقلاً، أو شبه الجدار بالإنسان، ولا غرابة في هذا التّشبيه؛ لأنّ الله سبحانه أخبرنا بأنّ كلّ شيء يسبح بحمده، ويعبد الله تعالى، ولكننا لا نفقه صلاتهم، ولا تسبيحهم.
﴿فَأَقَامَهُ﴾: أي: أصلحه، وأعاد بناءه، وكأنّ العبد الصّالح بناءً، أو مهندساً في البناء، وكما سنعلم في الآيات القادمة أقامه بحيث ينقض مرة أخرى بعد عدة سنوات حين يبلغ اليتيمان سن الرّشد؛ فيعثران على الكنز الّذي تحت الجدار، ولم يقيم الجدار لسنوات طويلة؛ فلا ينقض، وعندها لا يستطيعان استخراج كنزهما، وهذا عمل خارق للعادة؛ حيث بناه بحيث ينقض بعد أن يبلغا سن الرشد.
﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾: قال موسى للعبد الصّالح:
﴿لَوْ﴾: شرطية.
﴿شِئْتَ﴾: أردت، أو طلبت أجراً على إقامته؛ لأنّ أهل القرية لا يستحقون هذا المعروف؛ لكونهم رفضوا إطعامهم، وإيوائهم. قال لاتخذت عليه أجراً، ولم يقل لأخذت عليه أجراً؛ أي: لو حاولت وكلفت نفسك، وأجهدت نفسك بطلب الأجر لحصلت عليه، وموسى ﵇ لا يعلم الحكمة من إقامة الجدار عندئذٍ.
سورة الكهف [١٨: ٧٨]
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾:
﴿قَالَ﴾: العبد الصّالح:
﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة يدل على القرب، ويشير إلى عدم صبر موسى عند إقامة الجدار، وتكرار عدم الوفاء بعهده أن يبقى صامتاً حتّى يخبره بما وراء ذلك، وقول موسى سابقاً: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني مما دفع العبد الصالح أن يقول لموسى:
стр. 2938
﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ﴾: حان وقت الفراق، وأن يترك كلٌّ منا الآخر؛ أي: انتهت صحبتنا.
﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾: أي: سأخبرك الآن بحقيقة هذه الأفعال الّتي لم تستطع عليها صبراً، والسّين: للاستقبال القريب؛ أي: الآن، والنّبأ: يعني: الخبر العظيم.
﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ﴾: التّأويل: هو نقل ظاهر اللفظ أو الفعل إلى دلالة أخرى، أو معنى آخر، وقيل: هو تفسير، أو الحكمة من وراء ما فعلت، ولم تستطع عليه صبراً، أو أخبرك عن حقيقة الأمر، أو ما جرى من أفعال.
﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، أو مصدرية.
﴿لَمْ﴾: للنفي.
﴿تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾: بينما في الآية (٨٢): ما لم تسطع عليه صبراً.
تستطع: (زيادة التّاء)؛ مقارنة بكلمة: تسطع (حذف التّاء).
زيادة التّاء، أو حذف التّاء؛ ليتناسب مع الحدث، أو المقام؛ لأنّ الحذف من الكلمة قد يكون أحياناً دلالة على حدث، أو أمر أقل أهمية، أو معنىً مقارنة بعدم الحذف، أو الزّيادة.
والزّيادة في حروف الكلمة كما هي الحال هنا زيادة التّاء يدل على مقام الشّرح، والتّفصيل، والتّوسع، وحذف التّاء يدل على أنّ المقام مقام مفارقة، وانتهاء الصّحبة، وضيق الوقت.
سورة الكهف [١٨: ٧٩]
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾: أما: حرف تفصيل، وتوكيد.
﴿السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾: لمساكين: اللام: لام الاختصاص،
стр. 2939
والاستحقاق؛ لمساكين: جمع مسكين: وهو من يملك ما لا يكفيه، والفقير: من لا يملك شيئاً.
﴿يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ﴾: أي: مجال عملهم في البحر مثل الصّيد، أو نقل الرّكاب، والبضائع.
﴿فَأَرَدْتُ﴾: المتكلم هو العبد الصّالح.
﴿أَنْ﴾: للتوكيد.
﴿أَعِيبَهَا﴾: ولم يقل أردت عيبها، وإنما أعيبها بخرقها؛ فهو ينسب العيب إلى نفسه، ولم ينسبه إلى الله تأدباً مع الله رغم أنّ ما قام به هو بأمر من الله تعالى؛ لقوله ما فعلته عن أمري، ولم يقل أردت عيبها؛ أي: طلبت من أحد عيبها.
وبين السّبب، أو الحكمة من خرقها، وإحداث العيب فيها؛ لكي لا يستولي عليها الملك غصباً: ظلماً وقهراً إذا كانت صالحة للاستعمال، أو تبدو جيدة؛ فإحداث العيب فيها بخرقها تصبح غير مرغوب في الاستيلاء عليها، وتبقى في ملك هؤلاء المساكين الّذين هم ينتفعون بها، وقيل: أن الماء لم يدخلها، ولم يغرق أهلها.
﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَّلِكٌ﴾: أي: أمامهم، وأمامهم قد تعني أمام، أو خلف، أو بعد.
﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾: أي: يستولي ظلماً، وعدواناً على كلّ سفينة صالحة.
سورة الكهف [١٨: ٨٠]
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾:
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا﴾: وأما: حرف تفصيل، وتوكيد.
﴿الْغُلَامُ﴾: الولد الّذي لم يبلغ الحلم، أو سن التّكليف.
﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا﴾: فخشينا: الفاء: للتوكيد؛ خشينا: من الخشية: الخشية خوف ممزوج بالشّعور بالرّهبة، والعلم بمصدر الخوف.
стр. 2940
﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾: أن: للتوكيد.
﴿يُرْهِقَهُمَا﴾: يرهق يغشى.
﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾: أي: يحملهما على الكفر، والضّلال مما يؤدي في النّهاية إلى هلاكهما لو بقي الغلام حياً؛ فالله سبحانه اطلع العبد الصّالح على سر ذلك الغلام، وما سيحدث بأبويه في المستقبل لو بقي الغلام حياً، الأمر الّذي يؤدي إلى هلاك الأبوين، والابن معاً، ولذلك أمر الله سبحانه العبد الصّالح بقتل الغلام قبل سن البلوغ الأمر الّذي يؤدي إلى نجاته من النّار، وبالتالي نجاة أبويه من النّار؛ فالكلّ ينجو؛ فكل من يموت، أو يقتل قبل سن البلوغ مصيره الجنّة، فقتل الغلام كان الهدف منه إدخاله الجنّة، ولو قتله في ظاهر الأمر كان أمراً مروعاً، وغير مقبولاً بأي عرف من الأعراف.
انظر حين خرق السّفينة نسب الفعل إلى نفسه، وكذلك حين قتل الغلام قال فقتله؛ لأنّ فعل القتل تم على يدي العبد الصّالح، ولما أقام الجدار كذلك قال فأقامه، ولكنه لما ذكر الإرادة؛ فقد نسبها في خرق السّفينة إلى نفسه قال: فأردت أن أعيبها، ولما ذكر قتل الغلام قال: فأردنا أن يبدلهما، ولما ذكر إقامة الجدار قال: فأراد ربك.
وذلك لأنّ إبدال الغلام بخير منه لا يمكن أن يتم إلا بالله؛ لأنّها عملية تتطلب خلق (إبدال)، والعبد الصّالح كان وسيلة فقط في القتل؛ فالقتل يتم على يد العبد الصّالح؛ أي: لم ينسب الشر إلى الله تأدباً مع الله سبحانه ونسبه إلى نفسه، والإبدال بخير منه زكاة وأقرب رحما يتم من الله سبحانه، ولذلك قال فأردنا. أمّا في قوله: فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما: فهذا أمر يختص به الله وحده سبحانه، وهو كلّه خير نسبة إلى الله تعالى، وأمّا في قوله: فأردت أن أعيبها هذا أمرٌ أمرَ به الله العبد الصّالح، ولكن العبد الصّالح قال:
стр. 2941
فأردت أن أعيبها؛ لكي لا ينسب العيب إلى الله سبحانه تأدباً مع الله تعالى نسبه إلى نفسه.
سورة الكهف [١٨: ٨١]
﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾:
﴿فَأَرَدْنَا﴾: الفاء: للترتيب والتعقيب؛ أردنا: نسب الإرادة إلى الله تعالى فهو الآمر والناهي، ونسب الإرادة إليه؛ لأنه قام بالقتل بأمر من الله تعالى. ارجع إلى الآية السّابقة.
﴿أَنْ﴾: أن: تفيد التّعليل.
﴿يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾: الإبدال: هو رفع الشّيء، ووضع شيئاً آخر مكانه، وهنا تعني: إبدال الغلام بغلام آخر خيراً منه؛ أي: يرزقهما الله ولداً صالحاً خيراً منه ديناً.
﴿خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً﴾: أي: أطهر، وأصلح، وأتقى.
﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: أوصل للرحم، وأبر للوالدين بالعطف، والحنان، وعدم دفعهما إلى الطّغيان، والكفر.
سورة الكهف [١٨: ٨٢]
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾:
﴿وَأَمَّا﴾: الواو: عاطفة؛ أما: للتفصيل، والتّوكيد.
﴿لِغُلَامَيْنِ﴾: اللام: لام الاختصاص، والملكية، أو الاستحقاق.
﴿يَتِيمَيْنِ﴾: واليتيم من فقد أباه قبل سن البلوغ، ويبدو أنّهما توأمين؛ لأنّ السّياق يشير إلى ذلك.
﴿فِى الْمَدِينَةِ﴾: وفي الآية (٧٧) قال قرية حتّى إذا أتيا أهل قرية وفي هذه
стр. 2942
الآية في المدينة، القرية إذا اتسعت تسمّى مدينة، ولا تعارض بين الآية (٧٧) والآية (٨٢)؛ فقد يكون الغلامين يعيشان في المدينة، والكنز الّذي لهما في قرية؟ والله أعلم.
﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾: أي: تحت الجدار الّذي يريد أن ينقض كنز لهما؛ أي: مال (كالذهب، والفضة … وغيرها).
﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾: أي: كرامة لكونه صالحاً (ولم يذكر شيئاً عن صلاح اليتيمين فهما لا يزالان صغيرين).
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾: فأراد: الإرادة هنا تعود على الله سبحانه وحده، والعمل هنا كلّه خير ونسبه إلى الله؛ أي: الخير خالص لله.
﴿يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾: ومعنى الأشد: قيل: هو أن يصبح المرء قادراً على إنجاب مثله، أو سن الرُّشد؛ فالرُّشد: حسن التّصرف في الأمور، أمّا الأشد: القوة الجسمية.
﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: يستخرجا كنزهما بما لديهما من قوة، وفتوة بأنفسهما.
﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: حماية لكنزهما، وحِفظ حقهما.
﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى﴾: وما: النّافية. اعتراف من العبد الصّالح أن كلّ ما فعله من أفعال كان بأمر من الله تعالى، وليس له أي: تدخل، أو رأي.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾: ذلك: اسم إشارة يشير إلى تفسير، وتأويل للخرق، والقتل، وإقامة الجدار؛ الأمور الّتي لم تستطع أن تصبر حتّى أخبرك بها، وكلها من علوم الغيب لا يعلمها إلّا الله وحده.
سورة الكهف [١٨: ٨٣]
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِى الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴾:
﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾: الواو: هنا تدل على أن كفار مكة سألوا رسول الله عدة أسئلة
стр. 2943
وهي عن أصحاب الكهف، والساعة، وذي القرنين، ولو سألوه عن أمر واحد فقط لقال تعالى: يسألونك بدون واو. ارجع إلى الآية (٢١٥) من سورة البقرة؛ للبيان، أو سورة الإسراء، آية (٨٥).
﴿عَنْ ذِى الْقَرْنَيْنِ﴾: من هو ذي القرنين؟ غير معروف، وحسب أفضل الرّوايات كان ملكاً صالحاً عابداً لله، ولما سئل ابن عباس عن ذي القرنين قال: هو من حمير، وهو الصعب بن مراثد، وسمي ذي القرنين؛ أي: ذي الملك الواسع من المشرق إلى المغرب، فالمشرق قرن والمغرب قرن؛ أي: كناية عن ملكه الواسع؛ أي: المالك للمشرق والمغرب.
﴿قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴾: قل لهم يا محمّد: سأتلو: السّين للاستقبال القريب؛ أتلوا: من التّلاوة، وهي القراءة من كتاب الله (القرآن، أو الكتب المنزلة)، التّلاوة لا تكون إلا من الكتب المنزلة، والقراءة تكون من أي صفحة، أو كتاب ولها أجر.
﴿مِّنْهُ﴾: من هنا بعضية؛ أي: بعض أخباره، أو شأنه، وهم لا يسألون عن ذاته كشخص.
وجاء بصيغة المضارع؛ لاستحضار الصّورة الماضية إلى الحاضر؛ فيشاهدوا غرابة ما حدث، وهذا ما نسميه (حكاية الحال).
стр. 2944
سورة الكهف [١٨: ٨٤]
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا﴾:
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الْأَرْضِ﴾: إنا: جاءت بصيغة التّعظيم، وترجع إلى الله سبحانه.
﴿مَكَّنَّا لَهُ فِى الْأَرْضِ﴾: هيأنا له أسباب التّمكين؛ لإقامة، وإظهار دين الله تعالى؛ فهذه هي غاية التّمكين، ومن أسباب التّمكين القدرة، والعلم، والملك، والحكم.
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا﴾: الإيتاء: هو العطاء بدون تملك؛ أي: يمكن استرداد ما أُعطي. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩).
﴿مِنْ﴾: من كلّ شيء يصلح به أمره أو يحتاجه، ولا تعني من الاستغراقية، بل تعني: أتيناه الكثير من الأشياء.
﴿كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا﴾: ما يحتاج من القوة، والعلم، والجنود، والوسائل، أو كلّ شيء يحتاج إليه للوصول إلى ما يريده من التّمكين (القدرة، والطّاقة، والعلم، والإرادة).
﴿شَىْءٍ﴾: نكرة تشمل كلّ شيء، والسّبب: أصله الحبل الّذي يستعمل للوصول إلى شيء ما، ويعني: الوسيلة الّتي توصله إلى ما يريده، أو الهدف، أو السّبب يحتاج إليه في حدوث المسبب.
وسمّي الحبل سبباً؛ لأنّه يتوصل به إلى إخراج الماء من البئر، وأما عند أهل الأصول: هو الّذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، والسبب في القرآن له معان عدة منها:
стр. 2945
١) العلم والقوة والوسيلة التي يحتاج إليها للوصول إلى الغاية كما في الآية (٨٤).
٢) الطريق أو المنزل والمسلك كما في الآية (٨٥).
٣) الأسباب جمع سبب، وتعني: الأبواب؛ أي: أبواب السموات كما في سورة ص آية (١٠).
٤) والسبب قد يعني: الحبل، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ﴾ [الحج: ١٥].
٥) وقد تعني الأسباب: الأرحام والقرابة وصلات الوصال والمودة والروابط التي كانت تجمعهم في الدنيا، كما في قلوه تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦].
سورة الكهف [١٨: ٨٥]
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾:
﴿فَأَتْبَعَ﴾: وقرئت فتبع سبباً؛ الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والمباشرة؛ أي: اتبع سبباً بعد سبب؛ سلك طريقاً باتجاه الغرب.
وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٨٩) والآية (٩٢): ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾: ثمّ تفيد التّرتيب، والتّراخي في الزّمن؛ أي: بعد مدة أطول؛ لأنّ بين كلّ حملة، وحملة (حملة إلى المغرب، وحملة إلى المشرق تحتاج إلى زمن طويل)، ولذلك استعمل ثمّ حين توجه إلى مطلع الشّمس، وإلى ذهابه إلى بين السّدين.
سورة الكهف [١٨: ٨٦]
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾:
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾: حتّى: حرف يشير على نهاية الغاية.
следующие страницы →