Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
فأردت أن أعيبها؛ لكي لا ينسب العيب إلى الله سبحانه تأدباً مع الله تعالى نسبه إلى نفسه.
سورة الكهف [١٨: ٨١]
﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾:
﴿فَأَرَدْنَا﴾: الفاء: للترتيب والتعقيب؛ أردنا: نسب الإرادة إلى الله تعالى فهو الآمر والناهي، ونسب الإرادة إليه؛ لأنه قام بالقتل بأمر من الله تعالى. ارجع إلى الآية السّابقة.
﴿أَنْ﴾: أن: تفيد التّعليل.
﴿يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾: الإبدال: هو رفع الشّيء، ووضع شيئاً آخر مكانه، وهنا تعني: إبدال الغلام بغلام آخر خيراً منه؛ أي: يرزقهما الله ولداً صالحاً خيراً منه ديناً.
﴿خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً﴾: أي: أطهر، وأصلح، وأتقى.
﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾: أوصل للرحم، وأبر للوالدين بالعطف، والحنان، وعدم دفعهما إلى الطّغيان، والكفر.
سورة الكهف [١٨: ٨٢]
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾:
﴿وَأَمَّا﴾: الواو: عاطفة؛ أما: للتفصيل، والتّوكيد.
﴿لِغُلَامَيْنِ﴾: اللام: لام الاختصاص، والملكية، أو الاستحقاق.
﴿يَتِيمَيْنِ﴾: واليتيم من فقد أباه قبل سن البلوغ، ويبدو أنّهما توأمين؛ لأنّ السّياق يشير إلى ذلك.
﴿فِى الْمَدِينَةِ﴾: وفي الآية (٧٧) قال قرية حتّى إذا أتيا أهل قرية وفي هذه
стр. 2942
الآية في المدينة، القرية إذا اتسعت تسمّى مدينة، ولا تعارض بين الآية (٧٧) والآية (٨٢)؛ فقد يكون الغلامين يعيشان في المدينة، والكنز الّذي لهما في قرية؟ والله أعلم.
﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾: أي: تحت الجدار الّذي يريد أن ينقض كنز لهما؛ أي: مال (كالذهب، والفضة … وغيرها).
﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾: أي: كرامة لكونه صالحاً (ولم يذكر شيئاً عن صلاح اليتيمين فهما لا يزالان صغيرين).
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾: فأراد: الإرادة هنا تعود على الله سبحانه وحده، والعمل هنا كلّه خير ونسبه إلى الله؛ أي: الخير خالص لله.
﴿يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾: ومعنى الأشد: قيل: هو أن يصبح المرء قادراً على إنجاب مثله، أو سن الرُّشد؛ فالرُّشد: حسن التّصرف في الأمور، أمّا الأشد: القوة الجسمية.
﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: يستخرجا كنزهما بما لديهما من قوة، وفتوة بأنفسهما.
﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: حماية لكنزهما، وحِفظ حقهما.
﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى﴾: وما: النّافية. اعتراف من العبد الصّالح أن كلّ ما فعله من أفعال كان بأمر من الله تعالى، وليس له أي: تدخل، أو رأي.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾: ذلك: اسم إشارة يشير إلى تفسير، وتأويل للخرق، والقتل، وإقامة الجدار؛ الأمور الّتي لم تستطع أن تصبر حتّى أخبرك بها، وكلها من علوم الغيب لا يعلمها إلّا الله وحده.
سورة الكهف [١٨: ٨٣]
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِى الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴾:
﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾: الواو: هنا تدل على أن كفار مكة سألوا رسول الله عدة أسئلة
стр. 2943
وهي عن أصحاب الكهف، والساعة، وذي القرنين، ولو سألوه عن أمر واحد فقط لقال تعالى: يسألونك بدون واو. ارجع إلى الآية (٢١٥) من سورة البقرة؛ للبيان، أو سورة الإسراء، آية (٨٥).
﴿عَنْ ذِى الْقَرْنَيْنِ﴾: من هو ذي القرنين؟ غير معروف، وحسب أفضل الرّوايات كان ملكاً صالحاً عابداً لله، ولما سئل ابن عباس عن ذي القرنين قال: هو من حمير، وهو الصعب بن مراثد، وسمي ذي القرنين؛ أي: ذي الملك الواسع من المشرق إلى المغرب، فالمشرق قرن والمغرب قرن؛ أي: كناية عن ملكه الواسع؛ أي: المالك للمشرق والمغرب.
﴿قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴾: قل لهم يا محمّد: سأتلو: السّين للاستقبال القريب؛ أتلوا: من التّلاوة، وهي القراءة من كتاب الله (القرآن، أو الكتب المنزلة)، التّلاوة لا تكون إلا من الكتب المنزلة، والقراءة تكون من أي صفحة، أو كتاب ولها أجر.
﴿مِّنْهُ﴾: من هنا بعضية؛ أي: بعض أخباره، أو شأنه، وهم لا يسألون عن ذاته كشخص.
وجاء بصيغة المضارع؛ لاستحضار الصّورة الماضية إلى الحاضر؛ فيشاهدوا غرابة ما حدث، وهذا ما نسميه (حكاية الحال).
стр. 2944
سورة الكهف [١٨: ٨٤]
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا﴾:
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الْأَرْضِ﴾: إنا: جاءت بصيغة التّعظيم، وترجع إلى الله سبحانه.
﴿مَكَّنَّا لَهُ فِى الْأَرْضِ﴾: هيأنا له أسباب التّمكين؛ لإقامة، وإظهار دين الله تعالى؛ فهذه هي غاية التّمكين، ومن أسباب التّمكين القدرة، والعلم، والملك، والحكم.
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا﴾: الإيتاء: هو العطاء بدون تملك؛ أي: يمكن استرداد ما أُعطي. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩).
﴿مِنْ﴾: من كلّ شيء يصلح به أمره أو يحتاجه، ولا تعني من الاستغراقية، بل تعني: أتيناه الكثير من الأشياء.
﴿كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا﴾: ما يحتاج من القوة، والعلم، والجنود، والوسائل، أو كلّ شيء يحتاج إليه للوصول إلى ما يريده من التّمكين (القدرة، والطّاقة، والعلم، والإرادة).
﴿شَىْءٍ﴾: نكرة تشمل كلّ شيء، والسّبب: أصله الحبل الّذي يستعمل للوصول إلى شيء ما، ويعني: الوسيلة الّتي توصله إلى ما يريده، أو الهدف، أو السّبب يحتاج إليه في حدوث المسبب.
وسمّي الحبل سبباً؛ لأنّه يتوصل به إلى إخراج الماء من البئر، وأما عند أهل الأصول: هو الّذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، والسبب في القرآن له معان عدة منها:
стр. 2945
١) العلم والقوة والوسيلة التي يحتاج إليها للوصول إلى الغاية كما في الآية (٨٤).
٢) الطريق أو المنزل والمسلك كما في الآية (٨٥).
٣) الأسباب جمع سبب، وتعني: الأبواب؛ أي: أبواب السموات كما في سورة ص آية (١٠).
٤) والسبب قد يعني: الحبل، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ﴾ [الحج: ١٥].
٥) وقد تعني الأسباب: الأرحام والقرابة وصلات الوصال والمودة والروابط التي كانت تجمعهم في الدنيا، كما في قلوه تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦].
سورة الكهف [١٨: ٨٥]
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾:
﴿فَأَتْبَعَ﴾: وقرئت فتبع سبباً؛ الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والمباشرة؛ أي: اتبع سبباً بعد سبب؛ سلك طريقاً باتجاه الغرب.
وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٨٩) والآية (٩٢): ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾: ثمّ تفيد التّرتيب، والتّراخي في الزّمن؛ أي: بعد مدة أطول؛ لأنّ بين كلّ حملة، وحملة (حملة إلى المغرب، وحملة إلى المشرق تحتاج إلى زمن طويل)، ولذلك استعمل ثمّ حين توجه إلى مطلع الشّمس، وإلى ذهابه إلى بين السّدين.
سورة الكهف [١٨: ٨٦]
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾:
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾: حتّى: حرف يشير على نهاية الغاية.
стр. 2946
﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية.
﴿بَلَغَ﴾: وصل.
﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾: سلك طريقاً باتجاه الغرب، وسار إلى أن انتهت به الأرض اليابسة المعمورة من حافة بحر، أو محيط، ورأى الشّمس تغرب: تغيب.
﴿فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾: أي: تغيب عند ساحل البحر، أو المحيط، وقيل: الأطلسي في المغرب، وكان يسمى بحر الظّلمات، وقيل غيره من الأمكنة، وكأنّها تختفي في عين حمئة، أو كأنها تنطفئ عندها، والعين الحمئة: العين الدافئة، والمليئة بالطين؛ طين أسود يشكل ساحل البحر، أو المحيط، وحمئة: مؤنث حمئ، وهذه رؤية بحسب الظّاهر، ولا بحسب الحقيقة العلمية؛ فقد كان هذا مبلغ علمهم آنذاك؛ فالشّمس لا تغيب أبداً، وإنما تستمر في الدّوران على ناحية الكرة الأرضية المقابلة حيث تغرب على أرض، أو قوم، وتشرق على أرض، أو قوم آخرين، ويتعذر تحديد هذا المكان، وليس مهم ذلك.
﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾: وجد عند ذلك المكان الّذي ظن أنّ الشّمس تغيب فيه.
﴿قَوْمًا﴾: جماعة من النّاس، ويبدو أنّهم كانوا قوماً كافرين.
﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾: يبدو أنّه فكر، وسأل، أو دعا ربه ماذا أفعل بهم.
﴿قُلْنَا﴾: أي: ألهمناه (بالإلهام) بدعوتهم إلى الإيمان بالله.
﴿إِمَّا﴾: تفصيل وتخيير.
﴿أَنْ﴾: للتعليل، والتّوكيد.
﴿تُعَذِّبَ﴾: أي: تدعوهم إلى الإيمان، والإسلام؛ فمن رفض تعذبه بالأسر أو السجن.
стр. 2947
﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾: وإما: حرف تفصيل، أو تخيير.
﴿حُسْنًا﴾: قيل: بالإحسان إليهم بالعفو.
وفي الآية: إيماء إلى ترجيح اتخاذ الأحسن معهم؛ أي: الحلم بهم، والصبر، وقدم التّعذيب؛ لأنّهم يبدو أنّهم تمادوا في غيهم، وظلمهم، أو لكثرة عدد الظّالمين.
سورة الكهف [١٨: ٨٧]
﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا﴾:
﴿قَالَ﴾: ذو القرنين.
﴿أَمَّا﴾: حرف تفضيل.
﴿مَنْ﴾: اسم موصول بمعنى: الّذي.
﴿ظَلَمَ﴾: أشرك، أو كفر، وأصر على الشّرك، والكفر، والفساد، ولم يتب.
﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾: بالأسر، أو السجن وغيره من أنواع العذاب، واستعمال سوف يفيد الاستقبال البعيد، والتّراخي في الزّمن؛ أي: نعطيه مهلة زمنية؛ لكي يتوب ويؤمن.
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتّراخي أيضاً في الزّمن؛ أي: يوم القيامة.
﴿يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾: بعد البعث.
﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا﴾: أي: بالنّار. ووصفه بنُّكْرا؛ لأنه في عقل الكافر وميزانه عندما يسمع به عذاباً شديداً تنكره العقول، ولكن في الحقيقة هو عدل، وما يستحقه الكافر في ميزان الله.
﴿نُّكْرًا﴾: عذاباً فظيعاً، ونكراً: هو العذاب الّذي ينكره الإنسان؛ أي: يبهته، ولا يظن أنّه سيقع، أو يجهل شدته، ويُنكر حدوثه.
стр. 2948
سورة الكهف [١٨: ٨٨]
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾:
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: وأمّا: حرف تفصيل، وتخيير؛ من: ابتدائية استغراقية.
﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾: الحسنى قيل: الجنة جزاءً على إيمانه، وصالح أعماله، والحُسنى: قد تكون في الدّنيا أيضاً، والحسنى: مؤنث الأحسن.
﴿وَسَنَقُولُ﴾: السّين: للاستقبال القريب.
﴿لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾: نعامله باليُسر، والقول الطّيب، ولم يقل: سنجازيه، أو أجزيه؛ لأنّ الجزاء بيد الله سبحانه وحده.
سورة الكهف [١٨: ٨٩]
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للتراخي في الزّمن.
﴿أَتْبَعَ سَبَبًا﴾: ثمّ سلك طريقاً آخر باتجاه المشرق حتّى وصل إلى مكان شروق الشّمس، كما ظن أنّه وصل إلى مغرب الشّمس في الآية (٨٤)، والحقيقة: أنّ الشّمس تدور حول الأرض تشرق في مكان، وتغرب في مكان آخر، وليس كما كان يتصور ذو القرنين.
سورة الكهف [١٨: ٩٠]
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾:
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ﴾: ارجع إلى الآية (٨٦).
﴿مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾: أي: بقي سائر باتجاه الشّرق حتّى وصل إلى مكان رأى الشّمس تشرق منه؛ فظن ليس وراء هذا المكان شيئاً آخر؛ حيث لا يعلم أنّ الأرض كروية الشّكل، وقيل: كان هذا المكان في قارة أفريقيا (وتحديد هذا المكان متعذر).
стр. 2949
﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾: السّتر: هو الحاجز، أو المانع.
﴿لَّمْ نَجْعَل لَهُمْ﴾: من دونها؛ أي: من الشّمس؛ أي: قوم عراة ليس عندهم ما يسترهم من الشّمس مثل البيوت، أو الثّياب.
سورة الكهف [١٨: ٩١]
﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾:
﴿كَذَلِكَ﴾: تعني: إما كما بلغ مغرب الشّمس بلغ مطلعها على حسب ظنه، أو تعني: كما وجد عند مغرب الشّمس قوماً وجد عند مطلع الشّمس قوماً، وطبق عليهم نفس الدّعوة، والحكم، كما فعل بالقوم السّابقين الّذي وجدهم عند مغرب الشّمس.
﴿وَقَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾: علمنا بما لديه من قوة، وأسباب مادية، وجنود، وما لاقاه من المشاق، علمنا بخفاياه، وظواهره (نواياه، وأفعاله) على مر الزّمن.
سورة الكهف [١٨: ٩٢]
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾:
ثمّ بعد فترة من الزّمن سلك طريقاً آخر متجهاً إلى الشّمال، أو ما بين السّدين.
سورة الكهف [١٨: ٩٣]
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾:
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ﴾: ارجع إلى الآية (٨٦)؛ أي: وصل إلى الأرض ما بين الجبلين.
﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾: السّد: الجبل، أو الحاجز؛ أي: بين الجبلين فتحة كالوادي بين جبلين، وقيل: الكثير عن موقع بين السدين من كونه السّد بين الجبلين موجود
стр. 2950
في جمهورية جورجيا السّوفيتية ما يسمى: فتحة داريال بجبال القوقاز، وهناك من ينكرون ذلك، والمهم ليس المكان بحد ذاته.
﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا﴾: أي: وجد أمام السّدين.
﴿قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾: أي: لا يفهمون لغة ذي القرنين، أو ما يقال لهم، وقوله تعالى: لا يكادون: تعني: لا يفهمون ما يقال لهم إلا بجهد، وبطء، وصعوبة.
سورة الكهف [١٨: ٩٤]
﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾:
﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾: أي: القوم الّذين كانوا بين السّدين لا يكادون يفقهون قولاً (قالوا) بواسطة مترجم، أو أكثر كانوا مع ذي القرنين.
﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾: هما قبيلتان من ملة يافث من ذرية نوح ﵇ كانوا يسكنون خلف السّد، وقيل: يأجوج من التتر، ومأجوج من المغول.
﴿مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ﴾: بالقتل، والتّخريب، والإفساد.
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ﴾: هل: استفهام يفيد العرض.
﴿خَرْجًا﴾: أجراً من المال، أو جُعلاً من المال، والخراج: ما لزم أداءه.
﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾: أي: حاجزاً يمنعهم من الوصول إلينا؛ فقد كانوا يخرجون من الفتحة بين السّدين (الجبلين)، وكان مسكنهم وراء هذين السّدين (الجبلين).
стр. 2951
سورة الكهف [١٨: ٩٥]
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾:
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌ﴾: قال ذو القرنين: ما مكني فيه ربي؛ أي: ما أعطاني ربي من المال، والملك، والعلم، وما أنا فيه من نعمة خير من الخراج الّذي ستجمعونه لي لبناء السّد، أو خير من خراجكم.
﴿فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ﴾: فأعينوني: الفاء: للمباشرة؛ أي: ما أحتاج إليه حقيقة هو القوة البشرية الّتي تساعدني على إقامة السّد (الردم).
﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾: هم طلبوا منه أن يبني لهم سداً، وهو اقترح أن يبني لهم ردماً؛ لأنّ الرّدم أفضل من السّد، والرّدم: هو سداً له جدارين من الأمام، والخلف، وبينهما طبقات من الحديد، وهو أقوى مقاومة من السّد للهزات الأرضية، وعوامل البيئة حيث تمتص طبقات السّد: الصّدمات الأرضية.
سورة الكهف [١٨: ٩٦]
﴿آتُونِى زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾:
﴿آتُونِى زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾: أحضروا إلي زبر الحديد: قطع الحديد الضّخمة.
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
﴿إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: إذا: شرطية. الصّدف: الجانب؛ أي: جانبي الجبل ساوى: تساوياً في العلو، أو الارتفاع مع زبر الحديد المطبق بعضها فوق بعض.
﴿قَالَ انفُخُوا﴾: أوقدوا النّار بشدة؛ حتّى تذاب صحائف الحديد، وبعد ذلك قال:
﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾: حتى إذا أصبحت قطع الحديد حمراء كالنار قال أعطوني أو جيئوني بالقطر. قيل: هو النّحاس المذاب، أو الرّصاص حتى أصبه عليه؛ أي: الحديد المجمر.
стр. 2952
سورة الكهف [١٨: ٩٧]
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾:
﴿فَمَا﴾: الفاء: للتوكيد؛ ما: النّافية.
﴿اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾: أي: التّسلق، والصّعود عليه؛ لأنّه أملس ناعم، والعبور إلى الجهة الأخرى.
﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا﴾: ما: النّافية؛ تكرار ما: لزيادة النّفي، وفصل نفي النّقب عن نفي التّسلق عليه، أو كلاهما معاً، وأضاف تاء الافتعال في عملية النّقب؛ أي: كلّ من حاول التّسلق عليه، أو نقبه فشل أمثال قبيلة يأجوج ومأجوج.
﴿لَهُ نَقْبًا﴾: أي: وما استطاعوا خرقه، أو إحداث نقب فيه من صلابته، وسماكته؛ لكونه مصنوع من زبر الحديد والقطر (النحاس).
وإذا تأملنا هذه الآية: نجده استعمل كلمة اسطاعوا، واستطاعوا: حذف التّاء في الأولى، ثمّ جاء بها في الثّانية، وتعليل حذف التّاء، ثمّ الإتيان بها؛ ليتناسب مع الفعل؛ فهو قد استعمل اسطاعوا بحذف التّاء؛ ليتناسب مع فعل عدم القدرة على التّسلق، أو الصّعود على السّد، وهو الفعل الأخف، أو الأقل مشقة من النّقب، وجاء بالتاء في استطاعوا؛ ليتناسب مع الفعل الأقوى، أو الأثقل: وهو النّقب مقارنة بالصّعود عليه.
زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى؛ الصعود على السّد أهون من النقب؛ فاستعمل الفعل الأقل أحرفاً (اسطاعوا): للصّعود، ومع النّقب استعمل: (استطاعوا): الأكثر أحرفاً؛ لأنّه أصعب، وأشق.
стр. 2953
سورة الكهف [١٨: ٩٨]
﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَّبِّى فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّا﴾:
﴿قَالَ هَذَا﴾: قال ذو القرنين لمن طلب منه بناء السّد.
﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة يشير إلى السّد، وتمكنه من بناء السّد.
﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَّبِّى﴾: أي: أثر من آثار رحمة ربي عليكم أنّه سبحانه منع قوم يأجوج ومأجوج من الخروج من وراء السّد؛ فهو أسند النّعمة إلى المنعم، ولم يسندها إلى نفسه.
﴿فَإِذَا﴾: الفاء: للتوكيد؛ إذا: ظرفية للزمن المستقبل.
﴿جَاءَ وَعْدُ رَبِّى﴾: وهو يوم القيامة؛ أي: اقترب يوم القيامة، أو زمن خروج يأجوج ومأجوج قبل يوم القيامة؛ كعلامة من علامات السّاعة الكبرى.
﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾: جعل السّد الّذي بُنيَ بالحديد والقِطر دكاء: أرض مستوية؛ أي: سيتهدم ويتفتت، ويصبح مساوياً الأرض. قيل: دكاء مشتقة من ناقة دكاء، النّاقة الّتي لا سنام لها.
﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّا﴾: أي: كلّ ما وعد به ربي حقاً واقعاً ثابتاً لا محالة؛ أي: السّاعة والقيامة، والثّواب والعقاب، والجنة والنّار.
سورة الكهف [١٨: ٩٩]
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾:
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾: بعضهم: قد تعود إلى يأجوج ومأجوج، أو تعني: جميع الخلائق.
стр. 2954
﴿يَوْمَئِذٍ﴾: قد تعني أولاً: يوم تم بنائه يموج بعضهم في بعض وراء السّد لكثرتهم.
أو تعني ثانياً: يوم يخرجون (يأجوج ومأجوج) من السّد قرب قيام السّاعة، ويجعل الله السد دكاء يموج بعضهم في بعض قبل الساعة (خروج يأجوج ومأجوج من أمارات الساعة الكبرى).
أو تعني ثالثاً: بعضهم يومئذ يموج في بعض؛ أي: جميع الخلائق يومئذٍ تعني: يوم القيامة.
﴿يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾: شبههم من كثرتهم وتداخلهم فيما بينهم بأمواج البحر المتلاطمة أو المسابقة.
﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ﴾: أي: النّفخة الثّانية نفخة البعث.
﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾: فجمعناهم: الفاء: للترتيب، والمباشرة، والتّوكيد؛ جمعناهم: أي: الخلائق في مكان واحد، أو على صعيد واحد: وهي أرض المحشر؛ جمعنا أوّلهم وآخرهم، وإنسهم وجنهم.
﴿جَمْعًا﴾: للتوكيد.
سورة الكهف [١٨: ١٠٠]
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾:
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ﴾: أحضرنا أو أظهرنا لهم جهنم ليروها بأعينهم.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم القيامة؛ رؤية حسرة، وندامة، وفزع، ورعب، وخوف.
العرض: يكون للكل من عرض؛ أي: أظهر الشّيء، وأبرزه ليراه المشتري كقوله تعالى: ﴿وَجِااءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣]، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١].
﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص.
стр. 2955
﴿عَرْضًا﴾: للتوكيد، وبعد العرض والحساب: يتبعه الدّخول، والاستقرار فيها، وليس مجرد عرض ورؤية فقط، وهذا يكون للكافرين.
النّار تعرض عليهم؛ كقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦].
وهم يعرضون على النّار؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأحقاف: ٢٠].
أي: هم يعرضون كالسّلعة الّتي تعرض، وجهنم المشتري، أو جهنم السّلعة: وهم المشترون. وهذا العرض ليزدادوا حسرة ويدعوا ثبوراً ويدعوا بالويل والهلاك.
سورة الكهف [١٨: ١٠١]
﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِى وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾:
﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِى﴾: الّذين: اسم موصول يعود على الكافرين الّذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري.
﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ﴾: في الدّنيا.
﴿فِى غِطَاءٍ﴾: أي: مصابون بعمى البصيرة، أو في غشاوة لا يبصرون، ولا يرون ما حولهم من الآيات الدّالة على وجود الإله الحق.
﴿عَنْ ذِكْرِى﴾: عن القرآن، وعن آياتي، ووصف القرآن بالذّكر، وأضاف إليه ياء المتكلم لتشريفه، وكونه منزل من عنده سبحانه.
﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾: كأنّ في آذانهم وقراً، أو صمم؛ لأنّهم كانوا لا يريدون سماع آيات الله تعالى تتلى عليهم، وإذا سمعوها لا ينتفعون بسماعها؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦].
стр. 2956
سورة الكهف [١٨: ١٠٢]
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِى مِنْ دُونِى أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾:
﴿أَفَحَسِبَ﴾: الهمزة: همزة استفهام، وتوبيخ، وحسب: من الحسبان: وهو التّقدير، والحساب؛ أي: اعتقدوا اعتقاداً خاطئاً، أو باطلاً.
﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِى﴾: مثل: الملائكة، أو عيسى بن مريم، أو الأنبياء.
﴿مِنْ دُونِى أَوْلِيَاءَ﴾: من غيري أولياء يطلبون منهم العون، والنّصرة، والمحبة.
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾: هيأنا، واستعمال صيغة التّعظيم تدل على شدة الإنذار.
﴿جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾: للكافرين: اللام: للاختصاص، والنّزل: ما يُعد لإكرام الضّيف من الطّعام، والشّراب، والإقامة، وهذا من قبيل التّهكم، والسّخرية.
سورة الكهف [١٨: ١٠٣]
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾:
﴿قُلْ هَلْ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ :
﴿هَلْ﴾: استفهام فيها معنى التّعليم، والإرشاد، والجواب جاء في الآية (١٠٤).
﴿نُنَبِّئُكُمْ﴾: من النّبأ: وهو الخبر العظيم؛ أي: نخبركم بخبر عظيم، وهام.
﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾: بالأخسرين: الباء: باء السّببية؛ أي: من هم أخسر النّاس؛ أي: أكثرهم خسارة يوم القيامة، والأخسرين: جمع أخسر؛ اسم تفضيل من خاسر، ويعني: أكثر خسارة لأعمالهم الّتي عملوها (من قول وفعل) في الدّنيا. ارجع إلى سورة النساء آية (١١٩) لمزيد من البيان.
стр. 2957
سورة الكهف [١٨: ١٠٤]
﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾:
﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ضل يعني: بطل، وذهب هباء؛ حبط سعيهم يعني: حبطت أعمالهم الّتي عملوها، وسعوا إليها في الدّنيا.
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ﴾: هم: ضمير منفصل يفيد التّوكيد.
﴿يَحْسَبُونَ﴾: يعتقدون أنّهم يحسنون صنعاً: يُجيدون العمل، ويعملون الأعمال الصّالحة، ولا يدرون أنّ أعمالهم ستحبط وتذهب هباء منثوراً؛ لأنّهم أشركوا بالله، وكفروا بآياته، ورسله، واتخذوا من دونه أولياء، وأبطلوا ثواب أعمالهم؛ فأصبحت ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْئَانُ مَاءً﴾ [النور: ٣٩].
سورة الكهف [١٨: ١٠٥]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، ويفيد الذم.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: الآيات؛ سواء أكانت القرآنية، أم الكونية، أم المعجزات.
﴿وَلِقَائِهِ﴾: أي: لم يؤمنوا، ويصدقوا بالبعث، والحساب، والعرض على ربهم. واللقاء؛ يعني: الاجتماع مع الاتصال.
﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: بطلت، وذهب ثوابها هباء منثوراً بسبب كفرهم، أو شركهم بالله تعالى يوم القيامة، ولكنهم يثابون عليها في دنياهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١٧)؛ لبيان معنى: الحبط.
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّاهية.
﴿نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾: لهم: اللام: لام الاختصاص؛ أي: لا نقيم
стр. 2958
لهم أي أهمية، أو قدراً، أو حظاً في الآخرة. روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إنه ليؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة».
سورة الكهف [١٨: ١٠٦]
﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِى وَرُسُلِى هُزُوًا﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة يشير إلى إحباط أعمالهم، ولا نقيم لهم يوم القيامة وزناً.
﴿جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾: وهنا نحن أمام احتمالين: الأوّل: جزاؤهم جهنم، والاحتمال الثّاني: حذف واو الحالية، وتقديرها: وجزاؤهم جهنم.
﴿بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِى وَرُسُلِى هُزُوًا﴾: بما: الباء: باء السّببية؛ أي: بسبب كفرهم؛ ما: اسم موصول بمعنى: الذي، أو مصدرية، وبسبب استهزاءهم بآيات الله ورسله. ارجع إلى سورة الزمر آية (٤٨) لبيان معنى الاستهزاء.
وفي الآية (٥٦) من سورة الكهف قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِى وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾؛ أي: ما أنذروا به من العذاب، والنّار، وإذا قارنا بين الآيتين: الآية (٥٦)، والآية (١٠٢): نجد أنّهم استهزأوا بالآيات في كلا الآيتين، واستهزأوا بالإنذار (بالعذاب أو النّار) في الآية (٥٦)، واستهزأوا بالرّسل (الأنبياء والرّسل) في الآية (١٠٢)؛ فالأكثرية استهزأوا بالآيات، وقسم استهزأ بما أنذروا به، وقسم استهزأ بالرّسل والأنبياء.
سورة الكهف [١٨: ١٠٧]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾:
﴿إِنَّ﴾: إن: للتوكيد.
﴿آمَنُوا﴾: بالله، ولم يشركوا بالله شيئاً، وآمنوا بكتبه، ورسله، وملائكته، واليوم الآخر، وعملوا صالحاً.
стр. 2959
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الفرائض والنوافل والعبادات القلبية كالذكر وتدبر القرآن وغيرها من الأعمال الصالحة.
﴿كَانَتْ لَهُمْ﴾: لهم: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾: وهي أعلى الجنان درجةً، كما قال ﷺ في حديث عن عبادة بن الصامت: «الجنة مئة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض الفردوس أعلاها ومنها تفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس» رواه البخاري وغيره.
﴿نُزُلًا﴾: النُّزل ما يُهيئ للضيف من الطّعام، والشّراب، والإقامة مكرمة له، وكل ما يُعد لإكرام الضّيف.
سورة الكهف [١٨: ١٠٨]
﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: في جنات الفردوس؛ الخلود: استمرار البقاء إلى ما لا نهاية، ويبدأ من زمن دخولهم إياها.
﴿لَا يَبْغُونَ﴾: لا: النّافية.
﴿يَبْغُونَ﴾: لا يطلبون، أو يلتمسون، أو لا يريدون عنها حولاً.
﴿حِوَلًا﴾: الحِول: اسم مصدر من تحول؛ أي: لا يطلبون تحولاً عنها إلى غيرها لما فيها من النّعيم، والسّعادة.
سورة الكهف [١٨: ١٠٩]
﴿قُلْ لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ .
стр. 2960
﴿لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّى﴾: لو: شرطية. البحر: اسم جنس يشمل كل بحر أو محيط من البحار والمحيطات.
﴿مِدَادًا﴾: حبراً؛ أي: لو كان ماء البحر حبراً؛ لتكتب به كلمات ربي.
﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّى﴾: لنفد: اللام: للتوكيد؛ نفد: فنى، وذهب؛ أي: جف البحر، ولم تنتهي كتابة كلمات ربي، واللام في لنفد: للتوكيد.
﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾: أي: لو جئنا بمثل البحر أبحر أخرى؛ لنفد أيضاً.
﴿مَدَدًا﴾: زيادة، ولم يحددها بعدد. والمدد: كل شيء زاد في شيء.
وفي الآية (٢٧) من سورة لقمان قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾.
إذن: لا البحر، ولا البحران، ولا سبعة أبحر تكفي لكتابة كلمات ربي.
انتبه: إلى كلمة مِدَاداً في أوّل الآية، وكلمة مَدَداً في نهاية الآية، هل هناك فرق بينهما؟
مِداداً: في أوّل الآية تعني: الحبر.
مَدداً: في نهاية الآية تعني: الزّيادة؛ كلّ شيء زاد في شيء يسمى: مَدداً.
سورة الكهف [١٨: ١١٠]
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾:
﴿قُلْ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ .
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد، والحصر.
﴿أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾: أنا ليس مَلك من الملائكة، وإنما بشر من جنسكم.
﴿يُوحَى إِلَىَّ﴾: الوحي: هو الإعلام بالخفاء؛ أي: يُوحي إلي ربي عن طريق جبريل ﵇. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٣)؛ لبيان معنى: يوحى إلي.
стр. 2961
﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: أنما: للحصر، والتّوكيد.
﴿إِلَهُكُمْ﴾: معبودكم.
﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: واحد: توكيد، واحد: لا يتجزأ لم يلد، ولم يولد، ليس له ولد. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد.
﴿فَمَنْ كَانَ﴾: فمن: الفاء: للتوكيد؛ من: شرطية استغراقية.
﴿يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٥) من نفس السورة؛ أي: يرجو: يأمل ثواب ربه؛ أي: جنته، أو يرجو لقاء ربه يوم القيامة، وهو راض عنه.
﴿فَلْيَعْمَلْ﴾: الفاء: للتوكيد، والمباشرة، واللام: للتوكيد، وقيل: لام الأمر، أو التّعليل.
﴿عَمَلًا صَالِحًا﴾: يعمل أي: عمل صالحاً بإخلاص؛ موافقاً لكتاب الله وسنته.
﴿وَلَا يُشْرِكْ﴾: اللام: لام النّاهية.
﴿يُشْرِكْ﴾: لا يجعل مع الله شريكاً، أو ولداً، أو ولياً، أو يشرك شركاً ظاهراً، أو خفياً؛ لأن الشرك محبط للعمل الصالح.
﴿بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾: بعبادة: الباء: للإلصاق؛ مهما كان ملك، أو نبي، أو ولي. ولتعريف معنى العبادة: ارجع إلى سورة النّحل، آية (٧٣)، وسورة البقرة، آية (٢١)، وسورة الأنبياء، آية (١٠٦).
﴿أَحَدًا﴾: للتوكيد.
стр. 2962
سورة مريم [١٩: ١]
سورة مريم
ترتيبها في القرآن (١٩)، وترتيبها في النّزول (٤٤).
﴿كهيعص﴾:
ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة.
سورة مريم [١٩: ٢]
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾:
﴿ذِكْرُ﴾: أي: هذا الّذي نذكره لك بعضٌ من رحمة ربك لعبده زكريا.
﴿رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾: بالتّاء المفتوحة، ولم تأتِ بالتّاء المربوطة (رحمة)؛ لأنّها رحمة خاصة بزكريا، بأن وهب له يحيى، وكانت امرأته عاقراً، وقد بلغ من الكبر عتياً. أمّا رحمة: بالتّاء المربوطة: فهي رحمة عامة لكلّ البشر، وهذا من خصائص القرآن.
رحمت ربك: الخطاب موجه إلى الرّسول ﷺ .
﴿عَبْدَهُ﴾: هاء: الضّمير تعود إلى الله سبحانه، وهذا تشريف لزكريا بكونه عبداً لله سبحانه.
﴿زَكَرِيَّا﴾: من ولد سليمان من داوود ﵇، وزكريا كان زوجاً لخالة مريم.
стр. 2963
سورة مريم [١٩: ٣]
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾:
﴿إِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي؛ تعني: واذكر إذ نادى ربه.
﴿نَادَى رَبَّهُ﴾: النّداء: هو الدّعاء برفع الصوت؛ دعا ربه. وهناك فرق بين النداء والدعاء، والنداء: يكون برفع الصوت، وأما الدعاء: فيكون برفع الصوت أو خفضه.
﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾: نادى ربه رافعاً صوته وبشكل خفي؛ أي: لم يسمعه أحد من الناس.
سورة مريم [١٩: ٤]
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾:
﴿قَالَ﴾: زكريا.
﴿رَبِّ﴾: حذف ياء النّداء، ولم يقل: يا رب؛ لأنّه يعلم أنّ ربه سبحانه قريب منه، ويسمعه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد قرب معنوي، وياء النّداء تستعمل للبعد والتنبيه، وقال: رب، ولم يقل: يا الله؛ لأنّ ما سيطلبه أو يدعو الله ويتمناه هو عطاء من عطاء الرّبوبية (أن يرزقه الولد)، وأمّا (يا الله) فهي تستعمل في أمور العبادة والطّاعة.
﴿وَهَنَ الْعَظْمُ﴾: وهن العظم؛ أي: رق وضعف عظمه بسبب كبر سنه، وتقدمه في العمر، وهذا ما نسميه ترقق العظام، أو هشاشة العظم بسبب نقص الكالسيوم، وفيتامين (د)، وغيره من العوامل مثل نقص البروتينات الّتي تصيب النساء خاصة، والشيوخ، والكهول بشكل عام، وقد يكون المعنى: ضعفت حركته، وقلت بسبب عجزه.
стр. 2964
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾: شبه انتشار الشّيب في رأسه كاشتعال النّار في الحطب، وهذا دليل آخر على كبره، وتقدمه في السّن. واشتعل: أي: انتشر الشيب في رأسه.
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾: لم: حرف نفي؛ لنفي الحال عادة، واستعمل: لم أكن، ولم يقل: ولم أك؛ لأنّه غير متيقن، ولا يعلم أنّ الله سيستجيب لدعائه، أم لا؛ فهو في أمل كبير، ولو قال: لم أك بدعائك؛ تدل على اليقين بالاستجابة لدعائه.
﴿شَقِيًّا﴾: وهذا يدل على أنّ الله سبحانه أكرمه سابقاً واستجاب له دعاءه، ولذلك قال: لم أكن بدعائك شقياً؛ لأنّ له سابقة استجابة، ويقال: شقي فلان: إذا لم ينل مراده، وتعب بالدّعاء، ولم يستجب له، عندها يعتبر نفسه شقياً، والباء: للإلصاق، والاستمرار.
سورة مريم [١٩: ٥]
﴿وَإِنِّى خِفْتُ الْمَوَالِىَ مِنْ وَرَاءِى وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾:
﴿وَإِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿خِفْتُ﴾: من الخوف، والخوف: هو توقع الضرر المشكوك في وقوعه؛ الخوف: ناشئ عن كون مواليه غير كفءٍ لحمل رسالته، ووراثة علمه، ونشر الدّين.
﴿الْمَوَالِىَ﴾: الأقارب، وعادة تطلق على بني العم، والعصبة.
﴿مِنْ وَرَاءِى﴾: من بعدي (بعد موته).
﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا﴾: أي: كانت في الماضي عاقراً؛ ﴿وَكَانَتِ
стр. 2965
امْرَأَتِى عَاقِرًا﴾: كان هذا القول عندما دعا زكريا ربه، أمّا قوله: ﴿وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾: أي: هي عاقر الآن، كان هذا القول عند البشارة بيحيى، كما ورد في سورة آل عمران، الآية (٤٠)، والواو في وامرتي: واو الحال. إذن: امرأة زكريا كانت، ولا زالت عاقراً؛ أي: لا تلد، وغير صالحة للإنجاب منذ شبابها إلى حين الدّعاء، ومرض العقر غير العقم، وكلاهما يحدث فيهما الإخفاق في الحمل، أو عدم الحمل. إذن قال زكريا: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا﴾ عند الدعاء، وامرأتي عاقراً عند البشارة؛ أي: في زمنين مختلفين.
ولكن هناك فرق بينهما.
المرأة العاقر: يعني: كانت قادرة على الإنجاب، ولكن أصابها الكبر والتّقدم في السّن؛ فأصبحت عاقراً، أو أصابها مرض عضوي أدى إلى العقر، وقد يكون قابلاً للعلاج، وهو أمر نسبي.
أمّا كونها عقيم: فيدل على كونها لم تكن قادرة على الإنجاب منذ بلوغها؛ لإصابتها بمرض، أو تشوه خلقي؛ فيستحيل معه القدرة على الإنجاب، أو العلاج، وهذا ما رأيناه في حالة امرأة إبراهيم ﵇ الّتي قالت عن نفسها: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩].
﴿فَهَبْ لِى مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾: فهب: الفاء: للتوكيد؛ هب لي: الهبة عطاء بدون مقابل، وغير مقيد بالأسباب. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٨)؛ لمزيد من البيان.
﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: ولم يقل: من عندك؛ من لدنك: تستعمل في الشّيء، أو
стр. 2966
الأمر الخاص، وليس العام، وهو أن يهب له ولداً وهو في سن الشّيخوخة وامرأته عاقر.
﴿وَلِيًّا﴾: أي: ولداً؛ أي: أن تلد امرأة، وهي بهذه الحالة كمعجزة، ولو قال: من عندك: قد تعني أن يتزوج امرأة أخرى، أو يقدم الأسباب كالعلاج. ارجع إلى سورة الكهف، آية (٦٥)؛ لبيان معنى: من لدنك.
سورة مريم [١٩: ٦]
﴿يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾:
﴿يَرِثُنِى﴾: الميراث هنا يعني: ميراث النّبوة، والعلم، وليس ميراث المال، فالأنبياء لا يورثون، وما يتركونه من مال هو صدقة.
﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، و"يرث": التّكرار للتوكيد؛ يرث من آل يعقوب النّبوة، والعلم، والملك أيضاً.
﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾: وارض عنه قولاً وفعلاً، واجعله عبداً صالحاً؛ أي: وفِّقه لإقامة دينك، والعمل لما يرضيك.
سورة مريم [١٩: ٧]
﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾:
وفي سورة آل عمران، الآية (٣٩): ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ ويحيى غلام.
إذن ﴿يَازَكَرِيَّا﴾: يا: النّداء والتنبيه؛ أي: فنادته الملائكة، ومتى كان النّداء؟ وهو قائم يصلي في المحراب، كما بينته الآية (٣٩) من سورة آل عمران: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى الْمِحْرَابِ﴾.
﴿إِنَّا﴾: بصيغة الجمع والتعظيم لله سبحانه.
стр. 2967
﴿نُبَشِّرُكَ﴾: والبشارة: تكون عادة لأمرٍ سار، ولأوّل مرة وكان بغلام، ولم يقل: ولد؛ لأن الولد قد يكون ذكراً أو أنثى؛ اسمه يحيى. سماه الله يحيى، ولم يترك لزكريا تسميته.
﴿يَحْيَى﴾: يعني: لا يموت، وقد قتل يحيى وذبح على يد ملك الرّومان، فكيف سمي يحيى، وهو لم يعش طويلاً؟
قالوا: بما أنّ يحيى قتل صار شهيداً، والشّهيد لا يأتيه الموت أبداً، بل بمجرد قتله يدخل الجنة، كما قال تعالى: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، تبارك الله ومن أصدق من الله حديثاً.
﴿لَمْ نَجْعَل لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾: لم: حرف نفي؛ أي: لم يُسمَّ أحدٌ من قبل بهذا الاسم، كما روي عن ابن عباس، أو لم نجعل له من قبل مثلاً، وشبهاً من حيث لم يعص الله تعالى، ولم يَهُم بمعصية، أو لم تلد امرأة عاقر مثله ولداً. والأرجح هو لم يسم باسمه أحد قبل ذلك.
﴿سَمِيًّا﴾: مشتقة من الاسم، أو التسمية، أو مشتقة من سَميّ؛ أي: الشبيه، أو المثيل.
سورة مريم [١٩: ٨]
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾:
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ﴾: قال رب: ارجع إلى الآية (٤) من نفس السورة. قال زكريا: رب أنَّى: تحمل معنى الاستفهام؛ أي: كيف، ومن أين، وفيها تعجب؛ فهو يستفهم، ويتعجب من الغلام الّذي تبشره به الملائكة؛ فكيف يكون له غلام!
стр. 2968
﴿غُلَامٌ﴾: هو من شارف على البلوغ، سواء أبلغ سن البلوغ، أم لم يبلغ، وهو في مرحلة يكون شديد الشهوة، وتقدر بين (١٤ سنة، و ١٧ سنة).
﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا﴾: أي: في الماضي، والحاضر، وهو لا يشك أبداً بقدرة الله تعالى، ولكن يستفهم، ويتعجب.
﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾: قد: للتحقيق، والتّوكيد.
﴿بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾: ويعيد، ويكرر على كون امرأته عاقراً، وأنّه بلغ من الكبر عتياً، ورغم أنّه قال سابقاً: وهن العظم مني واشتعل الرّأس شيباً، فلماذا يكرر السّؤال مرتين، أو لِمَ يذكر ذلك؟ أليس الله يعلم حاله، وحال امرأته؟
الجواب: نعم، ولكن من شدة فرحته، وكأنّه لا يصدق بشارة الملائكة، أو يحاول التّذكير بحاله، وحالة زوجته، والتّأكد ليطمئن قلبه.
﴿عِتِيًّا﴾: من عتى كَبِر وَوَلى؛ يعني: أصبحت عظامي، ومفاصلي؛ كالعود اليابس، أو التّصلب، أو بلغت مراحل الهرم الّذي لا يقوى على منعه، أو إيقافه أيُّ دواء، أو وسيلة حتّى ينتهي بالموت.
لنقارن هذه الآية (٨) من سورة مريم مع الآية (٤٠) من سورة آل عمران: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾.
ففي آية آل عمران قال: وقد بلغني الكبر، ولم يُبين درجة الكبر، وفي آية مريم قال: وقد بلغت من الكبر عتياً، بيَّن درجة الكبر، ووصف الكبر بالعتي.
وفي آية آل عمران قال: وامرأتي عاقر؛ يعني: الآن، وفي آية مريم قال: وكانت امرأتي عاقراً؛ أي: منذ شبابها؛ أي: عقرها مرض قديم، ولا زال إلى الآن؛ فكلا الآيتين تعطي معلومة جديدة، وليس تكرار.
стр. 2969
سورة مريم [١٩: ٩]
﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾:
﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾: كذلك: تفيد التشبيه؛ أي: مثل ذلك؛ أي: كذلك أمرَ ربك وقضى. وفي سورة آل عمران آية (٤٠): ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، وإذا قارنا قوله تعالى: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ في سياق زكريا ويحيى مع ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ في مريم وعيسى: نجد أن الفعل هو أهون من الخلق؛ أي: أن خلق عيسى أصعب من خلق يحيى؛ لأن خلق يحيى كان من أب وأم، أما عيسى فكان من أم فقط؛ هذا بالنسبة للتقدير البشري، أما بالنسبة لله سبحانه فالكل عليه هين سبحانه؛ لأنه لا يعجزه شيء.
﴿هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾: وفي آية أخرى (٢٧) من سورة الرّوم: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، فهناك شيء هين، وشيء أهون من الهين (يقابله شيء شاق، وشيء أشق).
ولنعلم: أنّ الأمر بالنّسبة لله تعالى ليس عنده شيء هين، وشيء أهون، الكلّ سواسية؛ فكلّ الأشياء هينة عنده سبحانه لا يصعب عليه شيء، وإنما يقصد بهذه الألفاظ: تقريب المعنى إلى أذهان البشر؛ لفهم المعنى، ونحن نعلم: إنما أمره إذا أراد شيئاً أنّ يقول له: كن فيكون، أو أقرب من ذلك.
﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾: قد: للتحقيق، والتّوكيد.
﴿شَيْئًا﴾: نكرة لم تكن أيَّ شيء مهما كان صغيراً، أو كبيراً، أو يستحق الذّكر، كقوله تعالى في الآية (٦٧) من سورة مريم: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾، سواء أنطفة في الأصلاب، أم كونه من تراب، وكقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. وقوله: ﴿لَمْ
стр. 2970
يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾: أي: كان شيئاً ولم يكن؛ مذكوراً: أي: خلقه من عدم، فقوله تعالى: ﴿خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أبلغ أو أصعب من خلقتك من شيء لم يكن مذكوراً بالتقدير البشري.
سورة مريم [١٩: ١٠]
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّى آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾:
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّى آيَةً﴾: قال زكريا: رب اجعل لي أنا خاصة؛ اللام: لام الاختصاص؛ آية: علامة على أنّ امرأتي حامل؛ (لأنّها لا تحيض لكونها عاقراً)، ولا بد من علامة أخرى رغم أنَّ البشارة كانت تكفي، وكأنّه لا يصدق أن تحمل امرأته، أو لا يريد الانتظار طويلاً، ويريد توكيداً آخر؛ ليطمئن قلبه.
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا﴾: ألا: مركبة من: أن، ولا؛ أن: مصدرية؛ لا: النّاهية.
﴿تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾: سوياً؛ أي: وأنت تستطيع الكلام مع الآخرين ثلاث ليال وأنت معافى، وسليم الجوارح، وليس بك مرض، أو عيب ولكنك غير قادر على الكلام تلك المدة من الزّمن (أي: لجم الله لسانه عن الكلام)، وفي الآية (٤١) من سورة آل عمران قال: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ انظر إلى الآية (٤١) من سورة آل عمران؛ للمقارنة، ومعرفة الفرق بين ثلاث ليال، وثلاثة أيام.
سورة مريم [١٩: ١١]
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾:
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾: فخرج زكريا في صبيحة الليلة الّتي حملت فيها امرأته من المحراب.
﴿مِنَ الْمِحْرَابِ﴾: والمحراب: مكان صلاة الإمام، وسمي المحراب؛ لأنّه يحارب فيه الشّيطان، وتحارب به وسوسته أكثر من أي مكان آخر.
стр. 2971
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: أشار إليهم: إلى الحاضرين في المصلى أن سبحوا بكرة: أوّل النّهار، وعشياً آخره، قال لهم بطريقة الإشارة؛ لأنّه لا يتكلم.
سبحوا: كأنّ الأمر (صادر من الله سبحانه) له ولغيره من المصلين بالتّسبيح بكرة وعشياً، أو يسبحوا معه، ولماذا شمل الأمر بالتّسبيح لغير زكريا مع أنّ الأمر خاص به؟ لأنّ يحيى الّذي سيولد سيكون نبياً لهم، ويتعلم التّوراة، ويتعلم الحكم، وهو صبي، ويحمل الرّسالة الّتي سينتفع بها الصّغير، والكبير، أو كلّ القوم.
ولنقارن قوله تعالى في هذه الآية (١١) من سورة مريم: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، وقوله تعالى في الآية (٤١) من سورة آل عمران: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِىِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.
أوّلاً: التّعريف بأل، بالعشي والإبكار في آية آل عمران؛ يفيد العموم؛ أي: على الدّوام التسبيح الدائم.
وفي آل عمران الّذي يدعو هو الله سبحانه يدعو زكريا، وفي آية مريم زكريا الّذي يدعو قومه بالتّسبيح والذّكر فقال: بكرة وعشياً؛ أي: في هذين الوقتين، وليس على الدوام بصيغة التّنكير؛ فناسب التّعريف في حق الله تعالى، وناسب التّنكير في حق زكريا؛ لأنّ هناك فرقاً بين الرّب والعبد. ارجع إلى الآية (٤١) من سورة آل عمران؛ لمزيد من البيان.
ثانياً: في سورة مريم قال تعالى: بكرة وعشياً، قدم (بكرة) على (عشياً)؛ في سورة آل عمران قال تعالى: بالعشي والإبكار، قدم (العشي) على (الإبكار).
стр. 2972
البكرة: وقتها من طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس (وقت الإبكار)، وعشياً: من وقت صلاة الظّهر إلى صلاة المغرب.
ففي سورة مريم قال تعالى: ثلاث ليال سوياً، ثمّ أتبعها بقوله: بكرة وعشياً؛ لأن يتبع الليل البكرة.
وفي سورة آل عمران قال: ثلاثة أيام إلا رمزاً، ثمّ أتبعها بقوله: بالعشي، والإبكار؛ لأنّه ذكر اليوم يعني: النّهار، ويتبع النّهار العشي، واليوم في القرآن يعني: النّهار؛ أي: فقط (اثنتا عشرة ساعة). ارجع إلى سورة غافر، الآية (٥٥)؛ لمزيد من البيان عن العشي، والإبكار، وبكرة وعشياً. وترتيب ساعات النّهار، قيل: هي الشّروق، والبكور، والغدوة، ثمّ الضحى، ثمّ الهاجرة، ثمّ الظهيرة، ثمّ الرواح، ثمّ العصر، ثمّ الأصيل، ثمّ العشي، ثمّ الغروب.
стр. 2973
سورة مريم [١٩: ١٢]
﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾:
﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾: أي: التّوراة.
﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجد واهتمام وحرص، وحفظ، وتمسك به بإخلاص، والعمل بالأوامر، والنّواهي.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾: الفقه في الدّين، ومعرفة الأحكام، وفهم التّوراة، والعلم في سن مبكرة. قيل: كان ابن سبع سنين، ولا عجب؛ لأنّ هناك من يحفظ القرآن وهو صبي، وابن سبع سنين؛ لأنّ المسألة عطاء من الله لا تخضع للقوانين البشرية، وكان يحيى ﵇، وعيسى ﵇ ممن أُتوا النّبوة قبل سن الأربعين سنة.
سورة مريم [١٩: ١٣]
﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾:
﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾: بما أنّ الله سبحانه وهب لزكريا يحيى، وكانت امرأته عاقراً، وقد بلغ من الكبر عتياً، فكانت ولادة يحيى معجزة أوّلاً، ثمّ سبحانه سماه يحيى، ولم يجعل له من قبل سمياً، وها هو سبحانه يرعاه، ويحن عليه من لدنه؛ لأنّ طاقة الحنان عند والديه ربما تكون قد نضبت لكونهما قد كبرا، وتقدما في السّن؛ فهي غير كافية، والطّفل بحاجة إلى عطف، وحنان، ولذلك قال سبحانه: سنعوض لك ذلك.
стр. 2974
﴿مِنْ لَدُنَّا﴾: ولم يقل: منا؛ لأنّ هذا الحنان خاص به وحده؛ لأنّ كلمة منا تأتي في سياق الحنان العام؛ أي: للكلّ.
﴿وَزَكَاةً﴾: طهارة من الذّنوب (مطهراً من الذّنوب) نتيجة التّربية الإلهية، والزّكاة تعني: البركة (مباركاً)، والزّيادة في الخير، والعمل الصّالح، وقيل: في معنى وزكاة؛ أي: أنّ الله تصدق على زكريا بأن رزقه يحيى؛ فكان كصدقة على أبويه من الله تعالى.
﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾: كان: تشمل كلّ الأزمنة، ولا تعني الماضي فقط، وبدلاً من القول: وسيكون تقياً، جاء بصيغة الماضي؛ كأنّ الأمر انتهى، وحُسم.
﴿تَقِيًّا﴾: أي: مطيعاً لأوامر الله تعالى، ومتجنباً لنواهيه.
سورة مريم [١٩: ١٤]
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾:
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾: أي: جعلناه براً بوالديه؛ أي: محسناً لهما رؤوفاً بهما.
﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾: لم: للنفي.
﴿يَكُنْ﴾: في الحال، والمستقبل.
﴿جَبَّارًا﴾: تحمل عدة معانٍ: قاسياً متكبراً متعالياً، وتعني: الّذي يجبر النّاس على فعل ما لا يحبون مستخدماً وسيلة الظّلم، والعتو والقهر، أو الذي يتعاظم بالقهر والتسلط والقتل، والجبار أبلغ من المتكبر.
﴿عَصِيًّا﴾: لا يعصي ربه، ولا يعصي والديه، وعصياً أبلغ من عاصي. قيل: لم يعص ربه، ولا مرة عصياً، أو ينوي المعصية.
стр. 2975
ولمقارنة هذه الآية (١٤) من سورة مريم: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾، مع الآية (٣٢) من سورة مريم: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا﴾.
الآية (١٤): ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾: هذا كلام الله سبحانه في حق يحيى؛ فالله سبحانه يعلم الغيب، ويعلم من سيكون جباراً، ومن سيكون عصياً؛ فنفى عن يحيى ﵇ كلا الصفتين.
والآية (٣٢): ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا﴾: هذا كلام عيسى ﵇ في حق ذاته، أو عن نفسه؛ أي: لأنّ الله سبحانه أعطاني حرية الاختيار، فلن أختار أنّ أكون جباراً شقياً.
وكلمة جباراً: ذكرت في كلا الآيتين، وذكر عصياً في الآية (١٤)، وشقياً في الآية (٣٢).
أوّلاً: النّبي، أو الرّسول لا يصح أنّ يكون لا جباراً، ولا عصياً.
وعصياً: من العصيان، والعصيان من عمل العبد.
أمّا شقياً: من الشّقاوة، والشّقاوة: سببها عصيان الله، والله سبحانه لا يجعل أي إنسان لا جباراً، ولا شقياً، ولا عصياً، بل ترك له حرية الاختيار.
سورة مريم [١٩: ١٥]
﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾:
﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾: أي: سلامٌ من الله على يحيى ﵇، وسلام جاء بصيغة النّكرة؛ ليشمل كلّ أنواع السّلام:
١ - سلام يعني: التّحية؛ أي: تحية من الله على يحيى.
٢ - والسّلام يعني: السلامة من كلّ أذى، أو مكروه.
стр. 2976
٣ - ويعني: الأمن والطّمأنينة.
﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾: سلام عليه يوم ولد.
﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾: ولم يقل يوم مات، وجاء بصيغة المضارع لحكاية الحال بدل الماضي إلى مضارع؛ ليجعل موته كأنه يحدث أمام أعيننا؛ لأنه مات شهيداً.
﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾: أي: يوم البعث والقيامة.
ثلاثة أيّام، أو أزمنة يكون فيها العبد في أمس الحاجة إلى سلام من الله سبحانه الخالق. ولمقارنة هذه الآية: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾، مع الآية (٣٣) من سورة مريم: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. ارجع إلى الآية (٣٣) من السّورة نفسها.
سورة مريم [١٩: ١٦]
﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾:
﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾: واذكر يا محمّد ﷺ .
﴿فِى الْكِتَابِ﴾: في القرآن الحكيم.
﴿مَرْيَمَ﴾: قصة مريم، وما حدث لها.
﴿إِذِ﴾: ظرف زماني؛ بمعنى: حين.
﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾: النّبذ: هو طرح الشّيء؛ أي: إلقاء الشّيء استهانة به؛ أي: كأنّها ألقت بنفسها بعيداً عن أهلها، وعن النّاس؛ أي: اعتزلت وانفردت بنفسها مكاناً شرقياً.
﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾: شرقياً: قيل: شرقي بيت المقدس، وكان هذا الانتباذ
стр. 2977
للعبادة، والخلوة، وقيل: للطهارة من الحيض؛ حتّى تغتسل، ثمّ تعود إلى بيت المقدس. والانتباذ الثّاني الّذي سنراه سيكون سببه الحمل بعيسى ﵇، ولماذا شرقياً؟ ولم يقل: غربياً، ولا شمالاً، ولا جنوباً؛ لأنّ جهة الشّرق شروق الشّمس هي قبلة النّصارى، وهم يتفاءلون، ويعظمون جهة الشّرق.
سورة مريم [١٩: ١٧]
﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾:
﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ﴾: فاتخذت: الفاء: للمباشرة؛ اتخذت من دونهم؛ أي: أهلها، والنّاس.
﴿حِجَابًا﴾: ساتراً يحجبها عن أهلها، وعن النّاس، والحجاب: هو السّاتر الّذي يحجب الإنسان عن غيره، ويحجب غيره عنه، وفي الآية السّابقة قال تعالى: ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾؛ أي: ابتعدت، وانفردت أوّلاً بعيداً عن أهلها، ثمّ اتخذت أو لجأت إلى مكان يسترها حتّى لا يراها أحد، أو يطلع عليها؛ لأنّها قد تبتعد عن أهلها، وعن النّاس، ثمّ تلجأ إلى مكان مكشوف، أو غير مكين؛ فيمر أحد عليها فيراها؛ فهي حرصت على الابتعاد (الانتباذ)، واتخاذ الحجاب.
حجاب ساتر فقط، أو قد يكون حجاباً مستوراً؛ أي: حجاب مركب من طبقتين، أو أكثر.
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾: روحنا؛ أي: جبريل ﵇، ويسمى: روح القدس، وقوله تعالى: روحنا فيه تشريف لجبريل ﵇. والقرآن الكريم أيضاً سماه الله روحاً كما قال تعالى في سورة الشورى آية (٥٢): ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾.
стр. 2978
﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾: أي: أخذ، أو تشكل بصورة بشر سويّ في صورة الإنسان التام الخلقة، وكلمة "بشر" مشتقة من حسن الهيئة، والبشرة الّتي يختص بها البشر دون غيرهم.
﴿سَوِيًّا﴾: في أكمل صورة، وأتمها، وأحسنها، وليس له أجنحة، ولا مرعب، أو مخيف.
سورة مريم [١٩: ١٨]
﴿قَالَتْ إِنِّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾:
﴿قَالَتْ إِنِّى﴾: قالت: مريم ﵍: إنّي: للتوكيد.
﴿أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾: قالت مريم لجبريل ﵇: إنّي أعوذ بالرّحمن منك؛ أي: إنّي ألجأ وأعتصم بالرّحمن، واختارت اسم الرّحمن من الرّحمة الّتي هي السّمة العامة لذاته سبحانه الّتي تمثل باقي صفاته تعالى، ولأن الرّحمة من الرّحمن، وهي في موقف تحتاج فيه إلى الرّحمة؛ فهو القادر على حمايتها.
﴿مِنْكَ﴾: أنّ تؤذيني، أو تقترب مني، أو تسيء إلي.
﴿إِنْ كُنْتَ﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال.
﴿تَقِيًّا﴾: لأنّ المؤمن التّقي يخاف الله، ويطيع أوامر الله الّتي تنهى عن الفحشاء والمنكر، ويتجنب نواهيه، وتعني: إن كنت تقياً: لا تقترب مني، والابتعاد هنا رحمة بها؛ لأنّها ضعيفة.
سورة مريم [١٩: ١٩]
﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾:
﴿قَالَ﴾: جبريل ﵇.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد الحصر، والتّوكيد.
стр. 2979
﴿أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾: أي: أنا رسول ربك، ولم يقل رسول الله؛ لأنّ الموقف يتعلق بالرّعاية، والحراسة، والتّربية، والأخلاق، والرّب: هو المربي، والمتولي بأمور لخلقه، ولأن الأمر لا يتعلق بعبادة، أو ألوهية، وإنما يتعلق بولادة عيسى.
﴿لِأَهَبَ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ أهب: من الهبة: وهي عطاء، وتفضل من ربك، وفيه تملك. ارجع إلى الآية (٥) من نفس السورة.
﴿لَكِ﴾: اللام: لام الاختصاص، لك خاصة، وليس لأحد غيرك.
﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾: غلاماً: يعني: ذكراً وليس أنثى، والغلام: هو الشاب الذي أوشك على البلوغ؛ زكياً: مطهراً من الذنوب، أو غير عاص، فيه الخير والصلاح، ويجب الانتباه هنا: أنّ جبريل ﵇ قال: لأهب لك غلاماً؛ فهو الّذي أخبرها بنوع الحمل غلام، ولذلك قالت مريم: أنى يكون لي غلامٌ، (كما قال جبريل)، ولم تقل: ولداً (ذكر، أو أنثى). كما قالت في السابق عندما بشرتها الملائكة بالولد كما ورد في قوله تعالى في سورة آل عمران آية (٤٧): ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ﴾.
سورة مريم [١٩: ٢٠]
﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾:
﴿قَالَتْ﴾: قالت مريم ﵍ لجبريل ﵇.
﴿أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ﴾: أنى: تعني: كيف، ومن أين، وفيها استفهام عن كيفية الحمل، وتعجب.
وفي الآية (٤٧) من سورة آل عمران: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾ عندما بشرتها الملائكة لأول مرة قبل الحمل بعيسى ﵇، وذلك عندما
стр. 2980
قالت لها الملائكة: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥]؛ فهي آنذاك لم تدرِ ما نوع البشارة، ولذلك قالت: ولد (أي: ذكر، أو أنثى).
﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾: لم: للنفي.
﴿يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾: كناية عن النّكاح؛ أي: لم أتزوج؛ أي: تنفي عنها المس: النّكاح الحلال. والمس: هو اللمس الخفيف.
﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾: تكرار لم: يفيد توكيد النّفي؛ تنفي المس بأي وسيلة محرمة مثل: الزّنى، أو الغصب، وهذا يمثل نفي الخاص بعد العام، لم يمسسني بشر: للتوكيد على عدم الزّنى.
﴿بَغِيًّا﴾: فاجرة تبغي الرّجال؛ أي: زانية، أو يبغيها الرّجال للفجور، ولم يقل باغية، وقالت: بغياً: صيغة مبالغة تعني: ما قامت بالزّنى والفجور أبداً.
وأما باغية: تقوم بأشياء محرمة، ولم تبلغ درجة الزّنى؛ فهي قد نفت عن نفسها كلّ صور التقاء الذّكر بالأنثى.
وقولها: لم أكُ، ولم تقل أكن، أكُ: حذف النّون؛ لتدل على أنّها لم تكن في لحظة من لحظات تفكير بالبغاء، ولو بأيّ صوره، أو أشكاله.
أك: أشد وأبعد نفياً من أكن، وأكن أشد نفياً من أكونن، وحذف النّون قد يكون للإسراع، وإنهاء الكلام مع جبريل؛ فهي لا تعرفه، والموقف موقف حياء، وخلوة، وخوف، والأفضل قصر الكلام.
следующие страницы →