Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
٣ - ويعني: الأمن والطّمأنينة.
﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾: سلام عليه يوم ولد.
﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾: ولم يقل يوم مات، وجاء بصيغة المضارع لحكاية الحال بدل الماضي إلى مضارع؛ ليجعل موته كأنه يحدث أمام أعيننا؛ لأنه مات شهيداً.
﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾: أي: يوم البعث والقيامة.
ثلاثة أيّام، أو أزمنة يكون فيها العبد في أمس الحاجة إلى سلام من الله سبحانه الخالق. ولمقارنة هذه الآية: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾، مع الآية (٣٣) من سورة مريم: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾. ارجع إلى الآية (٣٣) من السّورة نفسها.
سورة مريم [١٩: ١٦]
﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾:
﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾: واذكر يا محمّد ﷺ .
﴿فِى الْكِتَابِ﴾: في القرآن الحكيم.
﴿مَرْيَمَ﴾: قصة مريم، وما حدث لها.
﴿إِذِ﴾: ظرف زماني؛ بمعنى: حين.
﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾: النّبذ: هو طرح الشّيء؛ أي: إلقاء الشّيء استهانة به؛ أي: كأنّها ألقت بنفسها بعيداً عن أهلها، وعن النّاس؛ أي: اعتزلت وانفردت بنفسها مكاناً شرقياً.
﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾: شرقياً: قيل: شرقي بيت المقدس، وكان هذا الانتباذ
стр. 2977
للعبادة، والخلوة، وقيل: للطهارة من الحيض؛ حتّى تغتسل، ثمّ تعود إلى بيت المقدس. والانتباذ الثّاني الّذي سنراه سيكون سببه الحمل بعيسى ﵇، ولماذا شرقياً؟ ولم يقل: غربياً، ولا شمالاً، ولا جنوباً؛ لأنّ جهة الشّرق شروق الشّمس هي قبلة النّصارى، وهم يتفاءلون، ويعظمون جهة الشّرق.
سورة مريم [١٩: ١٧]
﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾:
﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ﴾: فاتخذت: الفاء: للمباشرة؛ اتخذت من دونهم؛ أي: أهلها، والنّاس.
﴿حِجَابًا﴾: ساتراً يحجبها عن أهلها، وعن النّاس، والحجاب: هو السّاتر الّذي يحجب الإنسان عن غيره، ويحجب غيره عنه، وفي الآية السّابقة قال تعالى: ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾؛ أي: ابتعدت، وانفردت أوّلاً بعيداً عن أهلها، ثمّ اتخذت أو لجأت إلى مكان يسترها حتّى لا يراها أحد، أو يطلع عليها؛ لأنّها قد تبتعد عن أهلها، وعن النّاس، ثمّ تلجأ إلى مكان مكشوف، أو غير مكين؛ فيمر أحد عليها فيراها؛ فهي حرصت على الابتعاد (الانتباذ)، واتخاذ الحجاب.
حجاب ساتر فقط، أو قد يكون حجاباً مستوراً؛ أي: حجاب مركب من طبقتين، أو أكثر.
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾: روحنا؛ أي: جبريل ﵇، ويسمى: روح القدس، وقوله تعالى: روحنا فيه تشريف لجبريل ﵇. والقرآن الكريم أيضاً سماه الله روحاً كما قال تعالى في سورة الشورى آية (٥٢): ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾.
стр. 2978
﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾: أي: أخذ، أو تشكل بصورة بشر سويّ في صورة الإنسان التام الخلقة، وكلمة "بشر" مشتقة من حسن الهيئة، والبشرة الّتي يختص بها البشر دون غيرهم.
﴿سَوِيًّا﴾: في أكمل صورة، وأتمها، وأحسنها، وليس له أجنحة، ولا مرعب، أو مخيف.
سورة مريم [١٩: ١٨]
﴿قَالَتْ إِنِّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾:
﴿قَالَتْ إِنِّى﴾: قالت: مريم ﵍: إنّي: للتوكيد.
﴿أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾: قالت مريم لجبريل ﵇: إنّي أعوذ بالرّحمن منك؛ أي: إنّي ألجأ وأعتصم بالرّحمن، واختارت اسم الرّحمن من الرّحمة الّتي هي السّمة العامة لذاته سبحانه الّتي تمثل باقي صفاته تعالى، ولأن الرّحمة من الرّحمن، وهي في موقف تحتاج فيه إلى الرّحمة؛ فهو القادر على حمايتها.
﴿مِنْكَ﴾: أنّ تؤذيني، أو تقترب مني، أو تسيء إلي.
﴿إِنْ كُنْتَ﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال.
﴿تَقِيًّا﴾: لأنّ المؤمن التّقي يخاف الله، ويطيع أوامر الله الّتي تنهى عن الفحشاء والمنكر، ويتجنب نواهيه، وتعني: إن كنت تقياً: لا تقترب مني، والابتعاد هنا رحمة بها؛ لأنّها ضعيفة.
سورة مريم [١٩: ١٩]
﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾:
﴿قَالَ﴾: جبريل ﵇.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد الحصر، والتّوكيد.
стр. 2979
﴿أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾: أي: أنا رسول ربك، ولم يقل رسول الله؛ لأنّ الموقف يتعلق بالرّعاية، والحراسة، والتّربية، والأخلاق، والرّب: هو المربي، والمتولي بأمور لخلقه، ولأن الأمر لا يتعلق بعبادة، أو ألوهية، وإنما يتعلق بولادة عيسى.
﴿لِأَهَبَ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ أهب: من الهبة: وهي عطاء، وتفضل من ربك، وفيه تملك. ارجع إلى الآية (٥) من نفس السورة.
﴿لَكِ﴾: اللام: لام الاختصاص، لك خاصة، وليس لأحد غيرك.
﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾: غلاماً: يعني: ذكراً وليس أنثى، والغلام: هو الشاب الذي أوشك على البلوغ؛ زكياً: مطهراً من الذنوب، أو غير عاص، فيه الخير والصلاح، ويجب الانتباه هنا: أنّ جبريل ﵇ قال: لأهب لك غلاماً؛ فهو الّذي أخبرها بنوع الحمل غلام، ولذلك قالت مريم: أنى يكون لي غلامٌ، (كما قال جبريل)، ولم تقل: ولداً (ذكر، أو أنثى). كما قالت في السابق عندما بشرتها الملائكة بالولد كما ورد في قوله تعالى في سورة آل عمران آية (٤٧): ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ﴾.
سورة مريم [١٩: ٢٠]
﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾:
﴿قَالَتْ﴾: قالت مريم ﵍ لجبريل ﵇.
﴿أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ﴾: أنى: تعني: كيف، ومن أين، وفيها استفهام عن كيفية الحمل، وتعجب.
وفي الآية (٤٧) من سورة آل عمران: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾ عندما بشرتها الملائكة لأول مرة قبل الحمل بعيسى ﵇، وذلك عندما
стр. 2980
قالت لها الملائكة: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥]؛ فهي آنذاك لم تدرِ ما نوع البشارة، ولذلك قالت: ولد (أي: ذكر، أو أنثى).
﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾: لم: للنفي.
﴿يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾: كناية عن النّكاح؛ أي: لم أتزوج؛ أي: تنفي عنها المس: النّكاح الحلال. والمس: هو اللمس الخفيف.
﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾: تكرار لم: يفيد توكيد النّفي؛ تنفي المس بأي وسيلة محرمة مثل: الزّنى، أو الغصب، وهذا يمثل نفي الخاص بعد العام، لم يمسسني بشر: للتوكيد على عدم الزّنى.
﴿بَغِيًّا﴾: فاجرة تبغي الرّجال؛ أي: زانية، أو يبغيها الرّجال للفجور، ولم يقل باغية، وقالت: بغياً: صيغة مبالغة تعني: ما قامت بالزّنى والفجور أبداً.
وأما باغية: تقوم بأشياء محرمة، ولم تبلغ درجة الزّنى؛ فهي قد نفت عن نفسها كلّ صور التقاء الذّكر بالأنثى.
وقولها: لم أكُ، ولم تقل أكن، أكُ: حذف النّون؛ لتدل على أنّها لم تكن في لحظة من لحظات تفكير بالبغاء، ولو بأيّ صوره، أو أشكاله.
أك: أشد وأبعد نفياً من أكن، وأكن أشد نفياً من أكونن، وحذف النّون قد يكون للإسراع، وإنهاء الكلام مع جبريل؛ فهي لا تعرفه، والموقف موقف حياء، وخلوة، وخوف، والأفضل قصر الكلام.
стр. 2981
سورة مريم [١٩: ٢١]
﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾:
﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾: ارجع إلى الآية (٩) من السّورة نفسها.
﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾: الواو: للتوكيد؛ لنجعله: اللام: للتعليل.
﴿آيَةً لِلنَّاسِ﴾: معجزة خارقة للعادة، وبرهان، ودليل، وبيان على قدرة الله سبحانه على الخلق، والإبداع، وإذا أراد الله سبحانه شيئاً؛ فإنما يقول: كن فيكون؛ فكلّ شيء خاضع لإرادته، ومشيئته سبحانه، وقدرته ليست منوطة بالأسباب، وعيسى، ومريم، آية واحدة، وليسا آيتين. وقدم كلمة آية على كلمة النّاس، ولم يقل لنجعله للناس آية؛ لأنّه كان هو الآية الوحيدة لكونه خلق من أم بدون أب، وللعبرة، والموعظة.
﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾: رحمة عامة منا لكلّ البشر.
﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾: مقضياً: اسم مفعول من: قضى؛ أي: ولادة عيسى ﵇ بدون أب كان أمراً مقضياً مقدراً مسطوراً لا بد من تحققه، أو نافذاً مفعولاً.
سورة مريم [١٩: ٢٢]
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾:
﴿فَحَمَلَتْهُ﴾: الفاء: للترتيب والمباشرة ولم يحدث تأخر؛ فحملته: أصبحت امرأة حامل، وذلك بعد أنّ نفخ جبريل ﵇ في جيبها، وقوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١]، حملت مريم بعيسى.
стр. 2982
﴿فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾: فانتبذت: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ انتبذت: ابتعدت، واعتزلت النّاس، ولما أحست بالحمل، وخشيت من قذف النّاس لها، والفضيحة، وهذا هو الانتباذ الثّاني، ذهبت إلى مكان قصيّ بعيد عن النّاس. أقصى: أبعد الأمكنة.
سورة مريم [١٩: ٢٣]
﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾:
﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾: فأجاءها: الفاء: للتعقيب والمباشرة؛ أي: أجاها المخاض في وقته بدون تأخير؛ أي: ألجأها، وحملها: أرغمها المخاض، والطّلق إلى اللجوء إلى جذع النّخلة دون إرادتها؛ فكأن هناك قوة خارجية دفعتها للذهاب إلى جذع النّخلة، ولم يقل: وجاءها المخاض؛ أي: هي باختيارها، ورضاها ذهبت إلى جذع النّخلة؛ يقال: جاء فلان؛ أي: جاء باختياره ورضاه، أمّا أجاءه فلان؛ أي: جاء بفلان رغماً عنه، وبدون إرادته ورضاه؛ فأجاءها المخاض؛ أي: جاء بمريم رغماً عنها إلى جذع النّخلة؛ لأنّها تحتاج إلى من يسندها.
﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾: وهنا أل التّعريف تعني: النّخلة المعروفة، أو الوحيدة، وجذع النّخلة: ساق النّخلة؛ حتّى تتمسك بجذع النّخلة حين يحدث الطلق، ويكون مساعداً لها في عملية الولادة، ودفع الجنين حيث لم يحضر ولادتها أحد؛ لكي يساعدها.
﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾: قالت مريم آنذاك: يا ليتني: ليت: أداة تمني تستعمل في الأمور المستحيلة الحدوث، أو الصّعبة، أو غير متوقع حدوثها.
﴿مِتُّ﴾: بكسر الميم، وكسر الميم يدل على الموت العادي، وأمّا مُت:
стр. 2983
تستعمل للموت بسبب الجهاد، أو القتال في سبيل الله، أو موت غير عادي. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٥٧ - ١٥٨) للبيان.
﴿قَبْلَ هَذَا﴾: هذا: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة تشير إلى المخاض، والولادة. قبل هذا: قبل هذا الزّمن، أو مجيء الولد (أي: الولادة).
﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾: تمنت الموت حياءً من النّاس، وكيف تلد، ولم يمسسها بشر، وهل سيصدق النّاس قولها؟!
﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾: شيئاً لا يُذكر، ولا معروفاً، أو شيئاً لا قيمة له مما يؤدي إلى نسيانه.
﴿مَّنسِيًّا﴾: توكيد للنسي؛ أي: شيئاً لا يخطر ببال أحد، أو لا يذكرني، ولا يعرفني أحد. تدل هذه الكلمات على الآلام النفسية المسيطرة عليها، ومشاعر الخوف التي تعتريها، وكيف ستقابل قومها قريباً.
سورة مريم [١٩: ٢٤]
﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾:
﴿فَنَادَاهَا﴾: قيل جبريل ﵇، وقيل: عيسى ﵇، وقال مِن، ولم يقل: مَن؛ بكسر الميم، وليس بفتح الميم.
﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: من تحَتها: أي: بفتح الحاء، أو تحِتها: بكسر الحاء، أما من تحَتها بفتح الحاء؛ أي: عيسى الذي تحتها، أو من تحِتها بكسر الحاء تعني المكان؛ إذن من تحت مريم، أو من تحت النّخلة، أو تحت الرّبوة؛ فإذا كان جبريل المنادي فقد ناداها من تحت الرّبوة، أو المكان الذي فيه النّخلة.
وإذا كان عيسى هو المنادي فقد نادى بعد أن ولدته أمّه، نادى أمّه مِنْ تَحتها،
стр. 2984
وهناك من يرجح هذا القول، وليس مهماً معرفة من نادى، أو القائل، والمهم هو المقولة.
﴿أَلَّا تَحْزَنِى﴾: ألا: أصلها: "أن" و "لا"؛ أن: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد؛ لا: النّاهية، وألا: تفيد الحض، والحث على عدم الحزن.
﴿تَحْزَنِى﴾: فسرت بعدة تفسيرات:
ألا تحزني لما جرى لك من الولادة من غير زوج.
ألا تحزني: لعدم وجود من يساعدك، ويساندك في عملية المخاض والولادة.
ألا تحزني: ألا تخافي لانقطاع المكان، والطّعام، والشّراب، والفراش، أو السّرير.
لا تخافي: من أي: سوء، أو ضرر لك، أو لابنك.
ألا تحزني: من أي شيء مهما كان أمره ما دام ربك هو المدبر، والولي، والرّقيب، والحفيظ.
﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾: قد: للتحقيق، والتّوكيد.
﴿سَرِيًّا﴾: قيل: نهر صغير، أو جدول صغير من الماء العذب.
سورة مريم [١٩: ٢٥]
﴿وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾:
﴿وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾: بجذع: الباء: للتوكيد؛ أصلها هزي إليك جذع النّخلة؛ هزي إليك بجذع النّخلة: هذا الهز يحتاج إلى جهد كبير، والوقت غير
стр. 2985
مناسب، وهي في حالة ولادة، وجذع النّخلة يحتاج إلى قوة، وهي تنزف، وفي ألم شديد، والهز هنا هو فقط امتثال لأمر الله؛ فقد يكون في ظاهره الصّعوبة، والمشقة، ولكن قد يكفي المحاولة الخفيفة، لا كما يتصوره النّاس؛ فلا بد من الأخذ بالأسباب، والتّوكل على الله سبحانه، ولو كان العبد في مثل تلك الحالة فعليه الأخذ بالأسباب، وإن كان الله -جل وعلا- قادراً على أن يطعم مريم، وهي في هذه الحالة الحرجة، والمخاض، والولادة، كما أطعمها قبل ذلك حين كان يدخل عليها زكريا ويجد عندها رزقاً، ويقول: أنى لك هذا؟ وتقول مريم: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧].
﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ﴾: تُساقط: تعني: تتابع السقوط والاستمرار؛ أي: الرطب من النّخلة عليك؛ فقط الرّطب الّتي استوت، والنّاضجة. أمّا غير النّاضجة لا تسقط، وتُساقط فيها عدة قراءات: تسَّاقط السّين مشددة؛ تُسقط، تُساقط.
﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾: الرّطب التّمر، أو البلح الطّازج.
﴿جَنِيًّا﴾: الصّالح للقطف، والأكل، والجَنيّ ما صلح لأن يُجنى: يقطف ويؤكل.
стр. 2986
سورة مريم [١٩: ٢٦]
﴿فَكُلِى وَاشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾:
﴿فَكُلِى وَاشْرَبِى﴾: فكلي: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ كُلي: من الرّطب.
﴿وَاشْرَبِى﴾: من السّري (النّهر). وتقديم الأكل على الشرب نجده في كل القرآن حيثما اجتمع الأكل والشرب يقدم الأكل.
﴿وَقَرِّى عَيْنًا﴾: اطمئني، ولا تحزني. ارجع إلى سورة الفرقان، آية (٧٤)؛ للبيان.
﴿فَإِمَّا﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة. أمّا أصلها: "إن" و "ما"؛ فأدغمت ما في إن؛ إن: الشّرطية، وتفيد الاحتمال، والشّك؛ ما: للتوكيد.
﴿تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾: إذا رأيت أحداً من البشر فسألك عن ابنك، وشأنه. والنون في ترينَّ: للتوكيد.
﴿فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: أخبريه بالإشارة أنك نذرت للرحمن صوماً عن الكلام؛ أي: صمتاً؛ أي: لا أكلم في شأنه أحداً.
﴿نَذَرْتُ﴾: من النذر. شرعاً: أن يلزم العبد نفسه بشيء لم يلزمه الله عليه من جنس ما شرع الله زيادة على الفريضة، والنذر هنا هو الصوم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٧٠).
﴿فَلَنْ﴾: الفاء: للتوكيد؛ لن: لنفي المستقبل القريب، والبعيد.
стр. 2987
﴿أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾: لن أتكلم مع أحدٍ من النّاس بشأن عيسى.
﴿إِنسِيًّا﴾: اسم مشتق من الإنس؛ اسم جنس؛ أي: النّاس.
سورة مريم [١٩: ٢٧]
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾:
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾: فأتت: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ أتت به؛ أي: جاءت مريم بعيسى إلى قومها، وبما أنّ المجيء كان بسهولة استعمل: أتت به، عادت به إلى قومها، ويبدو أنّها لم تواجه مشقة، أو صعوبة بعد أنّ اطمئنت إلى ما ستقوله إذا سئلت عن عيسى، ورأت الكثير من آيات ربها، وكان يكفي القول: فأتت به، ولكنه أضاف: تحمله؛ أي: كسائر الأطفال يحتاج إلى من يحمله رغم كونه قادراً على أن يكلم النّاس، ولكنه ما زال وليداً غير قادر على المشي؛ فهذه آية من آيات الله سبحانه؛ فهو أحد الأطفال الّذين تكلموا في المهد.
﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ﴾: فلما رآها قومها تحمل ابنها، قالوا: يا مريم بنت عمران.
﴿يا﴾: النّداء: للبعد.
﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾: لقد: اللام: تفيد التّوكيد، وقد: للتحقيق.
﴿جِئْتِ﴾: قمت بشيء. فرياً: من افترى. جئت: من جاء، والمجيء فيه مشقة وصعوبة مقارنة بالإتيان (من أتى).
﴿فَرِيًّا﴾: مختلقاً؛ أي: كذباً لا نصدقه؛ عظيماً، أو عجباً. قاله ابن عباس ﵄، أو خارقاً للعادة؛ شيئاً يكذبه العقل؛ حيث ولدت بولد من غير أب، وفرياً: مختلقاً، مشتق من: افترى الكذب؛ أي: اختلقه، أو اصطنعه.
سورة مريم [١٩: ٢٨]
﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾:
لما رأى قومها الولد أنكروا ذلك وقالوا:
стр. 2988
﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾: مخاطبتها بأخت هارون فيه توبيخ لها وتعريض؛ الأخت: إما أنّ تكون أختاً حقيقية، أو أختاً في المشابهة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزّخرف: ٤٨].
أخت حقيقية. قيل: كان لمريم أخ حقيقي اسمه هارون من أمّها، وأبيها، وكان من أفضل، وأشراف بني إسرائيل؛ فيكون المعنى كيف يكون لأخت رجل مثله أن تفعل فعلتك هذه.
أو: أخت في المشابهة بالإيمان؛ أي: يا مشابهة هارون في الصّلاح، والتّقوى، والورع.
الاحتمال الثّاني: هارون أخو موسى ﵇، وأخوَّة الدّين أقوى من أخوَّة الدّم.
الاحتمال الثالث: قيل: كان في زمنها رجل صالح يسمى هارون من بني إسرائيل؛ فنسبت إليه في التّقوى، والورع.
يا أخت هارون في التّقوى، والورع، كيف تأتين بمثل هذا الفعل؟! والغاية من عدم قولهم يا مريم ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾؛ أي: عدلوا عن التصريح إلى التعريض بقولهم يا أخت هارون؛ لأن في إضافتها إلى اسمه توبيخ لها أي: ما كان لأخت رجل صالح مثل هارون أن تفعل هذه الفاحشة.
﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾: أي: ما كان أبوك فاجراً وزانياً، ورجل السّوء: هو الّذي إن صاحبته أصابك منه سوء؛ أي: أذى، أو مكروه.
﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾: زانية، أو باغية. ارجع إلى الآية (٢٠) من السّورة نفسها؛ للبيان.
ما كان أبوك، وما كانت أمّك: تكرار النّفي (ما) يفيد التّوكيد.
стр. 2989
سورة مريم [١٩: ٢٩]
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾:
حين قال القوم: يا مريم، لقد جئت شيئاً فرياً، يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء، وما كانت أمك بغياً.
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾: فأشارت: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ أشارت إليه مباشرة: إلى ابنها عيسى؛ أي: كلموه، واسألوه، وهي واثقة أنّه سيتكلم.
﴿قَالُوا كَيْفَ﴾: كيف: استفهام فيه تعجب، واستبعاد أنّ يتكلم.
﴿نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾: من: بمعنى: الّذي.
﴿كَانَ﴾: تشمل كلّ الأزمنة، وتعني: الحال.
﴿فِى الْمَهْدِ﴾: من كان في السرير (سرير الطفل)، والمهد: المكان الممهد المعد، أو المهيئ لنوم الطّفل.
﴿صَبِيًّا﴾: للتوكيد. ولو قالوا كيف نكلم صبياً لكان يكفي ذلك، ولكن قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً؟ هذه الإضافة تدل على التأكيد على استغرابهم والمبالغة في الإنكار والتعجب أن يكلمهم هذا الصبي أولاً، والتعجب الذي صدر منهم.
سورة مريم [١٩: ٣٠]
﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ آتَانِىَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾:
﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ﴾: أوّل كلمة نطق بها عيسى ﵇، وهو وليد في المهد: إنّي عبد الله؛ حتّى لا يظن أحد كما زعموا أنّه ابن الله، أو إله، أو شريك؛ فكان ذلك أوّل تصريح هو إعلان عبوديته لله تعالى، وعبوديته هي تشريف للعبد أن يكون عبداً لله تعالى.
﴿آتَانِىَ الْكِتَابَ﴾: الكتاب: الإنجيل؛ آتاني: فعل ماض، ولم يقل سيأتيني
стр. 2990
في المستقبل؛ ليدل على أنَّ الأمر حاصل لا محالة، وكأنّه حصل وهو ما زال وليداً في المهد.
﴿وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾: وهو ما زال وليداً، وبصيغة الماضي؛ ليدل على تحقق النّبوة له.
﴿نَبِيًّا﴾: إلى بني إسرائيل.
إنّ عيسى ﵇ ولد كامل العقل، كما خلق آدم كامل العقل؛ فكان قادراً على قول ذلك.
سورة مريم [١٩: ٣١]
﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾:
﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا﴾: ينتفع منه النّاس؛ مثلاً: يبرئ الأكمه، والأبرص، ويُحيي الموتى، وبسببه يكثر الخير، وتنزل البركات.
﴿أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾: ولم يقل حيثما كنت؛ لأنّ (أينما كنت) أكثر غموضاً، وإبهاماً، وأوسع شمولاً من (حيثما كنت).
﴿وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾: أي: أمرني بالصّلاة، والزّكاة.
﴿مَا﴾: مصدرية، ظرفية، زمانية؛ أي: مدة بقائي حياً.
سورة مريم [١٩: ٣٢]
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا﴾:
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِى﴾: ولم يقل بوالدي؛ لأنّه ﵇ علم أنّه ليس له أب، وهو ما زال وليداً، وعلم الّذين اتهموا مريم أنّه ولد من غير أب، وبراً بوالدتي؛ أي: أمرني ببر والدتي، والإحسان إليها، وطاعتها.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا﴾: ارجع إلى الآية (١٤)؛ للمقارنة، والبيان.
﴿شَقِيًّا﴾: صيغة مبالغة من شقي: كثير الشّقاوة، وسبب الشّقاوة: البعد عن
стр. 2991
دين الله والإيمان، والسير في طريق الكفر والشرك والضلال. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (١٠٦) للبيان.
سورة مريم [١٩: ٣٣]
﴿وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾:
﴿وَالسَّلَامُ عَلَىَّ﴾: عيسى ﵇ يسلم على نفسه؛ أي: علَّمه ربه بالوحي، أو أنطقه أنّ يسلم على نفسه، كما علَّمه أن يقول: إني عبد الله آتاني الكتاب، وجعلني نبياً.
وكلمة (يوم) هنا؛ تعني: حين؛ لأنّ (يوم) تعني: النّهار، وهو قد يكون ولد ليلاً، أو يموت ليلاً، أو يبعث ليلاً، واختار هذه الأزمنة: زمن ولادته وموته وبعثه؛ لأنّها أزمنة صعبة يحتاج فيها الإنسان للسلامة من الأذى، والمكروه، وكذلك الأمن، والطّمأنينة. ارجع إلى الآية (١٥) من السّورة نفسها؛ للبيان.
سورة مريم [١٩: ٣٤]
﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾:
﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾: ذلك: اسم إشارة، واللام: للبعد، والتّعظيم، ويشير إلى عيسى ﵇. واسم عيسى يأتي في سياق النداء والتكليف، وفي سياق تعداد الرسل أو بشكل عام، بينما يأتي اللقب المسيح في سياق الثناء والعقيدة.
﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾: قول الحق؛ أي: ما قاله الله سبحانه بشأن عيسى ابن مريم هو الحق من كون عيسى كلمة الله ألقاها إلى مريم، وكونه خلق، كما خلق آدم، وبكلمة كن فيكون.
﴿الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: يمترون من المراء: وهو الجدال، والقول الباطل بعد ظهور الحق؛ أي: عيسى ليس إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة.
سورة مريم [١٩: ٣٥]
﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾:
﴿مَا كَانَ لِلَّهِ﴾: ما: النّافية.
стр. 2992
﴿كَانَ﴾: تشمل الأزمنة كلّها: الماضي، والماضي المستمر، والحاضر، والمستقبل.
﴿مَا كَانَ لِلَّهِ﴾: في أيِّ زمن من الأزمنة.
﴿لِلَّهِ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾: أن: للتوكيد.
﴿مِنْ﴾: استغراقية تستغرق أيَّ ولد مهما كان ذكراً، أو أنثى، والاتخاذ؛ أي: الجعل، والتّصيير؛ لأنّه سبحانه ليس بحاجة إلى معين، أو ناصر، وليس بحاجة إلى شريك، وولد؛ لاستدامة الخلق.
﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيهاً مطلقاً لله في ذاته، وصفاته، وأفعاله من أيِّ نقص، أو عيب، أو صاحبة، أو ولد، وتنزيهاً له عما لا يليق بكماله، وجلاله.
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: إذا شرطية تفيد حتمية الحدوث، والكثرة.
﴿قَضَى أَمْرًا﴾: أنّ يخلق خلقاً، أو يأمر شيئاً، أو أراد شيئاً.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: ارجع إلى سورة النّحل، آية (٤٠)؛ للبيان.
سورة مريم [١٩: ٣٦]
﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾:
﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ﴾: إن: حرف مشبه بالفعل للتوكيد، وإنّ الله ربي وربكم؛ أي: وقل لبني إسرائيل: إنّ الله ربي وربكم.
﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: الفاء: فاء السّببية؛ أي: اعبدوه بسبب كونه ربكم: خالقكم، ومدبر أموركم، ومصرّفها، ورازقكم، ومربيكم؛ فاعبدوه، من: العبادة، وتعني: إطاعة المعبود في كلّ ما أمر، ونهى عنه. ارجع إلى سورة النّحل، آية (٧٣).
стр. 2993
﴿هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾: عبادة الله تعالى وحده، وطاعته، وامتثال أوامره، وتجنب نواهيه هو الصّراط المستقيم، أو الدّين، أو السّبيل المستقيم الموصل إلى الغاية بأقصر زمن، وأقل جهد.
لنقارن هذه الآية (٣٦) من سورة مريم: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، وكذلك وردت في سورة آل عمران، آية (٥١)، مع الآية (٦٤) من سورة الزّخرف: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾.
إضافة كلمة "هو" في آية الزّخرف توكيداً لإثبات الرّبوبية لله سبحانه، ونفي الولد؛ لأنّ آية الزّخرف سبقها كثير من الآيات الّتي تتحدث عن الشّرك، واتخاذ الولد، والملائكة إناثاً الآيات (١٥، ١٦، ١٩).
فجاء بكلمة "هو" للتوكيد، والحصر، مقارنة بآية مريم، وآل عمران الّتي سبقها آيات كثيرة تتحدث عن عبودية عيسى لله تعالى، فلم يؤكد بكلمة هو.
سورة مريم [١٩: ٣٧]
﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾:
﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾: الفاء: تدل على التّعقيب، والمباشرة؛ اختلف الأحزاب: جمع حزب: جماعة من النّاس يجمعهم رأي، أو آراء، أو مبادئ واحدة، أو طائفة؛ فقد تحزبوا ثلاث فرق في شأن عيسى: حزب قالوا: هو إله، وحزب قالوا: هو ابن الله، وحزب قالوا: ثالث ثلاثة.
﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: من: ابتدائية للتوكيد.
﴿بَيْنِهِمْ﴾: الكاثوليك، أو الملكانية، واليعقوبية (الأرثدوكس)، والاعتراضية البروتستانت؛ أي: أتباع عيسى أنفسهم اختلفوا في شأنه.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: فويل: الفاء: للتوكيد؛ ويل للذين كفروا: هذا وعيد للذين كفروا.
﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام: للتوكيد.
стр. 2994
﴿كَفَرُوا﴾: من اليهود، والنّصارى باتخاذ عيسى إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، أو كفر بآيات الله ورسله، والويل: تعني: العذاب، وقيل: الويل: واد في جهنم.
﴿مِنْ مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: من: ابتدائية.
﴿مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: أي: مشهد؛ أي: مرأى يوم القيامة يشهده الأوّلون والآخرون.
﴿مَّشْهَدِ﴾: اسم زمان، أو اسم مكان، وهو مصدر ميمي من فعل: شهد بمعنى: حضر، وشهد.
سورة مريم [١٩: ٣٨]
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾؛ أي: لو رأيتهم في ذلك اليوم يوم القيامة، لعجبت من شدة حدة سمعهم، وإبصارهم بعد أنّ كانت في الدّنيا معطلة عن سماع الحق، وآيات الله تعالى.
﴿لَكِنِ﴾: حرف استدراك وتوكيد.
﴿الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾: المشركون.
﴿الْيَوْمَ﴾: تعني: الحين؛ أي: في الدّنيا في ضلال مبين. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤)؛ لبيان الظلم.
﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: في بُعد عن الحق وضياع وتخبط وحيرة.
﴿مُبِينٍ﴾: ظاهر لكلّ إنسان، ومظهر لنفسه لا يحتاج إلى برهان، أو دليل للناس ليكشفه.
стр. 2995
سورة مريم [١٩: ٣٩]
﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿وَأَنذِرْهُمْ﴾: يا محمّد ﷺ أنذر قومك، والإنذار: هو الإعلام المقرون بالتّحذير، والوعيد.
﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾: يوم القيامة، ويوم القيامة له أسماء كثيرة؛ مثل: اليوم الآخر، يوم البعث، يوم الفصل، يوم الدّين، يوم الوعيد، يوم الجمع وغيرها، ووصف بيوم الحسرة لشدة الحسرات في ذلك اليوم، وكأنه يوم مختص بالحسرة ولا شيء آخر فيه سوى الحسرة للظالمين والكافرين والمشركين وحتى المؤمنين والحسرة: هي أشد النّدم، والأسف على شيء مضى، أو فات، ولم يُتدارك، أو على ما فرَّط في دنياه، والكلّ يتحسر، والمؤمنون يتحسرون على عدم الإكثار من أعمال البر، والتّقوى، وأشد النّاس حسرة هم الكافرون.
﴿إِذْ﴾: ظرف زماني بمعنى: حين.
﴿قُضِىَ الْأَمْرُ﴾: فرغ من الحساب، وحكم الله سبحانه: فريق إلى الجنة، وفريق إلى السّعير.
﴿وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ﴾: هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد، وهم: تعود على الإنس، والجن. والغفلة: تعني: ترك باختيار الغافل وأما النسيان؛ فهو ترك بغير اختيار الإنسان، عدم حضور الشّيء في البال؛ أي: عدم الانتباه، وانمحاء صورة الشّيء
стр. 2996
في الذّاكرة لتركه إياه وعدم الاهتمام به، وقلة التحفظ أو التيقظ، والغفلة: أعم من النسيان فكل نسيان غفلة، وليس كل غفلة نسيان.
﴿فِى﴾: ظرفية زمانية؛ تعني: في الدّنيا.
﴿غَفْلَةٍ﴾: عنه، عن الاستعداد ليوم الحسرة، أو يوم القيامة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان في معنى: الغفلة.
﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: تكرار (وهم): يفيد التّوكيد، وفصل الغفلة عن الإيمان، أو كلاهما معاً.
﴿لَا﴾: النّافية.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: بالله تعالى، وكتبه، ورسله، والملائكة، واليوم الآخر، أو لا يؤمنون بالآخرة، والحساب، والجزاء؛ يؤمنون: بصيغة المضارع؛ تفيد تجدد، وتكرار عدم إيمانهم.
سورة مريم [١٩: ٤٠]
﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾:
﴿إِنَّا﴾: نون التّعظيم؛ أي: سبحانه وحده هو الوارث الّذي يرث الأرض ومن عليها؛ فهو المالك الحقيقي، والخلق إنما هم مستخلفون فقط.
﴿نَحْنُ﴾: للتوكيد.
﴿نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾: كقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]؛ أي: إذا جاءت نفخة الصّعق، أو الموت (النفخة الأولى) الكلّ سيموت، ويترك وراءه كلّ شيء من مال وديار وأرض.
стр. 2997
والوارث: تعني الباقي بعد فناء الخلق، هو الله سبحانه؛ فهو الأوّل والآخر، له ما في السّموات والأرض وما فيهنَّ منذ الأزل.
﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾: إلينا: تقديم إلينا للحصر، والتّوكيد.
﴿يُرْجَعُونَ﴾: قسراً للحساب.
سورة مريم [١٩: ٤١]
﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾:
﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ﴾: هذه هي المرة الثّالثة الّتي يعيد فيها كلمة "واذكر"؛ فقد قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾، ﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾، ﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾، والذّكر: ضرب من العلم، ويعني: ذكَّرهم بشيء نسوه، أو سهوا عنه، ذكّرهم بإبراهيم.
﴿فِى الْكِتَابِ﴾: القرآن. وسمي الكتاب؛ لأنه مكتوب في السطور؛ أي: محفوظ من التحريف والتبديل بكل كلماته وحروفه.
﴿إِبْرَاهِيمَ﴾: ﵇ أبو الأنبياء، وما جرى بينه وبين آزر وقومه من حوار حول ترك عبادة الأصنام، ودعوته للعودة إلى وحدانية الله تعالى.
﴿إِنَّهُ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾: صديقاً: صيغة مبالغة في الصدق، وتصديق الحق، وكلّ ما جاء به الله سبحانه، فالصّدّيق: هو الّذي بلغ أعلى درجة في تصديق الوحي، وما جاء به الرّسل، وهو الّذي يصدَّق في كلّ كلامه، وما يخبر به؛ أمثال: أبي بكر الصّديق، ومريم كقوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥].
﴿نَبِيًّا﴾: فالصّديق قد لا يكون نبياً، كما رأينا في أمثال أبي بكر، ومريم،
стр. 2998
والنّبوة درجة أخرى أعلى من درجة الصّديقين، فهي عطاء من الله تعالى، ونحن نعلم أنّ كلّ رسول هو نبي، وليس كلّ نبي رسولاً؛ فإبراهيم ﵇ كان رسولاً نبياً، وهو من أولي العزم من الرّسل. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٤) لمعرفة الفرق بين الرّسول والنّبي.
سورة مريم [١٩: ٤٢]
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا﴾:
﴿إِذْ﴾: أي: واذكر، أو حين قال لأبيه.
﴿قَالَ لِأَبِيهِ﴾: أي: عمّه آزر، كلمة العم تطلق على الأب والعم والجد ولا تعني أباه الحقيقي، كما يذكر كثير من المفسرين. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٧٤) لمزيد من البيان.
﴿يَاأَبَتِ﴾: ياء النّداء: للبعد.
﴿يَاأَبَتِ﴾: ولم يقل: يا أبي، أو يا عمي، أو يا آزر، كلمة أبت: فيها معنى الحنان، والعاطفة، والرّأفة، وقيل: إضافة التّاء: تاء التأنيث تشير إلى حنان الأم؛ إذن كلمة يا أبت: تضم حنان الأبوين معاً، وحين تموت الأم يبقى الأب؛ فيقوم بوظيفة الأب والأم معاً، ويعوض الأب حنان الأم المفقودة؛ فينادى: يا أبت.
وقوله: يا أبت، ولم يقل: يا أبتي: حذف ياء المتكلم؛ لأنّ إبراهيم فقد أباه وأمه، ولم يكن له إلا عمّه؛ فناداه كالأب.
وقوله: يا أبت: فيها معنى التّوسل، والاستعطاف؛ للكف عن عبادة الأصنام.
﴿لِمَ﴾: لمَ: استفهام إنكاري، وحذفت الألف في لما؛ لدخول حرف الجر (اللام) عليها.
стр. 2999
﴿تَعْبُدُ﴾: تطيع، وتدعو، أو تتقرب إلى هذه الأصنام. ولمعرفة معنى العبادة ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣)، والأنبياء آية (١٠٦).
﴿مَا لَا﴾: ما: لغير العاقل، ولا: النّافية.
﴿يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾: لأنّها أصنام، أو حجارة؛ فهي حقيقة لا تسمع، ولا تبصر، ولا تغني شيئاً.
﴿وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا﴾: أي: لا فائدة منها، وليس لك فيها حاجة؛ فهي لا تدفع ضراً، ولا تجلب نفعاً؛ لا تفيدك إن عبدتها، ولا تضرك إن لم تعبدها.
﴿شَيْئًا﴾: جاءت بصيغة النّكرة؛ لتشمل كلّ شيء صغيراً، أو كبيراً، من نفع، أو ضر، وتكرار "لا" ثلاث مرات: يفيد التّوكيد، ويفيد فصل كلّ صفة عن الأخرى: السّمع، والبصر، والفائدة.
سورة مريم [١٩: ٤٣]
﴿يَاأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَاءَنِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِى أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾:
﴿يَاأَبَتِ﴾: تكرار هذا النّداء لجلب انتباه عمّه، وإظهار مدى اهتمامه به لدعوته إلى عبودية الله وحده، وكأنّه باخع نفسه لهداية عمّه آزر.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿قَدْ﴾: لزيادة التّوكيد، والتّحقيق.
﴿جَاءَنِى مِنَ الْعِلْمِ﴾: من: ابتدائية بعضية؛ أي: بعض العلم من ربي، كما في سورة الأعلى الآية (١٩): ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ﴾، وسورة الأنعام، الآية (٧٥): ﴿وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ من العلم بالله واليقين، والمعرفة بالدين.
стр. 3000
﴿مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾: ما: موصول بمعنى: الّذي، وهي أوسع شمولاً من الذي.
﴿لَمْ﴾: للنفي، وفيها معنى الاعتذار. ما لم يأتك: أي: يُنزل عليك، أو تخبر به عن طريق الإيحاء، وغيره من العلم.
﴿فَاتَّبِعْنِى﴾: اتبعني: فيها توكيد ومبالغة في الاتباع؛ أي: أسعى، وأجتهد في اتباعي؛ اتبعني في دعوتي، وعبادتي.
﴿أَهْدِكَ﴾: أدُلك، أو أُرشدك.
﴿صِرَاطًا سَوِيًّا﴾: الصّراط: هو السّبيل الموصل إلى الغاية بأقصر زمن، ومسافة، وبدون عقبات. السّويّ: المستقيم؛ أي: الصّراط المستقيم: وهو دين الله وشرعه. الصّراط المستقيم الموصل إلى الغاية، وهي رضوان الله، والجنة، والسّعادة في الدّارين، والنجاة من النّار.
سورة مريم [١٩: ٤٤]
﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾:
﴿يَاأَبَتِ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٤٣).
﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾: لا: النّاهية.
﴿لَا تَعْبُدِ﴾: المراد بعبادة الشيطان هو عبادة الأصنام، وعبر عنها بعبادة الشيطان تبغيض لعبادتها لكون الشيطان عدو مبين؛ أي: لا تطع، ولا تدعُ، ولا تتبع الشّيطان ووساوسه، ونزغه، وتزيينه وإضلاله في عبادة الأصنام.
﴿الشَّيْطَانَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٦) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
стр. 3001
﴿الشَّيْطَانَ﴾: التكرار يفيد التوكيد وأبلغ من القول: ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾.
﴿كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾: عصياً: من: عصى يعصي على وزن: فعيل صيغة مبالغة؛ أي: كثير العصيان لذلك احذروه، وكان: تشمل كلّ الأزمنة، ولا تقتصر على الماضي فقط.
سورة مريم [١٩: ٤٥]
﴿يَاأَبَتِ إِنِّى أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾:
﴿يَاأَبَتِ﴾: ارجع إلى الآية (٤٣).
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿أَخَافُ أَنْ﴾: أن: تفيد التّعليل. وأخاف من الخوف: هو توقع الضرر المشكوك في وقوعه.
﴿يَمَسَّكَ عَذَابٌ﴾: يمسسك: المس: هو أخف، أو أدنى درجات اللمس، ومجرد التقاء شيء بشيء، ولو لأقل من ثانية من الزّمان؛ أي: أقل درجات الإصابة الخفيفة جداً، ولم يقل: يصيبك، أو يحل عليك، وهذا يدل على منتهى شفقة إبراهيم على عمّه، والحرص على نجاته من العذاب.
﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾: اختار اسم الرّحمن مع كلمة العذاب بدلاً من الجبار، أو القهار؛ لأنّ الرّحمن من الرّحمة، والرّحمن على وزن: فعلان؛ تفيد التّجدد، والتّكرار، والرّحمن للمؤمن والعاصي؛ لعل ذكر الرّحمن مع العذاب يخفف من درجة العذاب، كما لو كان العذاب من العزيز الجبار، أو لا تغتر بكونه الرحمن
стр. 3002
فهو الغفور الرحيم، وأن عذابه هو العذاب الأليم، كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
فهو اختار المس، واختار الرّحمن؛ ليدل ذلك على منتهى الشّفقة على عمّه، وحرصه على نجاته من العذاب، ولعله يرجع عن شركه، وقوله: أن يمسسك عذاب من الرّحمن في الدّنيا، أو في الآخرة.
﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾: ولياً: من ولي: وهو القريب، أو الّذي يليك؛ أي: معيناً أو ظهيراً.
فهذه النّداءات الأربعة تمثل جانباً أو نموذجاً من نماذج كيفية الدّعوة إلى الله بالموعظة الحسنة، والبيان، وتجنب القسوة، والجدال.
سورة مريم [١٩: ٤٦]
﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِى يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِى مَلِيًّا﴾:
﴿قَالَ﴾: آزر عم إبراهيم لإبراهيم.
﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِى يَاإِبْرَاهِيمُ﴾: أراغب: الهمزة: تفيد الاستفهام، والإنكار، والتّعجب.
﴿أَنْتَ﴾: تفيد التّوكيد؛ هناك فرق بين: أراغب عن، و: أراغب في؛ يقال: رغب في كذا؛ أي: أحبه، ورغب عن كذا؛ أي: كرهه، واعتزله؛ أي: أكاره أنت لإلهتي يا إبراهيم، وتعيب عليها.
﴿لَئِنْ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ إن: شرطية تفيد الشّك، أو النّدرة.
﴿لَّمْ﴾: النّافية.
стр. 3003
﴿تَنْتَهِ﴾: عن إثارة العيب على آلهتي، وتكفّ عن محاربتها، والتّعرض لها.
﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾: اللام: للتوكيد، وكذلك النّون: لزيادة التّوكيد على الرّجم لإبراهيم، والرّجم يكون بالحجارة، أو التّعذيب، أو بالقول، والشّتم، والسّب.
﴿وَاهْجُرْنِى﴾: ابتعد عني، وفارقني، أو ارحل عني إلى بلد آخر.
﴿مَلِيًّا﴾: دهراً طويلاً، أو اهجرني إلى أبد الدّهر بلا عودة. ملياً: مشتقة من الإملاء: الوقت الطّويل.
سورة مريم [١٩: ٤٧]
﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّى إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾:
﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾: قال إبراهيم ﵇ لآزر: سلام عليك، سلام مفارقة، ووداع.
﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّى﴾: قال ذلك إبراهيم لآزر سيستغفر له ربه قبل أنّ يتبين له أنّه عدوٌّ لله؛ فلما تبين لإبراهيم أنّ عمّه آزر عدوٌّ لله تبرأ منه؛ إذن وعد إبراهيم لم يتم وينفذ.
﴿سَأَسْتَغْفِرُ﴾: السين: للاستقبال القريب، ولم يستغفر لعمه، وورد ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].
﴿إِنَّهُ﴾: تفيد التّوكيد.
﴿كَانَ﴾: كان: تستغرق كلّ الأزمنة: الماضي، والحاضر.
﴿بِى﴾: خاصة.
стр. 3004
﴿حَفِيًّا﴾: من الحفاوة؛ أي: الكرم. إنّه سبحانه كريمٌ بي يجيب دعائي.
سورة مريم [١٩: ٤٨]
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّى عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾:
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾: أي: أبتعد عنكم، وأهجركم.
﴿وَمَا تَدْعُونَ﴾: ما: لغير العاقل.
﴿تَدْعُونَ﴾: وما تعبدون؛ فالعبادة: هي دعاء، والدّعاء جزء من العبادة.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله.
﴿وَأَدْعُوا رَبِّى﴾: أعبد ربي، ولا أشرك به.
﴿عَسَى﴾: أداة رجاء للأمور الّتي يتم تحققها عادة، عسى ربي؛ أي: راجياً من الله.
﴿أَلَّا﴾: أصلها: (أن) و (لا)؛ أن: مصدرية تفيد التّعليل، والتّوكيد؛ لا: النّافية.
﴿أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾: راجياً أن لا أكون شقياً؛ أي: غير مستجاب الدّعاء، أو تحبط طاعتي، وأعمالي الصّالحة، ويبطل ثوابها، وتصبح مصدر شقائي، كما شقيتم بعبادة الأصنام؛ لأنّها لا تنفعكم، ولا تضركم، ولا تستجيب لدعائكم أصلاً.
стр. 3005
سورة مريم [١٩: ٤٩]
﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ لما: ظرفية زمانية؛ بمعنى: حين.
﴿اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: بالهجرة إلى الشّام، وبعدها إلى الأرض المقدسة، وتركهم، وأصنامهم في ضلالهم، وطغيانهم؛ يعبدونها من غير الله.
﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾: وهبنا: من: وهب. ارجع إلى الآية (٨) من سورة آل عمران؛ للبيان.
﴿إِسْحَاقَ﴾: ابنه من سارة، ومن قبل وهب له ابنه إسماعيل من هاجر.
﴿وَيَعْقُوبَ﴾: ابن إسحاق؛ أي: ولد الولد؛ فكان يعقوب نافلة زيادة على طلبه.
﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾: كلاهما وهبناه النّبوة، وزيادة الواو في كلمة وكلاً تدل على أن الله وهب لهما ولغيرهما النبوة.
سورة مريم [١٩: ٥٠]
﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾:
﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ﴾: ووهبنا: الهبة: هي عطاء تفضُّل من الله، وفيها تعظيم بإضافة نون الجمع لهم؛ أي: الثّلاثة: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وهبنا. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٨)؛ للبيان.
﴿مِنْ رَّحْمَتِنَا﴾: من: ابتدائية. الرّحمة: هي النّبوة؛ أي: جعلناهم أنبياء، أو (وهبنا لهم) قد تعني أيضاً: المال، والولد، والعلم، والذكر، والثناء الحسن.
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾: وجعلنا لهم الثّناء الحسن.
стр. 3006
والذّكر الجميل في جميع الأمم الّتي جاءت من بعدهم، فالكل يثنون على إبراهيم ﵇.
﴿لِسَانَ﴾: يعني: القول؛ لأنّ القول يكون باللسان؛ فوضع اللسان مكان القول، ومثال على ذلك ما نقوله في الصّلوات: اللهم صل على محمّد، وعلى آل محمّد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمّد، وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم.
سورة مريم [١٩: ٥١]
﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾:
﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مُوسَى﴾: ارجع إلى الآية (٤١)؛ للبيان. موسى ﵇.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿كَانَ مُخْلَصًا﴾: المخلَص: بفتح اللام: الّذي أخلَصه الله سبحانه، ووفقه لطاعته، واختاره على النّاس؛ أي: اصطفاه على الناس كما قال تعالى: ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِى وَبِكَلَامِى﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وبلغ أعلى المقامات. أمّا المخلِص: بكسر اللام: الّذي أخلص عبادته لله وحده؛ فكل مخلَص هو مخلِص، وليس كلّ مخلِص هو مخلَص، وموسى ﵇ كان مُخلَصاً ومخلِصاً (كلاهما).
﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾: وكان: للزمن الماضي.
﴿رَسُولًا﴾: ذا رسالة. كلّ رسول هو نبي، وليس كلّ نبي رسولاً. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٤)؛ لمعرفة الفرق بين: الرّسول، والنّبي.
стр. 3007
سورة مريم [١٩: ٥٢]
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾:
﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾: أي: موسى ﵇، وذلك بعد أن رجع من مدين، وسار بأهله متجهاً إلى مصر ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩]. ناديناه؛ أي: ناداه ربه جلا جلاله، وجاءت بصيغة الجمع؛ للتعظيم
﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾: أي: جبل الطّور، والطّور: جبل في سيناء، والطّور: يعني: أقل ارتفاعاً وحجماً من الجبل العادي، والجبل: لا يمين له، ولا شمال، ولكن له جوانب، والأيمن هنا بالنسبة إلى أيمن موسى؛ أي: من جهة يمين موسى (يده اليمنى)، وهو متجه إلى الطور: ﴿نُودِىَ يَامُوسَى إِنِّى أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ ارجع إلى سورة طه للتفاصيل، الآية (١٢ - ٢٤).
﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾: النّجيّ: المناجى، والتّقريب؛ يعني: قرَّبه سبحانه حتّى يسمعه كلامه ويناجيه، وأنّه سبحانه اختاره لرسالته، وإلى الذّهاب إلى فرعون، وبما أنّ الله سبحانه كلم موسى وحده، ولم يسمع كلام الله إلا موسى؛ فكان كالسر، وسمّاه نجوى، أو مناجاة (وهي المُسارَّة بالكلام). ارجع إلى سورة المجادلة، آية (٧)؛ لمزيد من البيان.
стр. 3008
سورة مريم [١٩: ٥٣]
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾:
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾: ارجع إلى الآية (٤٩) من السّورة نفسها، والآية (٨) من سورة آل عمران.
بعد أن سأل موسى ربه، وقال: ﴿وَاجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى هَارُونَ أَخِى اشْدُدْ بِهِ أَزْرِى وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى﴾ [طه: ٢٩ - ٣٢]، وكذلك قوله: ﴿وَأَخِى هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِى﴾ [القصص: ٣٤]، والرّدء: هو المعين، ووهبنا له: اللام: لام الاختصاص؛ له: وحده؛ لأنّ ذلك لم يحدث مع نبي آخر.
﴿مِنْ رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾: من: ابتدائية بعضية؛ فكون هارون نبياً هي هبة من الله؛ أي: تفضل (عطاء) لموسى ﵇، ولهارون، وتقديم الجار والمجرور هنا يفيد الحصر، والنّبوة تعتبر رحمة، وهبة من الله، وشيئاً خاصاً لا تعطى لمن يطلبها عادة، ولا يتوصل إليها بالاجتهاد في العبادة والطّاعة، ولنعلم أنّ هارون ﵇ كان نبياً، وليس رسولاً نبياً.
سورة مريم [١٩: ٥٤]
﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾:
﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ﴾: ارجع إلى الآية (٤١) من السّورة نفسها.
﴿إِسْمَاعِيلَ﴾: ابن إبراهيم ﵇ جد النّبي ﷺ .
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾: كان: تشمل، أو تستغرق كلّ الأزمنة أنّه صادق الوعد، قيل: لم يخلف وعداً قط، ومن أقوى الأدلة على ذلك وعده لأبيه بالصّبر على ذبحه، وكيف أسلم نفسه للذبح، ولم يخلف وعده بعد أن قال له أبوه إبراهيم:
стр. 3009
إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك قال: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢].
ولقد خص الله سبحانه إسماعيل بصفة الصّدق، مع العلم أنّ كلّ الرّسل والأنبياء كانوا صادقي الوعد، والصّدق صفة في كلّ رسول ونبي؛ لأنّ إسماعيل ﵇ أوفى بوعده وسلَّم نفسه ليذبح، ولم يُبتلَ غيره من الرّسل بهذا البلاء العظيم، وقد وصفه الله تعالى بالحليم؛ فقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]، وأغلب المفسرين يقولون: إنّه إسماعيل، وليس إسحاق.
﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾: إلى قبيلة جرهم والعرب. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٤)؛ لمزيد من البيان.
سورة مريم [١٩: ٥٥]
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾:
﴿وَكَانَ﴾: إسماعيل ﵇.
﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾: الأهل: العائلة؛ الزّوجة والأوّلاد، وقيل: الأهل قد تشمل عشيرته، أو قبيلته.
﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾: الباء: للتوكيد على أهمية الصّلاة الّتي هي عماد الدّين، وذكرَ الصّلاة والزّكاة من بين باقي العبادات؛ للدلالة على أهميتها، وفي هذه الآية إشارة إلى أهمية البدء بإصلاح الخلية الأوّلى من مكونات الأمة؛ وهي الأسرة.
﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾: مرضياً؛ أي: رضي الله تعالى عنه، ومرضياً: اسم مفعول من: رضي، ومصدر رضي: الرّضوان. ويدل على ثبوت رضا الله عنه.
стр. 3010
سورة مريم [١٩: ٥٦]
﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾:
﴿وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ﴾: ارجع إلى الآية (٤١).
﴿إِدْرِيسَ﴾: قيل: هو أوّل نبي بعد آدم، وشيث، وشيث وإدريس جد نوح، وقيل: هو أوّل من خطَّ بالقلم، وخاط الثّياب (لبس المخيط)، وأنزلت عليه ثلاثون صحيفة.
﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾: إنّه: للتوكيد.
﴿كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾: اتصف بصفتين: النّبوة، وكونه من الصّدِّيقين، كما وصف الله تعالى إبراهيم ﵇. ارجع إلى الآية (٤١) من السّورة نفسها.
سورة مريم [١٩: ٥٧]
﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾:
المكان العليّ فسر بالنّبوة، والمنزلة الرّفيعة العالية؛ أي: الدّرجة العالية عند ربه سواء بالقرب من الله، أو في درجات الجنة، وفسر المكان العليّ بالسّماء الرّابعة، فقد روي في الصّحيحين أنّ رسول الله ﷺ مرّ به في ليلة الإسراء والمعراج وهو في السّماء الرّابعة.
سورة مريم [١٩: ٥٨]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَاءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد تشير إلى بُعد منزلتهم، وعلوّها.
﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾: بالنّبوة وغيرها من النّعم الدينية (من الدّين)، والدّنيوية.
стр. 3011
﴿مِنَ النَّبِيِّنَ﴾: من جنس النّبيين، أو من: بعضية؛ بعض النّبيين أنعم الله عليهم؛ لأنّ جميع الأنبياء أنعم الله عليهم، وشرفهم في الدّنيا والآخرة.
﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾: مثل: شيث، وإدريس، ونوح.
﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: من: ابتدائية، بعضية. "وممن حملنا مع نوح"؛ أي: الّذين آمنوا معه وذريته.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَاءِيلَ﴾: إسرائيل: وهو يعقوب ﵇، ومن ذريته: يوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى ابن مريم.
﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾: من: البعضية؛ بعض الّذين هديناهم: أرشدناهم إلى عبادتنا، وإلى ديننا.
﴿وَاجْتَبَيْنَا﴾: أي: اصطفيناهم للنبوة، وحمل الرّسالة، والتّبليغ.
﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية، وبمعنى حين، وشرطية.
﴿تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾: تتلى: تقرأ عليهم من الكتب المنزلة، أو الصّحف.
﴿آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾: أو يسمعوا آيات الرّحمن تتلى عليهم.
﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾: خروا: اشتقت من: خرير الماء الّذي يشير إلى هبوطه، ونزوله بسرعة؛ أي: يهوون على الأرض خارّين لله سبحانه ساجدين بسرعة.
﴿سُجَّدًا﴾: جمع: ساجد. وسجداً: تدل على السجود الظاهر، وأما السجود: فهو يتناول السجود الظاهر والباطن؛ (أي: الخشوع)، أو طهارة الباطن.
﴿وَبُكِيًّا﴾: باكين من خشية الله، أو مما حصل منهم من تقصير في جنب
стр. 3012
الله؛ بكياً: جمع باك: اسم فاعل من: بكى. ارجع إلى سورة الإسراء، الآية (١٠٩)؛ لمزيد من البيان.
سورة مريم [١٩: ٥٩]
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾:
﴿فَخَلَفَ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة.
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: بعد ذرية إبراهيم، وإسرائيل، وممن هدينا واجتبينا.
خَلْفٌ: بسكون اللام؛ تعني: قوم أشرار. أمّا لو قال: خَلَف، بفتح اللام؛ تعني: قوم أخيار. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٦٩)؛ لمزيد من البيان.
خَلْف: جمع خالف، أو خَلْف مصدر يشمل المفرد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث.
﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾: تركوا الصّلاة، ونسوها، وسهوا عنها قصداً.
﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾: جمع شهوة: توقان النفس إلى ما يلذ ويسر بدون إرادة العبد، وتعني: الشهوات المحرمة واللذات.
﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: للتوكيد، وسوف: تفيد المستقبل البعيد.
﴿يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾: الغيّ: الخيبة والقبيح، وقيل العذاب، والهلاك، والخسران، وكلمة الغيّ تطلق على كلّ ذلك، وجاءت فسوف يلقون بصيغة المضارع للدلالة على تجدد لقاءهم الغي، وفي هذا تهديد ووعيد.
سورة مريم [١٩: ٦٠]
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
стр. 3013
﴿مَنْ تَابَ﴾: من التّوبة، وتعني: الكفّ عن ارتكاب المعصية، أو المعاصي، والنّدم على ما فعله، والإكثار من الأعمال الصّالحة، والنّوافل، وإعادة الحقوق إلى أصحابها.
﴿وَآمَنَ﴾: بالله، وما أنزل الله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ووحدانية الألوهية، والرّبوبية، والأسماء، والصّفات.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: أدى الفرائض، وترك المحارم، وقام بالنّوافل، وأخلص عمله لوجه الله.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد، أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد، يشير إلى علو منزلتهم.
﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾: بعد أن يتوب الله سبحانه عليهم، ويغفر لهم ذنوبهم، أو يعاقبهم عليها في النّار، وبعدها يخرجون منها، ويدخلون الجنة، ودخول الجنة يكون برحمة من الله وفضله.
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾: أصل الظلم نقصان الحق والجور؛ فهم لن يظلموا بنقص حسنة، أو زيادة سيئة، ويعاملون بالعدل.
﴿شَيْئًا﴾: نكرة تشمل كلّ شيء، والشّيء هو أقل القليل.
سورة مريم [١٩: ٦١]
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾:
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: وعدن: تعني: الإقامة الدّائمة الأبدية؛ أي: بعكس جنات الدّنيا الزّائلة الفانية.
﴿الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾: وعد الرّحمن: الوعد المطلق في القرآن
стр. 3014
يحمل معنى الخير والشّيء السّار، وقال: وعد الرّحمن، بدلاً من وعد الله؛ ليخبرهم أنّ دخولهم الجنة هي من رحمته بهم؛ فهو الرّحمن الرّحيم.
﴿عِبَادَهُ﴾: المؤمنين.
﴿بِالْغَيْبِ﴾: وعدهم إياها وهم لم يروها.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾: واقعاً لا شك فيه، ولا محالة، والوعد: هو جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بها بالغيب، وعد فيه التكريم والتشريف؛ لأنه من الغني الكريم.
﴿مَأْتِيًّا﴾: أي: آتياً، ومأتياً: اسم مفعول من فعل: أتى، ورغم أنّه سيأتي في المستقبل، جاء بصيغة الماضي الّتي تدل كأنه حدث، وكلّ الأزمنة عند الله سواء كانت في الماضي، والحاضر، أو المستقبل تمثّل زمناً واحداً، ومأتيّاً: مشتقة من: أتى، وأتى تحمل معنى السّهولة في المجيء؛ أي: آتٍ بسهولة، والمأتي يعني كذلك: الذي يأتيه الناس فهو شبه الوعد بمكان يأتيه الطائعون كي يحصلوا عليه.
سورة مريم [١٩: ٦٢]
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾:
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾: لا: النّافية.
﴿يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾: في الجنة، أو في جنات عدن.
﴿لَغْوًا﴾: كلاماً باطلاً، أو قبيحاً، أو فحشاً، أو تافهاً، أو لا نفع فيه.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
стр. 3015
﴿سَلَامًا﴾: تحية من عند ربهم، أو من الملائكة، أو من أهل الجنة، كقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾، وسلام: جاءت بصيغة النّكرة؛ لتشمل معنى التّحية، ومعنى السّلامة من الآفات، والعيوب، وكذلك تحمل معنى الأمن والطّمأنينة.
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا﴾: لهم: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿رِزْقُهُمْ فِيهَا﴾: رزقهم: يضم الطّعام، والشّراب، والملبس، وكلّ ما يحتاجونه، وما يشتهونه.
﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: وهل في الجنة ليل ونهار؟
الجواب: كلا؛ فـ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وهم في نور دائم، ونعيم دائم لا ينفد، ولا ينقطع، ولا يرتبط بوقت، فبكرة وعشياً تعني: على الدّوام، ولا يقصد بها هذين الوقتين فقط، واستعمل: بكرة وعشياً؛ لأنّه سبحانه يخاطب عباده بما ألفوه في الدّنيا من غداء، وعشاء، ويعرفون زمن البكرة، والعشية من تغير أنوار الجنة، أو إغلاق الأبواب، وإرخاء الحجب، أو السّتائر، ويعرفون النّهار برفع الحجب، وفتح الأبواب، والله أعلم.
سورة مريم [١٩: ٦٣]
﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾:
﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد.
﴿الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾: نورث: نعطي، وقيل: لكلّ متَّقٍ منزل في الجنة، ومنزل في النّار، ولكلّ فاجر منزل في الجنة، ومنزل في النّار؛ فإذا ذهب المتقي إلى منزله في الجنة، ترك منزله في النّار خالياً؛ فيرثه الفاجر، وإذا ذهب الفاجر إلى النّار، ترك منزله في الجنة خالياً؛ فيرثه المتقي؛ نورثها: لا تعني نهبها من عبادنا؛
следующие страницы →