Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
﴿مِنَ النَّبِيِّنَ﴾: من جنس النّبيين، أو من: بعضية؛ بعض النّبيين أنعم الله عليهم؛ لأنّ جميع الأنبياء أنعم الله عليهم، وشرفهم في الدّنيا والآخرة.
﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾: مثل: شيث، وإدريس، ونوح.
﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: من: ابتدائية، بعضية. "وممن حملنا مع نوح"؛ أي: الّذين آمنوا معه وذريته.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَاءِيلَ﴾: إسرائيل: وهو يعقوب ﵇، ومن ذريته: يوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى ابن مريم.
﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾: من: البعضية؛ بعض الّذين هديناهم: أرشدناهم إلى عبادتنا، وإلى ديننا.
﴿وَاجْتَبَيْنَا﴾: أي: اصطفيناهم للنبوة، وحمل الرّسالة، والتّبليغ.
﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية، وبمعنى حين، وشرطية.
﴿تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾: تتلى: تقرأ عليهم من الكتب المنزلة، أو الصّحف.
﴿آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾: أو يسمعوا آيات الرّحمن تتلى عليهم.
﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾: خروا: اشتقت من: خرير الماء الّذي يشير إلى هبوطه، ونزوله بسرعة؛ أي: يهوون على الأرض خارّين لله سبحانه ساجدين بسرعة.
﴿سُجَّدًا﴾: جمع: ساجد. وسجداً: تدل على السجود الظاهر، وأما السجود: فهو يتناول السجود الظاهر والباطن؛ (أي: الخشوع)، أو طهارة الباطن.
﴿وَبُكِيًّا﴾: باكين من خشية الله، أو مما حصل منهم من تقصير في جنب
стр. 3012
الله؛ بكياً: جمع باك: اسم فاعل من: بكى. ارجع إلى سورة الإسراء، الآية (١٠٩)؛ لمزيد من البيان.
سورة مريم [١٩: ٥٩]
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾:
﴿فَخَلَفَ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة.
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: بعد ذرية إبراهيم، وإسرائيل، وممن هدينا واجتبينا.
خَلْفٌ: بسكون اللام؛ تعني: قوم أشرار. أمّا لو قال: خَلَف، بفتح اللام؛ تعني: قوم أخيار. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٦٩)؛ لمزيد من البيان.
خَلْف: جمع خالف، أو خَلْف مصدر يشمل المفرد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث.
﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾: تركوا الصّلاة، ونسوها، وسهوا عنها قصداً.
﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾: جمع شهوة: توقان النفس إلى ما يلذ ويسر بدون إرادة العبد، وتعني: الشهوات المحرمة واللذات.
﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: للتوكيد، وسوف: تفيد المستقبل البعيد.
﴿يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾: الغيّ: الخيبة والقبيح، وقيل العذاب، والهلاك، والخسران، وكلمة الغيّ تطلق على كلّ ذلك، وجاءت فسوف يلقون بصيغة المضارع للدلالة على تجدد لقاءهم الغي، وفي هذا تهديد ووعيد.
سورة مريم [١٩: ٦٠]
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
стр. 3013
﴿مَنْ تَابَ﴾: من التّوبة، وتعني: الكفّ عن ارتكاب المعصية، أو المعاصي، والنّدم على ما فعله، والإكثار من الأعمال الصّالحة، والنّوافل، وإعادة الحقوق إلى أصحابها.
﴿وَآمَنَ﴾: بالله، وما أنزل الله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ووحدانية الألوهية، والرّبوبية، والأسماء، والصّفات.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: أدى الفرائض، وترك المحارم، وقام بالنّوافل، وأخلص عمله لوجه الله.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد، أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد، يشير إلى علو منزلتهم.
﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾: بعد أن يتوب الله سبحانه عليهم، ويغفر لهم ذنوبهم، أو يعاقبهم عليها في النّار، وبعدها يخرجون منها، ويدخلون الجنة، ودخول الجنة يكون برحمة من الله وفضله.
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾: أصل الظلم نقصان الحق والجور؛ فهم لن يظلموا بنقص حسنة، أو زيادة سيئة، ويعاملون بالعدل.
﴿شَيْئًا﴾: نكرة تشمل كلّ شيء، والشّيء هو أقل القليل.
سورة مريم [١٩: ٦١]
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾:
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: وعدن: تعني: الإقامة الدّائمة الأبدية؛ أي: بعكس جنات الدّنيا الزّائلة الفانية.
﴿الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾: وعد الرّحمن: الوعد المطلق في القرآن
стр. 3014
يحمل معنى الخير والشّيء السّار، وقال: وعد الرّحمن، بدلاً من وعد الله؛ ليخبرهم أنّ دخولهم الجنة هي من رحمته بهم؛ فهو الرّحمن الرّحيم.
﴿عِبَادَهُ﴾: المؤمنين.
﴿بِالْغَيْبِ﴾: وعدهم إياها وهم لم يروها.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾: واقعاً لا شك فيه، ولا محالة، والوعد: هو جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بها بالغيب، وعد فيه التكريم والتشريف؛ لأنه من الغني الكريم.
﴿مَأْتِيًّا﴾: أي: آتياً، ومأتياً: اسم مفعول من فعل: أتى، ورغم أنّه سيأتي في المستقبل، جاء بصيغة الماضي الّتي تدل كأنه حدث، وكلّ الأزمنة عند الله سواء كانت في الماضي، والحاضر، أو المستقبل تمثّل زمناً واحداً، ومأتيّاً: مشتقة من: أتى، وأتى تحمل معنى السّهولة في المجيء؛ أي: آتٍ بسهولة، والمأتي يعني كذلك: الذي يأتيه الناس فهو شبه الوعد بمكان يأتيه الطائعون كي يحصلوا عليه.
سورة مريم [١٩: ٦٢]
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾:
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾: لا: النّافية.
﴿يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾: في الجنة، أو في جنات عدن.
﴿لَغْوًا﴾: كلاماً باطلاً، أو قبيحاً، أو فحشاً، أو تافهاً، أو لا نفع فيه.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
стр. 3015
﴿سَلَامًا﴾: تحية من عند ربهم، أو من الملائكة، أو من أهل الجنة، كقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾، وسلام: جاءت بصيغة النّكرة؛ لتشمل معنى التّحية، ومعنى السّلامة من الآفات، والعيوب، وكذلك تحمل معنى الأمن والطّمأنينة.
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا﴾: لهم: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿رِزْقُهُمْ فِيهَا﴾: رزقهم: يضم الطّعام، والشّراب، والملبس، وكلّ ما يحتاجونه، وما يشتهونه.
﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: وهل في الجنة ليل ونهار؟
الجواب: كلا؛ فـ: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وهم في نور دائم، ونعيم دائم لا ينفد، ولا ينقطع، ولا يرتبط بوقت، فبكرة وعشياً تعني: على الدّوام، ولا يقصد بها هذين الوقتين فقط، واستعمل: بكرة وعشياً؛ لأنّه سبحانه يخاطب عباده بما ألفوه في الدّنيا من غداء، وعشاء، ويعرفون زمن البكرة، والعشية من تغير أنوار الجنة، أو إغلاق الأبواب، وإرخاء الحجب، أو السّتائر، ويعرفون النّهار برفع الحجب، وفتح الأبواب، والله أعلم.
سورة مريم [١٩: ٦٣]
﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾:
﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد.
﴿الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾: نورث: نعطي، وقيل: لكلّ متَّقٍ منزل في الجنة، ومنزل في النّار، ولكلّ فاجر منزل في الجنة، ومنزل في النّار؛ فإذا ذهب المتقي إلى منزله في الجنة، ترك منزله في النّار خالياً؛ فيرثه الفاجر، وإذا ذهب الفاجر إلى النّار، ترك منزله في الجنة خالياً؛ فيرثه المتقي؛ نورثها: لا تعني نهبها من عبادنا؛
стр. 3016
لأن الهبة عطاء بلا عمل، وبلا سبب، أما الإرث فهو شيء مستحق بسبب القرابة لترث مال القريب، والقرابة (لتكون قريباً من الله تعالى لا بد من السعي والعمل الصالح والإيمان)؛ أي: يرثها بسبب وحق وليس وهبة.
﴿مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾: من: ابتدائية؛ في الدّنيا كان مطيعاً لأوامر الله، ومتجنباً نواهيه.
سورة مريم [١٩: ٦٤]
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾:
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾: وما: الواو: استئنافية؛ ما: النّافية.
﴿نَتَنَزَّلُ﴾: تعود على جبريل ﵇، وجاءت بصيغة التّعظيم.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾: بإذنه، ومشيئته.
قيل في سبب نزول هذه الآية كما ورد في أسباب النزول للواحدي، وقاله عكرمة وقتادة والضحاك، وروى البخاري: أن النبي ﷺ قال لجبريل ﵇: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا» فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾: إنّ رسول الله ﷺ استبطأ نزول الوحي (جبريل ﵇) بعد أن سأله كفار مكة عن أهل الكهف، وذي القرنين، والرّوح، وأصبح في حرج؛ لعدم نزول جبريل بالجواب على تلك الأسئلة، وتأخر ـ كما قيل ـ خمسة عشر يوماً، فلما نزل عليه جبريل سأله ﵇: لقد أبطأت عنا يا جبريل. قال جبريل: وأنا أشوق إليك، وما نتنزل إلا بأمر ربك.
стр. 3017
﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾: أي: يعلم كلّ ما هو قادم؛ أي: ما بقي من أمر الدّنيا والآخرة، أو: إليه يرجع كلّ أمر للقضاء، أو الإذن فيه، سواء أكان في الحاضر، أو الماضي، أو ما تقدم، وما تأخر، أو ما في الماضي، والمستقبل، وما بين ذلك؛ أي: الحاضر، والحال.
﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: أي: ويعلم كلّ ما مضى من أمر الدّنيا، وقبل أن نُخلق.
﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾: من حياة البرزخ، وما بين النّفختين، يعلم كلّ سؤال ودعاء، وهو بكلّ شيء عليم. أو ما سأله أهل مكة عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والرّوح، والحاضر، والمستقبل، والحال.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾: أي: ما: النّافية لكلّ الأزمان. كان ناسياً أن يُنزل عليك الوحي مباشرة، أو نسياً: هاجرك، وتاركك، وحاشا لله أنّ ينسى كما ينسى خلقه، أو يغفل، أو تأخذه سنة، أو نوم، وتأخر نزول الوحي عليك ليس سببه النّسيان، أو التّرك، والهجر، وإنما لحكمة يعلمها سبحانه وحده، وقد تكون كما بيناها في الآيتين (٢٣ - ٢٤) من سورة الكهف.
стр. 3018
سورة مريم [١٩: ٦٥]
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: أي: كيف ينسى، وهو رب السّموات والأرض، وما بينهما؟! أو: ما كان ربك نسياً؛ لأنّه رب السّموات، والأرض وما بينهما.
﴿فَاعْبُدْهُ﴾: الفاء: للتوكيد؛ فاعبده وحده بأداء الفرائض، والسّنن، والعبادات من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج (عبادات الجوارح)، والعبادات القلبية، والعبادة لا تكون إلا مع المعرفة بالمعبود، ويجب أن تكون خالصة بدون شرك، أو رياء، والخطاب إلى رسول الله ﷺ ، وبالتّالي إلى أمته.
﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾: اصطبر؛ أي: داوم على الصّبر (على أمره ونهيه)؛ أي: مبالغة في الصبر؛ لأن النفس تغلبها الشهوة، وتتقاعس أحياناً عن داوم على عبادته. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٢٠٠)، والبقرة آية (١٥٣) لمزيد من البيان في الصبر وأنواعه.
﴿لِعِبَادَتِهِ﴾: اللام: لام الاختصاص، ويعني: الثّبات على عبادته. ارجع إلى سورة النّحل، آية (٧٣)؛ لمزيد من البيان في معنى العبادة.
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: هل: استفهام فيه معنى النّفي، والاستبعاد، والإنكار.
стр. 3019
﴿سَمِيًّا﴾: نظيراً مثيلاً في أسمائه، أو: هل تعلم من هو أهلٌ للعبادة سواه؟ "هل" الّتي هي أقوى وأشد في الاستفهام من الهمزة، كما لو قال: أتعلم له سمياً؟
سورة مريم [١٩: ٦٦]
﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾:
﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ﴾: ولم يقل: وقال الإنسان بصيغة الماضي، وانتهى الأمر، "يقول" جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على التّجدد والتّكرار، وأنّه لا يزال يقول ذلك.
﴿الْإِنسَانُ﴾: يمثل الجنس، والإنسان هنا هو المنكر للبعث، أو الخروج من القبر حياً مرة أخرى، أو الّذي لا يؤمن بالآخرة، والحساب، والجزاء.
﴿أَإِذَا مَا أَإِذَا مِتُّ مَا﴾: أإذا: الهمزة همزة استفهام إنكاري، واستبعاد.
﴿مَا﴾: للتوكيد.
﴿مِتُّ﴾: مِت: بكسر الميم؛ أي: موت طبيعي عادي، ولو ضم الميم لكان يعني موت الشّهادة في سبيل الله. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٥٧ - ١٥٨) للبيان.
﴿لَسَوْفَ﴾: اللام: للتوكيد؛ توكيد النّفي؛ سوف: للبعد، والتراخي الزّمني، واستبعاد حدوث الخروج؛ أي: البعث.
﴿أُخْرَجُ حَيًّا﴾: أخرج من القبر؛ أي: أبعث حياً بعد الموت، والفناء.
سورة مريم [١٩: ٦٧]
﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾:
﴿أَوَلَا﴾: الهمزة: همزة استفهام، وتعجب.
стр. 3020
﴿يَذْكُرُ الْإِنسَانُ﴾: لماذا لا يذكر هذا الإنسان المنكر للبعث؟
﴿أَنَّا﴾: للتعظيم.
﴿خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾: لا يذكر النّشأة الأوّلى، فتلك أعجب وأبلغ على قدرة الخالق؛ لأنّ إعادة الخلق أهون عادة من بدء الخلق، وذلك إذا استعمل موازينه العقلية؛ أمّا في ميزان الله سبحانه فليس عنده شيء هين، وشيء صعب؛ فالكلّ متساوٍ، ولمجرد أن يشاء يكون الخلق قد وجد، وقبل أن يقول: كن فيكون.
﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾: الشّيء: هو أقل القليل، وشيئاً: نكرة تعني: لم يكن إلا العدم.
﴿يَكُ﴾: تدل على العدم، أو من تراب، أو نطفة. لم يك شيئاً: ذا أهمية حتّى يُذكر، وصغر الكلمة تدل على صغر الشّيء، ولم يقل: يكن.
ولنقارن هذه الآية (٦٧) من سورة مريم مع الآية (١) من سورة الإنسان: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾.
في سورة مريم قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾، وفي سورة الإنسان: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا﴾ مذكوراً أضاف النّون، وبناءً على القاعدة اللغوية: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى؛ أي: زيادة في التّوكيد.
ففي سورة الإنسان: الآية جاءت بصيغة الاستفهام التّقريري بدلاً من الإخبار بالنّشأة الأولى؛ أي: خلق الإنسان، وفي سورة مريم: الآية جاءت في سياق الرّد على منكري البعث، وإعادة الخلق، وهم لا ينكرون الخلق الأوّل، أو النّشأة الأولى، فجاء الرّد بـ: (يك) بدلاً من (يكن) أقل توكيداً.
стр. 3021
سورة مريم [١٩: ٦٨]
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾:
﴿فَوَرَبِّكَ﴾: الفاء: للتوكيد توكيد الخبر وهو لنحشرنهم، وربك: الواو: واو القسم؛ يقسم الرّب ﵎ باسمه مضافاً إلى رسول الله ﷺ المخاطب تعظيماً لشأن رسول الله ﷺ .
﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾: اللام: للتوكيد، وكذلك النّون لزيادة التّوكيد؛ نحشرنهم: الفاعل نحن للتعظيم، نحشرنهم؛ أي: هؤلاء الكفرة، أو المكذبين للبعث يوم القيامة في أرض المحشر، والحشر: هو السوق والجمع.
﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾: أي: هم والشّياطين، والواو: تعني مع شياطينهم الّذين أضلوهم، وكانوا أولياءهم.
﴿ثُمَّ﴾: لمجرد التّرتيب العددي؛ أي: أوّلاً ثانياً ثالثاً … وهكذا.
أو تباين بين مقام الحشر الّذي لا يقارن بمقام الجثيِّ حول جهنم.
﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾: لنحضرنهم: اللام، والنّون: للتوكيد، ثمّ يساقون من أرض المحشر ويجيء بهم ويؤمرون بالجثيِّ على الرّكب حول جهنم قبل دخولها.
﴿جِثِيًّا﴾: جمع جاث، اسم فاعل من: جثا يجثو؛ أي: قعد على رُكبتيه؛ دلالة على المهانة، والتّنكيل، ثمّ يلي ذلك مشهد النّزع لمن كانوا أشد عتواً وتجبراً.
سورة مريم [١٩: ٦٩]
﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب العددي الأوّل، ثمّ الثّاني، ثمّ الثّالث.
стр. 3022
﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾: لننزعن: اللام، والنّون: للتوكيد؛ ننزعن: من النّزع: وهو خلع الشّيء بشدة، ولا يقال: نزع إلا إذا كان المنزوع متماسكاً مع المنزوع منه؛ أي: نخرج من كلّ شيعة أشر القوم.
﴿شِيعَةٍ﴾: طائفة تشايعت على الكفر، أو اجتمعوا على مذهب واحد، أو عقيدة واحدة.
﴿أَيُّهُمْ﴾: قد تكون اسم موصول، أو اسم استفهام.
﴿أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾: عتياً: من يعتو؛ أي: أشدهم كفراً وطغياناً وفساداً في الأرض، واختار اسم الرحمن ولم يصرح بلفظ الجلالة الله أو العزيز أو الجبار، واختار الرحمن فقال: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ليحذرهم بأن لا يغرهم وصفه بالرحمن، وكذلك للمبالغة وتفظيع عتوهم فهم يعتون الرحمن (شديد الرحمة بالخلق والإحسان إليهم). ارجع إلى سورة الفرقان آية (٢٦) لمزيد من البيان في معنى الرحمن.
سورة مريم [١٩: ٧٠]
﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للتدرج في المعرفة، أو الترتيب الذكري.
﴿لَنَحْنُ﴾: اللام للتوكيد، نحن للتعظيم.
﴿أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ﴾: هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد؛ أعلم: أدرى بذواتهم؛ بالذين: الباء: للإلصاق؛ الذين: اسم موصول يفيد الذم.
﴿أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾: أولى، أحق (الذي هو الأشد كفراً)؛ للدخول فيها والاحتراق بنارها.
стр. 3023
﴿صِلِيًّا﴾: مصدر من فعل صلى، اللحم: شواه وألقاه في النّار وقاسى حرها، وأصلاه النّار: أدخله فيها.
سورة مريم [١٩: ٧١]
﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾:
﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾: وإن: حرف النّفي؛ أي: وما منكم إلا واردها.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ أي: كلّ واحد منكم، خطاب لجميع الخلق الإنس والجن، الورود يشمل الكلّ المؤمنين، والكفرة، والأتقياء، والأشقياء. الكلّ واردها: مشتقة من أن تذهب إلى منبع الماء، أو مصدر السّقيا، وبعد ذلك سواء شربت منه، أم لم تشرب؛ أي: الوصول إلى جهنم ورؤيتها، ولا يعني: بالضّرورة الدّخول فيها؛ فالمؤمنون: ورودهم إياها يعني مرورهم على الصّراط المضروب على متن جهنم، ورؤيتهم لها. وأمّا الكفار: ورودهم يعني الدّخول فيها.
﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾: كان على ربك: وعداً على ربك.
﴿حَتْمًا﴾: الحتم: هو الشّيء الواقع لا محالة، والحتم يكون بيد من له الأمر والحكم، وهو الله وحده.
﴿مَّقْضِيًّا﴾: أي: حكم لا رجعة فيه، ولا تبديل، ولا تحويل، ولا أحد يستطيع أنّ يعترضه، أو يعدله.
سورة مريم [١٩: ٧٢]
﴿ثُمَّ نُنَجِّى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب العددي. ارجع إلى الآية (٦٩) من نفس السورة.
﴿نُنَجِّى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: بعد ورودهم إياها؛ أي: مرورهم على الصّراط
стр. 3024
المضروب على متن جهنم؛ ننجي الّذين اتقوا: أطاعوا أوامر الله وتجنبوا معاصيه، وأخلصوا دينهم لله.
﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾: المشركين الكفار.
﴿فِيهَا جِثِيًّا﴾: في جهنم جثياً؛ لأنّه حين قال: وإن منكم إلا واردها، فالورود بالنّسبة للكفرة والظّالمين. قيل: الدّخول في جهنم، وبعد دخولهم نتركهم فيها لا يخرجون منها، ويؤمرون بالجثيِّ على ركبهم.
سورة مريم [١٩: ٧٣]
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني للماضي؛ بمعنى: حين، وتعني: حتمية الحدوث.
﴿تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾: التّلاوة: القراءة من القرآن. تتلى عليهم؛ أي: على الّذين كفروا آيات الوعيد، أو الإنذار.
﴿آيَاتُنَا﴾: آيات القرآن الحكيم.
﴿بَيِّنَاتٍ﴾: واضحات المعاني لا تحتاج إلى بيان.
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: الفقراء المؤمنين في الحياة الدّنيا.
﴿أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾: أي: استفهام فيه معنى التّعجب.
﴿الْفَرِيقَيْنِ﴾: (المؤمنين والكافرين)؛ أي: حين يسمعون آيات الوعيد لا يجدون ملجأ، أو حُجة؛ إلا الافتخار بما هم فيه من نعيم الدّنيا، ورفاهية العيش، ويسألون فقراء المؤمنين: أيُّنا
стр. 3025
﴿خَيْرٌ مَّقَامًا﴾: أفضل مقاماً بفتح الميم مع التّشديد؛ يعني: منازلاً، وأثاثاً ومتاعاً. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٥) لبيان معنى المقام.
﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾: أي: مجلساً؛ مثل: دار النّدوة، والنّادي: المكان الّذي يجتمع به عظماء القوم للحديث، والتّشاور، والافتخار، وقولهم ذلك لفتنة الّذين آمنوا، وظنهم أنّهم أحسن حظاً في الدّنيا؛ فهم كذلك أحسن حظاً، ونصيباً في الآخرة.
سورة مريم [١٩: ٧٤]
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِءْيًا﴾:
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾: الواو: استئنافية؛ كم: الخبرية، وتدل على الكثرة؛ أي: وأهلكنا قبلهم القرون الكثيرة.
﴿قَبْلَهُم﴾: ولم يقل من قبلهم؛ أي: تشمل الزّمن القريب، أو البعيد الغير محدد.
﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: من: ابتدائية، والقرن: هم الجماعة يعيشون في زمن معين، والقرن يقدر بمائة عام.
﴿هُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾: الأثاث: المتاع؛ من فُرش، وستائر، ومقاعد للجلوس، وأدوات.
﴿وَرِءْيًا﴾: مشتقة من الرّؤية؛ أي: منظراً، وهيئة، وزينة، أو مشتقة من الرّي: الّذي هو النّعمة والتّرف؛ أي: لا ينبغي أنّ يغرهم ما هم فيه من الأثاث، والمتاع الزّائل.
стр. 3026
سورة مريم [١٩: ٧٥]
﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِى الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾:
﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِى الضَّلَالَةِ﴾: من: شرطية. قل لهم يا محمّد: هذا النّعيم الّذي أنتم فيه، والأثاث والرؤيا قد يكون استدراجاً لكم؛ لتزدادوا إثماً، وهذه سنة الله في عباده، وهي أنّ من كان في ضلالة الشّرك، والمعاصي؛ فإنّ الله يمد له مداً؛ أي: يمهله، ويملي له، ويتركه في ضلالة، ويدعه في طغيانه؛ ليزداد إثماً حتّى ينقضي أجله.
﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾: فليمدد: الفاء: رابطة لجواب الشّرط، واللام: للتوكيد.
﴿حَتَّى﴾: حرف لنهاية الغاية.
﴿إِذَا﴾: ظرف زماني للمستقبل.
﴿رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾: أي: يمدد له الرّحمن مداً؛ حتّى إذا انتهى هذا الإمداد علم، أو رأى أنّ "ما" بمعنى: الذي، وعد به الله هو الحق، وعلى خلاف ما كان يظن.
﴿إِمَّا الْعَذَابَ﴾: حرف جواب، وتفصيل؛ في الدّنيا بالقتل، والأسر، والفقر، والضّيق، والجوع، وعدم الأمن.
﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾: أي: لحظة تهدُّم النّظام الكوني الحالي، أو ساعة الاحتضار، أو القيامة الصغرى.
стр. 3027
﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾: الفاء: للتوكيد؛ سيعلمون: السّين: للاستقبال القريب؛ أي: ليسوا هم بعيدين عما يوعدون به من العذاب، أو السّاعة، أو القيامة الصغرى.
﴿مَنْ هُوَ﴾: من: قيل: هي استفهامية، وقيل: اسم موصول؛ بمعنى: الذي؛ أيُّ الفريقين.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿شَرٌّ مَّكَانًا﴾: شرٌّ: منزلةً الجنة، أم جهنم.
﴿وَأَضْعَفُ جُندًا﴾: أقل أنصاراً، أو أعواناً للكفرة وهم وجندهم، وشياطينهم، وفي هذا تهديد ووعيد لهم، وأما المؤمنون وجندهم الملائكة. جنداً: الجند: اسم جنس جمع جندي، فالجندي واحد، وجمعه: جُند، وجمعه: أجناد، أو جنود، وهناك فرق بين الجند والجنود؛ الجند: من جنس واحد، وتجمعهم أهداف واحدة، أما الجنود: فهم من أجناس مختلفة، وأهدافهم مختلفة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣].
سورة مريم [١٩: ٧٦]
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾:
ارجع إلى سورة الكهف، الآية (٤٦).
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾: ويزيد معطوف على: فليمدد؛ أي: من كان في الضّلالة؛ فليمدد له الرّحمن مداً؛ أي: يزيده في ضلاله، ومن كان يسير في
стр. 3028
طريق الهداية، والإيمان يزيده الله إيماناً وتوفيقاً، كما مد لمن كان في الضّلالة مداً؛ فهذه مقابلة بين الفريقين.
﴿هُدًى﴾: جاءت نكرة تعني: كلّ أنواع الهداية.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: سميت الباقيات؛ لأنّ ثوابها باق، وغير زائل مقارنة بالحياة الدّنيا، ومتاعها، وزينتها، والباقيات قيل: هي الصّلوات الخمس، والصّيام، والصّدقات، والزّكاة، والحج، والجهاد، وذكر الله، والصّبر. وقيل: هي ذكر الله (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، وتشمل الصدقة الجارية، والولد الصالح، والسنة الحسنة.
﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾: من المال، والبنين، ومتاع الحياة الدّنيا خير جزاء.
﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾: مرداً: عاقبة؛ أي: مرجعاً، أو منفعة من أعمال الكفار الّتي تذهب هباءً منبثاً، خيرٌ مرداً؛ أي: مردوداً على صاحبها من التّكريم، والجنة، والثواب، وتكرار "خيرٌ" للتوكيد.
стр. 3029
سورة مريم [١٩: ٧٧]
﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾:
سبب النّزول: كما جاء في صحيح البخاري ومسلم، نزلت في العاص بن وائل فقد قال الخباب بن الأرت: كان لي دينٌ على العاص بن وائل، فذهبت لأقبضه؛ فقال العاص: لن أعطيك دينك حتّى تكفر بمحمّد. قلت: لا والله لا أكفر بمحمّد حياً، ولا ميتاً، ولا حين تبعث، فقال العاص مستهزأ بما قاله الخباب: أسأبعث؟ قلت: نعم، قال: إذن حين أبعث سيكون لي مال وولد فأعطيك دينك. والعبرة بعموم اللفظ وليس خصوص السّبب.
﴿أَفَرَءَيْتَ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري والتعجب، والفاء: للتوكيد. أرأيت: رؤية قلبية وليست بصرية، وتعني: أخبرني، أو ألم تر أو علمت بقصة الّذي كذب بآياتنا؟
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول، ولم يذكر اسمه؛ لعدم أهمية ذكره «وهو العاص ابن وائل».
﴿كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾: جحد، وكذب بآيات القرآن «آيات البعث»، وقال: كما ذكرنا سابقاً للخباب بن الأرت.
﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾: لأوتين: اللام: للتوكيد، والنّون: لزيادة التّوكيد؛ أي: لأُعطين المال والولد إذا كان هناك بعث بعد الموت، وأسدد لك دَيْنك.
стр. 3030
سورة مريم [١٩: ٧٨]
﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾:
﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾: الهمزة: همزة استفهام وإنكار؛ أطلع: تدل على المبالغة في الاطلاع والرؤية؛ أي: كيف يدعي هذا الكافر، ويؤكد أنّه سيُعطى المال والولد؟ أطَّلع الغيب؛ أي: أخبر بالغيب وأُطلع عليه. قال ابن عباس: أَنظر في اللوح المحفوظ؟ وقال مجاهد: أعلم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟
﴿أَمِ﴾: للإضراب الانتقالي، والهمزة: للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ.
﴿اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: أي: أعطاه الرّحمن عهداً «وعداً موثقاً» بأن يدخل الجنة، أو ينال ما يريد. اتخذ: على وزن افتعل: فيها معنى الجهد، والتّكلف؛ أي: طلب وأجهد نفسه بالحصول على عهد من الرّحمن بنيل ما يريد.
سورة مريم [١٩: ٧٩]
﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾:
﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر وإنكار لما قاله الوائل بن العاص، أو هو مخطئ لما قاله، أو كلمة نفي وإبطال لما قبلها، لن يشم رائحة المال، أو رائحة الولد.
﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾: لأوتين مالاً وولداً، وسنجازيه على ما قاله، والسّين للاستقبال القريب.
﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾: أصل المد، أو المدد هو: الزّيادة؛ أي: نزيده عذاباً فوق العذاب، أو نطيل له مدة العذاب، مداً للتوكيد، والمد في القرآن يأتي عادة في سياق العذاب، والمدد يأتي في سياق الخير.
стр. 3031
سورة مريم [١٩: ٨٠]
﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾:
﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾: نرث منه المال والولد ويأتينا فرداً، أو نرثه عاقبة قوله والتّألِّي على الله تعالى، نرثه تبِعة قوله.
﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾: كما ولدته أمّه، لا نصير، ولا معين، ولا شفيع، ولا مال، ولا ولد.
سورة مريم [١٩: ٨١]
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾:
بعد الحديث عن منكري البعث والّذي كفر بآياتنا يأتي الحديث عن مشركي مكة عُبَّاد الأصنام، والأوثان الّذين ظنوا أنّها ستكون لهم عزاً.
﴿وَاتَّخَذُوا﴾: أي: وجعلوا، أو صيروا.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله سبحانه.
﴿آلِهَةً﴾: يعبدونها مثل اللات، والعزى، ومناة الثّالثة الأخرى.
﴿لِّيَكُونُوا﴾: اللام: لام التّعليل.
﴿لَهُمْ عِزًّا﴾: من العزة، وهي: القوة، والغلبة، والامتناع؛ أي: ليكونوا لهم منعة، وقوة يوم القيامة، تشفع لهم، أو تقربهم إلى الله زلفى، أو تمنعهم من العذاب.
سورة مريم [١٩: ٨٢]
﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾:
﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر، وإنكار؛ لما اتخذوا، وأنّهم خاطئون، أو جائز أن تكون نافية بمعنى: لا، وقد تكون بمعنى: حقاً سيكفرون بعبادتهم.
﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾: سيكفرون: السّين: للاستقبال القريب؛ أي: قريباً
стр. 3032
سيكفرون بعبادتهم؛ أي: ستنكر هذه الأصنام عبادة الكفار لها، أو تنكر أقوالهم، فالله سبحانه قادر على أنّ ينطقها.
﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾: أي: أعداءً لهم.
﴿ضِدًّا﴾: ستكون الأصنام لهم عكس ما تمنوه من العزة، والقوة، والمنعة؛ أي: ستكون عليهم وبالاً، وتشهد بكفرهم وضلالهم.
سورة مريم [١٩: ٨٣]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: همزة استفهام، وتعجب.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تعلم، أو ألم ينته علمك؟
﴿أَنَّا﴾: النّون: للتعظيم.
﴿أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أرسلناهم لمهمة الابتلاء والاختبار والفتنة؛ كقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢].
﴿عَلَى﴾: للاستعلاء، والمشقة.
﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾: أزَّه: حثَّه، أو هيَّجه؛ أي: تهيجهم على المعاصي، وتغريهم بالوساوس حتّى يقعوا فيها، أزّت القِدر تؤزه أزاً: حتّى يشتد غليانه.
أزّاً: للتوكيد.
سورة مريم [١٩: ٨٤]
﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾:
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النّاهية.
﴿تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾: أي: لا تطلب العجلة بهلاكهم، أو تعذيبهم، أو تعجل
стр. 3033
بالدّعاء عليهم؛ لأنّ الله سبحانه يريد أنّ تطول أعمارهم، وتسوء أعمالهم، وتكثر ذنوبهم.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾: أي: نعد أيامهم، وأنفاسهم، وذنوبهم، فما هي إلا أيامٌ معدودة، وكل ما يُعد ينتهي، وتنتهي أعمارهم، ونأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وفي الآية تهديد ووعيد.
سورة مريم [١٩: ٨٥]
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾:
﴿يَوْمَ﴾: أي: يوم القيامة.
﴿نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾: الحشر: السَّوق والجمع، ويستعمل الحشر في الخير والشر؛ أي: نجمع المتقين ويفدون؛ أي: يؤتى بهم وفداً وفداً إلى الرّحمن.
﴿إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾: قال جمهور العلماء: وفداً؛ أي: ركباناً جماعة جماعة.
سورة مريم [١٩: ٨٦]
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾:
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾: الكافرين والطّاغين والمشركين، والسَّوق فيه معنى الإهانة والمذلة، ويعني: السير أمام الملائكة كما تسير الأنعام أمام رعاتها للزجر والخوف. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لبيان معنى المجرمين.
﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾: ارجع إلى الرعد، آية (١٨)؛ للبيان.
﴿وِرْدًا﴾: عطاشاً. ورداً: جمع وارد.
سورة مريم [١٩: ٨٧]
﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾:
﴿لَا﴾: النّافية.
стр. 3034
﴿يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾: أي: هم لا يشفعون لأحد، ولا أحد يشفع لهم، ولا يشفع بعضهم لبعض.
﴿الشَّفَاعَةَ﴾: ارجع إلى سورة النّساء، آية (٨٥)؛ لبيان معنى الشّفاعة.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع، والمنقطع: هو استثناء الشيء من غير جنسه؛ لأن الذين اتخذوا عند الله عهداً هم الصالحون، والذين لا يملكون الشفاعة هم الكافرون.
﴿مَنِ﴾: ابتدائية للعاقل، اسم موصول؛ بمعنى: الّذي اتخذ عند الرّحمن عهداً: يمكن أن يشفع له، ولكن بشرط أن يؤذن له، ويرضى له قولاً.
"له قولاً"؛ أي: لا إله إلا الله، كما ورد في سورة طه الآية (١٠٩).
﴿اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: أي: الملائكة والأنبياء والشهداء وغيرهم من الصالحين، والعهد قيل: هو لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما قال ابن عباس، والإيمان بها، والقيام بحقها، أو العهد: الإيمان بالله وحده، وما أنزل؛ أي: كتبه، ورسله، والملائكة؛ الإيمان المرفق بالعمل الصّالح بالقول والفعل.
وما ورد في سورة طه (١٠٩) قوله تعالى: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾.
سورة مريم [١٩: ٨٨]
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: أي: النّصارى قالوا: عيسى ابن الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، ومشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله.
﴿اتَّخَذَ﴾: جعل، أو صير.
﴿الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾: الولد يطلق على الذكر أو الأنثى.
стр. 3035
سورة مريم [١٩: ٨٩]
﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾:
﴿لَّقَدْ﴾: اللام: للتوكيد؛ قد: حرف تحقيق.
﴿جِئْتُمْ﴾: قلتم، أو فعلتم، بصيغة المخاطب، ولم يقل: جاؤوا شيئاً إدّاً، كما قال في الآية السّابقة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ بصيغة الغائب، و"جئتم" بصيغة المخاطب، والانتقال من الغائب إلى المخاطب للفت الانتباه إلى بشاعة وخطورة ما يقولون.
﴿شَيْئًا إِدًّا﴾: شيئاً منكراً عظيماً فظيعاً.
الإدّة: الشّدّة، أو الإدّ: النّكر، أو المنكر العظيم، كما قال ابن عباس.
سورة مريم [١٩: ٩٠]
﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾:
﴿تَكَادُ﴾: من أفعال المقاربة. قد تدخل على جملة مثبتة كما في هذه الآية فتدل على عدم وقوعها، وأما إذا دخلت على جملة منفية دلت على وقوعها.
﴿السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾: التّفطر: التّشقق؛ أي: تقارب السّموات أن يتشققن منه؛ الهاء: تعود على القول؛ أي: يتشققن من عظم قولهم: اتخذ الرّحمن ولداً!
﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾: تتصدع وتخسف.
﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾: تسقط، وتهوي، وتنهدم، وتتفتت الجبال؛ إجلالاً للرّب الّذي خلقهن.
سورة مريم [١٩: ٩١]
﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾:
﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿دَعَوْا﴾: قالوا باطلاً، أو نسبوا الولد إلى الرّحمن.
стр. 3036
سورة مريم [١٩: ٩٢]
﴿وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾:
﴿وَمَا﴾: استئنافية، ما: النّافية؛ بغى: طلب.
﴿وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَنِ﴾: وما يليق، أو يصح لجلاله، وكماله الولد؛ لأنّه من المحال؛ لأنّه لم يلد، ولم يولد، فهو سبحانه ينفي عنه انبغاء الولد، فكيف يفترون على الله الكذب، ويقولون: اتخذ الرّحمن ولداً، وهو سبحانه قادر على ذلك إذا شاء، و ﴿لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار﴾ سورة الزّمر، آية (٤)، ولكنّه لا ينبغي؛ لأنّه رب كلّ شيء، وليس بحاجة إلى ولد.
سورة مريم [١٩: ٩٣]
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾:
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ﴾: إن: حرف نفي، كلّ: تفيد توكيد النّفي؛ أي: ما من مخلوق في السّموات والأرض إلا أتي: عائد، أو راجع إلى الرّحمن بما فيهم الملائكة، والنّاس (الإنس والجن).
﴿مَنْ﴾: استغراقية؛ تعني: العاقل.
﴿فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: في: ظرفية.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿آتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾: آتي: قد تعني: في الدّنيا، أو يوم القيامة؛ فإذا كانت في الدّنيا فهي تشير إلى خضوع كلّ عبد إلى ربه طوعاً، أو كرهاً، إلى مشيئة الله، وإرادته، أو قضائه، وقدره، فلا مفر من ذلك. أمّا في يوم القيامة فهذا بيِّن وواضح.
﴿عَبْدًا﴾: خاضعاً ذليلاً منقاداً.
سورة مريم [١٩: ٩٤]
﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾:
﴿لَّقَدْ﴾: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق.
стр. 3037
﴿أَحْصَاهُمْ﴾: الإحصاء: هو العد، والكتابة، والجمع، والطّرح، والنّسبة، والحفظ. أحصاهم: الضّمير يعود إلى كلّ من في السّموات والأرض.
﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾: العد: هو أن تعد الأرقام: ١، ٢، ١٠، ١٠٠، مائة، ألف، مليون، عداً: للتوكيد، فلا يفوته أحد، أو يخفى عليه أحد.
سورة مريم [١٩: ٩٥]
﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾:
﴿وَكُلُّهُمْ﴾: للتوكيد.
﴿آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾: وحده ليس معه أهل، ولا ولد، ولا شفيع، ولا ولي، ولا ناصر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]، واستعمل "آتيه"؛ لأننا لا زلنا في الطّريق، ولم تقم السّاعة بعد، وإذا نظرنا إلى الآية (٩٥)؛ فهي ليست تكراراً للآية (٩٣)، الآية (٩٣): آتي الرّحمن عبداً ذليلاً، والآية (٩٥): آتي الرّحمن فرداً؛ أي: وحيداً.
стр. 3038
سورة مريم [١٩: ٩٦]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: إن: للتوكيد، الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات؛ آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقرنوا ذلك بالعمل الصالح الفرائض والسنن والذكر وغيرها من الأعمال الصالحة.
﴿سَيَجْعَلُ﴾: السّين: هنا تفيد التّوكيد، وزيادة التّوكيد في الدّنيا، وفي الآخرة.
﴿وُدًّا﴾: من المودة الّتي تبدأ بالمحبة، ثمّ لا تقتصر على المحبة، بل محبة يرافقها الإخلاص، والوفاء، وكل مودة محبة، وليس كل محبة تعني مودة، فالمودة أوسع وأشمل؛ لأنّ المحبة تسبق المودة.
وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه عن النّبي ﷺ : أنّه قال: «إنّ الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: يا جبريل، إنّي أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثمّ ينادي في أهل السّماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السّماء، ثمّ يوضع له القبول في الأرض»، وفي رواية: «يوضع له المحبة في أهل الأرض».
سورة مريم [١٩: ٩٧]
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا﴾:
﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء: تعليلية، إنما: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿يَسَّرْنَاهُ﴾: هاء الضّمير تعود على القرآن الكريم، يسرنا قراءته وحفظه،
стр. 3039
وفهمه وتدبره والعمل به كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].
﴿بِلِسَانِكَ﴾: بلغتك العربية.
﴿لِتُبَشِّرَ﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد، وتبشر: من البشارة؛ أي: الإخبار بما يسر؛ أي: بشِّر يا محمّد ﷺ عبادي المتقين بالفوز بالجنة، والنّجاة من النّار، ورضوان من الله أكبر، ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]، و ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢].
﴿الْمُتَّقِينَ﴾: بدلاً من لتبشر به المؤمنين اختار المتقين هو تكريماً وفضلاً من الله تعالى لحثهم على التقوى.
﴿بِهِ﴾: تعود على القرآن.
﴿وَتُنْذِرَ بِهِ﴾: بالقرآن بما فيه من الوعيد؛ والإنذار: هو الإعلام مع التّحذير، والتّخويف، وتكرار (به) للتوكيد، وفصل كلٍّ على حدة.
﴿قَوْمًا لُّدًّا﴾: جمع الألدّ: شديدي الخصومة، والمِراء، والجدال، وهم الكفرة، والمشركون.
انتبه لقوله: "لتبشر به"، ولم يقل: لتنذر به، وإنما قال: "تنذر به"، ولو قال ذلك لتساوت البشرى والإنذار، ولكنه سبحانه أكد على البشرى، ولم يؤكد على الإنذار؛ لعلهم ينيبون إلى ربهم ويبقى لهم باب الأمل مفتوحاً.
سورة مريم [١٩: ٩٨]
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾:
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنْ قَرْنٍ﴾: ارجع إلى الآية (٧٤)؛ للبيان.
стр. 3040
﴿هَلْ﴾: استفهام فيها معنى النّفي، والإنكار، والإجابة عنها تكون بنعم، أو لا، وهي تعني هنا للتعيين أيضاً.
﴿تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ﴾: تحس من الإحساس؛ أي: إذا استعملت أدوات إحساسك، وهي: العين، والأذن، والأنف، واليد، هل ترى منهم من أحد لا يزال حياً، أو السّمع هل تسمع منهم من أحد، أو اللمس باليد، أو الشّم، هل تشم رائحة أحد، منهم: خاصة؟
﴿مِّنْ أَحَدٍ﴾: من: استغراقية تشمل كلّ واحد أهلكناه من أفراد تلك القرون الّذين اندثروا في الأرض، وأصبحوا تراباً وعظاماً.
﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾: الرّكز الصّوت الخفي، أو الصّوت الّذي لا يُفهم أو لا تكاد تسمعه، وقيل: ما لا يفهم من صوت، أو حركة، وأصل الرّكاز: الخفاء، والرّكاز: المال المدفون في الأرض، وركز الرّمح: غرزه في الأرض؛ فبأيّ أداة من أدوات الحس إذا استعملت فلن تجد لهم أثراً على وجه الأرض. فالسؤال: هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً؟ والجواب: لا هذا ولا ذاك.
стр. 3041
سورة طه [٢٠: ١]
سورة طه
ترتيبها في القرآن (٢٠) نزلت بعد سورة مريم، وترتيبها في النّزول (٤٥).
﴿طه﴾:
﴿طه﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة؛ للبيان.
وقيل: طه تعني: يا رجل في لغة العرب، كما قال ابن عبّاس ﵄، والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة، واختلف هؤلاء بأي لغة هي فمنهم بالنبطية، أو بلسان عك، أو السريانية أو الحبشية، أو لغة قريش وافقت هذا في المعنى.
وقيل: طَأ الأرض بقدميك؛ فقد كان رسول الله ﷺ يقوم في تهجده على إحدى رجليه، فأمره الله تعالى بأن يطأ الأرض بقدميه، وتعني: لا تتعب نفسك في الصّلاة حتّى تتورم قدميك، وتعني: المراوحة بين القدمين.
سورة طه [٢٠: ٢]
﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾:
﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾: ما: النّافية، أنزلنا؛ تعني: إنزاله جملة واحدة، أو دفعة واحدة، وأنزلنا: بصيغة الجمع؛ للتّعظيم، والتّفخيم، أو لكون جبريل مشاركاً في عملية الإنزال، وهناك فرق بين أنزلنا، ونزلنا: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٤).
وهناك فرق بين عليك وإليك: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٤)، وبين القرآن
стр. 3042
والكتاب: ارجع إلى الآية (١) من سورة الحجر، وجمع بين الاسمين؛ لأن القراءة والكتابة للتعرف عليه وحفظه من التحريف والتبديل.
﴿لِتَشْقَى﴾: اللام: لام التّعليل؛ تشقى: تتعب، وأصل الشّقاء في اللغة: العناء؛ أي: التّعب الشّديد، أو الجهد فقد كان ﷺ يقوم الليل ويراوح بين قدميه لطول القيام أو الجهد في تبليغ الرسالة؛ كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشّعراء: ٣]؛ أي: مهلك، وقاتل نفسك أن يؤمنوا؛ فقد ذكر الواحدي في أسباب النزول. قال مقاتل: قال أبو جهل والنضر بن الحارث للنبي ﷺ إنك لتشقى بترك ديننا وذلك لما رأياه من طول عبادته واجتهاده فأنزل الله هذه الآية.
سورة طه [٢٠: ٣]
﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ أي: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، وإنما أنزلناه تذكرة لمن يخشى.
﴿تَذْكِرَةً﴾: أي: أنزلناه تذكرة، أو مذكراً لمن يخشى؛ لأنّ الإنسان معرض للنسيان، وتذكرة مصدر لفعل: ذكر «الرّباعي».
﴿لِمَنْ﴾: اللام: للاختصاص، ومن: ابتدائية.
﴿يَخْشَى﴾: الخشية: هي الخوف المقرون بالعلم، والمهابة من الّذي يخشاه.
وخص الخاشي؛ لأنّه هو من ينتفع به، وأمّا من لا ينتفع بالقرآن فهو الّذي لا يقرأ ويعمل به، ولا يتأثر به، كذلك هو هدى للمتقين، ونذير للعالمين، وهدى ورحمة للمحسنين، وهدى للناس أجمعين.
стр. 3043
سورة طه [٢٠: ٤]
﴿تَنْزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾:
﴿تَنْزِيلًا﴾: أي: نُزل هذا القرآن تنزيلاً من الّذي خلق الأرض والسّموات العلى.
﴿مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ﴾: وذكر خلق الأرض والسّموات العلى؛ لأنّهما من أعظم المخلوقات، وأكبر من خلق النّاس.
﴿وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾: خلق الأرض والسّموات العلى في لحظة واحدة معاً، ثمّ ميز الأرض بإنزال الحديد، وميز السّموات إلى سبع سموات. ارجع إلى سورة الأنبياء، آية (٣٠)، والأعراف آية (٥٤)، وسورة فصلت، آية (١٠ - ١٢)، والبقرة، آية (٢٢ - ٢٩)؛ لبيان معنى الخلق.
﴿وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾: السبع سموات. العلى: مؤنث أعلى، وجمع عُليا، أو سموات عُلى.
سورة طه [٢٠: ٥]
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾:
استوى قيل: علا، وارتفع على العرش استواءً يليق بجلاله، وعظمته من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، والعرش شيء مخلوق ومن علم الغيب. وقد أشارت الأحاديث أن العرش أعلى المخلوقات، وهذا ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن ومنه تتفجر أنهار الجنة» فهو فوق السماء السابعة، وهذا ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قضى الله أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل
стр. 3044
السماء الذين يلونهم» … إلى نهاية الحديث. ارجع إلى سورة يونس، آية (٣)، وسورة هود آية (٧)؛ لمزيد من البيان.
سورة طه [٢٠: ٦]
﴿لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾:
﴿لَهُ﴾: تقديم له يفيد الحصر؛ أي: له وحده ما في السّموات وما في الأرض.
اللام في "له": لام الاختصاص، والاستحقاق له ملكاً وحكماً وتدبيراً.
﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ﴾: أي: السّموات نفسها، وما فيها من مخلوقات، ومجرات، وخزائن، وكواكب، ونجوم، وشموس، وأقمار.
﴿وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: أي: كوكب الأرض، وما فيه من خيرات، ومعادن، وثروات، وجبال، وأنهار، وبحار. وتكرار ما في: يفيد التوكيد، وفصل كل منهما عن الأخرى، أو كلاهما معاً.
﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: حيث يختلط الغلاف الغازي للأرض بمكونات السّماء، فهذا الغلاف الغازي ليس من الأرض بالكامل، وليس من السّماء بالكامل، وبقي فاصلاً بين السّماء والأرض.
﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾: الثّرى: هو التّراب، ما تحته من كنوز، وثروات؛ مثل: البترول، والمعادن، مثل: الحديد، والذّهب، والنّحاس، والأحجار الثّمينة؛ مثل: الرّخام … وغيرها.
سورة طه [٢٠: ٧]
﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾:
﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال.
стр. 3045
﴿تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾: ما يتكلم به القائل من القول سواء أكان مفرداً، أم جملة، أو يلفظ به بلسانه، ومهما كان نوع القول، أو الدعاء.
﴿فَإِنَّهُ﴾: الفاء: جواب الشّرط تفيد التّوكيد؛ إنّه: لزيادة التّوكيد.
﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾: ما تسرهُ في نفسك من قول أو فعل، ولا يعلمه أحد غيرك. والأصل في السّر: تغطية الشّيء بغطاء.
﴿وَأَخْفَى﴾: من السّر؛ أي: يعلم ما توسوس به نفسك، أو ما تخفي من المعاني، والأخبار، أو تحتفظ به في نفسك، ولا يعلمه أحد، وتخاف أن يطلع عليه أحد.
سورة طه [٢٠: ٨]
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: ارجع إلى الآية (١٨٠) من سورة الأعراف؛ للبيان.
سورة طه [٢٠: ٩]
﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾:
﴿وَهَلْ﴾: الواو استئنافية؛ هل: استفهامية فيها معنى التّشويق، وتقرير وتثبيت الخبر في نفس المخاطب.
﴿أَتَاكَ﴾: بلغك، وصل إليك.
﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾: الحديث: الخبر، أو ما يُبلغ به الإنسان من كلام سواء بالسّمع، أو بالوحي.
سورة طه [٢٠: ١٠]
﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّى آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّى آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾:
﴿إِذْ﴾: ظرف زماني للزمن الماضي.
стр. 3046
﴿رَأَى نَارًا﴾: وهو عائد من مدين إلى مصر مع أهله، وكان قد أخطأ الطّريق في ليلة شاتية باردة كما قال ابن عباس.
﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ﴾: زوجته وولد له.
﴿امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم، المكث: الانتظار الغير محدد بزمن؛ أي: ابقوا في مكانكم، وربما قال: امثكوا بعد أن سأله أهله: نأتي معك، أو نبقى هنا ننتظرك؟
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿آنَسْتُ نَارًا﴾: أبصرت ناراً، وبدلاً من أن يقول أبصرت قال: آنست؛ أي: أبصر ناراً شعر معها بالأُنس، وشيء من الطّمأنينة؛ أي: آنست؛ أي: أبصرت ما يؤنس به.
﴿لَّعَلِّى آتِيكُمْ﴾: لعلي من لعل + إضافة ياء المتكلم، ولعل: لترجي المتوقع حصوله عادة، وهنا تعني لمطلق التوقع سواء حدث ما يتوقعه أم لم يحدث فهي تعني: احتمال غير مؤكد فيه نوع من الخوف والرّجاء؛ أي: لعلي أذهب فأجد جذوة من النّار آتيكم بها، ولم يقل: ﴿سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ [النمل: ٧]، سآتيكم: فيه نوع من التّأكيد، والثّقة بالنّفس، والقطع، أو الجزم.
﴿مِّنْهَا بِقَبَسٍ﴾: القبس: شعلة من النّار، تقبس من النّار سواء كانت جذوة كقوله تعالى: ﴿جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [القصص: ٢٩]، أم شهاباً كقوله تعالى: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧].
﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾: هدى: نكرة؛ أي: أجد أي شيء يهدينا إلى الطّريق، أو هادياً يهدينا، أو يدلنا إلى الطّريق.
سورة طه [٢٠: ١١]
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِىَ يَامُوسَى﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: تدل على التّرتيب والمباشرة؛ لما بمعنى: حين.
стр. 3047
﴿أَتَاهَا﴾: من الإتيان: وهو المجيء بسهولة، ولم يصلها بعد؛ أي: في طريقه إليها، ولو قال: جاءها؛ يعني: وصل إليها وبصعوبة.
﴿نُودِىَ يَامُوسَى﴾: فوجئ بمن يناديه باسمه: يا موسى، ويمكن القول: إنّ موسى اطمئن وفرح بمن يناديه باسمه، ولكنه راح يبحث عن مصدر الصّوت فلا يجده.
سورة طه [٢٠: ١٢]
﴿إِنِّى أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾:
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿أَنَا﴾: للتوكيد والدّلالة على التّوحيد.
﴿رَبُّكَ﴾: أي: الّذي يكلمك ربك: خالقك ومدبر أمرك ورازقك، ولم يقل إنّي أنا إلهك، الألوهية تدل على العبودية.
﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ أي: اخلع نعليك الآن، نعليك: حذاءك.
﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾: أي: المطهر، والباء في قوله بالواد: ظرفية.
﴿طُوًى﴾: اسم للوادي؛ إذن اسم الوادي هو: الوادي المقدس طوى، وهذا يسمى الإيضاح بعد الإبهام؛ فقد قال سبحانه لموسى: إنك بالواد المقدس «إبهام»، ثمّ بين اسم الواد المقدس فقال: طوى «إيضاح».
أمّا السّبب في خلع نعليه فقد قيل: للتواضع والخشوع، أو لكون الوادي مطهراً، ومقدساً، أو لأنّ نعليه غير طاهرين، فالله أعلم.
стр. 3048
سورة طه [٢٠: ١٣]
﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾:
﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾: لتكون رسولاً إلى فرعون وقومه، أو ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِى وَبِكَلَامِى﴾ [الأعراف: ١٤٤].
﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾: ولم يقل: واسمع لما يُوحى؛ استمع: تعني: بقصد وجدٍّ، واهتمام، وجنِّد كلّ حواسك وعقلك لما سيقال لك.
﴿لِمَا يُوحَى﴾: أي: للذي يوحى، أو للوحي يوحى؛ من الإيحاء لغة: هو الإعلام بالخفاء، وهناك وسائل مختلفة يتم بها الإيحاء، والإيحاء هنا: الكلام من وراء حجاب. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٣)؛ لبيان معنى الوحي.
لما يوحى: لما سيذكرُ إليك، وهو: ﴿إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾، وهذا يطلق عليه: الإيضاح بعد الإبهام (الوحي).
سورة طه [٢٠: ١٤]
﴿إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾:
﴿إِنَّنِى أَنَا﴾: انظر في الآية (١٢) قال تعالى: إنّي أنا ربك؛ أي: الخالق، والمربي، والمدبر، والرّازق لكلّ مخلوق مؤمن، أو كافر، وفي هذه الآية (١٤) يقول: إنني أنا الله: إنني أنا المعبود صاحب التّكاليف، والآمر والنّاهي.
إنني: بدلاً من إنّي؛ إضافة النّون للتوكيد، والمقام مقام توحيد، وتبليغ.
أنا: ضمير فصل يفيد التّوكيد، ويدل على التوحيد.
﴿اللَّهُ﴾: واجب الوجود، اسم الذات الإلهية، الجامع لكلّ صفات الكمال الإلهية، وهو الاسم الّذي تفرد به سبحانه، واختصه لذاته.
стр. 3049
﴿فَاعْبُدْنِى﴾: الفاء: للتوكيد؛ اعبدني: أطع أوامري، وتجنب نواهيَّ، ولا تشرك بي شيئاً، والعبادة تشمل: كلّ قول وعمل صالح، ولا تكون إلا لله وحده، ولا تكون إلا مع المعرفة بالمعبود، وتعني: الخضوع، ولها أجر، ولها منهج رباني.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾: أقم؛ أي: أتم الصّلاة بشروطها، وأركانها، وخشوعها، وسننها، ووقتها، وخص الصّلاة من بين سائر العبادات؛ لأنّها عماد الدّين، والصّلة الدّائمة المستمرة بين العبد وربه، والصلاة تجمع أركان الإسلام الخمسة؛ أي: تمثلها.
﴿لِذِكْرِى﴾: اللام: لام التّعليل؛ أي: لتذكرني، وبإخلاص؛ أي: خالصة لي، وابتغاء مرضاتي، فقوله تعالى فاعبدني (تشمل كل العبادات)، ثم عاد وذكر وأقم الصّلاة: ذكر الخاص (الصّلاة) بعد العام (اعبدني): للاهتمام بالصلاة، والتّوكيد.
سورة طه [٢٠: ١٥]
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾:
﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾: إنّ: للتوكيد. السّاعة: ساعة، أو لحظة تهدُّم النّظام الكوني الحالي، وسمي بالسّاعة؛ لأنّها تأتي بغتة في ساعة، والسّاعة جزء من الزّمان، من قبيل إطلاق الجزء على الكلّ.
﴿آتِيَةٌ﴾: ولم يقل: لآتية، كما في سورة الحجر، الآية (٨٥) التي جاءت في سياق مخاطبة قريش أكد بأن واللام، ولم يقل: آتية لا ريب فيها، كما في سورة الحج الآية (٧) التي جاءت في سياق إنكار البعث أكد بأن ولا ريب فيها، أو: لآتية لا ريب، كما في سورة غافر الآية (٥٩) التي جاءت في سياق منكري البعث والحساب، والذين يجادلون في آيات الله، فأكد بأن واللام ولا ريب فيها ثلاث توكيدات؛ أما في آية سورة طه: لم يؤكد لا بلام، ولا بإضافة: لا ريب فيها،
стр. 3050
أو كلاهما معاً؛ لأنّ الله سبحانه يكلم موسى، وموسى أصبح رسولاً ونبياً، فلا يحتاج إلى توكيد؛ لأنّه مؤمن بالله سبحانه وبالبعث وبالسّاعة.
وأما السياق في آية غافر: فهو في الذين يجادلون في آيات الله، وينكرون الساعة، فلذلك أكد بإن واللام في كلمة (لآتيه، ولا ريب فيها) ثلاث توكيدات.
وأما في سورة الحجر: فالسياق في خلق السموات والأرض.
وأما في سورة الحج: فالسياق في تعداد الآيات الدالة على قدرة الله تعالى.
وأما في آية الكهف: فهو لا يتحدث عن قيام الساعة؛ أي: نهاية الكون، وإنما عن ساعة قيام الفتية من نومهم؛ أي: بعثهم بعد (٣٠٩ سنة) لنقارن هذه الآيات معاً:
ففي سورة الحجر آية (٨٥) قال تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾: أكد بإن واللام.
وفي سورة طه آية (١٥) قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: أكد بإن.
وفي سورة الحج آية (٧١) قال تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: أكد بأن واللام ولا ريب فيها.
وفي سورة غافر آية (٥٩) قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: أكد بإن واللام ولا ريب فيها.
وفي سورة الكهف آية (٢٠) قال تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: بدون آتية أو لآتية.
﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: لها معنيان: الأوّل: أسترها ولا أخبر بها أحداً.
الثّاني: أي: أظهرها، أو أزيل إخفاءها؛ أي: أظهر علاماتها الصّغرى والكبرى، فلم تعد خافية إلا وقت وقوعها. أكاد: من أفعال المقاربة هنا؛ تعني: زمن وقوعها.
следующие страницы →