← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

﴿رَأَى نَارًا﴾: وهو عائد من مدين إلى مصر مع أهله، وكان قد أخطأ الطّريق في ليلة شاتية باردة كما قال ابن عباس. ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ﴾: زوجته وولد له. ﴿امْكُثُوا﴾: أقيموا مكانكم، المكث: الانتظار الغير محدد بزمن؛ أي: ابقوا في مكانكم، وربما قال: امثكوا بعد أن سأله أهله: نأتي معك، أو نبقى هنا ننتظرك؟ ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾: أبصرت ناراً، وبدلاً من أن يقول أبصرت قال: آنست؛ أي: أبصر ناراً شعر معها بالأُنس، وشيء من الطّمأنينة؛ أي: آنست؛ أي: أبصرت ما يؤنس به. ﴿لَّعَلِّى آتِيكُمْ﴾: لعلي من لعل + إضافة ياء المتكلم، ولعل: لترجي المتوقع حصوله عادة، وهنا تعني لمطلق التوقع سواء حدث ما يتوقعه أم لم يحدث فهي تعني: احتمال غير مؤكد فيه نوع من الخوف والرّجاء؛ أي: لعلي أذهب فأجد جذوة من النّار آتيكم بها، ولم يقل: ﴿سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ [النمل: ٧]، سآتيكم: فيه نوع من التّأكيد، والثّقة بالنّفس، والقطع، أو الجزم. ﴿مِّنْهَا بِقَبَسٍ﴾: القبس: شعلة من النّار، تقبس من النّار سواء كانت جذوة كقوله تعالى: ﴿جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [القصص: ٢٩]، أم شهاباً كقوله تعالى: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧]. ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾: هدى: نكرة؛ أي: أجد أي شيء يهدينا إلى الطّريق، أو هادياً يهدينا، أو يدلنا إلى الطّريق. سورة طه [٢٠: ١١] ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِىَ يَامُوسَى﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: تدل على التّرتيب والمباشرة؛ لما بمعنى: حين.

стр. 3047

﴿أَتَاهَا﴾: من الإتيان: وهو المجيء بسهولة، ولم يصلها بعد؛ أي: في طريقه إليها، ولو قال: جاءها؛ يعني: وصل إليها وبصعوبة. ﴿نُودِىَ يَامُوسَى﴾: فوجئ بمن يناديه باسمه: يا موسى، ويمكن القول: إنّ موسى اطمئن وفرح بمن يناديه باسمه، ولكنه راح يبحث عن مصدر الصّوت فلا يجده. سورة طه [٢٠: ١٢] ﴿إِنِّى أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿أَنَا﴾: للتوكيد والدّلالة على التّوحيد. ﴿رَبُّكَ﴾: أي: الّذي يكلمك ربك: خالقك ومدبر أمرك ورازقك، ولم يقل إنّي أنا إلهك، الألوهية تدل على العبودية. ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ أي: اخلع نعليك الآن، نعليك: حذاءك. ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾: أي: المطهر، والباء في قوله بالواد: ظرفية. ﴿طُوًى﴾: اسم للوادي؛ إذن اسم الوادي هو: الوادي المقدس طوى، وهذا يسمى الإيضاح بعد الإبهام؛ فقد قال سبحانه لموسى: إنك بالواد المقدس «إبهام»، ثمّ بين اسم الواد المقدس فقال: طوى «إيضاح». أمّا السّبب في خلع نعليه فقد قيل: للتواضع والخشوع، أو لكون الوادي مطهراً، ومقدساً، أو لأنّ نعليه غير طاهرين، فالله أعلم.

стр. 3048

سورة طه [٢٠: ١٣] ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾: لتكون رسولاً إلى فرعون وقومه، أو ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِى وَبِكَلَامِى﴾ [الأعراف: ١٤٤]. ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾: ولم يقل: واسمع لما يُوحى؛ استمع: تعني: بقصد وجدٍّ، واهتمام، وجنِّد كلّ حواسك وعقلك لما سيقال لك. ﴿لِمَا يُوحَى﴾: أي: للذي يوحى، أو للوحي يوحى؛ من الإيحاء لغة: هو الإعلام بالخفاء، وهناك وسائل مختلفة يتم بها الإيحاء، والإيحاء هنا: الكلام من وراء حجاب. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٣)؛ لبيان معنى الوحي. لما يوحى: لما سيذكرُ إليك، وهو: ﴿إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾، وهذا يطلق عليه: الإيضاح بعد الإبهام (الوحي). سورة طه [٢٠: ١٤] ﴿إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾: ﴿إِنَّنِى أَنَا﴾: انظر في الآية (١٢) قال تعالى: إنّي أنا ربك؛ أي: الخالق، والمربي، والمدبر، والرّازق لكلّ مخلوق مؤمن، أو كافر، وفي هذه الآية (١٤) يقول: إنني أنا الله: إنني أنا المعبود صاحب التّكاليف، والآمر والنّاهي. إنني: بدلاً من إنّي؛ إضافة النّون للتوكيد، والمقام مقام توحيد، وتبليغ. أنا: ضمير فصل يفيد التّوكيد، ويدل على التوحيد. ﴿اللَّهُ﴾: واجب الوجود، اسم الذات الإلهية، الجامع لكلّ صفات الكمال الإلهية، وهو الاسم الّذي تفرد به سبحانه، واختصه لذاته.

стр. 3049

﴿فَاعْبُدْنِى﴾: الفاء: للتوكيد؛ اعبدني: أطع أوامري، وتجنب نواهيَّ، ولا تشرك بي شيئاً، والعبادة تشمل: كلّ قول وعمل صالح، ولا تكون إلا لله وحده، ولا تكون إلا مع المعرفة بالمعبود، وتعني: الخضوع، ولها أجر، ولها منهج رباني. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾: أقم؛ أي: أتم الصّلاة بشروطها، وأركانها، وخشوعها، وسننها، ووقتها، وخص الصّلاة من بين سائر العبادات؛ لأنّها عماد الدّين، والصّلة الدّائمة المستمرة بين العبد وربه، والصلاة تجمع أركان الإسلام الخمسة؛ أي: تمثلها. ﴿لِذِكْرِى﴾: اللام: لام التّعليل؛ أي: لتذكرني، وبإخلاص؛ أي: خالصة لي، وابتغاء مرضاتي، فقوله تعالى فاعبدني (تشمل كل العبادات)، ثم عاد وذكر وأقم الصّلاة: ذكر الخاص (الصّلاة) بعد العام (اعبدني): للاهتمام بالصلاة، والتّوكيد. سورة طه [٢٠: ١٥] ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾: إنّ: للتوكيد. السّاعة: ساعة، أو لحظة تهدُّم النّظام الكوني الحالي، وسمي بالسّاعة؛ لأنّها تأتي بغتة في ساعة، والسّاعة جزء من الزّمان، من قبيل إطلاق الجزء على الكلّ. ﴿آتِيَةٌ﴾: ولم يقل: لآتية، كما في سورة الحجر، الآية (٨٥) التي جاءت في سياق مخاطبة قريش أكد بأن واللام، ولم يقل: آتية لا ريب فيها، كما في سورة الحج الآية (٧) التي جاءت في سياق إنكار البعث أكد بأن ولا ريب فيها، أو: لآتية لا ريب، كما في سورة غافر الآية (٥٩) التي جاءت في سياق منكري البعث والحساب، والذين يجادلون في آيات الله، فأكد بأن واللام ولا ريب فيها ثلاث توكيدات؛ أما في آية سورة طه: لم يؤكد لا بلام، ولا بإضافة: لا ريب فيها،

стр. 3050

أو كلاهما معاً؛ لأنّ الله سبحانه يكلم موسى، وموسى أصبح رسولاً ونبياً، فلا يحتاج إلى توكيد؛ لأنّه مؤمن بالله سبحانه وبالبعث وبالسّاعة. وأما السياق في آية غافر: فهو في الذين يجادلون في آيات الله، وينكرون الساعة، فلذلك أكد بإن واللام في كلمة (لآتيه، ولا ريب فيها) ثلاث توكيدات. وأما في سورة الحجر: فالسياق في خلق السموات والأرض. وأما في سورة الحج: فالسياق في تعداد الآيات الدالة على قدرة الله تعالى. وأما في آية الكهف: فهو لا يتحدث عن قيام الساعة؛ أي: نهاية الكون، وإنما عن ساعة قيام الفتية من نومهم؛ أي: بعثهم بعد (٣٠٩ سنة) لنقارن هذه الآيات معاً: ففي سورة الحجر آية (٨٥) قال تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾: أكد بإن واللام. وفي سورة طه آية (١٥) قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: أكد بإن. وفي سورة الحج آية (٧١) قال تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: أكد بأن واللام ولا ريب فيها. وفي سورة غافر آية (٥٩) قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: أكد بإن واللام ولا ريب فيها. وفي سورة الكهف آية (٢٠) قال تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: بدون آتية أو لآتية. ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: لها معنيان: الأوّل: أسترها ولا أخبر بها أحداً. الثّاني: أي: أظهرها، أو أزيل إخفاءها؛ أي: أظهر علاماتها الصّغرى والكبرى، فلم تعد خافية إلا وقت وقوعها. أكاد: من أفعال المقاربة هنا؛ تعني: زمن وقوعها.

стр. 3051

﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾: لتجزى: اللام للتعليل. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول، أو مصدرية. ﴿تَسْعَى﴾: أي: تعمل، أو تكسب؛ أي: تقوم به من خير، أو شر، والسّعي: الحركة والعمل بجد. سورة طه [٢٠: ١٦] ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾: ﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النّاهية. ﴿يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾: الصّد: هو المنع عن قصد الشّيء، والنّون في "يصدنك" للتوكيد، لا يصدنك: لا يمنعنك عن الإنذار بها، وهاء الضمير تعود على السّاعة. والتّحذير منها، والتّبليغ عنها، والاستعداد لها، من لا يؤمن بها: من: ابتدائية، لا: النّافية، لا يؤمن بها؛ أي: لا يصدق بها، ولا بالبعث والآخرة من هؤلاء الكفرة، وإن كثر هؤلاء فلا يثبطنّك تكذيبهم بها، ولا يهمنّك إعراضهم. ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: في عدم الإيمان والتّصديق بها الناجم عن اتباع الهوى بلا برهان، ولا دليل لهم، أو تقليد لآبائهم. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (١١٩)؛ لبيان معنى الهوى. ﴿فَتَرْدَى﴾: أي: إن فعلت ذلك تهلك، تردى: من الرّدى: وهو الهلاك. والخطاب وإن كان موجهاً إلى موسى ـ وحاشا أن يفعل ذلك ـ فهو موجه إلى أمته، أو تعني: إذا صد عنها إنسان ما ولم يؤمن بالسّاعة والبعث والحساب، سيردى؛ أي: سيهلك، والفاء في كلمة "فتردى": فاء السّببية. سورة طه [٢٠: ١٧] ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية؛ ما: استفهامية للتقرير؛ ما: لغير العاقل. ﴿تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾: تلك: اسم إشارة للمؤنث، وتشير إلى العصا.

стр. 3052

﴿بِيَمِينِكَ﴾: الباء: للإلصاق؛ أي: في يدك اليمنى، والله سبحانه يعلم ما هي، ولكن الحق سبحانه يريد أن يخفف من خوف موسى، ويهدأ روعه من هذه المفاجأة المذهلة: تكليم موسى من وراء حجاب، ولكون هذه العصا ستكون المعجزة الكبرى لموسى فيما بعد حين تنقلب إلى حية تسعى، وفي ذلك تحضير نفسي لما سيحدث بعد قليل. سورة طه [٢٠: ١٨] ﴿قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾: ﴿قَالَ هِىَ عَصَاىَ﴾: قال: موسى؛ هي: للتوكيد، وتدل على الإجابة بإخلاص. ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِى﴾: أي: أضرب بها ورق الشّجر؛ ليسقط فترعاه غنمي، وعادة ما يسقط الورق اليابس، وأهش من الهشاشة، والشّيء الهش ينكسر، أو يتفتت، أو يسقط بسرعة، وهنا يعني: ورق الشّجر، ولو كان يعني بها زجر الغنم لاستعمل كلمة أهس بالسّين، وليس بالشّين، وأتوكأ عليها حين التّعب، أو الإعياء، وقد تسمى العصا منسأة كما ورد في قصة سليمان، ومنسأة؛ لأنها تستعمل في زجر الإبل وسوقها، ومنسأة من نسأ؛ أي: زجر، أو أخر؛ وتعني: أن هذه العصا (المنسأة) التي أخرت الجن من العلم بأن سليمان قد مات؛ ارجع إلى سورة سبأ آية (١٤) لمزيد من البيان. ﴿وَلِىَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾: أي: لي فيها حاجات أخرى. ﴿مَآرِبُ﴾: جمع مأربة؛ أي: منفعة، ولا أرَبَ لي في كذا؛ أي: لا حاجة لي فيه؛ كقوله: ﴿غَيْرِ أُولِى الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]، والإربة؛ أي: الحاجة، ومن هذه المآرب: الدّفاع عن النّفس، أو الصّيد، وقتل هوام الأرض، أو يضع عصاه على كتفه يعلّق عليها زاده. سورة طه [٢٠: ١٩] ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾: قال تعالى لموسى: ألقها: ارْم بها على الأرض؛ أي: اطرحها.

стр. 3053

سورة طه [٢٠: ٢٠] ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾: ﴿فَأَلْقَاهَا﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة، ألقاها: طرح بها على الأرض: رمى بها على الأرض. ﴿فَإِذَا﴾: إذا الفجائية، والفاء للتوكيد. ﴿هِىَ﴾: للتوكيد. ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾: تتحرك، وتمشي بسرعة. وفي سورة القصص الآية، (٣١): وصفها: ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، في الحركة كأنّها فرخ الحية. وفي سورة الشّعراء، الآية (٣٢)، وسورة الأعراف، الآية (١٠٧): ﴿فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ في الحجم، والطّول، والعمر، فكانت عصا موسى تتحول من شكل إلى شكل حسب المقام والمشهد أمام فرعون تصبح ثعبان، وأمام موسى وحده حية تسعى، أو كأنها جان، كما سنرى في الآيات الأخرى، وهذا يدل على عظمة قدرة الله تعالى. سورة طه [٢٠: ٢١] ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾: في هذه الآية لم يذكر الله سبحانه ما حدث لموسى من أنّه ولَّى مدبراً ولم يعقِّب، وإنما اختصر المشهد بقوله: خذها ولا تخف. ﴿خُذْهَا﴾: أي: أمسكها بيدك. ﴿وَلَا تَخَفْ﴾: لا: النّاهية، تخف: من أن تلدغك، أو تؤذيك. قال تعالى لموسى لا تخف؛ لأن موسى كان في أول اختبار مع العصا، فظهرت عليه علامات الخوف بينما في سورة الشعراء آية (٣٢)، وفي سورة الأعراف آية (١٠٧) لم يذكر الخوف؛ لأن موسى في موقف التحدي مع السحرة وأمام الناس، وعلم أن العصا واليد من آيات الله تعالى.

стр. 3054

﴿سَنُعِيدُهَا﴾: السّين للاستقبال القريب، أو التّوكيد. ﴿سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾: سنعيدها إلى هيئتها الأولى الّتي كانت عليها قبل أن تتحول إلى حية؛ أي: سنعيدها عصا يابسة من خشب، فكأن ذلك كان تدريباً لموسى، وأنّها ستكون معجزته الأولى في صراعه مع فرعون وملئه. سورة طه [٢٠: ٢٢] ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾: أدخل يدك اليمنى تحت عضدك الأيسر (جناحك)، ثمّ أخرجها، تخرج بيضاء: بيضاء تشع بالنّور، ويد موسى كانت سمراء اللون. ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: من غير مرض؛ فقد تكون بيضاء بسبب مرض مثل: البرص، أو مرض جلدي، والسوء: كل ما يسيء إلى النفس، والسوء: اسم مصدر لا يجمع، والسوء له معان كثيرة جداً؛ منها: العذاب، والشرك، والمرض، والذنب، والعقاب، والضر، والظلم، والقبيح؛ والسيئة: من السوء، وجمعها سيئات. ﴿آيَةً أُخْرَى﴾: معجزة ثانية. سورة طه [٢٠: ٢٣] ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾: ﴿لِنُرِيَكَ﴾: اللام: لام التّعليل؛ نريك: من الرؤية، وهي الرؤية البصرية، وفيها معنى الرؤية القلبية والفكرية. ﴿مِنْ﴾: بعضية من بعض. ﴿آيَاتِنَا﴾: جمع آية، والآية هنا تعني: المعجزة، أو الشّيء الخارق للعادة، أو العلامة، وأضاف الآيات إليه سبحانه لعظمها وشرفها، ولم يقل لنريك من الآيات الكبرى، وتعني من الآيات التسع وغيرها من الآيات الكونية والمعجزات. ﴿الْكُبْرَى﴾: العظمى: من بعض الآيات الكبرى الدّالة على قدرتنا وعلى نبوتك.

стр. 3055

سورة طه [٢٠: ٢٤] ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: رسولاً بهاتين الآيتين إلى فرعون، ولم يذكر قوم فرعون، أو ملئه في هذه الآية، وإنما ذكر فرعون فقط؛ لأنه رأس الفتنة، والذي ادعى (أنا ربكم الأعلى)، وفرعون يمثل أتباعه (ملئه أو قومه)، والذين وصفهم الله سبحانه في الآية (١٠ - ١١) من سورة الشعراء بالقوم الظالمين فقال تعالى: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمعرفة من هو فرعون الأب أم الابن. ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾: إنّه: للتوكيد؛ طغى: تجاوز الحد في الكفر والكبر والظلم والفساد؛ فقال لقومه: أنا ربكم الأعلى. ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]. سورة طه [٢٠: ٢٥] ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِى صَدْرِى﴾: أي: اجعل صدري واسعاً فسيحاً لتقبُّل التّكاليف؛ أي: أعطني الصّبر، والحلم، والحكمة، وعدم الخوف؛ للقيام بأعباء الرّسالة، وبما كلفه الله تعالى من الذّهاب إلى فرعون. ﴿اشْرَحْ لِى صَدْرِى﴾: اللام: لام الاختصاص. سورة طه [٢٠: ٢٦] ﴿وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى﴾: ﴿وَيَسِّرْ﴾: سهل لي أمري: من الذّهاب إلى فرعون، وملئه، ودعوتهم إلى الإيمان، والتّوحيد، والقيام بما أمرتني. سورة طه [٢٠: ٢٧] ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِّسَانِى﴾: ﴿وَاحْلُلْ﴾: من الحل؛ يعني: أزل العقدة من لساني حين أتحدث إلى فرعون وملئه؛ لأن موسى ﵇ كان يضيق صدره إذا كذبه القوم أو فرعون، أو

стр. 3056

يتلعثم ولا ينطلق لسانه، ولذلك كان فرعون يُعيرُ موسى أنه: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]؛ أي: لا يحسن البيان. أي: أزل تلك العقدة من لساني؛ حتّى ينطلق لساني في تبليغ الرّسالة. سورة طه [٢٠: ٢٨] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِى﴾: أي: يفهموا ما أقوله، الفقه: يعني: الفهم. سورة طه [٢٠: ٢٩] ﴿وَاجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى﴾: ﴿وَزِيرًا﴾: الوزير: المعين، والظّهير، وكلمة "الوزير" مشتقة من الوزر، والوزر: هو الحمل، أو الثّقل؛ لأنّ مهمة الوزير تحمُّل بعض أعباء المِلك. ويقال: آزره: أي: قواه وأعانه؛ أي: اجعل لي معيناً أو مساعداً. ﴿مِّنْ أَهْلِى﴾: خاصة؛ ليكون أميناً مخلصاً أستطيع أن آمنه وأثق به. سورة طه [٢٠: ٣٠] ﴿هَارُونَ أَخِى﴾: اختار موسى أخاه هارون؛ ليكون وزيراً له، وكان هارون أكبر من موسى سناً، قيل: بأربع سنوات، وقيل: سنة واحدة، وكان فصيح اللسان، ومحبوباً من بني إسرائيل، ومهيب الهيئة. قال: اجعل لي وزيراً من أهلي، ثمّ بيّن الوزير باسمه فيما بعد؛ فهذا يسمى: الإيضاح بعد الإبهام بالقول: هارون أخي. فأجاب الله سبحانه طلبه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٥]. سورة طه [٢٠: ٣١] ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِى﴾: ﴿اشْدُدْ﴾: من شدّ الإزار؛ أي: قوي به ظهري، أضف قوته إلى قوتي، فكانت الإجابة: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ [القصص: ٣٥]. ﴿أَزْرِى﴾: من الأزر: القوة، وآزَرَه؛ أي: عاونه.

стр. 3057

سورة طه [٢٠: ٣٢] ﴿وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى﴾: أي: يكون شريكاً في أداء الرّسالة والدّعوة. ﴿وَأَشْرِكْهُ﴾: أي: اجعله شريكاً لي. فكانت الإجابة: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]. سورة طه [٢٠: ٣٣] ﴿كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾: ﴿كَىْ﴾: تختص بالتّعليل الحقيقي (كي التّعليلية)، فهذه هي العلة الحقيقية، أو أهم سبب في المشاركة هي التّسبيح والذّكر. ﴿نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾: والتّسبيح هو تنزيه الخالق في ذاته وصفاته، وأفعاله من كلّ نقص، أو عيب، ومن الشّريك، والولد، وليس كمثله شيء، وكثيراً؛ أي: دائماً، والتّسبيح يعني كذلك: الصّلاة. سورة طه [٢٠: ٣٤] ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾: ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾: من الذكر، وهو أعم من التسبيح؛ فالذّكر يشمل الحمد، والتّكبير، والشّكر، والتّهليل، والدّعاء، والتسبيح، والصّلاة، والدّعوة، والوعظ، وغيرها مثل: حِلق العلم، ودراسة الكتب المنزلة، والآيات؛ فهو قد ذكر العام بعد الخاص (التسبيح) للتوكيد، ومن بديع اللغة. سورة طه [٢٠: ٣٥] ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾: ﴿إِنَّكَ﴾: للتوكيد. ﴿كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾: عالماً بأحوالنا، ومطّلعاً على أعمالنا (أفعالنا وأقوالنا) رقيباً علينا. سورة طه [٢٠: ٣٦] ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾: ﴿قَالَ﴾: قال سبحانه رداً على ما طلبه موسى.

стр. 3058

﴿قَدْ﴾: للتحقيق، والتّوكيد. ﴿أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾: أوتيت من الإيتاء: وهو العطاء؛ أي: أُعطيت ما سألت يا موسى، والإيتاء يضمّ الأشياء المحسوسة، وغير المحسوسة، والإيتاء: ليس فيه تملّك، كما هو الحال في العطاء؛ فقد يسترد الله سبحانه ما أعطى لعبده، والإيتاء: أعم من العطاء، وأما العطاء ففيه تملّك. ﴿سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾: أي: جميع ما طلبت وسألت. يا موسى: نداء فيه معنى الحنان والعطف. سورة طه [٢٠: ٣٧] ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: عاطفة، لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: تفيد التحقيق. ﴿مَنَنَّا﴾: من المنة: وهي العطاء بدون مقابل، على خلاف الجزاء الّذي هو العطاء مقابل العمل. ﴿عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾: هذه المنة الأخرى: هي ما ذكره في الآية: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِى التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمِّ﴾ كي تنجو من القتل من فرعون وجنوده. فالمنة الأولى: منة النّبوة، والمنة الأخرى: هي ما أوحينا إلى أمك؛ أي: منة النّجاة من القتل، أو الذّبح من فرعون، وجنوده.

стр. 3059

سورة طه [٢٠: ٣٨] ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾: ﴿إِذْ﴾: بمعنى: واذكر إذ أوحينا إلى أمك، أو واذكر حين أوحينا إلى أمك؛ إذ: ظرف للزمن الماضي. ﴿أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾: أوحينا بطريق الإلهام، ولمعرفة معنى: أوحينا ارجع إلى سورة النساء آية (١٦٣) لمزيد من البيان. أوحينا إليها: إذا خفتِ عليه ﴿فَأَلْقِيهِ فِى الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧]، فإذا خفت عليه من القتل، أو الذّبح؛ لأنّ فرعون كان يذبح، أو يقتل أبناء بني إسرائيل، ويستحيي نساءهم، أوحينا إليها: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِى التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه: ٣٩]. ﴿مَا يُوحَى﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي. سورة طه [٢٠: ٣٩] ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِى التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى﴾: ﴿أَنِ﴾: تعليلية مصدرية تفسيرية. ﴿اقْذِفِيهِ فِى التَّابُوتِ﴾: القذف: هو الإلقاء بسرعة؛ أي: ألقي موسى في التّابوت بسرعة، وبدون تردد؛ حتّى لا تأخذها عاطفة الأمومة، وتتوقف، أو تتأخر عن القيام بذلك. ﴿فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمِّ﴾: الفاء: للمباشرة، وتكرار (اقذفيه): للتوكيد وعدم التردد؛ أي: اقذفي التّابوت وفيه موسى؛ في اليم: يعني النهر الكبير؛ أي: في نهر النّيل،

стр. 3060

والبحر أعم وأوسع وأكثر ماءً من اليم، ومن خصوصيات القرآن استعمل كلمة اليم في مقام الخوف والعقوبة، وأما البحر استعمل في مقام النجاة. ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾: الفاء: للمباشرة، فتجري أمواج نهر النّيل به، حتّى تلقيه بالسّاحل عند قصر فرعون، كما قدر الله سبحانه وقضى، وكأنّ أمواج نهر النّيل أُمرت بذلك، وتعلم أين تأخذ موسى، وتجري به إلى مكان يأخذه عدو لي وعدو له، وهو فرعون. ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَهُ﴾: أي: تلتقطه حاشية فرعون فيأتون به إلى فرعون الّذي هو عدو لي؛ (أي: عدو لله تعالى)؛ لأنّه كان يدعي الألوهية، وأنّه ربهم الأعلى. ﴿وَعَدُوٌّ لَهُ﴾: عدو لموسى؛ لأنّ فرعون سيحاول قتل موسى، ويقف حائلاً أمام دعوته، والتّصديق له. ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى﴾: عليك: خاصة تفيد الحصر، محبة مني: أي: ألقى الله سبحانه؛ أي: زرع الله في قلوب عباده محبة لموسى، فكلّ من رأى موسى أحبه، حتّى فرعون نفسه أحب موسى، ولم يقتله، ورعاه ورباه في قصره حتّى بلغ أشده، واستوى، وكذلك امرأة فرعون قالت لفرعون: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص: ٩]. ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى﴾: لتصنع: تعني: تُربّى على مرأى من عيني؛ أي: برعاية، وحفظ مني، واللام في كلمة "لتصنع" للتوكيد، والتّعليل، فهو وإن كان يُربى وينشأ في قصر فرعون، فهو يُربى وينشأ تحت رعاية الله سبحانه، وتربية موسى شبهت بالصّناعة، والصّناعة تعني: الجودة في العمل، أو الصنع، وتحتاج إلى مهارة وصبر ودقة وحكمة، وكذلك يحب أن تكون تربيتنا لأطفالنا كأنّها صناعة. وإذا قارنا قوله تعالى لموسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى﴾ بقوله لمحمد ﷺ :

стр. 3061

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطّور: ٤٨]؛ أي: أنت تحت رعايتنا، ولم يقل ولتصنع على عيني؛ لأنّ زمن الصنع فات، والرسول ﷺ كان بعد سن الأربعين. سورة طه [٢٠: ٤٠] ﴿إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي تقديره: واذكر إذ تمشي أختك، ويمكن ربطها بالآية السّابقة: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ﴾ إذ تمشي أختك فتقول: هل أدلكم على من يكفله، هذا أحد الأمثلة على هذه الصّناعة، وهذه الآية يمكن ربطها بالآيتين (١١ - ١٢) من سورة القصص: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾، ومعنى قصّيه؛ أي: بعد أن ألقته أمه في اليم (نهر النّيل) قالت أمّ موسى لأخت موسى: قصّيه؛ أي: اتبعي أثره، أو خبره، فعلمت أنّه أمسى في بيت فرعون، وبعد ذلك علمت أنّهم يبحثون له عن مرضع حيث كان موسى يرفض الرّضاعة من المرضعات، وكما قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]؛ عندها تدخّلت أخته بخفاء، واقترحت للباحثين لموسى عن مرضع بقولها: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾: هل: حرف استفهام أقوى وآكد في الاستفهام من الهمزة فعل أأدلكم، تحمل معنى العرض، أدلكم: أخبركم: أعلمكم. ﴿عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾: على: تفيد العلو والمشقة. من: ابتدائية؛ أي: يكفل إرضاعه، أو: هل أدلكم على مرضع له يمكن أن يقبل ثديها، أو تتعهد إرضاعه؟ ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾: الفاء: للترتيب والمباشرة، رجعناك: من الرّجوع؛ يعني: أن تعود إلى الحال الّتي كنت عليها قبل ترك المكان الّذي خرجت منه، وهناك فرق بين رَجَعَ وبين رجعك وأرجعك، رَجَعَ: فعل لازم؛

стр. 3062

أي: رجع بذاته وبإرادته، أمّا فرجعناك: كما في هذه الآية، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾ [التّوبة: ٨٣]، فعل متعدٍّ يعني: أرجعه الله سبحانه، أو غيره، فرجعناك إلى أمك؛ أي: الله هو الّذي أرجعه إلى أمّه؛ كي يرضع منها، وتقر عينها، وفي سورة القصص آية (١٣) قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾؛ ارجع إلى سورة القصص آية (٧) لبيان معنى رادوه إليك. ﴿كَىْ﴾: للتعليل الحقيقي؛ أي: السّبب الحقيقي لإرجاعه. هو أن ﴿تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾: تُسر وتطمئن، وترتاح، وتقر؛ تعني: تثبت وتسكن، ولا تبحث عنه، وليس الإرضاع هو السّبب. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٧٤) لمزيد من البيان في معنى تقر عينها. ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾: الحَزَن: ضيق في الصّدر دائم كالهم من فقدان ولد، أو ضياع مُلك، وموت بسرطان، فلولا أن رجعناك إلى أمّك لاستمر حَزَنُها حتّى تموت، وفي سورة القصص الآية (١٣) قال تعالى: ﴿كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٣٣) لمعرفة الفرق بين الحَزَن والحُزن. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾: حين دخلت المدينة على حين غفلة من أهلها، فوجدت فيها رجلين يقتتلان، فاستغاثك الّذي من شيعتك على الّذي من عدوه فوكزته فقضيت عليه. ارجع إلى سورة القصص، الآية (١٥ - ١٩). ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾: الغم: الخوف الذي حصل من قتل القبطي (الّذي كان عدوه)، أو الحُزن المهلك. ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾: فتنّاك: من الفتنة؛ أي: عرضّناك لفتن كثيرة؛ أي: ابتلاءات كثيرة. ﴿فُتُونًا﴾: قد تكون مصدر، ويمكن أن تكون جمع: فتنة، مصدر لفعل: فتن، والفتنة أشد وأبلغ من الاختبار، وتكون في الخير والشّر، والابتلاء لا يكون

стр. 3063

إلا بتحمل المكاره والمشاق، أمّا الاختبار: قد يكون بشيء محبوب، أو مكروه؛ مثل: الذّهاب إلى مدين، والعمل عند شعيب، والجوع، والعطش، والفقر، بالعبد وفتناك الصّالح، والتّيه … وغيرها. وأصل الفتنة: عرض الذّهب على النّار؛ ليتبين صلاحه من فساده، والتّعرف على حاله؛ فالله سبحانه يعلم منذ الأزل نتيجة هذه الفتن، وما سيقوم به العبد، وإجراء الفتنة لإقامة الحُجة على العبد، ويطلع العبد على نتيجة فتنته له. ﴿فَلَبِثْتَ﴾: اللبث: الإقامة المحددة بزمن معين. ﴿سِنِينَ﴾: سنين (٨ - ١٠ سنوات) والأرجح عشر سنوات. ﴿فِى أَهْلِ مَدْيَنَ﴾: أي: تعمل عند شعيب ومقيم في أهل مدين. ومدين: قيل: هو أحد أبناء إبراهيم، وأهل مدين قوم شعيب، ومدين تقع على ساحل البحر الأحمر جنوب العقبة. ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتّراخي في الزّمن؛ أي: بعد عشر سنوات (وهو الأرجح). ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾: ثمّ جئت: رجعت من مدين إلى مصر (طور سيناء). ﴿عَلَى قَدَرٍ﴾: على ميعاد زمني ومكاني محدد قدّره الله تعالى؛ لتكليمك واختيارك للنبوة. سورة طه [٢٠: ٤١] ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ﴾: مشتقة من: الصّناعة، والصّناعة كما قلنا سابقاً تعني: جودة التّربية، والرّعاية، والحفظ من كلّ شر، أو سوء، أو قتل. فهذا يدل على أنّ صناعة موسى استمرت إلى مرحلة الشّباب، ولم يقل

стр. 3064

وصنعتك: وإنما قال: واصطنعتك: فيها معنى الاهتمام الخاص مثل التكليم، والوعد، (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة)، وتكرار الميعاد والآيات التّسع. ﴿لِنَفْسِى﴾: أي: اخترتك واصطفيتك برسالتي وبكلامي لمهمة خاصة: هي الذّهاب إلى فرعون الطّاغية الّذي ادعى الألوهية، وإلى بني إسرائيل، اللام: لام الاختصاص. سورة طه [٢٠: ٤٢] ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِئَايَاتِى وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى﴾: ﴿اذْهَبْ﴾: أنت وأخوك هارون بآياتي (العصا واليد) إلى فرعون وملئه. ﴿أَنْتَ﴾: للتوكيد، كان يمكن القول فقط اذهب وأخوك بآياتي. أضاف أنت؛ لأن الآيات: العصا واليد هي تخص موسى وحده. ﴿وَأَخُوكَ﴾: هارون. ﴿بِئَايَاتِى﴾: الباء: للإلصاق والاستعانة. ﴿وَلَا تَنِيَا﴾: لا: النّاهية، تنيا: من التّواني؛ أي: الفتور والتّقاعس، أو التّقصير. ﴿فِى ذِكْرِى﴾: في إقامة الصّلاة، وذكري من التّسبيح، والتّحميد، والتّهليل، وسائر العبادات القلبية والدّعاء. سورة طه [٢٠: ٤٣] ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ﴾: أنت وأخوك إلى فرعون. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿طَغَى﴾: تجاوز حدود الإسراف في الطّغيان، والفساد، والظّلم، والتّكبر، وادعى الألوهية، وأنّه هو الرّب الأعلى.

стр. 3065

سورة طه [٢٠: ٤٤] ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾: من اللين بدون عنف، أو غِلظة؛ أي: كلاماً لطيفاً سمحاً مرفقاً بالموعظة الحسنة. ﴿لَعَلَّهُ﴾: لعل: أداة تعليل. ﴿يَتَذَكَّرُ﴾: من الذّكر يتذكر ما نسي أنّ الله هو خالقه، والمنعم عليه، ويتوب وينيب إلى ربه. ﴿أَوْ يَخْشَى﴾: من الخشية: وهي الخوف المقرون بالرّهبة، والعلم؛ أي: يخاف ربه، ويخشى عذابه. والسّؤال هنا: كيف يقول سبحانه: "لعله يتذكر أو يخشى"، والله سبحانه يعلم في علمه الأزلي أنّ فرعون لن يتذكر، أو يخشى من نصح موسى وهارون؟ قيل: لإقامة الدّليل والحجة على فرعون يوم القيامة بأنّ الله سبحانه لم يدعوه، أو يرسل إليه رسولاً … وقدم في هذه الآية "يتذكر" على الخشية؛ أي: التّذكر أولاً، وإلا الخشية والخوف ثانياً. سورة طه [٢٠: ٤٥] ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾: ﴿قَالَا﴾: أي: موسى وهارون. ﴿رَبَّنَا﴾: حذف ياء النّداء الّتي تستعمل للبعد؛ لقرب المنادى من المنادي؛ لأنّهما يعلمان أنّ الله سبحانه قريب منهما بعلمه. ﴿إِنَّنَا﴾: إضافة النّون للتوكيد. ﴿نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾: نخاف أن يُعاجلنا بالعقوبة، ولا ينتظرنا أن نُريه آياتنا. ﴿أَنْ﴾: للتعليل والتّوكيد. ﴿يَفْرُطَ﴾: الفَرَط في اللغة: المتقدم؛ أي: يبادرنا بالعقوبة، أو يعاجلنا بها.

стр. 3066

﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾: أو: للتفضيل، وقد تعني أو: بمعنى (و)؛ أي: يفرط ويطغى معاً. أن: للتعليل والتّوكيد، وتكرارها للتوكيد، وفصل الإفراط عن الطّغيان. ﴿يَطْغَى﴾: من الطّغيان: وهو تجاوز الحد بالظلم وفي عدم الطّاعة، ويطغى علينا: بالقتل، أو التّعذيب. سورة طه [٢٠: ٤٦] ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا﴾: قال سبحانه "لا": النّاهية، "تخافا": منه. ﴿إِنَّنِى﴾: للتوكيد بدلاً من إنّي. ﴿مَعَكُمَا﴾: مع: ظرف مكاني وزماني؛ أي: معكما مكاناً وزماناً؛ أي: لن أترككما لحظة واحدة، أو اطمئنا. ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾: أسمع أقوالكم، وأرى أفعالكم، ولا يجوز تشبيه سمع ورؤية الخالق سبحانه بسمع ورؤية خلقه، وكما قلنا سابقاً فإنّه سبحانه يعلم ما سيقوله فرعون وما سيعمله منذ الأزل، وإنما ذلك لتطمين موسى وهارون بالذّهاب إليه؛ لإقامة الحجة عليه. سورة طه [٢٠: ٤٧] ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾: ﴿فَأْتِيَاهُ﴾: احضرا لعنده والتقيا به، والإتيان أسهل، والمجيء وأتى يعني: في المستقبل، وجاء يعني: وصل وحضر وفيه مشقة. ﴿فَقُولَا﴾: فقولا: الفاء: للمباشرة؛ أي: مباشرة ابدأ بالقول. ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾: إنَّا: أي: موسى وهارون، أو أنا وأخي رسولا ربك مرسلان من ربك؛ أي: ليس أنت الرّب، وفي سورة الشعراء آية (١٦) قال تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، رسولا: بالتثنية تعني: موسى وهارون، وأما قوله رسول بالإفراد؛ لأن رسالته واحدة، أو أحدهما يمثل الآخر، وكذلك

стр. 3067

الرسل تمثل رسول، والرسول يمثل الرسل؛ لأن الكل أرسل من رب العالمين ورسالتهم واحدة. ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: الفاء: للمباشرة؛ أي: أطلق سراح بني إسرائيل من مصر مباشرة، ودعهم يذهبون معنا؛ أي: موسى وهارون إلى الأرض المقدسة، وفي سورة الأعراف آية (١٠٥) قال تعالى على لسان موسى ﵇: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾. ﴿وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾: لا: الناهية؛ بقتل أبنائهم، واستحياء نسائهم، ولا تسُمْهُم سوء العذاب. ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾: قد: للتحقيق؛ أي: حقاً جئناك بآية: بمعجزة، ودليل، وبرهان. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: إعادة كلمة "من ربك" مرتين (إنا رسولا ربك، قد جئناك بآية من ربك): لتهتز أعصاب سمع فرعون بسماع الحق أن هناك رب حقيقي. ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾: السّلام جاء بصيغة المعرفة، ولم يقل سلام؛ لأنّ السّلام هنا سلام إنذار، ولا يعني سلام التّحية، أو سلام الأمن والطّمأنينة، أو سلام النّجاة من كلّ مكروه، السّلام؛ أي: سلام النّجاة والسّلامة من عذاب الله. ﴿عَلَى﴾: تفيد العلو والمشقة. ﴿مَنِ﴾: ابتدائية استغراقية. ﴿اتَّبَعَ الْهُدَى﴾: أي: اتبع ما أنزل إليه من ربه على لسان رسله، وكتبه من أوامر ونواهٍ، ولم يقولا لفرعون: سلام عليك؛ لأنّه لم يك متبعاً أيَّ هدى. سورة طه [٢٠: ٤٨] ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: ﴿إِنَّا قَدْ﴾: للتوكيد. قد: للتحقيق.

стр. 3068

﴿أُوحِىَ إِلَيْنَا﴾: الوحي لغة: هو إعلام بخفاء؛ أي: أخبرنا بالوحي من ربنا. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٣)؛ للبيان. ﴿أَنَّ الْعَذَابَ﴾: أنّ: للتوكيد. ﴿الْعَذَابَ﴾: في الدّنيا، أو في الآخرة، والعذاب يكون بالصّواعق، أو الخسف، أو الطّوفان، أو الحرائق، أو الرّيح العقيم، أو الصّيحة، أو المرض والقحط، والجوع، والعطش، والقتل، والسّبي، والخوف، والرّعب، وعذاب القبر، وعذاب النّار … وغيرها من ألوان العذاب. ﴿عَلَى مَنْ كَذَّبَ﴾: على: تفيد العلو والمشقة. ﴿مَنْ﴾: ابتدائية. ﴿كَذَّبَ﴾: بآيات ربه، ولم يؤمن بها، أو يصدقها. ﴿وَتَوَلَّى﴾: عن آيات ربه؛ أي: ابتعد عنها، ولم يستمع إليها. سورة طه [٢٠: ٤٩] ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾: هذه الآية تدل على أنّهما أتيا فرعون وقالا: إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل، والسّلام على من اتبع الهدى، وكلّ ما سبق ذكره. ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾: قال فرعون لموسى وهارون: فمن ربكما: الفاء: للمباشرة والتّعقيب. من: استفهام فيه معنى الإنكار، والتّعجب، وقال: ربكما، ولم يقل: ربنا؛ لأنّه ما زال يجحد ربوبية الله. ﴿يَامُوسَى﴾: وجَّه الخطاب إلى موسى وحده؛ لأنّ فرعون ربَّى موسى، فلعل موسى يتذكر ربوبية فرعون له، أو لأنّ موسى كان المتكلم مع فرعون وهارون المستمع لكونه الوزير.

стр. 3069

سورة طه [٢٠: ٥٠] ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ﴾: قال موسى رداً على سؤال فرعون: ربنا الّذي أعطى كلّ شيء: نكرة: مهما كان نوعه من إنس أو جن، ونبات، وحيوان، وجماد، أو صغير، أو كبير، وسماء، وأرض، وجبال، وشجر، ونجوم، وقمر، معلوم، وغير معلوم. ﴿خَلْقَهُ﴾: صورته؛ أي: شفرته الوراثية الّتي فيها شكله، ولونه، وفطرته، وصفاته. ﴿ثُمَّ هَدَى﴾: ثمّ: للترتيب الذّكري. ﴿هَدَى﴾: أي: هداه بالإلهام، وأرشده بالفطرة كيف يُسبح ويُصلي، ويقوم بوظيفته الّتي سخرها الله له، وكيف يأكل ويشرب، ويدافع عن نفسه، ويحافظ على نسله. سورة طه [٢٠: ٥١] ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾: ﴿قَالَ فَمَا﴾: قال فرعون: فما: الفاء: للتوكيد؛ ما: اسم استفهام. ﴿بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾: القرون الأولى: الأمم الماضية الأولى ما بالها، ما أخبارها وأحوالها؟ فهي لم تقر بالرّب، وتؤمن به، بل عبدت الأصنام، ما مصيرها بعد أن مضت وانقرضت، أو هلكت وزالت؟

стр. 3070

سورة طه [٢٠: ٥٢] ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّى فِى كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنْسَى﴾: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّى﴾: قال موسى رداً على سؤال فرعون: علمها عند ربي؛ أي: لا يعلم حال القرون الأولى، وما كانت تعبد، وما كانت عليه من الإيمان، والكفر، والشّرك، وما حل بها إلا ربي وحده. ﴿فِى كِتَابٍ﴾: أعمالها مدونة في اللوح المحفوظ، أو أعمال كلّ أمة ـ وبالتّالي أفردها ـ مدونة: مكتوبة في كتب الملائكة ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨ - ٢٩]. ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّى﴾: لا يخطئ ربي، أو لا يغيب عن علمه شيء في الأرض، ولا في السّماء. ضل الشّيء: خفي وغاب، وضل المسافر الطّريق: ضاع، ولم يعد يعرفه. ﴿وَلَا يَنْسَى﴾: النّسيان: هو عدم تذكر الشّيء المعلوم سابقاً، وتكرار (لا): يفيد التوكيد، وفصل يضل عن ينسى، أو كلاهما معاً. إذن ربي منزَّه عن الخطأ والنّسيان والسهو والضياع والغياب. سورة طه [٢٠: ٥٣] ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَّبَاتٍ شَتَّى﴾: استمر موسى في التّعريف على ربه لفرعون؛ لعله يتذكر، أو يخشى.

стр. 3071

﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾: جعل: صيّر. لكم الأرض: خاصة. ﴿مَهْدًا﴾: أي: مهّدها حتّى تسهل الحياة عليها للإنسان والحيوان، والعلم يؤكد لنا أن الأرض بدأت بتضاريس معقدة شديدة الالتحام؛ فسخر الله سبحانه عوامل التعرية، والرياح، واختلاف درجات الحرارة، والصيف والشتاء والمطر والسيول والجبال؛ لكي يشق لنا الفجاج والسبل. مهداً؛ أي: سوّاها ومهّدها فجعلها صالحة للعيش، وشبّهها بمهد الطّفل: (فراش الطّفل)؛ فهي رغم دورانها (٣٠) كيلو متراً في الثّانية، فنحن لا نشعر بحركتها، وهذا من فضل الله علينا، ولو اهتزت بمقدار ثمان درجات على ميزان ريختر، لحدث فيها زلازل عظيمة ولهدمت البيوت ومات الكثير من البشر. ومهداً رغم كونها بيضاوية؛ أي: كروية الشكل. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾: سلك: بمعنى أدخل شيئاً في شيء آخر بشكل سهل؛ أي: جعل وصيّر فيها سبلاً؛ أي: طرقاً توصلكم إلى غاياتكم، وفي سورة الزخرف آية (١٠) قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ فهو قد (جعل لكم) أولاً، ثم (سلك لكم)؛ أي: الجعل قد يسبق السلك؛ أي: صيرها سهلة بعد أن كانت وعرة. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: السّماء تعني: السّحب الرّكامية، وتعريف السّماء: هي كلّ ما علاك، والسّحب في السّماء تعلو الإنسان، فأبدل كلمة السّحب بالسّماء. ﴿مَاءً﴾: أي: ماء المطر، وهذا يشير إلى دورة الماء حول الأرض. ارجع إلى سورة المؤمنون، آية (١٨).

стр. 3072

وأنزل: جاء بصيغة المفرد؛ لأنّ المقام مقام توحيد، فهو يدعو فرعون للتوحيد، وإنزال المطر من السّحب من اختصاصه سبحانه وحده، وأحياناً يقول تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الفرقان: ٤٨]، وذلك في مقام التّعظيم، والتّفخيم، وتعداد النّعم، فيأتي بصيغة الجمع. ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة. أخرجنا به؛ أي: الماء، وعدل في هذه إلى صيغة الجمع للتعظيم؛ لأنّ إخراج النّبات في الحقيقة عملية تدل على عظمة الخالق وقدرته، وإخراج الأزواج يحتاج إلى حرث الأرض وبذرها وسقي الحرث وغيرها؛ فهي عملية يشارك بها الكثير من النّاس، أو: أخرجنا: للتعظيم. ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَّبَاتٍ شَتَّى﴾: أزواجاً؛ أي: ذكراً وأنثى؛ لأنّ تكاثر النّبات يحتاج إلى زوجين، وأزواجاً؛ أي: أصنافاً كلّ صنف منها يسمى زوجاً. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية لبيان الجنس. ﴿نَّبَاتٍ شَتَّى﴾: أي: نباتات مختلفة كثيرة متنوعة في الشّكل والحجم والفائدة، متنوعة في الطّعم، والرّائحة، واللون، وهناك اختلافات حتّى في الصّنف الواحد. ﴿شَتَّى﴾: جمعها: شتيت؛ أي: أشياء كثيرة مختلفة متنوعة؛ فالله سبحانه خلق كلّ شيء من زوجين؛ لتبقى الوحدانية خاصة به، وحده من دون المخلوقات. سورة طه [٢٠: ٥٤] ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِى النُّهَى﴾: ﴿كُلُوا﴾: أنت من النّباتات الشّتى. ﴿وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾: وارعوا من: رعى الماشية يرعاها: إذا أطلقها في المرعى حتّى تأكل وتشرب. والأنعام ثمانية أزواج: الإبل والبقر، والغنم والماعز، ولم

стр. 3073

يقل بهيمة الأنعام؛ لأنّ بقية أصناف الأنعام ترعى لوحدها، ولا نسيطر عليها، وذكر هذه الآية هنا يفيد التّذكير بالنّعم، وأنّ الله سبحانه خلق لكم ولأنعامكم الّتي تأكلوها مقومات الطّعام والشّراب. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة للبعد في تسخيرها، وكونها متاعاً لنا. ﴿لَآيَاتٍ لِّأُولِى النُّهَى﴾: اللام: في "لآيات": للتوكيد، واللام في "لأولي": للاختصاص. ﴿النُّهَى﴾: أي: ذوي العقول، والعقل يطلق عليه النُّهى، والنُّهى: من النهي عن الشّيء، والعقل من العقال الّذي نعقل به الدّابة حتّى لا تشرد، والعقل قادر على أن يتحكم بأعمال العبد فيبعده عن القبيح والفساد والرّذيلة، ويهديه إلى أفعال الخير، والصلاح، أو بالعكس. وإذا قارنا أولي الألباب بأولي النُّهى، أولي الألباب: أعلى درجة من أولي النُّهى. سورة طه [٢٠: ٥٥] ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾: بعد كل هذه النعم جعل لكم الأرض مهداً، وسلك لكم فيها سبلاً، وكلوا منها وارعوا أنعامكم، لا تنسوا أنكم ستبعثون منها؛ من الأرض الجديدة. ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾: أنّا خلقناكم من الأرض؛ أي: من تراب؛ أي: تأكلون مما أخرجنا لكم من الأرض. ارجع إلى سورة الحج، آية (٥)؛ للبيان. ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾: بعد الموت نعيدكم فيها، وتقديم "فيها" يفيد الحصر؛ أي: لا تعود إلا فيها بعد الموت، والدّفن في القبور.

стр. 3074

﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾: أي: مرة أخرى، أو ثانية بالبعث، تارة: بمعنى: المرة أو الحين. وقوله: منها خلقناكم؛ أي: من الأرض؛ فالأرض كالأم الحقيقية للإنسان رغم أن هناك أماً أخرى تلده عن طريق التناسل، وبعد أن يرضع من هذه الأم؛ أي: يأكل مما تنبت الأرض من الحب والثمار، ثمّ بعد ذلك يموت فيرجع إلى أمّه الحقيقية وهي الأرض، وبهذا تكون دورته من الأرض إلى الأرض. سورة طه [٢٠: ٥٦] ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق. ﴿أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾: أريناه؛ أي: فرعون، آياتنا التّسع: (العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضّفادع، والسّنين … )، والآيات تعني: المعجزات، والدّلائل، والبراهين الدّالة على قدرتنا ووحدانيتنا. أريناه: أي: رغم ذلك لم يتعظ ويعد إلى رشده، وكذب بها كلها. ﴿كُلَّهَا﴾: تفيد التّوكيد. ﴿فَكَذَّبَ﴾: بها، ولم يصدقها، وزعم أنّها سحر. ﴿وَأَبَى﴾: أي: امتنع بشدة أن يؤمن بالله وحده، ويستجيب لدعوة موسى، أبى من الإباء: وهو شدة الامتناع، فكلّ إباء امتناع، وليس كلّ امتناع إباء. سورة طه [٢٠: ٥٧] ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾: ﴿أَجِئْتَنَا﴾: الهمزة: همزة استفهام وإنكار وتعجب. ﴿لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾: اللام: لام التّعليل؛ تخرجنا من أرضنا: من مصر ليصبح لك الملك.

стр. 3075

﴿بِسِحْرِكَ﴾: الباء: للإلصاق والاستعانة، سمى فرعون كلّ تلك الآيات وما جاء به موسى: سحراً. ﴿يَامُوسَى﴾: نداء فيه معنى السّخرية والاستهزاء، ولمعرفة معنى السّحر انظر في الآية (٥٨) التالية. سورة طه [٢٠: ٥٨] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ﴾: الفاء: للتوكيد، وكذلك النّون: لزيادة التّوكيد. ﴿بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ﴾: تعريف السّحر لغةً: هو كل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، وأصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره. والسحر اصطلاحاً: هو المخادعة، والتخييل، أو عزائم ورقى وعُقد. والسحر يقسم إلى السحر الحقيقي: الذي له تأثير حقيقي يؤدي إلى الضرر بالمسحور حتى يصل إلى درجة المرض أو التفريق بين المرء وزوجه، والهذيان والنسيان، وكما قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِى الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. والقسم الثاني: هو السحر التخيلي: وهو السحر المبني على التمويه، والخداع، والتخيل الذي لا حقيقة له، كما فعل سحرة فرعون: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] رغم أن حبالهم وعصيهم لم تتغير، وهذا قد يؤدي إلى الفزع والخوف والضرر. فالسّحر لا يقلب حقيقة الشّيء، بل يظل الشّيء على حقيقته، ويقع السّحر للرائي فيرى الأشياء على غير حقيقتها؛ أي: سحر أعينهم.

стр. 3076

فالسّحرة حين ألقوا حبالهم بقيت الحبال حبالاً في الحقيقة، ولكن الّذي رأى الحبال ونظر إليها رآها حيات، أو ثعابين تسعى، أمّا عصا موسى فعندما ألقاها تحولت إلى حية حقيقية تسعى، وليس سحراً. ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة. ﴿بَيْنَنَا﴾: فرعون وملئه، وبينك يا موسى. ﴿مَوْعِدًا﴾: مصدر من: وعد، والموعد يكون زماناً ومكاناً. ﴿لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾: أي: نتفق عليه معاً، ولا يُخلفُه أيٌّ منا. ﴿مَكَانًا سُوًى﴾: أي: وسطاً عدلاً يستوي طرفاه؛ يعني: مكاناً وسطاً، وسط المدينة، أو يسهل على الكل الوصول إليه، أو الحضور إليه. وقيل: سوى: مستوياً بحيث يستطيع الجميع رؤية ما يحدث، كما نراه في الملاعب الرّياضية. سورة طه [٢٠: ٥٩] ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾: قال موسى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: يوم العيد (للأقباط)، ويوم الزّينة؛ لأنّ النّاس يلبسون أجمل الثّياب والزّينة، واختار موسى يوم العيد؛ لأنّه واثق بنصر الله تعالى وتأييده له، وأنّه يريد أن يكشف لأكثر جمع من النّاس قدرة الله سبحانه، وأنّه هو الإله الحقيقي بمعجزة العصا، ويتحدى السّحرة. ﴿وَأَنْ﴾: للتعليل. ﴿يُحْشَرَ﴾: الحشر: القدوم إلى المكان والاجتماع فيه. ﴿ضُحًى﴾: وقت الضّحى، وضح النّهار وشروق الشّمس. فموسى حدّد اليوم وحدّد السّاعة وحدّد المكان.

стр. 3077

سورة طه [٢٠: ٦٠] ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾: ﴿فَتَوَلَّى﴾: الفاء: للمباشرة، والتّعقيب؛ أي: ترك فرعون موسى مباشرة؛ ليستعدّ لهذا التّحدي. ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة. جمع كيده: الكيد هو التّدبير الخفيّ للإيقاع بموسى، والكيد هنا يعني: السّحرة الذين سيكيدون موسى؛ أي: جمع السحرة وحشدهم لتحدي موسى بسرعة. ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن والتّرتيب، ولم يقل: فجمع كيده فأتى، بل قال: ثم أتى؛ أي: تباطأ فرعون وكأنه عبر عن خوفه بعدم الرغبة بالحضور بسرعة لمواجهة موسى. ﴿أَتَى﴾: أتى فرعون الموعد مع سحرته؛ أي: المكان المحدد، وفي الزّمن المعلن بدون تأخير. ولم يذكر في هذه السّورة بعض الأحداث الّتي حصلت خلال هذا الزّمن مثل: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٩ - ١١٤]. سورة طه [٢٠: ٦١] ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى﴾: لهم: أي: لفرعون، والسّحرة، والملأ. ﴿وَيْلَكُمْ﴾: الويل: هو العذاب، والهلاك.

стр. 3078

لما رأى موسى السّحرة، وما هم مقبلون عليه، راح يحذرهم، وينذرهم بالهلاك والعذاب إن افتروا على الله كذباً بما سيقومون به من السّحر. ﴿لَا تَفْتَرُوا﴾: لا: النّاهية؛ تفتروا: الافتراء: هو اختلاق الكذب المتعمد. ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: كذباً: نكرة؛ أي: لا تفتروا على الله تعالى أيَّ نوع من الكذب مهما كان، والنّكرة تفيد التّهويل، وتعظيم الأمر، بأن تكذبوا وتزعموا، أو تقولوا وتدَّعوا بأنّ آياته سبحانه هي سحر، والعصا وغيرها. ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾: يهلككم: أو يستأصلكم بعذاب في الدّنيا قبل الآخرة؛ الفاء: للتعقيب، والمباشرة بعد افتراء الكذب، والباء: للإلصاق وباء السّببية، يقال: أسحت ماله، استأصله وأفسده، أسحت الشّعر: أي: أزاله واستأصله. ﴿وَقَدْ خَابَ﴾: قد: للتحقيق، خاب: خسر، والخائب: الّذي فقد الأمل في حدوث ما يرغب أو انقطع أمله في النجاة. ﴿مَنِ افْتَرَى﴾: من تعمد الكذب واختلقه، من: للعاقل، وتشمل المفرد، والمثنى، والجمع. سورة طه [٢٠: ٦٢] ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾: أي: تشاوروا بينهم بعد أن حذرهم موسى بقوله: ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب، أو ربما أثر هذا القول في أنفسهم مما أدى إلى معرفة رأي كلّ منهمُ الآخر. والتّنازع مشتق من: أنّ كلّ ذي رأي يريد نزع رأي صاحبه لرأيه؛ أي: يوافق على رأيه لما يراه من الصّواب، أو نزعه ليتخلّى عن رأيه، حتّى يصلوا إلى قرار واحد.

стр. 3079

﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: النّجوى: المسارّة في الحديث بحيث لا يسمع موسى وهارون، أو فرعون وقومه ما تشاوروا به، وقيل: النّجوى كانت قولهم الّذي جاء في الآية (٦٣) التالية. سورة طه [٢٠: ٦٣] ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾: ﴿قَالُوا﴾: أي: السّحرة. ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾: إن: بمعنى: نعم، هذا لساحران. لساحران: اللام: للتوكيد؛ أي: موسى وهارون لساحران. ﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم﴾: أن: للتوكيد. ﴿يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم﴾: من مصر. ﴿بِسِحْرِهِمَا﴾: الباء: للتعليل، أو باء السّببية. ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾: المثلى: مؤنث: أمثل، والمثلى: يعني: الطّريقة؛ أي: الطّريقة، أو الملة الّتي سلكوها، وهي اتخاذهم إلهاً يعبدونه من دون الله؛ أي: طريقة الشرك بالله، فموسى وهارون يريدان أن يصرفاكم إلى طريقة أخرى هي عبادة الله وحده، أو تعني: يصرفان عيون النّاس عنكم؛ لتتوجه إليهما. ويؤيد ذلك قول فرعون: ﴿إِنِّى أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِى الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]. سورة طه [٢٠: ٦٤] ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾: الفاء: للترتيب والمباشرة؛ أجمعوا كيدكم؛ أي: سحرتكم ووحّدوا أمركم، أو رأيكم، أو اتفقوا على أمر واحد مباشرة بدون تأخير

стр. 3080

وكونوا صفاً واحداً، ولا تختلفوا، هذا قول بعضهم لبعض، أو قول فرعون لهم، ونصيحة بعضهم لبعض، أو نصيحة فرعون لهم. ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: ثم: للترتيب والتراخي في الزمن؛ أي: وحّدوا رأيكم وكونوا صفاً واحداً ضد موسى وهارون، واختلاف كلمتهم، وعدم وحدة رأيهم يحتاج إلى زمن لكي يوحدوا لمتهم ويجتمعوا على رأي واحد، ولذلك استعمل ثم بدل فأتوا صفاً. ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾: قد: للتحقيق. ﴿أَفْلَحَ﴾: فاز وانتصر، ونجى من العذاب. ﴿مَنِ اسْتَعْلَى﴾: من غلب عدوه، وأراد العلو على خصمه. من: اسم موصول بمعنى الّذي، وهي للعاقل؛ أي: قد فاز وانتصر ونجا من غلب اليوم عدوه أو خصمه.

стр. 3081

سورة طه [٢٠: ٦٥] ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾: ﴿قَالُوا يَامُوسَى﴾: أي: سحرة فرعون قالوا: يا موسى، اختر أحد الخيارين. ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ﴾: إمّا: للتخيير. ﴿أَنْ﴾: للتعليل، والتّوكيد. ﴿تُلْقِىَ﴾: عصاك، والإلقاء: يعني: طرح الشّيء الّذي معك بحيث يراه الكل، وإما أن نكونَ أول من ألقى. سورة طه [٢٠: ٦٦] ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾: ﴿قَالَ﴾: موسى. ﴿بَلْ أَلْقُوا﴾: بل: للإضراب الانتقالي؛ أي: اختار موسى أن يلقوا أولاً، وهذا إلهام من الله تعالى لموسى. ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾: الفاء: للمباشرة، والتّعقيب؛ إذا: ظرفية زمانية "الفجائية". ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾: إلى موسى، وإلى غيره من المشاهدين. ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾: أي: أنها حيات تتحرك؛ لأنّهم سحروا أعين النّاس، ولتعريف السّحر. ارجع إلى الآية (٥٨) من السّورة نفسها. سورة طه [٢٠: ٦٧] ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾: ﴿فَأَوْجَسَ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة. أوجس: أحس بالخوف وأضمره، الإيجاس: إحساس بشيء وإضماره؛ حتّى لا يظهر لمن حوله.

стр. 3082

﴿فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾: أحس موسى في نفسه شيئاً من الخوف؛ فأضمره، ولم يظهره لمن حوله؛ أي: للسحرة، أو لفرعون، أو للمشاهدين. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٧٠) من سورة هود، وما حدث لإبراهيم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ في هذه الآية قدم الملائكة على الخوف. وفي الآية (٦٧) من هذه السّورة قدم موسى نفسه على الخوف، فإبراهيم خاف في نفسه من الملائكة؛ لأنّه لم يعرفهم، ولم يأكلوا طعامه؛ فخاف منهم خوفاً شديداً، ولم يستطع أن يخفي خوفه، ويضمره في نفسه، ولذلك ظهر على وجهه؛ فعلم الملائكة ذلك؛ فقالوا له: لا تخف إنّا أرسلنا إلى قوم لوط. أما موسى شعر بالخوف الشّديد، وأضمره وكتمه، ولم يبدِهِ لفرعون ولا للسحرة، ولا للمشاهدين، وأيده الله وأعانه على ذلك أمام عدوه، ولو ظهر عليه الخوف، لدل ذلك على ضعف ثقته بالله وإيمانه. ارجع إلى الآية (٧٠) من سورة هود؛ لمزيد من البيان. سورة طه [٢٠: ٦٨] ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾: ﴿قُلْنَا﴾: أي: ألهمنا موسى حالاً؛ قلنا: جاء بنون التّعظيم، أو العظمة؛ للدلالة على التّوكيد على عدم الخوف. ﴿لَا تَخَفْ﴾: لا: النّاهية، لا تخف بما قاموا به من السّحر، لا تخف من حبالهم، وعصيِّهم؛ كأنها حيات تسعى. ﴿إِنَّكَ﴾: إنّ: للتوكيد، والكاف للمخاطب "موسى". ﴿أَنْتَ﴾: ضمير فصل يفيد الحصر. ﴿الْأَعْلَى﴾: الغالب، والمنتصر، أو الفائز الأعلى، صيغة تفضيل.

стр. 3083

سورة طه [٢٠: ٦٩] ﴿وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾: أوحينا إلى موسى: وألق ما في يمينك، ولم يقل عصاك؛ أي: اطرح ما في يمينك (وهي عصاه)، ولكنه لم يقل عصاك؛ لأنّها ليست من جنس العصيّ المعهودة، بل هي آية خارجة عن حدود سائر العصيّ المعهودة. ﴿وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ﴾: نكرة؛ لأنّها غريبة التّصرف، وأبهم وقال: ما في يمينك؛ للتهويل، والتّعظيم؛ لأنّها عصا لا يحيط بعلمها إلا الله الّذي خلقها. ﴿تَلْقَفْ﴾: تبتلع ما صنعوا؛ أي: من السّحر، حيث سحروا أعين النّاس فأصبحوا يروا أنّ الحبال والعصيّ الّتي ألقاها السّحرة حيات تسعى، تلقفْ بالسّكون، وفي آيات أخرى تكون مضمومة؛ أي: تلقفُ ﴿فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: ١١٧]، فما الفرق بينهما؟ تلقفْ: بالسكون تدل على أنّ اللقف لم يحدث بعد، وسيحدث قريباً. بينما تلقفُ: بالضّم: تدل على أنّ اللقف والابتلاع واقعٌ ويحدث الآن، وقيل: أصل تلقف: تتلقّف وتلقّف حذفت منها التاء؛ لتدل على قصر الزّمن الّذي تحتاجه لابتلاع الحبال، والعصيّ؛ أي: تدل على السّرعة، وتتلقّف: تحتاج إلى زمن أطول فتدل على البطء. ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾: إنّما: كافة مكفوفة تفيد الحصر والتّوكيد؛ أي: ما صنعوا، أو قاموا به مجرّد سحر، أو ما صنعوا، أو قاموا به كيدٌ؛ أي: تدبير خفي يقوم به السّاحر؛ ليوهم الأعين أنّ ما تراه حقٌّ، وهو باطلٌ، وتعني: فلا تبالِ بكثرة حبالهم وعصيِّهم. ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾: ولا: لا: النّافية. ﴿يُفْلِحُ السَّاحِرُ﴾: لا يفوز، أو لا يأمن السّاحر مهما أوتي من قدرة على السّحر، وأينما كان وحيث سار.

стр. 3084

﴿حَيْثُ أَتَى﴾: من حيث أقبل، هناك فرق بين كلمة حيث، وكلمة أين. حيث: تدل على المكان الخاص، وليس كلّ مكان (الإطلاق) كما هو الحال في كلمة "أين" الّتي تدل على الإبهام والإطلاق في المكان، ولم يقل من حيث جاء؛ لأنّ "أتى" أعم من "جاء"، وجاء فيها معنى المشقة، أو الصعوبة، وأتى تحمل معنى السهولة. سورة طه [٢٠: ٧٠] ﴿فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾: ﴿فَأُلْقِىَ﴾: الفاء: تدل على المباشرة؛ أي: سجدوا مباشرة وبسرعة لله. ﴿السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾: خروا ساجدين لله تعالى بعد رؤيتهم ما حدث لعصا موسى، ولم يكُ سحراً، وإنما حقيقة، أو حق، فقد تحولت إلى حية تلقفُ ما يأفكون، ما رأوه من الحق ألقاهم على وجوههم ساجدين بسرعة، وقبل أن يعلنوا إيمانهم، وبعد أن خروا لله سجّداً، أعلنوا إيمانهم بعكس الأمر الطّبيعي، وهو أن يعلنوا إيمانهم أولاً، ثمّ يسجدوا، ولكن ما حدث هو العكس. سجداً: جمع ساجد، ويعني: السجود الظاهري التي تراه العين، وأما السجود الحقيقي يعني: الخشوع مع السجود الظاهري. ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾: نلاحظ هنا تقديم هارون على موسى، وهذه هي الآية الوحيدة الّتي قدمت هارون على موسى، وأما في سورة الشّعراء، آية (٤٧ - ٤٨)، وسورة الأعراف، آية (١٢١ - ١٢٢) ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، والتقديم سببه حتّى لا يظن أحد أن رب موسى هو فرعون الّذي رباه، وترعرع في قصره، ولذلك قدم هارون وأخَّر موسى. لتفسير ذلك يمكن القول: إنّ السّحرة الّذين كان عددهم كبيراً، وقيل: (٧٢) ساحراً بعد أن خرّوا سجّداً، ورفعوا رؤوسهم؛ قسمٌ قالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون، وقسمٌ قالوا: آمنا برب هارون وموسى، ولم يوجد هناك من قال:

стр. 3085

آمنا برب موسى وهارون بدون ذكر رب العالمين. وأما تقديم هارون على موسى في هذه الآية فقد فسّر ذلك بثلاثة احتمالات، والله أعلم: الأوّل: لأنّ ذكر هارون تكرر كثيراً في هذه السّورة مقارنة بسورة الأعراف، والشّعراء، والسّياق هو السّبب. الثّاني: لأنّه لم يسبقها قول: رب العالمين؛ لأنّه لو قال: رب موسى وهارون، فقد يظن البعض فرعون؛ لأنّ فرعون ربّاه، ونشأ عنده؛ فهو له كربٍّ، ولذلك أخّر ذكر موسى، وجاء بهارون؛ لأنّ فرعون لا يمكن أن يدّعي أنّه رب هارون؛ لأنّه لم يربِّه، كما ربّى موسى. الثّالث: هارون هو أكبر من موسى سناً، وأفصح لساناً ووزيرٌ له. سورة طه [٢٠: ٧١] ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾: ﴿قَالَ﴾: قال فرعون بعد أن رأى السَّحَرة يسجدون لله رب العالمين: ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾: أي: صدّقتم موسى. ﴿لَهُ﴾: اللام: لام الاختصاص والاتباع. ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾: أي: قبل أن أسمح لكم. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾: إنّه: للتوكيد. ﴿لَكَبِيرُكُمُ﴾: اللام: لام الاختصاص، الّذي علمكم السّحر؛ أي: موسى الّذي علمكم السّحر. ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة، هذا تهديد ووعيد، والنّون في "أقطعن" لزيادة التّوكيد.
следующие страницы →