Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
إذا وقع السّؤال وحذف قل أو فقل، فذلك يدل على أن الله سبحانه قريب ويريد الله سبحانه الإجابة على السّؤال بدون تدخل الرّسول ﷺ .
سورة طه [٢٠: ١٠٦]
﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا﴾:
يصبح مكان الجبال بعد نسفها أرضاً مستوية، أو تصبح الأرض بعد نسف الجبال وزوالها أرضاً، من صفاتها "قاعاً": أرضاً مستوية.
﴿صَفْصَفًا﴾: ليس فيها نبات، ولا شجر، وهي الأرض الجديدة الّتي سنبعث منها، وهي أكبر بكثير من أرضنا الحالية؛ لتضم بلايين بلايين البشر منذ آدم حتّى آخر من يُخلق.
سورة طه [٢٠: ١٠٧]
﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾:
﴿فِيهَا﴾: تعني الأرض.
﴿عِوَجًا﴾: يعني: الميل أو الانحناء الحسي، أو المادي؛ أي: لا ترى في الأرض عوجاً أودية (عوجاً: انخفاضات).
﴿وَلَا أَمْتًا﴾: روابي (أمتاً: الارتفاع؛ أي: رابية؛ أي: لا ترى فيها انخفاضاً، ولا ارتفاعاً لا وادي ولا رابية)، وتكرار "لا" تفيد التّوكيد، لا هذا، ولا ذاك، ولا كلاهما معاً.
سورة طه [٢٠: ١٠٨]
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِىَ﴾:
﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم البعث. يومئذٍ: مركبة من: "إذ" و "يوم". أضيف ظرف إلى ظرف. ارجع إلى سورة الحاقة، آية (١٥)؛ للبيان.
﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِىَ﴾: يتبعون الدّاعي جاءت بأل التعريف؛ أي: إسرافيل إلى
стр. 3117
أرض المحشر بالنّفخة الثّانية؛ كقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: ٦ - ٧].
﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾: لا: النّافية. لا عوج لدعائه: يصل دعاؤه (النّفخ في الصور)؛ أي: يسمع نفخه الكلّ، ولا يرفض أحدٌ اتباعه، ولا يعدل عنه أحد.
﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾: خشعت: من الخشوع، وهو الخضوع لأوامر الله، والذل والانكسار، ويظهر في الصوت والبصر، والخضوع يظهر على البدن، لا يجرؤ أحد على الكلام بصوت مرتفع، وإذا تحدثوا تحدثوا همساً، وهذا ما يحدث أيّام الشّدائد، والأهوال، لا يجرؤ أحد على رفع صوته، فلا: الفاء للتوكيد، لا: النّافية. تسمع إلا همساً: "إلا" حصراً.
سورة طه [٢٠: ١٠٩]
﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾:
﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم القيامة. ارجع إلى الآية (١٠٨) السّابقة.
﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾: لا: النّافية، تنفع الشّفاعة: ارجع إلى (٨٥) من سورة النّساء؛ لمعرفة معنى الشّفاعة.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾: من: ابتدائية، فأوّل متطلب هو الإذن من الرّحمن والمتطلب الثّاني:
﴿وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾: رضي: للمشفوع فيه قولاً؛ أي: رضي ما كان يقول في الدّنيا مثل: لا إله إلا الله؛ أي: لا بد من أن يكون موحداً لله تعالى أو غيره، يؤمن بوحدانية الله تعالى.
стр. 3118
سورة طه [٢٠: ١١٠]
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾:
في الآية السّابقة يقول سبحانه: إلا من أذن له الرّحمن ورضي له قولاً.
﴿وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾: من رضي له قولاً؛ لأنّه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: الضمير هنا يعود إلى الّذين يتبعون الدّاعي، وأهل الشّفاعة. ما بين أيديهم: من أمر الآخرة، وما خلفهم: من أمر الدّنيا؛ أي: ما فعلوه وسيفعلونه، أو بالعكس.
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ﴾: بالله؛ لأنّ هناك الكثير من الأشياء الّتي لا يطلعها سبحانه على عباده، ولا يعرفها أحد منهم، فلا أحد من الخلائق يحيط علماً بذات الله سبحانه، أو صفاته وأفعاله، وتقديم به الجار والمجرور يدل على الحصر.
سورة طه [٢٠: ١١١]
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَىِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾:
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾: استسلمت النّفوس لخالقها؛ أي: ذلت وخضعت في ذلك اليوم، وعنت مشتقة من: العاني، والعاني أصلاً هو: الأسير الّذي استسلم.
﴿لِلْحَىِّ الْقَيُّومِ﴾: اللام: لام الاختصاص والاستحقاق، الحي القيوم: ارجع إلى سورة البقرة، الآية (٢٥٥).
﴿وَقَدْ﴾: قد: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿خَابَ﴾: خسر.
﴿مَنْ﴾: ابتدائية.
стр. 3119
﴿حَمَلَ ظُلْمًا﴾: الظلم: الشرك؛ أي: قد خسر من أشرك بالله في دنياه، ومات ولم يتب، وحمل ظلمه (شركه) إلى الآخرة.
سورة طه [٢٠: ١١٢]
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾:
﴿وَمَنْ﴾: شرطية.
﴿يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾: من بعضية؛ أي: بعض الصّالحات؛ لأنّ طاقة الإنسان لا تقوى على عمل كلّ الصّالحات، ومن رحمته بنا قال: "من" أي: بعض الصّالحات.
وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: فالإيمان هو شرط لقبول العمل الصّالح، مؤمن بالله ووحدانيته، وكتبه، ورسله، وملائكته، واليوم الآخر.
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النّافية.
﴿يَخَافُ ظُلْمًا﴾: لا يخاف أن نظلمه بزيادة سيئة من سيئاته.
﴿وَلَا هَضْمًا﴾: ولا ننقصه حسنة من حسناته، (الهضم نقصان بعض الحق)، والظلم: هو أخذ جميع حق الغير، أو بعضه.
﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾: لا يخاف أن نمنعه حقَّه، ولا بعض حقِّه، تكرار "لا": لتوكيد النّفي، وفصل كلّ واحد عن الآخر، أو كلاهما معاً؛ أي: لا ظلماً، ولا هضماً لوحده ولا كلاهما معاً.
سورة طه [٢٠: ١١٣]
﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾:
﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ﴾: سبقها قوله: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [الآية: ٩٩]؛ أي: كما
стр. 3120
قصصنا عليك من أنباء ما قد سبق، أنزلنا عليك قرآناً عربياً؛ أي: بلسان عربي مبين، والإنزال يعني: جملة واحدة من اللوح المحفوظ في السّماء الدّنيا؛ ليفهموا ويدّبّروا آياته، صرفنا فيه عن الوعيد؛ أي: كررنا فيه آيات الوعيد على صور، وأساليب مختلفة.
﴿مِنَ الْوَعِيدِ﴾: من ابتدائية، الوعيد: يكون في الشر خاصة، وأما الوعد يكون للخير والشر، وإذا أطلق يختص بالخير.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل: للتعليل.
﴿يَتَّقُونَ﴾: أي: يطيعوا أوامر الله ويجتنبوا نواهيه، أو يتّقون عذاب الله.
﴿أَوْ﴾: على الأقل.
﴿يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿ذِكْرًا﴾: يذكرهم بما نسوه، أو يعظهم بطاعته، وعبادته، ويوقظهم من سباتهم، ويذكرهم بفعل الطاعات، والخيرات؛ فالقرآن هو من أوجد وأحدث لهم ذكراً لم يكن لهم من قبل؛ لأنه أُنزل عليهم من بين الآخرين، ورفع شأنهم وذكرهم وشرفهم.
стр. 3121
سورة طه [٢٠: ١١٤]
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾:
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾: تنزَّه وتقدَّس الملك الحق أن يظلم أو يهضم حق أحدٍ من عباده.
وتعالى وتقدس ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾: حصراً، وقصراً؛ لأنّه له ما في السّموات، وما في الأرض، وما بينهما، وله الحكم، وهو الحي القيوم.
﴿الْحَقُّ﴾: أي: الثّابت الّذي لا يتغير، ولا يتبدل. ارجع إلى سورة الحج، آية (٦)؛ لبيان معنى الحق.
﴿وَلَا﴾: النّاهية.
﴿تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾: بتلاوته بسرعة على جبريل ﵇.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾: أي: اصبر حتّى ينتهي جبريل من تلاوته عليك، وأصغِ إليه؛ فإذا فرغ من قراءته فاقرأه بعد ذلك، ولا تخشى من النّسيان، أو أن يفوتك شيء منه؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٨]. ارجع إلى سورة القيامة آية (١٦ - ١٨) للبيان المفصل.
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾: واسأل ربك الزّيادة في علوم الدّين والآخرة، وما تحتاجه من علوم الدّنيا، علماً: نكرة؛ فهناك علوم القرآن والأحكام، والشّريعة،
стр. 3122
والفقه، والسّيرة، والتّفسير … وغيرها، وكذلك علوم الدّنيا الضرورية بما فيها علوم الفلك، والطب، والهندسة، والصيدلة … وغيرها.
سورة طه [٢٠: ١١٥]
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق.
﴿عَهِدْنَا﴾: العهد: تكليف وأمر، وقد يكون من طرفين، أو طرف واحد، ولم يسند العهد في القرآن إلا لله وحده، والعهد أقوى من الوصية، والعهد موثق.
﴿إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل أن يكون نبياً، أو من قبل هؤلاء الّذين جاؤوا من بعده، ونقضوا العهد.
﴿عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾: أي: أمرناه ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩].
﴿فَنَسِىَ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، نسي: لها معنيان: التّرك؛ أي: ترك ما عهدنا إليه، أو أمرناه به، أو النّسيان؛ أي: لم يتذكر.
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾: بتكليف واحد فقط، وهو ألّا يقرب من الشّجرة، والله سبحانه أمره مباشرة بذلك وبدون واسطة جبريل وحذره من الاقتراب منها، والأكل منها.
﴿فَنَسِىَ﴾: والسّؤال هنا هل نسي عدم الاقتراب من الشّجرة، أم نسي أنّ إبليس عدو له، ولزوجه، وأنّه قادر على الوسوسة؟
﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٠ - ٢٢].
﴿عَزْمًا﴾: نكرة، ولم نجد له عزماً؛ لتضم كلّ أنواع العزم، أو للتهويل،
стр. 3123
والعزم: هو التّصميم على الشّيء، والثّبات عليه، والصّبر، ولم نجد له عزماً على عدم الاقتراب من الشّجرة، ناهيك عن الأكل منها، أو لم نجد له عزماً تصميماً: على ارتكاب الذّنب، والاقتراب من الشّجرة، ولكنّه أخطأ ونسي، وقد تعني كل ذلك.
سورة طه [٢٠: ١١٦]
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾:
هذه هي المرة السّادسة الّتي يذكر فيها قصة آدم في القرآن فقد ذكرها في سورة البقرة، والأعراف، والحجر، والإسراء، والكهف، وطه.
﴿وَإِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي؛ أي: واذكر إذ، أو اذكر حين قلنا للملائكة.
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٣٤).
﴿أَبَى﴾: أي: امتنع عن السّجود متكبراً قائلاً: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، والإباء: أشد من الامتناع، أو شدة الامتناع.
سورة طه [٢٠: ١١٧]
﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾:
﴿فَقُلْنَا﴾: الفاء: للترتيب والتّعقيب. قلنا: بصيغة التّعظيم.
﴿يَاآدَمُ﴾: للتوكيد.
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة يشير إلى إبليس.
﴿عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾: لك ولزوجك، اللام: في كلاهما للتوكيد، والاختصاص.
﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا﴾: الفاء: للتوكيد؛ لا: النّاهية، يخرجنكما من الجنة: بالوسوسة، أو التّزيين، أو الإغراء، والنّون في "يخرجنكما" للتوكيد.
стр. 3124
﴿فَتَشْقَى﴾: جاءت بصيغة المفرد بينما "يخرجنكما" بصيغة المثنى؛ أي: أسند إلى آدم فعل الشّقاء دون حواء، وأريد بالشّقاء التّعب، والكد في طلب العيش، وفسر العلماء أنّ السّعي والكدح مطلوب من الرّجل، أو الزّوج، وأما المرأة، أو الزّوجة فليست مطالبة بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النّساء: ٣٤]، والقوامة من معانيها: أنّ الرّجل، أو الزّوج يقوم على الإنفاق وخدمة ورعاية أهله.
سورة طه [٢٠: ١١٨]
﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾:
﴿إِنَّ لَكَ﴾: إنّ: للتوكيد؛ لك: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿أَلَّا﴾: أصلها أن: مصدرية تفيد التّعليل، والتّوكيد، لا: النّافية.
﴿تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾: الجوع قيل: خلوّ الدّاخل؛ أي: خلو المعدة من الطعام، وإذا استمر طويلاً يتحول إلى مخمصة الذي يظهر بشكل هزال شديد؛ لعدم توافر الطّعام، والعريّ: قيل: خلوّ الخارج؛ لعدم توافر اللباس، فالإنسان يحتاج إلى طعام ولباس، وقدم الطّعام أولاً؛ لأنّه الأهم، وتكرار "لا" يفيد توكيد نفي الجوع والعري، وفصل كلٍ على حدة، أو كلاهما معاً.
سورة طه [٢٠: ١١٩]
﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾:
﴿وَأَنَّكَ لَا﴾: تفيد التّوكيد، لا: النّافية.
﴿تَظْمَؤُا﴾: أي: تعطش.
﴿فِيهَا﴾: في الجنة.
﴿وَلَا تَضْحَى﴾: ولا يصيبك الحر؛ أي: الشّمس.
стр. 3125
وتكرار (لا) كما في الآية السّابقة يفيد التوكيد، وقدّم الظّمأ على الضّحى؛ لأنّه الأصعب على النّفس، والأهم.
وبذلك فقد ضمن الله سبحانه لآدم وزوجته مقومات العيش الرّغيد في الجنة.
سورة طه [٢٠: ١٢٠]
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾:
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾: الفاء: للترتيب والتّعقيب، إليه: إلى آدم وحده، بينما في سورة الأعراف آية (٢٠) قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ ولم يذكر في القرآن كله أنّ الشّيطان وسوس لحواء وحدها، وهذا تعليم من الأدب الرّباني.
﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾:
﴿هَلْ﴾: للاستفهام، والتّشويق.
﴿أَدُلُّكَ﴾: الدلالة: تعني التعريف والبيان بقصد أو بغير قصد، وإلى الخير أو إلى الشر، وتختلف عن الهداية والإرشاد للخير والصلاح والثواب.
﴿عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾: أي: شجرة من يأكل منها لن يموت أبداً.
﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾: لا: النّافية؛ يعني: يبلى، أو يزول أبداً.
كقوله تعالى في سورة الأعراف، آية (٢٠): ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾.
стр. 3126
سورة طه [٢٠: ١٢١]
﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾:
﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾: وفي سورة الأعراف، آية (٢٣)، فلما ذاقا الشّجرة، بدت لهما سوآتهما. ارجع إلى الآية (٢٢) من سورة الأعراف؛ للبيان.
﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾: أي: شرعا يلصقان من ورق الجنة على عورتيهما لسترها.
﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾: بالاقتراب من الشّجرة والأكل منها، وارتكب إثماً.
﴿فَغَوَى﴾: الفاء: للتوكيد؛ غوى: ضل عن الرّشد، أو نسي، وترك ما عهدنا إليه، وأخطأ، وعصى وغوى: أفعال ماضية تدل على أنّها حدثت مرة واحدة، وانتهى الأمر؛ أي: لم تتكرر.
سورة طه [٢٠: ١٢٢]
﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾:
﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ﴾: ثم: لتبيان الدّرجات بين عصى، واجتبى.
﴿اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾: اصطفاه ليكون نبياً. واختار اسم الرب على اسم الله؛ لأنّ آدم ما زال في حاجة إلى رعاية وإعداد للنبوة بعد الهبوط إلى الأرض
﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: بعد أن شرع الله سبحانه له التّوبة وعلّمه كيف يتوب، كما جاء في سورة البقرة، آية (٣٧): ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: قَبِل توبته.
﴿وَهَدَى﴾: هداه إلى الاستقامة والثّبات على الحق والتّقوى.
стр. 3127
سورة طه [٢٠: ١٢٣]
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾:
قال سبحانه: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾: الخطاب موجّه إلى آدم (وزوجه تابعة له)، وإبليس سبق بالهبوط قبل هبوط آدم وزوجه، ولم يذكرها من الأدب الرّباني في هذه الآية، وذكرها في الآية (٣٨) في سورة البقرة حين قال تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾.
﴿جَمِيعًا﴾: توكيد. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٣٨)؛ للبيان.
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: أي: آدم وحواء وذريتهما عدو لإبليس وذريته، وإبليس وذريته عدو لآدم وحواء وذريتهما.
﴿فَإِمَّا﴾: الفاء: شرطية، إما: للتفصيل.
﴿يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى﴾: النّون في "يأتينكم": للتوكيد، منّي هدى: مثل الكتاب، أو الوحي، أو إرسال رسول، أو نبي.
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ﴾: فمن: الفاء: للتوكيد، من: شرطية، اتبع هداي: ولم يقل: تبعَ هداي كما في الآية (٣٨) في سورة البقرة؛ اتبعَ: على وزن افتعل، وفيها معنى المشقة والجهد والتجدد والاجتهاد، أما تبع: فهو اتباع عادي بدون جهد، واتبع تعني: الأوامر والنواهي، وافعل ولا تفعل، وهل هناك هدى غير هدى الله؟ قالوا: نعم، وهو هوى النّفس، والشّهوات، والشّيطان.
﴿فَلَا يَضِلُّ﴾: في هذه الدّنيا عن الحق، أو عن الدين، أو قد يعني: عن النسيان، والضياع. لا: تفيد النّفي، وتكرارها يفيد توكيد النّفي، وأداة النفي لا تنفي كلّ الأزمنة.
﴿وَلَا يَشْقَى﴾: لا يتعب، ولا يصاب بالهم والغم، والضّيق في العيش، ولا
стр. 3128
في الصدر. ارجع إلى الآية (٣٨)، من سورة البقرة: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ للمقارنة مع هذه الآية، ومقارنة اتبع وتبع والسياق في الآيتين.
سورة طه [٢٠: ١٢٤]
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾:
﴿وَمَنْ﴾: شرطية، ومن: للعاقل، وتشمل المفرد، والمثنى، والجمع.
﴿أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى﴾: عن الوحي، أو عن القرآن، أو لم يؤمن بما أنزلت ولم يطع ما أمرته به، وجحد، وكفر، وإضافة الذّكر إليه تشريفاً، والآيات جزء من الذكر، وعبادته سبحانه جزء من الذكر، وما جاء بالرسول ﷺ والإعراض قد يكون عن آية أو جزئية أو إعراض عن الكل، والعقوبة تختلف قدر الإعراض.
﴿عَنْ﴾: تفيد المجاوزة، والابتعاد.
﴿فَإِنَّ﴾: فإن: الفاء: للتوكيد، وإن: لزيادة التّوكيد.
﴿لَهُ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿مَعِيشَةً ضَنكًا﴾: ولم يقل: حياة ضنكاً كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]؛ المعيشة: تعني الطعام والشراب والملبس … وغيرها، والحياة أعم من المعيشة؛ الضّنك: هو الضّيق في العيش والمعاناة، والخوف، وعدم الاستقرار، والشكوى، والفقر، والهم، والحزن، والحرص، ضنكى: على وزن فعلى؛ أي: عكس الحياة الطّيبة.
﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾: أعمى البصر والبصيرة، لا حجة له.
стр. 3129
سورة طه [٢٠: ١٢٥]
﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾:
﴿قَالَ﴾: تعود على: من أعرض عن ذكري.
﴿لِمَ﴾: ما: اسم استفهام فيه معنى الإنكار والتّعجب.
﴿حَشَرْتَنِى أَعْمَى﴾: يوم الحشر يوم الحساب، أعمى البصر، كما قال ابن عباس؛ أي: لا يرى أمامه، والبصيرة كما قال مجاهد: ليس له حجة يقدمها؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]. والعمى في القرآن قد يعني: فقدان البصر، كما في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١ - ٢]، وقد تعني: عمى البصيرة كما في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩]، والعمه في القرآن يعني: عمى البصيرة، والتردد في الأمر والحيرة، ويوم القيامة مواطن متعددة في موطن بصره حديد كقوله: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، ومواطن يكونوا فيه مبلسين.
﴿وَقَدْ﴾: قد: حرف تحقيق يفيد التّوكيد.
﴿كُنْتُ بَصِيرًا﴾: كنت في الدّنيا بصيراً مبصراً.
стр. 3130
سورة طه [٢٠: ١٢٦]
﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾:
قال الله سبحانه رداً على سؤال الّذي حشر يوم القيامة أعمى: لمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً؟
كذلك؛ أي: كما أتتك آياتنا في الدّنيا، فنسيتها ولم تؤمن بها، وعميت عنها، ولم تنظر إليها، فنحن اليوم نحشرك أعمى البصر، والبصيرة، ونتركك في العذاب، وكذلك اليوم ننسى، وحاشا لله أن ينسى، والنّسيان يعني: ترك العبد في العذاب، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤].
سورة طه [٢٠: ١٢٧]
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾:
﴿وَكَذَلِكَ﴾: أي: مثل هذا الجزاء، أو العقاب نجزي من أسرف في الدّنيا؛ أي: كلّ من تجاوز حدود الله في شهواته ومعاصيه، واتبع هواه، ولم يؤمن بآيات ربه.
﴿وَلَعَذَابُ﴾: اللام: للتوكيد.
﴿الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾: من عذاب الدّنيا وضنك العيش فيها، وأدوم؛ أي: لا يزول، أو يتغير.
стр. 3131
سورة طه [٢٠: ١٢٨]
﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِى النُّهَى﴾:
﴿أَفَلَمْ﴾: الهمزة: همزة استفهام وتحذير، الفاء: للتوكيد على شدة الإنذار والتّحذير.
﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾: يتبين. لهم: اللام: لام الاختصاص للمشركين من قريش، أو للكافرين عامة، وفي سورة السجدة آية (٢٦) قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِنَ الْقُرُونِ﴾ الفاء: تدل على التعقيب؛ أي: ما قبل الآية يتصل بما بعدها، وأما الواو: تدل على الاستئناف.
﴿كَمْ﴾: الخبرية، وتفيد التّكثير؛ أي: الكثير.
﴿أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم﴾: ولم يقل من قبلهم، قبلهم تعني: منذ زمن بعيد، أو قريب.
﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾: من: ابتدائية، القرون: الجماعات الّتي كانت تعيش معاً لقرنٍ من الزّمن، والقرن يقدر (١٠٠) سنة، أو عام، أمثال ثمود، وعاد، ولوط، وأصحاب الأيكة، وقوم تبّع … وغيرهم من القرون.
﴿يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ﴾: يمشون بصيغة المضارع الّتي تدل على التّكرار، والتّجدد؛ أي: ما زالوا يسيرون أو يمرون في ديارهم ويرون آثارهم ويزورونها.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إنّ: للتوكيد، في: ظرفية، ذلك: اسم إشارة للبعد.
﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام: للتوكيد، علامات ودلالات وبينات، وعبر، ومواعظ كافية.
﴿لِّأُولِى النُّهَى﴾: اللام: لام الاختصاص، أولي النّهى: لأصحاب العقول
стр. 3132
النّيرة. ارجع إلى الآية (٥٤) من السّورة نفسها؛ للبيان. ولنعلم أن أولي النّهى ذكرت مرتين في القرآن وكلاهما في سورة طه.
لنقارن هذه الآية (١٢٨) من سورة طه: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِى النُّهَى﴾.
مع الآية (٢٦) من سورة السّجدة: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾.
الاختلافات:
في آية طه: أفلم، في آية السّجدة: أولم، وكلمة "أفلم" أشد وآكد من كلمة "أولم".
في آية طه: قبلهم، في السّجدة: من قبلهم.
قبلهم: تعني: الزّمن القريب، أو البعيد بدون تحديد؛ أي: أهلكنا قبلهم الأمم القريبة، أو البعيدة، بينما: من قبلهم. تعني: فقط الأمم القريبة الّتي جاءت قبلهم.
والخطاب في آية طه: لأولي النّهى؛ أي: الّذين يملكون العقل والبصيرة والسّمع، أمّا في آية السّجدة للذين يملكون ميزة السّمع فقط، ولذلك التّحذير والتّهديد في آية طه أشدّ وأقوى من آية السّجدة.
ولأنّ العقوبات في سورة طه تشمل الدّنيا والآخرة، بينما في سورة السّجدة العقوبات مقصورة على الآخرة، أو جاءت في سياق الآخرة.
سورة طه [٢٠: ١٢٩]
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾:
﴿وَلَوْلَا﴾: الواو: استئنافية، لولا: حرف امتناع لوجود فيه معنى الشّرط.
стр. 3133
﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: بتأخير العذاب، أو العقوبة على كفرهم وشركهم إلى دار الآخرة.
﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾: اللام: للتوكيد. لِزاماً: أي: لولا كلمة ربك، لوجب وقوع العذاب عليهم مباشرة في الدّنيا وبدون تأخير، كما حاق وحلّ بالأمم السّابقة، ولكن رحمة منه أخر العذاب عنهم؛ لعلهم يتوبون وينيبون إلى ربهم.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾: أي: التّأخير يكون لأجل مسمّى، وقيل: الأجل المسمّى هو إما زمن الموت، أو بعد البعث؛ أي: يوم القيامة.
سورة طه [٢٠: ١٣٠]
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَائِ الَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾:
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾: الفاء: للتوكيد، اصبر على ما يقولون: الخطاب موجَّهٌ إلى رسول الله ﷺ ؛ أي: اصبر على قولهم: إنك (ساحر، مجنون، كاهن، يعلِّمه بشر، مفترٍ)، وغيره من الأقوال الغير حق.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: صبرٌ يرافقه تسبيحٌ مصحوباً بالحمد.
التّسبيح: هو تنزيه الذّات والصّفات والأسماء من كلّ نقص وعيب، وولد وشريك، ويعني: الصّلاة والدّعاء، والحمد: يعني: الثّناء لله تعالى في السّراء والضّراء، وأنّه هو المنعم. ارجع إلى سورة الحديد، آية (١)؛ لمزيد من البيان لمعنى التّسبيح، وسورة الفاتحة، آية (٢)؛ لبيان معنى الحمد.
﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾: أي: صلاة الفجر، والتّهجّد.
﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾: قبل الغروب؛ أي: صلاة العصر.
стр. 3134
﴿وَمِنْ آنَائِ الَّيْلِ﴾: آناء: جمع إنى، وهو الجزء من الزّمن، وآناء الليل: أجزاء الليل؛ أي: صلاة العشاء، والوتر، والتّهجّد.
﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: أي: صلاة الشّروق، والضّحى، والظّهر، والمغرب؛ أي: صلِّ وسبِّح واحمد ربك، وادعوه واذكره؛ أي: في سائر الأوقات في الليل والنّهار.
﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾: لعل: للتعليل، ترضى: لعلك تكون راضياً عن نفسك بما أحضرت يوم الحساب من الأعمال الصّالحة.
ولا بدّ من مقارنة هذه الآية (١٣٠) في سورة طه، مع الآيتين (٣٩ - ٤٠) من سورة ق.
آية طه: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَائِ الَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.
آيتا ق (٣٩ - ٤٠): ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾.
الفروق: السّياق في آيات طه: أنّها جاءت في سياق الحياة الدّنيا، وأما السّياق في آيات ق: أنّها جاءت في سياق الحياة الآخرة، وأنّها تفيد العموم.
مثلاً: ومن الليل فسبّحه، التسبيح فيه أعمّ وأطول من التّسبيح في آناء الليل (آناء الليل ساعات من الليل)، أطراف النهار: مقارنة بأدبار السّجود، أدبار السّجود: عقب الصلوات الخمس أكثر من أطراف النهار، وقبل الغروب؛ تعني: العموم، فسبِّح: (إطلاق التّسبيح)، فسبّحه: (تخصيص التّسبيح).
стр. 3135
سورة طه [٢٠: ١٣١]
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: الواو: عاطفة، لا: النّاهية، تمدّنّ عينيك: الخطاب وإن كان موجّهاً إلى رسول الله ﷺ إنّما هو للمؤمنين عامة.
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: أي: لا تفتن أو تبهر، أو تُشغل وتحدّث نفسك بما أنعمنا، أو أعطينا أزواجاً منهم؛ أي: أصنافاً من النّاس، أو الكَفَرة.
﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: من الزّينة، والمال، والقصور، والمراكب، والحدائق، والبساتين، والثّمار، وكل ذلك يشبه الزّهور، أو الزّهرة الّتي سرعان ما تذبل، وتيبس، وتفقد لونها، ورائحتها، ثمّ تموت وتفتّت وتزول.
﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ أي: هذا النّعيم والزّينة إنّما هي فتنة لهم وابتلاء.
﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾: من الإيمان والتّقوى، ومن العلم والصحة، والأهل والمال في الدّنيا، وما سيعطيك في الآخرة من ثواب ورزق وجنّة أعظم بكثير مما متّعناهم به في الحياة الدّنيا، وما لهم في الآخرة من نصيب.
﴿وَأَبْقَى﴾: أدوم، ولا يفنى، ولا ينقطع.
سورة طه [٢٠: ١٣٢]
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾: أهل بيتك: زوجتك وأولادك.
﴿بِالصَّلَاةِ﴾: الباء: للإلصاق والاستمرار، والصّلاة: عماد الدين، وأجلّ العبادات، وهي الجامعة لأركان الإسلام، والتي تصل العبد بربه على الدوام.
стр. 3136
﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾: أي: داوم عليها، وداوم على أمر أهلك وأولادك وحثهم بالصبر وبالمحافظة عليها، وجدَّ واجتهد في أدائها.
﴿لَا نَسْئَلُكَ رِزْقًا﴾: لا: النّافية، نسألك أن ترزق أحداً. رزقك ورزق أهلك، ورزق كلّ مخلوق مكفول من ربك، فلا يشغلك عن طاعة الله تعالى، وعن الصّلاة، وشكره وذكره.
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾: العاقبة؛ أي: الجنة.
﴿لِلتَّقْوَى﴾: لأهل التّقوى، اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق. العاقبة إذا جاءت بصيغة المؤنث كقوله تعالى: (كيف كانت عاقبة) في القرآن: تدل على الجنة، ولو جاءت بصيغة المذكر؛ كقوله تعالى: (كيف كان عاقبة): لَدلَّت على العذاب.
سورة طه [٢٠: ١٣٣]
﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى الصُّحُفِ الْأُولَى﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: أي: المشركين الكفار، قالوا ذلك تعنُّتاً وعناداً.
﴿لَوْلَا﴾: أداة للحثّ والطّلب (هلّا).
﴿يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَّبِّهِ﴾: يأتينا محمّد بآيةٍ من ربه؛ أي: معجزة كعصا موسى، أو ناقة صالح، أو ﴿تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٢].
﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري.
﴿تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى الصُّحُفِ الْأُولَى﴾: أولم يأتهم بيّنة ما في الصّحف الأولى؛ أي: القرآن العظيم؛ فهو البينة الّتي تشمل لكل ما جاء في الصّحف الأولى صحف
стр. 3137
إبراهيم وموسى، وغيرها من أخبار وأنباء وأحكام وقصص؛ أي: أولم يكفهم هذا القرآن البينة والمعجزة الخالدة إلى يوم القيامة، بينما باقي البينات والمعجزات الّتي جاءتهم اندثرت وزالت!
سورة طه [٢٠: ١٣٤]
﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾:
﴿وَلَوْ﴾: الواو: استئنافية، لو: شرطية.
﴿أَنَّا﴾: للتوكيد، ونحن قادرون على ذلك.
﴿أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ﴾: الباء: للإلصاق، تعليلية.
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: من قبل إنزال الآيات، أو من قبل أن يأتيهم القرآن، أو من قبل مجيء محمّد ﷺ كرسول لهم.
﴿لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾: لقالوا يوم الحساب، واتخذوا ذلك حجّةً لهم، واللام: للتوكيد.
﴿لَوْلَا﴾: أداة حصرٍ وحثٍّ.
﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾: أي: لو جاءنا رسولاً لآمنّا به، واتّبعنا آياتك؛ أي: لأخذنا بها وعملنا بما فيها من أحكام وأوامر ونواهٍ.
رسولاً جاءت بالنّكرة، أيَّ رسول، وليس رسولاً بحدّ ذاته رغم أنّهم أتاهم بأفضل رسله ﷺ .
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ﴾: نُهان بالعذاب في جهنم.
﴿وَنَخْزَى﴾: بالخزي: وهو الفضيحة في الدّنيا، أو في الآخرة على رؤوس الأشهاد.
стр. 3138
سورة طه [٢٠: ١٣٥]
﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِىِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾:
﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ : كلٌّ منا ومنكم متربّص: اسم فاعل لفعل "تربص" والتّربص: المراقبة والمتابعة لوقوع شيء ما بالغير؛ أي: كلٌّ منا ومنكم يتربص بالآخر؛ أي: بما سيحلّ به في الدّنيا وفي الآخرة. ارجع إلى سورة الطّور، آية (٣٠)؛ للبيان.
﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾: الفاء: للتوكيد، والسّين: للاستقبال القريب والتّوكيد.
﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِىِّ﴾: من: ابتدائية، أصحاب الصراط السّويّ: أي: الصراط المستقيم: الإسلام، والصّراط: هو أوسع السّبل وأسهلها، وأقصرها مسافةً وزمناً، وحذف من هو على ضلال مبين، أو من غوى.
﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾: تكرار "من" يفيد التّوكيد؛ اهتدى: من سار على طريق الهدى الموصل إلى الغاية العظمى، وهي رضوان الله تعالى، وسعادة الدارين، ومن غوى؛ أي: فسد رأيه وعقيدته، وملَّته، وضلَّ وانحرف عن منهج الله تعالى، وفي هذه الآية تحدي رفيع في مقام الحجاج والدعوة إلى الله كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] مقارنة بقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] جاءت هذه الآية في سياق الإنذار والتهديد والوعيد.
стр. 3139
سورة الأنبياء [٢١: ١]
سورة الأنبياء
ترتيبها في القرآن (٢١)، وترتيبها في النّزول (٧٣).
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾:
﴿اقْتَرَبَ﴾: دنا وأقبل، والاقتراب إما أن يكون زمناً أو مكاناً؛ وهنا يعني دنا زمن وقت القيامة أو السّاعة، واقترب: فعل ماضٍ يدل على لزوم الحدث فكأنّ الاقتراب حدث وانتهى، والله سبحانه خالق الزّمان والمكان يستوي عنده الماضي والحاضر والمستقبل.
﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام لام الاختصاص تفيد الظّرفية؛ أي: اقترب للناس حسابهم بشكل عام، ولمنكري البعث والآخرة، خاصة، وكلمة النّاس مشتقة من النّوس، وهو الحركة وتشمل الإنس والجن.
﴿حِسَابُهُمْ﴾: زمن أو وقت حسابهم، ونتيجة الحساب إما أن تكون لهم؛ أيْ: لصالحهم، أو لغير صالحهم؛ أيْ: عليهم.
﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿فِى غَفْلَةٍ﴾: في ظرفية، غفلة: في جهالة وإهمال للاستعداد ليوم الحساب، وعدم الانتباه والحذر، والتنكير في غفلة للتعظيم.
стр. 3140
ارجع إلى سورة البقرة آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان في معنى الغفلة.
﴿مُّعْرِضُونَ﴾: جمع معرض -اسم فاعل من أعرض-؛ أي: ابتعد عنه ولم يتقبل ذلك، أو لم يبالِ به، أو يهتم به.
﴿مُّعْرِضُونَ﴾: عن الإيمان بالله ورسوله وبما أنزل على رسوله.
﴿مُّعْرِضُونَ﴾: جملة اسمية تدل على الثّبوت؛ أي: الإعراض عن الإيمان أصبح صفتهم الثّابتة.
ارجع إلى سورة النّحل آية (١) ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ للمقارنة.
سورة الأنبياء [٢١: ٢]
﴿مَا يَأْتِيهِم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾:
﴿مَا يَأْتِيهِم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: ما النّافية، يأتيهم من ذكر من ربهم: من آيات أو آية أو قرآن أو وحي أو موعظة أو ما يذكرهم بربهم أو وعيد.
﴿مُّحْدَثٍ﴾: جديد؛ أيْ: يسمعونه لأوّل مرة.
﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾: إلا أداة حصر، استمعوه: استمعوا إليه، والاستماع هو الإصغاء إلى التلاوة بقصد ونية. بينما سمعوه يكون بدون نية أو بشكل عارض.
﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾: الواو: حالية، هم للتوكيد، يلعبون: أيْ: وهم منشغلون في لعبهم، ومن دون انتباه وتدبر؛ أيْ: لاهون، واللعب حين يشغل عن واجب يصبح لهواً، ولذلك أتبع ذلك بقوله: لاهية قلوبهم.
стр. 3141
سورة الأنبياء [٢١: ٣]
﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾:
﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾: أي: استمعوه وهم يلعبون، وقلوبهم مشغولة بأشياء أو أمور أخرى، وتقديم لاهية قلوبهم، ولم يقل: وقلوبهم لاهية؛ أي: قلوبهم لاهية تعني عن الذّكر المحدث: المنزل من ربهم وغيره من الأمور؛ أي: الكلّ، أمّا لاهية قلوبهم؛ أيْ: لاهية خاصة عن الذّكر المحدث من ربهم، أمّا غيره من الأمور فهي غير لاهية عنها، مثل أمور الدّنيا.
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: النّجوى: المسارة في الحديث، أو خفض الصّوت، ولا بُدَّ من ثلاثة نفر على الأقل لحدوث النجوى، ولمعنى النّجوى: ارجع إلى سورة المجادلة آية (٧): للبيان.
وقدَّم النّجوى على الّذين ظلموا بدلاً من القول: وأسروا الّذين ظلموا النّجوى للاهتمام والتّوكيد، وما فحوى النّجوى: هي قولهم هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السّحر وأنتم تبصرون، وهذا يسمَّى التّبيين أو الإيضاح بعد الإبهام.
﴿هَلْ﴾: استفهام فيه معنى النّفي.
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يشير على محمّد ﷺ .
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾: أيْ: ليس بملكٍ أو برجلٍ عظيم أو ليس برسول؛ لأنّه بشر يأكل مما تأكلون، ويشرب مما تشربون، ويمشي في الأسواق.
стр. 3142
﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾: أفتأتون: الهمزة همزة استفهام وتعجُّب فيه الشّك، أفتأتون السّحر؛ أيْ: تحضرون وتأتون إلى محمّد ﷺ لتسمعوا إلى سحره، قال: أفتأتون السّحر؛ أيْ: كأنّ محمّداً كلّه تحوّل إلى سحر، فهو ساحر، ومسحور، وما يقوم به السّحر، وأنتم تبصرون: فكيف تُقبِلون عليه وأنتم تعلمون وترون أنّه ساحر يريد أن يسحركم بسحره.
واتهموه بالسّحر أو ما جاء به السّحر؛ لكونه أثّر في نفوسهم تأثيراً قويّاً ولم يستطيعوا مقاومته، وكانوا يظنون كلّ شيء خارق للعادة سحراً. ارجع إلى سورة طه آية (٥٨)، والبقرة (١٠٢): لمزيد من البيان.
سورة الأنبياء [٢١: ٤]
﴿قَالَ رَبِّى يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
في الآية السّابقة قال تعالى: وأسروا النّجوى الّذين ظلموا وظنّوا أنّ الله لا يعلم بحالهم.
﴿قَالَ رَبِّى يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: فقل لهم يا محمّد ﷺ : إنّ ربي يعلم القول في السّماء والأرض؛ أيْ: يعلم ما يقال في السّماء والأرض ولا تخفى عليه خافية في السّماء ولا في الأرض.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿السَّمِيعُ﴾: يسمع كلّ ما يقال في السّماء والأرض سواء أكان القول جهراً، أم سراً، أم نجوى.
﴿الْعَلِيمُ﴾: ويعلم ما يحدث في السّماء والأرض من قول وفعل. وعليم: صيغة مبالغة؛ أي: كثير العلم.
стр. 3143
وإذا قارنا هذه الآية (٤) من سورة الأنبياء: ﴿قَالَ رَبِّى يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، مع الآية (٦) من سورة الفرقان: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
في سورة الأنبياء قال تعالى: يعلم القول في السّماء والأرض، وفي سورة الفرقان قال تعالى: يعلم السّر في السّموات والأرض:
أوّلاً: القول أوسع من السّر؛ لأنّ القول قد يكون سراً أو جهراً، فالسّر جزء من القول، والسّماء أوسع من السّموات.
فنرى أنّ الله سبحانه جاء بالأوسع مع الأوسع حجماً، وجاء بالأدنى مع الأدنى حجماً، فجاء بالقول (أوسع من السّر) والسّماء (أوسع من السّموات والأرض) معاً، وجاء بالسرّ مع (مُصاحباً) السّموات.
سورة الأنبياء [٢١: ٥]
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾:
﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي.
﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: قالوا؛ أي: الكفار: القرآن أضْغاثُ أحلام؛ أيْ: أخلاط كأنّه أحلام مختلطة ملتبسة غير مميَّزة، فهم تمادوا في طغيانهم، وجهلهم، وضلالهم، فلم يكتفوا بقولهم عن القرآن: سحر، والرّسول: ساحر ومسحور، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك وقالوا: أضغاث أحلام ولم يكتفوا بذلك أيضاً فقالوا: افتراه.
стр. 3144
﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾: بل للإضراب الانتقالي، أيْ: أنّ محمّداً شاعرٌ، والقرآن شعرٌ، ومفترى افتراه؛ أي: اختلقه محمد ﷺ ؛ أي: كذباً.
﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾: فالقرآن كلّه وآياته لم تكفهم كآية كمعجزة من السّماء، فهم يطلبوا آية أخرى؛ أيْ: معجزة أخرى تدل على نبوَّة محمّد ﷺ ، وأن القرآن منزل من عند الله، كما أرسل الأولون: الكاف للتشبيه، الأولون: أي: الأنبياء فليأتنا بآية مثل ناقة صالح، أو عصا موسى، أو مائدة عيسى.
سورة الأنبياء [٢١: ٦]
﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾:
يردُّ الله سبحانه على أسئلتهم ومطالبهم وقولهم: فليأتنا بآية، فيقول: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾: ما النّافية، آمنت قبلهم؛ (أيْ: مشركو قريش)، من استغراقية، قرية: أيْ: أهل قرية أهلكناها، وقوله: قبلهم؛ أيْ: سواء كانت قريبة الزّمن، أو بعيدة الزّمن ما آمنت ولا قرية واحدة أرسلنا إليها بآية أو آيات.
﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾: الهمزة استفهام إنكاري، أفهم أيْ: مشركو مكة، أو الكفار إن جاءتهم آية سيؤمنوا، فمن جاء قبلهم لم يؤمنوا رغم إرسال الآية أو الآيات، ولذلك أهلكناهم، وكذلك لو أرسلنا إليهم بآية ولم يؤمنوا لأهلكناهم، وكما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١].
سورة الأنبياء [٢١: ٧]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِى إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾:
هذه الآية رداً على قولهم: هل هذا إلا بشرٌ مثلكم.
стр. 3145
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾: ما النّافية، أرسلنا قبلك يا محمّد ﷺ إلا رسلاً وأنبياء رجالاً أيْ: بشراً (ونفى بذلك إرسال أيِّ أنثى نبياً أو رسولاً) وقبلك: تعني من زمن قريب أو بعيد. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩) لمعرفة الفرق بين أرسلنا وبعثنا.
﴿نُّوحِى إِلَيْهِمْ﴾: نوحي إليهم، والوحي هو الإعلام بالخفاء سواء بإرسال ملك (مثل جبريل)، أو تكليم من وراء حجاب، أو غيره من طرق الإيحاء.
ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣): لمزيد من البيان في معنى الوحي.
﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: فاسألوا يا مشركو مكة، أو الكفار، أهل الذّكر: أهل القرآن، أو أولي العلم، أو أهل التّوراة والإنجيل من أهل الكتاب.
﴿إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال والشّك، كنتم لا تعلمون: أنَّا لا نرسل إلا رجالاً ولا نرسل ملائكة، فكفوا عن غيِّكم وأسئلتكم الباطلة.
سورة الأنبياء [٢١: ٨]
﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾:
وهذا الرّدُّ تتمة للردِّ على قولهم: هل هذا إلا بشر مثلكم.
﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ﴾: ما النّافية، جعلناهم: أيْ: هؤلاء الرّسل إلا رجالاً نوحي إليهم، ولم نجعلهم ملائكة لا يأكلون الطعام.
﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾: أيْ: ما جعلنا الرسل أو الأنبياء ملائكة؛ لأنّ الملائكة لهم أجساد، الجسد= بدن +روح .. ولا يأكلون الطّعام، أمّا الرّسل والأنبياء فهم بشر يأكلون ويشربون، والبشر= بدن+ روح+ نفس.
стр. 3146
﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾: أي: الرسل. ما: تكرارها يفيد توكيد النّفي، وما كانوا خالدين: لأنّ الخلود ليس من صفة البشر والرّسل، إذن هم ميتون كما جاء في سورة الزّمر الآية (٣٠): ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾.
سورة الأنبياء [٢١: ٩]
﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾:
﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ﴾: أيْ: رسلنا.
﴿الْوَعْدَ﴾: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، أو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصّافات: ١٧١ - ١٧٣].
﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، أنجيناهم: ولم يقل: نجيناهم، أنجيناهم: تعني بسرعة وقوة، نجيناهم: تعني: ببطء في الزّمن.
﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾: معهم من المؤمنين، من استغراقية؛ أيْ: كلّ من نشاء من ذكر أو أنثى.
﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾: الكفار أو المشركين، والمكذبين، والعاصين، والإسراف هو مجاوزة الحدّ في الكفر، والشّرك، والمعاصي.
سورة الأنبياء [٢١: ١٠]
﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
﴿لَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا﴾: أي: القرآن الكريم، أنزلنا إليكم القرآن في ليلة القدر جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، وسمِّي كتاباً؛ لأنّه
стр. 3147
مكتوب في أسطر، أو في السّطور، إليكم: خاصة لهدايتكم، وفلاحكم. والكتابة تحمي من التحريف والتغيير.
﴿فِيهِ﴾: ظرفية.
﴿ذِكْرُكُمْ﴾: فيه شرفكم، وعزتكم، وسمعتكم، وفيه دينكم وشرعكم، وفيه ذكركم بين الأمم الأخرى، واستمرار بقائكم. ارجع إلى سورة (ص) آية (١) لمزيد من البيان في الذكر.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة همزة استفهام وتوبيخ، وتعجُّب من ترك التّفكير، ألا: أداة حضٍّ وتنبيه، وتحمل معنى الأمر بالتّفكر والتّدبر للوصول إلى الحقيقة، ومعرفة الحقّ، والموازنة، وفهم الأمور بأسبابها ونتائجها، والوصول إلى أن الله سبحانه هو الإله الحقّ الخالق الّذي يجب أن يُعبد ويطاع.
стр. 3148
سورة الأنبياء [٢١: ١١]
﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾:
﴿وَكَمْ﴾: كم الخبرية تفيد التّكثير؛ أيْ: قصمنا الكثير من القرى.
﴿قَصَمْنَا﴾: أي: مزقناها كل ممزق؛ لأن القصم: هو الكسر الّذي يحدث فيه انفصال الأجزاء عن بعضها، وليس فيه أمل الالتئام، إذن القصم أشد من الكسر (الكسر فيه أمل الالتئام)، ويقال للقصم أحياناً الكسر الّذي ترى من خلاله العظم؛ أي: شبه أخذها بالعذاب بالكسر المفتوح وفيه تمزق للأنسجة والأربطة؛ أي: كسرها وقطع أوصالها ومزقها كل ممزق؛ أي: ماتوا بجروحهم، ومن تقطع أوصالهم، وهذه الآية الوحيدة التي ذكر فيها القصم.
﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾: من ابتدائية، القرية: تعني أهلها وبنيانها معاً.
﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾: فهذا الشّرط الأوّل كانت ظالمة؛ أيْ: أهلها كانوا كفرة مشركين مكذبين.
﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾: بعد القصم؛ أيْ: تدميرها، وإهلاك أهلها أنشأنا وتعني: التربية والإعداد والإنشاء: هو أحداث حالاً بعد حال من غير مثال سابق، ومنه يقال: نشأ الغلام؛ أي: نما وتربى وتطور شيئاً فشيئاً، بعدها بزمن قصير أو طويل قوماً آخرين.
стр. 3149
سورة الأنبياء [٢١: ١٢]
﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾:
انتبه بعد القصم يعود الحق ليفصل لنا ما حدث لتلك القرية من الأحداث قبل القصم، وهذا ما يسمَّى التّفصيل بعد الإيجاز.
﴿فَلَمَّا﴾: لما ظرفية زمانية؛ أيْ: حين.
﴿أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾: أيْ: شعروا وأدركوا بمجيء عذابنا والبأس القوة والشّدة، أحسوا مجرد الحس والحس من الإحساس، أحسوا بالرّؤية، أو السّمع، أو أيِّ حاسة، أو رأوا ريح مدمرة قادمة، أو صاعقة من السماء فيها رعد وبرق شديد.
﴿إِذَا هُمْ﴾: إذا الفجائية، هم للتوكيد.
﴿مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾: يتركوا منازلهم وقراهم فراراً من العذاب، والرّكض هو الجري السّريع، كما يحدث عندما نرى شيء مروع كالرياح المدمرة بسرعة (٢٠٠ ميل) أو أكثر القادمة.
سورة الأنبياء [٢١: ١٣]
﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾:
﴿لَا تَرْكُضُوا﴾: لا النّاهية، القائل مبني للمجهول، لا يهم؛ قد تكون الملائكة تقول لهم توبيخاً وتقريعاً: أين تفرون.
﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾: ارجعوا إلى نعيمكم من طعام وشراب، وإلى تفاخركم، وأموالكم، وأولادكم، وعشيرتكم، وتجارتكم، وهذا يدل على أنهم كانوا أغنياء، أو كانوا ففراء فيل لهم تهكماً وتوبيخاً. ارجع إلى سورة الزخرف آية (٢٣) لبيان معنى الترف، والمترف.
стр. 3150
﴿وَمَسَاكِنِكُمْ﴾: قصوركم، وحصونكم، ومنازلكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾: لعل: للتعليل والتّوبيخ، تسألون: لعل أحداً يمر بكم فيسألكم ماذا حل بكم، أو تسألون أنفسكم عما جرى بكم وحاق بكم وما أسباب ذلك العذاب والدّمار؟
سورة الأنبياء [٢١: ١٤]
﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾:
كان هذا اعترافهم وإقرارهم حين سُئلوا ماذا حل بهم وجرى بهم قالوا: بسبب ظلمنا.
﴿قَالُوا﴾: أيْ: هؤلاء الظّالمون من أهل القرى.
﴿يَاوَيْلَنَا﴾: يا للنداء، ويلنا: يا هلاكنا أقبل، أو يا حسرتنا على ما فعلنا.
﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: إنا كفرنا، أو أشركنا بربنا، وهذا اعتراف منهم واضح بالكفر أو بالشّرك الموجب للعذاب، أو الخروج عن منهج الله. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٤) لبيان معنى الظلم.
سورة الأنبياء [٢١: ١٥]
﴿فَمَا زَالَتْ تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾:
﴿فَمَا﴾: الفاء استئنافية، ما النّافية.
﴿زَالَتْ تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾: فما زالوا يردِّدون: يا ويلنا يا ويلنا إنا كنا ظالمين، دعواهم: أيْ: دعاؤهم المتكرر أو من الدّعوى اعترافهم بالذّنب.
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
﴿جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾: حتّى حصدناهم استأصلناهم فأصبحوا
стр. 3151
كالزّرع المحصود أو النّار الخامدة (الرّماد)، وفي الآية تشبيه الظّالمين في عدائهم لله ولرسوله كالنّار الملتهبة حتّى أخمدها الله، وصارت رماداً.
سورة الأنبياء [٢١: ١٦]
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ﴾: الواو استئنافية، ما النّافية، خلقنا السّماء والأرض: والخلق: بالنّسبة إلى الله هو الخلق من العدم على مثال غير سابق، والخلق لغة هو التّقدير، وخلق السّموات والأرض من أعظم الآيات الكونيّة الدّالة على قدرته سبحانه وعظمة خلقه، والدّالة على وحدانيته، ومرَّت بأطوار مختلفة، ولمعرفة كيف تمّ الخلق، ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٢، ٢٩) والآية (٣٠) من نفس السّورة، وفصلت آية (٩ - ١٢).
﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: حيث يختلط الغلاف الغازي للأرض بمكونات السماء فيشكل طبقة فاصلة تعد جزءاً من السّماء بالكامل، ولا من الأرض لاختلاف تركيبها.
﴿لَاعِبِينَ﴾: أيْ: عبثاً، أو من دون فائدة، أو باطلاً، لاعبين: من اللّعب؛ واللّعب هو اللّهو الّذي يصرف صاحبه عن واجباته ويصبح عبثاً.
فالسّماء والأرض وما فيهنّ من مجرات وشموس، وأقمار، ونجوم، وكواكب، وجبال، وأشجار وغيرها لم يخلقها ربنا عبثاً، وإنّما هي آيات كونيّة تشهد بوحدانية الله تعالى، وتشهد على عظمة وقدرة الخالق، والكلّ مسخّر من الله لخدمة الإنسان ولصلاح الحياة على هذه الأرض، والكلّ يسجد ويسبّح الخالق.
стр. 3152
سورة الأنبياء [٢١: ١٧]
﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾:
﴿لَوْ﴾: شرطيّة.
﴿أَرَدْنَا﴾: شئنا والمشيئة تسبق الإرادة.
﴿أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾: أن للتوكيد، نتخذ لهواً: عملاً لا فائدة منه، أو لعباً لا فائدة منه لفعلنا، وقيل: اللّهو: بلغة اليمن الولد (قاله قتادة)، وقال ابن عباس: اللهو: الولد، وقيل: الزوجة (قاله الحسن)؛ أيْ: لو شاء الله سبحانه لاتّخذ ولداً مما يخلق، أو اتّخذ بنات كما ظنّ مشركو قريش أنّ الملائكة بناتُ الله، وقالوا: عيسى ابن الله.
﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: شرطية، تفيد معنى الاحتمال والشّك، وفيها معنى النّفي أيْ: ما كنا فاعلين، وإن: أقوى نفياً من (ما).
سورة الأنبياء [٢١: ١٨]
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾:
﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي، الإضراب عن اتّخاذ اللّهو واللّعب وتنزيه لِذاته عن فعل ذلك.
﴿نَقْذِفُ﴾: الرّمي بشدّة وبسرعة.
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق، الحقّ: هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير أو يتبدّل، والحقّ: هو القرآن، والإيمان، والتّوحيد؛ أيْ: نبيِّن الحق بإنزال الآيات والبراهين.
﴿عَلَى الْبَاطِلِ﴾: الباطل: هو الزائل والذاهب، أو ما لا وجود له، والباطل
стр. 3153
يطلق على الكذب، والظّلم، والشّرك، والإحباط، أو الإبطال كقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
أمّا الظّلم كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فيشمل سائر أنواع الظّلم.
أو الشّرك: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
أو الكذب: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الكاذبون) [غافر: ٧٨].
﴿فَيَدْمَغُهُ﴾: أيْ: يبطله ويزيله. شُبه الحق بشيء صلب كالحديد قُذف به الدّماغ الّذي (شبه بالباطل) مما أدَّى إلى توقُّف عمله وموته.
فيدمغه مشتقة من الدّماغ، ودمغه؛ أيْ: أصاب دماغه فقتله أو أدى إلى تعطيله وإبطال وظيفته، وكذلك الحق حين يقذف على الباطل يزيله ويدمغه ويعطله.
﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾: ولكم اللّام للاختصاص، والويل: العذاب الشّديد.
مما: من+ ما، من للتبعيض، ما: حرف مصدري أو اسم موصول بمعنى الّذي، وما: أوسع شمولاً من الذي.
تصفون: تفترون على الله الكذب، تصفون به الله سبحانه، أو تصفون رسوله، بالسّاحر، أو الشّاعر، أو المفتري، وغيرها من الأوصاف.
стр. 3154
سورة الأنبياء [٢١: ١٩]
﴿وَلَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾:
﴿وَلَهُ﴾: أيْ: لله تعالى، اللّام للاختصاص والاستحقاق والملكية.
﴿مَنْ﴾: للعاقل عادة وهنا تعتبر استغراقية، تشمل العاقل وغير العاقل، وكيف نوفِّق بين كونها استغراقية وأنّها للعاقل فقط.
لأنّ العاقل وغير العاقل، والحيوان والنّبات والجماد، الكلّ يسبح بحمده لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
﴿مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: له كل شيء في السموات من: مجرات وكواكب ونجوم وشموس وأقمار، والأرض: من أشجار وحدائق وأنهار وجبال وكنوز ومعادن … وغيرها.
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾: أي: الملائكة، وعنده: تعني: أنّهم مكرمون، عندية المنزلة، منزلة المقربين.
﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: لا النّافية، لا يتعالون عن عبادته وطاعته.
﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾: تكرار (لا): لتوكيد النّفي، وفصل كلاهما عن الآخر، يستحسرون من الحسر تعني: التّعب والإعياء، إذن هم لا يستكبرون ولا يستحسرون: لا يصيبهم إعياء أو تعب أو ملل، ويستحسرون فيها مبالغة من الحسر، مأخوذة من الحسر وهو البعير المنقطعة قواه من الإعياء والتّعب.
стр. 3155
سورة الأنبياء [٢١: ٢٠]
﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾:
﴿يُسَبِّحُونَ﴾: من التّسبيح والتّنزيه، تنزيه الذّات الإلهية من كلّ نقص، أو عيب، أو عطل، أو ولد، أو شريك.
ارجع إلى سورة الحديد آية (١)، وسورة الإسراء آية (١).
﴿الَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: أيْ: هم في تسبيح دائم لا يتوقف ليلاً ونهاراً؛ أي: طول الليل وطول النهار، ولو قال ليلاً ونهاراً تعني: جزءاً من الليل أو جزءاً من النهار.
﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾: لا النّافية، يفترون: مشتقة من فتر الشيء؛ أي: سكن بعد حدة، ولان بعد شدة (لسان العرب)، وهو السّكون والفتور، وهو الشّعور الّذي ينتاب الإنسان بعد التّعب الشّديد؛ أيْ: تسبيحهم دائم لا ينقطع، ومن دون ملل أو كلل.
سورة الأنبياء [٢١: ٢١]
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾:
﴿أَمِ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ، أم: للإضراب الانتقالي.
﴿اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾: عبدوا آلهة صنعوها من الأرض، آلهة من الحجارة، أو النّحاس، أو الخشب.
﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾: هم ضمير فصل للعاقل يفيد التّوكيد، وأضفى عليها صيغة العاقل لكونهم يعيدونها، ينشرون: من النّشر وهو إحياء الموتى.
أيْ: كيف انصرفوا عن عبادة الإله الحق إلى عبادة الأصنام والأوثان الّتي صنعوها من الأرض الّتي لا تحيي ولا تميت، ولا تنفع ولا تضرّ.
следующие страницы →