← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

كالزّرع المحصود أو النّار الخامدة (الرّماد)، وفي الآية تشبيه الظّالمين في عدائهم لله ولرسوله كالنّار الملتهبة حتّى أخمدها الله، وصارت رماداً. سورة الأنبياء [٢١: ١٦] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ﴾: الواو استئنافية، ما النّافية، خلقنا السّماء والأرض: والخلق: بالنّسبة إلى الله هو الخلق من العدم على مثال غير سابق، والخلق لغة هو التّقدير، وخلق السّموات والأرض من أعظم الآيات الكونيّة الدّالة على قدرته سبحانه وعظمة خلقه، والدّالة على وحدانيته، ومرَّت بأطوار مختلفة، ولمعرفة كيف تمّ الخلق، ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٢، ٢٩) والآية (٣٠) من نفس السّورة، وفصلت آية (٩ - ١٢). ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: حيث يختلط الغلاف الغازي للأرض بمكونات السماء فيشكل طبقة فاصلة تعد جزءاً من السّماء بالكامل، ولا من الأرض لاختلاف تركيبها. ﴿لَاعِبِينَ﴾: أيْ: عبثاً، أو من دون فائدة، أو باطلاً، لاعبين: من اللّعب؛ واللّعب هو اللّهو الّذي يصرف صاحبه عن واجباته ويصبح عبثاً. فالسّماء والأرض وما فيهنّ من مجرات وشموس، وأقمار، ونجوم، وكواكب، وجبال، وأشجار وغيرها لم يخلقها ربنا عبثاً، وإنّما هي آيات كونيّة تشهد بوحدانية الله تعالى، وتشهد على عظمة وقدرة الخالق، والكلّ مسخّر من الله لخدمة الإنسان ولصلاح الحياة على هذه الأرض، والكلّ يسجد ويسبّح الخالق.

стр. 3152

سورة الأنبياء [٢١: ١٧] ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: ﴿لَوْ﴾: شرطيّة. ﴿أَرَدْنَا﴾: شئنا والمشيئة تسبق الإرادة. ﴿أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾: أن للتوكيد، نتخذ لهواً: عملاً لا فائدة منه، أو لعباً لا فائدة منه لفعلنا، وقيل: اللّهو: بلغة اليمن الولد (قاله قتادة)، وقال ابن عباس: اللهو: الولد، وقيل: الزوجة (قاله الحسن)؛ أيْ: لو شاء الله سبحانه لاتّخذ ولداً مما يخلق، أو اتّخذ بنات كما ظنّ مشركو قريش أنّ الملائكة بناتُ الله، وقالوا: عيسى ابن الله. ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: شرطية، تفيد معنى الاحتمال والشّك، وفيها معنى النّفي أيْ: ما كنا فاعلين، وإن: أقوى نفياً من (ما). سورة الأنبياء [٢١: ١٨] ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾: ﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي، الإضراب عن اتّخاذ اللّهو واللّعب وتنزيه لِذاته عن فعل ذلك. ﴿نَقْذِفُ﴾: الرّمي بشدّة وبسرعة. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق، الحقّ: هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير أو يتبدّل، والحقّ: هو القرآن، والإيمان، والتّوحيد؛ أيْ: نبيِّن الحق بإنزال الآيات والبراهين. ﴿عَلَى الْبَاطِلِ﴾: الباطل: هو الزائل والذاهب، أو ما لا وجود له، والباطل

стр. 3153

يطلق على الكذب، والظّلم، والشّرك، والإحباط، أو الإبطال كقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. أمّا الظّلم كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فيشمل سائر أنواع الظّلم. أو الشّرك: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. أو الكذب: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الكاذبون) [غافر: ٧٨]. ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾: أيْ: يبطله ويزيله. شُبه الحق بشيء صلب كالحديد قُذف به الدّماغ الّذي (شبه بالباطل) مما أدَّى إلى توقُّف عمله وموته. فيدمغه مشتقة من الدّماغ، ودمغه؛ أيْ: أصاب دماغه فقتله أو أدى إلى تعطيله وإبطال وظيفته، وكذلك الحق حين يقذف على الباطل يزيله ويدمغه ويعطله. ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾: ولكم اللّام للاختصاص، والويل: العذاب الشّديد. مما: من+ ما، من للتبعيض، ما: حرف مصدري أو اسم موصول بمعنى الّذي، وما: أوسع شمولاً من الذي. تصفون: تفترون على الله الكذب، تصفون به الله سبحانه، أو تصفون رسوله، بالسّاحر، أو الشّاعر، أو المفتري، وغيرها من الأوصاف.

стр. 3154

سورة الأنبياء [٢١: ١٩] ﴿وَلَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾: ﴿وَلَهُ﴾: أيْ: لله تعالى، اللّام للاختصاص والاستحقاق والملكية. ﴿مَنْ﴾: للعاقل عادة وهنا تعتبر استغراقية، تشمل العاقل وغير العاقل، وكيف نوفِّق بين كونها استغراقية وأنّها للعاقل فقط. لأنّ العاقل وغير العاقل، والحيوان والنّبات والجماد، الكلّ يسبح بحمده لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ﴿مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: له كل شيء في السموات من: مجرات وكواكب ونجوم وشموس وأقمار، والأرض: من أشجار وحدائق وأنهار وجبال وكنوز ومعادن … وغيرها. ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾: أي: الملائكة، وعنده: تعني: أنّهم مكرمون، عندية المنزلة، منزلة المقربين. ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: لا النّافية، لا يتعالون عن عبادته وطاعته. ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾: تكرار (لا): لتوكيد النّفي، وفصل كلاهما عن الآخر، يستحسرون من الحسر تعني: التّعب والإعياء، إذن هم لا يستكبرون ولا يستحسرون: لا يصيبهم إعياء أو تعب أو ملل، ويستحسرون فيها مبالغة من الحسر، مأخوذة من الحسر وهو البعير المنقطعة قواه من الإعياء والتّعب.

стр. 3155

سورة الأنبياء [٢١: ٢٠] ﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾: من التّسبيح والتّنزيه، تنزيه الذّات الإلهية من كلّ نقص، أو عيب، أو عطل، أو ولد، أو شريك. ارجع إلى سورة الحديد آية (١)، وسورة الإسراء آية (١). ﴿الَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: أيْ: هم في تسبيح دائم لا يتوقف ليلاً ونهاراً؛ أي: طول الليل وطول النهار، ولو قال ليلاً ونهاراً تعني: جزءاً من الليل أو جزءاً من النهار. ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾: لا النّافية، يفترون: مشتقة من فتر الشيء؛ أي: سكن بعد حدة، ولان بعد شدة (لسان العرب)، وهو السّكون والفتور، وهو الشّعور الّذي ينتاب الإنسان بعد التّعب الشّديد؛ أيْ: تسبيحهم دائم لا ينقطع، ومن دون ملل أو كلل. سورة الأنبياء [٢١: ٢١] ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾: ﴿أَمِ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ، أم: للإضراب الانتقالي. ﴿اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾: عبدوا آلهة صنعوها من الأرض، آلهة من الحجارة، أو النّحاس، أو الخشب. ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾: هم ضمير فصل للعاقل يفيد التّوكيد، وأضفى عليها صيغة العاقل لكونهم يعيدونها، ينشرون: من النّشر وهو إحياء الموتى. أيْ: كيف انصرفوا عن عبادة الإله الحق إلى عبادة الأصنام والأوثان الّتي صنعوها من الأرض الّتي لا تحيي ولا تميت، ولا تنفع ولا تضرّ.

стр. 3156

وتقديم كلمة الآلهة من الأرض بدلاً من القول: اتّخذوا من الأرض آلهة للدلالة على أنها حصراً من الأرض، وتفيد التّحقير والتّوبيخ. سورة الأنبياء [٢١: ٢٢] ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: ﴿لَوْ﴾: حرف امتناع لامتناع؛ أي: امتنع الفساد لامتناع وجود الآلهة إلا الله سبحانه. أي: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾: في السّموات والأرض آلهة. ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾: للحصر فقط إلا الله. وقيل: إلا بمعنى: غير الله، ولا يجوز القول أنها أداة استثناء؛ لأن الاستثناء يعني: هناك آلهة أخرى، وهذا يتنافى مع وحدانية الله تعالى. ﴿لَفَسَدَتَا﴾: اللام للتعليل والتّوكيد، فسدتا، أي: السّموات والأرض. لما قد يحدث من اختلاف بين هذه الآلهة؛ مما يؤدِّي إلى اضطراب في هذا النّظام الفلكي المحكم البديع، وحدثت الكوارث الكونية لما يصدر عنها من أوامر مختلفة متضاربة تؤدِّي إلى الدّمار والهلاك؛ أي: الفساد. ﴿فَسُبْحَانَ﴾: الفاء للتوكيد، سبحان: تنزيهاً لله تعالى وذاته عن كلّ عيب ونقص وشريك وولد. ﴿اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ﴾: الله، المعبود الإله الحق رب العرش الحاكم ومالك الملك والسّلطان. ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾: يزعمون، ارجع إلى الآية (١٨): للبيان.

стр. 3157

سورة الأنبياء [٢١: ٢٣] ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾: ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾: لأنّه مالك الملك، الحاكم، العزيز، الحكيم، والحكم العدل، ولا رادَّ لحكمه؛ لأنّه العليّ العظيم المتفرّد بالألوهية والرّبوبية، ولا معقِّب لحكمه. ﴿عَمَّا﴾: عن تفيد المجاوزة والابتعاد، ما مصدرية أو اسم موصول بمعنى الّذي، وأوسع شمولاً من الذي. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿يُسْئَلُونَ﴾: عن أفعالهم، وأقوالهم، وعما يصفون، وعمّا يفترون. يسألون من غيرهم من البشر، أو ولاة أمورهم، وكذلك يسألون يوم القيامة عما كانوا يعملون من الكفر والشرك والظلم وغيرها. سورة الأنبياء [٢١: ٢٤] ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَّعِىَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِى بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾: ﴿أَمِ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ والتّعجُّب. ﴿مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾: أيْ: عبدوا من سواه آلهة قادرة على النّشر؛ أيْ: لو فرضنا أنّهم وجدوا تلك الآلهة القادرة على النّشر والإحياء والبعث. ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: قل هاتوا برهانكم، والبرهان: هو الحجة القاطعة المفيدة للعلم على صدق دعواكم أنّها آلهة حقَّة.

стр. 3158

﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَّعِىَ﴾: أي: القرآن المنزّل عليَّ وعلى من معي من المؤمنين. ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِى﴾: التّوراة والإنجيل وغيرها من الكتب السّماويّة. ليس فيها أيُّ ذكر أنّ مع الله آلهة أو شريكاً، أو ولياً، أو ولداً، أو أن الله أمر وأوصى بذلك، والحقيقة أنّه ليس عندهم من دليلٍ أو برهانٍ أو سلطانٍ. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾: ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾: يعني: أكثر كفار قريش، لا النّافية، لا يعلمون الحق، أيْ: توحيد الألوهية والرّبوبيّة، والصّفات والأسماء، ولا يعلمون ما جاء في الكتب السّماوية السّابقة، ولا يعلمون؛ أي: يميزون بين الحقّ والباطل. ﴿فَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾: عن التّوحيد واتِّباع الأدلة والبراهين، أو اتِّباع الرّسول ﷺ للوصول للحق، والحق موجود وغير خافٍ، ولو التمسوه لوجدوه قريباً منهم أو حولهم، أو موجوداً حتّى في أنفسهم وخلقهم.

стр. 3159

سورة الأنبياء [٢١: ٢٥] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما النّافية. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: من استغراقية ظرفية زمانية، والخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ . ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾: من ابتدائية. ﴿إِلَّا نُوحِى إِلَيْهِ﴾: إلا: أداة حصر، نوحي إليه: بالإيحاء وهو الإعلام بالخفاء، أو إرسال رسول كجبريل (ع)، أو يكلِّمه الله من وراء حجاب. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣): لمعرفة معنى الوحي. ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾: أنّه: للتوكيد، لا: النّافية، إله: معبود، إلا: أداة حصر وقصر، أنا: لتدلّ على الوحدانية. ﴿فَاعْبُدُونِ﴾: الفاء رابطة للجواب والنّون للتوكيد، والعبادة تعني: طاعة الله والتذلل له وامتثال أمره واجتناب نهيه. ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣) لمزيد من معنى العبادة. حذف الياء في اعبدون قد يكون للإيجاز، والمقام ليس كما هو الحال في آية يس حين قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِى آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِى هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ حيث جاءت في سياق النّهي عن عبادة الشّيطان؛ لأنّ عبادة الشّيطان تفسد عبادة الله، ولذلك نهى عن عبادة الشّيطان وأكّد عليها أكثر من عبادة الآلهة: الأصنام

стр. 3160

والأوثان التي لا تفيد ولا تضر، واعبدوني فيها معنى التوحيد أن نعبد الله وحده بإخلاص ولا نشرك به شيئاً. سورة الأنبياء [٢١: ٢٦] ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾: بعد التّنزيه عن اتّخاذ الشّريك (آلهة) يُتبع ذلك بالتّنزيه عن اتّخاذ الولد. ارجع إلى سورة الحديد آية (١): لبيان معنى سبحانه. ﴿وَقَالُوا﴾: مبني للمجهول، أيْ: لا يهم معرفة من قالوا والمهم المقولة، وقيل: مشركو قريش كما قال ابن عباس، وقيل: أفراد من قبيلة خزاعة وبني سلمة وجهينة، والمهم عموم اللفظ وليس خصوص السّبب. ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾: أي: الملائكة بنات الله، والولد تعني: الذّكر أو الأنثى. ﴿سُبْحَانَهُ﴾: اسم مصدر تقديره أسبح سبحانه أن يتّخذ ولداً فهذا مستحيل، وأنّ الله منزه عن ذلك وأنّه أكبر وأجلّ أن يردّ عليهم كذبهم ويقول: إنكم لكاذبون فاكتفى بالقول سبحانه ونزَّه الملائكة الكرام وأخبر بأنّهم عباد مكرمون. ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾: بل: للإضراب الإبطالي تبطل الجملة التي قبلها؛ أيْ: بل هم عباد مكرمون إبطال لقولهم اتخذ الرحمن ولداً؛ أي: سبحانه لم يتخذ ولداً كما يزعمون، والملائكة هم عباد للرحمن مكرمون، وفي الآية (١٦) من سورة عبس وصفهم بأنّهم كرام بررة. ﴿مُّكْرَمُونَ﴾: جمع مكرم، اسم مفعول من أكرم يعني الإحسان والإنعام والتّفضل؛ أيْ: أكرمهم الله سبحانه بكونهم عباداً له، وبما لهم من خصائص في الخلق والعبادة والمنزلة، ومع ذلك لهم صفات أخرى هي:

стр. 3161

سورة الأنبياء [٢١: ٢٧] ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾: لا النّافية، يسبقونه بالقول: أيْ: لا يقولون شيئاً قبل أن يأذن لهم أو يأمرهم ويخاطبهم سبحانه. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾: أيْ: لا يخالفونه قولاً ولا فعلاً؛ أيْ: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التّحريم: ٦]، وقدَّم بأمره على يعملون للتوكيد والحصر، والباء للإلصاق والتّوكيد في كلمة بالقول، والباء بأمره للإلصاق والسّببيّة. سورة الأنبياء [٢١: ٢٨] ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: أيْ: يحيط علمه سبحانه بالملائكة إحاطة تامة ولا يخفى على الله تعالى منهم خافية. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: يعلم ما يعملون وما سيعملون أو تعني: ما هو قادم لهم من أعمال. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: أيْ: ويعلم ما مضى أو عملوه من أعمال في الماضي. ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾: لا النّافية، يشفعون: الشّفاعة: ارجع إلى الآية (٨٥) من سورة النّساء للبيان. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر لمن ارتضى. ﴿لِمَنِ ارْتَضَى﴾: اللام في كلمة لمن للتوكيد، من للعاقل وتشمل المفرد والجمع، ارتضى؛ أيْ: ﵁؛ أيْ: رضي له قولاً وعملاً من عباده، فهي

стр. 3162

شفاعة مقيدة وليست مطلقة؛ مثل: الشفاعة في أهل الذنوب من الموحدين الذين دخلوا النار. ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾: وهم ضمير فصل يفيد التّوكيد، يعود على الملائكة، من ابتدائية، خشيته: أيْ: خشية الله تعالى، والخشية تعني الخوف المصحوب بالمهابة والتّعظيم لمن تخشاه والعلم. ﴿مُشْفِقُونَ﴾: من الإشفاق، والإشفاق: هو العناية المشوبة بالخوف والحذر وعدم الاطمئنان، حذرون خائفون أن طاعتهم أو عبادتهم غير تامة وغير آمنين مطمئنين أن خشيتهم لله كافية. سورة الأنبياء [٢١: ٢٩] ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّى إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ﴾: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾: من شرطية، يقل منهم: أيْ: من الملائكة. ﴿إِنِّى إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾: ما قال أحدٌ ذلك أو على فرض أن أحدهم قال ذلك: إنّي إله من دون الله. ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾: هذا تهديد للملائكة ومن ورائهم الإنس والجن. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ﴾: أيْ: ومثل هذا الجزاء (جهنم) نجزي كلّ ظالم (مشرك). سورة الأنبياء [٢١: ٣٠] ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام. ﴿يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الرّؤية هنا رؤية قلبية ورؤيا بصرية وتعني أيضًا أولم

стр. 3163

يعلم الّذين كفروا، ولماذا الخطاب موجَّه إلى الّذين كفروا؛ لأنّ الّذين كفروا أو المشركين هم الّذين سيكشفون هذه الحقائق الكونية وهم من سيراها أولاً ومع ذلك، هم عن آياتها معرضون. ﴿أَنَّ﴾: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾: من الرّتق هو الالتصاق التّام؛ أيْ: كانتا في بداية نشوء الكون متصلتين ببعضهما، عبارة عن جرم واحد متناهٍ في الصغر والحجم ذات طاقة ومادة متناهية في العظم، ثمّ فجر الله تعالى هذا الجرم إلى كتلة من الدّخان ويسمونها عملية الانفجار العظيم .. فخلق الله من هذا الدخان الأرض والسّماء معاً في لحظة واحدة، وبذلك تشكلت الأرض الابتدائية، والسّماء الابتدائية، ثمّ تمايزت الأرض بأن أنزل الله الحديد من انفجار النيازك في السّماء، ثمّ سقطت على الأرض الابتدائية الّتي كانت عبارة عن كومة من الرّماد واخترقت كومة الرماد لتستقر في مركز الكرة الأرضية بشكل صلب وشكلت (٩٠%) من الطبقة الأولى من الأرض. ثمّ تمايزت الطبقة الثّانية من الأرض بشكل حديد منصهر مختلط ببعض العناصر الأولى، ثمّ تشكلت (٣) أغطية، ثمّ تشكلت الطبقة ما دون القشرة، ثمّ القشرة الأرضية، وذلك باختلاف كمية الحديد في هذه الطبقات السّبع؛ السّبع كرات الّتي وصفها الله بسبع أرضين. ثم استوى إلى السّماء وهي دخان، سماء واحدة فسواهن سبع سموات، سبع كرات هائلة كلّ كرة تغلف ما تحتها وجعل مركز هذا الكرات السّبع؛ أيْ: السّموات السّبع الأرض المتكونة من سبع أرضين، فبذلك شكل هذا الكون المكون من سبع سموات طباقاً، سبع كرات مركزهن الأرض المشكلة من سبع

стр. 3164

أرضين يحيط بهذا كله عرش الرحمن سبحانه. فقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة»، وما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس، وما وري عن ابن مسعود، وما قاله ابن القيم في (زاد المعاد) كل تلك الأقوال تدل على أن العرش هو سقف المخلوقات؛ أي: السموات، وارجع إلى سورة هود آية (٨) لمزيد من البيان عن العرش والكرسي. ونحن لا نعلم عن هذه السّموات السّبع إلا الجزء اليسير المحدود بالسّماء الدّنيا الّتي تزينها هذه النّجوم والمجرات، فالسّموات السّبع غيب لا يعلمها إلا الله سبحانه. ارجع إلى سورة فصلت آية (١٠ - ١١)، وسورة الأعراف آية (٥٤)، وسورة البقرة آية (٢٢ - ٢٩). ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾: الفتق هو: الفصل أيْ: فصلنا السّماء عن الأرض وانفصلت السماء إلى المجرات والكواكب والنّجوم. وبعد مرحلة الدّخان، ثمّ تبرد الدّخان وأول ما تشكلت النّجوم وسماها المصابيح. ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾: كلّ شيء: شيء نكرة سواء إنسان أو حيوان، أو نبات، ولولا الماء لما عاش إنسان، أو حيوان، أو نبات في الأرض، ونسبة تركيب الماء في جسم الإنسان يساوي تقريباً (٧٠%) من وزن الإنسان. ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري وتوبيخ على عدم الإيمان

стр. 3165

وتعجُّب، وألا: أداة تنبيه وحضٍّ، وتعني الأمر على الإيمان بالله بعد كلّ هذه الدلائل والبراهين على قدرته وعظمته. سورة الأنبياء [٢١: ٣١] ﴿وَجَعَلْنَا فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾: ﴿وَجَعَلْنَا فِى الْأَرْضِ﴾: الجعل يكون بعد الخلق، فقد خلق الأرض أولاً، ثمّ أرساها بخلق الجبال في الأرض، ولم يقل: على الأرض؛ لأنّ الطبقة الغازية المحيطة بالأرض جزء من الأرض. الرواسي تعني: الصفائح القارية، والقوى المغنطيسية بالإضافة إلى الجبال التي تشكلت من البراكين والحمم التي شكلت الجبال. ارجع إلى سورة النحل آية (١٥)، والنبأ آية (٧) لمزيد من البيان، فهناك فرق بين ألقى في الأرض رواسي، وجعل فيها رواسي. ﴿رَوَاسِىَ﴾: الجبال. ارجع إلى سورة النّحل آية (١٥)، وسورة النّبأ آية (٧): لبيان كيف تشكلت الرواسي. ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾: أن حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد، تميد بهم: أيْ: تميل وتضطرب بهم. ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾: تعود على الرّواسي أي: الجبال وقيل: تعود على الأرض. ﴿فِجَاجًا﴾: الفج هو الطّريق في الجبل أو بين جبلين. ﴿سُبُلًا﴾: الطّريق الواسع السّهل. ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾: لعل للتعليل، يهتدون: بها في سيرهم فتكون كعلامات يهتدون بها في سفرهم.

стр. 3166

ويهتدون إلى خالقهم فهي آية من الآيات الكونية الّتي تدل على عظمة الخالق وقدرته، الأمر الّذي إلى يدعو إلى الإيمان بالله وحده. لنقارن هذه الآية (٣١) من سورة الأنبياء: ﴿وَجَعَلْنَا فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾. مع الآية (١٥) من سورة النّحل: ﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾. في سورة الأنبياء قال: أن تميد بهم جاءت في سياق الكلام عن قدرة الله سبحانه وعظمته. وفي سورة النّحل قال: أن تميد بكم جاءت في سياق الكلام عن نعم الله تعالى وتعدادها. ولنقارن آية الأنبياء: ﴿وَجَعَلْنَا فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. مع آية (٢٠) من سورة نوح: ﴿لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾. ففي سورة الأنبياء قدَّم الفجاج على السّبل، وفي سورة نوح قدَّم السّبل على الفجاج. قيل: قدَّم الفجاج على السّبل في سورة الأنبياء؛ لأنّ الفج هو الطّريق في الجبل أو بين جبلين، ولما ذكر الرّواسي؛ أي: الجبال فقد قدَّم الفجاج الّتي هي طرق في الجبال الّتي تشكلت نتيجة مياه الأمطار الّتي تنحدر على سفوحها فتشكل هذه الأنهار، ثمّ تجفّ بعضها وتتركها كالسّبل. أمّا في سورة نوح فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا

стр. 3167

سُبُلًا فِجَاجًا﴾ قدَّم السّبل على الفجاج؛ لأنّه سبقها قوله الأرض بساطاً (والسّبل الطّرق السّهلة الممهدة فهي تتناسب مع الأرض بساطاً). أو سبلاً فجاجاً تعني: سبلاً بعضها فجاجاً بين الجبال، وبعضها سبلاً في الأرض. أو قيل: إنّ السّبل تصف الفجاج، أو الفجاج تصف السّبل. أو التّقديم والتّأخير حسب الأهم؛ لأنّ العرب تقدِّم الأهم. سورة الأنبياء [٢١: ٣٢] ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾: أيْ: كالسّقف للأرض، فالسّموات السّبع الكروية الشّكل كلّ منها يغلف الأخرى، وكلها تحيط بالأرض الّتي تعتبر كمركز لهذه السّموات، وهن كالسقف لهذه الأرض الّتي بدورها تتشكل من سبع كرات صغيرة مقارنة بالسّموات السّبع. سقفاً محفوظاً: أيْ: سقفاً محكماً، ومحفوظاً اسم مفعول من حفظ، وتقوم بهذه الحماية والحفظ النطق المسماة بنطق الحماية وهي نطاق المناخ، ونطاق الأوزون، والنطاق الإشعاعي، والنطاق المغنطيسي، والنطاق الخارجي، والنطاق المتأين، فهذه النطق تحفظ الأرض من بعض الأشعة الشّمسية المهلكة للأحياء والمسماة الأشعة فوق البنفسجية الّتي تسبب سرطانات الجلد الخبيثة، فمثلاً طبقة الأوزون تمنع اختراق تلك الأشعة. وكذلك هناك الطّبقات الغازية وبخار الماء تقوم بدور عازل بحيث تحافظ على دفء الأرض وذلك بمنع تسرب الحرارة إلى الطّبقات العليا، وما يخترق الغلاف الغازي الجوي من أشعة شمسية وحرارة تكفي لاستمرار الحياة على الأرض وقتل الجراثيم الضّارة.

стр. 3168

ارجع إلى سورة الطارق آية (١١): لمزيد من البيان. فالسّماء وبما فيها من شموس وأقمار وكواكب ومجرات وأفلاك كلها آيات كونية تدل على عظمة وقدرة الخالق وعلى وحدانيته وألوهيته وربوبيته. ورغم رؤية هذه الآيات الكونية الّتي هي أعظم من خلق النّاس، كما قال تعالى في سورة غافر آية (٥٧): ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾: أيْ: لا ينتفعون بها ولا يهتدون بها إلى الخالق ولا يفكرون بها. ارجع إلى الآية (١) من نفس السّورة. سورة الأنبياء [٢١: ٣٣] ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: ﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل يفيد الحصر والتّوكيد، تعود على الله سبحانه. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يختص بالمفرد المذكر. ﴿خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: الخلق هو الإيجاد ابتداءً، وخلق الليل والنهار يدل على كروية الأرض ودورانها حول محورها (نفسها) وحول الشّمس، وفي آيات أخرى قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]. الجعل يكون مرحلة بعد الخلق فالله سبحانه خلق أولاً الليل وخلق النّهار بخلق الغلاف الجوي حول الأرض فالغلاف الجوي لم يكن عند نشأة الأرض وإنما تكون على مر العصور والأحقاب والليل كان هو السّائد في بداية نشأة الأرض.

стр. 3169

ثمّ تكون الغلاف الجوي حول الأرض، وفيه طبقات مختلفة إحدى هذه الطّبقات السّفلى تتشكل من غازات معينة هذه الطّبقة أو الغازات تضيء حين تقع عليها حزمة من أشعة الشّمس التي تسمَّى حزمة الضوء المرئي المشكلة من ألوان الطيف السّبعة: الأحمر والبرتقالي والأصفر والبنفسجي والأخضر والأزرق والنيلي، تعطينا هذا النور الأبيض، وأغلب أشعة الشّمس لا تصل إلينا بفضل نطق الحماية، ومنها الأشعة السينية والفوق بنفسجية وتحت الحمراء وأشعة غاما وغيرها. فتصبح هذه الطبقة الغازية المحيطة بالأرض كالمصباح ينير نصف الأرض المقابل للشمس، بينما النّصف الآخر يكون في ظلام؛ أيْ: ليل، ثمّ تدور الأرض حول الشّمس فيصبح النّصف المضيء ليلاً والنّصف المظلم نهاراً وعملية محو الليل والمجيء بالنهار استغرقت ملايين السّنين. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: الشّمس أو القمر كلّ منها يدور حول نفسه، ويدور القمر والأرض حول الشّمس، والأرض والقمر والشّمس تدور حول مركز المجرة الشّمسية، وتدور هذه المجرة حول مركز لتجمع المجرات، وتكون محصلة هذه الحركات الثّلاث حركة اهتزازية تعرُّجية، وكأنّها تسبح على موجة صعوداً وهبوطاً. ولذلك لا يستخدم القرآن كلمة تدور، وإنما كلمة يسبحون، ويشعر كلّ إنسان مثل رواد الفضاء أنّهم حين يخرجون عن نطاق الجاذبية الأرضية كأنّه يسبح أو يطفو على سطح الماء، وهذا إحساس حقيقي، وليس وهمياً، فالإنسان لا يكون في فراغ، بل هو وسط مادي بكثافة منخفضة. وفي سورة يس الآية (٤٠) قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ واو الجماعة هنا تعني كلّ ذرة، كلّ مخلوق مثل الأرض والشّمس والقمر والنّجوم

стр. 3170

والكواكب والمجرات والغازات جميعها تتحرك حركة اهتزازية، حركة أشبه ما يكون بجسم يطفو على سطح الماء، وتحركه الأمواج حركة تعرُّجية، حتّى الذّرة وكل نيترون وبروتون داخل الذّرة يدور، وله مدار لا يتعدّاه، وسرعة ثابتة لا تزيد ولا تنقص، ولا تسرع ولا تبطئ، لذلك قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. ﴿فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾: الفلك: المدار الّذي تدور فيه الأفلاك والشّمس والقمر والمجرات والمدارات بيضاوية الشّكل تدور حول مركز المجرة. فكل هذه النّجوم والكواكب والأقمار والشّموس تسبح في طبقة غازية مكونة من غازات مختلفة أهمها الإيدروجين والكالسيوم والبوتاسيوم والصوديوم والماء والحديد، وليس كما كان يُظنُّ قديماً أنّها تسبح في فراغ أو فضاء فارغ، وهذه الطّبقة الغازية سوداء مظلمة. سورة الأنبياء [٢١: ٣٤] ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِين مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما النّافية. ﴿جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾: اللام في البشر لام الاختصاص، من ابتدائية، قبلك يا محمّد ﷺ . ﴿الْخُلْدَ﴾: البقاء الدّائم في الدّنيا أيْ: بلا موت، أو ما خلَّدنا من قبلك أحداً من بني آدم. ﴿أَفَإِين﴾: الهمزة همزة استفهام فيه معنى النّفي، المشوب بالإنكار والتّعجُّب. ﴿مِتَّ﴾: ولم يقل: مُت: بكسر الميم يدل على الموت العادي الطّبيعي، أمّا مُت: بضم الميم، فتدل على الموت بسبب الجهاد في سبيل الله (القتال)؛ أيْ:

стр. 3171

في أرض المعركة مثلاً. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٥٧ - ١٥٨) لمعرفة الفرق بين مِتم ومُتم. ﴿أَفَإِين مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾: أيْ: أنت يا محمّد ميت وإنّهم ميتون، ولن يخلد أحدٌ من البشر بعد موتك؛ لأنّ الموت حتم وحقّ ولن ينجو منه أحد وقد كان الكفار يتمنَّون موت الرّسول ﷺ . سورة الأنبياء [٢١: ٣٥] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾: هذا هو القانون الإلهي، كلّ نفس مهما كان نوعها أو جنسها مصيرها الموت. ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾: الابتلاء لا يكون إلا بعد التّكليف، بـ (افعل ولا تفعل)، ونبلوكم بالشّر أو بالخير بنعيم وصحة وغنى وسرور، أو مرض وفقر وبلاء في الأنفس والثمرات. ﴿فِتْنَةً﴾: من فتن الذّهب بالنّار ليعلم الثّمين من الرّديء، والجيد من الخبيث، وفتنة النّاس تعني معرفة المطيع من العاصي، والمؤمن من الكافر، الشّاكر من الجاحد، الصّابر من غير الصّابر، والله سبحانه ليس بحاجة إلى ابتلائنا فهو سبحانه يعلم منذ الأزل نتيجة هذا الابتلاء، ولكن ليقيم الحجة علينا ويرينا نتائج أعمالنا، ونتيجة الابتلاء هي الفوز والفلاح، أو الهلاك والخسارة. ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾: تقديم إلينا يفيد الحصر؛ أيْ: تُرجعون إلينا وحدنا قسراً؛ أيْ: كرهاً راضين أم غير راضين، تُرجعون بعد البعث إلينا لمحاسبتكم على أعمالكم.

стр. 3172

سورة الأنبياء [٢١: ٣٦] ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: الواو استئنافية، إذا ظرفية شرطية تعني: حتمية الحدوث. ﴿رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أمثال أبي جهل، أو كفار قريش. وإذا قارنا هذه الآية ﴿رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ﴾ [الفرقان: ٤١]؛ رءاك: تأتي في سياق المفرد، رأوك: تأتي في سياق الجمع. ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾: إن نافية بمعنى لا، ويمكن أن تكون تعليلية والنّون في يتخذونك للتوكيد. ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾: إلا تفيد الحصر؛ أيْ: حصراً، هزواً: أيْ: إذا رآك الّذين كفروا يهزؤون بك، والاستهزاء هو التّصغير من شأنك والتّحقير أو العيب أو الاستخفاف بك. ﴿أَهَذَا﴾: الهمزة في (أهذا) للاستفهام والإنكار والتّعجُّب والتّهلكة. ﴿الَّذِى يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾: بسوء؛ أيْ: يعيب عليها ويسبها أو لا يعترف بها وأنّها باطلة، أو يستهزأ بها ويستخفها ويحقرها وأنّها أصنام وحجارة لا تضرّ ولا تنفع، والذّكر قد يكون بالخير أو بالشّر فهو يذكر آلهتكم بشرّ لأنّها عدو له. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾: أيْ: كيف تعجبون من أنّ محمّداً يذكر آلهتكم بسوء،

стр. 3173

وأنتم بذكر الرّحمن تنكرون وتجحدون كقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]. ﴿هُمْ كَافِرُونَ﴾: هم ضمير فصل يفيد التّوكيد، كافرون: جاحدون لا يؤمنون أو يصدقون. سورة الأنبياء [٢١: ٣٧] ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُورِيكُمْ آيَاتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾: لا تعني: أنّ الله سبحانه خلقه أو فرض عليه أن يكون عجولاً أو فرض عليه العجلة، وإنما تعني كأنه مخلوق من العجلة لكثرة فعله إياها واعتياده لها، وهذا يقال له نسبة الشّيء إلى غير أصله مبالغة في اتصافه بالعجلة؛ أيْ: كأنّه مخلوق من العجلة لكثرة ما يتعجل به أو مطبوع عليها، والعجلة تعني: طلب الشّيء وإرادته وتحريه قبل أوانه، والإنسان هنا تعني: جنس الإنسان، أو كل الناس. ونزلت هذه الآية حين استعجلت قريش بالعذاب، وقال النّضر بن الحارث: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿سَأُورِيكُمْ آيَاتِى﴾: السّين للاستقبال القريب؛ أيْ: سأوريكم عذابي قريباً في معركة بدر أو يوم القيامة. ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾: الفاء للتوكيد، لا النّاهية، لا تستعجلون: أيْ: لا داعي للاستعجال أن انتظروا قليلاً. سورة الأنبياء [٢١: ٣٨] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ويقولون: بصيغة المضارع بدلاً من قالوا: لأنّ سؤالهم تكرر وتجدد كثيراً عن زمن العذاب أو متى يوم القيامة فهم استبطؤوا يوم القيامة أو لم يصدِّقوا به.

стр. 3174

﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن شرطية تفيد الشّك في أنّكم صادقين يخاطبون: النّبي وأصحابه. وصادقين: جملة اسمية تعني: ثبوت الصدق. سورة الأنبياء [٢١: ٣٩] ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: ﴿لَوْ﴾: شرطية جوابها محذوف للتهويل والأجوبة الكثيرة. ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: حين لا يكفون عن وجوههم النَّار ولا عن ظهورهم أو ما سيحل بهم لما استعجلوه أو لما أقاموا على كفرهم أو لو علموا وقته وأيقنوا بحدوثه لما كذبوا به أو استعجلوه. ﴿حِينَ﴾: ظرف زماني. ﴿لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾: الكف: المنع أو دفع النَّار أيْ: لا يستطيعون دفع النَّار أو منعها عن حرق وجوههم ولا عن ظهورهم: تكرار (لا) و (عن) مرتين يفيد التّوكيد وفصل الوجه عن الظّهر أو كلاهما معاً. واختار الوجوه؛ لأنها أكرم أو أعز الأعضاء، والظهور؛ لأنها تدل على الإهانة والخزي. ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: أيْ: ولا يجدون لهم وليّاً ولا نصيراً يمنعهم من العذاب أو يمنع العذاب عنهم أيْ: ينقذهم ويخلصهم. سورة الأنبياء [٢١: ٤٠] ﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿تَأْتِيهِم بَغْتَةً﴾: أي: النَّار، بغتة: فجأة ومن دون إنذار.

стр. 3175

﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، تبهتهم: تحيرهم وتدهشهم، أيْ: يجدوا أنفسهم في حيرة وقهر. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾: الفاء للتوكيد: لا النّافية، لا يستطيعون رد النّار ولا دفعها عنهم وينقطع كلامهم. ﴿وَلَا هُمْ﴾: ولا النّافية هم، أي: الّذين كفروا، وهم: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿يُنْظَرُونَ﴾: لا يمهلون أو يؤخَّرون عن دخول النّار للمعذرة أو ليشفع لهم. سورة الأنبياء [٢١: ٤١] ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ﴿وَلَقَدِ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق. ﴿اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: الاستهزاء يعني تصغير قدر الآخر أو التّحقير والاستخفاف أو العيب عليه في شخصه، برسل: الباء للإلصاق، جمع رسول أو نبي، من قبلك: من تعني من قريب. ﴿فَحَاقَ﴾: الفاء للتوكيد، تعني: نزل وأحاط أو حل. ارجع إلى سورة غافر آية (٤٥) لمزيدٍ من البيان، والفرق بين حاق ونزل. ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم﴾: بالّذين سخروا من الرّسل. ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: أيْ: حاق بالمستهزئين بالأنبياء والرّسل الجزاء على ما فعلوه من السّخرية والاستهزاء، وقيل: هذا نوع من التّخفيف على رسول

стр. 3176

الله، أيْ: هوِّن عليك فما يصيبك من الاستهزاء والسّخرية أصاب من قبلك وسوف ننتقم من هؤلاء المستهزئين. سورة الأنبياء [٢١: ٤٢] ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُم﴾: قل يا رسول الله ﷺ للذين كفروا، من استفهام يفيد التّقريع والتّوبيخ، والجواب محذوف وتقديره لا أحد، يكلؤكم: الكلاءة: الحراسة والحفظ أيْ: يحرسكم يرعاكم أو يحفظكم ويمدكم بمقومات العيش والحياة. ﴿بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: الباء: للإلصاق وتفيد الظرفية في الليل والنّهار. ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾: من بأس الرّحمن وعقابه أو عذابه الّذي تستحقونه لكونكم معرضين عنه وغير مؤمنين به واختار اسم الرّحمن للتذكير أن هذه الكلاءة من مظاهر رحمته ولا يغرنكم كونه الرّحمن، فلن يعذبكم. ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾: بل للإضراب الانتقالي، هم تفيد التّوكيد، أيْ: رغم أنّه لا يوجد أحد يكلؤهم من عذاب الرحمن وبأسه استمروا في إعراضهم عن ذكر ربهم: عن القرآن وعن الصّلاة والتّوبة والإنابة إلى ربهم رغم الإنذار والتّهديد والوعيد. سورة الأنبياء [٢١: ٤٣] ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾: ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي، والهمزة للاستفهام الإنكاري. ﴿لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِنْ دُونِنَا﴾: لهم اللام لام الاختصاص لهم خاصة،

стр. 3177

آلهة من دوننا: أيْ: غير الله سبحانه، ألهم آلهة غير الله ستدفع عنهم العذاب وتحميهم أو تدافع عنهم. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ﴾: فلو فرضنا لهم آلهة فهي غير قادرة على أن تنصر نفسها، فكيف تنصرهم وهي لا تنفع ولا تضر أصلاً. ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾: ولا الواو عاطفة، لا للنفي، هم للتوكيد، يصحبون: لا يجدون أحداً يحميهم أو يجيرهم من العذاب أو من يلجؤون إليه ليحميهم أو يكون في صحبتهم، وقد تعني: لا يجدون أحداً منا يكون جاراً لهم أيْ: يصاحبهم؛ لأنّ الجيرة تعني: المصاحبة كقوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾ [النّساء: ٣٦]. والصحبة تحمل في طياتها الفائدة للطرفين. سورة الأنبياء [٢١: ٤٤] ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾: ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾: متعنا: من المتاع متاح الحياة الدّنيا من المأكل والمشرب والملبس والمسكن ورفاهية العيش بنعم الدّنيا والبسط في الرّزق لهم ولآبائهم، هؤلاء: الهاء للتنبيه، أولاء اسم إشارة يشير إلى أهل مكة وغيرهم من القرون. ﴿حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾: حتّى حرف نهاية الغاية، طال عليهم العمر حتّى طالت أعمارهم فاغتروا بذلك النّعيم وطول الأجل، وظنوا أنّ آلهتهم الّتي فعلت ذلك وحفظتهم. ﴿أَفَلَا﴾: الهمزة همزة استفهام توبيخي. ﴿يَرَوْنَ﴾: الرّؤية هنا رؤية بصرية ورؤية قلبية.

стр. 3178

﴿أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: هناك كثير من التّفسيرات القديمة لهذه الآية مثل موت العلماء أو نقص أرض المسلمين لأعدائهم أو نقص الأرض بعوامل التعرية أو البحار تطغى على اليابسة أو دوران الأرض حول محورها وكون قطر الأرض الاستوائي أطول من قطر الأرض القطبي وغيرها من التفسيرات. والتّفسير العلمي الأقرب للحقيقة في هذا الزّمن أن الأرض مرتبطة بالشمس بقانون الجاذبية أو عامل الجاذبية، والّذي يقدر بضرب الكتلتين والتقسيم على مربع المسافة بينهما، فحتى تبقى الأرض ثابتة في مدارها والمسافة بين الأرض والشّمس ثابتة، وبما أن الشّمس تفقد من كتلتها ما يعادل ٤. ٦ مليون طن بالثانية من المادة والطاقة. فلا بُدَّ للأرض أن تفقد ما يعادل ذلك حتّى تبقى النسبة متوازية بينهما وتبقى العلاقة بينهما ثابتة فالأرض تفقد عن طريق البراكين الفوهات البركانية كمية هائلة من الغازات والرماد البركاني الّذي لا يعود إلى الأرض. فهذا ما يفسر لنا أن الأرض تنقص من أطرافها (من جميع أطرافها، وليس من طرف واحد كما يفسره جمع من المفسرين) وقد ثبت علمياً أن أرضنا الابتدائية كانت ١٠٠ ضعف حجم الأرض الحالية. ارجع إلى سورة الرعد آية (٤١) لمزيد من البيان. ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾: الهمزة همزة استفهام للتقرير والتّوبيخ؛ أي: أفهم القادرون على منع البراكين والزلازل من الحدوث، وبالتالي تغير المسافة بين الأرض والشمس، أو تغير النسبة التي جعلها الله ثابتة لاستمرار الحياة على الأرض، فالله هو الغالب وهو القوي العزيز.

стр. 3179

سورة الأنبياء [٢١: ٤٥] ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْىِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْىِ﴾: هذا أمر من الله سبحانه إلى رسوله بأن ينذر الّذين كفروا، إنما كافة مكفوفة تفيد الحصر، أنذركم: الإنذار هو الإعلام مع التّحذير والتّخويف أيْ: أحذركم. بالوحي: الباء للإلصاق، بالقرآن؛ أيْ: بما جاء به من وعد ووعيد من عند الله تعالى وإنما أنا بشر يوحي إليَّ وما عليَّ إلا البلاغ المبين. ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾: ولا ينفع هذا الإنذار أو القرآن الصّمَّ: أي: الكفار الّذين لا ينتفعون بما يسمعون أو لا يستجيبون للداعي المنذر فهم الصّم البكم العمي الّذين لا يسمعون شيئاً ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ١٠].، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]. ﴿إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾: إذا ظرفية زمانية، ما للتوكيد، أيْ: وإن طال الإنذار والتّحذير وتكرَّر فهم لن يسمعوا. وفي سورة النّمل الآية (٨٠): ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ وفي سورة الأنبياء الآية (٤٥): ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾، فيمكن جمع الآيتين معاً بالقول أنّ الكفار: أوّلاً: لا يريدون الجلوس مع الرّسول أو مع من ينذرهم؛ لكي لا يسمعوا الإنذار.

стр. 3180

ثانياً: وإذا جلسوا لا يسمعون، أيْ: لا ينتفعون بسماع إنذار أو وعيد فهم كالصّم. ثالثاً: عندما تدعوهم إلى الحق إلى الإيمان يولوا مدبرين خوفاً من أن يسمعوا ما يقرع آذانهم ويغيظهم. سورة الأنبياء [٢١: ٤٦] ﴿وَلَئِنْ مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: ﴿وَلَئِنْ﴾: الواو استئنافية، لئن: اللام للتوكيد، إن شرطية. ﴿مَّسَّتْهُمْ﴾: مستهم من المس وهو اللمس الخفيف أخف اللمس. ﴿نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾: النّفحة: هي هبوب الشيء القليل من الهواء، والنّفحة تعني أدنى شيء من العذاب واسم مرة أيْ: مجرد أن تمسهم نفحة من العذاب ولمرة واحدة (هذا يدل على شدة العذاب). انظر إلى ما ذكر في هذه الآية من المبالغات الدالة على منتهى الصغر: أولاً: المس، ثانياً: نفخة، ثالثاً: مرة واحدة؛ لأن نفخة: مصدر مرة. ويجب عدم الخلط بين النفحة والنفخة واللفحة؛ أما النفخة: هي إخراج شيء قليل من الريح بالفم، وأما لفحة من عذاب ربك؛ أي: لفحة من النار إذا أصابت الوجه. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: اللام والنّون كلاهما للتوكيد. ﴿يَاوَيْلَنَا﴾: الياء للتنبيه، أيْ: يا هلاكنا، وويل كلمة توجع وحسرة لمن وقع في العذاب والويل يعني: العذاب والهلاك وقيل: واد في جهنم. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: فهم ينطقون بالحق ويعترفون ويقرون بأنّهم كانوا ظالمين مشركين ومكذبين بالوحي. سورة الأنبياء [٢١: ٤٧] ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾: ثم يبيِّن الله سبحانه كيف سيحاسبهم في الآخرة، وأنّه لن يظلمهم شيئاً.

стр. 3181

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: ننصب الموازين، القسط: أيْ: موازين العدل أو العادلة، الموازين جمع ميزان، وليست ميزاناً واحداً، قيل: موازين لوزن الأعمال، أو لوزن الحسنات والسيئات. ارجع إلى سورة القارعة آية (٦) للبيان. ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: اللام لام التّوقيت أو الاختصاص لأجل ذلك اليوم، وسُمِّي يومَ القيامة؛ لأنّ فيه النّاس يقومون لرب العالمين (للحساب)، يقومون من قبورهم. ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾: الفاء للتوكيد، لا النّافية، تظلم نفس شيئاً. الظلم: هو نقصان الحق والجور، والعدول عن الحق؛ أيْ: لا ينقص من حقها حسنة ولا تزاد عليها سيئة واحدة، نفس: نكرة تعني: أيَّ نفس، شيئاً: نكرة، والشّيء هو أقل القليل، أيُّ قولٍ أو فعلٍ أو صغيرةٍ أو كبيرةٍ أو حسنةٍ أو سيئةٍ، أيْ: لا تُظلم شيئاً من الظلم ولا تظلم شيئاً من الأشياء. ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾: إن شرطية، كان: العمل الّذي يراد وزنه مثقال حبة من خردل، الخردل: نبات له حب صغير متناهي في الصغر واحدته خردلة، وحبة الخردل هي تعادل جزء من (٨٠ جزء) من حبة الشعير وتعادل (٧/ ١٠، ٠٠٠ من الغرام) وهي مثال لأصغر شيء يُرى بالعين مثال للوزن والحجم، أيْ: لا يظلم الله مثقال حبة من خردل من الظّلم؛ أي: إن كان له حسنة تعادل حبة الخردل، أو سيئة أتينا بها. ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾: أيْ: جيء بها، ووضعناها في ميزانه وحاسبناه عليها وجازيناه بها. ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾: كفى تعني يكفيك أو حسبك، تحمل معنى التّعجُّب، حاسبين جاءت بصيغة العظمة: وتعني وكفى بالله حسيباً والحسيب من الحسب وهو الاكتفاء أو المحاسب، أي: الّذي يحفظ أعمال عباده من خير وشر ويحاسبهم عليها، ولا يحتاج إلى أحدٍ غيره لهذا الحساب فهو يكفي سبحانه.

стр. 3182

سورة الأنبياء [٢١: ٤٨] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾: المناسبة: بعد أن ذكر الله سبحانه طرفاً أو جانباً مما يعانيه رسول الله ﷺ من كفار مكة، وتكذيبَهم واستهزاءَهم، وأمره بإنذارهم بالوحي أيْ: بالقرآن، جاء بعدها ليذكرنا ببعض الرّسل الّذين سبقوه، مثل موسى وهارون وإبراهيم ولوط وداود وسليمان وأيوب وزكريا وعيسى ابن مريم. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد للتحقيق، آتينا: من الإيتاء وهو العطاء الّذي لا تَملُّك فيه، ويمكن استرداده والإيتاء أعم من العطاء، ويشمل الأشياء الحسية والمعنوية. ﴿مُوسَى وَهَارُونَ﴾: رسالتهما واحدة. ﴿الْفُرْقَانَ﴾: أي: التّوراة وسمِّيت الفرقان؛ لأنّها تفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والظلمات والنّور. ﴿وَضِيَاءً﴾: أيْ: نوراً يهدي من الظّلمات إلى النّور أيْ: هدىً أو مصدر للهداية. ﴿وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾: موعظة أو ذكراً يُذكَّرُ به المتقون، للمتقين: اللام لام الاختصاص، أيْ: خاصة للمتقين الّذين ينتفعون به. سورة الأنبياء [٢١: ٤٩] ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾: هذه الآية تتمة للآية السّابقة أيْ: ذكراً للمتقين: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: الّذين اسم موصول، يخشون ربهم: الخشية: هي الخوف الممزوج بالمهابة من الخالق وعظمته والعلم بصفاته وأسمائه، وفيها معنى الأمل. ﴿بِالْغَيْبِ﴾: الباء للإلصاق والاستمرار، الغيب: أيْ: وهم لا يرونه والغيب: أيْ: في خلواتهم وسرائرهم وانفرادهم عن الخلق وليس فقط أمام

стр. 3183

النّاس. ولمقارنة هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الملك: ١٢]. ارجع إلى سورة الملك لمعرفة الفرق. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾: من الإشفاق: هو العناية المشوبة بالخوف والحذر وعدم الاطمئنان من أن تقوم السّاعة القيامة الصّغرى أو القيامة الكبرى وهم مقصرون في حق ربهم من طاعة أو عبادة، أو أن لا تقبل أعمالهم الصّالحة، مشفقون: جملة اسمية تدل على إشفاقهم دائم لا ينقطع ثابت، والسّاعة تعني ساعة تهدم النّظام الكوني الحالي، فهناك فرق بين الخشية والإشفاق. سورة الأنبياء [٢١: ٥٠] ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾: ﴿وَهَذَا﴾: الواو استئنافية، هذا: الهاء للتنبيه، وذا: اسم إشارة للقرب تشير إلى الذّكر المبارك. ﴿ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾: أي: القرآن الكريم، مبارك: نعت للقرآن الكريم كما نعت التّوراة بأنّها ضياءٌ وذكرٌ للمتقين، نعت القرآن بأنّه ذكر مبارك؛ أيْ: كثير البركة والخير، كثير الفوائد والمنافع الدّنيوية والأخروية. ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾: أيْ: عليك يا محمّد جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا. ﴿أَفَأَنتُمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّوبيخ والتّعجب، لمن ينكر القرآن العظيم. ﴿لَهُ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر. ﴿مُنْكِرُونَ﴾: من الإنكار، والإنكار يكون للشيء الخفي غالباً، وأحياناً للشيء الظاهر، والإنكار أعم من الجحود. ارجع إلى الآية (٥١) من سورة الأعراف للبيان، وتقولون أنّه أساطير الأولين أو إفك مفترى أو سحر أو شعر، ومنكرون جملة اسمية تدل على الثّبات والاستمرار في الإنكار.

стр. 3184

سورة الأنبياء [٢١: ٥١] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾: ارجع إلى الآية (٤٨) من نفس السّورة لبيان معنى الإيتاء. وقوله تعالى: (آتينا) بدلاً من أوتي (بصيغة المجهول) تدل على منزلة إبراهيم وشرفه وذلك لأنا كنا به عالمين أنه من أهل الرُّشد. والرُّشد: القدرة على التفكير للوصول للحق والصّواب، آتينا إبراهيم رُشده: أيْ: هديناه للرُشد أي: الحق والصّواب والصلاح هداه إلى وحدانية خالقه وربه وتجنُّب عبادة الأصنام، ولمعرفة الفرق بين الرَّشد والرُّشد ارجع إلى الآية (٦) من سورة النّساء للبيان. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي: أتينا إبراهيم رشده من قبل موسى هارون أو قبل إنزال الوحي عليه والنّبوة وقيل: منذ صغره. ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾: وكنا: للتعظيم، به: تقديم الجار والمجرور يعني: عالمين بكلّ شيء قام به، عالمين به منذ طفولته، وبكلّ أحواله نشأته وتربيته وأفعاله وأقواله. سورة الأنبياء [٢١: ٥٢] ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرف زماني بمعنى حين، أيْ: واذكر حين قال، أو اذكر إذ قال إبراهيم. ﴿قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾: اللام في لأبيه تدل على التّوكيد وتعني: إذ قال لأبيه خاصة ولقومه عامة، لأبيه أي: عمه آزر، والعم يمكن أن يقوم مقام الأب، ارجع إلى سورة البقرة آية (١٣٣)، وارجع إلى سورة الأنعام آية (٧٤) للبيان. ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾: ما اسم استفهام إنكاري يحمل معنى الاستهزاء والتقريع، هذه: الهاء للتنبيه ذه اسم إشارة للقرب. (ما هذه): إذا قورنت بـ (ما) هي أشد في الاستفهام وأبلغ.

стр. 3185

﴿التَّمَاثِيلُ﴾: أي: الأصنام أو الحجارة والصنم أو التّمثال: اسم للشيء المصنوع المضاهي خلق الله كإنسان أو حيوان أو شجر. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (١٧) للتفريق بين الصنم والوثن. ﴿الَّتِى أَنتُمْ﴾: أنتم للتوكيد. ﴿عَاكِفُونَ﴾: جمع عاكف: اسم فاعل من الاعتكاف، والاعتكاف مأخوذ من عكف إلى الشّيء أيْ: لزمه وداوم عليه، أيْ: ملازمون لها أو مقيمون على عبادتها، وعاكفون جملة اسمية تفيد الثّبوت. سورة الأنبياء [٢١: ٥٣] ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾: قالوا لإبراهيم ردّاً على سؤاله ما هذه التّماثيل الّتي أنتم لها عاكفون: وجدنا آباءنا يعبدونها فعبدناها؛ أي: اقتدينا بهم، ارجع إلى الآية (١٠٦) من نفس السّورة لبيان معنى العبادة. سورة الأنبياء [٢١: ٥٤] ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ﴿قَالَ﴾: إبراهيم لهم. ﴿لَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق. ﴿كُنتُمْ﴾: تفيد التّوكيد. ﴿كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾: بعبادتها في ضلال مبين: في بُعد عن الحق واضح أو الضّلال له معانٍ كثيرة منها الشّرك والكفر والضّياع والخطأ. ﴿مُبِينٍ﴾: بيِّن لا يخفى على أحد، وظاهر بنفسه لا يحتاج إلى من يظهره أو يُبيِنه للناس أو يحتاج إلى دليل أو برهان. سورة الأنبياء [٢١: ٥٥] ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا﴾: الهمزة همزة استفهام حقيقي واستعباد.

стр. 3186

﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق والاستمرار والحق هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير ضد الباطل الزّائل؛ أيْ: أجئتنا بالحق: أن نعبد الله ونترك ما يعبد آباؤنا. ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾: أيْ: أجاد أنت فيما تقوله نحن في ضلال مبين وآباؤنا أم ما تقوله لعب وعبث. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٣٢) لمعرفة معنى اللعب واللهو والفرق بينهما. سورة الأنبياء [٢١: ٥٦] ﴿قَالَ بَلْ رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: ﴿قَالَ﴾: إبراهيم لهم. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي: أيْ: هذه الأصنام لا تستحق العبادة والّذي يستحق العبادة هو ربكم الّذي خلقكم وخلق السّموات والأرض. ﴿رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ﴾: فطرهن: من فطر الله الخلق؛ أيْ: أظهر الخلق، والفطر هو الشّق أو إخراج الشّيء على مثال غير سابق. ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ﴾: ولم يقل: وأنا على ذلك، ذلكم للجمع (السّموات والأرض وما فيهن) والتّوكيد. ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: أيْ: من الشّاهدين جمع شاهد على أنّه لا إله إلا الّذي فطر السّموات والأرض، والشّاهد لا يشهد إلا بالحق، أيْ: بعد التّحقق مما رأى ومعه الحُجَّة والدّليل على الشّهادة. سورة الأنبياء [٢١: ٥٧] ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾: ويبدو أنّهم لم يصدِّقوا ما قاله فأقسم إبراهيم ﵇ وقال: ﴿وَتَاللَّهِ﴾: والتّاء تاء القسم، وهي أقوى أدوات القسم وأقوى من الواو (والله) أو الباء (بالله) واللام. وتالله للإنشاء، والخبر لأكيدن أصنامكم.

стр. 3187

﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾: اللام في لأكيدن للتوكيد والنّون في (أكيدن) لزيادة التّوكيد، والكيد: هو التّدبير الخفي المحكم لإيقاع المكروه، بها (الأصنام) يعني هنا تحطيمها وكسرها. ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾: جملة وهل يمكن الكيد من الأصنام الّتي هي حجارة لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع ولا ترى، الجواب الكيد منها يعني الكيد من الّذين يعبدونها. ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾: بعد ظرفية زمانية ومكانية، تولوا مدبرين: أيْ: تنصرفوا عنها ولو زمناً قليلاً، ولم يقل: تتولوا، تولوا: تعني ولو زمناً قصيراً وتتولوا تعني زمناً طويلاً، أن: للتعليل، أقسم إبراهيم ذلك سراً في نفسه أو جهراً كما قيل سمعه أحدهم. وما حدث بعد القسم جاء ذكره في سورة الصّافات، فقد انتظر إبراهيم يوم عيد لهم وسألوه أن يخرج معهم فقال: إنّه سقيم، أيْ: مريض، الصّافات (٨٩ - ٩٣) ﴿فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾.

стр. 3188

سورة الأنبياء [٢١: ٥٨] ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾: الفاء تدل على التّرتيب والمباشرة أيْ: أسرع بتحطيم هذه الأصنام، بعد خروجهم لعيدهم. ﴿جُذَاذًا﴾: من الجذِّ وهو القطع والكسر يقال: جذذت الشّيء أيْ: كسرته وقطعته، أيْ: جعل الأصنام قطعاً متناثرة وحطاماً بعد أن راغ عليهم ضرباً باليمين. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿كَبِيرًا لَّهُمْ﴾: إلا كبير الأصنام تركه ولم يحطِّمْه ويكسره. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل للتعليل. ﴿إِلَيْهِ﴾: تقديمها على يرجعون، ولم يقل: لعلهم يرجعون إليه، تفيد الحصر والقصر إليه حصراً، وإليه إما أن تعود على الله سبحانه أو تعود على إبراهيم أو تعود على كبيرهم. ﴿يَرْجِعُونَ﴾: يرجعون، ولم يُرجعوا، أيْ: يرجعون بإرادتهم ورغبتهم وليس مكرهين، كما لو استعمل كلمة يُرجعون، فإن كانت تعود على الله سبحانه، فالآية تعني: إليه يرجعون، أي: يرجعون إلى الله ويتوبون ويؤمنون به، وإن كانت

стр. 3189

تعود على إبراهيم، فالآية تعني: يرجعون إليه فيُحاجهم كما سيأتي، وإن كانت تعود على كبير الأصنام، فالآية تعني: يرجعون إليه فيسألونه من كسر الأصنام فيجدون أنّه لا يتكلَّم، وربما يعودون إلى صوابهم ورشدهم. والاحتمالات الثّلاثة كلها واردة؛ أي: تحمل الآية كلّ الاحتمالات معاً. سورة الأنبياء [٢١: ٥٩] ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: بعد أن عادوا إلى معبدهم ووجدوا أصنامهم محطَّمة. ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾: من: استفهامية وإنكار، للعاقل وتشمل المفرد والمثنى والجمع. ﴿فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾: أيْ: من حطَّم آلهتنا. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿لَمِنَ﴾: اللام لزيادة التّوكيد. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: أي: المجرمين. سورة الأنبياء [٢١: ٦٠] ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾: قال بعضهم: سمعنا فتى يذكرهم يقول: تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين، فتى: تعني شاباً. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾: اسمه إبراهيم أو ينادونه إبراهيم.

стр. 3190

سورة الأنبياء [٢١: ٦١] ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ﴾: أيْ: أحضروه مباشرة حالاً، الفاء للمباشرة. ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾: على مرأى من النّاس ليراه الكلّ. على: تفيد الاستعلاء، وتستعمل للأفعال الشاقة مثل هذا المشهد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾: لعلهم للتعليل، يشهدون: ما سنُوقع به من العذاب أو يشهدون عقابه أو عذابه حتّى يكون عبرة لمن بعده، أو يشهدون عليه أنّه هو مرتكب الجرم بتكسير الآلهة. سورة الأنبياء [٢١: ٦٢] ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ﴾: الهمزة همزة استفهام، وقدَّموا أنت، أي: الفاعل على الفعل لأنّ الفاعل مرتكب الجرم غير معروف، وهو الأهم والفعل واضح وهو تحطيم الآلهة وهم يبحثون عنه، ولو اهتموا بالفعل لقالوا: أفعلت هذا يا إبراهيم. سورة الأنبياء [٢١: ٦٣] ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾: قال إبراهيم، بل للإضراب الانتقالي، فعله كبيرهم هذا الّذي تركه سالماً، ولم يحطمه ويجعله جذاذاً كباقي الأصنام حتّى يُعزى إليه أنّه هو الّذي حطم بقية الآلهة، وفي ذلك توبيخ لهم واستهزاء. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب يشير إلى كبير الأصنام. ﴿فَسْئَلُوهُمْ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب.
следующие страницы →