← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق والاستمرار والحق هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير ضد الباطل الزّائل؛ أيْ: أجئتنا بالحق: أن نعبد الله ونترك ما يعبد آباؤنا. ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾: أيْ: أجاد أنت فيما تقوله نحن في ضلال مبين وآباؤنا أم ما تقوله لعب وعبث. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٣٢) لمعرفة معنى اللعب واللهو والفرق بينهما. سورة الأنبياء [٢١: ٥٦] ﴿قَالَ بَلْ رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: ﴿قَالَ﴾: إبراهيم لهم. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي: أيْ: هذه الأصنام لا تستحق العبادة والّذي يستحق العبادة هو ربكم الّذي خلقكم وخلق السّموات والأرض. ﴿رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ﴾: فطرهن: من فطر الله الخلق؛ أيْ: أظهر الخلق، والفطر هو الشّق أو إخراج الشّيء على مثال غير سابق. ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ﴾: ولم يقل: وأنا على ذلك، ذلكم للجمع (السّموات والأرض وما فيهن) والتّوكيد. ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: أيْ: من الشّاهدين جمع شاهد على أنّه لا إله إلا الّذي فطر السّموات والأرض، والشّاهد لا يشهد إلا بالحق، أيْ: بعد التّحقق مما رأى ومعه الحُجَّة والدّليل على الشّهادة. سورة الأنبياء [٢١: ٥٧] ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾: ويبدو أنّهم لم يصدِّقوا ما قاله فأقسم إبراهيم ﵇ وقال: ﴿وَتَاللَّهِ﴾: والتّاء تاء القسم، وهي أقوى أدوات القسم وأقوى من الواو (والله) أو الباء (بالله) واللام. وتالله للإنشاء، والخبر لأكيدن أصنامكم.

стр. 3187

﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾: اللام في لأكيدن للتوكيد والنّون في (أكيدن) لزيادة التّوكيد، والكيد: هو التّدبير الخفي المحكم لإيقاع المكروه، بها (الأصنام) يعني هنا تحطيمها وكسرها. ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾: جملة وهل يمكن الكيد من الأصنام الّتي هي حجارة لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع ولا ترى، الجواب الكيد منها يعني الكيد من الّذين يعبدونها. ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾: بعد ظرفية زمانية ومكانية، تولوا مدبرين: أيْ: تنصرفوا عنها ولو زمناً قليلاً، ولم يقل: تتولوا، تولوا: تعني ولو زمناً قصيراً وتتولوا تعني زمناً طويلاً، أن: للتعليل، أقسم إبراهيم ذلك سراً في نفسه أو جهراً كما قيل سمعه أحدهم. وما حدث بعد القسم جاء ذكره في سورة الصّافات، فقد انتظر إبراهيم يوم عيد لهم وسألوه أن يخرج معهم فقال: إنّه سقيم، أيْ: مريض، الصّافات (٨٩ - ٩٣) ﴿فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾.

стр. 3188

سورة الأنبياء [٢١: ٥٨] ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾: الفاء تدل على التّرتيب والمباشرة أيْ: أسرع بتحطيم هذه الأصنام، بعد خروجهم لعيدهم. ﴿جُذَاذًا﴾: من الجذِّ وهو القطع والكسر يقال: جذذت الشّيء أيْ: كسرته وقطعته، أيْ: جعل الأصنام قطعاً متناثرة وحطاماً بعد أن راغ عليهم ضرباً باليمين. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿كَبِيرًا لَّهُمْ﴾: إلا كبير الأصنام تركه ولم يحطِّمْه ويكسره. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل للتعليل. ﴿إِلَيْهِ﴾: تقديمها على يرجعون، ولم يقل: لعلهم يرجعون إليه، تفيد الحصر والقصر إليه حصراً، وإليه إما أن تعود على الله سبحانه أو تعود على إبراهيم أو تعود على كبيرهم. ﴿يَرْجِعُونَ﴾: يرجعون، ولم يُرجعوا، أيْ: يرجعون بإرادتهم ورغبتهم وليس مكرهين، كما لو استعمل كلمة يُرجعون، فإن كانت تعود على الله سبحانه، فالآية تعني: إليه يرجعون، أي: يرجعون إلى الله ويتوبون ويؤمنون به، وإن كانت

стр. 3189

تعود على إبراهيم، فالآية تعني: يرجعون إليه فيُحاجهم كما سيأتي، وإن كانت تعود على كبير الأصنام، فالآية تعني: يرجعون إليه فيسألونه من كسر الأصنام فيجدون أنّه لا يتكلَّم، وربما يعودون إلى صوابهم ورشدهم. والاحتمالات الثّلاثة كلها واردة؛ أي: تحمل الآية كلّ الاحتمالات معاً. سورة الأنبياء [٢١: ٥٩] ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: بعد أن عادوا إلى معبدهم ووجدوا أصنامهم محطَّمة. ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾: من: استفهامية وإنكار، للعاقل وتشمل المفرد والمثنى والجمع. ﴿فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾: أيْ: من حطَّم آلهتنا. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿لَمِنَ﴾: اللام لزيادة التّوكيد. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: أي: المجرمين. سورة الأنبياء [٢١: ٦٠] ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾: قال بعضهم: سمعنا فتى يذكرهم يقول: تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين، فتى: تعني شاباً. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾: اسمه إبراهيم أو ينادونه إبراهيم.

стр. 3190

سورة الأنبياء [٢١: ٦١] ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ﴾: أيْ: أحضروه مباشرة حالاً، الفاء للمباشرة. ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾: على مرأى من النّاس ليراه الكلّ. على: تفيد الاستعلاء، وتستعمل للأفعال الشاقة مثل هذا المشهد. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾: لعلهم للتعليل، يشهدون: ما سنُوقع به من العذاب أو يشهدون عقابه أو عذابه حتّى يكون عبرة لمن بعده، أو يشهدون عليه أنّه هو مرتكب الجرم بتكسير الآلهة. سورة الأنبياء [٢١: ٦٢] ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ﴾: الهمزة همزة استفهام، وقدَّموا أنت، أي: الفاعل على الفعل لأنّ الفاعل مرتكب الجرم غير معروف، وهو الأهم والفعل واضح وهو تحطيم الآلهة وهم يبحثون عنه، ولو اهتموا بالفعل لقالوا: أفعلت هذا يا إبراهيم. سورة الأنبياء [٢١: ٦٣] ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾: قال إبراهيم، بل للإضراب الانتقالي، فعله كبيرهم هذا الّذي تركه سالماً، ولم يحطمه ويجعله جذاذاً كباقي الأصنام حتّى يُعزى إليه أنّه هو الّذي حطم بقية الآلهة، وفي ذلك توبيخ لهم واستهزاء. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب يشير إلى كبير الأصنام. ﴿فَسْئَلُوهُمْ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب.

стр. 3191

﴿إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾: إن شرطية، تحمل معنى الشّك أو النّدرة، وإبراهيم يعلم أنّهم لن يسألوا هذا الصّنم؛ لأنّهم ليسوا أغبياء، ولكن جاء بهذا الأسلوب الحواري ليبيِّن لهم جهلهم وغباوتهم ويلزمهم الحجة لعلهم يرجعون. سورة الأنبياء [٢١: ٦٤] ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾: ﴿فَرَجَعُوا﴾: الفاء للمباشرة. ﴿إِلَى أَنفُسِهِمْ﴾: أيْ: تنبهوا وعادوا إلى عقولهم ونطقوا بالحق. ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ﴾: الفاء للمباشرة، إنكم أنتم (أنتم تفيد التّوكيد). ﴿الظَّالِمُونَ﴾: المشركون والظّالمون لأنفسكم بعبادتكم الأصنام وليس غيركم، الظّالمون: جملة اسمية تدل على الثّبوت. وظالمون جمع ظالم، وكل من خرج عن دين الله هو ظالم لنفسه. سورة الأنبياء [٢١: ٦٥] ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: لتباين الصّفات بين معرفتهم الحق والعودة إلى الضّلال والغي. ﴿نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾: عادوا إلى ضلالهم وغيهم بعد ما عرفوا الحق واعترفوا بأنّهم الظّالمين وشبه سبحانه رجوعهم عن الحق بعد أن تبيَّن لهم إلى الباطل (عبادة الأصنام) بانقلاب الشّخص حتّى يصبح أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، أو نكسَ المريض: عاد إلى مرضه.

стр. 3192

﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾: قالوا لإبراهيم: لقد علمت ما هؤلاء، أيْ: كبيرهم أيْ: كبير الأصنام أو الأصنام الّتي أصبحت جذاذاً لا ينطقون. سورة الأنبياء [٢١: ٦٦] ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري، أفتعبدون: الفاء للتوكيد، تعبدون من دون الله: من غير الله أو سواه. ﴿مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا﴾: ما النّافية، وتستعمل لغير العاقل أو العاقل أحياناً، لا ينفعكم شيئاً: لا النّافية، شيئاً: نكرة، لا ينفعكم أيُّ شيء مهما كان إذا عبدتموه. ﴿وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾: تكرار لا النّافية للتوكيد، أيْ: ولا يضركم شيئاً، إذن لماذا تعبدون هذه الأصنام؟ سورة الأنبياء [٢١: ٦٧] ﴿أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ﴾: أيْ: قبحاً لكم أو تعساً لكم، وأفٍّ صوت يدل على التّضجر. وجاءت أفٍ بالتنوين؛ أي: إني ضجرت منكم ضجراً عظيماً بلغ منتهاه. ﴿وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: الواو استئنافية، ولما: اللام لام الاختصاص، ما للعاقل وغير العاقل، ولمعنى العبادة: ارجع إلى الآية (١٠٦) من نفس السّورة للبيان، من دون الله: من غير الله. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري وتوبيخ على عدم التّعقل والتّعجُّب من ترك التّفكير، ألا: أداة تنبيه وحضٍّ وتحمل معنى الأمر، على

стр. 3193

الموازنة بين البدائل والتّدبر للوصول إلى معرفة حقيقية، وهي أن الله هو الإله الحق وما يعبدون من دونه هو الباطل. سورة الأنبياء [٢١: ٦٨] ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾: ولم يقولوا: احرقوه: حرِّقوه بالتّضعيف الدّال على المبالغة في الإحراق؛ أي: أحرقوه كاملاً يشمل الرأس والصدر والظهر والبطن والأطراف مما يدل على نار الحقد المتأججة في نفوسهم من إبراهيم بعد أن جعل أصنامهم جذاذاً ووصفهم بأنهم لا يعقلون. ارجع إلى الآية (٢٤) من سورة العنكبوت للبيان. ﴿وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾: بالانتقام من هذا الّذي حطم وكَسرَ وفتت آلهتكم، فهم نسبوا المعركة بين إبراهيم والآلهة (الأصنام) ولم ينسبوا المعركة أنّها بينهم وبين إبراهيم ﵇. ﴿إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾: إن شرطية تفيد الشّك، كنتم فاعلين: أيْ: تريدون حقّاً نصرتها، وجواب الشّرط محذوف، دل عليه الكلام المتقدم أيْ: إن كنتم ناصرين لها فانصروها وحرِّقوه، وفي سورة العنكبوت الآية (٢٤) ﴿قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾، ففي هذه الآية ذكروا طريقتين للقضاء على إبراهيم ﵇ بالقتل أو الإحراق بالنّار، ثمّ أجمعوا على الإحراق. سورة الأنبياء [٢١: ٦٩] ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾: في الكلام اختصار وحذف في الكلام فهم قاموا بجمع الحطب، ثمّ بنوا

стр. 3194

عليه بنياناً عالياً، ثمّ أوقدوا النّار، ثمّ رموا إبراهيم في النّار، كما ورد في سورة الصّافات الآية (٩٧) وعندما عزموا على إلقائه في النّار: ﴿قُلْنَا يَانَارُ﴾: خاطب الله النّار مباشرة وناداها ربها: يا نارُ: كل منادى مبني على الضم معرفة ولو نصب النار قد تكون معرفة أو نكرة؛ أي: خاطب الله سبحانه نار معينة، وهي نار التي أوقدت لإحراق إبراهيم ﵇. ﴿كُونِى بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾: قيَّد حرَّها بسلام، ولو لم يقيِّد حرَّها بسلام لآذاه حرُّها، وقيَّد بردها بسلام، ولو لم يقيِّده، فربما البرد المطلق يؤذيه ويضره ويهلكه؛ أيْ: يا نار كوني ذات برد وسلام وقد يسأل سائل: كيف بردت النّار وهي ما زالت مشتعلة ملتهبة؟ الجواب: هو أن الله نزع منها خاصية الإحراق وأبقى لها خاصية الإضاءة والاشتعال؛ لأنّه سبحانه على كلّ شيء قدير. سورة الأنبياء [٢١: ٧٠] ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾: بإبراهيم ﵇ كيداً: أيْ: إحراقه بالنّار أو قتله والكيد هو التّدبير الخفي المحكم لإيقاع المكروه بالغير من دون علمه. ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾: الفاء تدل على المباشرة، الأخسرين: جمع أخسر على وزن أفعل ليدل على المبالغة في الخسران، فإبراهيم ﵇ نصره الله تعالى، فأنجاه الله من النّار بعد أن ألقوه فيها، بينما قومه خسروا أنفسهم وأهليهم باستمرارهم على الشّرك، ولهم عذاب مقيم.

стр. 3195

وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٩٧ - ٩٨) من سورة الصّافات، وهي قوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِى الْجَحِيمِ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾: نجد في سورة الأنبياء الآية (٧٠) أرادوا، في سورة الصّافات فأرادوا بزيادة الفاء الّتي تدل على السّرعة في تنفيذ الكيد من دون فاصلة زمنية أيْ: مباشرة. وفي سورة الأنبياء فجعلناهم الأخسرين تناسب قولهم: انصروا آلهتكم فنصر الله تعالى إبراهيم وأنجاه من النّار وجعلهم هم وآلهتهم الأخسرين، وأمّا في سورة الصّافات فجعلناهم الأسفلين تناسب قولهم: ابنوا لهم بنياناً فألقوه في الجحيم، أيْ: من أعلى إلى أسفل فبدلاً من أن يكون إبراهيم ﵇ الأسفل جعلناهم الأسفلين كأنّهم هم الّذين سقطوا من بنيانهم في النار. سورة الأنبياء [٢١: ٧١] ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا﴾: أيْ: إبراهيم ﵇ ولوطاً، ونجيناه ولم يقل: وأنجيناه: نجيناه تعني: زمن النّجاة كان طويلاً، بينما لو قال: أنجيناه فذلك يعني زمن النّجاة استغرق زمناً قصيراً ونجيناه من ديار الكفر أرض بابل بالعراق بالهجرة مع زوجته وابن أخيه لوط إلى أرض الشام وفلسطين. ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾: أرض فلسطين والشّام وما حولها، باركنا فيها: من البركة وتعني الزّيادة والنّمو، والبركة بركة مادية تعني: بلاد الخيرات والثّمار والزّروع، أو بركة معنوية وتعني: أرض النّبوة والرّسالات ومهبط الأنبياء.

стр. 3196

سورة الأنبياء [٢١: ٧٢] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾: أيْ: لإبراهيم إسحاق الهبة عطاء من دون مقابل، ارجع إلى سورة آل عمران آية (٨) للبيان. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾: لأنّ امرأة إبراهيم ﵇ سارة كانت عجوز عقيم غير صالحة للإنجاب، فكان إسحاق ﵇ هبة من الله سبحانه له، فقد دعا إبراهيم ربه قائلاً ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصّافات: ١٠٠] قدَّم له الجار والمجرور للحصر أيْ: له خاصة. ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾: نافلة: أيْ: زيادة، أيْ: وهب له إسحاق ويعقوب زيادة ويعقوب هو ولد إسحاق أي: الحفيد أيْ: ولد الولد ونافلة؛ لأنّ إبراهيم لم يسأل ربه عن ولد الولد فكان زيادة؛ أي: نافلة. ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾: الواو واو الجمع وتعني: هؤلاء وغيرهم؛ أي: كلّ واحد من هؤلاء إبراهيم وإسحاق ويعقوب صالحِين وهناك غيرهم من الصالحين بكسر الحاء، وتعني: جمع صالح، ولم يقل: صالحَين بفتح الحاء أي: (فقط إسحاق ويعقوب)؛ أي: من الصالحين. ولمعرفة معنى الصّالحين ارجع إلى الآية (١٣٠) من سورة البقرة للبيان.

стр. 3197

سورة الأنبياء [٢١: ٧٣] ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾: أيْ: جعلنا إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب، أئمة: جمع إمام والإمام قدوة يُقتدى بهم في الخير والصّلاح، وذلك استجابة لدعاء إبراهيم ﵇ حين قال تعالى: ﴿إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِى﴾ [البقرة: ١٢٤]. وفي الآية السابقة (٧٢) (وكلاً جعلنا صالحين) وكرر في هذه الآية وجعلناهم للتوكيد والأهمية والشرف لهذا الجعل جعلهم أئمة بالإضافة إلى كونهم صالحين. ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾: يرشدون النّاس بأمرنا بما أنزلنا عليهم من الوحي والأمر والنّهي ملتزمين بما أمرناهم به ولا يخالفونا. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ﴾: الوحي في اللغة الإعلام بالخفاء أيْ: سراً (الكلام الخفي) وفي الشّرع: هو ما يُلقي الله تعالى إلى أنبيائه ورسله من آيات وتعاليم دينية ومواعظ بواسطة الوحي جبريل أو الكلام من وراء حجاب. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣) لمعرفة معنى أوحينا. ﴿فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾: الخير وهو الشّيء الحسن النّافع الحلال الطّيب. ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾: هذا يسمَّى عطف الخاص على العام؛ لأنّ فعل الخيرات يتضمن إقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة، واختار الله تعالى ذكر هاتين العبادتين؛ لأنّهما أهم العبادات وإقام الصّلاة يعني: بشروطها وأركانها

стр. 3198

وأوقاتها وخشوعها والدّوام عليها، وقال تعالى: وإقام الصّلاة بالتّذكير ولم يقل: وإقامة الصّلاة؛ لأنّ التّذكير أقوى من التّأنيث وإيتاء الزّكاة بشروطها وأوقاتها والمداومة عليها. ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾: جمع عابد، عابدين من العبادة، ارجع إلى الآية (١٠٦) من نفس السّورة للبيان، وعابدين جملة اسمية تدل على الثّبوت. سورة الأنبياء [٢١: ٧٤] ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾: ﴿وَلُوطًا﴾: هو ابن هاران بن تارخ عمّه إبراهيم ﵇، ذكر في القرآن (٢٧) مرة في (١٤) سورة. ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ﴾: قيل: هي معطوفة على ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾: وأيضاً آتينا لوطاً حكماً وعلماً. ﴿حُكْمًا﴾: تشمل النّبوة والحكم: القضاء والفتوى في الأمور الدنيوية والدينية. ﴿وَعِلْمًا﴾: العلم: الفهم بالدّين، أيْ: معرفة أمور الدّين الأحكام والشرائع. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾: نجيناه ولم يقل: أنجيناه ليدل على أنّ عملية النّجاة استغرقت زمناً طويلاً ولم تكن صعبة. ﴿مِنَ الْقَرْيَةِ﴾: هي قرية سدوم والقرى المحيطة بها المسماة المؤتفكات، والقرية تعني: أهل القرية، الّتي كانت تعمل الخبائث: أيْ: أهلها الّذين كانوا يعملون الخبائث الّتي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩].

стр. 3199

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾: إنهم للتوكيد، كانوا قوم سوء: أصحاب أعمال سيئة ومعاصي، وقيل: السّوء كلّ معصية يقام عليها الحد في الدّنيا، والسّوء القبيح وهو ما يسوء إظهاره وله عاقبة سيئة، والسّوء: اسم مصدر والمصدر لا يجمع. ﴿فَاسِقِينَ﴾: خارجين عن طاعة الله تعالى، جمع فاسق، وفاسقين تدل على صفة الفسق ثابتة عندهم. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٦) لمزيد من البيان. سورة الأنبياء [٢١: ٧٥] ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِى رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِى رَحْمَتِنَا﴾: الرّحمة تعني النّبوة، وتعني الجنة، وتعني العيش في رحمة الله، أي: الإسلام والإيمان والنّعمة والسّعة في العيش والعصمة، وإضافة الرّحمة له سبحانه تعني: رحمة خاصة بالمؤمن، وهناك رحمة عامة للمؤمن والكافر. ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: إنه للتوكيد، الصّالحين: جمع صالح والصّالح من قام بحق الله تعالى وحق العباد، والمؤهل لحمل الخلافة الإيمانية، ويمتاز بصلاح في العقيدة والأخلاق والسلوك والتربية ويقاوم الفساد بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. سورة الأنبياء [٢١: ٧٦] ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾: ﴿وَنُوحًا﴾: الواو عاطفة على إبراهيم، ولقد آتينا إبراهيم ونوحاً إذ نادى. ﴿إِذْ﴾: ظرف زماني بمعنى حين. ﴿نَادَى﴾: إذ دعا على قومه بالهلاك فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: إبراهيم ولوط.

стр. 3200

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾: الفاء تدل على المباشرة والتّعقيب، أي: استجبنا له مباشرة، له: لدعائه وندائه، لمعرفة معنى استجبنا له: ارجع إلى الآية (٨٤) من نفس السّورة. ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾: الفاء تدل على المباشرة ونجاته استغرقت زمناً طويلاً لصنع السّفينة وإعدادها. ﴿وَأَهْلَهُ﴾: أولاده وزوجته. ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾: الكرب: هو المكروه الّذي لا تستطيع دفعه غالباً عن نفسك ولا يستطيع أحد آخر دفعه إلا الله. والكرب يعني: الغرق بالطوفان ويشمل الغم الشديد الّذي استمر طويلاً. ما هو الفرق بين استجبنا له وأجبناه: الاستجابة تعني دائماً: القبول لما دعا إليه الدّاعي، أيْ: فيها وعد من الله سبحانه للداعين بالاستجابة لهم. أما الإجابة فقد تكون بالإيجاب (القبول) أو الرفض. سورة الأنبياء [٢١: ٧٧] ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: ﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾: أيْ: نوح من القوم الّذين كذبوا بآياتنا، ونصرناه من القوم ولم يقل: على القوم، نصرناه من القوم تعني: نصراً كان من عند الله سبحانه من دون قتال أو معركة أو حرب، ولو قال: ونصرناه على القوم لكان ذلك يعني أنّه كانت هناك معركة وقتال بينه وبين قومه؛ لأنّ كلمة على تعني العلو والغلبة. وقال نصرناه، ولم يقل نجيناه؛ لأن نجيناه تعني: النجاة فقط له، وأما نصرناه: تدل على نجاته من عقاب خصمه؛ أي: نجيناه وأغرقنا خصمه. ﴿مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: بآياتنا: الباء للإلصاق، آياتنا: أيْ: كذبوا

стр. 3201

بآيات ربهم الدالة على التوحيد والإلوهية، وبآياتنا الكونية الّتي ذكرها الله سبحانه في سورة نوح (١٥ - ١٧): ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾. ﴿إِنَّهُمْ﴾: للتوكيد. ﴿كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾: ارجع إلى الآية (٧٤) للبيان. ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب بالطّوفان أجمعين كبيرهم وصغيرهم من ذكر وأنثى إلا من آمن معه، وما آمن معه إلا قليل. سورة الأنبياء [٢١: ٧٨] ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾: يعني: واذكر نوحاً إذ نادى من قبل واذكر داود وسليمان. ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ﴾: إذ: ظرف زمان للماضي، يحكمان في الحرث: الحكم هو القضاء كلّ منهما حكم حكماً باجتهاد منه لا بوحي، وكلٌّ من داود وسليمان حكم بحكم مخالف للآخر، وتبيَّن أنّ حكم سليمان الابن كان أصوبَ من حكم الأب داود. ﴿فِى الْحَرْثِ﴾: في الزّرع، والزّرع يسمَّى حرثاً؛ لأنّ الحرث يسبق الزّرع ومن دون حرث لا يحدث زرعاً والحرث هو تقليب التّربة وتهويتها حتّى تصبح صالحة لعملية البذر ووصول الماء إلى البذرة. ﴿إِذْ نَفَشَتْ﴾: إذ ظرف للزمان الماضي تدل على الفجأة. ﴿نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾: انتشرت وتفرَّقت فيه غنم القوم. والنّفش: قيل: الرّعي ليلاً، ورعت من دون راعٍ، ويبدو أنّ الغنم خرجت

стр. 3202

من حظيرتها ليلاً من دون علم صاحبها، وبقيت ترعى حتّى الصباح في الزّرع، فلم تبقِ منه شيئاً يصلح للحصاد؛ مما أدَّى إلى فساده، فاختصم صاحب الحرث (الزّرع) وصاحب الغنم إلى داود ﵇، كما ذكر أهل التفسير. فحكم داود لصاحب الحرث أن يأخذ الغنم ويصبح مُلكاً له بدلاً من زرعه الّذي أتلفه الغنم، وسأل سليمان الخصمين بماذا حكم داود فأخبروه بذلك، فقال: انصرفا معي فأتى داود فقال: يا نبي الله إنّك حكمت بكذا وكذا، وإنّي رأيت ما هو أرفق بالجميع فقال: ما هو؟ فقال: نعطي الغنم إلى صاحب الحرث (الزّرع) كي يستفيد من لبنها وأصوافها وأولادها إذا ولدت في ذلك الزّمن، ونعطي الأرض لصاحب الغنم كي يُصلحها ويزرعها حتّى تعود كما كانت، عندها يأخذ صاحب الغنم غنمه وصاحب الزّرع زرعه. هذا ما ذكره القرطبي في تفسيره ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾: أيْ: حاضرين أو مراقبين. سورة الأنبياء [٢١: ٧٩] ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، فهمناها: الهاء تعود على الخصومة أو الدّعوى، فهمناها سليمان: خصَّ الفهم بسليمان والفهم هو تصور المعنى، أي: الإدراك الخفي للمسألة أو العلم بمعاني الكلام أو فطنة + علم، والعلم هو الإدراك سواء كان خفياً أو جلياً، أي: كلّ فاهِم لا يعني أنّه عالم وكلّ عالم هو فاهِم. ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾: وكلاً أيْ: داود وسليمان آتيناه حكماً وعلماً، حكماً: القدرة على حل الخصومات والقضاء في الدّعوى، وحكماً من الحكمة: الفهم وتدبر الأمور، وعلماً: علماً بأمور الدّين والفتوى والقضاء. فكلاهما آتيناه حكماً وعلماً، فلا يظن أحد أنّ داود أقل علماً أو حكماً من

стр. 3203

ابنه سليمان، وما توصل إليه سليمان لا يقدح في ما توصل إليه داود، فالإنسان يمكن أن يخطئ في الاجتهاد، فمن اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد. فقد روى البخاري في صحيحه عن عمر بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) وعلى الحاكم أو القاضي التّريث والنّظر في الدّعوى أو القضية من جميع جوانبها، وأنّ لكلّ حاكم أو قاض حكماً مبنياً على علمه وما توافر له من أدلة. ولكل من المدَّعِي والمدَّعَى عليه حقٌّ، أو مشروعية الاستئناف، والنّقض في الحكم. ثم بيَّن الله سبحانه طرفاً مما آتاهما الله تعالى إضافة إلى الحكم والعلم فقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾: وسخرنا من التّسخير وهو قهر المسخر، أو تذليله على فعل شيء، أو أمر لا يستطيع رفضه، وسخرنا: بصيغة الجمع للتعظيم. الجبال: يسبحن: وكما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ﴿وَالطَّيْرَ﴾: يسبحن وكلّ الحيوانات تسبح بحمد ربها. وفي سورة ص الآية (١٨) ذكر لنا زمن التّسبيح فقال تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِىِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، وقدَّم الجبال على الطّير؛ لأنّ تسخير الجبال وتسبيحها من عجائب القدرة الإلهية الّتي قلَّما يفكر بها العقل البشري المنحرف عن تسبيح الله تعالى في معظم الأوقات، فهذه الجبال الرّواسي، أو الكائنات الّتي يظنها الإنسان أنّها جمادات هي تفوق الكثير من البشر في عبادتها، وقد تكون أشرف من هؤلاء

стр. 3204

الّذين جحدوا بخالقهم وأنكروا تسبيحه، وتقديمها على الطّير؛ لأنّ الطّير من جنس الحيوان. ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾: أيْ: قادرين على فعل هذا وغير هذا فلا يعجزنا شيء، وفيها معنى التّوكيد للتسخير. سورة الأنبياء [٢١: ٨٠] ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾: أيْ: داود التّعليم بطريق الوحي. ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾: صناعة الدّروع، صنعة: هي الحرفة، لبوس: مشتقة من اللّباس الّذي يغطي الجسم. وكلمة لبوس على وزن فعول صيغة مبالغة من كلمة لباس، لبوس من لباس الحرب؛ أي: الدّروع الّتي تلبس في الحرب، لكم: اللام: لام الاختصاص لكم خاصة. ﴿لِتُحْصِنَكُم مِنْ بَأْسِكُمْ﴾: أيْ: تحميكم من ضرب السّيوف، أو طعن الرّماح، واللام للتعليل، من بأسكم: البأس: الحرب؛ أيْ: تحميكم في حربكم مع عدوكم. وقد بيَّن لنا في سورة سبأ الآية (١٠ - ١١) كيف تتم صنعة لبوس، فقال تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ﴾؛ أيْ: جعلنا له الحديد ليناً، أن اعمل سابغات؛ أيْ: دروعاً سابغات؛ أيْ: دروعاً تغطي صاحبها كاملة، وقدر في السّرد، السّرد النّسج؛ أيْ: لا تجعل الحلق واسعة، فلا تقي صاحبها فكان داود أوّل من صنع الدّروع والحِلق. ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾: هل استفهام بمعنى الأمر؛ أي: اشكروا الله المنعم

стр. 3205

الّذي سخر لكم الحديد، وغيره من المعادن، وصناعة ما يحفظكم ويقيكم من عدوكم. سورة الأنبياء [٢١: ٨١] ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَالِمِينَ﴾: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ﴾: الواو: عاطفة؛ أيْ: وسخرنا لسليمان: اللام لام الاختصاص. ﴿الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾: الرّيح الشّديدة الهبوب يقال: عصفت الرّيح؛ أي: اشتدت، وعاصفة: مشتقة من العصف، وهو التبن، والفتات؛ أيْ: تحطم ما تمر عليه فتجعله كالعصف، وفي آية أخرى (٣٦) من سورة (ص)، وصفها بأنّها ريح ناعمة فقال: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾، إذن هذه الرّيح يمكن أن تكون ريح لينة، أو تتحول إلى عاصفة إذا احتاج لذلك، فالله سبحانه جمع لهذه الرّيح صفتين صفة العصف، وصفة الرّخاء في آن واحد. ﴿تَجْرِى بِأَمْرِهِ﴾: أيْ: بأمر سليمان ﵇، يمنةً أو يسرةً بشدة أو لينٍ وتحمله في أسفاره. ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا﴾: أرض الشّام وفلسطين باركنا فيها، ارجع إلى الآية (٧١) من نفس السّورة. ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَالِمِينَ﴾: بسرعة الرّيح ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. عالمين بما يحدث في مُلك داود وسليمان.

стр. 3206

سورة الأنبياء [٢١: ٨٢] ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ﴾: وسخرنا لسليمان الرّيح عاصفة ومن الشّياطين، ومن الواو عاطفة، من بعضية، بعض الشّياطين. ﴿مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾: في البحار والغوص هو النّزول لقعر البحار لاستخراج اللؤلؤ والمرجان، له: أيْ: خاصة له لسليمان، اللام لام الاختصاص، وليس لغيره. ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ عملاً آخر (غير الغوص)، وذكر هذا العمل في سورة سبأ الآية (١٣)، وهو البناء فقال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾، وفي سورة ص الآية (٣٧ - ٣٨): ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى الْأَصْفَادِ﴾. ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾: حافظين لهم من الزّيغ عن أمر سليمان؛ أي: الإفساد في الأرض ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢]. سورة الأنبياء [٢١: ٨٣] ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أيْ: واذكر أيوب إذ نادى، أو حين نادى ربه، نادى ربه: دعا ربه، النّداء هنا بمعنى الدّعاء، النّداء من أدنى إلى أعلى يسمَّى دعاءً. ﴿أَنِّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ﴾: أنّي: للتوكيد، مسني: من المس والمس هو أخف

стр. 3207

درجات اللمس، والضُّرُّ: هو ما يصيب الإنسان بجسمه، أو ماله، أو ولده حيث فقد ماله أو ولده أو أصيب بمرض في جسده، وفي الآية (٤١) من سورة ص ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾، نسب ما أصابه إلى الشّيطان تأدباً مع الله تعالى. وهناك فرق بين الضُّر بضم الضاد، والضَّر بفتح الضاد، الضَّر: مصدر يقابل النفع. ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: وأنت يا رب أرحم الرّاحمين، جميعاً؛ أيْ: أرحم الرّاحمين من خلقك فمن فضل الله على خلقه وصفهم بصفة من صفاته وهي الرّحمة. سورة الأنبياء [٢١: ٨٤] ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾: الفاء: للمباشرة والتّوكيد. استجبنا له: أجبنا له دعاءَه أو نداءَه، استجبنا له: من الاستجابة وتعني: قبلنا دعاء أيوب، ولم يقل فأجبنا له الإجابة فقد تعني بالمخالفة أو يجيب بالقبول. ﴿فَكَشَفْنَا﴾: أيْ: أزلنا ورفعنا عنه ضره بالشّفاء من مرضه. ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِنَا﴾: أعطيناه مثل أهله عدداً، وقيل: وزيادة (مثل آخر) بأن ولد له ضعف ما كان عنده من الأولاد والإيتاء غير العطاء ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة؛ للبيان. رحمة من عندنا: أخص من رحمة منا، رحمة من عندنا تخص المؤمنين أو المقربين، وأمّا رحمة منا فهي رحمة عامة للمؤمن والكافر. ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾: وتذكرة لغيره من العابدين باللجوء إلى الله حين المحن وعظة لهم بأن يصبروا على ما أصابهم، للعابدين: اللام لام الاختصاص،

стр. 3208

والعابدين: جمع عابد والعبادة ارجع إلى الآية (١٠٦) للبيان، والفرق بين ذكرى وذكرٌ: ذكرى تأتي في سياق الهداية (بصيغة التّأنيث) وذكرٌ للعالمين يأتي أو يستعمل سياق الدّعوة والتّبليغ (بصيغة التّذكير)، وذكرٌ أقوى وأبلغ من ذكرى. سورة الأنبياء [٢١: ٨٥] ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾: واذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾: صبرَ وهل هناك أعظم صبراً من إسماعيل الّذي صبر حين أخبره أبوه إبراهيم أنّه رأى في المنام أن يذبحه، فقال: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصّافات: ١٠٢]، وصبر على الإقامة في بلد لا زرع فيه ولا ضرع ولا بشر (مكة). ﴿وَإِدْرِيسَ﴾: أول من خط بالقلم، وتعلم خياطة الملابس، واستخدم النّجوم لمعرفة الاتجاهات. ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾: قيل: كان يصلي لله كثيراً، وقيل: هو ابن أيوب، وقيل: سُمِّي بذلك الاسم؛ لأنّ الله تكفل له سعيه وعمله بضعف أجر الأنبياء الّذين كانوا في زمانه. ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾: صابرين على طاعة الله وصابرين في دعوتهم على الاضطهاد والإيذاء، ولما أصابهم في سبيل الله تعالى. سورة الأنبياء [٢١: ٨٦] ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِى رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٧٥) من نفس السّورة لبيان معنى في رحمتنا، وإلى الآية (٧٥) من لبيان معنى الصّالحين.

стр. 3209

سورة الأنبياء [٢١: ٨٧] ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِى الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿وَذَا النُّونِ﴾: أيْ: صاحب الحوت سيدنا يونس ﵇ من قرية نينوى بالعراق، والنون الحوت: السّمك الكبير مثل الحيتان الزرقاء ذات الوزن العظيم، وليس لها أسنان حادة، وتتنفس الأوكسجين، واستعمال (ذو النّون) أو (ذا النّون) أشرف من لفظ صاحب الحوت، وأبلغ في الثّناء والمعنى. والسّؤال: لماذا ذو أفضل من صاحب؛ لأنّ (ذو) تضاف للتابع وصاحب تضاف للمتبوع والتّابع أشرف أو أفضل من المتبوع. ﴿إِذْ﴾: إذ ظرف للزمن الماضي. ﴿ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾: ذهب تاركاً قومه بعد أن أغضبوه، وهناك فرق بين غاضب: وهو الّذي يغضب دون أن يغضبه أحد يغضب بنفسه، ومغاضب: هو الّذي يُغضبه أو يسبب غضبه إنسان آخر (يُثير غضبه). فقوم يونس أغضبوه؛ لأنّهم كذبوه ولم يؤمنوا، فغضب على عدم إيمانهم ولما اشتد به الغضب ترك قومه من دون أمرٍ أو إذنٍ من الله، ذهب مغاضباً: أيْ: خرج من عند قومه، مغاضباً: اسم فاعل للمبالغة، ولو قال: غاضباً، أيْ: لم يسبب غضبه أحدٌ إلا نفسه. ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾: أن للتوكيد، لن نقدر عليه: ظن: رجح أنّ الله سبحانه لن يُضيق عليه في الأرض بعد أن ترك قومه من دون أمر إلهيٍّ حين علم أنّ العذاب سيحل على قومه، خرج من عندهم، ولم يعلم أنّهم تابوا إلى الله سبحانه بعد خروجه وقبل الله توبتهم ورفع عنهم العذاب، لن: نافية للمستقبل القريب أو البعيد. ولمعرفة ما حدث له بعد تركه لقومه ارجع إلى سورة الصافات الآيات

стр. 3210

(١٣٩ - ١٤٨): ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَئَامَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. ﴿فَنَادَى فِى الظُّلُمَاتِ﴾: وهو في فم الحوت في الظّلمات: جمع ظلمة: ظلامات البحر فقد اكتشف العلماء أكثر من عشر ظلمات للبحر. ارجع إلى سورة النور آية (٤٠) للبيان، وظلمة الليل، وظلمة فم الحوت. ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: أن: للتوكيد. بدأ بالتّوحيد لا إله إلا أنت، ثمّ بالتّنزيه سبحانك، ثمّ بالاستغفار والاعتراف بالذّنب، إني كنت من الظّالمين. روى البخاري ومسلم أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تفضِّلوني على يونس ابن متى، فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه وهو في قعر البحر» في فم الحوت ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]. فلولا: حرف امتناع؛ أيْ: لكونه كان من المسبحين لم يلبث في بطنه (أي: الحوت) وخرج، وإلا لمات يونس ونزل إلى بطن الحوت، وبعد أن يموت الحوت أيضاً يصبح بطن الحوت قبراً له ويبقى في قبره إلى يوم يبعثون. ارجع إلى سورة الصافات، وسورة القلم لمزيد من البيان. إني كنت من الظّالمين: حين تركت قومي مغاضباً دون إذن منك.

стр. 3211

سورة الأنبياء [٢١: ٨٨] ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾: الفاء: للتعقيب والسّرعة، استجبنا لدعائه وقبلنا توبته واستغفاره، ارجع إلى الآية (٨٤) السّابقة لمعرفة معنى استجبنا له. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾: أخرجناه من فم الحوت ومن الظلمات وأعظم غم هو مخالفة أمر الله والشّعور بأنّ الله غير راضٍ عن العبد. ﴿وَكَذَلِكَ نُجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أيْ: مثل ما أنجينا يونس ﵇ ننجي أيَّ مؤمن يدعونا، يدلُّ ذلك على أنّه ما من مؤمن يصيبه أيُّ كرب أو غمٍّ فيدعو الله بإخلاص إلا استجاب له ربه، ونجَّاه من كربه وغمه. سورة الأنبياء [٢١: ٨٩] ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾: واذكر زكريا إذ نادى ربه (دعا ربه). ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْدًا﴾: أيْ: لا تتركني وحيداً بلا ولد يرثني، وذكر ذلك في سورة مريم الآية (٥ - ٦) ﴿فَهَبْ لِى مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ارجع إلى سورة مريم الآية (٢ - ١٠). ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾: أي: الباقين بعد فناء خلقك فالمُلك مُلكك وأنت مالك المُلك في الدّنيا والآخرة. سورة الأنبياء [٢١: ٩٠] ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾: ارجع إلى الآية (٨٤) السّابقة. ﴿وَوَهَبْنَا﴾: ووهبنا من الهبة، ارجع إلى سورة آل عمران الآية (٨).

стр. 3212

﴿لَهُ يَحْيَى﴾: له خاصة، اللام لام الاختصاص، يحيى: ارجع إلى الآية (٣٩) من سورة آل عمران. ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾: أيْ: جعلناها صالحة للولادة بعد مرضها بالعقر؛ أيْ: أعدنا لها القدرة على التّخصيب والحمل. ﴿إِنَّهُمْ﴾: للتوكيد، وتعود على المذكورين من الأنبياء ﵈ بما فيهم زكريا. ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ﴾: يسارعون في فعل الخيرات: الخير هو كلّ حلال طيب، حسن نافع من قول أو فعل، يسارعون في، ولم يقل: يسارعون إلى الخيرات. أيْ: إنّهم كانوا سابقاً في فعل الخيرات ولا زالوا يسارعون في فعل الخيرات، أمّا يسارعون إلى الخيرات فتعني لم يكونوا يفعلون الخيرات، والآن بدؤوا بذلك، يسارعون ولم يقل: يسرعون، يسارعون تعني: يسرعون بشدة لا يدَّخرون جهداً يسارعون بأقصى طاقاتهم ويسارع بعضهم بعضاً. ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾: يدعوننا: من الدّعاء والعبادة، رغباً: حباً وطمعاً في رحمتنا، ورهباً: خوفاً من عذابنا أو خشيةً منا. ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾: من الخشوع، والخشوع يكون في الجوارح، الصّوت والبصر والقلب، ويعني: الإخبات، أمّا الخضوع: فهو اللين والانقياد ويكون في الجسم، أيْ: لنا خاشعين في صلاتهم ودعائهم وقلوبهم وأبصارهم وسمعهم.

стр. 3213

سورة الأنبياء [٢١: ٩١] ﴿وَالَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾: ﴿وَالَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾: واذكر مريم بنت عمران في عداد عبادنا الصّالحين، أحصنت فرجها: الإحصان له أربعة معانٍ: الزّواج، والإسلام، والعفة، والحرية، أحصنت فرجها: أيْ: عفت وصانت فرجها عن الحرام وعن الحلال أيضاً. ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾: الفاء للترتيب الذّكري أو التّوكيد، نفخنا: تعني: بأمر من الله إلى جبريل، وجاء بضمير الجمع للتعظيم ليدل على عظم الأمر، وقد تحمل معنى اشتراك جبريل في عملية النفخ التي كانت بأمر من الله سبحانه، كما قال تعالى ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم ١٧ - ١٩]. ولنقارن هذه الآية فنفخنا فيها من روحنا مع الآية (١٢) من سورة التّحريم ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾. فيها تعود إلى مريم، وفيه تعود إلى عيسى ﵇ الّذي في رحمها، نفخنا فيها أولاً لتحمل (لكي يبدأ الحمل بعيسى)، ثم نفخنا فيه (في عيسى) الروح، وذلك كما بينت الأحاديث بعد (٤٢) ليلة، أو في حديث آخر بعد (١٢٠)

стр. 3214

يوماً، نفخنا فيها عن طريق جيبها (درعها أو ثوبها). أما فيه: تعود إلى عيسى نفخنا فيه الروح بصورة مباشرة أو فيه تعود إلى حبيب درعها، والله أعلم. ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾: آية: معجزة أو بينة أو دلالة على قدرة الله سبحانه أن يولد عيسى ﵇ من دون أب وأن يتكلم في المهد أو أن تلد مريم من دون أن يمسها بشر، للعالمين: اللام لام الاختصاص، العالمين: الجن والإنس والملائكة يتحدثون بها. وفي سورة مريم الآية (٢١) قال تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ الجعل هو التّصيير آية للناس؛ أيْ: أبرزه آية للناس؛ أيْ: هو وحده آية للناس ومريم وابنها آية للعالمين. ولنقارن الآية (٩١) من الأنبياء ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾، أو: الآية (١٢) من سورة التحريم ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾، مع الآية (٢٩) من سورة الحجر ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُّوحِى﴾ يعني: آدم ﵇، النّفخ في آدم من الله تعالى وحده فهو أعجب من النّفخ في عيسى ﵇: النّفخ في عيسى كان عن طريق جبريل ﵇. في هذه الآية (٩١) من سورة الأنبياء قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ وفي الآية (٥٠) من سورة المؤمنون قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾، في سورة الأنبياء قدّم أمّه (مريم) على عيسى؛ لأن الآيات جاءت في سياق الحديث عن مريم فقدَّم أمه وإنّ ابنها أفضل منها قربى إلى الله، وفي سورة المؤمنون آية (٥٠) قدَّم عيسى على أمّه؛ لأن السّياق في الحديث عن الرّسل، فقدَّم عيسى على أمّه. سورة الأنبياء [٢١: ٩٢] ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾: إنّ للتوكيد، هذه: الهاء للتنبيه اسم إشارة.

стр. 3215

﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: الأمة هنا في هذه الآية تعني الشّريعة والملة، أيْ: هذه شريعتكم أو ملتكم ملة واحدة، أو دين واحد وهو دين الإسلام أو ملة إبراهيم حنيفاً، واحدة: تفيد التّوكيد. ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾: خالقكم ومربيكم ورازقكم، وأنا بصيغة المفرد للدلالة على التّوحيد. ﴿فَاعْبُدُونِ﴾: الفاء فاء السّببية، اعبدون: الخطاب موجَّه إلى سائر الخلق بما فيهم الأنبياء والرّسل، ولو كان الخطاب موجَّه إلى الأنبياء والرّسل لقال تعالى: فاتقون، كما قال تعالى في الآية (٥١ - ٥٢) من سورة المؤمنون: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ والتّقوى تضم العبادة وأعلى درجة من العبادة. ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣) لبيان معنى العبادة. وارجع إلى سورة ياسين آية (٦١) للمقارنة بين فاعبدون، وإن اعبدوني. سورة الأنبياء [٢١: ٩٣] ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾: الخطاب في هذه الآية موجَّه إلى الأمم، وليس إلى الرّسل؛ لأنّ الرّسل حاشا أن يتفرَّقوا، وما دام ربكم واحد ودينكم أو شريعتكم واحدة فلم تتفرَّقوا في الدّين وتكونوا شيعاً وأحزاباً أيها النّاس. ﴿وَتَقَطَّعُوا﴾: تفرَّقوا واختلفوا أو أصبحوا أمماً مختلفة أو أحزاب وشيع في الأمة الواحدة بسبب الأهواء والجهل والمصالح الفردية كلّ حزب بما لديهم فرحون. ﴿أَمْرَهُم﴾: أيْ: دينهم أو ملتهم.

стр. 3216

﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾: كل الأمم والأحزاب أو الفرق، إلينا: تقديم إلينا يدل على الحصر؛ أيْ: إلينا وحدنا، راجعون: للحساب والجزاء. انتبه إلى الانتقال من صيغة المخاطب في الآية (٩٢) إلى صيغة الغائب في الآية (٩٣)، أصل الكلام: إنّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، وتقطعتم أمركم بينكم، عدل عن هذا إلى قوله: وتقطعوا أمرهم بينهم، للتنبيه أو للفت انتباه السّامع إلى الفعل الشّنيع الّذي فعلوه وهو التّفرق في الدِّين. ولمقارنة هذه الآية (٩٣) ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ والآية (٥٣) من سورة المؤمنون: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: في سورة المؤمنون قال: فتقطعوا بينهم زبراً: الفاء تدل على المباشرة والتّعقيب، أيْ: مباشرة تفرَّقوا وتقطعوا أمرهم بينهم، ومن دون فاصل زمني وأضاف كلمة (زبراً) تفيد التّوكيد توكيد التّفرق؛ مما يدل على أنّ المخاطبين في سورة المؤمنون مبالغين في التّفرق، أيْ: أشد تفرقاً وكفراً من المخاطبين في سورة الأنبياء. سورة الأنبياء [٢١: ٩٤] ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾: هذه الآية تتمة للآية السّابقة. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾: من ابتدائية، يعمل من الصّالحات ولم يتشيع أو يتحزب أو يفرق دينه ويعمل من الصّالحات، أيْ: الأعمال الصّالحة من الأقوال والأفعال، وما جاءت به الرّسل وهو مؤمن، أيْ: العمل الصّالح المقرون بالإيمان. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: هو ضمير فصل للتوكيد على كونه مؤمناً.

стр. 3217

﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا نافية للجنس. ﴿كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ أيْ: لن نبخسه أو نجحده حقه أو ثوابه ولن نضيع سعيه، واللام في لسعيه للتوكيد. كفران: مصدر كفر على وزن فعلان صيغة مبالغة وأصل كفر: ستر. ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾: وإنا للتعظيم، ورسلي كاتبون له ذلك السّعي في صحائف أعماله؛ لكي يثاب عليه، وقدَّم له على (كاتبون) لتفيد التّوكيد. كاتبون: جملة اسمية تفيد الثّبوت، أيْ: نكتب له أعماله باستمرار بلا انقطاع. سورة الأنبياء [٢١: ٩٥] ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾: أيْ: محرَّم على قرية، أيْ: أهل قرية أهلكناها، أيْ: أهلكناهم بذنوبهم (لأنّها كذبت الرّسل ولم تؤمن). ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: أنّهم للتوكيد، لا يرجعون: لا نافية تفيد التّوكيد، يرجعون: لا يرجعون إلى الدّنيا لكي يؤمنوا أو يستدركوا ما فرطوا في جنب الله، أو لا يُعقل أن يتركهم من دون حساب في الآخرة أو يظنوا إهلاكهم في الدّنيا يكفي، وإنّهم لن يعذبوا في الآخرة. سورة الأنبياء [٢١: ٩٦] ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾: لا يرجعون: حتّى تأتي السّاعة وأشراطها كخروج يأجوج ومأجوج. ﴿حَتَّى﴾: حرف لنهاية الغاية. ﴿إِذَا﴾: ظرفية للمستقبل شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾: هم قبيلتان من جنس الإنس موجودتان وراء السّد الّذي بناه ذو القرنين وسيفتح لهم الرّدم (السّد) قبيل السّاعة، وتخرج هذه الأقوام لتعيث في الأرض الفساد والفتنة.

стр. 3218

﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾: الحدب: المكان المرتفع من الأرض يخرجون من هضاب ومرتفعات شمال الصّين، كما تشير التفاسير. ﴿يَنْسِلُونَ﴾: نَسلَ في مشيه، أيْ: أسرع، ينسلون: يخرجون مسرعين. وينسلون: في الأصل تستخدم لمشي الذئب السريع الجائع ليبحث عن طعام، وهكذا سيكون حال قوم يأجوج ومأجوج كالذئاب الجياع يأكلون الأخضر واليابس. سورة الأنبياء [٢١: ٩٧] ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: أيْ: إذا فتحت يأجوج ومأجوج. ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾: الواو في كلمة واقترب للتوكيد، أيْ: حتّى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق، الوعد الحق: هو يوم الحساب والجزاء يوم القيامة. ﴿فَإِذَا﴾: إذا ظرف للزمن المستقبل والفجائية. ﴿هِىَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: شخص بصره: انفتحت عيناه فلا تطرف أو لا تغمض بالأجفان من الخوف والفزع والحيرة من أهوال ما يرونه بعد خروجهم من الأجداث، وتقديم شاخصة أبصار على كلمة الّذين كفروا، ولم يقل: فإذا الّذين كفروا شاخصة أبصارهم تدل على أنّ أبصارهم خاصة تصاب بالشّخوص دون غيرهم، وأنّها لا تقوم إلا بالشّخوص. ﴿يَاوَيْلَنَا﴾: يا هلاكنا والويل: الهلاك وياء النّداء للتنبيه، أيْ: يا ويل احضر وأهلكنا فنرتاح. ارجع إلى الآية (٤٦) من نفس السّورة لبيان معنى الويل. أو تعني: حتّى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق قالوا: يا ويلنا.

стр. 3219

﴿قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾: قد حرف للتحقيق والتّوكيد، كنا: في الحياة الدّنيا، في غفلة: في ظرفية، غفلة: أيْ: غافلين، أيْ: لم يخطر على بالنا أن نفكر أو نستعد لهذا اليوم، يوم الحساب، أو الوعد الحق. ارجع إلى سورة البقرة آية (٧٤) لمزيد من البيان في معنى الغفلة. ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: بل للإضراب الانتقالي، كنا ظالمين: اعترفوا بظلمهم آنذاك، فلن تنفعهم معذرتهم ولا هم يستعتبون، ظالمين لأنفسنا وظالمين جملة اسمية تدل على الثّبوت، ولمعرفة معنى الظلم ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٤). سورة الأنبياء [٢١: ٩٨] ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾: بعد اعترافهم بظلمهم وبعد أن يقضي الله تعالى في أمرهم يؤمر بهم إلى النّار وما كانوا يعبدون. ﴿إِنَّكُمْ﴾: أيّها المشركون والكفرة. ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾: ما تستعمل لغير العاقل (أي: الأصنام)، أو الطاغوت أو الأوثان، وما قد تستعمل لصفات من يعقل، أو للسؤال عن صفة من يعقل كأن تقول ما عيسى أو عزير أو الملائكة. ولكن عيسى والعزير والملائكة هؤلاء سبقت لهم الحسنى من الله وأولئك عنها مبعدون كما بينت الآية (١٠١) من نفس السورة؛ لأنّهم لم يكونوا السّبب في إضلال أو شرك أي إنسان. ﴿حَصَبُ﴾: صغار الحجارة البحص، حصب جهنم، أي: المشركون والكفرة وأوثانهم (أصنامهم)، وإبليس وأعوانه من الشّياطين والطّواغيت الكلّ حصب جهنم، ولم يقل: حطب جهنم؛ لأنّ الحصب في اللغة يشمل الحطب

стр. 3220

وكلّ ما يلقى في النّار من غير الحطب. وقال قتادة حصب جهنم: حطب جهنم يقذفون بها. ولذلك لم يقل: إنّكم وما تعبدون من دون الله حطب جهنم، فهذه الأصنام أو الأوثان، وما يلقى في النّار سوف تتحطم حتّى تصبح حجارة صغيرة يقذف بها في النار. ﴿أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾: أنتم للتوكيد، لها: اللام لام الاختصاص، واردون: داخلون فيها، الورود هنا يعني الدّخول، بينما الورود في الآية (٧١) من سورة مريم لا يعني الدّخول، بل المرور عليها أو رؤيتها، والأصنام في الحقيقة لا ذنب لها، وهي لا تعقل، والحكمة من دخولها النّار مع عبدتها هي لبيان كذب من اتخذها آلهة، وبيان أنّها لا تنفع ولا تضر، ولا تشفع ولا تقرِّب إلى الله زلفى. سورة الأنبياء [٢١: ٩٩] ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾: أي: الأصنام آلهة حقّاً كما تزعمون. ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾: ما دخلوها وألقوا فيها، أيْ: لحالت هذه الأصنام من دخول عابديها النّار، ولكنها آلهة باطلة زائفة لا تضر ولا تنفع عابديها. ﴿وَكُلٌّ﴾: الأصنام وعابديها. ﴿فِيهَا﴾: أيْ: في النّار. ﴿خَالِدُونَ﴾: الخلود يعني بقاء الاستمرار، ويبدأ من زمن دخولها إلى ما لا نهاية. سورة الأنبياء [٢١: ١٠٠] ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾: ﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص، والضّمير يعود على المشركين عبدة الأصنام.

стр. 3221

﴿فِيهَا﴾: أيْ: في النّار. ﴿زَفِيرٌ﴾: ولم يذكر شهيقاً؛ لأنّ عملية التّنفس تحتاج إلى شهيق يتبعه زفير، في الشّهيق يبتلع الأوكسجين، وفي الزّفير يطرح ثاني أكسيد الكربون، ويبدو أن عملية التّنفس في جهنم مقتصرة على الزّفير دون الشّهيق، فلا يدخل أوكسجين إلى الرّئتين؛ مما يؤدي إلى ضيق في التّنفس وشعور بالاختناق تدريجياً، ثمّ الشعور بالموت والهلاك، وهذا نوع من أنواع العذاب الكبرى. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾: لا يسمعون من شدة غليانها وحسيسها؛ أيْ: صوت النّار أو لأنّهم صمٌّ لا يسمعون، وهذا نوع آخر من العذاب، كما قال تعالى في سورة الإسراء آية (٩٧): ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. سورة الأنبياء [٢١: ١٠١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: إنّ: للتوكيد، الذين: اسم موصول يفيد التّعظيم والمدح، وهناك من قال: إن في هذه الآية تعني إلا، أيْ: إلا الّذين سبقت لهم منا الحسنى. ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾: من أهل الطاعة والإيمان، وقيل: المسيح وعزير. الحسنى: قيل: هي الجنة والحسنى مؤنث الأحسن، أي: المبشرون بالجنة. ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾: أولئك: اسم إشارة واللام للبعد يشير إلى بعد منزلتهم، عنها: عن النّار، مبعدون: أيْ: ناجون.

стр. 3222

سورة الأنبياء [٢١: ١٠٢] ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِى مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾: لا النّافية، يسمعون حسيسها: تعود على الّذين سبقت لهم من الحسنى، حسيسها: الحسيس هو الصّوت الّذي يُحس من حركة لهبها أو اشتعالها، أو ما ينبعث منها من أصوات حينما تشتعل، وقيل: الحسيس الصّوت الّذي تسمعه من شيء يمرُّ قريباً منك. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿فِى مَا﴾: في ظرفية، ما لغير العاقل اسم موصول بمعنى الّذي. ﴿اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ﴾: أيْ: هم فيما يشتهونه من نعيم الجنة. ﴿خَالِدُونَ﴾: ماكثون والخلود يعني: البقاء والاستمرار، ويبدأ من زمن الدّخول. سورة الأنبياء [٢١: ١٠٣] ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ﴾: لا النّافية، يحزنهم: يخيفهم أو لا يعتريهم رعب أو قلق من الفزع الأكبر. ﴿الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ الناتج عن النّفخة الثّانية النّفخ في الصور حين يقومون من قبورهم للبعث والحساب. ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: تستقبلهم الملائكة بالبشارة بعد خروجهم من قبورهم لكي تطمئنهم لئلا يصابوا بالخوف والفزع.

стр. 3223

﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾: في الدّنيا لنيل الأجر الكبير وهو الجنة، أو يوم القيامة، أو يوم الحساب الّذي كنتم توعدون في الدّنيا. سورة الأنبياء [٢١: ١٠٤] ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَىِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ﴾: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؛ أي: تبديلها أن تطوى، أو تطوى كي تبدل. ﴿نَطْوِى السَّمَاءَ﴾: كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، والسّماء تشمل السّموات السّبع. ﴿كَطَىِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾: أيْ: كطي الصّحيفة على ما كتب فيها (أو الصّحف على ما كتب فيها). في ذلك اليوم نطوي السّماء كما نطوي السّجل للكتب (صحف أعمال العباد)؛ أيْ: نطوي كلاهما أو نطوي أحدهما كما نطوي الآخر، وطي السّماء تفسيره العلمي كما تشير الدراسات العلمية أن التمدُّد الكوني لن يستمر إلى الأبد من دون توقف. وسوف تحدث تغيُّرات في القوى الذرية والكهرومغناطيسية وقوى الجاذبية تؤدِّي إلى توقف هذا التمدُّد لفترة زمنية بعدها تبدأ المجرات بالتقلص، ويحدث جذب داخلي لها، فتقترب من بعضها وتتداخل تدريجياً وتتسارع. وهكذا ليعود الكون إلى الحالة الّتي كان عليها جرماً واحداً عندما حدث الانفجار الكبير، وهذا ما تشير إليه هذه الآية. ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾: أيْ: هذا الكون الّذي خلقه الله السّموات السّبع والأرضين السّبع بما فيها النّجوم والمجرات والشموس والأقمار والمذنبات وكل جرم سماوي أو أرضي، والّتي بدأت أو تشكلت

стр. 3224

بالانفجار العظيم الّذي ذكره الله سبحانه في سورة الأنبياء آية (٣٠) لهذا الجرم الصغير الهائل في المادة والطاقة، وتحول إلى دخان، خلق الله تعالى من هذا الدخان السّموات والأرض. وكل الأجرام ستطوى وتحول مرة أخرى إلى جرم صغير متناهٍ في الطاقة والمادة. وبعدها سوف يُفجِّر ربنا هذا الجرم من جديد يتحوَّل إلى دخان يخلق لنا ربنا منه سماءً جديدة وأرضاً جديدة أكبرَ بكثير من السّموات السّبع والأرض الحالية، حتّى تتسع للبلايين البشرية الّتي خلقها الله سبحانه من زمن آدم إلى يوم القيامة. وسنبعث من هذه الأرض الجديدة الّتي فيها كلّ ذرات الأرض الحالية وبقايا البشر، أيْ: عجب الذنب الخاص بكل مخلوق والحاوي على صفاته الوراثية يبعث للحساب والجزاء. ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: إنا للتعظيم، كنا فاعلين، أيْ: نُعيد الخلق بالبعث كما بدأنا أوّل مرة، فاعلين: قادرين على فعل ذلك ولا يعجزنا شيء. سورة الأنبياء [٢١: ١٠٥] ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق. ﴿كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ﴾: إما زبور داود أو الزّبور يُراد به جنس الكتاب، ويطلق على كلّ الكتب المنزلة مثل الزّبور والتّوراة والإنجيل والقرآن. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣) لمزيد من البيان. ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾: أم الكتاب أو اللوح المحفوظ أو القرآن الكريم، أيْ: كتبنا في الكتب المنزلة على الأنبياء أنّ الأرض يرثها عبادي الصّالحون.

стр. 3225

﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا﴾: أرض الجنة؛ لقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، أو الأرض العادية يرثها عبادي الصّالحون بالاستخلاف والتّمكين في الدّنيا أو كلاهما معاً. ﴿عِبَادِىَ﴾: ارجع إلى الآية (١٨٦) من سورة البقرة للبيان، ومعرفة الفرق بين عبيد عبادي عباد. ﴿الصَّالِحُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٧٥) من نفس السّورة. سورة الأنبياء [٢١: ١٠٦] ﴿إِنَّ فِى هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾: ﴿إِنَّ فِى هَذَا﴾: إنّ: للتوكيد، في ظرفية، هذا: الهاء للتنبيه، ذا: اسم يشير إلى القرآن الكريم. ﴿لَبَلَاغًا﴾: اللام للتوكيد، والتّعليل. لبلاغاً: البلاغ له معنيان: الكفاية والإيصال؛ أيْ: هذا القرآن: كفاية لقوم عابدين أو ما جاء في هذا القرآن هو البلاغ الكافي الّذي يجب أن يصل ويعلمه القوم العابدون. لقوم: اللام لام الاختصاص. ﴿عَابِدِينَ﴾: من العبادة وهي طاعة العابد للمعبود فيما أمر ونهى، ولها منهج افعل أو لا تفعل والعبادة لها جزاء، ولا تكون إلا للخالق، ولا بُدَّ معها من معرفة المعبود. عابدين: جمع عابد؛ أيْ: طائعين. ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣) للبيان المفصل لمعنى العبادة. أو في هذه القرآن ما فيه الكفاية من البلاغ، أيْ: من الشّرائع والأحكام والأوامر والنّواهي والأخبار والمواعظ المهمة للذين يريدون عبادة ربهم والوصول إلى الغاية وهي رضوان الله وجنته.
следующие страницы →