Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
﴿فِيهَا﴾: أيْ: في النّار.
﴿زَفِيرٌ﴾: ولم يذكر شهيقاً؛ لأنّ عملية التّنفس تحتاج إلى شهيق يتبعه زفير، في الشّهيق يبتلع الأوكسجين، وفي الزّفير يطرح ثاني أكسيد الكربون، ويبدو أن عملية التّنفس في جهنم مقتصرة على الزّفير دون الشّهيق، فلا يدخل أوكسجين إلى الرّئتين؛ مما يؤدي إلى ضيق في التّنفس وشعور بالاختناق تدريجياً، ثمّ الشعور بالموت والهلاك، وهذا نوع من أنواع العذاب الكبرى.
﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾: لا يسمعون من شدة غليانها وحسيسها؛ أيْ: صوت النّار أو لأنّهم صمٌّ لا يسمعون، وهذا نوع آخر من العذاب، كما قال تعالى في سورة الإسراء آية (٩٧): ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.
سورة الأنبياء [٢١: ١٠١]
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾:
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: إنّ: للتوكيد، الذين: اسم موصول يفيد التّعظيم والمدح، وهناك من قال: إن في هذه الآية تعني إلا، أيْ: إلا الّذين سبقت لهم منا الحسنى.
﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾: من أهل الطاعة والإيمان، وقيل: المسيح وعزير. الحسنى: قيل: هي الجنة والحسنى مؤنث الأحسن، أي: المبشرون بالجنة.
﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾: أولئك: اسم إشارة واللام للبعد يشير إلى بعد منزلتهم، عنها: عن النّار، مبعدون: أيْ: ناجون.
стр. 3222
سورة الأنبياء [٢١: ١٠٢]
﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِى مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾:
﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾: لا النّافية، يسمعون حسيسها: تعود على الّذين سبقت لهم من الحسنى، حسيسها: الحسيس هو الصّوت الّذي يُحس من حركة لهبها أو اشتعالها، أو ما ينبعث منها من أصوات حينما تشتعل، وقيل: الحسيس الصّوت الّذي تسمعه من شيء يمرُّ قريباً منك.
﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿فِى مَا﴾: في ظرفية، ما لغير العاقل اسم موصول بمعنى الّذي.
﴿اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ﴾: أيْ: هم فيما يشتهونه من نعيم الجنة.
﴿خَالِدُونَ﴾: ماكثون والخلود يعني: البقاء والاستمرار، ويبدأ من زمن الدّخول.
سورة الأنبياء [٢١: ١٠٣]
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾:
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ﴾: لا النّافية، يحزنهم: يخيفهم أو لا يعتريهم رعب أو قلق من الفزع الأكبر.
﴿الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ الناتج عن النّفخة الثّانية النّفخ في الصور حين يقومون من قبورهم للبعث والحساب.
﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: تستقبلهم الملائكة بالبشارة بعد خروجهم من قبورهم لكي تطمئنهم لئلا يصابوا بالخوف والفزع.
стр. 3223
﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾: في الدّنيا لنيل الأجر الكبير وهو الجنة، أو يوم القيامة، أو يوم الحساب الّذي كنتم توعدون في الدّنيا.
سورة الأنبياء [٢١: ١٠٤]
﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَطَىِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾:
﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ﴾: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؛ أي: تبديلها أن تطوى، أو تطوى كي تبدل.
﴿نَطْوِى السَّمَاءَ﴾: كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، والسّماء تشمل السّموات السّبع.
﴿كَطَىِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾: أيْ: كطي الصّحيفة على ما كتب فيها (أو الصّحف على ما كتب فيها).
في ذلك اليوم نطوي السّماء كما نطوي السّجل للكتب (صحف أعمال العباد)؛ أيْ: نطوي كلاهما أو نطوي أحدهما كما نطوي الآخر، وطي السّماء تفسيره العلمي كما تشير الدراسات العلمية أن التمدُّد الكوني لن يستمر إلى الأبد من دون توقف.
وسوف تحدث تغيُّرات في القوى الذرية والكهرومغناطيسية وقوى الجاذبية تؤدِّي إلى توقف هذا التمدُّد لفترة زمنية بعدها تبدأ المجرات بالتقلص، ويحدث جذب داخلي لها، فتقترب من بعضها وتتداخل تدريجياً وتتسارع.
وهكذا ليعود الكون إلى الحالة الّتي كان عليها جرماً واحداً عندما حدث الانفجار الكبير، وهذا ما تشير إليه هذه الآية.
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾: أيْ: هذا الكون الّذي خلقه الله السّموات السّبع والأرضين السّبع بما فيها النّجوم والمجرات والشموس والأقمار والمذنبات وكل جرم سماوي أو أرضي، والّتي بدأت أو تشكلت
стр. 3224
بالانفجار العظيم الّذي ذكره الله سبحانه في سورة الأنبياء آية (٣٠) لهذا الجرم الصغير الهائل في المادة والطاقة، وتحول إلى دخان، خلق الله تعالى من هذا الدخان السّموات والأرض.
وكل الأجرام ستطوى وتحول مرة أخرى إلى جرم صغير متناهٍ في الطاقة والمادة.
وبعدها سوف يُفجِّر ربنا هذا الجرم من جديد يتحوَّل إلى دخان يخلق لنا ربنا منه سماءً جديدة وأرضاً جديدة أكبرَ بكثير من السّموات السّبع والأرض الحالية، حتّى تتسع للبلايين البشرية الّتي خلقها الله سبحانه من زمن آدم إلى يوم القيامة.
وسنبعث من هذه الأرض الجديدة الّتي فيها كلّ ذرات الأرض الحالية وبقايا البشر، أيْ: عجب الذنب الخاص بكل مخلوق والحاوي على صفاته الوراثية يبعث للحساب والجزاء.
﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: إنا للتعظيم، كنا فاعلين، أيْ: نُعيد الخلق بالبعث كما بدأنا أوّل مرة، فاعلين: قادرين على فعل ذلك ولا يعجزنا شيء.
سورة الأنبياء [٢١: ١٠٥]
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق.
﴿كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ﴾: إما زبور داود أو الزّبور يُراد به جنس الكتاب، ويطلق على كلّ الكتب المنزلة مثل الزّبور والتّوراة والإنجيل والقرآن. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣) لمزيد من البيان.
﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾: أم الكتاب أو اللوح المحفوظ أو القرآن الكريم، أيْ: كتبنا في الكتب المنزلة على الأنبياء أنّ الأرض يرثها عبادي الصّالحون.
стр. 3225
﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا﴾: أرض الجنة؛ لقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، أو الأرض العادية يرثها عبادي الصّالحون بالاستخلاف والتّمكين في الدّنيا أو كلاهما معاً.
﴿عِبَادِىَ﴾: ارجع إلى الآية (١٨٦) من سورة البقرة للبيان، ومعرفة الفرق بين عبيد عبادي عباد.
﴿الصَّالِحُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٧٥) من نفس السّورة.
سورة الأنبياء [٢١: ١٠٦]
﴿إِنَّ فِى هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾:
﴿إِنَّ فِى هَذَا﴾: إنّ: للتوكيد، في ظرفية، هذا: الهاء للتنبيه، ذا: اسم يشير إلى القرآن الكريم.
﴿لَبَلَاغًا﴾: اللام للتوكيد، والتّعليل. لبلاغاً: البلاغ له معنيان: الكفاية والإيصال؛ أيْ: هذا القرآن: كفاية لقوم عابدين أو ما جاء في هذا القرآن هو البلاغ الكافي الّذي يجب أن يصل ويعلمه القوم العابدون.
لقوم: اللام لام الاختصاص.
﴿عَابِدِينَ﴾: من العبادة وهي طاعة العابد للمعبود فيما أمر ونهى، ولها منهج افعل أو لا تفعل والعبادة لها جزاء، ولا تكون إلا للخالق، ولا بُدَّ معها من معرفة المعبود. عابدين: جمع عابد؛ أيْ: طائعين. ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣) للبيان المفصل لمعنى العبادة.
أو في هذه القرآن ما فيه الكفاية من البلاغ، أيْ: من الشّرائع والأحكام والأوامر والنّواهي والأخبار والمواعظ المهمة للذين يريدون عبادة ربهم والوصول إلى الغاية وهي رضوان الله وجنته.
стр. 3226
سورة الأنبياء [٢١: ١٠٧]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾: ما النّافية، أرسلناك: ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة لبيان معنى أرسلناك وأرسلناك تدل على التشريف.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾: الرحمة: تكون عامة للناس كافة، أو الرأفة خاصة بالمؤمنين رحمة للعالمين، اللام لام الاختصاص، العالمين: الإنس والجن والملائكة والحيوان والنّبات والجماد. وتعريف الرحمة: كل ما يجلب نفعاً أو يدفع ضراً، وتعني: الوقاية؛ فرسول الله ﷺ رحمة مرسلة من الرحمن الرحيم للعالمين.
سورة الأنبياء [٢١: ١٠٨]
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾:
﴿قُلْ إِنَّمَا﴾: قل لهم يا محمّد، إنما: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿يُوحَى إِلَىَّ﴾: من الوحي، ارجع إلى الآية (١٦٣) من سورة النّساء.
﴿أَنَّمَا﴾: للحصر والقصر.
﴿إِلَهُكُمْ﴾: معبودكم إله واحد لا إله إلا هو لا شريك له.
﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾: للاستفهام يفيد الأمرَ والحثَّ، أيْ: أسلموا، أو ألا يكفي هذا القرآن وإرسال الرّسول ﷺ إليكم لتُسلموا.
سورة الأنبياء [٢١: ١٠٩]
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِى أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للتفصيل، إن شرطية تفيد الشّك، أو احتمال الحدوث.
стр. 3227
﴿تَوَلَّوْا﴾: أعرضوا وانصرفوا عنك ولم يؤمنوا بك ويصدقوك.
﴿فَقُلْ آذَنتُكُمْ﴾: آذنتكم من أذن بمعنى أعلمَ، وقد كثر استعمال ذلك في الإنذار، وأصل الإعلام هو الإذن بالكلام، آذنتكم، أيْ: أعلمتكم.
﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾: أيْ: صرت أنا وأنتم على سواء، أي: استوينا في العلم بذلك أو أخبرتكم جميعاً، ولم أخصَّ منكم أحداً دون الآخر، فأنتم سواء في الإعلام، أو أخبرتكم على سواء وعلى السّامع أن يخبر الغائب.
﴿وَإِنْ أَدْرِى﴾: إن نافية، وأقوى من النّفي من حرف ما، أيْ: وما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون؛ أي: السّاعة أو القيامة أو العذاب؛ والدراية أخص من العلم، وتكون بعد الجهل، وفيها معنى الإخبار.
﴿أَقَرِيبٌ أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتّحذير، أم: المتصلة.
﴿بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾: أيْ: ما أدري ولا أعلم ما توعدون به من العذاب أو النّصر سيكون قريباً (مثل النّصر يوم بدر) أم بعيداً يوم القيامة والحشر.
سورة الأنبياء [٢١: ١١٠]
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾:
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾: إنّه للتوكيد، يعلم الجهر من القول: الخطاب هنا موجَّه للجميع يعلم الجهر من القول الصّادر من كلّ واحد وفي وقت واحد، وإذا تكلَّم الجميع بصوت عالٍ، وفي وقت واحد، فإنّه يعلم ما يجهر به كلّ فرد وكلّ كلمة تقال في نفس الوقت، ومن هو القائل، ولو تكلم كل أهل الأرض لميز من القائل، وما قاله فلا تختلط عليه الأصوات سواء كانت سراً وجهراً؛ فعلم الجهر أعظم من علم السّر وأبلغ، وليس كما يظن البعض بالعكس.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾: الكتمان غير الإخفاء، كتم الشّيء يعني الشّيء ظاهر الوضوح، ولكن صاحبه يحاول كتمه والكتمان يتعلَّق عادة بشيء مادي، أما الإخفاء: فقد يشمل شيئاً معنوياً أو مادياً مثل النّفاق يحاول إخفاءَه.
стр. 3228
سورة الأنبياء [٢١: ١١١]
﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: نافية بمعنى ما، أدري أعلم أو أدري بكلّ أدوات الإدراك من السّمع والبصر والشّم والحس.
﴿أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾: وما أدري لعل الإمهال وبقاءَكم دون عذاب وعدم قيام السّاعة عليكم هو فتنةٌ لكم واختبار واستدراج وزيادة في الفتنة، لكم خاصة، ليرى كيف تصنعون.
﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: الحين: زمن غير محدود قد يطول أو يقصر؛ أيْ: تمتع إلى أجل مقدر قدره الله بزمن قد يطول أو يقصر، وهو متاع لن يدوم؛ لأنّه محدود المدة، إلى حين: ولم يقل: حتّى حين، وإنما إلى حين إلى تفيد عموم الغايات، أما حتّى فتفيد نهاية الغاية.
سورة الأنبياء [٢١: ١١٢]
﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾:
﴿قَالَ﴾: أيْ: قال رسول الله ﷺ ، كما قال الأنبياء من قبله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].
﴿رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾: أي: افصل بيني وبين المشركين أو الكفار، أو أظهر من هو على الحق، ومن هو على الباطل، بالحق: الباء للإلصاق والمصاحبة. وربنا الرّحمن.
﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾: على: تفيد الاستعلاء والمشقة. ما: اسم موصول بمعنى: الذي، وهي أوسع شمولاً من الذي؛ تشمل العاقل وغير العاقل، وتشمل كل ما يصفون.
﴿تَصِفُونَ﴾: أنّ لله ولداً أو بناتٍ أو شريكاً، وأنّ القرآن سحرٌ وشعرٌ وأساطيرُ الأولين، والرّسول مجنونٌ وساحرٌ وشاعرٌ.
стр. 3229
سورة الحج [٢٢: ١]
سورة الحج
ترتيبها في القرآن (٢٢)، وترتيبها في النّزول (١٠٣).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: يا أداة نداء للبعيد، الهاء للتنبيه، النّاس: مشتقة من النّوس، الحركة الدّائمة، والنّاس تشمل الإنس والجن، وغالباً يأتي معها كلمة الرّب؛ لأنّ الرّب هو الخالق والمربي والمدبر والرّازق.
﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾: بامتثال طاعة أوامره واجتناب نواهيه، اجعلوا بينكم وبين سخط وغضب القهار والجبار وقايةً. ثمّ يخبر سبحانه عن بعض أهوال السّاعة.
﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾: إنّ حرف مشبه بالفعل يفيد التّوكيد، زلزلة السّاعة، السّاعة؛ أي: ساعة تهدم النّظام الكوني الحالي، وهي الزّلزلة المذكورة في قوله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزّلزلة: ١]، وزلزلة: مصدر مشتق من الفعل: زلزل؛ أي: زل زل: إذا زل في الطين، أو وقع من مكانه فهناك زل الأولى، وزل الثّانية فهناك وقوع أوّل ووقوع ثانٍ، أو زلزلتان: الزلة الثانية ليست استمراراً للأولى وإنما زلة جديدة؛ أي: هناك زلزلة متكررة، ولكن باتجاه معاكس كما يحدث في حوادث الاصطدام: يتحرك الجسم في السّيارة بسرعة السّيارة، فعندما يحاول السّائق
стр. 3230
إيقاف السّيارة فجأة يندفع جسمه ويرتطم بزجاج مقدمة السّيارة، والزلزلة رغم تكررها فهي ليست على شدة أو نموذج واحد.
والزّلزلة تحدث نتيجة اصطدام الألواح القارية المشكلة لقشرة الأرض اليابسة، وتسمّى: الصفائح القارية، وهي مشكلة من (١٢) لوحاً بينها شقوق، فحينما تتحرك هذه الألواح وتصطدم ببعضها تؤدي إلى الزّلازل والبراكين والدّمار الهائل إذا كانت شديدة، وهذا ما سيحدث عند قيام الساعة.
﴿شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾: شيء مخيف مروع، ارجع إلى سورة الزّلزلة (١) لمزيد من البيان.
وسمّيت بزلزلة السّاعة؛ لأنّها تحدث بعد النّفخة الأولى (نفخة الفزع)، أو حين تبدأ الساعة يومها.
سورة الحج [٢٢: ٢]
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾:
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾: يعني زلزلة الساعة، والرّؤية هنا رؤية بصرية أو رؤية قلبية، رؤية بصرية لمن قامت عليه السّاعة، ورؤية قلبية لمن عاش قبل حدوثها.
﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾: أي: بسبب تلك الزّلزلة وأهوال ذلك اليوم (تذهل) من الذّهول: وهو الغفلة عن الشّيء مع الدّهشة، ومن شدة الهول تنسى المرضعة أن ترضع وليدها، أو تهمله وتتركه بلا إرضاع، وهو في حضنها، والمرضعة هي الّتي تقوم بعملية الإرضاع أو في حالة الإرضاع وطفلها يرضع من ثديها الآن، ولم يقل تذهل كل مرضع عما أرضعت. المرضع فهي القادرة على الإرضاع وليست ترضع الآن.
стр. 3231
مثل: الحائض والحائضة. الحائضة: هي الآن في دورتها، والحائض: من بلغت سن المحيض وهي ليست في الحيض الآن.
﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾: تجهض؛ أي: تسقط المرأة الحامل جنينها قبل تمام الحمل وزمن الولادة من شدة هول ذلك اليوم، وفي هاتين العمليتين: الإرضاع والحمل، تكون عاطفة الأم على أشدها، فإذا حدث منها ذلك، فهو دليل على شدة هول ذلك اليوم وعظمته.
﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾: ترى النّاس يومئذٍ كأنهم سكارى، أو يراهم الرّائي كأنّهم سكارى، جمع: سكران، سكارى من الخوف والفزع وليس هم حقيقة سكارى من شرب الخمر، ولكن من شدة أهوال ذلك اليوم والخوف والفزع والرّعب تراهم يتمايلون مضطربين في توازنهم كالسّكارى، وما هم بسكارى: ما النّافية، هم: تفيد التّوكيد، بسكارى: الباء للإلصاق والمصاحبة.
﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾: ولكن: للاستدراك يفيد التّوكيد، عذاب الله شديد.
سورة الحج [٢٢: ٣]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾:
مناسبة هذه الآية؛ أي: رغم أنّ السّاعة حق، وما ذكرنا في الآيتين السّابقتين من بعض أهوالها، ترى بعض النّاس لا يصدق ولا يؤمن بالسّاعة والبعث ويجادل.
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: من هنا: بعضية؛ أي: بعض النّاس.
﴿مَنْ يُجَادِلُ فِى اللَّهِ﴾: من ابتدائية، يجادل: من الجدل وهو الحوار الّذي يحدث فيه اختلاف في الآراء، ويكون لدفع شبهة أو إثبات حق أو إظهار حجة كالنّضر بن الحارث، كما قاله الطبري، أو الوليد بن المغيرة أو غيره.
стр. 3232
يجادل في الله؛ أي: في آيات الله، أو أن الملائكة بنات الله، أو القرآن، أو في البعث ووحدانية الله تعالى، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: بدون علم: بديهي أو مكتسب القائم على النظر والاستدلال؛ أي: يجادل بالباطل أو بجهل.
﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾: ويتبع في جداله وأحواله وحياته وسوسة الشّيطان المريد؛ أي: العاقّ الخارج عن طاعة الله تعالى، أو العاصي المتمرد العاتي، فهو ماردٌ أو مريدٌ أو متمردٌ، كقوله تعالى: صرح ممرد؛ أي: أملس، وشجرة مرداء؛ أي: تساقط ورقها أو تناثر، فهي ملساء. ووصف الشّيطان بذلك؛ لكونه ينشر الشّر والفساد أو يصعب إمساكه، ارجع إلى سورة النّساء آية (١١٧) لبيان معنى مريد. وارجع إلى الآية (٨) لمقارنة الآيتين (٣، ٨) من نفس السورة.
سورة الحج [٢٢: ٤]
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾:
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾: أي: قُضي، والكتابة أشد من الحكم أو القضاء، وجاء بصيغة المبني للمجهول، أي: كتب على الشّيطان أنّه يُضلُّ من اتبعه، أي: أُعطي له القدرة على فعل ذلك، والكاتب هو الله سبحانه، وجاءت بصيغة المبني للمجهول.
﴿عَلَيْهِ﴾: على الشّيطان، سواء كان من شياطين الإنس أو الجن.
﴿أَنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾: أي: اتبعه وجعله ولياً، من: استغراقية؛ أي: كلّ واحد اتبعه، الهاء تعود على الشّيطان؛ أي: من اتبع الشّيطان واتخذه ولياً؛ أي: ناصراً معيناً.
﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: هاء الضّمير تعود على الشّيطان المريد، يضله: يوقعه في الضّلال، يضله عن طريق الهداية والحق والخير
стр. 3233
والصّراط المستقيم؛ أي: الدّين، ويهديه إلى عذاب السّعير: يهديه إلى النّار المستعرة نار جهنم، هذا وعيد وتهديد لكلّ من اتبع الشّيطان واتخذه ولياً.
سورة الحج [٢٢: ٥]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: ارجع إلى الآية (١) من السّورة نفسها.
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الشّك أو الاحتمال، (كنتم) الآن أو في أي زمن.
﴿كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾: الرّيب: الشّك ولكن الرّيب أقوى من الشّك، فالشّك هو: التّردد بين النّفي والإثبات، والرّيب: الشّك القوي، والتّهمة، ويتهمون أنّ القرآن أساطير الأولين وأنّه مفترى. من البعث: في ريب من قدرة الله على إعادة الخلق وإحياء الموتى وبعثهم من جديد، فاذكروا: كيف خلقناكم.
﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ تُرَابٍ﴾: أي: من آدم وآدم من تراب في الأصل، ثمّ خلقناهم من ذرية آدم: بالتّزاوج والتّناسل، والذي يبدأ من النطفة (الحيوان المنوي والبويضة) وكلاهما مركب من الماء ومواد عضوية جاءت من الغذاء، والغذاء من النّبات، والنّبات أصله الماء والتّراب، وكثير من المواد المعدنية الموجودة في تركيب الجسم مثل: الصوديوم والحديد والكالسيوم والفسفور وغيرها، منشؤها من النبات أو الحيوان ومنشؤهم التّربة والماء. ارجع إلى سورة الروم آية (٢٠) لمزيد من البيان.
стр. 3234
﴿ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ﴾: نطفة الرّجل (الحيوان المنوي) ونطفة المرأة (البويضة)، ومرحلة النّطفة تستغرق الأسبوع الأوّل في تشكلها.
﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُّضْغَةٍ﴾: علقة حين تعلق النّطفة بجدار الرّحم، والعلقة تستغرق في تشكلها وتطورها الأسبوعين الثّاني والثّالث، وتتحول إلى مضغة.
﴿مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾: والمضغة: قطعة تشبه قطعة اللحم الممضوغة بالأسنان، وتبدأ في الأسبوع الرّابع وتستمر إلى أربعين يوماً، عندها تبدأ مرحلة العظام في بداية الأسبوع السّابع، وأمّا نفخ الرّوح فما توصل إليه العلم الجنيني وأيدته الأحاديث الصّحيحة يحصل في الليلة (٤٢) من بدء الحمل كما ورد في الحديث الّذي رواه مسلم عن حذيفة بن أسيد قال ﷺ : إذا بلغت النّطفة اثنتين وأربعين ليلة، أرسل إليها الملك فيأمره الله جل وعلا بتصويرها، ثمّ يقول: أي ربي، أذكر أم أنثى؟ فيأمر الله ما شاء ويكتب الملك، ثمّ يقول: أي ربي، شقي أم سعيد؟ فيأمر الله ما شاء … إلى نهاية الحديث.
أمّا بالنسبة إلى المضغة المخلّقة وغير المخلّقة: فالمخلّقة هي الّتي تشارك في تكوين الجنين، وغير المخلّقة: هي الّتي تتحول إلى خلايا جذعية تتفرق في أنسجة الجنين في المشيمة أو الحبل السّري أو السّائل الأمينوسي، وغيرها من الأنسجة مثل نخاع العظم، وتساعد على التئام الجروح وترميم الأنسجة.
﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾: اللام للتوكيد، نبين لكم: كيف تتم عملية الخلق مرحلة بعد مرحلة.
﴿وَنُقِرُّ فِى الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: أي: نُبقي في الأرحام المضغة
стр. 3235
الّتي قُدّر لَها أن تكون جنيناً ذكراً أو أنثى حتّى يكتمل إلى أن يولد، إلى أجل مسمى: حين ولادته، أو نسقطه ميتاً قبل ولادته.
﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾: ثمّ تفيد التّرتيب والتّراخي في الزّمن، نخرجكم: بصيغة الجمع، وطفلاً بصيغة المفرد ولم يقل أطفالاً؛ لأنّ الطّفل أو الأطفال في هذه المرحلة لهم الصّفات نفسها، فذِكر الواحد يغني عن ذكر الجمع، وطفلاً: اسم جنس يشمل المفرد والمثنى والجمع.
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾: ثمّ للترتيب والتّراخي في الزّمن، اللام: لام التّعليل والتّوكيد، فهي إضمار تقديره: ثمّ نعمّركم لتبلغوا أشدكم، أشدكم: كمال العقل والقوة، وقيل: هو ما بين الثّلاثين إلى الأربعين سنة أو (١٥ - ٣٠).
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾: قبل بلوغ الأشد.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: أردؤه حين تظهر عليه علامات الخرف والضّعف والهرم ويعود مثل زمن الطّفولة.
﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: يفقد الذاكرة للأشياء القريبة؛ أي: ينسى الأمور الّتي جرت معه منذ ساعات أو زمن قريب، ولا يستطيع التّعلم؛ لكونه ينسى ما يتعلّمه بنفسه أو من الآخرين، ويصبح غير قادر على الحفظ والإحصاء وغير قابل للتّفكر والتّدبر، ولا بد من مقارنة هذه الآية مع قوله تعالى في سورة النحل آية (٧٠) ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. ارجع إلى سورة النّحل آية (٧٠) للمقارنة. وانتبه إلى كلمة (لكيلا) في هذه الآية، وفي آية النحل (لكي لا): فهو فصل (لكي) عن (لا)؛ لأن آية النحل تتحدث عن فقد الذاكرة للأشياء القريبة والبعيدة فهي تشمل أمرين لذلك فصل بينهما وجاءت
стр. 3236
(لكي) مفصولة عن (لا)، بينما في سورة الحج الآية تتحدث عن أمر واحد هو فقد الذاكرة للأشياء القريبة فقط، ولذلك جاءت (لكيلا) متصلة أو كلمة واحدة.
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾: هذا برهان آخر على البعث، وترى الأرض هامدة: قبل نزول الماء غير مهتزة غير متحركة، كأنّها جافة يابسة؛ لعدم وجود الماء، فإذا أنزلنا الماء؛ أي: ماء المطر الّذي بدأ من تبخر مياه البحار والمحيطات واليابسة وغيرها ويقدر بـ (٦٠٠، ٠٠٠ كم مكعب)، سنوياً، تحمله الرّياح فتشكل السّحب، وبعد تلقيح هذه السّحب برياح تحمل هباءات الغبار، تتشكل السّحب الركامية الّتي تنزل المطر. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (١٨) وسورة يس آية (٣٣) لمزيد من البيان.
﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾: نزول الماء يؤدي إلى إثارة المعادن المختلفة المكونة لطبقة التّربة من الصّلصال، والحديد والألمنيوم والمغنيسيوم والكالسيوم والصّوديوم الّتي تحمل على سطحها شحنات كهربائية مختلفة، ونزول الماء واتحاده بهذه العناصر المعدنية يؤدي إلى عملية التأيّن: تأيّن الشوارد، مما يؤدي إلى دخول الماء في تلك العناصر، مما يؤدي إلى انتفاخها أو زيادة سمكها وحجمها، هذه المعادن قد تتشكل على شكل صفائح مترابطة منها بأربطة هيدروجينة تمنع دخول الماء إليها بحسب التّربة. وللتربة أنواع مختلفة: (التّربة الصلصالية والطّمية والرّملية والحصية) منها ما ينتفخ ويربو ومنها ما لا يتأثر.
ولا ننسى مكونات التّربة من المواد العضوية المتحللة والبكتريا والطّحالب والفطريات، الّتي تتفاعل كذلك مع الماء، وحين تربو التّربة فهي ترقُّ رقة شديدة وتنشقُّ؛ لتصبح طريقاً سهلاً للسويقة الخارجة من البذرة والجذور الّتي تمتد إلى الأسفل؛ لتمتص الماء وبقية المعادن الهامة في تشكيل الحبوب الأخرى أو
стр. 3237
الثّمار المختلفة الأشكال والألوان والطعوم. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٣٩) من سورة فصلت ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾، وفي آية (٥) من سورة الحج ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ ما هو الفرق بينهما؟ هامدة: تعني: خمدت أو سكنت وهي كالميتة، وأما خشعت تعني: المرحلة التي تلي الهامدة، أو تمثل نوع آخر من أنواع التربة.
﴿زَوْجٍ﴾: صنف من أصناف الزروع والثمار أو الأزهار.
﴿بَهِيجٍ﴾: حسن، والبهجة: الحسن، وأنبتت من كلّ زوج بهيج: الّذي يدخل البهجة على النّفوس والسّرور؛ لما فيه من الزّينة.
ومقارنة بالزّوج الكريم: كما ورد في سورة لقمان آية (١٠): ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ الكريم: البالغ في الجودة والنّفع، وكثير الخيرات أو كثير المنفعة، فهذه الآية جاءت في سياق الأزهار والورود والألوان والبهجة التي تحدثها في نفس الإنسان، وآية لقمان جاءت في سياق النفع، وكثرة الخيرات والفائدة، كلٌّ له صفاته زوج كريم وزوج بهيج.
стр. 3238
سورة الحج [٢٢: ٦]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْىِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾: ذلك: اسم إشارة لخلق الإنسان والمراحل الّتي يمر بها وإحياء الأرض، ذلك: لتعلموا أنّ الله هو الحق؛ أي: الدّائم الصّفات الّذي لا يتغير ولا يتبدل. قوله الحق وما أنزله على عبده هو الحق، وربوبيته حق وأسماؤه وصفاته حق، ووعده ووعيده حق، وكل شيء ينسب إليه حق، ومن أسمائه الحسنى الحق؛ أي: الحق في ذاته وصفاته، فهو واجب الوجود كامل الصّفات لا وجود لشيء إلا به.
﴿وَأَنَّهُ يُحْىِ الْمَوْتَى﴾: وأنّه: تفيد التّوكيد، كما أحيا الأرض الهامدة فهو قادر على إحياء كلّ ميت. ارجع إلى سورة الروم آية (١٩) لبيان كيف يحي الموتى.
﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: وأنّه: تفيد التّوكيد، على كلّ شيء قدير: ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢٠) للبيان.
سورة الحج [٢٢: ٧]
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِى الْقُبُورِ﴾:
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: وأنّ: للتوكيد، واللام في لا ريب: لزيادة التّوكيد، السّاعة: لحظة أو ساعة تهدّم النّظام الكوني الحالي. آتية: ارجع إلى سورة طه الآية (١٥) للبيان والفرق بين أتية، لآتية، آتية لا ريب فيها. ارجع إلى سورة طه آية (١٥) للبيان، ومقارنة الآيات المتشابهة.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِى الْقُبُورِ﴾: وأنّ: للتوكيد، يبعث من في القبور:
стр. 3239
للحساب والفصل بين النّاس، والبعث يبدأ بالنّشر (إحياء الموتى) ثمّ الإخراج من القبور والسَّوق والجمع في أرض المحشر، من في القبور: من استغراقية تشمل الكلّ كل ميت، في: ظرفية؛ أي: القبور، والبعث فيه معنى الحث والإثارة للقيام والخروج من القبور.
سورة الحج [٢٢: ٨]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾:
من: ابتدائية بعضية للعاقل وتشمل المفرد و الجمع. يجادل: ارجع إلى الآية (٣) للبيان.
هذه الآية جاءت في سياق المتبوعين رؤساء الشّرك والضّلال الذين يجادلون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير بغير علم مكتسب أو بديهي ولا هدى ولا كتاب أو وحي من الله، بينما الآية (٣١) جاءت في سياق الجهال المقلدين الّذين يتبعون الشّيطان الذين يجادلون في آيات الله بغير علم: بديهي، ولا هدى: ولا استدلال عقلي، ولا كتاب منير: ولا وحي من الله، ويتبعون كل شيطان مريد، فهؤلاء أقل ضلالاً من هؤلاء المذكورين في الآية (٨)، وتكرار (لا): يفيد التوكيد، وفصل الهدى عن كتاب منير أو كلاهما معاً؛ أي: لا هدى ولا كتاب منير، ولا كلاهما معاً، وكتاب منير: كتاب نكرة أي كتاب من الكتب السماوية.
سورة الحج [٢٢: ٩]
﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾:
العِطف: جانب اليمين أو جانب الشّمال، فهما عطفا الرّجل، وهو القسم أو الجزء من البدن الّذي يعطفه الإنسان ويلويه عند إعراضه عن الاستماع إلى الحق.
﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ﴾: لاوي جانبه، كناية عن التّكبر والإعراض وعدم الوقوف
стр. 3240
والسّماع إلى الحق والقرآن والموعظة، وقد بيّن لنا القرآن كيف يتدرج المعرض عن الحق في تصرفاته، أو من يحاول الإعراض وعدم الاستماع إلى آيات الله؛ فهو أوّلاً يبدأ بالرّأس: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ ثمّ الجانب: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ﴾، ثمّ دبره أو عقبيه أو ظهره كقوله تعالى: ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ [لقمان: ٧].
﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ﴾: إذن هو يجادل بالباطل ليضل، اللام لام التّعليل؛ أي: الغرض من جداله: الإضلال وصرف النّاس عن سبيل الله؛ أي: دين الله تعالى وإن لم يعترف بذلك. عن: تفيد المجاوزة أو الابتعاد.
﴿لَهُ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: له: اللام لام الاستحقاق، في الدّنيا الخزي والهوان والذّلة والفضيحة، وجزاؤه في الآخرة يوم القيامة عذاب الحريق.
سورة الحج [٢٢: ١٠]
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾:
يقال له: يوم القيامة.
﴿ذَلِكَ﴾: يعني الخزي في الدّنيا وعذاب الحريق في الآخرة.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾: بما: اقترفت يداك، ذلك: اسم إشارة للبعد، بما: الباء باء الإلصاق، أو السّببية، بما قدمت يداك من عمل السّوء والمعاصي والكفر بما قدمت في الدّنيا، وإسناد جميع الأعمال إلى اليد؛ نظراً لأنّها هي الجارحة الّتي يزاول العبد بها أكثر الأعمال، وبما قدمت يداك، مع أنّ الكفر ليس من عمل اليد وإنما هو فعل القلب واللسان، ففي هذا توبيخ وتقريع وإهانة لهم.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾: وأنّ للتوكيد، بظلّام: صيغة مبالغة من: ظالم؛ تعني: لا يظلم هذا ولا يظلم ذاك، والعبيد عددهم كبير؛ فإذا كان لا يظلم عبيده
стр. 3241
(أي عبد) فهو ليس بظلام، ونفي المبالغة كناية عن نفي أصله، فلو كان ظلاماً لكان ظالماً؛ فهو نفي كلا الأمرين فهو ليس بظالم لأيّ عبد ولا بظلّام للعبيد، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤]. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٨٢) لمزيد من البيان. وقد وردت هذه الآية أيضاً في سورة الأنفال آية (٥١)، وسورة الحج آية (١٠)، وسورة فصلت (٤٦).
سورة الحج [٢٢: ١١]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾:
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: الواو استئنافية، (من) الأولى ابتدائية بعضية.
﴿مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾: (من) الثّانية اسم موصول بمعنى الذي.
يعبد الله على حرف: الحرف: أي الحافة، اسم لطرف الشّيء؛ أي: يقف على طرف الحافة مضطرباً غير ثابت، وهذا حال المنافق.
﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال. أصابه خير: مثل غنيمة أو مال أو عافية أو منفعة دنيوية.
﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾: يثبت على دينه، وسكنت نفسه إلى الإسلام ورضي به.
﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾: فتنة: شر، أو مكروه في أهله أو ماله، أو هزيمة أو خسارة أو مرض بسبب إسلامه.
﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾: ارتدّ عن دينه كما يفعل المنافق ورجع إلى الكفر، أو أصبح عاصياً أو توقف عن عبادة ربه، خسر الدّنيا والآخرة فلا حظّ له في الدّنيا ولا في الآخرة خسر كلاهما.
стр. 3242
﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾: ذلك اسم إشارة، واللام للبعد، الخسران المبين: الواضح لكلّ فرد، وكلّ فرد يقرّ ويعترف بأنّه خسران، خسران ظاهر لا يحتاج إلى شرح أو تبيان.
وهناك فرق بين الخُسر وخساراً وخسران:
١ - الخُسر: يستعمل لعموم الخسارة أو مطلق الخسارة.
٢ - خساراً: الزّيادة في الخسارة كقوله تعالى في سورة فاطر آية (٣٩): ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ [نوح: ٢١].
٣ - الخسران: هو أكبر الخسارة وأعظمها وأشدها.
انتبه إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ ولم يقل فإن أصاب خيراً؛ أي: الخير هو الّذي أصابه وجاء يبحث عنه، فالرّزق يبحث عن صاحبه، بقدر ما يبحث صاحب الرّزق عن رزقه.
وقال: فإن أصابه خير، وإن أصابته فتنة، ولم يقل شر (مقابل الخير) الفتنة قد تكون بالخير أو بالشر، فإذا فاز كانت الفتنة خيراً له.
سورة الحج [٢٢: ١٢]
﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾:
﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: تعود على الّذي يعبد الله على حرف، يدعو من دون الله: أي: يعبد غير الله، أو سوى الله، صنماً أو غير صنم؛ ليشفع له أو يقرّبه عند الله زلفى.
﴿مَا لَا يَضُرُّهُ﴾: ما اسم لغير العاقل، لا النّافية، يضره؛ أي: ما لا يضره إن لم يعبده.
стр. 3243
﴿وَمَا لَا يَنفَعُهُ﴾: إن عبده؛ أي: سواء عبده أو لم يعبده النّتيجة واحدة لا نفع ولا ضر.
﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾: ذلك اسم إشارة، واللام للبعد.
هو الضّلال البعيد: هو: ضمير فصل يفيد الحصر والتّوكيد، الضّلال البعيد: الضّلال البعيد جداً عن الحق والصّواب، أو الموغل في الضّلال، المستحيل الرّجوع من بعده إلى الحق. وقدّم الضّر على النّفع في هذه الآية؛ لأنّ درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
سورة الحج [٢٢: ١٣]
﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾:
﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَّفْعِهِ﴾: يدعو: أي: يعبد الأصنام، لمن: اللام قيل زائدة، وقيل: للابتداء وللتوكيد، مَنْ: تستعمل للعاقل، وتنزل منزلة غير العاقل بعكس الذي (فقط للعاقل). ضرّه أقرب من نفعه: أي: الضّرر النّاتج عن عبادة الأصنام، أو غير الله أقرب؛ أي: أشد أو أقوى من النّفع الحاصل من عبادتها.
إذن هناك نفع إلى حد ما في هذه الآية، بينما في الآية السّابقة نفى أن يكون لها نفعٌ أبداً، فهل هناك تناقض في الآيتين؟ الجواب: لا، أو كيف نفسر النّفع الحاصل من عبادة الأصنام، بأنّ للأصنام سدنةً وهم الواسطة بين الأصنام وعُبّادها كونهم سدنة ومسؤولين عن القيام بخدمتها ونظافتها، فهم يأخذون الأموال الطّائلة والتّبرعات الّتي تحصل في أماكن الأصنام وتعطى للفقراء والأيتام، ولكن هذا النّفع المادي مقصور على الحياة الدّنيا ثمّ يتركونه ويزول وراءهم، ومدته قصيرة أصلاً. يدعو لمن ضره في الدّنيا: قبل الآخرة، أقرب من نفعه؛ أي: ضرره في الآخرة محقق متيقن منه. فحين يموت أحدهم لا إيمان لهم،
стр. 3244
ولا عمل صالح؛ لأن الشرك يحبط أعمالهم؛ لذلك ضره في الآخرة أشد بكثير من الفائدة الدنيوية.
﴿لَبِئْسَ﴾: اللام للتأكيد، بئس: فعل لإنشاء الذم؛ أي: ساء وقبح المولى والعشير تعود على الأصنام.
﴿الْمَوْلَى﴾: الّذي يليك ويقرب منك: الّذي ينفعك ويساعدك ويُعينك وقت الشّدة، وينصرك إذا احتجت له، والمولى هنا هي: الأصنام، فبئس وقبح ذلك المولى؛ لأنّها لا تنصرهم ولا تستجيب لهم.
﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾: العشير: الصّاحب، وهو المعاشر الّذي تأنس به أو الخليل، وهي الأصنام، وقد تطلق على القبيلة أو القريب.
فهناك فرق بين بئس المولى (المعين) وبئس العشير (الصاحب)؛ لأنّ الصاحب قد لا يكون معيناً إذا طلب منه المساعدة، أو المعين (المولى) قد لا يكون صاحباً لذلك فرّق بينهما فهي ليست بصاحب ولا معين (ولي) ولا كلاهما.
سورة الحج [٢٢: ١٤]
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾:
﴿إِنَّ﴾: إن: للتوكيد.
﴿اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أي: آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره إيمان التوحيد والإخلاص والمقرون بالأعمال الصالحة العبادات وكل شعب الإيمان.
﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: الجنات: عدن، والفردوس، وغيرها تنبع من تحتها الأنهار.
стр. 3245
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾: إنّ للتوكيد، يفعل ما يريد؛ الإرادة نوعان: إرادة إلزام مثل إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، النوع الثاني: إرادة غير ملزمة مثل هو يريد من عباده أن يعبدوه فمنهم من يعبده ومنهم من يكفر؛ فهذه إرادة غير ملزمة، أما المشيئة فهي مُلزمة.
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ المشيئة تقتضي الوجوب؛ لأنّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٢٧) لمزيد من البيان. وارجع إلى الآية (٢٣) من نفس السورة لمزيد من البيان.
سورة الحج [٢٢: ١٥]
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾:
يخبر الله سبحانه أنّه ناصرٌ رسوله ﷺ في الدّنيا والآخرة، والكلام موجَّه إلى الكفار الحَسَدة لرسول الله ﷺ ومن كان يظن أن الله لن ينصر رسوله ﷺ وينصر دينه.
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ﴾: من شرطية تفيد المبادرة مع التأكيد، ومن تعني: من الكفرةوالحسدة. يظن: الظن يعني: يتصور أو يعتقد، أن: للتوكيد، لن: للنفي. والظن: هو الاحتمال الراجح. أن: للتوكيد. لن: تنفي القريب والبعيد.
﴿يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ﴾: اللام لام الأمر، لن ينصر الله رسوله بكل أنواع النّصر بالقوة والغلبة والحجة والبرهان.
﴿بِسَبَبٍ﴾: السبب في اللغة: هو الحبل؛ بحبل؛ أي: يشدد حبلاً. ارجع إلى سورة الكهف آية (٨٤) للبيان المفصل في معنى السبب.
﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾: إلى سقف بيته، وتعريف السّماء: هي كلّ ما علاك.
﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾: ثمّ للترتيب الذّكري، واللام للتوكيد، ثمّ ليختنق به، وأصله
стр. 3246
ليقطع تنفسه؛ أي: دخول الهواء إلى رئتيه، كناية عن الاختناق، أي ليموت مختنقاً بحبله.
﴿فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾: هل: استفهام للتقرير وإنكاري، ليقروا هم بأنفسهم أنّ غيظهم سيظل كما هو حتّى تزهق أنفسهم وهم كافرون. الكيد: هو التّدبير الخفي لإيقاع الضّرر بالغير، سواء علم الخصم أو لم يعلم، والكيد أقوى من المكر. هل يذهبن كيده غيظه. الغيظ: هو الغم أو هيجان فيه نوع من الغضب والحزن وسمى فعله كيداً حيث لم يقدر على القيام بغيره، أو على سبيل الاستهزاء؛ أي: كاد بنفسه. ارجع إلى سورة التوبة آية (١٥) لمزيد من البيان. وسواء فعل ذلك أمام النّاس أو في خلوة، هل يُريحه ذلك؟ فإن يُريحه فلمَ لا يفعله وينتهي الأمر؛ لأنّ الله ناصرٌ رسله لا محالة، يذهبن: النّون للتوكيد.
وهناك من قال: أيربط نفسه بحبل إلى سقف البيت، ثم يقطع الحبل فيسقط على الأرض، فإما أن يموت أو تكسر عظامه وأضلاعه، وبعدها ينظر هل فعله هذا غيّر أي شيء من غيظه؟ لأن الله سينصر رسوله وعباده المؤمنين.
ولنعلم أن هذه الآية تحمل معنى التحدي للكفرة، وأعداء الله أن يمنعوا نصرة الله لرسوله وللمؤمنين.
стр. 3247
سورة الحج [٢٢: ١٦]
﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يُرِيدُ﴾:
﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: كذلك: أي: مثل ذلك، كما بينّا بشكل واضح في الآية السّابقة قدرة الله على نصرة رسوله محمّد ﷺ في الدّنيا والآخرة، كذلك أنزلناه؛ أي: القرآن آيات مبينات واضحات تحمل الهدى والصلاح لمن يريد بإذن الله.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يُرِيدُ﴾: وأنّ للتوكيد، الله يهدي من: ابتدائية استغراقية، من يختار الهداية لنفسه ويسأل الله العون والثّبات.
سورة الحج [٢٢: ١٧]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: المسلمين أتباع محمّد ﷺ .
﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾: اليهود أتباع موسى ﵇.
﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: الّذين عبدوا أو عَبَدة الكواكب والنّجوم، وقيل: عبّاد الملائكة، أو قوم كانوا على دين نوح وخرجوا عنه. وصبأ يصبأ: خرج من دين إلى دين. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٦٢) لمزيد من البيان.
﴿وَالنَّصَارَى﴾: أتباع عيسى ﵇.
﴿وَالْمَجُوسَ﴾: عَبَدة النّار.
﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: عَبَدة الأصنام والأوثان وكلّ من أشرك بالله تعالى.
стр. 3248
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: إنّ للتوكيد، يفصل بينهم: يحكم ينهم أوّلاً ثمّ يفصل بينهم، فالفصل يكون بعد الحكم، يفصل بينهم من كان منهم على هدى وحق، ومن كان على ضلال وباطل.
ويفصل بين المؤمنين والمشركين والكافرين، وأهل الجنة من أهل النّار، وبين الأمم والأنبياء، والفصل أشد من الحكم. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٦٢) لمزيد من البيان.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾: إنّ للتوكيد، شهيد: صيغة مبالغة من: شاهد، شهيد على أقوالهم وأفعالهم وحفيظ لها، فلا حاجة يوم القيامة إلى شهود أو مُعين.
وانتبه إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾، ولم يقل إنّ ربك؛ لأنّ الفصل والحكم لله، والرّب تأتي في سياق الخلق والرزق والتدبير والتربية.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: نجد أنّ كلّ اسم طائفة معطوف على ما قبله.
فالذين هادوا معطوف على الّذين آمنوا، والصّابئين معطوف على الّذين هادوا، والنّصارى معطوف على الصابئين، والمجوس معطوف على النّصارى؛ لأنّ هذه الآية جاءت في الفصل والقضاء والخصومات يوم القيامة، والموقف والمقام مقام قضاء، وكلّ واحد من هؤلاء المذكورين متساوٍ في القضاء، ولا يهم جاءت الصّابئون قبل النّصارى أو النّصارى قبل الصّابئين فالله سبحانه ساوى بينهم في القضاء لأنّه الحكم العدل.
وقد يكون تقديم الصابئين على النّصارى في هذه الآية؛ لأنّهم جاؤوا قبلهم
стр. 3249
بالزّمان، أو لأنّهم أفضل من النّصارى من ناحية العقيدة والتّوحيد. ولنعلم أنّ هذه الآية ذكرت مرتين سابقاً في سورة البقرة الآية (٦٢) وسورة المائدة آية (٦٥) ارجع إليهما لمزيد من البيان.
سورة الحج [٢٢: ١٨]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الهمزة همزة استفهام وتقرير، تر: أي: ألم تعلم أو ينتهي علمك، والرّؤية هنا رؤية قلبية أو رؤية بصرية أو كلاهما.
﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ﴾: أنّ: للتوكيد، يسجد له سجود عبادة وطاعة ويعني الصّلاة بشكل عام، أو سجود خضوع وتسخير.
له: تقديم له يفيد الحصر؛ أي: لله وحده يسجد من في السّموات ومن في الأرض: من تستعمل للعقلاء؛ أي: تدل على ذوات العقلاء، من في السّموات: أي: الملائكة، من: استغراقية تستغرق كلّ ملك، ومن في الأرض: من إنس وجن فالكلّ يسجد سجود طاعة وعبادة، أو سجود خضوع، ولنعلم أنّ كلّ مخلوق مهما كان جنسه أو نوعه من إنس أو جن، أو حيوان أو نبات أو جماد، له صلاته وله تسبيحه وسجوده الخاص به الّذي يناسب جنسه وطبيعته.
﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾: هذا يمثّل ذكر الخاص بعد العام؛ للتوكيد؛ لأنّ هذه المخلوقات في السّموات (الشّمس والقمر والنجوم) أو في الأرض (الجبال والشّجر والدّواب)، والدّواب: كلّ ما يدبّ على الأرض من حيوان.
واعلم أنّ من خصوصيات القرآن الكريم أنّ الله سبحانه إذا أسند السّجود
стр. 3250
إلى العاقل «استعمل من» وأتبعه بذكر غير العاقل، وهذا يسمى: عطف غير العاقل على العاقل، كما في هذه الآية (١٨) من سورة الحج، وكما رأينا في سورة الرّعد الآية (١٥) حين قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، عطف على من (للعاقل) ظلالهم وهي لغير العاقل.
﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾: يسجد أو يصلي حسب قدرته قائماً أو قاعداً أو على جنبه، وقد يسجد ويشير بعينيه أو أصبعه. وكثير من النّاس: تعني الّذين يسجدون عددهم كثير أو هم كثيرو العدد، ولم يقل أكثر النّاس، إذن هم كثير ولكن ليسوا هم الأكثر؛ الأكثر تعني: أكثر عدداً من كثير، وهؤلاء دخلوا فيمن ذكرهم تعالى في قوله: (ومن في الأرض) وكرر ذكرهم؛ لأنّ السّجود الأوّل يختلف عن السّجود الثّاني، السّجود الأوّل هو سجود اختيار وطاعة كسجود الصّلاة وسجود الشّكر، وسجود السّهو وسجود التّلاوة، والسّجود الآخر (الثاني) هو سجود خضوع وذل، وتسخير وبدون اختيار.
قال سبحانه: وكثير من النّاس يسجد سجود خضوع وذل، مقارنة بالقلة من النّاس الّذين يسجدون سجود طاعة، وذكرهم في مطلع الآية.
﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾: أي: هؤلاء الّذين لا يسجدون سجود طاعة، إنما سجود خضوع وذل وليس خضوع إرادة، وهم الكفار والمشركون والملحدون والعاصون، فهؤلاء هم كثرة وهم الّذين حق عليهم العذاب؛ أي: واجب عليهم العذاب.
وقليل من النّاس وهم الّذين سجدوا لله طوعاً، وبإرادتهم ففازوا بالجنة ونجوا من العذاب.
стр. 3251
والخطأ هنا أن نظن أنّ قوله تعالى بما أنّ كثيراً من النّاس يسجد، يجب أن لا يحق عليه العذاب، فكيف قال تعالى حق عليهم العذاب.
﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾: ومن يهن الله بالخزي والشقاء والعذاب، والخلود في النّار.
﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُّكْرِمٍ﴾: الفاء: للتوكيد، فما له من يخلّصه من العذاب، أو يُعزّه أو يشفع له؛ لأنّ العزة لله جميعاً. مكرم: اسم فاعل من: أكرم.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾: من الخلق والإحياء والموت والرزق والفقر والإهانة والإكرام، والسعادة والشقاء، والعز والذل.
من مشيئة الله تعالى إذا شاء أكرم عبده، أو إذا شاء أذله وأهانه هذه المشيئة ملزمة؛ أي: واقعة لا تتغير؛ أي: واجبة وليست كالإرادة.
والإكرام مرتبط بتقوى العبد وطاعته وإحسانه وقربه من الله تعالى.
والإهانة مرتبطة بالكفر والشّرك والمعصية والابتعاد عن جنب الله تعالى. ارجع إلى الآية (١٤) من نفس السورة لمزيد من البيان.
سورة الحج [٢٢: ١٩]
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِى رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَّارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾:
أسباب النّزول: كما روي عن ابن عبّاس: نزلت في أهل الكتاب قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله منكم وأقدم كتاباً، ونبينا قبل نبيكم. فقال المؤمنون: نحن أحق بالله؛ آمنّا بمحمّد ونبيكم وبما أنزل الله من كتاب. وقيل: كما روى البخاري عن أبي ذر نزلت في حمزة وعبيدة وعلي بن أبي طالب وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة حين تبارزوا للقتال يوم بدر. وقيل: إنّها تعني جميع المؤمنين والكفار، وهذا ما ذهب إليه مجاهد وعطاء. رواه الطبري.
стр. 3252
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾: اختصموا في ربهم، خصمان: لا تعني اثنين، بل هما جمعان أو فريقان، والمراد بهما المؤمنون والكافرون، والدّليل على ذلك قوله: اختصموا في ربهم، ولم يقل اختصما بالتّثنية، والخصم يطلق على الواحد أو الجماعة أو الاثنين. فاسم الإشارة يفيد التثنية، ولمعرفة العدد جاء بضمير الجمع.
﴿اخْتَصَمُوا فِى رَبِّهِمْ﴾: الخصم هو من يعارض غيره في الرّأي ويتعصب لرأيه، كلٌّ يدّعي أنّه على الحق أو على الصّواب، في ربهم: في دين ربهم، أو صفات ربهم، أو في البعث، أو آيات الله. حين قال بعض أهل الكتاب للمؤمنين: نحن أحق بالله منكم ونحن أقدم منكم كتاباً، ونبينا قبل نبيكم، وكفرتم حسداً من عندكم، فالله يفصل بينهم يوم القيامة، كما قال سبحانه في الآية (١٧) من السّورة نفسها: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ وكفى بالله شهيداً، فلا داعي لتكرار ذلك وبين جزاء كلٍّ من الفريقين.
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَّارٍ﴾: قطّعت: جاءت بصيغة الماضي، وهذا يدل على أنّ هذا التّقطيع واقع لا محالة؛ أي: كأنّه وقع وانتهى، قطّعت: فصّلت، أو قطعت لهم ثياب من نار على قدر أجسادهم، فليست فضفاضة ومتسعة مريحة؛ حتّى تحيط بهم إحاطة الثّوب بلابسه، وكذلك قطعت تعني أُعدت بسرعة بدون تأخير.
﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾: الحميم: الماء البالغ منتهى الحرارة، الماء المغلي. من فوق رؤوسهم: من تعني: هم واقفون تحت الماء مباشرة ويصب الماء فوق رؤوسهم.
سورة الحج [٢٢: ٢٠]
﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾:
﴿يُصْهَرُ﴾: أي: بالماء الحميم.
стр. 3253
﴿مَا فِى بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾: ما في بطونهم (الأمعاء والأحشاء)، يصل تأثيره إلى إذابة الجلد أوّلاً ثمّ يذيب ما تحت الجلد مثل الثرب (غطاء الأمعاء)، وتحترق أحشاؤهم، وهذا أبلغ من قوله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ سورة محمّد الآية (١٥). (ما) تستعمل للشيء غير المحدد ولغير العاقل (أي: ذلك الحميم يذيب جلودهم كما يذيب ما في بطونهم، أو يحرق به جلودهم ويصهر به الجلد، ويصهر به ما في بطونهم).
سورة الحج [٢٢: ٢١]
﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾:
مقامع: مضارب أو سياط من حديد يجلدون بها، جمع مقمعة: (آلة للضرب)، والمقمع في الأصل: كالمحجن يضرب بها رأس الفيل.
سورة الحج [٢٢: ٢٢]
﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾:
﴿كُلَّمَا﴾: ظرف بمعنى حين، متضمنة معنى الشّرط، تفيد التّكرار، وأصلها (كلّ) ودخلت عليه (ما) الظرفية، وتفيد الزّمن.
﴿أَرَادُوا﴾: أي: الّذين كفروا.
﴿أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾: أن: للتعليل والتّوكيد، يخرجوا منها؛ أي: يهبوا ليخرجوا منها من النّار من شدة التعذيب والضرب والحميم.
﴿مِنْ غَمٍّ﴾: من ابتدائية، غمّ: نكرة، أيّ غمٍّ مثل الألم الشّديد أو الحزن، أو العذاب أو ضيق النّفس أو العطش الشديد والجوع.
﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾: أي مُنعوا من الخروج، وإعادتهم في النّار مما يجعلهم يائسين من النّجاة، واليأس من أشد أنواع الغم والعذاب.
﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾: أعيدوا فيها بالمقامع الحديدية؛ أي: السّياط، وأعيدوا
стр. 3254
فيها: تدل على أنّهم لم يخرجوا خارجها أصلاً، ولم يقل أعيدوا إليها؛ أي: يضربون بالمقامع وهم في داخل النّار.
﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: يقال لهم: ذوقوا عذاب الحريق: النّار المحرقة، وكلمة ذوقوا: تدل أنّ العذاب شامل كلّ الجسم. وفي الآية (٢٠) من سورة السّجدة يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، وإذا قارنّا آية الحج مع آية السّجدة: نجد أنّ تفاصيل العذاب في سورة الحج أعظم وأشد من تفاصيل العذاب في سورة السّجدة لأنّ سورة السّجدة تتحدث عن الّذين فسقوا؛ أي: خرجوا عن طاعة الله أو دين الله تعالى، وأمّا آية الحج تتحدث عن الّذين كفروا، والكافر أشد من الفاسق، ولذلك اختلفت درجة العذاب فهؤلاء قطّعت لهم ثياب من نار يُصبّ من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد، وأمّا الّذين فسقوا: لا يصبّ من فوق رؤوسهم الحميم ولا يصهر ما في بطونهم والجلود، ولم يذكر لهم مقامع من حديد.
سورة الحج [٢٢: ٢٣]
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾:
في الآيات السّابقة (٩ - ٢٢) رأينا ما سيحل بالّذين كفروا، أمّا بالنّسبة للذين آمنوا وعملوا الصّالحات فهؤلاء يدخلهم الله تعالى جنات: جمع: جنة، جنات الفردوس أو عدن أو المأوى أو النّعيم أو دار السّلام. ارجع إلى الآية (١٤) من نفس السورة.
﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أي: تنبع من تحتها الأنهار.
﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾: يحلون؛ أي: يلبسون
стр. 3255
فيها من الحلية الّتي هي الأساور من الذّهب واللؤلؤ، ويحلّون: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على التّكرار والتّجدد والاستمرار. من أساور: من ابتدائية، من ذهب ولؤلؤاً: (من) لبيان الجنس الذّهب واللؤلؤ، ولا تعني البعضية بل تعني الكثرة.
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾: أي: في الجنة، من حرير: من لبيان الجنس وتعني الكثرة، حرير بنوعيه السّندس؛ أي: النّاعم، والإستبرق الغليظ.
لنقارن قوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ سورة الإنسان الآية (٢١) مع قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ أي: الأجر والثّواب في آية الحج أعظم وأفضل، ولنقارن قوله تعالى: ﴿أَسَاوِرَ﴾ و ﴿أَسْوِرَةٌ﴾ سورة الزّخرف الآية (٥٣): أساور: جمع كثرة، بينما أسوِرة: جمع قلة، أساور أعظم وأفضل من أسوِرة.
стр. 3256
سورة الحج [٢٢: ٢٤]
﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾:
﴿وَهُدُوا﴾: أي الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات الّذين أدخلوا في الجنات الّتي تجري من تحتها الأنهار. هدوا: من الّذي هداهم؟ كما بيّنه الله تعالى في سورة يونس آية (٩): يهديهم ربهم بإيمانهم.
يهديهم إلى الطيب من القول؛ أي: إلى أفضل القول والدعاء من الحمد والثناء والسلام كقولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، و: الحمد لله ﴿الَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ [فاطر: ٣٥]، و: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، و: لا إله إلا الله، ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، وغيره من القول الطيب؛ أي: المبارك. من: البعضية.
﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾: وهدوا: تكرار؛ هدوا: يفيد التّوكيد؛ أي: أُرشدوا ودُلّوا إلى صراط الحميد: الصّراط المستقيم الموصل إلى الجنة أفضل الطرق على الإطلاق، الحميد: اسم من أسماء الله الحسنى؛ أي: أهل الثناء والحمد الدال على الخيرات، وثبتت له صفة الحمد وسماه صراط الحميد.
وانتبه إلى قوله في هذه الآية: صراط الحميد، بينما في الآيات الأخرى: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، صراط الحميد: (كما جاء في سورة الحج) ولم يذكر العزيز؛ لأنّها آية في سياق الآخرة؛ لأنّه ليس في الآخرة تكاليف أو مخالفة لأمر الله تعالى كما هو الحال في الدّنيا، فلا حاجة لذكر العزيز الّذي يَغلب ولا يُغلب ويَقهر ولا يُقهر والممتنع على عباده.
стр. 3257
وأما صراط العزيز الحميد: جاء في سورة إبراهيم آية (١)، وسورة سبأ آية (٦)، هذه الآيات جاءت في سياق الدّنيا فذكر فيها العزيز الحميد.
سورة الحج [٢٢: ٢٥]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾:
هذه الآية تتحدث عن نوع آخر من الكفر، وهو منع النّاس من الدّخول في الإسلام ودخول المسجد الحرام كما حدث في صلح الحديبية مثلاً.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: إن: للتوكيد. كفروا: في صيغة الماضي؛ لأنّ الكفر وقع منهم فعلاً كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ويصدّون جاءت بصيغة المضارع والقياس أن نقول: كفروا وصدّوا عن سبيل الله؛ لأنّ الصّد الّذي يقومون به ناتج عن الكفر، وما يزال صدّهم مستمراً ومتجدداً؛ لأنّ كفرهم مستمرٌّ وثابتٌ، والصدّ: هو المنع بقصد ونيّة. ارجع إلى سورة النّساء آية (٦١) للبيان.
ولا بدّ من معرفة الفرق بين البيت الحرام والمسجد الحرام والكعبة والبلد الحرام والمشعر الحرام، الكعبة: هي المركز وهي البناء المكعب الّذي يتوسط الحرم، وهي البيت العتيق، والمسجد الحرام: هو المسجد المحيط بها من كلّ الجهات.
﴿الَّذِى جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾: قبلة لصلاتهم ومنسكاً ومعبداً يصلون فيه ويطوفون حوله. للنّاس: اللام لام الاختصاص؛ أي: للمسلمين.
﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾: سواء النّوعان متساويان: العاكف والباد (اسم فاعل) في إقامة المناسك والحرمة، سواء العاكف فيه: يعني: المقيم فيه والملازم له، وعكف على الشّيء: واظب عليه ولازمه، والباد: القادم من خارج مكة، القادم من أيّ مكان في الأرض.
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾: ومن: شرطية، ومن يرد من: الإرادة؛ أي:
стр. 3258
الفعل؛ أي: ينوي ويعزم على القيام بارتكاب الذّنب فيه أو القتل أو ارتكاب المنكر في الحرم، والباء للإلصاق والتّوكيد (العزم) بإلحاد: أي: الميل عن الحق مثل استحلال الحرام؛ أي: فعل الحرام متعمداً مثل القتل أو الشّرك أو ارتكاب المنكرات.
بظلم: بالخروج عن منهج الله تعالى، والعصيان والتمرد وظلم النّاس.
﴿نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: جواب الشّرط لـ: من يرد، نذقه: من الذّوق: وهو الإحساس بالمطعوم والمشروب، الذّوق: يعني الإهانة والمذلة والألم الّذي يصل إلى كلّ عضو في الجسم.
سورة الحج [٢٢: ٢٦]
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِى شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾:
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾: إذ؛ أي: واذكر إذ بوّأنا، أو حين بوّأنا لإبراهيم مكان البيت: اللام في (لإبراهيم) لام الاختصاص، بوّأنا: من: باء؛ أي: رجع؛ أي: يرجع إلى المكان الّذي ينزل فيه؛ أي: يسكن فيه، ويقال: اتخذ مكان مباءةً؛ أي: مرجعاً للعبادة؛ أي: يبوء إليه المؤمنون؛ أي: يحجوا إليه كلّ عام.
مكان البيت؛ أي: البيت الحرام الكعبة، وجبريل هو الّذي حدد لإبراهيم حدود الحرم، فالحد الشمالي يبعد (٦ كم) من الكعبة، والحد الجنوبي (١٢ كم) من الكعبة، الجنوبي الغربي (١٦ كم) والحد الغربي (١٥ كم) عند الحديبية، والحد الشرقي (١٤ كم)، ومساحة الحرم تبلغ (٦٠٠ كم ٢) في الوادي الّذي يبلغ طوله (٣٠ كم) وعرضه (٢٠ كم).
﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِى شَيْئًا﴾: أن هذه مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد، أو تفسيرية، لا: النّاهية، لا تشرك بي شيئاً: (شيئاً) جاءت بصيغة النّكرة؛ أي: لا تشرك بي كائناً من كان، أو لا تشرك بي شيئاً من الشّرك لا قليلاً ولا كثيراً، والخطاب موجّهٌ إلى إبراهيم وكلّ من اتبع ملة إبراهيم.
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ﴾: طهّر بيتي: من الأصنام أو الأوثان، أو أيّ شرك،
стр. 3259
وطهّره من النّجاسة للطائفين الّذين يطوفون حول البيت من أهل مكة وغيرهم من القادمين من خارج مكة، سواء كان طواف القدوم أو الإفاضة أو الوداع.
والقائمين: أي: المقيمين أو المعتكفين (جمع معتكف) من أهل مكة وغيرهم.
﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: جمع: راكع، وجمع: ساجد؛ أي: المصلين، ولم يقل: الركع السجد، وإنما: الركوع السجود؛ أي: السجود الحقيقي، والذي يتضمن الخشوع، بينما السجد تعني: السجود الظاهري فقط.
التّطهير يشمل التّطهير الحسي والمعنوي، وطهّر بيتي: الطّهارة الحسية؛ أي: من الأوساخ والأقذار، والطّهارة المعنوية من الأصنام والشّرك، حيث كانت قبيلة جرهم وغيرهم يضعون الأصنام عنده ويعبدونها من دون الله تعالى.
سورة الحج [٢٢: ٢٧]
﴿وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾:
﴿وَأَذِّنْ﴾: الخطاب إلى إبراهيم ﵇، والأذان في اللغة: الإعلام، وشرعاً: النّداء إلى الصّلاة.
﴿وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ﴾: بعد بناء البيت ورفع قواعده جاءه جبريل ﵇ فأمره أن يؤذّن في النّاس كما قال ابن عباس. في: ظرفية.
﴿بِالْحَجِّ﴾: الباء: للإلصاق، زمن الحج.
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾: الرّاجل: هو الماشي على قدميه، رجالاً: مشاة؛ أي: راجلين يمشون على أقدامهم.
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾: ضامر: البعير أو الجمل المهزول الّذي أتعبه السّفر، وقيل: الضّامر: قليل الشّحم، وقيل: كان العرب يضمروا الخيل؛ لتكون أقوى وأنشط وأسرع في المشي؛ أي: يأتون راكبين على
стр. 3260
إبلهم الضّامرة الهزيلة أو دوابهم. يأتين: (تعود على الدّواب)، من كلّ فجٍّ عميق: الفجّ: هو الطّريق في الجبل، عميق: ولم يقل بعيد، عميق؛ لأنّ الأرض كروية الشّكل وسطحها منحنٍ، وكلما ابتعدت عن مكة ينحني سطح الأرض؛ (لأنّ الأرض ليست مستوية)، ويعمق وينحدر سطحها، وهذا الإعجاز العلمي الّذي يدل على كروية الأرض.
سورة الحج [٢٢: ٢٨]
﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾:
﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾: اللام للتوكيد، يشهدوا: يحضروا، منافع لهم: دينية فالحج والعمرة من طواف وسعي، والوقوف بعرفات والنّحر والتّكبير، وحلق وتقصير، ومنافع دنيوية مثل التّجارة والشّراء والهدايا، والتّعارف، وزيارة الأماكن التّاريخية.
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾: بالتّلبية والتّكبير والدّعاء والصّلاة، أيّام معلومات: أيّام الحج؛ وهي العشر من ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النّحر وأيّام التّشريق.
﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾: أي: يذكروا اسم الله عند الذّبح بالقول: باسم الله والله أكبر، والشّكر والحمد والتّكبير، وبهيمة الأنعام: تعني: كل ما يصطاد ويؤكل يعتبر من بهيمة الأنعام، ولم يحرم شرعاً؛ أما الأنعام فهي: الإبل، والبقر والغنم والماعز، وغيرها مما يباح أكله.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾: من لحومها؛ لأنّ أهل الجاهلية كانوا يتحرّجون في الأكل من لحوم الهدايا والأضاحي.
﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾: الشّديد الفقر، أو الّذي أصابه فقر شديد،
следующие страницы →