Полный текст (5 934 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
يكون إلَّا في أمر مكروه، واختيار كلمة تحشرون للتذكير بالزحام في الحج يجب أن يُذكَّر الحاج بيوم الحشر، للاستعداد له.
سورة البقرة [٢: ٢٠٤]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾:
بعد ذكر المتقي الّذي يرجع من حجه المبرور، لا ذنب عليه كمن ولدته أمه، يذكر مقابل المنافق الّذي حجه هو الإفساد في الأرض، وقيل: عن ابن عبّاس أنّ هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ولقب بالأخنس؛ لأنّه خنس ورجع يوم بدر، فلم يقاتل المسلمين مع قريش، وكان ساعة يقابل رسول الله ﷺ يظهر إسلامه، وكان ليِّن الكلام كافر القلب، ويحلف أنَّه يُحب رسول الله ﷺ .
وفي أحد الأيام خرج من عند رسول الله ﷺ فمر بزرع وحُمرٌ لقوم من المسلمين، فأحرق الزّرع وقتل الحُمر.
والآية تشمل كل منافق والعبرة بعموم اللّفظ، وليس بخصوص السّبب، فيقول سبحانه:
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: الواو: استئنافية، من: ابتدائية اسم موصول للعقلاء تشمل المفرد، والمثنى، والجمع. النّاس: ارجع إلى الآية (٢١) من سورة البقرة.
﴿مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ﴿مَنْ﴾: ابتدائية، ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾: تُسَرُّ لقوله، حلو اللّسان، ليِّن الكلام. والإعجاب هو: انفعال النّفس عند مشاهدة أو رؤية أمر سار غير مألوف.
﴿فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: إذا تحدث تحدث في أمور الدّنيا، مثل التجارة،
стр. 352
والمال، والزّرع، والأكل، والشّرب فقط، ولا يتطرق إلى ذكر الآخرة؛ لكونه لا يعلم عنها شيء، أو لا تهمه، أو يخاف أن يظهر على حقيقته.
﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ﴾: أي: يحلف الأيمان الكاذبة حتّى يصدقه النّاس، كما كان يفعل الأخنس يحلف لرسول الله ﷺ أنه يُحبه والله يشهد على ما يقوله، وما في قلبه.
﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾: الألد: الشديد الخصومة، وأصل اللّديد هو الّذي لا يمكن صرفه عما يريد؛ أي: أعدى الأعداء؛ لكونه يخدعك، ويبطن خصومته، أما الّذي يُظهر عداوته فهو ليس ألد الخصام؛ لأنّك تحتاط منه، وتبتعد عنه.
سورة البقرة [٢: ٢٠٥]
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرف زمان لما يستقبل من الزّمن، ويتضمن معنى الشّرط، وتفيد حتمية الحدوث، أو كثرته.
﴿تَوَلَّى﴾: لها عدَّة معانٍ:
١ - انصرف أو ذهب بعيداً؛ أي: ابتعد عن النّاس، أو انصرف عن القول الّذي قاله؛ أي: إذا وعد أخلف، أو اؤتمن خان.
٢ - غضب كما قال ابن عبّاس ﵄.
٣ - صار والياً من الولاية.
﴿سَعَى فِى الْأَرْضِ﴾: سعي: أحدث، أو السّعي بالقدَم؛ أي: السّعي، والمشي الحثيث.
стр. 353
﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾: اللام للتوكيد؛ أي: بعلم ونية «تعمد»، ويفسد من الفساد، وأعظم الفساد هو الشّرك بالله، والكفر، والظّلم، ومعاداة الدِّين، والفساد الفكري، وتعريف الفساد: انفلات الفرد، أو المجتمع عن ضوابط الشّرع، والفساد يكون في المعتقد، والسّلوك، والسّحر، والقتل، وأكل الرّبا، ومال اليتيم، والكبائر، والزّنى، والتّلوث البيئي، وقطع الأشجار، وهدم البيوت، وأكل أموال النّاس بالباطل، وغيرها.
﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾: أي: بالقتل، أو الإحراق، والتخريب، أو التدمير، أو الظّلم والإضلال.
﴿الْحَرْثَ﴾: يعني: الزّرع، والحرث: النّساء: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
﴿وَالنَّسْلَ﴾: الذّرية، والأولاد، قتل الأولاد والنّساء في الحروب والغزوات، أو الحيوان.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾: ﴿وَاللَّهُ﴾: لفظ الجلالة: قُدم اسم الفاعل الله سبحانه على الفعل؛ للاهتمام والتّعظيم.
﴿لَا﴾: النّافية لجميع الأزمنة.
﴿يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾: الحب: الميل، ﴿الْفَسَادَ﴾: نقيض الصلاح؛ أي: أن تعمد إلى الصّالح فتفسده؛ ارجع إلى الآية (٢٥١) لمزيد من البيان.
سورة البقرة [٢: ٢٠٦]
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية؛ لما يستقبل من الزمان متضمنة معنى الشّرط، وتفيد حتمية الحدوث، أو كثرته بعكس إن.
стр. 354
﴿قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾: أي: إذا ظهر من أعماله ما يدل على الفساد في الأرض، وقلت له: اتق الله؛ أي: لا تفعل ذلك، أو خاف الله وعذابه؛ عندها يشعر المنافق، أو يفهم: أنّ ما في قلبه من نفاق قد ظهر، وانكشف.
﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾: العزة: الحَمِيَّة، خلاف الذُّل، والانكسار، ظهرت عليه علامات الحَمِيَّة، والغضب؛ أي: حملته الحَمِيَّة على فعل الإثم الّذي أمر باجتنابه، أو استمر على فعله، ولم يتب. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٣٣) للبيان.
والسّؤال هنا: هل هناك عزة بغير إثم؟
نعم! العزة لله، ولرسوله، وللمؤمنين هي عزة حقيقية، وهناك العزة المذمومة الّتي نحن بسياقها، ﴿الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾: الباء: للإلصاق، والثّبوت.
﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والسّرعة، حسبه: يكفيه جهنم فراشاً مهيئاً له. جهنم: هذا الاسم مشتق من كونها بعيدة القعر، وشديدة الغضب والكريهة والمستنكرة والمخيفة.
﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: الواو: للتأكيد، واللام: لزيادة التأكيد في لبئس، وبئس: من أفعال الذّم والتّحقير.
﴿الْمِهَادُ﴾: جمع مهد، وهو الفراش المريح الممهد للطفل لينام عليه، وهنا تعني: فراش المنافق النّار المهيأة له لكي يستريح فيها، وكما أنّ الطفل لا يستطيع مغادرة مهدِه، وهو عاجز، وغير قادر على المغادرة، وكذلك المنافق يفقد القدرة على الخروج من جهنم، وهذا التشبيه من قبيل التهكُّم.
стр. 355
سورة البقرة [٢: ٢٠٧]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾:
بعد ذكر صفات المنافق الأخنس بن شريق يذكر لنا هنا صفات الّذي يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، وهو كما قال أكثر المفسرون أمثال صهيب بن سنان الرّومي.
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: من: ابتدائية، النّاس: ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة للبيان.
﴿مَنْ يَشْرِى نَفْسَهُ﴾: من: ابتدائية، اسم موصول للعاقل، وتشمل المفرد، والمثنى، والجمع.
﴿يَشْرِى﴾: لها معنيان: باع نفسه ابتغاء مرضات الله، وأخذ عوضها «أي: اشترى» الجنة لنفسه، أو اشترى نفسه؛ أي: النّفس الإيمانية «المؤمنة»، وضحَّى بالمال في سبيل إبقائها حية.
﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: ﴿ابْتِغَاءَ﴾: طلباً، ﴿مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: جمع مرضية؛ قلبت الياء ألفاً فأصبحت مرضاة على وزن مفعلة، ومرضاة مصدر ميمي من رضي، وتختلف عن الرضوان، فالرضوان أعظم الرضى، ويخص الله تعالى وحده، وأما المرضاة فقد تكون من الله سبحانه، أو من غيره؛ أي: ليست مختصة بالله وحده؛ أي: طلباً لكل أنواع رضى الله ومحبته.
وسبب نزول هذه الآية: كما قال أكثر المفسرين: أنّ الصّحابي صهيب بن سنان الرّومي لما أراد الهجرة إلى المدينة؛ ليلحق برسول الله ﷺ منعته قريش،
стр. 356
وعذبوه، وكان شيخاً كبيراً، وعنده المال، وقالت له قريش: كيف تخرج من مكة بمالك، ونفسك إلى محمّد ﷺ .
عندها قال لهم: خذوا مالي، وخلوا سبيلي، وقبلوا بذلك، وعندها نزل جبريل بهذه الآية على قلب الرّسول ﷺ يخبره بما فعل صهيب الرّومي، وكان يكنى بأبي يحيى، فعندما أخبر جبريل الرّسول بقصته صاح رسول الله ﷺ ، وقال: «ربح البيعُ أبا يحيى ربح البيعُ أبا يحيى».
﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾: ليت كلّ مؤمن يكون مثل أبا يحيى «صهيب الرّومي»، ويضحِّي بماله، ونفسه ابتغاء مرضات الله، ولكن قليلاً من هم أمثال أبي يحيى، ورغم ذلك يبقى الله رؤوفاً بعباده، ولا يسألهم أن يكونوا كذلك، والرّأفة: أخص من الرّحمة، الرّحمة: تكون للمؤمن، والكافر، والرّأفة: فقط للمؤمن، والرّأفة: أشد من الرّحمة، الرّحمة: أوسع من الرّأفة، الرّأفة: رفع المكروه «إزالة الضّرر»، الرّحمة: رفع الضرر، وفعل الإحسان.
﴿بِالْعِبَادِ﴾: الباء: للإلصاق، وبما أنّ الله سبحانه لا يطلب من كلّ مسلم، أو مؤمن أن يضحي بماله، ونفسه فهو رؤوف بالعباد، والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب، وقال تعالى: والله رؤوف بالعباد، ولم يقل: والله رؤوف رحيم.
سورة البقرة [٢: ٢٠٨]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِى السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾:
نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد وهو الدّخول في السّلم كافة.
﴿ادْخُلُوا فِى السِّلْمِ كَافَّةً﴾: ﴿ادْخُلُوا فِى﴾: في: ظرفية، ﴿السِّلْمِ﴾: دين
стр. 357
الإسلام، الظّرف الإسلام، والمظروف هو أحكام الإسلام وشرائعه، ﴿ادْخُلُوا فِى السِّلْمِ كَافَّةً﴾: وبما أنّ الخطاب موجَّه للذين آمنوا، وهو ناداهم بالّذين آمنوا فهم قد دخلوا في الإسلام، وعلى طريق الإيمان، فادخلوا في السلم كافة: تعني: أدُّوا جميع شرائع الإسلام، وأحكامه كلها دون اختيار، أو تجزئة؛ أي: بترك بعضها، والأخذ بالبعض الآخر؛ أي: لا تؤمنوا ببعض، وتكفروا ببعض، كما يفعل أهل الكتاب، واستقيموا على ذلك.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: سُبُل الشيطان، ومداخله، ومنها الوسوسة، والإغراء، والتزيُّن، والنزع.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: إن يفيد التّوكيد، ﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص خاص بكم، وليس لأحد غيركم «فتقديم لكم على عدو مبين» يفيد الخصوص، ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهر العداوة عداوته لا تخفى على أحد من النّاس؛ أي: مكشوفة، ولا يخفى شيئاً منها، وعداوته كاملة تامَّة، مشتملة على كل أنواع العداوة.
وردت كلمة السّلم في القرآن في سبع آيات، وبالتّشكيل التّالي:
السِّلْم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِى السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، آية واحدة تعني: تطبيق أحكام وشرائع الإسلام كافَّة من دون تمييز.
السَّلْم: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمّد: ٣٥]، تعني: الميل إلى وقف القتال والصلح.
السَّلَمَ: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ [لنّحل: ٢٨]، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧]،
стр. 358
﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النّساء: ٩٠]، ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النّساء: ٩١]، (٤) آيات السَّلَمَ؛ يعني: فيها الخضوع والذل.
سورة البقرة [٢: ٢٠٩]
﴿فَإِنْ زَلَلْتُم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾:
﴿فَإِنْ زَلَلْتُم﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، إن: شرطية، تستعمل للنادر حدوثه، أو قليل الحدوث، وهو الزّلل في هذه الآية، فالزّلل قد يحدث، وقد لا يحدث، والزّلل: الزّلق، وهو اضطراب القدَم، والتّزحلق في الموضع المراد إثباتها فيه، والزّلل قد يؤدي إلى الوقوع، أو السّقوط.
﴿فَإِنْ زَلَلْتُم﴾: الزلل: أخطأتم بغير عمد، وقد يجر فاعله إلى ما هو أكبر من الزلل كالذين، والإثم؛ أي: زللتم بالأخذ بجميع الشّرائع، والأحكام؛ فآمنتم، وأخذتم ببعض، وتركتم بعض.
﴿مِنْ بَعْدِ﴾: من: تفيد المسافة القريبة؛ أي: حدث الزّلل بعد مجيء البينات بزمن قصير.
﴿مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: ﴿مَا﴾: حرف مصدري.
﴿جَاءَتْكُمُ﴾: ولم يقل أتتكم، الفرق بين المجيء والإتيان:
المجيء: تستخدم في سياق الأمور الشاقة، والصعبة، والّتي فيها ثقل.
وأتى: تستخدم في سياق الأمور السهلة، والميسورة، أو الّتي لم تحدث بعد.
﴿الْبَيِّنَاتُ﴾: جمع بينة؛ أي: الحجج، والبراهين الدّالة على أنّ ما دعيتم إلى الدّخول فيه هو الحق.
стр. 359
الدخول في الإسلام كاملاً، ولمعرفة الفرق بين قوله تعالى: ﴿جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، و ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: ارجع إلى الآية (٢٥٣) من نفس السورة، والآية (٨٦) من سورة آل عمران.
﴿فَاعْلَمُوا﴾: علم اليقين.
﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: أنّ: حرف مشبه بالفعل يفيد التّوكيد.
﴿عَزِيزٌ﴾: القوي الّذي لا يُغلب، ولا يُقهر، ولا يمتنع عليه شيء له العزة جميعاً.
﴿حَكِيمٌ﴾: الحكيم في خلقه، وشرعه، وأحكامه. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [٢: ٢١٠]
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾:
﴿هَلْ﴾: أداة استفهام تحمل معنى النّفي، والإنكار، وتعني: ما ينظرون.
﴿يَنْظُرُونَ﴾: أي: ينتظرون، ولم يقل ينتظرون، بل قال ينظرون؛ لأنّ مدَّة الانتظار أقل، وكأنّ قيام السّاعة ومجيء الله سبحانه للفصل والقضاء قريباً جداً «استعمل الكلمة الأقل حروفاً ينظرون لتناسب الزّمن القصير»، والفاعل: أي: الّذي ينظرون قد يكون عائد على المنافقين، أو أهل الكتاب الّذين لا يريدون الدّخول في الإسلام، أو عائد على كلّ من يؤمن ببعض، ويكفر ببعض.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد.
стр. 360
﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾: التّحول من صيغة المخاطب ﴿فَإِنْ زَلَلْتُم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا﴾ إلى صيغة الغائب يأتيهم يدل على سوء صنيعهم الموجب الإعراض عنهم، ومخاطبتهم بصيغة الغائب تحقيراً لهم، يأتيهم للفصل والقضاء، والحكم بينهم؛ أي: يوم القيامة يوم الحساب، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
﴿فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾: جمع ظلة، ولا يكون ظله إلَّا إذا كان متراكباً، والغمام جمع غمامة، وهو السّحاب الّذي لا ماء فيه الأبيض الرّقيق، وسمي غماماً؛ لأنه يَغُم؛ أي: يستر.
﴿وَقُضِىَ الْأَمْرُ﴾: أي: فرغ الله سبحانه من القضاء، والفصل، وأوجب العذاب، وكأنّ الأمر حدث، وانتهى.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: للفصل فيها والحساب، وإصدار الحكم، وتقديم إلى الله: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: إليه وحده ترجع الأمور، ولم يقل: ترجع الأمور إليه، وقال: وإلى الله إضافة اسمه؛ للتهديد، والوعيد، فهو المجازي على الأعمال بالثّواب.
وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: بضم التّاء، ولم يقل ترجع بفتح التّاء، فالأعمال تُرجع إليه، وكأنّها لا تريد أن ترجع إليه بإرادتها؛ لأنّها غير صالحة، ولو كانت صالحة لرجعت إليه من دون قهر، وجبر، وتصور إذا كانت الأمور لا تريد الرّجوع، فكيف يكون رجوع أصحابها.
لننظر في الآيات المتشابهة:
стр. 361
سورة البقرة، الآية (٢١٠): ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
وسورة الأنعام، الآية (١٥٨): ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾.
وسورة النحل، الآية (٣٣): ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
آية البقرة: جاءت في سياق المنافقين والّذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، وآية الأنعام: جاءت في سياق الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً، وآية النّحل: جاءت في سياق الّذين لا يؤمنون بالآخرة ويتكبَّرون.
والآيتان: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾، أو يأتي ربك يوم القيامة ﴿فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾؛ للقضاء والفصل.
أما قوله تعالى: ﴿يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾؛ أي: بالعقاب، أو العذاب.
وأما قوله تعالى: ﴿تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: لقبض أرواحهم، أو بالعذاب؛ لتدميرهم.
стр. 362
سورة البقرة [٢: ٢١١]
﴿سَلْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
﴿سَلْ﴾: بغير الهمز بدلاً من اسأل؛ للتخفيف. القاعدة عند أهل الحجاز: إذا بدأت بالفعل تخفَّف، وتحذَف فتقول: سل، وليس اسأل، وإذا تقدمها شيء أو جملة يؤتى بالهمزة فيقال اسأل؛ أي: يا محمّد ﷺ ، والخطاب موجَّه للنبيِّ، وللمؤمنين معاً.
﴿بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: ارجع إلى الآية (٤٠) للبيان، والسّؤال هنا يراد به إحدى أمرين: إما التّقرير، والتّذكير بنعم الله، وإما التّوبيخ على ترك الشّكر.
﴿كَمْ آتَيْنَاهُم﴾: ﴿كَمْ﴾: الاستفهامية؛ للتقرير، يراد به العدد المبهم، أو ﴿كَمْ﴾: الخبرية، وبمعنى الكثير، ﴿آتَيْنَاهُم﴾: من الإيتاء. ارجع إلى الآية (٨٧)، أو الآية (٢٥١) من سورة البقرة.
﴿مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾: ﴿مِّنْ﴾: الابتدائية، وقد تكون استغراقية؛ تعني كلّ آية بينة؛ أي: معجزة واضحة ظاهرة على أيدي أنبيائهم مثل: العصا، واليد، والطّوفان، والسّنين، وانفلاق البحر، والمن، والسّلوى.
﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ﴾: من: شرطية، ابتدائية، ﴿يُبَدِّلْ﴾: بالتّخفيف، ولم يقل: يتبدل، يبدل من الإبدال: وهو جعل شيء مكان شيء آخر، يتبدل من التّبديل: وهو تغيُّر
стр. 363
الشّيء عن حاله إلى حالة أخرى؛ أي: تغير، أو تحريف، أو تأويل، أو إخفاء الشّيء.
﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾: النّعمة: تعريفها هي ما يهبه الله لعبده من خير يجلب مسرة، أو يدفع عنه مضرة، انظر في ملحق الآية؛ لمعرفة الفرق بين نعمت، ونعمة.
والنّعمة هنا قيل: هي الآيات، آيات الهداية، والتّوراة، وجاءت نعمة الله بصيغة النّكرة؛ لتشمل كلّ نعمة مهما كانت، ومنها نعمة الإسلام، وتبديل النّعمة، أو إبدالها يعني: تغييرها، وتحريفها، أو إخفائها، أو تأويلها عن حقيقتها.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾: من بعد ما تمكن من معرفتها كقوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، وإلا كيف يبدلها، وهي غائبة عنه.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء، وإن: للتوكيد.
﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: والعقاب: هو الجزاء على فعل الذّنب، أو الجرم عقيب فعله؛ أي: يقع في الدّنيا؛ أي: معاقبة فاعل الذّنب، أو الجرم على ذنبه، أو جرمه مباشرة؛ أي: عقيب فعله، والعقاب من التّعقيب، ويختص بالدّنيا، أما العذاب فيقع في الدّنيا، أو الآخرة، والعذاب أوسع من العقاب، والعذاب قد يؤخر إلى مدَّة من الزمن قد تطول، أو تقصر، وقد لا يحدث إلَّا في يوم القيامة.
ووردت في القرآن: أنّ الله شديد العقاب، أو سريع العقاب.
وقد ذكرت كلمة العقاب في القرآن في (٦٤) موضعاً، بينما كلمة العذاب وردت في (٣٦٠) موضعاً، ووردت في القرآن: أنّ الله شديد العذاب، ولم يرد في كل القرآن عبارة: أنّ الله سريع العذاب.
стр. 364
وردت كلمة نعمة في هذه الآية بالتّاء المربوطة.
ووردت نعمة بالتّاء المربوطة في (٢٥) آية بينما وردت نعمت بالتّاء المفتوحة في (١١) آية.
وتبيَّن أنّ التّاء المربوطة تأتي في سياق النّعمة العامة، أو الظّاهرة.
والنّعمة بالتّاء المفتوحة «نعمت»: تأتي في سياق النّعمة الخاصة بالمؤمنين، وهي نعمة لا يمكن إحصاؤها، والله أعلم.
سورة البقرة [٢: ٢١٢]
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾:
﴿زُيِّنَ﴾: فعل ماض مبني للمجهول، وجاء به كفعل ماض كأنّه أمر طارئ لا يلبث أن يزول، والتّزين أمر قديم، والمزين هنا الشّيطان، والتّزيين يكون بالوساوس، والإغراء، والتّحسين، والشّهوة العاجلة.
﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: اللام: لام الاختصاص، الّذين كفروا: أي: من يسير على درب الكفر. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: ﴿الدُّنْيَا﴾: من الدّنو؛ أي: القرب، وتسمى العاجلة، مقارنة بالآخرة، أو تعني: الدنيئة، الحياة السّفلية، فالشّيطان زين للكافرين الحياة الدّنيا حتّى فتنوا بها وأحبوها حباً شديداً، وآثروها على الآخرة، فلا يحسدون عليها.
﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يسخرون: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدد فعل السّخرية عندهم من الّذين آمنوا، وأنّه مستمر ولا ينقطع في الحياة
стр. 365
الدّنيا، والسّخرية: هي الاحتقار، والذّل، والازدراء؛ لضعف، أو عيب، أو نقص، أو جبن، وتكون قولاً، أو فعلاً في وجه المسخور منه، والسّخرية: لا تستعمل إلَّا مع الأشخاص، أو الأعمال، ولا بدَّ من وقوع فعل سابق من المسخور منه؛ أي: لا بد من وجود سبب يدعو إلى السخرية، وتختلف عن الاستهزاء الذي لا يقتضي بوجود سبب له، يسخرون من الّذين آمنوا؛ لكونهم فقراء، أو لتصديقهم بالآخرة، أو اتِّباعهم النّبي ﷺ ، أو لكونهم قلة، وغيرها …
﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: المؤمنين في الجنة في عليين، والكفار في سجين، أو النّار، أو فوقهم منزلة ودرجة.
﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: جملة اسمية؛ تدل على الثّبوت، والاستعلاء، والدّيمومة.
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغير تقدير، ولا حصر، ولا تعداد؛ لأنّ خزائنه لا تنفذ، ولا تنقص، ولا علاقة لهذا الرزق له بكثرة الطّاعة، أو قلتها، أو بكونه مطيعاً، أو عاصياً مؤمناً، أو كافراً، ولا يعني ذلك من دون حكمة، ومن دون ابتلاء، والرّزق لا ينحصر في المال فقط، بل كذلك العلم، والخلق، والأهل، والجاه، بغير أن يُسأل سبحانه عما يفعل لماذا ترزق فلان ولا ترزق فلان، والرّزق قد يحصل من حيث لا يحتسب العبد.
سورة البقرة [٢: ٢١٣]
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾:
﴿كَانَ﴾: فعل ماض.
стр. 366
﴿النَّاسُ﴾: ارجع إلى الآية (٢١) من سورة البقرة.
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: الأمة: جماعة من النّاس تربطها عقيدة واحدة «دين واحد»، أو ملَّة، أو شريعة، أو مبادئ واحدة، ولا يهم الكم البشري، ولا الحيز الجغرافي، وكما روي عن ابن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون على شريعة من الحق.
﴿وَاحِدَةً﴾: أي: على دين واحد، أو على عقيدة واحدة، دين الإسلام والتوحيد والعبودية لله وحده، ما بين آدم ﵇، ونوح ﵇؛ أي: على «عبادة الله وحده».
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾: ﴿فَبَعَثَ﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة، بعث: من البعث: ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة، فبعث الله النّبيين بعد أن اختلفوا في التوحيد والعبودية وبعد أن انتشر الضّلال، والشّرك، وعبادة الأوثان، بعث الله النّبيين وعلى رأسهم نوح ﵇ لهدايتهم؛ حيث أصبح أكثر النّاس من الضّالين، والمشركين فتوالى إرسال النّبيين وقبل الاختلاف لم يبعث.
﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾: مبشرين لأهل الإيمان، ومنذرين لأهل الكفر، والعصيان، والمكذبين رسلهم، وما أنزل الله.
﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: أنزل مع النّبيين الكتب السماوية، والكتاب: اسم جنس، ويشمل صحف إبراهيم، وموسى، وشيث، والزبور، والتّوراة، والإنجيل، والقرآن.
стр. 367
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق؛ أي: بالشّرائع، والأحكام الّتي تهدي النّاس للحق، والصّراط المستقيم، وعبادة الله وحده.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: اللام في ليحكم: للتوكيد؛ أي: أنزلنا الكتب، والصّحف، والأنبياء، والأحكام، والشّرائع؛ لهداية النّاس، وليحكم بها النّاس فيما اختلفوا بينهم بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والشّرك والتّوحيد، والهداية والضّلال؛ فجعلوا تلك الأحكام والشّرائع مصدر جديد؛ للاختلاف بينهم، وخلطوا بينها، وقلَّدوا آباءَهم، واتبعوا أهواءَهم، وحاربوا أنبياءَهم ورسلهم.
﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: النّافية، ﴿اخْتَلَفَ فِيهِ﴾: «تعود على الحق، أو الكتاب»، من أحكام وشرائع، وفيه كلّ ما اختلفوا فيه من عقائد، وبدع، وعادات، وتقاليد، وفيه: قد تعود على محمّد ﷺ ، وأنّه النّبي المبعوث الّذي ينتظرونه.
﴿إِلَّا﴾: أداة الحصر، ﴿الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾: وهم أهل الكتاب «بني إسرائيل وأتباع عيسى بن مريم».
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: «الآيات والأدلة الصادقة على نبوة محمّد، وأنّه هو النّبي المبعوث»، وما ذكر في التّوراة والإنجيل في نعته وصفته.
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: أي: سبب هذا الاختلاف هو البغي؛ أي: الحسد، والحرص على الدّنيا.
﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: فهدى الله تعالى الّذين آمنوا؛ أي: أمة محمّد ﷺ
стр. 368
إلى الحق بإنزال القرآن، وإرسال محمّد ﷺ نبياً ورسولاً، وهدى بعض أهل الكتاب أمثال عبد الله بن سلام من الّذين آمنوا كذلك.
﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾: هداهم بشأنّ عيسى ﵇، وبشأنّ محمّد ﷺ ، وبشأنّ القبلة وغيرها، فهم اختلفوا في الحق، وكان من المفروض عليهم أن لا يختلفوا فيه.
﴿بِإِذْنِهِ﴾: بأمره، ومشيئته. ارجع إلى الآية (٢٥٥) من نفس السورة.
﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: الصّراط المستقيم: الدِّين الحق، دين التّوحيد، وعبودية الله دين الإسلام، والله يهدي من شاء، أو طلب الهداية إلى الصّراط المستقيم: وهو الطّريق المستقيم الموصل إلى الغاية بأقصر زمن، أو مسافة، ومن دون عائق، أو مشقة.
سورة البقرة [٢: ٢١٤]
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾:
سبب النّزول: قال بعض المفسرين: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الشّدة، والفقر، والبرد، وسوء العيش، وبلغت القلوب الحناجر.
المناسبة: في الآية السّابقة (٢١٣) قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾: مبشرين بالجنة، ومنذرين بالنّار، فجاءت هذه الآية تتمة لها؛ لتخبر هؤلاء المبشرين بالجنة بأنّ دخولها يحتاج إلى صبر، ومجاهدة، وتحمل الزّلزلة.
стр. 369
﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي، والهمزة: للاستفهام الإنكاري، ينكر على هؤلاء ظنهم بدخولهم الجنة من دون ابتلاءات شديدة.
﴿حَسِبْتُمْ﴾: اعتقدتم به من حسب، والحساب نوعان: حسي «العادي»، وحساب قلبي؛ مبني على النّظر، والتّجربة، وحسبتم من الحساب القلبي.
﴿أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾: ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّوكيد، ﴿تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾.
﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم﴾: لما: للنفي المستمر إلى زمن الحال.
﴿يَأْتِكُم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُم﴾؛ أي: حسبتم أنكم ستدخلون الجنة من دون أن تفتنوا وتبتلوا بمثل ما فتن وابتُلي الّذين من قبلكم، ﴿مِنْ﴾: ابتدائية، وتفيد الزّمن القريب.
﴿مَّسَّتْهُمُ﴾: المس: هو اللمس الخفيف الّذي لا يكاد يذكر.
﴿الْبَأْسَاءُ﴾: الفقر، والشّدة، والجوع، والخوف.
﴿وَالضَّرَّاءُ﴾: المرض، والألم، ونقص في الأموال، والأنفس والجراحات، والقتال، والعواصف، والكوارث الطّبيعية، وسواء كانت فردية، أو جماعية.
﴿وَزُلْزِلُوا﴾؛ أي: أصابتهم المصائب الكبرى والمتكررة، وبأشكال ودرجات متنوعة، كلمة زلزلوا: لها تعبير صوتي خاص، وهذه الكلمة أصلها: زلزلة، وهذه الكلمة لها مقطعان: زل الأولى، وزل الثّانية، وزل معناها: سقط عن مكانه، أو وقع من مكانه، والثّانية: زل لها نفس المعنى فالكلمة تعطينا معنى الوقوع المتكرر، هناك وقوع أوّل ووقوع ثان، والوقوع الثّاني ليس استمراراً
стр. 370
للوقوع الأوّل، ولكنه في اتجاه معاكس، فكأنّ الأوّل في اتجاه اليمين، والثّاني في اتجاه الشّمال مثلاً.
وكذلك مثل كلمة الخلخلة: حركة في اتجاهين معاكسين، جهة اليمين، وجهة الشّمال، وهذا ما يحدث في حادثة الاصطدام، فالجسم في السّيارة يتحرك مندفع مع اتجاه السّيارة، فعندما يكبح السّائق جماح السّيارة يندفع جسم الراكب، ويلتطم بالزجاج، وهذا مثال لما يحدث في الزّلزلة.
﴿وَزُلْزِلُوا﴾: أصابتهم الفاجعة، والمصائب الكبرى المتكرر الواحدة بعد الأخرى، وهي لا تتكرر على نمط واحد، وإنما يتكرر عددها، وتتكرر الإصابات، والابتلاءات بأشكال مختلفة، حتّى يقول الرّسول والّذين آمنوا معه متى نصر الله.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية، وهو حتّى أن يقول الرّسول والّذين آمنوا معه.
﴿يَقُولَ﴾: انتبه إذا جاء الفعل بعد حتّى منصوب بالفتحة، فهو يدل على أنه لم يقع، ولو جاء الفعل بعد حتّى مرفوع بالضمة؛ كقوله: حتّى يقولُ: تدل على الماضي؛ أي: وقع الفعل (بالماضي).
وإذا جاء الفعل بعد حتّى منصوباً يدل على الاستقبال، مثل حتّى يقولَ؛ يعني: أنّ رسول الله ﷺ وأصحابه لم يقولوا ذلك، ولم يشكوا في نصر الله.
﴿الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: « ﷺ وصحابته».
﴿مَتَى﴾: ظرف زمان واستفهام يتضمن معنى الاستبطاء والاستبعاد.
﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾: الفوز، والغلبة. انظر إلى الفرق بين النّصر والفتح في سورة
стр. 371
النّصر، النصر الغلبة بالقوة، والسّلاح، والعتاد، والفتح: النصر من دون قتال، أو معركة.
﴿أَلَا﴾: حرف استفتاح تفيد التّحقيق؛ أي: أنّ نصر الله قريب، إنّ: للتوكيد، والسّؤال هنا من قال متى نصر الله، ومن أجاب ألا إن نصر الله قريب
الاحتمال الأول: من قال، أو سأل: هم الصّحابة أنفسهم، ومن أجاب هم أنفسهم أيضاً؛ أي: تساءلوا أوّلاً، ثم ثابوا إلى رشدهم، وأجابوا أنفسهم: إنّ نصر الله قريب فما علينا إلَّا الصبر والتّوكل.
الاحتمال الثّاني: ربما هناك قسم منهم قالوا: أو تساءلوا متى نصر الله، وقسم آخر منهم أجابوهم: إن نصر الله قريب.
الاحتمال الثالث: الّذين تساءلوا، أو قالوا: متى نصر الله؟ هم الصّحابة، والّذين أجابهم: إنّ نصر الله قريب: هو الرّسول ﷺ .
الاحتمال الرابع: الّذين تساءلوا الصّحابة، أو غيرهم من النّاس، والّذين أجابهم هو الله سبحانه عن طريق جبريل ﵇، أو الإيحاء، والإلهام.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: وردت في ثلاث آيات مختلفة في السّياق، وهي:
سورة البقرة، الآية (٢١٤): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
سورة آل عمران، الآية (١٤٢): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾.
стр. 372
سورة التوبة، الآية (١٦): ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾.
إذا نظرنا في سياق آية البقرة: نجد أنّها جاءت في سياق النّصر، وأنّ الصّحابة يجب أن يصبروا على البأساء والضّراء، كما صبر الّذين خلوا من قبلهم.
وأما في آية آل عمران: فقد جاءت في سياق الجهاد، وما حصل للمؤمنين يوم أحد من الهزيمة، والقتل، والجراحات، فهي تحثهم على الثّبات، والصّبر رغم هزيمتهم.
وأما آية التّوبة: فقد جاءت في سياق التّحذير من النّفاق، وإفشاء الأسرار للأقارب، أو الكفار المعاندين لرسول الله ﷺ ، وهناك احتمال آخر هو: كلّ الآيات جاءت في سياق الجهاد.
فآية التّوبة: تشير إلى أهمية السّرية، وكتم الأخبار، والأنباء قبل المعركة، والاستعداد لها.
وآية البقرة: تشير إلى أهمية الثّبات، والصّبر في أرض المعركة.
وآية آل عمران: تشير إلى أهمية الصّبر، والثّبات بعد المعركة، خاصة إذا حصلت هزيمة.
سورة البقرة [٢: ٢١٥]
﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾:
سبب النّزول: كما روى ابن عبّاس ﵄: هو أنّ عمر ابن جمحوج الأنصاري
стр. 373
كان شيخاً له مال كثير، فسأل رسول الله ﷺ ماذا ننفق من أموالنا، وأين ننفقه، فنزلت هذه الآية، والعبرة ليست بخصوص السّبب، وإنّما بعموم اللّفظ.
﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: يعني: السائل يقف أمام المسؤول ليسأله، بينما ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [النّساء: ١٥٣]، ليس ضرورياً أن يكون السّائل أمام المسؤول ليسأله.
﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: السّؤال في حكم شرعي، أو غير حكم، أو أمر يهم النّاس، ودائماً يأتي بعد كلمة يسألونك قل إلَّا في آية واحدة جاءت كلمة فقل، والسّبب في ذلك أنّ السّؤال لم يُسأل حتّى ذلك الحين، وسوف يُسأل في المستقبل، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥]. ويسألونك جاءت بصيغة المضارع في (١٥) آية، وآية واحدة جاءت بصيغة الماضي: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى﴾.
أما الفرق بين يسألونك، و: ويسألونك «بزيادة الواو» هناك تفسيرات:
التفسير الأول: حين يبدأ بـ ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: يبدأ موضوعاً جديداً؛ أي: بداية كلام جديد، وحين يبدأ بـ ﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾ فيها عطف بالواو على ما قبلها؛ أي: تتمة لما سبقه.
التفسير الثّاني: وهو الأقوى، حين يقول: ويسألونك «بالواو»؛ يعني: أنّهم سألوا ذلك السّؤال مع أسئلة أخرى في زمن، أو وقت واحد؛ أي: سألوه سؤال تلو الآخر، أمّا حين يقول: يسألونك فتعني سألوه أسئلة في أزمان مختلفة، وأحوال متفرقة.
﴿مَاذَا﴾: أقوى في الاستفهام من ما لوحدها.
стр. 374
﴿قُلْ﴾: يا محمّد ﷺ .
﴿مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾: ما: شرطية، ﴿أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾: الخير هو المال وتعريف الخير: هو الشّيء الحلال الطّيب الحسن النّافع، من: استغراقية تستغرق كل خير. أما أين تنفقه:
﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشّرط، تفيد التّوكيد، واللام في للوالدين: لام الاختصاص والاستحقاق، والأفضل الإنفاق على الوالدين، والأقارب؛ لأنّه أعظم ثواباً يجمع صلة الرّحم، وثواب الإنفاق؛ لأنّ الباقي المساكين، وابن السّبيل، واليتامى تشملهم آية الزّكاة.
﴿وَمَا﴾: ما: هنا شرطية.
﴿تَفْعَلُوا﴾: أي: تنفقوا، أو تخفوا في صدوركم.
﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: من استغراقية تشمل كل خير، والخير كما سبق هو الشّيء الحلال الطّيب الحسن النّافع.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء وإن: للتوكيد.
﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾: عليم صفة مبالغة؛ أي: كثير العلم، يعلم ما تنفقون، أو أحاط علمه بكل نفقة صغيرة، أو كبيرة، وأحاط علمه بما تخفي الصّدور، ارجع إلى الآية (٢٩) للبيان، وهذه الآية تحض على نفقة التّطوع.
стр. 375
سورة البقرة [٢: ٢١٦]
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾:
بعد ذكر الإنفاق في الآية السّابقة يذكر في هذه الآية الجهاد الّذي يحتاج إلى الإنفاق، كذلك، وبذل المال والأنفس.
﴿كُتِبَ﴾: فرض عليكم، قيل: هذه أول آية فرض فيها الجهاد «القتال»، وذلك في السّنة الثّانية من الهجرة.
﴿عَلَيْكُمُ﴾: على تفيد الاستعلاء لما في الجهاد من علو منزلة ورفعة وعليكم خطاب إلى الصّحابة، ومن بعدهم جميع المسلمين.
﴿الْقِتَالُ﴾: الجهاد. ارجع إلى سورة الحج آية (٣٩) لمعرفة الفرق بين القتال والجهاد.
﴿وَهُوَ﴾: الواو: للتوكيد، هو: ضمير الزّيادة والتّوكيد.
﴿كُرْهٌ﴾: بضم الكاف؛ أي: الشّاق على النّفس، والثّقيل، ولكنها مشقة مرغوبة بها من قبل صاحبها، ومقرونة بالإرادة والرّغبة؛ للقيام بها لما يترتب عليها من ثمار، أو ثواب.
ووردت هذه الكلمة ثلاث مرات في القرآن مرتين في الحمل، ومرة في الجهاد، ويجب أن ننتبه إلى الكلمة الأخرى المشابهة، وهي كَره بفتح الكاف، ووردت في خمس مواضع، وهي تعني: الإكراه، والقهر على فعل الشّيء مثال:
стр. 376
﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النّساء: ١٩].
﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣].
﴿وَعَسَى﴾: من أفعال الرجاء المرجو حصولها في المستقبل.
﴿أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري للتوكيد؛ أي: هذا القتال الّذي تكرهوه لما فيه من الآلام والمشقة، وزهق الأرواح: هو في الحقيقة خير لكم؛ لما فيه العزة، وحسن الثّواب، والأجر العظيم.
﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾: مثل القعود عن الجهاد، شرٌّ لكم؛ لأنّه قد يدفع العدو إلى انتهاك حرماتكم، وقتل أولادكم، ونسائكم، فالله سبحانه لا يشرع، أو يفرض أمراً؛ إلَّا فيه مصلحتكم، ومقاييس العباد ليست كمقاييس الله سبحانه؛ لأنّه سبحانه:
﴿يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: يعلم ما فيه الخير لكم والشّر، وما يضركم وما ينفعكم؛ لأنّه عالم الغيب والشّهادة، وعلام الغيوب.
سورة البقرة [٢: ٢١٧]
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
سبب النّزول: حين قتل الصّحابة ابن الحضرمي، ولم يدروا يوم قتلوه أنهم دخلوا في الأشهر الحرم كانوا يظنون من جمادى الأخرى، وكان أول يوم من رجب، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشّهر الحرام «أي: رجب»، فنزلت
стр. 377
هذه الآية، واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم، فمنهم من قال: أنّ الحكم باق، ومنهم من قال: إنّه منسوخ بسبب هذه الآية.
﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: ارجع إلى الآية (١٨٩) من سورة البقرة للبيان.
﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾: الأشهر الحرم: وهي أربعة أشهر في العام، وهي رجب «فرد»، وثلاثة سرد «ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم»، ومعنى الأشهر الحرم: أي: أنّ القتال محرَّم فيها، لقوله تعالى في سورة التّوبة آية (٣٦): ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، والشهر: اسم جنس.
﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾: أي: يسألونك عن القتال في الأشهر الحرم.
﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: قل يا محمّد ﷺ : القتال في الأشهر الحرم ذنب عظيم مستنكر.
﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ومنع النّاس عن سبيل الله «عن دين الله»، أيضاً ذنب عظيم أكبر من القتال في الأشهر الحرم.
﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾: بالله، ذنب عظيم أكبر من القتل في الشّهر الحرام.
﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: والصّد عن المسجد الحرام بمنع النّاس من الحج والعمرة ذنب عظيم.
﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: إخراج الرّسول ﷺ ، والصّحابة من مكة، أكبر عند الله؛ أي: أكبر على وزن أفعل؛ أي: أعظم من القتال في الأشهر الحرم.
стр. 378
﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾: الشّرك، والكفر، واضطهاد المسلمين ليكفروا ويرتدوا عن دين الله أكبر من القتل؛ أي: أعظم وزناً من القتل.
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: النّافية.
﴿يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾؛ أي: لا يزالون مستمرين على قتالكم، وعداوتكم، والنّون في يقاتلونكم؛ للتّأكيد.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية، والغاية هي ﴿يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾.
﴿يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾: أي: يعيدوكم إلى الكفر، والشرك بالرّدة، والإكراه.
﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾: إن: شرطية تتضمن معنى الشّك في الحدوث، أو النّدرة؛ «أي: وقلما يحدث ذلك».
﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾: ومن: الواو استئنافية، من: شرطية، يرتدد بفك الإدغام، والفك «فك الإدغام» أثقل من الإدغام كقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، كما جاء في سورة المائدة، آية (٥٤).
فجاء بالفعل الثّقيل يرتدد في سياق الحرب والقتال والفتنة في سورة البقرة؛ أي: ليناسب الحال، وبالإدغام يرتد في سورة المائدة، في سياق الرّدة من الإسلام إلى الكفر في حالة السّلم والصّلح.
﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾: الفاء: تدل على التّرتيب والتّعقيب، يمت: وهو كافر: هو: تفيد الحصر والتّوكيد؛ أي: يمت هو في حالة الكفر.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتّوكيد، أولئك: اسم إشارة، واللام للبعد.
﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: بطلت وفسدت أعمالهم وذهب ثوابها في الآخرة.
стр. 379
﴿حَبِطَتْ﴾: أصلها من مرض الحبط؛ أي: الحبن؛ الّذي يصيب الماشية، وهو مرض يصيب الكبد، فينتفخ بطنها بالسّوائل، وتصاب بالحبن «انتفاخ البطن بالسوائل»، فيظنها المشاهد سمينة، ويفرح بها لما فيها من اللّحم، ولكنّه يفاجأ بأنّه مرض، وليس شحماً، فلا يستفاد منها بشيء عند ذبحها؛ لفسادها حتّى أنّه يشمئز من رائحتها، وهكذا أعمال الكفرة.
﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: كما سبق، وإعادة أولئك تفيد التّوكيد، ارجع إلى الآية (٣٩) من سورة البقرة.
سورة البقرة [٢: ٢١٨]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
نزلت هذه الآية في عبد الله بن جحش، وأصحابه؛ ليطمئنهم الله سبحانه أنّهم غير آثمين لما فعلوه بسبب قتالهم في الأشهر الحرم، وقتلهم عمرو بن الحضرمي كما شنع عليهم النّاس فهم يرجون رحمة الله، والله غفور لذنوبهم ورحيم بعباده.
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل للتوكيد.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: إيماناً خالصاً لوجه الله.
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾: لنصرة دين الله، وجاهدوا لإعلاء كلمة الله، ودحر الكفر والشّرك.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يفيد البعد أي: بعد منزلتهم وعلوها.
﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾: رحمة الله: ثوابه وجنته، يرجون من الرّجاء. والرّجاء: هو الظّن بوقوع الخير الّذي يعتري صاحبه الشّك فيه والخوف، والرّجاء هو الأمل بالخير «أو ترقب الخير مع تغليب الظّن بحدوثه»؛ لأنّ الإنسان قد يقوم
стр. 380
بأعمال كثيرة ظاهرها البر، والتّقوى، والإصلاح، والخير، وقد تحدثه نفسه بشيء يُفسد عليه عمله؛ كالرّياء، والمن، والأذى، فالرّحمة غير مؤكدة أحياناً.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية (١٧٣) من نفس السّورة.
سورة البقرة [٢: ٢١٩]
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾:
﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: عن تعاطي الخمر والميسر، ارجع إلى الآية (١٨٩) من سورة البقرة.
﴿عَنِ الْخَمْرِ﴾: وسمِّيت خمراً؛ لأنها تخامر العقل؛ أي: تخالطه، وتستره، وتغطيه، وسواء كان عصير العنب المتخمر، أم الشّعير، أم التّمر.
﴿وَالْمَيْسِرِ﴾: أي: القمار مثل ضرب الأقداح، والأزلام، والنّرد، وسمِّيت بالميسر المأخوذ من اليُسر؛ لأنّ صاحبه ينال المال بيسر وسهولة من غير تعب.
﴿قُلْ﴾: يا محمّد ﷺ .
﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾: ما هو هذا الإثم الكبير لم يُبين في هذه الآية، ولكنه يبينه في آية أخرى، وهو إيقاع العداوة، والبغضاء بين النّاس، والصّد عن ذكر الله، وعن الصّلاة، كما قال في المائدة، آية (٩١): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾.
الإثم: الذّنب، والإثم لا يحدث إلَّا تعمداً، والإثم لما يجره من فساد العقل والمخاصمة، وتعطيل الصّلوات، الكبير: العظيم. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٣٣) للبيان.
стр. 381
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: المنافع المادية، والاقتصادية من ربح، والضّرائب المفروضة عليها الّتي تفوق التّصورات البشرية، ومنافع جمع منفعة؛ أي: المال.
﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاختصاص، النّاس: ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا﴾: عقاب الإثم في تعاطيهما، أكبر من نفعهما: وهو التّلذذ بشرب الخمر، أو النّفع المادي؛ أي: الرّبح من صناعتها، أو بيعها، والميسر، وما يحققه من الرّبح من دون أي جهد.
والآن نستعرض الأربع آيات الّتي وردت في سياق تحريم الخمر الّذي تم على مراحل أربع:
ـ الآية الأولى: من سورة النّحل، آية (٦٧):
﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
وهذه المرحلة الأوّلى كان المسلمون يشربونها، وكانت حلال يومئذٍ.
ـ الآية الثّانية: من سورة البقرة (٢١٩):
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا﴾.
وهذه المرحلة الثّانية بعد نزول هذه الآية تركها قوم لقوله: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، واستمر البعض الآخر في شربها.
ـ الآية الثالثة: من سورة النّساء، آية (٤٣):
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
стр. 382
نزلت كما أخرج الترمذي وأبو داود بعد أن صلَّى أحد الصّحابة بالناس في صلاة المغرب بعد أن شرب الخمر فقرأ: «قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون»، فكانت هذه المرحلة الثّالثة: حُرم شربها في أوقات الصّلاة، واستمر بعضهم في شربها بعد صلاة العشاء وغير أوقات الصّلاة.
ـ الآية الرّابعة: في سورة المائدة، آية (٩٠ - ٩١):
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾.
نزلت هذه الآية بعد غزوة الأحزاب بأيام، فقال الصّحابة عند نزولها: انتهينا يا رب.
﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾: نرى هنا زيادة الواو، وفي الآيات السّابقة لم تستعمل الواو، وتعليل ذلك هو أنّ السّؤال في الآية (٢١٥) كان في زمن، والسّؤال في الآية (٢١٧) كان في زمن آخر، ولم يستعمل الواو.
أمّا الأسئلة الّتي في الآية (٢١٩)، والآية (٢٢٠، ٢٢٢)، فكانت كلها في آن واحد واستعمل فيها الواو.
﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٢١٥).
﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾: قالوا العفو: ما يزيد عن الحاجة الّتي يحتاجها الإنسان، وأهله، وكان ذلك قبل فرض الزّكاة، والعفو يقصد بها نفقة التطوع، قل العفو: هذا يدل على المقدار، أو الكم، أو الجزء.
انظر إلى ترابط الآيات التالية:
стр. 383
الآية (٢١٥): ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (ما نوع الإنفاق)، فجاء الرد: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ (أي: مال، أو ما شابه).
وعلى من ننفق؟ فجاء الرد: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
والآية (٢١٩): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (أي: ما مقدار الإنفاق والكم؟): ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾، ثم بين ذلك بقوله: ﴿وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥ - ٢٦]؛ تشمل الزكاة والصدقات.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: الكاف: للتشبيه، فليس هناك تكرار في السّؤال؛ أي: مثل ما بُين لكم الآيات السّابقة، أو كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها، كذلك يُبين لكم سائر الآيات في الأحكام الأخرى.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾: لعلكم تتفكرون: من التفكر: وهو النظر في الدلائل، والتأمل والتثبت وإعمال العقل في المقارنات والمعطيات للوصول إلى الحكم أو الحكمة؛ أي: لتتفكروا في أمور دنياكم، وآخرتكم، فتؤثرون الأنفع والأصلح لكم على الفاني والداني، في النجاة من النار، وجنات النعيم على عذاب الخلد، ورضوان الله تعالى على سخطه وغضبه، وثواب ترك الخمر والميسر على تعاطيهما.
стр. 384
سورة البقرة [٢: ٢٢٠]
﴿فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾:
لعلكم تتفكرون في الدّنيا والآخرة، وما يصلح الدّارين، ويسعدكم فتكونون من المفلحين.
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾: نزلت هذه الآية بعد أن نزلت الآية (١٥٢) من سورة الأنعام ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾، والآية (١٠) من سورة النّساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾: عندها خاف المؤمنون من هذا الوعيد، فاعتزلوا اليتامى، وعزلوا أموال اليتامى عن أموالهم، وتركوا مخالطتهم، والقيام بأموالهم، والاهتمام بمصالح اليتامى، فشق ذلك عليهم، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه عن اليتامى، فنزلت هذه الآية كما روي عن ابن عباس.
﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾: أي: مخالطتهم على قصد الإصلاح لهم، ولأموالهم خير من اعتزالهم، إصلاح نكرة تشمل أي إصلاح، إصلاح يشمل الرّعاية التّامة بما فيها الرّعاية الصّحية، والعقيدة، والخلق، والمال، وكل أمر يتعلق بالإصلاح، وقدَّم لهم على خير: اللام في لهم تفيد الاختصاص.
﴿وَإِنْ﴾: شرطية، وتدل على قلة الحدوث.
﴿تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾: أي: تخلطوا أموالكم بأموالهم في النّفقة، أو المعيشة، أو المصاهرة، وكل الأمور الحياتية، فإخوانكم في الدِّين.
стр. 385
﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾: الفاء: للتوكيد، تخالطوهم بسبب كونهم إخوةً لكم.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾: والله يعلم ما في صدوركم، من هو المسيء من المحسن فيجازيه حسب عمله، ومن يخون ويغدر أو يأكل مال أخيه ظلماً وهضماً.
وفي هذا تحذير وحماية لمال اليتيم، ثم زاد الله منته عليهم برفع الحرج في المخالط.
فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾: العنت: الشدة، والمشقة، والضيق، والحرج، ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾: اللام: للتوكيد، أصلها: ولو شاء أعنتكم؛ أي: ضيق عليكم، وما أباح مخالطتهم.
وهذا على سبيل التّحذير؛ لأنّ العنت لا ينسب إلى الله تعالى؛ لأنّ الله عزيز حكيم.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، ﴿عَزِيزٌ﴾: القوي الّذي لا يُغلب، ولا يقهر، والممتنع، وله العزة جميعاً، ﴿حَكِيمٌ﴾: فما شرع لخلقه وكونه الحكيم في صنعه، وتدبيره، وما يحكم، ولا يخلق عبثاً، وحكيم مشتقة من الحكم؛ فهو أحكم الحاكمين، و مشتقة من الحكمة؛ فهو أحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة.
سورة البقرة [٢: ٢٢١]
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: النّاهية.
стр. 386
﴿تَنْكِحُوا﴾: لا تتزوَّجوا النّساء المشركات «الوثنيات المجوسيات»، اللاتي لا كتاب لهن، والنكاح: الرّغبة في الزّواج، أو إرادة وقوعه «قبل أن يتحقق الزّواج فهو نكاح»؛ كقوله: ﴿إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَىَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ﴾، والزواج يعني: إتمام العقد، والملامسة، والجماع.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿يُؤْمِنَّ﴾: بالله، واليوم الآخر، ويصدقن بمحمّد ﷺ .
﴿وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ﴾: الواو: استئنافية، اللام: لام التّوكيد، الأمَة خلاف الحرة «المملوكة الرقيقة»، وهي مؤمنة بالله ورسوله.
﴿خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكَةٍ﴾: أفضل من حرة مشركة، وإن كانت ذات جمال، ومال.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾: الواو: حالية «توكيد»، لو: شرطية.
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: النّاهية.
﴿تُنْكِحُوا﴾: الخطاب إلى أولياء النّساء؛ أي: لا تزوِّجوا نساءَكم المؤمنات للكفار أبداً.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿يُؤْمِنُوا﴾: بالله ورسوله؛ أي: يُسلموا ويدخلوا في الإسلام.
﴿وَلَعَبْدٌ﴾: الواو: استئنافية، اللام في لعبد: لام التّوكيد.
﴿مُّؤْمِنٌ﴾: بالله ورسوله.
﴿خَيْرٌ﴾: أفضل من مشرك.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾: أعجبكم في المال، والنّسب وغيرها.
стр. 387
﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾: أولئك: اسم إشارة، للبعد يفيد دنوَّ منزلتهم، وتحقيرهم، وتشير إلى أهل الشّرك، المشركات والمشركين يدعون إلى الكفر، فحقهم أن لا يوالوا، ولا يصاهروا، والنّون في يدعون للتوكيد.
﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾: يعني: المؤمنون أولياء الله يدعون إلى الجنة، أو الله يدعو على لسان رسوله إلى الجنة.
﴿وَالْمَغْفِرَةِ﴾: أي: التّوبة، والتّوبة تؤدي إلى المغفرة.
﴿بِإِذْنِهِ﴾: بإرادته، وتوفيقه للعمل الّذي يستحق به الجنة والمغفرة. ارجع إلى الآية (٢٥٥) لمزيد من البيان.
﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ﴾: يوضح آياته، وأحكامه.
﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاستحقاق.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾: للتعليل.
﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾: أي: ليتذكروا أوامر الله ونواهيه.
سورة البقرة [٢: ٢٢٢]
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِى الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾:
هذا هو السّؤال الثالث الّذي سُئل عنه رسول الله ﷺ في زمن واحد. سئل ماذا ينفقون، وسُئل عن اليتامى، وعن المحيض.
وإضافة الواو إلى كلمة يسألونك: تدل على أنهم يسألون رسول الله عدَّة أسئلة، وهم أمامه، وفي آن واحد.
стр. 388
﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾: ارجع إلى الآية (٢١٥) للبيان.
﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾: أي: يسألونك عن الجماع أثناء المحيض.
والمحيض: يطلق على سيلان الدم، ويراد به مكان الحيض، ويراد به زمن الحيض.
﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾: تعريف الأذى: هو الضرر، أو ما يكره من كل شيء.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد، يعود على الجماع.
﴿أَذًى﴾: بصيغة التعميم بأنّ الأذى يصيب الرجل والمرأة.
إذن: أذى هنا لا تعود إلى الحيض بذاته، وإنما تعود على الجماع أثناء الحيض.
حيث يتساقط الغشاء المخاطي للرحم؛ مما يؤدي إلى سيلان الدم. وبالتالي يصبح الرحم كالجرح.
﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾: الفاء: للتأكيد، ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾: أي: تجنبوا الجماع، أو الوطء في المحيض.
﴿فِى الْمَحِيضِ﴾: في: ظرفية (زمانية ومكانية)، زمن الحيض، ومكان الحيض.
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: النّاهية؛ لزيادة التّوكيد.
﴿تَقْرَبُوهُنَّ﴾: تفيد التّوكيد على عدم الجماع في المحيض، والأهم من ذلك لا تقربوهن، فالاعتزال لا يكفي، بل لا تقربوهن.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية؛ أي: حتّى ينقطع دم الحيض، وتغتسل المرأة.
стр. 389
﴿يَطْهُرْنَ﴾: ينقطع دم الحيض (أو النفاس).
﴿فَإِذَا﴾: الفاء: استئنافية، إذا: شرطية تفيد حتمية الحدوث.
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: ﴿تَطَهَّرْنَ﴾: اغتسلن (الاغتسال من الحيض).
إذن: يطهرن أولاً، ويتطهرن ثانياً؛ أي: ينقطع دم الحيض أولاً (فذاك طهر)، وثانياً يتطهرن بالاغتسال بالماء (فذلك تطهر)، فإذا انقطع الحيض لا تحل حتّى تغتسل، إذن الشرطان معاً.
﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب، والمباشرة.
﴿مِنْ﴾: ابتدائية، ﴿حَيْثُ﴾: ظرف مكان.
﴿أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: أي: بالقبل (الفرج)، وليس في الدُّبر.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد.
﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾: جمع تائب: التوابين من الذنوب، والتوابين جملة اسمية تدل على أنّ التوبة أصبحت سمة ثابتة في فيهم، ووطء المرأة في الحيض لا كفارة له إلَّا التوبة، والاستغفار، وعدم العودة إليه.
﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾: بالغسل بالماء، ومن الحدث الأصغر والأكبر.
وتكرار كلمة يحب؛ للتوكيد، ولفصل التوابين عن المتطهرين، فالله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب كليهما معاً.
والحكمة من اعتزال النّساء في المحيض إضافة إلى الناحية الطبية، وتجنب الالتهابات والآلام الّتي تصيب الأنثى، والذكر هناك مراعاة للحالة النفسية للمرأة في هذه الفترة.
ولا حرج في الإحسان إلى الزوجة في هذه الفترة ورعايتها، والعطف عليها،
стр. 390
ولا بد من طاعة الله فيما أمر، فاعتزال النّساء أمر تعبُّدي ـ والصبر، والتحكم في النفس والشهوة، أمر مهم في تربية النفوس التربية الإيجابية ـ، ولا يعتبر الحيض عقاباً للمرأة، بل هو في الحقيقة إكرام لها … فتبارك الله أحسن الحاكمين.
ولا بد في هذه المناسبة من المقارنة بين ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، و ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]:
المتطهرين: تعني: (الطهارة البدنية بالوضوء والغسل)؛ أي: يكتسب الطهارة بالوضوء والغسل.
المطهرين: تعني: (الطهارة القلبية من النفاق، وأمراض القلب، وقد تشمل معنى الطهارة البدنية).
وعندما يتطهر الإنسان الطهارة البدنية والقلبية قد يصبح في هذه الصفة كالملائكة المطهرين الّذين وصفهم الله في سورة الواقعة آية (٧٩): ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾؛ أي: الملائكة، والله أعلم.
سورة البقرة [٢: ٢٢٣]
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿نِسَاؤُكُمْ﴾: أزواجكم.
﴿حَرْثٌ لَّكُمْ﴾: موضع حرثكم كالأرض الّتي تُستنبت، وهذا هو منتهى الأدب الرباني؛ حيث شبه النّساء بالأرض الّتي تُحرث لتنبت الزّرع، والمرأة منبت الولد.
﴿لَّكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾: أي: جامعوا في القبل، أو مكان الإنبات، والنّسل.
следующие страницы →