Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
سورة الحج [٢٢: ٢٤]
﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾:
﴿وَهُدُوا﴾: أي الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات الّذين أدخلوا في الجنات الّتي تجري من تحتها الأنهار. هدوا: من الّذي هداهم؟ كما بيّنه الله تعالى في سورة يونس آية (٩): يهديهم ربهم بإيمانهم.
يهديهم إلى الطيب من القول؛ أي: إلى أفضل القول والدعاء من الحمد والثناء والسلام كقولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، و: الحمد لله ﴿الَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ [فاطر: ٣٥]، و: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]، و: لا إله إلا الله، ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]، وغيره من القول الطيب؛ أي: المبارك. من: البعضية.
﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾: وهدوا: تكرار؛ هدوا: يفيد التّوكيد؛ أي: أُرشدوا ودُلّوا إلى صراط الحميد: الصّراط المستقيم الموصل إلى الجنة أفضل الطرق على الإطلاق، الحميد: اسم من أسماء الله الحسنى؛ أي: أهل الثناء والحمد الدال على الخيرات، وثبتت له صفة الحمد وسماه صراط الحميد.
وانتبه إلى قوله في هذه الآية: صراط الحميد، بينما في الآيات الأخرى: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، صراط الحميد: (كما جاء في سورة الحج) ولم يذكر العزيز؛ لأنّها آية في سياق الآخرة؛ لأنّه ليس في الآخرة تكاليف أو مخالفة لأمر الله تعالى كما هو الحال في الدّنيا، فلا حاجة لذكر العزيز الّذي يَغلب ولا يُغلب ويَقهر ولا يُقهر والممتنع على عباده.
стр. 3257
وأما صراط العزيز الحميد: جاء في سورة إبراهيم آية (١)، وسورة سبأ آية (٦)، هذه الآيات جاءت في سياق الدّنيا فذكر فيها العزيز الحميد.
سورة الحج [٢٢: ٢٥]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾:
هذه الآية تتحدث عن نوع آخر من الكفر، وهو منع النّاس من الدّخول في الإسلام ودخول المسجد الحرام كما حدث في صلح الحديبية مثلاً.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: إن: للتوكيد. كفروا: في صيغة الماضي؛ لأنّ الكفر وقع منهم فعلاً كفروا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ويصدّون جاءت بصيغة المضارع والقياس أن نقول: كفروا وصدّوا عن سبيل الله؛ لأنّ الصّد الّذي يقومون به ناتج عن الكفر، وما يزال صدّهم مستمراً ومتجدداً؛ لأنّ كفرهم مستمرٌّ وثابتٌ، والصدّ: هو المنع بقصد ونيّة. ارجع إلى سورة النّساء آية (٦١) للبيان.
ولا بدّ من معرفة الفرق بين البيت الحرام والمسجد الحرام والكعبة والبلد الحرام والمشعر الحرام، الكعبة: هي المركز وهي البناء المكعب الّذي يتوسط الحرم، وهي البيت العتيق، والمسجد الحرام: هو المسجد المحيط بها من كلّ الجهات.
﴿الَّذِى جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾: قبلة لصلاتهم ومنسكاً ومعبداً يصلون فيه ويطوفون حوله. للنّاس: اللام لام الاختصاص؛ أي: للمسلمين.
﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾: سواء النّوعان متساويان: العاكف والباد (اسم فاعل) في إقامة المناسك والحرمة، سواء العاكف فيه: يعني: المقيم فيه والملازم له، وعكف على الشّيء: واظب عليه ولازمه، والباد: القادم من خارج مكة، القادم من أيّ مكان في الأرض.
﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾: ومن: شرطية، ومن يرد من: الإرادة؛ أي:
стр. 3258
الفعل؛ أي: ينوي ويعزم على القيام بارتكاب الذّنب فيه أو القتل أو ارتكاب المنكر في الحرم، والباء للإلصاق والتّوكيد (العزم) بإلحاد: أي: الميل عن الحق مثل استحلال الحرام؛ أي: فعل الحرام متعمداً مثل القتل أو الشّرك أو ارتكاب المنكرات.
بظلم: بالخروج عن منهج الله تعالى، والعصيان والتمرد وظلم النّاس.
﴿نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: جواب الشّرط لـ: من يرد، نذقه: من الذّوق: وهو الإحساس بالمطعوم والمشروب، الذّوق: يعني الإهانة والمذلة والألم الّذي يصل إلى كلّ عضو في الجسم.
سورة الحج [٢٢: ٢٦]
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِى شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾:
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾: إذ؛ أي: واذكر إذ بوّأنا، أو حين بوّأنا لإبراهيم مكان البيت: اللام في (لإبراهيم) لام الاختصاص، بوّأنا: من: باء؛ أي: رجع؛ أي: يرجع إلى المكان الّذي ينزل فيه؛ أي: يسكن فيه، ويقال: اتخذ مكان مباءةً؛ أي: مرجعاً للعبادة؛ أي: يبوء إليه المؤمنون؛ أي: يحجوا إليه كلّ عام.
مكان البيت؛ أي: البيت الحرام الكعبة، وجبريل هو الّذي حدد لإبراهيم حدود الحرم، فالحد الشمالي يبعد (٦ كم) من الكعبة، والحد الجنوبي (١٢ كم) من الكعبة، الجنوبي الغربي (١٦ كم) والحد الغربي (١٥ كم) عند الحديبية، والحد الشرقي (١٤ كم)، ومساحة الحرم تبلغ (٦٠٠ كم ٢) في الوادي الّذي يبلغ طوله (٣٠ كم) وعرضه (٢٠ كم).
﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِى شَيْئًا﴾: أن هذه مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد، أو تفسيرية، لا: النّاهية، لا تشرك بي شيئاً: (شيئاً) جاءت بصيغة النّكرة؛ أي: لا تشرك بي كائناً من كان، أو لا تشرك بي شيئاً من الشّرك لا قليلاً ولا كثيراً، والخطاب موجّهٌ إلى إبراهيم وكلّ من اتبع ملة إبراهيم.
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ﴾: طهّر بيتي: من الأصنام أو الأوثان، أو أيّ شرك،
стр. 3259
وطهّره من النّجاسة للطائفين الّذين يطوفون حول البيت من أهل مكة وغيرهم من القادمين من خارج مكة، سواء كان طواف القدوم أو الإفاضة أو الوداع.
والقائمين: أي: المقيمين أو المعتكفين (جمع معتكف) من أهل مكة وغيرهم.
﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: جمع: راكع، وجمع: ساجد؛ أي: المصلين، ولم يقل: الركع السجد، وإنما: الركوع السجود؛ أي: السجود الحقيقي، والذي يتضمن الخشوع، بينما السجد تعني: السجود الظاهري فقط.
التّطهير يشمل التّطهير الحسي والمعنوي، وطهّر بيتي: الطّهارة الحسية؛ أي: من الأوساخ والأقذار، والطّهارة المعنوية من الأصنام والشّرك، حيث كانت قبيلة جرهم وغيرهم يضعون الأصنام عنده ويعبدونها من دون الله تعالى.
سورة الحج [٢٢: ٢٧]
﴿وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾:
﴿وَأَذِّنْ﴾: الخطاب إلى إبراهيم ﵇، والأذان في اللغة: الإعلام، وشرعاً: النّداء إلى الصّلاة.
﴿وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ﴾: بعد بناء البيت ورفع قواعده جاءه جبريل ﵇ فأمره أن يؤذّن في النّاس كما قال ابن عباس. في: ظرفية.
﴿بِالْحَجِّ﴾: الباء: للإلصاق، زمن الحج.
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾: الرّاجل: هو الماشي على قدميه، رجالاً: مشاة؛ أي: راجلين يمشون على أقدامهم.
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾: ضامر: البعير أو الجمل المهزول الّذي أتعبه السّفر، وقيل: الضّامر: قليل الشّحم، وقيل: كان العرب يضمروا الخيل؛ لتكون أقوى وأنشط وأسرع في المشي؛ أي: يأتون راكبين على
стр. 3260
إبلهم الضّامرة الهزيلة أو دوابهم. يأتين: (تعود على الدّواب)، من كلّ فجٍّ عميق: الفجّ: هو الطّريق في الجبل، عميق: ولم يقل بعيد، عميق؛ لأنّ الأرض كروية الشّكل وسطحها منحنٍ، وكلما ابتعدت عن مكة ينحني سطح الأرض؛ (لأنّ الأرض ليست مستوية)، ويعمق وينحدر سطحها، وهذا الإعجاز العلمي الّذي يدل على كروية الأرض.
سورة الحج [٢٢: ٢٨]
﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾:
﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾: اللام للتوكيد، يشهدوا: يحضروا، منافع لهم: دينية فالحج والعمرة من طواف وسعي، والوقوف بعرفات والنّحر والتّكبير، وحلق وتقصير، ومنافع دنيوية مثل التّجارة والشّراء والهدايا، والتّعارف، وزيارة الأماكن التّاريخية.
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾: بالتّلبية والتّكبير والدّعاء والصّلاة، أيّام معلومات: أيّام الحج؛ وهي العشر من ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النّحر وأيّام التّشريق.
﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾: أي: يذكروا اسم الله عند الذّبح بالقول: باسم الله والله أكبر، والشّكر والحمد والتّكبير، وبهيمة الأنعام: تعني: كل ما يصطاد ويؤكل يعتبر من بهيمة الأنعام، ولم يحرم شرعاً؛ أما الأنعام فهي: الإبل، والبقر والغنم والماعز، وغيرها مما يباح أكله.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾: من لحومها؛ لأنّ أهل الجاهلية كانوا يتحرّجون في الأكل من لحوم الهدايا والأضاحي.
﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾: الشّديد الفقر، أو الّذي أصابه فقر شديد،
стр. 3261
وقيل: البائس الّذي تظهر عليه علامات الفقر ولم تعد تخفى، والفقير: الّذي يخفي فقره ولا يعلم النّاس بحاله، أو لا يملك شيئاً أو يمد يده للناس.
سورة الحج [٢٢: ٢٩]
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾:
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾: ثمّ للترتيب الذّكري، ليقضوا: اللام لام الأمر، ليقضوا تفثهم: من القضاء؛ أي: يزيلوا تفثهم، والتّفث: هو الأوساخ والأدران الّتي تعلق بالجسم من الغبار والعرق بالحمامات، ويغيروا ملابسهم بعد انتهاء مدة الإحرام، وحلق الشعر وتقليم الأظافر.
﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: اللام لام الأمر، إن كان عليهم نذر (أي: ينحروا ما نذروا لله من هدايا وضحايا)، أو غيره. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٧٠) لمعرفة معنى النذر.
﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: اللام لام الأمر، أصلها: ليتطوفوا بالبيت العتيق: الكعبة، والعتيق يطلق على كلّ شيء يطول مكثه ويبقى أكثر من أمثاله، والعتيق: القديم جداً، ويعني كذلك: الغالي والنفيس، والشيء الجميل، أو المعتوق من سيطرة الغير؛ لأنّ الله حفظه كما حدث عام الفيل.
وليطوفوا: طواف الإفاضة أو القدوم أو الوداع، طواف العمرة أو الحج.
سورة الحج [٢٢: ٣٠]
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد، (ذلك): ما ذكر من أعمال الحج بأنّها أوامر واضحة.
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾: جمع حرمة، والحرمة: كلُّ أمرٍ لله يحرم
стр. 3262
تركه وكلُّ نهيٍ يحرم فعله أو القيام به، أو ما وجب القيام به وحرم التّفريط به، وتعظيمها: يعني لا يكون لذاتها، وإنما تعظيمها تعظيم لله سبحانه؛ لأنّها من حرمات الله وأوامره وتطبيقها على أتم وجه وبحب وإخلاص.
﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: فهو: للتوكيد، أي: التّعظيم خيرٌ له ثواباً عند ربه في الآخرة.
﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: أي: أحلّ أكلها بعد الذّبح إلا ما تلي عليكم وهي ﴿الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣].
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾: الفاء: للتوكيد، اجتنبوا: الاجتناب أشد وأقوى من التّحريم، الرّجس: القذر حساً أو شرعاً أو عقلاً، من الأوثان: (من) ابتدائية استغراقية تستغرق كلّ وثن من تمثال، ويدخل فيها الشّيطان والطّاغوت والأصنام؛ أي: اجتنبوا عبادتها أو دعاءها، وتجنب ذكر غير اسم الله على الأنعام عند الذبح أو ذبحها على النُّصُب وغيرها من أعمال الشّرك. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٥٩) للبيان المفصل في معنى الرجس والرجز والفرق بينهما.
﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾: من الازورار: بمعنى الميل، وهو كلّ قول مائل عن الحق؛ أي: القول الكذب الباطل الخبيث. وزوّر الشّيء؛ أي: سوّاه وحسّنه بحيث يظهر سويّاً حسناً، أو أنّه حقّ وصدق، كالقول: إنّ لله ولداً أو شريكاً، وكقولهم: إنّ الله حرّم البحيرة والسّائبة والوصيلة والحام، مثلاً. كما ورد في سورة المائدة آية (١٠٣) ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾.
стр. 3263
سورة الحج [٢٢: ٣١]
﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾:
﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾: جمع حنيف، مأخوذة من: حنف القدم؛ يعني: تقوّسها وانحناءها؛ أي: مائلين عن الباطل والاعوجاج مستقيمين على ملة إبراهيم، مخلصين له الدّين بالتّوحيد وعبادة الله وحده، مائلين عن عبادة الأصنام والشّرك. ارجع إلى الآية (١٣٥) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾: بالله من شيء، من ولد أو شريك أو ندٍّ أو مثيل.
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾: من شرطية، يشرك بالله: بأن يجعل له شريكاً أو نداً أو ولداً.
﴿فَكَأَنَّمَا﴾: كأنّ: للتشبيه، مؤلفة من كاف التّشبيه وإن، فصارت كلمة واحدة، والتشبيه بكأن أبلغ من التّشبيه بالكاف فقط.
﴿خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾: سقط من السّماء بسرعة ومن ارتفاع بعيد، فتمزقت أوصاله وصارت الطّير تخطفها قبل أن تصل إلى الأرض.
﴿أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾: أو: تعني: إنّ لم تخطفه الطير تهوي به الريح، تهوي من: هوى؛ أي: سقط إلى أسفل، تقذفه الرّيح وترمي به إلى أسفل في مكان سحيق بعيد القعر أو عميق، حتّى تتكسر عظامه وتسحق من شدة الصّدمة،
стр. 3264
فيصبح جثة هامدة لا حياة فيها، فهذا هو حال المشرك الّذي لم يتب فقد وقع في الهلاك. وكلمة ريح في القرآن تأتي في سياق الشر، والرياح تأتي في سياق الخير.
سورة الحج [٢٢: ٣٢]
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد، (ذلك) تستعمل بعد إتمام المعنى والبدء أو الخوض في معنى آخر.
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: الشّعائر: جمع شعيرة وهي العلامة، والإشعار هو الإعلام، من شعائر الله: من شعائر دين الله، والشّعائر: هي معالمه الظّاهرة للحواس؛ أي: العلامات؛ أي: مواضع النّسك أو العبادة؛ أي: المعالم المكانية مثل الصّفا والمروة والبُدن من شعائر الله، والشّعائر تطلق على أعمال الحج أيضاً مثل الطّواف والسّعي ورمي الجمرات والوقوف بعرفة والتّكبير والتّعظيم: يعني: إجلالها واحترامها والقيام بها بحبٍّ وإخلاص وأدائها بشكل كامل تام، فهذه العلامات المعالم المكانية أو أعمال الحج (الشّعائر) عظيمة عند الله تعالى وأوصانا بتعظيمها لنيل الثّواب التّام، مثال على ذلك: البُدن من شعائر الله تعظيم هذه الشّعيرة يعني اختيار أحسن البُدن وأكثرها وزناً ولحماً، وسليمة من أيّ عيب أو مرض.
﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾: أي: تعظيمها من العبادات القلبية.
وأضاف التقوى إلى القلوب؛ أي: تعظيم هذه الشّعائر واحترامها طاعة؛ أي: تقوى؛ أي: عبادة من العبادات القلبية الخاصة بالقلوب؛ أي: تقوم بها القلوب.
стр. 3265
سورة الحج [٢٢: ٣٣]
﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾:
﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص، لكم أنتم خاصة.
﴿فِيهَا﴾: في الظّرفية تعود إلى الشّعائر مثل البُدن.
﴿مَنَافِعُ﴾: من شرب لبنها وركوبها والحمل عليها وصوفها ووبرها.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: إلى زمن معين هو نحرها في يوم العيد أو أيام التّشريق.
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: حيث تنحر، ومحل الذّبح هو منى، والآية تقول: البيت العتيق؛ أي: إذا نحرت في الأماكن المخصصة لها في منى أو غيرها، فكأنما وصلت إلى البيت العتيق والثّواب واحد، والمهم المحافظة على الأمور الصّحية وعدم تأذّي الحجّاج بروائحها أو فضلاتها.
سورة الحج [٢٢: ٣٤]
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: الأمة:
﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾: المنسك: الموضع أو المكان الّذي يُتعبّد الله فيه، أو ما يتقرب به إليه من عمل صالح، فالنّسك هي العبادات أو التّكاليف التّعبدية، ومناسك الحج: تعني الأماكن الّتي تؤدّى فيها الشّعائر مثل عرفات ومزدلفة ومنى، ومكة، كما قال إبراهيم ﵇ ربنا أرنا مناسكنا: أي: علّمنا كيف نعبدك وأين نعبدك. ارجع إلى الآية (٦٧) من نفس السورة لمعرفة الفرق بين مَنْسَك بفتح السين مَنْسِك بكسر السين.
стр. 3266
﴿لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾: اللام للتعليل، اسم الله وحده عند نحرها أو ذبحها مثل القول: باسم الله والله أكبر.
﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾: الرّزق؛ يعني: أوجدها وذلّلها وملكها أو سخرها لكم.
﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾: من لبيان الجنس، بهيمة الأنعام: ارجع إلى الآية (٢٨) من السّورة نفسها.
﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: الفاء للتوكيد، إلهكم إله واحد: أي: هو المشرع لكم، ولكلّ أمة ما يناسبها ويصلحها من الشرائع والأحكام.
إلهكم إله واحد: ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد.
﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾: أي: أخلصوا له بالتّوحيد، وقدّم له للحصر، ابتغوا وجهه ولا تشركوا به شيئاً؛ أي: وحّدوه.
لنقارن هذه الآية من سورة الحج: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾، مع الآية (٥٤) من سورة الزّمر: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾: وله أسلموا: قدّم الجار والمجرور؛ لتفيد الحصر؛ لأنّ المقام مقام توحيد.
وأسلموا له: أخّر الجار والمجرور، المقام مقام استغفار وليس مقام توحيد وعدم القنوط من رحمة الله ووعد وعيد وتهديد بالعذاب.
﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾: من الخبت؛ والخبت في اللغة: المكان المنخفض من الأرض. المخبتين؛ أي: المتواضعين؛ جمع مخبِت: المطيع المخلص الخاشع المتواضع الذي بلغ ذروة التواضع، والخبت: الاطمئنان، بشّر المخبتين: لم يذكر
стр. 3267
نوع البشارة، وهي رضوان الله وجنّته، وغيرها من النّعيم، بشّر من البشارة، ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة. ومن صفات المخبتين ما ورد في الآية التالية.
سورة الحج [٢٢: ٣٥]
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِى الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: الذين: اسم موصول يفيد المدح. ذكر الله؛ أي: ذُكرت عظمته وقدرته ووعده ووعيده شعروا بالوجل، والوجل: هو أشد درجات الخشية والخوف، الّذي يؤدي إلى اضطراب القلب بازدياد عدد دقّاته وقشعريرة في الجلد أو البكاء؛ فالخوف: توقع أمر مكروه، والخشية: أشد من الخوف؛ خوف يشوبه رهبة وتعظيم، والوجل: أشد من الخوف والخشية.
﴿وَالصَّابِرِينَ﴾: جملة اسمية تدل على الثبات. فالصّبر عندهم صفة ثابتة.
﴿عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾: في الضّراء والمحن والشّدائد والابتلاء.
﴿وَالْمُقِيمِى الصَّلَاةِ﴾: بأركانها وشروطها وأوقاتها وخشوعها.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٣) من سورة البقرة للبيان؛ أي: من بعض ما رزقناهم ينفقون.
سورة الحج [٢٢: ٣٦]
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
﴿وَالْبُدْنَ﴾: جمع بَدَنة، وهي الجمل أو النّاقة أو ما يساويها من البقرة
стр. 3268
(البقرة تقوم مقام البدن في الحكم)، والغنم لا تسمى بدنة، وسمّاها بَدَنة إشارة إلى ضرورة أن تكون بدينة؛ أي: سمينة.
﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾؛ أي: صيّرناها لكم، سخّرناها لكم، اللام لام الاختصاص.
﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: من ابتدائية بعضية، من شعائر الله؛ أي: البُدن شعيرة من شعائر الله، وشعائر الله: العبادات الّتي يتقرب بها إلى الله مثل الإحرام شعيرة، والتّكبير شعيرة، والطّواف شعيرة، والسّعي وذبح البدن أيضاً شعيرة.
﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾: في الدّنيا بالانتفاع من لبنها أو ركوبها أو حمل الأثقال أو أكل لحومها، ومنافع في الآخرة بنحرها وذكر اسم الله عليها وإطعام البائس الفقير والقانع المعتر. وما في ذلك من ثوابٍ وتقربٍ إلى الله يوم القيامة.
﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾: عند نحرها؛ أي: قولوا: باسم الله والله أكبر، صوافّ: وهي واقفة قائمة، صفّت: ربطت رجليها وإحدى يديها، فهي على ثلاث قوائم قبل نحرها.
﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، إذا شرطية تفيد الحتمية، وجبت جنوبها من: وجب الشّيء؛ يعني: سقط سقوطاً قوياً على الأرض، أو وجب الجدار: سقط؛ أي: وقعت أو سقطت على الأرض وفارقت الحياة بعد الذبح.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾: الفاء: للترتيب والمباشرة؛ أي: الأكل منها أمر مباح.
﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾: القانع: المحتاج الّذي لا يسأل النّاس، قانع
стр. 3269
بما عنده رغم كونه فقيراً، المعترّ: المحتاج الّذي يسأل ويقف بالطّرقات يسأل الصّدقات.
﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: كذلك؛ أي: مثل ما سخرناها لكم للانتفاع منها في الركوب والأكل والانتفاع بها.
كذلك سخرناها لكم لعلكم: لعل للتعليل، تشكرون المنعم على تسخيرها بالطّاعة والاستقامة والذّكر والشّكر. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لمزيد في معنى الشكر.
سورة الحج [٢٢: ٣٧]
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾:
﴿لَنْ﴾: لنفي القريب والبعيد.
﴿يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾: الله سبحانه غني عن لحوم هذه البُدن وعن نحرها، فلا يصل إليه شيءٌ منها وإنما يناله؛ أي: يصله تقواكم وطاعتكم لما أمركم به وإخلاصكم وتوحيدكم وشكركم إياه. والتّقوى تعني: امتثال وطاعة أوامره وتجنب نواهيه.
﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ كذلك: تعني: أيضاً؛ أي: وسخرها لكم أيضاً لتكبّروا الله، اللام لام التّعليل، تكبّروا الله تعالى في الأعياد بالقول: الله أكبر الله أكبر، وبعد النّحر، على ما هداكم: كما علّمكم وأرشدكم ودلّكم على ما فيه.
﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾: بشّر من البشارة، ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة
стр. 3270
البقرة، المحسنين: جمع محسن، وهو الّذي يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فالله يراه، والذي تعدّى إحسانه إلى غيره ولم يقتصر على نفسه. ولمعرفة معنى الإحسان ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة.
لنقارن الآيتين السّابقتين (٣٦ - ٣٧):
في الآية (٣٦): قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
في الآية (٣٧): قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
سخرناها لكم؛ لأنّ الفائدة عمّت الكلّ؛ لقوله تعالى: فكلوا منها وأطعموا القانع والمعترّ.
سخرها: لأنّ الآية تتحدث عن المنعم الّذي سخّر البُدن لتتّقوه وتكبّروا الله على ما هداكم.
سورة الحج [٢٢: ٣٨]
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر الّذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام كما حدث في الحديبية، وذكر المشاعر والمناسك والحج، يأذن الله في الآيات التالية بقتال الكفار الّذين يصدون النّاس عن الحج، والدفاع عن المقدسات والضعفاء.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: إنّ: للتوكيد، يدافع: صيغة مبالغة من: يدفع، قد تكون مرة واحدة وينتهي الأمر، أمّا (يدافع) تعني باستمرار وتكرار، يدافع عن الّذين آمنوا بقوة واستمرار، سواء في معركة أو إذا أصابهم ظلم وقهر
стр. 3271
من عدوهم، يدافع عنهم ضد أعدائهم وخصومهم، وهو سبحانه أقوى وأعظم قوة من كلّ عدو لدينه وأوليائه، وفي هذه الآية بشارة للمؤمنين وتطمين لهم، ولكي يدافع الله عن المؤمنين لا بدّ للمؤمنين من إعداد كلّ ما يستطيعون من قوة ورباط الخيل والتّوكل على الله.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾: إنّ للتوكيد، كلّ خوّان: صيغة مبالغة: كثير الخيانة مراراً وتكراراً، والخيانة عظيمة ليست خيانة بسيطة، كفور: صيغة مبالغة: كثير الكفر، أصبح الكفر شغله الشّاغل.
الفرق بين خوّان كما في الآية من سورة الحج، وخائن كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، الخائن: تصدر منه الخيانة مرة واحدة أو خيانة في أمر غير عظيم، أمّا الخوّان: كثير الخيانة، أو يخون خيانة عظيمة أو في أمر هامٍّ جداً أو خيانة متكررة.
стр. 3272
سورة الحج [٢٢: ٣٩]
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾:
قال كثير من المفسرين: إنّ هذه هي أوّل آية نزلت في إباحة القتال (الجهاد) ونزلت في المدينة بعد أن أُخرج الرّسول ﷺ وأصحابه من مكة إلى المدينة وتركوا ديارهم وأموالهم.
ما هو الفرق بين الجهاد والقتال؟ الجهاد: يشمل قتال الأعداء، ويشمل: جهاد النفس، والشيطان، وجهاد المنافقين.
والجهاد: يكون بالقوة، والحرب، والمال، والنفس، واللسان، والبيان، والحجة، والقلب، وتحمل الأذى، والصبر.
فالجهاد: أوسع من القتال، فالقتال: الجهاد بالسيف، أو القوة، ويعني: الدفاع، وقتال الكفار والمشركين، والجهاد كله بكل أنواعه هو في سبيل الله، ومنه جهاد في الله وفيما أمر أو قدر، وأعظم الجهاد جهاد النفس، وطاعة الله، وسياق الآيات يوضح لنا نوع هذا الجهاد.
والقتال: هو الدفاع عن الدين، والمال، والعرض، والنفس أمام أي عدو كان.
وكما قيل: نزلت هذه الآية بعد نزول أكثر من سبعين آية تنهى المؤمنين عن
стр. 3273
الجهاد والقتال وتحثهم على الصّبر. وقال جماعة آخرون: إنّ أوّل آية نزلت في القتال هي: ﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وهناك من قال: إنّ أوّل آية هي: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]، وقد بيّن بعض المفسرين أنّ تشريع القتال والجهاد كان بالتّدرج كما حدث مثلاً في تحريم الخمر، حيث القتال والجهاد أمرٌ شاقٌّ على النّفوس، وقيل: مرّت فرضية الجهاد بمراحل نذكر منها:
١ - هناك الكثير من الآيات تحثّ على الصّبر وعدم القتال والعفو كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٧٧].
٢ - ثمّ جاءت آيات مثل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥].
٣ - ثمّ الإذن بالقتال بغير إيجاب الفرض ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩].
٤ - ثمّ الإيجاب؛ أي: أوجب القتال وأصبح فرضاً ﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠].
﴿أُذِنَ﴾: رُخص أو أُبيح.
﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام لام الاختصاص.
﴿يُقَاتَلُونَ﴾: وهم: النّبي ﷺ وأصحابه (ويستثنى منهم الأعمى والأعرج والمريض)، أُذن لهم أن يدافعوا عن أنفسهم.
﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾: الباء: للتعليل أو السّببية، أنّهم ظُلموا من قبل الكفار
стр. 3274
والمشركين من أهل مكة، حيث استمروا في إيذاء المؤمنين والتّصدي لهم بالاضطهاد والسوء.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾: (إنّ) واللام في كلمة (لقدير) تفيدان التّوكيد؛ أي: سبحانه قادر على نصر المؤمنين المستضعفين، وقدير: صيغة مبالغة؛ أي: كثير القدرة أو عظيم القدرة، لا يعجزه شيء في السّموات ولا في الأرض وهو القوي العزيز.
سورة الحج [٢٢: ٤٠]
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: أي: المؤمنين محمّد ﷺ وأصحابه وغيرهم من المؤمنين الّذين يجيئون بعدهم.
﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: من مكة أو غيرها من الديار، أخرجهم عدوهم.
﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: الباء: للإلصاق، بغير حق؛ أي: لم يكن لهم ذنب أو سبب حقيقي يستدعي إخراجهم، أو موجب لإخراجهم، وإنما أُخرجوا بالعدوان والظلم والبغي.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، أي: ما أُخرجوا من ديارهم إلا بسبب قولهم: ربنا الله؛ أي: إيمانهم بالله أو دينهم وإسلامهم.
﴿أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾: أن: للتوكيد، يقولوا ربنا الله (وحده لا شريك له)، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدّين.
стр. 3275
ومن هنا جاء الإذن بالقتال، وقد أوضحت الآيات الحكمة من مشروعية القتال وأسبابه، ومنها: إخراج المؤمنين من ديارهم وسلب ممتلكاتهم، وإيذاؤهم وطردهم من أوطانهم بسبب دينهم وإسلامهم والدّفاع عن مقدساتهم ودور العبادة، وكذلك حماية المستضعفين من الرّجال والنّساء والولدان، وكذلك عدم تمكن المؤمنين من ممارسة شرائع دينهم والعبادة.
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ﴾ لولا: حرف امتناع لوجود (الدّفع)؛ أي: ولولا الدّفع لهدّمت صوامع، فما هو الدّفع: الدّفع: هو الدّفاع أو القتال في سبيل الله تعالى.
ومعناه: لولا دفع الله المشركين بالمسلمين لغلب المشركون في الأرض وأفسدوا فيها وأهلكوا الحرث والنسل، وهدّمت دور العبادة من صوامع وبِيَع وصلوات ومساجد، أو: لولا أنّ الله يدفع الكافر بالمؤمن والعاصي بالطّائع، ويدفع الباطل بالحق، لفسدت الأرض ومن عليها ولهدّمت.
﴿صَوَامِعُ﴾: معابد وأديرة الرّهبان.
﴿وَبِيَعٌ﴾: كنائس النّصارى.
﴿وَصَلَوَاتٌ﴾: كنائس اليهود (مشتقة من الصّلاة).
﴿وَمَسَاجِدُ﴾: أي: بيوت الله المخصصة للعبادة. والمسجد: هو دار عبادة المسلمين، والذي تقام فيه الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة المفروضة وغيرها، ويطلق عليه اسم جامع، والاسم مسجد مشتق من السجود، والجامع مشتق من صلاة الجمعة، أو لكونه يجمع الناس.
стр. 3276
﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾: فيها: في هذه الأماكن الأربعة، يُذكر اسم الله كثيراً بالصّلاة والدّعاء والخطب والدّروس، وهذا التّرتيب قد يكون من الأدنى إلى الأعلى بالدّرجة، أو الأقل إلى الأكثر عُمّاراً وعُبّاداً.
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾: الواو استئنافية، لينصرن: اللام لام التّوكيد، ينصرن: فيها نون التّوكيد، ينصرن بالغلبة والنّصر وكسب المعركة، أو بالشّهادة والقتل في سبيل الله ونيل الحسنى، ولينصرن الله من ينصر دينه ورسله والمؤمنين والمظلومين والضّعفاء، والّذين يعملون على إعلاء كلمة الله؛ لتكون هي العليا وكلمة الّذين كفروا هي السفلى.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾: إنّ للتوكيد، لقوي: اللام للتوكيد، قوي: لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّموات ولا يفوته شيء، عزيز: له عزة القهر والغلبة والقوة، لا يُقهر ولا يُغلب، وله عزةُ الامتناع لا يحتاج إلى أحد من عباده، ولا يناله أحد بأي مكروه، أو سوء، وله عزة العظمة.
لنقارن آية البقرة (٢٥١) قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
مع هذه الآية (٤٠) من سورة الحج: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.
نجد آية البقرة جاءت تعقيباً على فرضية الجهاد على بني إسرائيل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِىٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
стр. 3277
ونجد آية الحج جاءت تعقيباً للإذن للمؤمنين بالجهاد في سبيل الله؛ أي: فرض لمنع الفساد في الأرض وتحقيق الأمن، ومنع هدم أماكن الصّلاة والعبادة الّتي هي من أسباب منع الفساد في الأرض وتحقيق الأمن.
سورة الحج [٢٢: ٤١]
﴿الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾:
﴿الَّذِينَ إِنْ﴾: إن: تفيد الاحتمال، شرطية.
﴿مَّكَّنَّاهُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: التمكين: يعني: القدرة على ممارسة شعائر دينهم بدون خوف أو اضطهاد من الآخرين، والقدرة على إعلاء كلمة الله والشعور بالأمن وتوفر سبل العيش والحرية.
﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: إقامة الصّلاة على الوجه الأكمل، وإقامتها بأركانها وشروطها وأوقاتها، والدّوام عليها والخشوع.
﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾: الواجبة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤٣) لبيان معنى الزكاة.
﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾: ما أمر به الشّرع.
﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾: ما نهى عنه الشّرع. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٠٤) لمزيد من البيان عن المعروف والمنكر.
﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: ولله وحده لا لغيره، عاقبة الأمور: انتبه إلى قوله: (ولله)، ولم يقل وإلى الله، (لله) أي: الحكم النّهائي لله في كلّ الأمور إما إلى
стр. 3278
الجنة وإمّا إلى النّار، (ولله) كأنّ الأمور وصلت إليه تعالى وانتهت. (الآية جاءت في سياق الآخرة)، أمّا قوله: (وإلى الله عاقبة الأمور) لا زالت في طريقها (الآية في سياق الدّنيا).
سورة الحج [٢٢: ٤٢]
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال.
﴿يُكَذِّبُوكَ﴾: الخطاب إلى رسول الله ﷺ وجاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدد وتكرار وتكذيب قومه له، وإن يكذبوك في العلن وأمام النّاس، ارجع إلى الآية (٣٣) من سورة الأنعام، والآية (١٨٤) من سورة آل عمران للمقارنة والبيان بين يكذبوك وكذبوك.
﴿فَقَدْ﴾: الفاء جواب الشّرط، قد: للتحقيق والتّوكيد.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾: أي: مشركو مكة وكفارها، كذبت قبلهم، ولم يقل من قبلهم؛ لأنّ (قبلهم) تعني الزّمن القريب أو البعيد، قوم نوح وعاد وثمود.
﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾: كذبوا نبيهم نوح ﵇ وقالوا: ﴿مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩].
﴿وَعَادٌ﴾: كذبوا نبيهم هود ﵇ وقالوا له: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣].
﴿وَثَمُودُ﴾: كذبوا نبيهم صالح ﵇، وقالوا: ﴿وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢].
стр. 3279
سورة الحج [٢٢: ٤٣]
﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾:
قوم إبراهيم: كذبوا إبراهيم ﵇ ﴿لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِى مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦].
وقوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦].
سورة الحج [٢٢: ٤٤]
﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾:
﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾: كذبوا نبيهم شعيباً وقالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾ [هود: ٨٨].
﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾: أي: قوم فرعون كذبوا موسى.
﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾: الفاء: للترتيب والتّعقيب، أمليت للكافرين: من هذه الأمم؛ أي: أمهلتهم وأخّرت عنهم العذاب حتّى تمادوا في الكفر والطّغيان والعصيان.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾: ثمّ للترتيب والتّراخي في الزّمن، أخذتهم بالعذاب، والأخذ يعني: بشدة وقوة.
﴿فَكَيْفَ﴾: استفهام فيها معنى التّقرير والتّعجب.
﴿كَانَ نَكِيرِ﴾: أي: كيف كان عاقبة إنكارهم وتكذيبهم لرسلهم، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر، وأهلكناهم بذنوبهم فلا ناصر لهم. ولهم في الآخرة
стр. 3280
عذاب أليم. ارجع إلى سورة الرعد آية (٣٢) لمقارنة فكيف كان نكير، وكيف كان عقاب.
سورة الحج [٢٢: ٤٥]
﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾:
﴿فَكَأَيِّنْ﴾: الفاء: استئنافية، كأيّن: مركبة من (كاف) التّشبيه و (أي) الاستغراقية، تفيد التّكثير (مثل كم الخبرية)، وتفيد الاستفهام والتّفخيم. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٤٦) لمزيد من البيان.
﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾: من الابتدائية، قرية: تعني أهل القرية، وهي أصغر من المدينة، قرية: نكرة؛ تعني: أيّ قرية.
﴿أَهْلَكْنَاهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾: انظر: هذه الآية تشير إلى أمرين: الأول: استعمال فكأين (فيها؛ أي: التي تشير إلى الكثرة). الثاني: أهلكناها وهي ظالمة بدون ذكر أي إمهال؛ أي: انظر إلى كثرة القرى التي أهلكناها بدون تأخير أو إمهال؛ أهلكناها بسبب ظلم أهلها وكفرهم وتكذيبهم، وارتكابهم المعاصي والشّرك والطّغيان، أهلكناها: من الهلاك؛ يعني: الموت أو زوال السلطان أو إهلاك الحرث والنسل، فالهلاك قد يصيب الإنسان والحيوان والزرع والقرى. وليس بالضرورة يعني العقاب. ارجع إلى الأعراف آية (٤) لمزيد من البيان.
﴿فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى﴾: بعد إهلاك وقتل أفرادها، فهي: (هي) ضمير يفيد التّوكيد، بقيت غير مسكونة من بعدهم إلى أن سقطت سقوف أبنيتها ثمّ تلتها الجدران، خاوية: ساقطة أو خاوية من السّكان، على عروشها: سقوفها وجدرانها.
стр. 3281
﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾: بئر مهجورة متروكة معطلة بسبب موت أهلها، مما أدى إلى غور مائها وذهابه، ولا زالت آثار البئر قائمة.
﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾: أصل الشّيد: الجِصّ، قصر مجصّص، ومعطّل: غير مسكون خالٍ من ساكنيه، ولم يذكر في هذه الآية أنّه أملى لهذه القرى؛ لأنّه قال تعالى في الآية السّابقة: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
سورة الحج [٢٢: ٤٦]
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ﴾:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ﴾: أفلم: الهمزة للاستفهام والتّعجب والتّوبيخ، والفاء للتوكيد بمعنى الأمر؛ أي: لِمَ لا يسير كفار مكة الّذين كذّبوا رسول الله ﷺ . يسيروا في الأرض: أي يسافروا في الأرض إلى ديار قوم صالح وقوم لوط وقوم هود وغيرها؛ للسياحة والاعتبار ليجدوا ديارهم خالية وآبارهم معطلة ومنازلهم خاوية على عروشها.
فيدركون بعقولهم أنّ تكذيبهم لنبيّهم قد يسبب لهم هلاكهم كما حدث لهذه الأقوام، ويسمعون بآذانهم أخبار من سبقهم من الأمم.
﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾: القلوب قيل: هي العقول؛ لأنّ التفكير يكون بالعقل ولولا القلب لتعطل العقل؛ لأنّه يضخ الدّم للعقل، وكذلك هناك اتصال بين المخ والقلب بواسطة اللنف والمجال الكهربائي والأعصاب وغيره، وعضلة القلب فيها خلايا تسمى كارديوميوسايت في البطينة والأذينة وفيها مستقبلات تسمى ادرينورجك، وخلايا عصبية لها شأن في الذاكرة والعاطفة
стр. 3282
يطلق عليها أحياناً: الفؤاد أو القلب، وهذا ما يفسر قوله تعالى: (لهم قلوب لا يفقهون بها)، أو كقوله تعالى: (فتكون لهم قلوب يعقلون بها)، أو قوله: (قد شغفها حباً) [يوسف: ٣٠]، ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: ١٠].
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾: أي: لم تعمَ أبصارهم آنذاك فقد كانت تبصر وترى، وما أصابهم هو عمى البصيرة عمى القلب.
﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ﴾: لكن: حرف استدراك.
تعمى: من عمى البصيرة. والعمى: عادة هو فقدان البصر العادي، وقد وردت كلمة العمى بمعنى: فقدان البصيرة؛ كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩]، والعمى يشمل العَمَه: وهو عمى البصيرة، والتردد، والحيرة الذي يصيب القلب والعقل، وهو أشد من عمى البصر.
القلوب الّتي في الصدور كما بينّا سابقاً.
стр. 3283
سورة الحج [٢٢: ٤٧]
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾:
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾: كان منكرو البعث من كفار مكة يطلبون من النّبي ﷺ تعجيل العذاب الّذي يعدهم به؛ طغياناً وعناداً وعدم تصديق بما ينذرهم به كقولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥].
فجاء الرّد عليهم في كثير من الآيات منها هذه الآية (٤٧) من سورة الحج، والآية (٥٣) من سورة العنكبوت: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والآية (٣٣) من سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾: (لن) لنفي القريب والبعيد، (يخلف الله وعده)؛ أي لا محالة سيحل بكم العذاب عاجلاً أم آجلاً.
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾: أي: اليوم ليس (٢٤) ساعة، وإنما هو (١٠٠٠) سنة أرضية.
سورة الحج [٢٢: ٤٨]
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾:
جاءت هذه الآية لتؤكد الإمهال والإملاء وإن طال الزّمن، وأنّ الهلاك قادم لا محالة.
стр. 3284
﴿وَكَأَيِّنْ﴾: الواو عاطفة. ارجع إلى الآية (٤٥) للبيان.
ولنقارن الآية (٤٥) ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾، والآية (٤٨) ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾. في الآية (٤٥) ذكر كثرة القرى المهلكة بظلم بدون ذكر الإمهال أو التأخير. في الآية (٤٨) ذكر كثرة القرى المهلكة بظلم مع ذكر الإمهال رغم أن أهلها يستعجلونك بالعذاب.
الآية (٤٥) سبقها قوله: (فأمليت للكافرين) فلم يذكر الإملاء في تلك الآية، وذكر الهلاك الّذي يكون عادة بعد الإملاء، أمّا الآية (٤٨) سبقها قوله: (ويستعجلونك بالعذاب) فذكر (أمليت لها) (أي: لم أعجل عليهم العقوبة رغم استعجالهم بالعذاب) ثمّ الهلاك، فكلا القريتين وصفت بظلم أهلها، إحداهما أعطيت فترة الإملاء؛ أي: الإمهال، ثمّ كلاهما أهلكت في النهاية فالنتيجة واحدة.
﴿وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٤٥) للبيان، أخذتها: أهلكتها. والأخذ يوحي بالعنف والشدة وعدم القدرة على الإفلات.
﴿وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾: النّهاية التي ستكون الوقوف بين يدي الله سبحانه للحساب.
سورة الحج [٢٢: ٤٩]
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ ، يا أيها: يا النّداء، والهاء للتنبيه، النّاس: الثّقلين الإنس والجن، البشرية عامة.
﴿إِنَّمَا﴾: وهذه الآية تدل على أنّ رسول الله ﷺ رسولٌ إلى النّاس عامة وإلى المسلمين خاصة، (إنما) كافة مكفوفة تفيد الحصر.
﴿أَنَا﴾: ضمير منفصل يفيد التّوكيد والحصر.
стр. 3285
﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص، لكم: للمؤمن والكافر والإنس والجن للذكر والأنثى.
﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: نذير من الإنذار: وهو الإعلام مع التّحذير من العقاب والهلاك، مبين؛ أي: لكلّ واحد لكلّ عبد، وإنذاري واضح وكامل وبيّن شامل ولا يحتاج إلى من يُبيّنه (يوضحه).
وانتبه إلى قوله تعالى في نهاية الأمر: (نذير مبين) وأحياناً لا يذكر ذلك فيقول تعالى: (إن أنا إلا نذير) بدون (مبين) فالآية الأولى تأتي في سياق الدّعوة إلى الله والتّبليغ، والثّانية تأتي في سياق الوحي عادة كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: ١٢].
وفي هذه الآية لم يقل إنما أنا لكم بشير ونذير؛ لأنّ الآية جاءت في سياق منكري العذاب، فهؤلاء ليس لهم بشارة، ولذلك اقتصر على القول: نذير.
وقوله: إنما أنا لكم نذير مبين: أي إنما عليَّ البلاغ المبين فقط، ولست مسؤولاً عن هدايتكم وحسابكم، وما أنا عليكم بوكيل.
سورة الحج [٢٢: ٥٠]
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾:
﴿فَالَّذِينَ﴾: الفاء: للتفصيل، الّذين: اسم موصول يفيد المدح.
﴿آمَنُوا﴾: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الفرائض والنّوافل، وعملوا الصّالحات تشمل الأقوال والأفعال التي تضم شعب الإيمان.
﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاستحقاق.
стр. 3286
﴿مَّغْفِرَةٌ﴾: لما سلف من ذنوبهم وسيئاتهم، والمغفرة تعني: ستر الذنب بإيجاب التوبة، ثم المحو والعفو والثّواب لما فعلوه من حسنات.
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: كثير مبارك حلال، ويعني الجنة وغيرها، والرّزق يشمل المال والصّحة والعلم، والأهل والجاه والعمل والأخلاق وغيرها.
سورة الحج [٢٢: ٥١]
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِى آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾:
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذّم.
﴿سَعَوْا﴾: من السّعي: وهو السّير الدّؤوب بجد واهتمام.
﴿فِى آيَاتِنَا﴾: لإبطالها وتكذيبها، وقولهم: أنّها شعر وسحر وأساطير الأولين وإفك. وآياتنا تشمل الآيات القرآنية أو المعجزات أو الآيات الكونية.
﴿مُعَاجِزِينَ﴾: أي: للأنبياء والرّسل والمؤمنين، ويصدون النّاس عن دينهم وإظهار الحق، والمجادلة بالباطل وعدم السّماع لآيات الله والإعراض عنها، ويظنون أنّهم يعجزون ربهم. ومعاجزين: جمع معاجز: اسم فاعل من الفعل عَاجَزَ على وزن مفاعل، وعَاجَزَ: غير عجز؛ أي: لم يقدر عليه. عاجز: تعني: تحداه أو غالبه، والمعاجزة تحتاج إلى اثنين؛ أي: يظنون أنهم يعجزوننا؛ أي: يسبقونا فلا نقدر عليهم أو يفوتوننا بالهرب.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: أولئك: اسم إشارة يفيد البعد في المنزلة، أصحاب الجحيم (أصحاب) مشتقة من: الصّحبة، والصّاحب؛ أي: الملازم، الجحيم: اسم من أسماء النّار مشتقة من: الجحوم؛ أي: الاضطراب والتأجج فلا تخمد أبداً، وقيل: هي دركة من دركات النّار. فهم لا يفارقون جهنم ولا جهنم تفارقهم. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩) لمزيد من البيان.
стр. 3287
سورة الحج [٢٢: ٥٢]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِى أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما النّافية.
﴿أَرْسَلْنَا﴾: ولم يقل بعثنا، ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة للبيان والتّفصيل في معنى أرسلنا.
﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: من استغراقية.
﴿مِنْ رَسُولٍ﴾: من ابتدائية، رسول: الرّسول: من بُعث بشرع جديد، وكلّ رسول نبي وليس كلّ نبي رسولاً.
﴿وَلَا نَبِىٍّ﴾: تكرار لا: يفيد التّوكيد وفصل كلٍّ من الرّسول، من النّبي، أو كلاهما معاً.
والنّبي: من بُعث لتقرير شرع من قبله من الأنبياء والرّسل والعمل به، ولم يأت بشرع جديد. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٤) لمزيد من البيان عن الرّسول والنّبي.
﴿إِلَّا إِذَا﴾: إلا أداة حصر. إذا: شرطية تفيد حتمية الحدوث.
﴿تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِى أُمْنِيَّتِهِ﴾: تمنى: لها معنيين: الأول: بمعنى: قرأ وتلا من القراءة والتّلاوة؛ أي: يمكن للشيطان أن يتدخل في فهم الآيات والتّأثر بها ويضع الوسواس في عقول النّاس؛ ليصدّهم عن اتباع ما يقرأه ويتلوه النّبي ويوسوس لهم أنّه سحر، أو (تمنى) من التّمني المعروف، وهذا هو المعنى الثاني؛ كالقول: ليت كان كذا وليت لم يكن، وقد يقع على الماضي والمستقبل؛ فهو معنى في النفس، ويعني: المحبة، ولكن المحبة لا تقع إلا على المستقبل؛ أي: أحب الشّيء وتمنّاه، وهو تمنّيه إسلام كلّ فرد من أمته، فكلّ رسول أو نبي
стр. 3288
يتمنّى أن يؤمن كلّ أفراد قومه أو أمته، ويتمنّى أن يصدقوه ويؤمنوا بما جاء به، فيأتي الشّيطان فيوسوس في صدور بعض النّاس أو أكثر النّاس، ويزين لهم ويعمل على إغرائهم، ليصدّهم عن اتباع النّبي وعن الإيمان والدّخول في دين الله، أو يمنع نفوذ القرآن إلى قلوب النّاس ويضع العراقيل والعقبات في دعوة الرّسل والأنبياء؛ حتّى لا يتم للنبي أو الرّسول ما يتمنّاه من إيمان أفراد أمته؛ أي: يقف حائلاً بين الرّسول أو النّبي وما يتمنّاه.
﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ﴾ النسخ: هو الإزالة. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٠٦) لمزيد من البيان. يمحو الله سبحانه ويزيل كلّ ما يلقي الشّيطان في كتاب الله من تبديل وتحريف أو باطل، فلا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا خلفه، وينسخ الله؛ أي: يزيل من قلوب المؤمنين الشّك والرّيبة، ويثبت الله سبحانه آياته في قلوب الّذين آمنوا، فتصبح وساوس الشّيطان أو ما يلقيه الشّيطان إليهم لا قيمة له ولا وزن.
﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾: ثمّ للترتيب الذّكري، يُحكم الله آياته: أي: يجعلها محكمة غير منسوخة، فلا يصيبها تبديل ولا تحريف.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: عليم بأفعال الشّيطان وأحواله وأقواله، وعليم بأحوال النّاس وأقوالهم وأفعالهم وبما أوحى إلى رسله، ويعلم ظواهر الأمور وبواطنها، حكيم: من الحكمة والحكم، فهو سبحانه أحكم الحاكمين وأحكم الحكماء في خلقه وشرعه وأفعاله وكونه. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لبيان معنى حكيم.
стр. 3289
سورة الحج [٢٢: ٥٣]
﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾:
﴿لِّيَجْعَلَ﴾: اللام: لام التّعليل.
﴿مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: قال تعالى في الآية السّابقة: فينسخ الله ما يلقي الشّيطان. والنّسخ هو: الإزالة، كما بينّا في الآية السّابقة.
وفي هذه الآية يقول: (ليجعل ما يُلقي الشّيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم)، فيكون المعنى: فينسخ الله ما يلقي الشّيطان؛ أي: من قلوب الّذين آمنوا؛ لأنّهم أصلاً لا يتبعون خطوات الشّيطان ولا وساوسه ولا إغواءه، فالله سبحانه يساعد هؤلاء على إلغاء كلّ ما يلقي الشّيطان في قلوبهم.
أمّا بالنّسبة للذين في قلوبهم مرض؛ أي: المنافقين والقاسية قلوبهم، فهؤلاء يجعل؛ أي: يترك الله سبحانه ما يلقي الشّيطان في قلوبهم فتنة لهم، وليكون عليهم حجة، وهذه الفتنة ليبين لهم المؤمن من المنافق والصّادق من الكاذب، فالفتنة قد تكون خيراً إذا فازوا بالاختبار وشراً لهم إذا استمروا في غيّهم وضلالهم، للذين في قلوبهم مرض: أي المنافقين، والقاسية قلوبهم: من الأعراب أو كفار اليهود والنّصارى وغيرهم من النّاس.
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: إنّ للتوكيد، الظالمين: المشركين أو الكافرين، لفي: اللام تفيد التّوكيد أيضاً، شقاق بعيد: في عداوة وخلاف دائم وعناد وعصيان مستمر لله ورسوله، وبُعد عن الحق والصّواب، من الصّعب الرجوع عنه. ارجع إلى سورة البقرة آية (٣٥) لبيان معنى الظالمين.
стр. 3290
سورة الحج [٢٢: ٥٤]
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾:
هذه هي العلة الثّانية لماذا لم ينسخ الله كلّ ما يلقيه الشّيطان؟ العلة الأولى: كانت لفتنة الّذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، والعلة الثّانية: وليعلم الّذين أوتوا العلم أنّه الحق من ربك فيؤمنوا به
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: اللام للتوكيد، الّذين أوتوا العلم: هم المؤمنون وهم أهل القرآن والتوحيد.
﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: لأنّه سبحانه نسخ كلّ ما ألقى الشّيطان ولم يسمح لأيِّ مخلوق أو كائن مهما كان أن يتدخل في كتابه العزيز، فلا يجدون فيه تحريفاً ولا زيغاً ولا تبديلاً، فيعلمون بذلك أنّه الحق من ربهم؛ أي القرآن والحق هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل أبداً منذ نُزّل على قلب رسوله محمّد ﷺ .
﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾: أي: بالله وبكتابه، أي: يزداد إيمانهم بالله وبكتابه العزيز.
﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، تخبت: تطمئن قلوبهم له أو تلين وتسكن وتخشع.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: إنّ للتوكيد، واللام في كلمة (لهاد) لزيادة التّوكيد، هاد الّذين آمنوا: دالٌّ ومعينٌ، إلى صراط مستقيم: هو الإسلام دين الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمّد: ١٧].
سورة الحج [٢٢: ٥٥]
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو استئنافية، لا النّافية.
стр. 3291
﴿يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾: المِرية: هي الجدال والشّك بعد ظهور الحق.
لا يزال: أي سيبقى ويستمر الّذين كفروا يجادلون في القرآن وآياته، والملحدون في مرية في وجود الخالق من بعد ما تبيّن أنّه الحق من ربك، ولا يؤمنون به، وفي مِرية منه؛ أي: من القرآن أو الخالق أو الرسول حتّى تأتيهم السّاعة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم.
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: حتّى: حرف نهاية الغاية، تأتيهم السّاعة بغتة: فجأة بدون سابقة إنذار، السّاعة ساعة تهدّم النّظام الكوني الحالي، أو ساعة موتهم، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم.
﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: كيوم بدر أو يوم القيامة، وسمّي بهذا الاسم (يوم عقيم)؛ لأنّه لا رحمة فيه ولا خير ولا فرج للكافرين والمشركين، أو لكونه لا يأتي يوم بعده أو ليس له ليلة.
ويوم عقيم كيوم بدر (غزوة بدر) ووصف بالعقيم؛ لأنّ كثيراً من النّاس يُقتلون فيه فتصبح أمهات هؤلاء الّذين يُقتلون كأنهنّ عقيمات لم يلدن (لأن أولادهن قُتلوا وماتوا).
стр. 3292
سورة الحج [٢٢: ٥٦]
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِى جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾:
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾: الملك: الحكم يومئذ (يوم القيامة) لله وحده، فهو الحاكم والمالك، وهو مالك الملك في الدّنيا والآخرة سبحانه.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: بين النّاس وبني الأمم وبين الرّسل وأممهم، وبين الظّالم والمظلوم، ولا يحتاج إلى بينة ولا شهود؛ لأنّه سبحانه على كلّ شيء شهيد.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِى جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: الفاء للتفصيل، الّذين آمنوا وعموا الصّالحات: ارجع إلى الآية (٥٠) من السّورة نفسها. في جنات النّعيم: جنات الفردوس وعدن والمأوى. ارجع إلى سورة يونس آية (٩) لبيان معنى جنات النعيم.
سورة الحج [٢٢: ٥٧]
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾:
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذّم.
﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: جمعوا بين الكفر والتّكذيب ولم يؤمنوا أو
стр. 3293
يصدقوا بآياتنا القرآنية أو الكونية، أو المعجزات الّتي أرسلت إلى رسلهم، الباء للإلصاق والمصاحبة.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد، أولئك: اسم إشارة يفيد البعد عن رحمة الله تعالى.
﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: عذاب أمام الخلق فيه الذّل والإهانة.
سورة الحج [٢٢: ٥٨]
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾:
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿هَاجَرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: تركوا ديارهم وأموالهم في سبيل الله؛ أي: ابتغاء مرضاة الله كهؤلاء الّذين هاجروا من مكة إلى المدينة.
﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾: ثمّ للترتيب الذّكري العددي، قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فُرشهم دون جهاد؛ لأنّهم هاجروا في سبيل الله.
﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾: ليرزقنهم: اللام والنّون للتوكيد وزيادة التّوكيد، ليرزقنهم الله عوضاً عمّا فاتهم وما تركوه خلفهم من مال وأهل، رزقاً حسناً: الرّزق الحسن هو الرّزق الدّائم الّذي لا ينقطع، وقيل: هو الجنة، وقيل: الرّزق الحسن: هو ليدخلهم مدخلاً يرضونه.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: إنّ للتوكيد، لهو: اللام للتوكيد
стр. 3294
أيضاً، خير الرّازقين: جمع رازق كون العبد يوصف بأنّه رزاق هو من فضل الله على عبده ورحمته وكرمه، فهو سبحانه يصفه بما يصف به ذاته، ولكنه سبحانه هو الرزاق الحقيقي والدائم؛ فهو خير من يرزق وهم يرزقون من رزقه فسبحانه ما أكرمه.
سورة الحج [٢٢: ٥٩]
﴿لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾:
﴿لَيُدْخِلَنَّهُم﴾: اللام للتوكيد، والنّون في (يدخلنهم) لزيادة التّوكيد، والضّمير (هم) يعود على الّذين هاجروا في سبيل الله، ثمّ قتلوا أو ماتوا.
﴿مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾: أي: الجنة، وأيُّ مُدخل أفضل من ذاك المُدخل، يرضونه: الرّضا هو القناعة وما تبغي النّفس، والمدخل: يمكن أن يكون؛ أي: المكان، فيدخلون مدخلاً، أو يمكن أن يكون مصدراً؛ أي: ليدخلنهم إدخالاً يرضونه.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ للتوكيد.
﴿لَعَلِيمٌ﴾: اللام للتوكيد، عليم: صيغة مبالغة من: عالم؛ أي: كثير العلم بكلّ أحوال خلقه وكونه، عليم بما يستحق كلّ إنسان من ثواب وعقاب. وعليم بمن هاجر ومن جاهد في سبيله، وعليم بنياتهم وأحوالهم، ومن مات ومن قتل.
﴿حَلِيمٌ﴾: لأنّه لا يعجل له العقوبة أو العذاب لعباده؛ لعلهم يتوبون إليه ويستغفرونه فيغفر لهم ذنوبهم ويتجاوز عن سيئاته. وحليم بمن لم يهاجر ويجاهد في سبيله.
стр. 3295
سورة الحج [٢٢: ٦٠]
﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة يشير إلى ما وعده الله سبحانه لمن هاجر في سبيله وقتل في سبيل الله أو مات، وتستعمل بعد إتمام المعنى والبدء أو الخوض في معنى آخر.
﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ﴾: من ابتدائية، عاقب بمثل ما عوقب به؛ أي: قاتل المشركين كما قاتلوه، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
﴿ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ﴾: أي: ظُلم أو أُجبر على الهجرة مثلاً، أو انتقموا منه؛ لأنّه قاتلهم، لينصرنه الله.
﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾: اللام: للتوكيد، والنّون في ينصرنه: لزيادة التّوكيد، والنصر يختص بالمونة على الأعداء، أو يكون بالحجة والدليل.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾: إنّ: للتوكيد، لعفو: اللام: للتوكيد؛ العفو: عدم العقوبة على الذّنب، غفور: صيغة مبالغة من: غفر؛ أي: كثير الغفران، ويعني: ستر الذّنب والعفو عنه، فلا يعاقب عليه ويثيب المغفور له على حسناته.
سورة الحج [٢٢: ٦١]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ﴾: ذلك: ذا: اسم إشارة، واللام: للبعد تستعمل بعد إتمام المعنى والبدء والخوض في معنى جديد أو آخر؛ أي: للبدء بآية جديدة.
следующие страницы →