Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
﴿يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾: المِرية: هي الجدال والشّك بعد ظهور الحق.
لا يزال: أي سيبقى ويستمر الّذين كفروا يجادلون في القرآن وآياته، والملحدون في مرية في وجود الخالق من بعد ما تبيّن أنّه الحق من ربك، ولا يؤمنون به، وفي مِرية منه؛ أي: من القرآن أو الخالق أو الرسول حتّى تأتيهم السّاعة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم.
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: حتّى: حرف نهاية الغاية، تأتيهم السّاعة بغتة: فجأة بدون سابقة إنذار، السّاعة ساعة تهدّم النّظام الكوني الحالي، أو ساعة موتهم، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم.
﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: كيوم بدر أو يوم القيامة، وسمّي بهذا الاسم (يوم عقيم)؛ لأنّه لا رحمة فيه ولا خير ولا فرج للكافرين والمشركين، أو لكونه لا يأتي يوم بعده أو ليس له ليلة.
ويوم عقيم كيوم بدر (غزوة بدر) ووصف بالعقيم؛ لأنّ كثيراً من النّاس يُقتلون فيه فتصبح أمهات هؤلاء الّذين يُقتلون كأنهنّ عقيمات لم يلدن (لأن أولادهن قُتلوا وماتوا).
стр. 3292
سورة الحج [٢٢: ٥٦]
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِى جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾:
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾: الملك: الحكم يومئذ (يوم القيامة) لله وحده، فهو الحاكم والمالك، وهو مالك الملك في الدّنيا والآخرة سبحانه.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: بين النّاس وبني الأمم وبين الرّسل وأممهم، وبين الظّالم والمظلوم، ولا يحتاج إلى بينة ولا شهود؛ لأنّه سبحانه على كلّ شيء شهيد.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِى جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: الفاء للتفصيل، الّذين آمنوا وعموا الصّالحات: ارجع إلى الآية (٥٠) من السّورة نفسها. في جنات النّعيم: جنات الفردوس وعدن والمأوى. ارجع إلى سورة يونس آية (٩) لبيان معنى جنات النعيم.
سورة الحج [٢٢: ٥٧]
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾:
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذّم.
﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: جمعوا بين الكفر والتّكذيب ولم يؤمنوا أو
стр. 3293
يصدقوا بآياتنا القرآنية أو الكونية، أو المعجزات الّتي أرسلت إلى رسلهم، الباء للإلصاق والمصاحبة.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد، أولئك: اسم إشارة يفيد البعد عن رحمة الله تعالى.
﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: عذاب أمام الخلق فيه الذّل والإهانة.
سورة الحج [٢٢: ٥٨]
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾:
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿هَاجَرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: تركوا ديارهم وأموالهم في سبيل الله؛ أي: ابتغاء مرضاة الله كهؤلاء الّذين هاجروا من مكة إلى المدينة.
﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾: ثمّ للترتيب الذّكري العددي، قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فُرشهم دون جهاد؛ لأنّهم هاجروا في سبيل الله.
﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾: ليرزقنهم: اللام والنّون للتوكيد وزيادة التّوكيد، ليرزقنهم الله عوضاً عمّا فاتهم وما تركوه خلفهم من مال وأهل، رزقاً حسناً: الرّزق الحسن هو الرّزق الدّائم الّذي لا ينقطع، وقيل: هو الجنة، وقيل: الرّزق الحسن: هو ليدخلهم مدخلاً يرضونه.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: إنّ للتوكيد، لهو: اللام للتوكيد
стр. 3294
أيضاً، خير الرّازقين: جمع رازق كون العبد يوصف بأنّه رزاق هو من فضل الله على عبده ورحمته وكرمه، فهو سبحانه يصفه بما يصف به ذاته، ولكنه سبحانه هو الرزاق الحقيقي والدائم؛ فهو خير من يرزق وهم يرزقون من رزقه فسبحانه ما أكرمه.
سورة الحج [٢٢: ٥٩]
﴿لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾:
﴿لَيُدْخِلَنَّهُم﴾: اللام للتوكيد، والنّون في (يدخلنهم) لزيادة التّوكيد، والضّمير (هم) يعود على الّذين هاجروا في سبيل الله، ثمّ قتلوا أو ماتوا.
﴿مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾: أي: الجنة، وأيُّ مُدخل أفضل من ذاك المُدخل، يرضونه: الرّضا هو القناعة وما تبغي النّفس، والمدخل: يمكن أن يكون؛ أي: المكان، فيدخلون مدخلاً، أو يمكن أن يكون مصدراً؛ أي: ليدخلنهم إدخالاً يرضونه.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ للتوكيد.
﴿لَعَلِيمٌ﴾: اللام للتوكيد، عليم: صيغة مبالغة من: عالم؛ أي: كثير العلم بكلّ أحوال خلقه وكونه، عليم بما يستحق كلّ إنسان من ثواب وعقاب. وعليم بمن هاجر ومن جاهد في سبيله، وعليم بنياتهم وأحوالهم، ومن مات ومن قتل.
﴿حَلِيمٌ﴾: لأنّه لا يعجل له العقوبة أو العذاب لعباده؛ لعلهم يتوبون إليه ويستغفرونه فيغفر لهم ذنوبهم ويتجاوز عن سيئاته. وحليم بمن لم يهاجر ويجاهد في سبيله.
стр. 3295
سورة الحج [٢٢: ٦٠]
﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة يشير إلى ما وعده الله سبحانه لمن هاجر في سبيله وقتل في سبيل الله أو مات، وتستعمل بعد إتمام المعنى والبدء أو الخوض في معنى آخر.
﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ﴾: من ابتدائية، عاقب بمثل ما عوقب به؛ أي: قاتل المشركين كما قاتلوه، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
﴿ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ﴾: أي: ظُلم أو أُجبر على الهجرة مثلاً، أو انتقموا منه؛ لأنّه قاتلهم، لينصرنه الله.
﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾: اللام: للتوكيد، والنّون في ينصرنه: لزيادة التّوكيد، والنصر يختص بالمونة على الأعداء، أو يكون بالحجة والدليل.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾: إنّ: للتوكيد، لعفو: اللام: للتوكيد؛ العفو: عدم العقوبة على الذّنب، غفور: صيغة مبالغة من: غفر؛ أي: كثير الغفران، ويعني: ستر الذّنب والعفو عنه، فلا يعاقب عليه ويثيب المغفور له على حسناته.
سورة الحج [٢٢: ٦١]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ﴾: ذلك: ذا: اسم إشارة، واللام: للبعد تستعمل بعد إتمام المعنى والبدء والخوض في معنى جديد أو آخر؛ أي: للبدء بآية جديدة.
стр. 3296
أي: ذلك نصر الله سبحانه لعباده المظلومين وهو آية من آيات قدرته وعظمته.
أيضاً كونه هو الّذي يولج الليل في النّهار ويولج النّهار في الليل، الولوج: الدّخول أو التداخل. من الناحية العلمية الولوج يعني: كروية الأرض ودورانها حول محورها وحول الشّمس، والذي يؤدي إلى تبادل الليل والنهار الضروريين لاستقامة الحياة على هذه الأرض. ومن النّاحية اللغوية يعني: تداخل الليل في النّهار والنّهار في الليل بحيث إذا طال أحدهما نقص الآخر، كما يحدث في فصلي الصيف والشتاء.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾: وأنّ للتوكيد، سميع: للأقوال والأصوات لا يخفى عليه شيء من قول أو نجوى أو سر أو أخفى من السّر، بصير: بالأفعال ويرى الأشياء ظاهرها وباطنها.
سورة الحج [٢٢: ٦٢]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة يشير إلى القدرة على إيلاج الليل في النّهار والنّهار في الليل، والبدء والخوض في معنى جديد بعد إتمام المعنى السّابق.
﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾: الباء باء التّوكيد أو السّببية والإلصاق، (هو) تفيد الحصر والتّوكيد، الحق: واجب الوجود وكلّ شيء ينسب إليه حقٌّ، فالمولج الليل في النّهار والنّهار في الليل هو الحق، الإله الحق الثّابت الّذي لا يتغير أو
стр. 3297
يتبدل، وبما أنّ الله هو الحق والحق هو الّذي يعلو ولا يُعلى عليه، فهو العلي الكبير.
﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾: أنّ: للتوكيد، ما: لغير العاقل، يدعون من دونه: يعبدون من دون الله سبحانه، هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿الْبَاطِلُ﴾: هو الزّائل، ما لا وجود له حقيقة؛ ويعني: الشّرك، والباطل يطلق على الكذب ويطلق على الإحباط كقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ ويطلق على الظّلم، ارجع إلى سورة الأنبياء الآية (١٨).
﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾: وأن للتوكيد، (هو) للتوكيد والحصر، العلي: علوّ الجلال والكمال والإطلاق، العلي سلطانه وقدرته وإحاطته بكلّ شيء، علوّ الذّات والصّفات والأسماء، الكبير: العظيم الشّأن الكبير في عظمته وكبريائه، فهو أكبر وأعلى وأعظم من كلّ شيء، ارجع إلى سورة الرّعد الآية (٩) للبيان.
ولنقارن هذه الآية (٦٢) وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾، مع الآية (٣٠) من سورة لقمان وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾.
نجد أنّ الاختلاف فقط بإضافة كلمة (هو) في سورة الحج للتوكيد؛ لأنّ السّياق في سورة الحج في الهجرة والقتل والموت والتّكذيب بالآيات وصراع أهل الباطل، أمّا السّياق في سورة لقمان فهو في اتباع ما أنزل الله تعالى أو اتباع
стр. 3298
الشّيطان، سياق جدال لإظهار الحق من الباطل، فهو أقل شدة وقوة؛ ولذلك أكد في سورة الحج بإضافة (هو) ولم يؤكد في سورة لقمان.
سورة الحج [٢٢: ٦٣]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام وتقرير.
﴿تَرَ﴾: رؤية بصرية ورؤية علمية؛ أي: ألم تعلم.
﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: أن: للتوكيد. من السماء: كل ما علا الإنسان يُعد سماء، فالسحب تسمى سماء؛ أي: من السُّحب الركامية. هذه الآية تشير إلى دوران الماء حول الأرض، والذي يتشكل من بخار الماء من البحار والمحيطات واليابسة بمقدار (٦٠٠، ٠٠٠ كم ٣) سنوياً، والذي تحمله الرياح ويشكل السُّحب الطباقية، والّتي تتراكم لتشكل السُّحب الركامية الّتي تنزل المطر بعد التّلقيح برياح أخرى.
﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، الأرض مخضرّة؛ أي: ذات خضرة بعد أن كانت هامدة يابسة، ثمّ اهتزت وربت بالماء وأنبتت من كلّ زوج بهيج، قال (فتصبحُ) بالضم بدلاً من فتصبحَ بالفتح؛ لأنّه سبقها استفهام بألم، فبذلك أثبت الاخضرار، أو عطف المضارع المستقبل (تصبح) على الماضي (أنزل) لحكاية الحال؛ أي: لاستحضار تلك الصورة الجميلة (الأرض مخضرة) والدالة على قدرة الله تعالى، وربما تدل على استمرار اخضرار الأرض لزمن طويل؛ يعني: أصبحت فبذلك أثبت الاخضرار، فالتربة تحوي ملايين الكائنات
стр. 3299
الخامدة أو الراكدة، وبمجرد نزول المطر تحيا هذه البذور وتنمو بامتصاص الغذاء الّذي أذابه الماء، فتمتصه بجذورها وتخرج السويقة ثمّ الأوراق الّتي فيها مادة اليخضور. ارجع إلى الآية (٥) من السّورة نفسها، وسورة الأنعام آية (٩٩) لمزيد من البيان.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾: إنّ للتوكيد.
لطيف: اللطيف؛ يعني: يعلم أدق الأشياء والأمور والمخلوقات الّتي يصعب رؤيتها بأيِّ وسيلة ومهما لطفت؛ أي: صغرت ودقّت يعلم أماكنها وأحوالها وأسرارها أينما كانت ووجدت، وهو سبحانه لا تدركه الأبصار؛ لأنّه لطيف يصل علمه إلى كلّ خفي أو ظاهر. لطيف بعباده يبرّهم ويحسن إليهم.
لطيف: لها معانٍ عدَّة منها: أنّه يعلم أدقّ وألطف المخلوقات أو الأشياء والأمور مهما دقّت وصغرت، والّتي يصعب رؤيتها بالعين وتناهت في الصغر يعلم أين توجد وكيف يجدها، ويعلم أسرارها وأحوالها وأماكنها.
خبير: يعلم بواطن الأمور وظواهرها، وذوات الصّدور، خبير بمصالح العباد وبالمقادير.
سورة الحج [٢٢: ٦٤]
﴿لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾:
﴿لَهُ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: له وحده سبحانه ما في السّموات وما في الأرض.
﴿مَا﴾: لغير العاقل والعاقل.
стр. 3300
﴿فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: في ظرفية، السّموات السّبع؛ أي: السّموات نفسها وما تضم من مخلوقات من ملائكة مقربين وغير مقربين، ما في السّموات من كواكب ونجوم وأفلاك ومجرات وما فيها من شموس وأقمار، وما في الأرض؛ أي: الأرض وما تضم من كنوز وبحار وجبال وأشجار وحدائق وإنس وجنّ ورياح وسُحب، وتكرار كلمة (ما في) لأنّ هناك أشياء أو مخلوقات في السّموات لا توجد على الأرض وبالعكس.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾: إنّ للتوكيد، واللام في (لهو) لزيادة التّوكيد، وللواو هنا دلالة كبرى فهي تفيد التّكثير من غناه، ومعنى ذلك: ولو ذهب ملك السّموات وملك الأرض سيبقى هو الغني المطلق لا أغنى منه.
الغني: عن كلّ ما سواه، ولا يحتاج إلى شيء، ويغني من يشاء من غناه.
الحميد: من الحمد، المحمود بحق في كلّ الأحوال في الغنى والفقر، المحمود لذاته ولصفاته ولأفعاله، الحميد وله الحمد على خلقه وشرعه وقدره وقضائه، يحمده كلّ من في السّموات والأرض؛ لأنّه هو المستحق للحمد لفضله وإحسانه وكرمه وعطائه.
стр. 3301
سورة الحج [٢٢: ٦٥]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِى الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الهمزة للاستفهام والتّقرير، ترَ: الرّؤية هنا رؤية قلبية وعلمية وبصرية؛ أي: ألم ينتهِ علمك أو تفكر.
﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِى الْأَرْضِ﴾: أنّ: للتوكيد، (سخر لكم) أيها النّاس سخر؛ أي: ذلَّل لكم، وهيَّأ لكم الأرض للعيش عليها، وذلك بخلق الجبال وعوامل التّعرية وشقّ الفِجاج والسُّبل. ما: تشمل كلّ شيء ما في الأرض في ظاهرها وفي باطنها، من ثمار وزروع وطاقة ومعادن وبترول وكنوز؛ للانتفاع بها وللدلالة على رحمته بكم وقدرته وعظمته.
﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾: السّفن والفلك (جمع أو مفرد)؛ أي: هو سبحانه الّذي جعل لماء البحر صفات كيميائية وطبيعية تشكّل ما يسمى: ظاهرة التوتر السطحي، الّتي تمثل شدة تماسك جزيئات الماء مع بعضها البعض؛ لتساعد على حمل هذه الفلك العملاقة القادرة على حمل ملايين الأطنان، تجري في البحر لنقل الرّكاب والبضائع، تجري بتسخيره وتسييره من بلد إلى آخر، فتتم التّجارات، وتبادل الحوائج والمنافع ويحصل التّعاون كما قال تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْفُلْكَ فِى الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الإسراء: ٦٦].
﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: يُبقي السّماء بما فيها من
стр. 3302
كواكب ونجوم وشموس وأقمار مترابطة بنظام الجاذبية والقوى النووية بنظام دقيق كلٌّ يجري في مداره الخاص الثّابت، ولو شاء الله لأذن للسماء أن تسقط على الأرض فيهلك كلّ من في الأرض، ولكن من رحمته ورأفته بالنّاس يبقي قوانين الجاذبية قائمة بدون أي تغيير. فلا تصطدم الكواكب ببعضها وتسقط على الأرض فتدمرها.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ﴾: إنّ للتوكيد، بالنّاس: الباء للإلصاق، ولولا رحمته لما شعرتم بالأمن والاستقرار.
﴿لَرَءُوفٌ﴾: اللام للتأكيد، رؤوف: الرّأفة من الرّحمة، ورؤوف بالنّاس: لا يحمّلهم ما لا يطيقون. ارجع إلى سورة النّحل آية (٤٧) لمزيد من البيان.
﴿رَحِيمٌ﴾: لأنّه يمسك السّموات أن تقع على الأرض، ولأنّه يُزجي الفلك في البحر، ولأنه سخّر لكم ما في السّموات والأرض جميعاً منه. بالمؤمنين رؤوف رحيم.
سورة الحج [٢٢: ٦٦]
﴿وَهُوَ الَّذِى أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾:
﴿وَهُوَ الَّذِى﴾: هو: ضمير منفصل للحصر والقصر.
﴿أَحْيَاكُمْ﴾: في الأرحام بنفخ الرّوح، ثمّ يخرجكم طفلاً.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾: عند انتهاء آجالكم، (ثمّ) تفيد التّرتيب والتّراخي في الزّمن.
﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾: عند البعث للحساب والجزاء، أليس ذلك بكافٍ لتؤمنوا به وحده؟
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾: إنّ واللام في (كفور) تفيدان التّوكيد، لكفور:
стр. 3303
جاحد لنعم ربه، كفور: صيغة مبالغة من: كافر: كثير الكفر؛ كفر إيمان وعقيدة وكفر لنعمه، والكفر يعني: السّتر. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٥١) وكما بيّن في سورة النّحل آية (٨٣) ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
سورة الحج [٢٢: ٦٧]
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِى الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾:
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: جماعة من النّاس تجمعهم عقيدة ما بغضِّ النّظر عن الحيز الجغرافي والعدد.
﴿جَعَلْنَا﴾: صيّرنا.
﴿مَنْسَكًا﴾: المنسك: كلّ ما يتقرّب به إلى الله من شريعة ومنهاجاً للعبادة، وشاع استعمال المناسك في أعمال الحج، منسكاً: من مَنْسَك: بفتح السّين بمعنى: الأفعال كالطّواف والسّعي والذّبح والرّمي، مَنْسِك: بكسر السّين: المكان الّذي تقام عندها الأفعال مثل: الكعبة وعرفات ومنى والصّفا والمروة والحجرات.
والمناسك: هي أعمال الحج الّتي تؤدّى في أمكنة محددة معينة وأزمان محددة.
﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾: هم: للتوكيد، ناسكوهُ: يتعبدون به أو يتقربون به إلى الله تعالى.
﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِى الْأَمْرِ﴾: الفاء: للتوكيد، لا النّاهية، والنّون في (ينازعنك) للتوكيد، والخطاب موجّه إلى رسول الله ﷺ .
﴿فِى الْأَمْرِ﴾: في الدّين أو الأحكام؛ أي: فلا ينازعنّك، والنزاع: هو الخصام والجدال؛ أي لا ينازعنّك المشركون في أمر الذبائح حين قالوا: كيف تأكلون ما
стр. 3304
قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؛ أي: الميتة؟! فلا تنازعهم ولا ينازعونك ولا تتبع أهواءهم.
﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾: دين ربك وعبادته وتوحيده والإخلاص له.
﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾: لعلى: اللام للتوكيد، على هدى مستقيم: دين الحق؛ أي: الإسلام، الدّين القيّم السّوي الموصل إلى الغاية بأقصر السّبل وأيسرها، (على) تفيد العلوّ والثّبات.
سورة الحج [٢٢: ٦٨]
﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة.
﴿جَادَلُوكَ﴾: من الجدال: هو الحوار الّذي يحدث بين طرفين، أو عدة أطراف، ويكون لإظهار حُجة، أو لدفع شبهة أو إثبات حق، والجدال أشد من الحوار حدّةً ومخاصمةً؛ أي: جادلوك بعدما تبيّن لهم الحق في أمر الذّبائح أو أمر من أمور الدّين، وبعد أن حاولت تجنّبهم ومنازعتهم وأبوا إلا أن يجادلوك عندها فقل لهم: الله أعلم بما تعملون.
﴿فَقُلِ اللَّهُ﴾: أي: ردّهم إلى الله سبحانه.
﴿أَعْلَمُ﴾: صيغة مبالغة ولم يقل عالم بل: أعلم؛ أي: يعلم كلّ نواياكم وأعمالكم.
﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: الباء للإلصاق والحجة، ما: اسم موصول بمعنى الّذي وأوسع شمولاً من الذي، أو مصدرية: أعلم بأعمالكم، تعملون: تضم الأقوال والأفعال، وفي الآية نوع من الوعيد.
стр. 3305
سورة الحج [٢٢: ٦٩]
﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾:
لاحظ قوله تعالى: يحكم بينكم، ولم يقل يحكم بيننا وبينكم. هذا يدل على أنّ الجدال أو الخلاف القائم بينهم وبين رسول الله ﷺ سيتوقف؛ لأنّه على الحق وهم على الباطل، ولأنّه أمر رسوله بالإعراض عنهم وردّهم إلى الاحتكام إلى الله وحده سبحانه، كما في الآية السّابقة، وتدل على أنّ الخلاف بينهم سيستمر حتّى يحكم الله بينهم يوم القيامة في الأمور الّتي اختلفوا فيها؛ لأنّهم اتبعوا الهوى والباطل، ولو اتبعوا ما أنزل الله لما حدث الاختلاف.
﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي يقضي بينكم (الحكم هنا يعني القضاء) وليس الفصل؛ لأنّ الحكم يستعمل بين أفراد الأمة الواحدة، كما هو الحال في هذه الآية، والفصل يكون بين الأمم المختلفة أو بين الأنبياء والأمم، والفصل: يعني الحكم بأن يذهب فريق إلى الجنة وفريق إلى السّعير. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٦٢) لمزيد من البيان.
﴿فِيمَا كُنتُمْ﴾: في الدّنيا.
﴿فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: من أمور الدّين، وهذا أدب ومنهاج يعلّمه الله سبحانه لعباده كيف يردّوا على من يجادلهم في أمور دينهم، وما ينبغي من جداله إلا إضاعة الوقت وعدم الاستماع إلى الحق، والسّمعة والرّياء بعدم مناظرته والابتعاد عنه والقول له: الله أعلم بما تعمل.
سورة الحج [٢٢: ٧٠]
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِى كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: استفهام يراد به التّقرير، أسلوب من أساليب البيان. الله سبحانه هو المتكلم وهو يخبر بذلك، ولكن الله
стр. 3306
يريد أن يكون الخبر من المخاطب وليس منه، ويكون إقراراً من العبد ليكون حُجة على العبد.
الهدف من ذكر هذه الآية هنا: أنّها تحمل الوعد والوعيد، الوعيد بالشّر للذي يجادل في أمور الدّين والآيات بعدما تبيّن له الحق، وهذا يسمى المِراء، والوعد بالخير للذي هو على هدى مستقيم، وما دام الله سبحانه سيحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون، فاطمئنوا إلى حكمه سبحانه؛ لأنّه سبحانه يعلم ما يجري ويحدث في السّماء والأرض ولا يحتاج إلى شهود ولا أيّ أدلة، والحاكم يجب أن يكون على علم، فهو سبحانه يعلم ما في السّماء والأرض وكلّ صغيرة وكبيرة، حتّى الورقة حين تسقط يعلمها ويعلم مستقرها ومستودعها، وهو أعلم: صيغة مبالغة على وزن (أفعل) لا أعلم منه سبحانه.
﴿إِنَّ ذَلِكَ فِى كِتَابٍ﴾: إنّ: للتوكيد، ذلك: اسم إشارة يشير إلى ما تعملون وتجادلون وتختلفون فيه، في كتاب: أي مدوّن في كتاب أعمالكم وفي اللوح المحفوظ، معلوم لله سبحانه أزلاً من قبل أن تُخلقوا ومن قبل أن تفعلوه، ومجيء الأشياء يكون حسب ما كتبه الله سبحانه سابقاً في اللوح المحفوظ، فالذي كتب الشّيء قبل أن يكون ثمّ جاء الشّيء موافقاً لما كتب، أكبر دليل على علمه سبحانه وإحاطته بكلّ شيء، وكتابة أعمالكم من قبل الملائكة؛ لتكون حجة عليكم يوم القيامة، ولكي تقرأ كتابك بنفسك كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤].
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: إن: للتوكيد. ذلك: اسم إشارة يشير إلى الكتابة والحفظ، والإحاطة وعلمه، كلّ ذلك على الله يسير، وليس هناك شيء صعب ولكن في تقديركم صعب وبالنّسبة له يسير، وإنما يذكر ذلك ليقرّبه إلى عقولنا، فالكل على الله يسير.
стр. 3307
سورة الحج [٢٢: ٧١]
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾:
المناسبة: بعد ذكر (لكلّ أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه) أي: منهجاً واضحاً كيف يعبدون الله وحده ويتقرّبون إليه، ألا تعبدوا إلا الله وحده، استمرّ بعضهم يعبدون غير الله، وجاء بصيغة المضارع يعبدون؛ لتجدّد عبادتهم واستمرارهم على الشّرك بدلاً من القول: وعبدوا من دون الله.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ﴾: غير الله؛ أي: الأصنام والأوثان وغير ذلك.
﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: ما: اسم موصول؛ أي: الّذي، و (ما) أوسع شمولاً من (الذي). ويعبدون الّذي لم ينزل به أيُّ دليل أو برهان في الكتاب أو الوحي، أو يجبرهم على ذلك بسلطان القوة والقسر.
﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: أي: وما ليس لهم به من علم، أو اجتهاد مستنبط من نص قاطع أو ظني أو علم استدلال، وتكرار (ما) لتأكيد النّفي وفصل العلم عن السلطان أو كلاهما.
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾: ولم يقل: وما للظالمين من أنصار؛ ما للنفي، للظالمين: لام الاختصاص، والاستحقاق، للظالمين: للمشركين، جمع ظالم: والظالم هو كلّ من يخرج عن منهج الله هو ظالم لنفسه. من ابتدائية استغراقية، نصير: أي: ناصر أو معين: من يشفع لهم أو يدفع عنهم العذاب أو يكون عليهم وكيلاً. من نصير: من: استغراقية، نصير: صيغة مبالغة أقوى من ناصر، وتعني: الظالمين بالشرك وأنواعه. وما للظالمين من أنصار: تعني: الظالمين بأمور غير الشرك. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٧٠) للبيان.
стр. 3308
انظر إلى قوله في سورة الحج الآية (٧١): ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقوله في سورة الزّخرف الآية (٢٠): ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.
الآية في سورة الحج: جاءت في سياق عبادة الأصنام الأوثان، والذين عبدوها عندهم شيء من العلم ولكنه علم قليل.
الآية في سورة الزّخرف: جاءت في عبادة الملائكة؛ أي: في سياق هؤلاء من عبدوا الملائكة وقالوا: إنّها إناث ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ [الزخرف: ٢٠]. هؤلاء ليس عندهم أدنى أو أقل علم، فهم أغبياء جداً يحتاجون إلى مقدار كبير من العلم، فقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ آكد وأقوى من قوله تعالى: ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، ولذلك قال: (إن هم إلا يخرصون)؛ لأنّ هؤلاء أوّلاً أشركوا بالله، وثانياً افتروا على الله الكذب بالقول: لو شاء الله ما عبدناهم، وثالثاً: زعموا أنّهم يعلمون الغيب بالقول: إنّ الملائكة إناث.
سورة الحج [٢٢: ٧٢]
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾: وإذا: الواو عاطفة، إذا: ظرف زماني متضمن معنى الشّرط، ويفيد الحتمية أو كثرة الوقوع. تتلى عليهم آياتنا بينات: إذا سمعوا آيات الله تتلى عليهم من رسول الله أو الصّحابة. (ارجع إلى الآية (٤٣) من سورة سبأ): ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. عليهم؛ أي: الّذين يجادلون في آيات الله.
﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ﴾: تظهر الكراهية على وجوههم (بالغضب أو الانفعال أو العبوس)، المنكر: هنا يعني الإنكار: إنكار ما يسمعون؛ أي: عدم تصديقه واتباعه.
стр. 3309
﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾: يكادون: من: كاد وهو من أفعال المقاربة (لمقاربة حصول الفعل)؛ أي: قارب الحصول ولم يحصل، يَسطون من: السّطو: وهو الفتك والبطش؛ أي: يبسطون إليهم أيديهم بالسّوء من شدة الغيظ والعنف، وأصل السّطو: القهر؛ أي: يكادون يبطشون ويفتكون بقتل هؤلاء الّذين يتلون آيات القرآن عليهم لهدايتهم وصلاحهم.
﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ ، الفاء: للتوكيد، الهمزة استفهامية وإنكار، أفأنبئكم: من النّبأ: هو الخبر العظيم، بشرٍّ: من الّذي تكرهون سماعه مثوبةً عند الله: مَنْ لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطّاغوت، (من ذلكم) ولم يقل من ذلك، من: ابتدائية (ذلكم) أعظم وآكد من (ذلك)، تستعمل للأمر العظيم أو العدد الكبير من الأمور.
قل لهم يا محمّد ﷺ : هل أنبئكم بشرٍّ مما تكرهون سماعه (من آيات الله).
النّار: نار جهنم.
﴿وَعَدَهَا﴾: الوعد: إذا أطلق يحمل معنى الخير، وإذا قُيّد يمكن أن يُحمل معنى الشر أو الخير، وهنا قُيّد فهو يحمل معنى الشر، وفيه معنى التهكّم والاستهزاء بهم.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بآيات الله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر.
﴿وَبِئْسَ﴾: فعل ذم؛ أي: قَبُح أو ساء.
﴿الْمَصِيرُ﴾: النّهاية والمرجع والمآل.
стр. 3310
سورة الحج [٢٢: ٧٣]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: نداء إلى كافة النّاس الجنِّ والإنس، والهاء للتنبيه، وياء النّداء: نداء تحدٍّ.
﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾: وضرب المثل يكون لإيضاح أمراً غير مفهوم أو غامض، والضّرب فيه معنى التهييج والتّأثير في نفس السّامع؛ لكي يصل ما يقوله ضارب المثل إلى أعماق نفس المستمع لعله يتأثر ويفكّر ويتدبّر فيما يقوله ضارب المثل.
ضُرب: بصيغة المجهول؛ لأنّ المهم هو المثل. ارجع إلى سورة النّحل آية (٧٤) لمزيد من البيان في معنى المثل.
﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾: أي: أنصتوا إليه وافهموه جيداً.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: إنّ للتوكيد، الّذين تدعون: تعبدون، من دون الله: من غير الله أو سوى الله، مثل الأصنام أو الأوثان، أو الأولياء أو عيسى أو عزير أو الملائكة أو الطاغوت، من: نزِّلت منزل العقلاء؛ وتعني الأصنام الّتي عبدوها وغيرها.
﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾: لن: لنفي المستقبل القريب أو البعيد؛ أي: لن يخلقوا ذباباً في المستقبل القريب أو البعيد، ذباباً: اسم جنس واحدته: ذبابة، يقع على الذّكر والأنثى، ولو: شرطية، اجتمعوا له: ولو تعاون واجتمع لهذه المهمة العلماء وغير العلماء ومن في الأرض، أو تضافرت جهودهم وكان
стр. 3311
بعضهم لبعض ظهيراً. هذا التّحدي استعمل كمثل وأصبحت الآية كمثل يراد به تحدي قدرة علماء الأرض قاطبة على خلق ذبابٍ مهما تقدموا في العلم أو اكتشفوا واخترعوا.
﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾: وإن: شرطية تفيد الاحتمال والشّك، يسلبهم الذّباب شيئاً بعد أن تحدّاهم بخلق ذبابٍ، وعلم سبحانه أنّهم لن يقدروا على ذلك، تحدّاهم بأقل من الخلق؛ وهو إعادة ما سلبهم الذّباب من طعام لا يستنقذوه منه: لا النّافية لكلّ الأزمنة، أي: لا يستطيع أحد أيضاً أن يُعيد ما أخذه الذّباب من طعام؛ لأنّ الله سبحانه أعطى القدرة لهذه الذبابة أن تفرز مادة من فمها مجرد أن تمتص أو تسلب أيَّ شيء هذه المادة المفرزة، لها القدرة على تحويل المادة المسلوبة إلى مادة أخرى تناسب معدة الذبابة قبل وصولها إلى معدتها ولم تعد نفس المادة الّتي سلبتها، ويستحيل إعادتها إلى أصلها، ومن هنا كان التحدي بأقل من الخلق.
﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾: إشارة إلى الإنسان غير القادر على استرجاع ما يسلبه الذباب.
﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: هي المادة الّتي سلبتها الذبابة: ضعُفت؛ لأنّها لم تبقَ على حالها الأصلية وتحولت إلى مادة ضعيفة، حيث أصبحت أقل تركيزاً وأسهل هضماً للذبابة، ولو كان الإنسان قادر على استرجاع ما سلبته الذباب لاسترجع شيئاً آخر غير المطلوب.
سورة الحج [٢٢: ٧٤]
﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾:
﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: ما: النّافية، قدروا الله حقّ قدره: ما عرفوا قدر الله تعالى، ما عظّموه وذكروه حقَّ ذكره، وعبدوه حقَّ عبادته، ولو عرفوا وعلموا عظمته وقدره ما عبد هؤلاء الّذين لا يستطيعون أن يخلقوا ذباباً ولا يستطيعون أن يستنقذوا ما يسلبهم الذّباب، وكذلك آلهتهم العاجزة أيضاً أن تخلق
стр. 3312
ذباباً ولا تستطيع إرجاع ما يسلبه الذّباب منهم، فالله سبحانه غني عنهم وعن آلهتهم؛ لأنّه سبحانه هو القوي العزيز.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾: إنّ للتوكيد، لقويٌّ: اللام للتوكيد، قويّ: لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء من خلق أو تدبير أو يفوته شيء، العزيز: الّذي لا يُغلب ولا يُقهر، والممتنع لا يناله أحد بسوء، فهو الإله الحق واجب الوجود الّذي يستحق أن يُعبد وحده ولا يُعصى؛ لأنّه هو القوي العزيز وغيره الضعيف العاجز.
سورة الحج [٢٢: ٧٥]
﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾:
﴿اللَّهُ يَصْطَفِى﴾: أي: يختار، وتقديم الفاعل على الفعل بدلاً من قوله يصطفي الله، قال: (الله يصطفي) يفيد الاختصاص؛ أي: هذا الفعل خاص بالله وحده وليس أنتم تختارون. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٤٤) لمزيد في معنى الاصطفاء والاختيار.
﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾: من: اسم جنس؛ أي: من جنس الملائكة رسلاً، لتبليغ الوحي وغيره، مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: أي: من جنس النّاس؛ أي: الأنبياء والرسل.
وتقديم (من الملائكة) (ومن النّاس) تفيد الحصر؛ أي: حصراً من الملائكة أو حصراً من النّاس.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾: إنّ: للتوكيد، سميع: لما يُقال، والسّمع متعلق بالأصوات والأقوال، بما في ذلك في السر والنجوى والعلن والخفاء.
﴿بَصِيرٌ﴾: متعلق بالأفعال؛ أي: بما يفعلُه خلقهُ، وبصير بما يجري في سمواته وأرضه لا تخفى عليه خافية.
стр. 3313
سورة الحج [٢٢: ٧٦]
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾:
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: أي: الرسل من الملائكة والنّاس الّذين اصطفاهم، يعلم أحوال الرسل والملائكة والرّسل من الناس، ما بين أيديهم: أي ما سيفعلونه ويقومون به، وقد تعني: ما قدّموه.
﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما فعلوه في الماضي، وما خلفهم قد تعني: ما هو قادم.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: تقديم (إلى الله) يفيد الحصر؛ أي: حصراً إلى الله ترجع الأمور؛ للفصل فيها وإصدار الحكم والحساب.
سورة الحج [٢٢: ٧٧]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد بتكليف جديد للذين آمنوا، استعمل فيها ياء النّداء، والهاء للتنبيه.
﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾: أي: صلُّوا؛ لأنّ ذكر الرّكوع والسّجود كناية عن الصّلاة.
﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾: من العبادة، ارجع إلى الآية (١٠٦) من سورة الأنبياء أو سورة النّحل آية (٧٤).
﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾: ارجع إلى الآية (٧٣) من سورة الأنبياء.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٥) من سورة البقرة.
في هذه الآية تدرّج من الأقل إلى الأكثر، الرّكوع ثمّ السّجود ثمّ العبادة ثمّ فعل الخيرات، وفي هذه الآية ترى عطف العام ـ وهو فعل الخيرات ـ على الخاص العبادة ومنها الصّلاة؛ للأهمية.
سورة الحج [٢٢: ٧٨]
﴿وَجَاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ
стр. 3314
وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾:
﴿وَجَاهِدُوا﴾: الجهاد نوعان:
١ - في الله: ويشمل جهاد النفس، والشيطان، والهوى، والظلم.
٢ - وفي سبيل الله: ويعني: القتال قتال الأعداء.
﴿فِى اللَّهِ﴾: في: للتعليل، في الله: خالصاً لوجهه؛ أي: من أجل رضاه ومعرفته حق المعرفة.
﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾: أي: جهاد النفس وكبحها عن المعاصي والوقوع فيه؛ جهاد الطاعة، طاعة أوامر الله واتباع الأخلاق الحميدة، ويشمل الجهاد لمعرفة الله، والعلم بأوامره وأحكامه أقصى ما استطعتم وكما أمركم وبيّن لكم، وتشريفاً لهذه الطّاعة، ولا ننسى جهاد النّفس والهوى هو الجهاد الأكبر.
﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾: (هو) ضمير فصل يفيد التّوكيد، يعود على الله.
اجتباكم: اصطفاكم لدين الإسلام واتباع ملة إبراهيم.
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: الحرج: يعني الضيق والمشقة في أيّ تكليف لا تقدرون عليه، (من) استغراقية تستغرق أيّ حرج مهما كان. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٨٦) للبيان.
﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾: شريعة إبراهيم ﵇، وهل إبراهيم هو أبَ هذه الأمة، نحن نعلم أنّ إبراهيم هو أبو إسماعيل، وإسماعيل ﵇ هو جد الرّسول، فيمكن القول: إنّ إبراهيم هو أبو هذه الأمة، وكما نعلم أنّ إبراهيم هو أبو الأنبياء الّذين جاؤوا بعده.
﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾: (هو) ضمير فصل للتوكيد تعود على الله
стр. 3315
سبحانه، هو الّذي سمّانا المسلمين من قبل في الكتب السّماوية السّابقة، أو في الأمم السّابقة، أو من قبل نزول هذا القرآن.
﴿وَفِى هَذَا﴾: (في) ظرفية، (هذا) الهاء للتنبيه، (ذا) اسم إشارة للقرب؛ أي: وفي هذا القرآن سمّاكم المسلمين أيضاً ـ كما قلنا ـ هو يعود إلى الله سبحانه وليس إبراهيم؛ لأنّ الأفعال السّابقة المذكورة في هذه الآية كلّها راجعة لله تعالى؛ لقوله: (هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدّين من حرج)، أمّا من قال: إنّ الضّمير يرجع إلى إبراهيم: قول ضعيف، رجّح ذلك بحجّة أنّ الضّمير يرجع إلى أقرب مذكور؛ أي: إبراهيم.
﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾: ليكون الرّسول محمد ﷺ شهيداً عليكم: اللام لام التّعليل، شهيداً عليكم: ولم يقل شاهداً عليكم، الشّهيد: صيغة مبالغة مقارنة بالشّاهد، ولذلك سمّى ربنا نفسه بالشّهيد. الشّاهد: يرى الشّيء أو الحادثة فيشهد بما يراه ويسمعه فقط، ولكن لا يعرف الملابسات والأسباب أو غيرها، أمّا الشّهيد: هو أكثر علماً من الشّاهد؛ يعلم خفايا الحادثة وكلّ صغيرة أو كبيرة. شهيداً عليكم؛ أي: على أمته شهيداً في الآخرة؛ أي: أنّه بلّغهم شرع الله، أو يشهد على أعمالهم.
﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: شهداء للأنبياء على أممهم يوم القيامة أنّهم قد بلّغوا رسالات ربهم، فيقول الله للأنبياء أو يقال لهم: من يشهد لكم؟ بعد أن تكذّبهم أممهم، فيقولوا: محمّد وأمته. فتقول الأمم: كيف عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله سبحانه لنا في كتابه وعلى لسان نبيه محمّد ﷺ فإذا أخبرنا الله سبحانه في القرآن بشيء، يكون أفضل مما لو رأيناه بأمِّ أعيننا أو رأيناه بعين اليقين.
﴿عَلَى النَّاسِ﴾: وليس شهداء للناس، (على) تعني الفوقية على أعمالهم الّتي سيُحاسبون عليها سواء كانت أعمالاً صالحة أو سيئة، وأمّا شهداء للناس؛ أي: تشهدوا لخير النّاس فقط، وهذا غير صحيح.
стр. 3316
كما روى أبو سعيد الخدري عن النّبي ﷺ قال: يجيء النّبي يوم القيامة ومعه الرّجل، ويجيء النّبي ومعه الرجلان، ويجيء النّبي ومعه أكثر من ذلك، فيقال لهم: أبلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال للنبي: أبلغتهم؟ فيقول: نعم، فيقال: من يشهد لك؟ قال: محمد وأمته، فيشهدوا أن الرسل قد بلغوا … إلى نهاية الحديث الّذي أخرجه البخاري والإمام أحمد والتّرمذي والنسائي وابن ماجه.
﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: يعود سبحانه إلى ذكر الصّلاة مرة أخرى، ففي الآية السّابقة قال: (يا أيها الّذين آمنوا اركعوا واسجدوا) كناية عن الصّلاة، فأقيموا الصّلاة بأركانها وشروطها وسننها، وخشوعها وأوقاتها والدّوام والمحافظة عليها؛ لأنّها الفريضة الملازمة للمؤمن، وعماد الدّين، وفيها تكرار الولاء لله سبحانه في اليوم خمس مرات، وبها يستمر ذكر الله.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: وذكر الزّكاة مع الصّلاة؛ لأنّها من أهم العبادات. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤٣) لمزيد من البيان في معنى الزكاة.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾: بالله: الباء للإلصاق والاستمرار، التجِؤوا إليه في جميع أموركم وحوائجكم، وتمسّكوا بدينه وشرعه وبكتابه وسنّة رسوله ﷺ .
﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: هو: للحصر والتوكيد؛ هو الرّب المتولّي أموركم والمدبّر شؤونكم وناصركم، وما دام هو مولاكم: فنِعم المولى ونِعم النّصير، الفاء: للتوكيد.
نِعم المولى ونِعم النّصير: تكرار فعل المدح (نعمَ) مرّتين؛ ليكون كلٌّ منهما منفصلاً عن الآخر؛ أي: له كمال الأمرين أو الصّفتين: الولاية والنّصر.
стр. 3317
سورة المؤمنون [٢٣: ١]
سورة المؤمنون
ترتيبها في القرآن السّورة (٢٣)، وترتيبها في النّزول السّورة (٧٤).
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾:
قبل البدء في تفسير سورة المؤمنون لا بد من النظر إلى الترابط الوثيق بين نهاية سورة الحج ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]؛ ففيه تكليف وطلب من المؤمنين، وحث لهم، ونداء بالقول: يا أيها الذين آمنوا ..... لعلكم تفلحون، ثم ابتدأ هذه السورة بوصفهم بالمؤمنين؛ أي: صفة الإيمان عندهم ثابتة (جملة اسمية)، والذين آمنوا جملة فعلية تدل على التجدد، وكأنه سبحانه طلب منهم الإيمان، وفعل الخير في نهاية سورة الحج؛ فهم قد استجابوا لربهم؛ فهم يقومون بالصلاة والزكاة، والابتعاد عن اللغو، وحفظ الفرج، وتأدية الأمانة، والمحافظة على الصلاة؛ فأصبحوا من المفلحين. انظر إلى قوله تعالى: لعلكم تفلحون في نهاية سورة الحج، وبداية سورة المؤمنون بالقول: قد أفلح المؤمنون، وختم سورة المؤمنون بالقول: إنه لا يفلح الكافرون؛ فإذا كانوا يرجون الفلاح في آية الحج فقد أكد لهم الفلاح في سورة المؤمنون بالقول: قد؛ أي: تحقق لهم الفلاح، وحصل لهم ما كانوا يرجوه، ثم انظر إلى نهاية سورة المؤمنون حيث قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق أي: التّوكيد لفلاح المؤمنين.
стр. 3318
﴿أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: المؤمنون الذين آمنوا الإيمان الخالص لله والذي ينطوي على توحيد الإلوهية والربوبية والأسماء والصفات؛ أي: لا فلاح من دون الإيمان. الفلاح: النّجاة من النّار والفوز بالجنة والبقاء السّرمدي في النّعيم، والفلاح يعني: إدراك البغية أو المطلوب، أفلح: بصيغة الماضي يفيد الثّبوت والتّحقق، المؤمنون: جمع مؤمن: هو المصدق بالله وبما أنزل الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يقل: الّذين آمنوا، المؤمنون جملة اسمية؛ أي: الّذين أصبح الإيمان صفة ثابتة لهم بينما الّذين آمنوا: جملة فعلية تدل على تجدُّد وتكرار إيمانهم، ارجع إلى سورة البقرة آية (٥) لبيان معنى الفلاح، ثمّ يذكر سبع صفات لهم ـ وهذا ما يسمَّى تفصيل بعد إجمال ـ وجاءت هذه الصّفات كصفات ثابتة لا تتغيَّر عندهم كقوله: خاشعون، فاعلون، حافظون ....
سورة المؤمنون [٢٣: ٢]
﴿الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول: يفيد المدح والتعظيم.
﴿هُمْ﴾: للتوكيد.
﴿فِى صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾: بدأ بالخشوع في الصلاة التي هي عماد الدين، وأهم ركن من أركان الإسلام، فهي تجمع في معناها وقيامها كل أركان الإسلام. في: ظرفية زمانية ومكانية تعني: الزمن ومكان صلاتهم، خاشعون: الخشوع هو التّذلل والتّواضع والخوف والسّكون وترك العبث، والخشوع يكون في القلب (تفرُّغ القلب) والجوارح مثل: البصر والسّمع وبقية الحواس وسكون الجسم، وخاشعون جمع خاشع وتعني: جملة اسمية تفيد أنّ الخشوع عندهم صفة ثابتة ولم يقل: يخشعون. وقدم الصلاة على الخشوع للاهتمام؛ لأن الصلاة بدون خشوع يقلل من أجرها؛ أي: ثوابها.
стр. 3319
وفي آيات أخرى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ سورة المعارج الآية (٢٣)، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ سورة المعارج الآية (٣٤)؛ أي: يحافظون على مواقيتها وعلى وضوئها وأركانها وسننها وآدابها. على: تعني: الإقبال عليها بجد ونشاط (على: تفيد الاستعلاء والجهد).
سورة المؤمنون [٢٣: ٣]
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ﴾: تكرار والّذين هم في كثير من الآيات يفيد التّعظيم والمدح لما يقومون به من الأعمال الصّالحة.
﴿عَنِ اللَّغْوِ﴾: اللّغو: هو كل باطل من كلام أو فعل أو ما لا خير فيه ولا فائدة من الكلام، وقيل: اللّغو قد يعني الشّرك أو الباطل (كما قال ابن عبّاس) والكذب والشتم وقيل: اللعب واللهو الّذي يُشغل عن واجب.
﴿مُعْرِضُونَ﴾: من الإعراض وهو تجنب الشّيء، أيْ: يتجنبون اللّغو وتجنب اللّغو أصبح صفة ثابتة لهم؛ لأن معرضون جملة اسمية تدل على الثبوت؛ أي: الترك التام، وتقديم اللغو عن الأعراض بدلاً من القول والذين هم معرضون عن القول تدل على الاهتمام.
سورة المؤمنون [٢٣: ٤]
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ﴾: العطف بالواو في صفة من هذه الصفات المذكورة في الآيات الخمسة للدلالة على الاهتمام بكل صفة من الصفات. ارجع إلى الآية السّابقة.
﴿لِلزَّكَاةِ﴾: اللام: للاختصاص؛ الزكاة تعني: زكاة المال وتطهير المال يكون بالصّدقة، وتعني: زكاة النّفس، أيْ: تطهيرها من الشّرك والدنس والمعاصي
стр. 3320
لقوله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشّمس: ٩ - ١٠]. وتقديم الزكاة على فاعلون للقصر؛ أي: لا يفعلون إلا الأعمال الصالحة والزكاة أولها.
﴿فَاعِلُونَ﴾: مؤدون. وفاعلون جملة اسمية تدل على الثّبوت والاستمرار. وفاعلون: أشمل وأعم من مؤدون؛ لتشمل كلا المعنيين أداء الزكاة والتزكية (تطهير النفس من الشرك). ارجع إلى سورة البقرة آية (٤٣) لمزيد من البيان.
سورة المؤمنون [٢٣: ٥]
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٣) و (٤) من نفس السورة.
﴿لِفُرُوجِهِمْ﴾: اللام لام الاختصاص، الفرج: هو سوءَة الرّجل والمرأة.
﴿حَافِظُونَ﴾:، أيْ: حفظ الفرج من الزّنى وما حرمه الله تعالى؛ أي: حافظون لها بالعفاف والتحصن قاصرون (الزواج) من الفاحشة. حافظون: جملة اسمية تفيد الثّبوت والاستمرار. واختار كلمة حافظون فيه بلاغة وبراعة في البيان فهي تشير إلى العفاف، وتشير إلى أنهم يحفظون أنفسهم من الآفات والأمراض الوخيمة الناتجة عن الزنى مثل الأمراض الزهرية والالتهابات الداخلية والعدوى والسرطانات.
سورة المؤمنون [٢٣: ٦]
﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾: غير ممسكين من قوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]؛ لأنّ الله سبحانه أحل لهم ذلك بعقد الزّواج.
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: وهذا لم يعد موجوداً الآن وهو حكم قائم، وإنما
стр. 3321
ليس له تطبيق الآن في زمننا، ولا يمكن لأحد أن يلغي أو يعطل حكم من أحكام الله.
﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾: من اتبع سبل الحلال وما أمر الله تعالى ورسوله، ولم يعتدي على أعراض الناس، فلا لوم عليه ولا حرج. ملومين من الناس، أو من نفسه، واللوم هو خطاب يُعبر فيه عن عدم الرضا عن عمل لم يكن متوقعاً من الملوم من قول أو فعل.
سورة المؤمنون [٢٣: ٧]
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾:
﴿فَمَنِ ابْتَغَى﴾: فمن شرطية، ابتغى: طلب.
﴿وَرَاءَ ذَلِكَ﴾: ذلك اسم إشارة يشير إلى الزّواج، أو ما ملكت اليمين.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد.
﴿هُمُ﴾: للتوكيد.
﴿الْعَادُونَ﴾: المتجاوزون لحدود الله ما أحل الله لهم، أو ما حرم الله؛ أي: المتعدون. وقوله هم العادون؛ أي: المتناهون في العداوة، أو في طليعة المعتدون للدلالة على المبالغة في الاعتداء فهم يعتدون على أنفسهم وعلى أزواجهم وعلى أعراض الناس، ويسببون انتقال الأمراض المعدية مثل الإيدز والزهري والايبولا … وغيرها. والعادون: تعني هناك معتدي ومعتدى عليه، فهذه الأفعال ضررها ليس مقصور على فرد وإنما يعم الأسرة وأعراض الناس والمجتمع، وفي الآية تحذير من تعدِّي ما أحل الله تعالى، أو الاقتراب مما نهى الله عنه.
стр. 3322
سورة المؤمنون [٢٣: ٨]
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾:
وكما أن عليه يصون ويحفظ فرجه عليه أن يحفظ الأمانة والعهد، فالأمانات والعهود والفروج مسؤول عنها.
﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾: اللام لام الاختصاص، الأمانات: جمع أمانة: أمانة للخلق وهي ما يكون لغيرك عندك من مال أو متاع أو حق أو وديعة وأمانة الخالق، وهي امتثال، أيْ: طاعة أوامر الله وتجنب نواهيه، أيْ: تأدية التّكاليف الشّرعية، والأموال المودعة والنذور والعقود والأيمان وغيرها، والأمانة أعم وأشمل من العهد.
﴿وَعَهْدِهِمْ﴾: العهد يضم الوعود والعقود والمواثيق والأيمان والنّذور. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٧). وقدم العام (الأمانة) على الخاص وهو العهد؛ لأن كل عهد أمانة.
﴿رَاعُونَ﴾: من الرّعي:، أي: الحفظ والتّنفيذ، أيْ: تأدية الأمانات إلى أهلها ويوفون بالعهد، وراعون هي صفة ثابتة لهم. وراعون: مشتقة من رعى (أي: الرعي)، أو الرعية؛ أي: تولى الأمر وتفقد رعيته أو غنمه بالحفظ والرزق والطعام والشراب.
سورة المؤمنون [٢٣: ٩]
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾:
والصلاة هي أمانة، بل أعظم الأمانات.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٣). في الآية (٢) قال تعالى: خاشعون وفي هذه الآية يحافظون، وهذا ليس تكراراً؛ لأنّ الخشوع غير المحافظة على الصّلاة.
﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾: الصلاة: اسم مصدر من فعل صلى، وفي سورة المعارج آية (٣٤) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ فما هو الفرق؟ الصلوات أعم من
стр. 3323
الصلاة، الصلوات الخمس مقارنة بالصلاة، وكلا الآيتين تتم الأخرى، فالواجب المحافظة على الصلاة سواء كانت واحدة أو خمس صلوات.
﴿يُحَافِظُونَ﴾:، أيْ: يؤدونها في أوقاتها ويحافظون تشمل الصّلوات الخمس والسّنن الرّاتبة وصلاة الجمعة والعيدين والجنازة وصلاة الوتر والتّهجد والضّحى، وتعني: عدم تأخير الصّلوات لآخر أوقاتها، بل المبادرة إليها في أوّل أوقاتها. وانظر كيف بدأ بالصلاة بالخشوع فيها، وختم بالصلاة والمحافظة عليها.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٠]
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد والكاف للخطاب، ويشير إلى هؤلاء الّذين جمعوا الصّفات السّبع السّابقة.
﴿هُمُ﴾: ضمير للتوكيد والقصر. الوارثون حقاً للفردوس، أو هم الوارثون الحقيقيون وليس غيرهم.
﴿الْوَارِثُونَ﴾: جمع وارث، وفي قوله الوارثون دلالة أنهم يستحقون الجنة كما أن للورثة حق مؤكد في الميراث، وماذا سيكون ميراثهم الجنة يرثونها برحمة من الله فضل ووصفهم بالوارثين؛ لأنّ الإرث هبة والجنة هبة ورحمة من الله تعالى وليس بعملهم.
سورة المؤمنون [٢٣: ١١]
﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
﴿يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾: الفردوس: أعلى الجنات درجة، فوقها عرش الرّحمن ومنها تنبع أنهار الجنة. ارجع إلى سورة الكهف آية (١٠٧) للبيان.
﴿هُمْ﴾: للتوكيد.
﴿خَالِدُونَ﴾: الخلود: هو استمرار البقاء من وقت يبدأ حين دخولهم الجنة، باقون على حالتهم من دون تحول أو تغيُّر، خالدون من دون موت وخالدون في النّعيم.
стр. 3324
سورة المؤمنون [٢٣: ١٢]
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾: الخلق: الإيجاد والتّقدير، الإنسان: اسم جنس والإنسان كلمة مشتقة من الإنس: الألفة والمحبة، ومن كونه يُرى، أيْ: ظاهر غير مختفٍ بخلاف الجن.
﴿مِنْ﴾ ابتدائية.
﴿سُلَالَةٍ﴾: السلالة: قيل: هي أجود ما في الشّيء، أو ما استل من الطّين ومن المعادن وهي (١٦) عنصراً وغيرها.
﴿مِنْ طِينٍ﴾: من لبيان الجنس، طين: تراب + ماء، من سلالة من طين:، أيْ: من أجود عناصر التّربة والماء، وقد ثبت علمياً أنّ العناصر المكونة للإنسان هي قسم من العناصر المكونة للتربة هي (١٦) عنصراً من أصل (١١٣) عنصراً من العناصر أو المعادن الّتي تشكل التّربة واكتشفها العلم، منها: الصّوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والحديد والنّحاس والماغنزيوم، وكما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ﴾ سورة فاطر الآية (١١) إذن الأصل هو التّراب الّذي أضيف إليه الماء فأصبح طيناً، والآية تشير إلى أنّ الجنين أو الإنسان يستمد طعامه من التّربة فالجنين يستمد طعامه من دم الأم المتشكل من غذائها، وغذاؤها مستمد من النباتات والحيوانات (اللحوم والألبان) الّتي تستمد غذاءَها من التّربة أيضاً. وقد تعني الآية كذلك خلق آدم من تراب.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٣]
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَكِينٍ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: لتباين الصّفات أو للترتيب الذّكري (العددي).
﴿جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾: هاء الضمير تعود على الجنين، والنّطفة مني الرّجل
стр. 3325
(الحيوان المنوي) ومني المرأة (البويضة). والجعل يكون بعد الخلق، أيْ: مرحلة بعد الخلق.
﴿فِى قَرَارٍ مَكِينٍ﴾: في ظرفية، قرار مكين:، أي: الرّحم، مكين: حصين أمين أو منيع بعظام الحوض وجدار البطن وجدار الرّحم المكون من الأغشية الثّلاث والعضلات المحيطة.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٤]
﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾:
﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾: ثم: للترتيب العددي؛ أي: أولاً ثانياً ثالثاً، وهكذا بعد مرحلة النّطفة، والّتي تستغرق أسبوعاً تتحول النّطفة إلى علقة تعلق في جدار الرّحم، وتستغرق في تشكلها الأسبوعين الثّاني والثّالث، وتتحول إلى مضغة.
﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾: الفاء تدل على المباشرة والتّرتيب، المضغة: تتبع العلقة، وهي تنقسم إلى مضغة مخلَّقة تستمر لتشكل الجنين وغير مخلَّقة تشكل الخلايا الجذعية المتوزعة في جسم الإنسان، تبدأ مرحلة المضغة في الأسبوع الرّابع، وتستمر إلى (٤٠) يوماً، تبدأ بعدها مرحلة العظام، وسُمِّيت بالمضغة؛ لأنّ شكلها يشبه قطعة اللحم الممضوغة بالأسنان.
﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾:، أي: العظام تبدأ بالتّشكل في بداية الأسبوع السّابع.
﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾: أيْ: تتشكل العضلات الّتي تغطي العظام.
﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾:، أيْ: بعد نفخ الرّوح فيه والإنشاء: إيجاد الشّيء وفيه معنى النّمو والتّطور، وعلى غير مثال سابق بحيث يتشكل ويأخذ شكل الجنين، ويتطور تدريجياً إلى أن يتم نموه في حوالي الشّهر السّادس، ويصبح قابلاً للحياة. ارجع إلى سورة الحج آية (٥) لمزيد من البيان.
стр. 3326
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾: يجب الانتباه إلى معنى خالقين: من الخلق وهو التّقدير، فالله سبحانه يقدِّر ويخلق من العدم وعلى غير مثال سابق وهو سبحانه الخالق الحقيقي، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
في هذه الآية أعطى سبحانه بعض عباده من العلماء صفة الخلق فإنّهم يخلقون من مواد أو أشياء أوجدها الله لهم ولكونهم قادرون على التّقدير والتّسوية والحساب أشركهم في الوصف، كما أشركهم في الرّزق فقال: ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] وفي الحكم فقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التّين: ٨]، والوارثين ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩].
والاستنساخ ليس خلقاً، وإنما هو اكتشاف لبعض أسرار الخلق.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٥]
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن.
﴿إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾: إنكم: للتوكيد، توكيد (الموت)، بعد ذلك: بعد تمام الخلق أو النّشأة الأولى أو بعد انتهاء آجالكم.
﴿لَمَيِّتُونَ﴾: اللام للتوكيد، ميتون: لأنّ النّاس لا ينكرون الموت ولكن يغفلون عنه. وقد اكتشف العلم أنّ إحدى المورثات أو الجينات في الإنسان تحمل أجل الإنسان، وأكد على الموت بإن واللام رغم أنكم خلقتم على أحسن هيئة وتقويم في الخلق والنشأة.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٦]
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن.
﴿إِنَّكُمْ﴾: للتوكيد.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾: ولم يقل: لتبعثون، لم يؤكد على البعث كما أكد
стр. 3327
على الموت مع أنّ البعث هو الّذي ينكره النّاس وليس الموت؛ لأن الموت يغفل عنه كثير من النّاس أكَّده، أمّا البعث فله أدلته. أمّا كيف يتم البعث؟ فارجع إلى سورة الروم الآية (١٩). وفي سورة الزمر آية (٣٠ - ٣١) قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾؛ أي: البعث (تبعثون) أولاً كما في سورة المؤمنون ثم (تختصمون) عند ربكم ثانياً فآية الزمر تتمة لآية المؤمنون.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٧]
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا﴾: ارجع إلى الآية (١٢).
﴿فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: سبع طرائق: كثير من المفسرين يفسر سبع طرائق بسبع سموات بعضها فوق بعض والتّفسير العلمي يفسر لنا الطّرائق: الفواصل بين كلّ سماء وسماء، أو ممرات ما بين كلّ سماء وسماء، وسبع طرائق تختلف عن سبع سموات طباقاً، كما في سورة الملك آية (٣) وسورة نوح الآية (١٥).
﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾: ما: النّافية، غافلين عن رعايتهم، وتوفير لهم سبل العيش، وعن حفظهم من الأشعة الضّارة مثل الأشعة فوق البنفسجية بطبقة الأوزون أو نحفظهم من حرارة الشّمس وغيرها بنطق الحماية. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٢٢)، أو سقوط النّيازك على كوكب الأرض، غافلين، أيْ: ناسينهم بغير رزق (بإنزال المطر) أو مهملين. ارجع إلى سورة البقرة آية (٧٤) لمزيد من البيان في الغفلة.
стр. 3328
سورة المؤمنون [٢٣: ١٨]
﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِى الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾:
﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أنزلنا بصيغة الجمع للتعظيم، من السّماء: من السّحب الركامية ماءً: ماء المطر، والسّماء لغة تعريفها: كلّ ما علاك فالسّحب يمكن أن تسمَّى سماء، والآية تتحدث عن دورة الماء حول الأرض، وليس عن منشأ الماء.
﴿مَاءً بِقَدَرٍ﴾: بحساب دقيق بحيث تكون كمية الماء المتبخرة من البحار والمحيطات واليابسة تقارب كمية المطر المنزل من السّحب، فقد قدر العلماء أنّ كمية الماء الّتي أخرجها الله من الأرض كانت حوالي (١، ٤٠٠ مليون كم ٣) يتبخَّر منها كلّ سنة حوالي (٦٠٠، ٠٠٠ كم ٣) منها (٥٠٠، ٠٠٠ كم ٣) من البحار والمحيطات و (١٠٠، ٠٠٠ كم ٣) من اليابسة، ثمّ يعيد منها على اليابسة (١٦٥، ٠٠٠ كم ٣) بزيادة (٦٥، ٠٠٠ كم ٣) تؤخذ من مياه البحار والمحيطات ويعيد على البحار والمحيطات (٤٣٥، ٠٠٠ كم ٣) تلعب دوراً مهماً على سطح اليابسة كعوامل التعرية وتكوين التّربة وتركيز المعادن وتلطيف الجو المناخ وتغذية التّربة بكميات معلومة مقدرة الكمية يعلمها الله سبحانه، وأين تنزل على سطح الأرض بقدر قد يكون ضئيل قد يسبب القحط أو معتدل أو كبير يسبب الفيضانات وهلاك الحرث والنّسل وماء المطر يتشكل من البخار الصّاعد من الأرض فتحمله الرّياح حيث يشاء الله.
وهذه السحب المشكَّلة من بخار الماء غير قادرة على إنزال المطر، فلا بُدَّ
стр. 3329
من رياح أخرى تلقحها وهي رياح تحمل هباءات الغبار الّتي تلقح ذرات البخار، فتصبح عالية الكثافة فينزل المطر.
﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِى الْأَرْضِ﴾: أيْ: حفظناه في الأرض واستقر في صخور الأرض ذات المسام والنفوذية، فهذه المسام والنفوذية بين ذرات الصخر هي القادرة على خزن هذا الماء، وهناك الكثير من الصخور غير المسامية أو النفوذية غير قادرة على خزن أيِّ ماء، وهذا الماء قد يخزن لمئات السنين أو آلاف السنين في الأرض الخالية من البحار والمحيطات والبحيرات.
وقد تختلف كمية هطوله في أرض أكثر من أرض أخرى، ولكن النسبة والكمية نفسها إذا جمعنا ما ينزل من المطر هنا وهناك.
﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾: لقادرون اللام للتوكيد، أيْ: قادرون على أن نجعله يغور في أعماق الأرض أو قادرون على عدم إعادته إلى الأرض بعدم تلقيح سحب بخار الماء، أو بتجفيف الماء برفع درجة الحرارة أو بهزة أرضية أو ثورة بركان أو بتغير التفاعلات الكيماوية للأرض، وفي هذا تنبيه لشكر الله على هذه النّعمة.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٩]
﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾:
﴿فَأَنشَأْنَا﴾: الفاء: للتوكيد، أنشأنا لكم: الإنشاء هو إيجاد الشّيء بعد أن لم يكن، والإنشاء فيه معنى النّمو والتّطور.
﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص لكم خاصة.
﴿بِهِ﴾: الهاء تعود على ماء المطر.
﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾: بساتين من أشجار النّخيل وأعناب.
стр. 3330
الفرق بين النّخل والنّخيل: النّخل: اسم جنس ويشمل النّخيل بأنواعه المختلفة، وخص هذين النّوعين النّخيل والأعناب لكثرة منافعهما وهما أكثر فواكه انتشاراً في أرض الحجاز ويمثلان بقية الفواكه.
﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾: لكم خاصة، فيها، أيْ: في تلك الجنات.
﴿فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾: جمع فاكهة وفاكهة اسم جنس، وفاكهة تشمل فواكه، وفاكهة: أعم من فواكه وأوسع معنى وأكثر.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: فهي ليست محددة للأكل فقط إضافة الواو لتدل على أنّهم يأكلون من هذه الفواكه، ويصنعون منها الحلويات والشّرابات والعصير، وهذه الآية جاءت في سياق الحياة الدّنيا، أمّا في سياق الآخرة وفي الجنة فيستعمل كلمة فاكهة، كما في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣]، وهي أعم وأشمل وتشمل كلّ الفواكه، وقال منها تأكلون: من دون إضافة الواو؛ لأنّ فاكهة الجنة فقط للأكل، وليس هناك حاجة لعمل الحلويات أو الشراب من الفاكهة، كما نفعل في الدنيا؛ لأنّها تأتي جاهزة لا نحتاج إلى صنعها وتحويلها من نوع إلى نوع آخر، كما هو الحال في الدّنيا.
سورة المؤمنون [٢٣: ٢٠]
﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ﴾:
﴿وَشَجَرَةً﴾: الواو عاطفة وشجرة معطوفة على جنات، عطف الخاص على العام لإظهار الأهمية والتّوكيد، وتقدير الكلام فأنشأنا لكم به (الماء) جنات من نخيل وأعناب وأنشأنا لكم به شجرة تخرج من طور سيناء وهي شجرة الزّيتون، وهي شجرة مباركة.
﴿تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾: سيناء: اسم المكان الّذي فيه (الطّور)، والطّور أصغر من الجبل، حيث كلم الله سبحانه موسى ﵇.
следующие страницы →