Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾: يجب الانتباه إلى معنى خالقين: من الخلق وهو التّقدير، فالله سبحانه يقدِّر ويخلق من العدم وعلى غير مثال سابق وهو سبحانه الخالق الحقيقي، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
في هذه الآية أعطى سبحانه بعض عباده من العلماء صفة الخلق فإنّهم يخلقون من مواد أو أشياء أوجدها الله لهم ولكونهم قادرون على التّقدير والتّسوية والحساب أشركهم في الوصف، كما أشركهم في الرّزق فقال: ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] وفي الحكم فقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التّين: ٨]، والوارثين ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩].
والاستنساخ ليس خلقاً، وإنما هو اكتشاف لبعض أسرار الخلق.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٥]
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن.
﴿إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾: إنكم: للتوكيد، توكيد (الموت)، بعد ذلك: بعد تمام الخلق أو النّشأة الأولى أو بعد انتهاء آجالكم.
﴿لَمَيِّتُونَ﴾: اللام للتوكيد، ميتون: لأنّ النّاس لا ينكرون الموت ولكن يغفلون عنه. وقد اكتشف العلم أنّ إحدى المورثات أو الجينات في الإنسان تحمل أجل الإنسان، وأكد على الموت بإن واللام رغم أنكم خلقتم على أحسن هيئة وتقويم في الخلق والنشأة.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٦]
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن.
﴿إِنَّكُمْ﴾: للتوكيد.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾: ولم يقل: لتبعثون، لم يؤكد على البعث كما أكد
стр. 3327
على الموت مع أنّ البعث هو الّذي ينكره النّاس وليس الموت؛ لأن الموت يغفل عنه كثير من النّاس أكَّده، أمّا البعث فله أدلته. أمّا كيف يتم البعث؟ فارجع إلى سورة الروم الآية (١٩). وفي سورة الزمر آية (٣٠ - ٣١) قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾؛ أي: البعث (تبعثون) أولاً كما في سورة المؤمنون ثم (تختصمون) عند ربكم ثانياً فآية الزمر تتمة لآية المؤمنون.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٧]
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا﴾: ارجع إلى الآية (١٢).
﴿فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: سبع طرائق: كثير من المفسرين يفسر سبع طرائق بسبع سموات بعضها فوق بعض والتّفسير العلمي يفسر لنا الطّرائق: الفواصل بين كلّ سماء وسماء، أو ممرات ما بين كلّ سماء وسماء، وسبع طرائق تختلف عن سبع سموات طباقاً، كما في سورة الملك آية (٣) وسورة نوح الآية (١٥).
﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾: ما: النّافية، غافلين عن رعايتهم، وتوفير لهم سبل العيش، وعن حفظهم من الأشعة الضّارة مثل الأشعة فوق البنفسجية بطبقة الأوزون أو نحفظهم من حرارة الشّمس وغيرها بنطق الحماية. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٢٢)، أو سقوط النّيازك على كوكب الأرض، غافلين، أيْ: ناسينهم بغير رزق (بإنزال المطر) أو مهملين. ارجع إلى سورة البقرة آية (٧٤) لمزيد من البيان في الغفلة.
стр. 3328
سورة المؤمنون [٢٣: ١٨]
﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِى الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾:
﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾: أنزلنا بصيغة الجمع للتعظيم، من السّماء: من السّحب الركامية ماءً: ماء المطر، والسّماء لغة تعريفها: كلّ ما علاك فالسّحب يمكن أن تسمَّى سماء، والآية تتحدث عن دورة الماء حول الأرض، وليس عن منشأ الماء.
﴿مَاءً بِقَدَرٍ﴾: بحساب دقيق بحيث تكون كمية الماء المتبخرة من البحار والمحيطات واليابسة تقارب كمية المطر المنزل من السّحب، فقد قدر العلماء أنّ كمية الماء الّتي أخرجها الله من الأرض كانت حوالي (١، ٤٠٠ مليون كم ٣) يتبخَّر منها كلّ سنة حوالي (٦٠٠، ٠٠٠ كم ٣) منها (٥٠٠، ٠٠٠ كم ٣) من البحار والمحيطات و (١٠٠، ٠٠٠ كم ٣) من اليابسة، ثمّ يعيد منها على اليابسة (١٦٥، ٠٠٠ كم ٣) بزيادة (٦٥، ٠٠٠ كم ٣) تؤخذ من مياه البحار والمحيطات ويعيد على البحار والمحيطات (٤٣٥، ٠٠٠ كم ٣) تلعب دوراً مهماً على سطح اليابسة كعوامل التعرية وتكوين التّربة وتركيز المعادن وتلطيف الجو المناخ وتغذية التّربة بكميات معلومة مقدرة الكمية يعلمها الله سبحانه، وأين تنزل على سطح الأرض بقدر قد يكون ضئيل قد يسبب القحط أو معتدل أو كبير يسبب الفيضانات وهلاك الحرث والنّسل وماء المطر يتشكل من البخار الصّاعد من الأرض فتحمله الرّياح حيث يشاء الله.
وهذه السحب المشكَّلة من بخار الماء غير قادرة على إنزال المطر، فلا بُدَّ
стр. 3329
من رياح أخرى تلقحها وهي رياح تحمل هباءات الغبار الّتي تلقح ذرات البخار، فتصبح عالية الكثافة فينزل المطر.
﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِى الْأَرْضِ﴾: أيْ: حفظناه في الأرض واستقر في صخور الأرض ذات المسام والنفوذية، فهذه المسام والنفوذية بين ذرات الصخر هي القادرة على خزن هذا الماء، وهناك الكثير من الصخور غير المسامية أو النفوذية غير قادرة على خزن أيِّ ماء، وهذا الماء قد يخزن لمئات السنين أو آلاف السنين في الأرض الخالية من البحار والمحيطات والبحيرات.
وقد تختلف كمية هطوله في أرض أكثر من أرض أخرى، ولكن النسبة والكمية نفسها إذا جمعنا ما ينزل من المطر هنا وهناك.
﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾: لقادرون اللام للتوكيد، أيْ: قادرون على أن نجعله يغور في أعماق الأرض أو قادرون على عدم إعادته إلى الأرض بعدم تلقيح سحب بخار الماء، أو بتجفيف الماء برفع درجة الحرارة أو بهزة أرضية أو ثورة بركان أو بتغير التفاعلات الكيماوية للأرض، وفي هذا تنبيه لشكر الله على هذه النّعمة.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٩]
﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾:
﴿فَأَنشَأْنَا﴾: الفاء: للتوكيد، أنشأنا لكم: الإنشاء هو إيجاد الشّيء بعد أن لم يكن، والإنشاء فيه معنى النّمو والتّطور.
﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص لكم خاصة.
﴿بِهِ﴾: الهاء تعود على ماء المطر.
﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾: بساتين من أشجار النّخيل وأعناب.
стр. 3330
الفرق بين النّخل والنّخيل: النّخل: اسم جنس ويشمل النّخيل بأنواعه المختلفة، وخص هذين النّوعين النّخيل والأعناب لكثرة منافعهما وهما أكثر فواكه انتشاراً في أرض الحجاز ويمثلان بقية الفواكه.
﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾: لكم خاصة، فيها، أيْ: في تلك الجنات.
﴿فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾: جمع فاكهة وفاكهة اسم جنس، وفاكهة تشمل فواكه، وفاكهة: أعم من فواكه وأوسع معنى وأكثر.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: فهي ليست محددة للأكل فقط إضافة الواو لتدل على أنّهم يأكلون من هذه الفواكه، ويصنعون منها الحلويات والشّرابات والعصير، وهذه الآية جاءت في سياق الحياة الدّنيا، أمّا في سياق الآخرة وفي الجنة فيستعمل كلمة فاكهة، كما في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٣]، وهي أعم وأشمل وتشمل كلّ الفواكه، وقال منها تأكلون: من دون إضافة الواو؛ لأنّ فاكهة الجنة فقط للأكل، وليس هناك حاجة لعمل الحلويات أو الشراب من الفاكهة، كما نفعل في الدنيا؛ لأنّها تأتي جاهزة لا نحتاج إلى صنعها وتحويلها من نوع إلى نوع آخر، كما هو الحال في الدّنيا.
سورة المؤمنون [٢٣: ٢٠]
﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ﴾:
﴿وَشَجَرَةً﴾: الواو عاطفة وشجرة معطوفة على جنات، عطف الخاص على العام لإظهار الأهمية والتّوكيد، وتقدير الكلام فأنشأنا لكم به (الماء) جنات من نخيل وأعناب وأنشأنا لكم به شجرة تخرج من طور سيناء وهي شجرة الزّيتون، وهي شجرة مباركة.
﴿تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾: سيناء: اسم المكان الّذي فيه (الطّور)، والطّور أصغر من الجبل، حيث كلم الله سبحانه موسى ﵇.
стр. 3331
﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾: الدّهن: زيت الزيتون، والباء للإلصاق والمصاحبة تنبت بالدّهن: تنبت بثمر الزّيتون والذي يتحول إلى زيت الزّيتون (الدهن).
﴿وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ﴾: الصّبغ هو زيت الزّيتون سمي صبغ؛ لأنّه لونه أخضر وزيت الزّيتون الّذي يؤكل مع كثير من الأطعمة.
سورة المؤمنون [٢٣: ٢١]
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾:
﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾: إنّ للتوكيد، لكم اللام لام الاختصاص.
﴿فِى الْأَنْعَامِ﴾: الأنعام ثمانية أزواج الإبل والبقر والغنم والماعز.
﴿لَعِبْرَةً﴾: آية أو دلالة تستدلون من خلالها إلى قدرة الله سبحانه وعظمته، وتعبرون بها من الجهل إلى العلم، ومن الشك إلى اليقين على عظمة الخالق، وكما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، ﴿نُّسْقِيكُم مِمَّا فِى بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النّحل: ٦٦]. ارجع إلى سورة النحل آية (٦٦) لمزيد من البيان في معنى عبرة.
﴿نُّسْقِيكُم مِمَّا فِى بُطُونِهَا﴾: بطون الإناث إناث الأنعام، نسقيكم الحليب. ارجع إلى سورة النّحل آية (٦٦) للمقارنة والبيان، وبين مما في بطونها والقول مما في بطونه.
﴿وَلَكُمْ﴾: تكرار لكم للتوكيد.
﴿فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾: مثل حمل أثقالكم ﴿إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ﴾ [النّحل: ٧]، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النّحل: ٨٠].
стр. 3332
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾: الواو تفيد الجمع إنّكم منها تأكلون لحماً ولبناً خالصاً، وتأكلون من أشياء أخرى من غير الأنعام.
سورة المؤمنون [٢٣: ٢٢]
﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾:
﴿وَعَلَيْهَا﴾: على: تفيد الاستعلاء والركوب على الأنعام وليس كلّ الأنعام تركبون، ويراد بالأنعام هنا الإبل.
﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾: تطلق على المفرد أو الجمع، وتعني السفن.
﴿تُحْمَلُونَ﴾: تركبون وتحمل أثقالكم.
سورة المؤمنون [٢٣: ٢٣]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾: الإرسال ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة للبيان والفرق بين الإرسال والبعث. نوحاً: من سلالة إدريس، وإدريس من سلالة شيث بن آدم، ولد نوح بعد وفاة آدم بـ (١٢٦) سنة كما ذكر ابن جرير وغيره.
﴿نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: ﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: دعاء إلى وحدانية الخالق كما دعا غيره الرسل وتجنب الشرك. ارجع إلى سورة نوح، وارجع إلى سورة الأعراف الآية (٥٩).
﴿يَاقَوْمِ﴾: نداء فيه تودد وعطف.
﴿أَفَلَا﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري وتوبيخ على عدم التّقوى والتّعجب من تركها، ألا: أداة تنبيه وحضٍّ وتحمل معنى الأمر على التّقوى.
﴿تَتَّقُونَ﴾: أيْ: تطيعوا أوامر ربكم وتتجنَّبوا نواهيه أو تخافون ربكم القهار الجبار وتتَّقونه، وهذه الكلمة قالها كلّ الرّسل لأقوامهم.
стр. 3333
سورة المؤمنون [٢٣: ٢٤]
﴿فَقَالَ الْمَلَؤُا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾:
﴿فَقَالَ الْمَلَؤُا﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة، الملأ: سادة وأشراف القوم مشتقة من كونهم يملؤون العيون أو العيون تنظر إليهم وتراهم؛ لأنّهم يمثلون قبائلهم أو عشائرهم. ولو نظرنا إلى كيف كتبت الملؤا في هذه الآية (٢٤)، وإلى كيف كتبت الملأ في الآية (٣٣) من نفس السورة لوجدنا هناك اختلافاً، ولو نظرنا في القرآن لوجدنا أن الملؤا كتبت بهذا الشكل في سورة النمل في ثلاث آيات، وسورة المؤمنون في آية واحد هي (٢٤)، وأما باقي الآيات في القرآن كتبت الملأ بهذا الشكل، والسؤال ما هو الفرق بينهما؟ إذا نظرنا إلى سياق الآيات نستنتج أن الملؤا المكتوبة بالواو: جاءت في سياق بطانة الملك، أو حاشيته، أو النبي وخاصته، أما الملأ بالألف: جاءت في سياق رؤساء العشائر، أو ممثلي الشعب مثل مجلس الشعب، أو البرلمان كما نسميه الآن.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾: يعني: كان بينهم بعض المؤمنين حين قالوا هذا القول، مقارنة بقوله تعالى: قال الملأ من قومه الّذين كفروا: يعني: سادة القوم لم يكن بينهم أيُّ مؤمن حين قالوا هذا القول.
﴿مَا هَذَا﴾: ما: النّافية، هذا: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب.
﴿إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾: إلا: أداة حصر، بشر مثلكم: أيْ: كونه بشراً فهم يريدون رسولاً ملكاً من الملائكة أو من غير جنسهم.
﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: يطلب أو يبغي لنفسه الفضل والشّرف والسّيادة ليكون له أتباع، أن: للتعليل والتّوكيد.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾: لو شرطية.
стр. 3334
﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾: اللام للتوكيد، أنزل ملائكة من السّماء بدلاً منه.
﴿مَا﴾: النّافية.
﴿سَمِعْنَا بِهَذَا﴾: لم يخبرنا أحد من آبائنا أو أجدادنا، بهذا: الباء للإلصاق والاستمرار، هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يشير إلى الّذي يدعو إليه نوح وهو التّوحيد وعبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام، هذه أمور لم نسمعها من قبل.
﴿فِى آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾: في ظرفية، آبائنا الأولين: أيْ: هم مقلدون آباءَهم ومقتدون بهم، ولم يسمعوا بالتّوحيد.
سورة المؤمنون [٢٣: ٢٥]
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾:
﴿إِنْ﴾: نافية، أيْ: ما.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾: إلا: حصر، رجل به جنة: جنة: مصدر من جنَّ، أيْ: به جنون لا يعلم ما يقول أصيب بخبل عقلي.
﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾: التّربص: الانتظار الطويل والحذر.
﴿حَتَّى حِينٍ﴾: حتّى حرف نهاية الغاية، أي: انتظروه حتّى يشفى أو يُفيق من جنونه أو انتظروا أجله حتّى يموت.
سورة المؤمنون [٢٣: ٢٦]
﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾:
﴿قَالَ رَبِّ﴾: قال نوح: رب، أيْ: دعا ولم يقل: يا رب لا يحتاج إلى ياء نداء الّتي تدل على البعد، ولم يقل: يا الله: لأنّ الرّب هو المتولي الأمور ومدبِّرها وليس السّياق في شأن العبادة.
стр. 3335
﴿انصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾: الباء: للإلصاق، أو السّببية وما مصدرية، أي: انصرني:، أيْ: أهلكهم، بما كذبون: بسبب تكذيبهم لي، وعدم إيمانهم.
وحذف الياء (ياء المتكلم) من كذبون؛ لأن هناك من أمن له وصدقه، ولو كذبه كل قومه لقال كذبوني.
سورة المؤمنون [٢٣: ٢٧]
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾:
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾: الفاء: للترتيب والتّعقيب، أوحينا: الوحي هو الإعلام بخفاء، وله طرق مختلفة ارجع إلى سورة النّساء الآية (١٦٣) إليه: إلى نوح ﵇.
﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾: أن تعليلية تفسيرية، اصنع الفلك: ابنِ الفلك: السّفينة.
﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾: الباء: للإلصاق، والاستمرار، بأعيننا: بمراقبتنا، ووحينا: بما نوحيه إليه من التّعاليم كيف تصنعها، ولمعرفة معنى الوحي ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣).
﴿فَإِذَا﴾: الفاء للتأكيد، إذا ظرفية زمانية للمستقبل وفيها معنى الشّرط.
﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾: بإنزال العذاب (الطّوفان) والمجيء فيه معنى الصّعوبة والمشقة.
﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾: قيل: التنور بيت النّار الّذي يوضع فيه الخبز العجين ليصبح خبزاً ناضجاً، فحين ترى ذلك التنور يفور بالماء فهذه علامة على بدء الطوفان، فاسلك فيها من كلّ زوجين اثنين، هذا هو تفسير المفسرين القدامى والله سبحانه قادر على ذلك، ولكن تفسير فار التنور حسب معطيات العلم الحديث يشير إلى ثورة بركان يصاحبه هزة أرضية عنيفة حدث معها ما يشبه
стр. 3336
السونامي حيث ترتفع المياه إلى عشرات الأمتار؛ مما يؤدِّي إلى الطوفان ورفع السّفينة الّتي أصبحت تجري في موج كالجبال.
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾: أدخل فيها أو احمل فيها في الفلك، واستعمل كلمة اسلك الّتي تحمل معنى السّهولة؛ لأنّ الأمر لم يحدث بعد، تعاليم للمستقبل أو توصيات، وقد رأيناه استعمل ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾ في سورة الأعراف الآية (٤٠) حين حدث الطّوفان.
﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: من: ابتدائية كلّ زوجين؛ الزوج: هو واحد يطلق على الذكر والأنثى، والاثنان زوجان؛ أي: الرجل زوج، والمرأة زوج، وكلاهما اثنان؛ أيْ: ذكر وأنثى من كلّ صنف سواء أكان إنسان أم حيوان أم نبات يمكن حمله والاستفادة منه، ولا تعني كلّ أصناف الحيوانات والنباتات، فقد كان طول السّفينة حوالي (١٥٠ متر) وعرضها (٣٠ متر)، وكلمة اثنين توكيد.
﴿وَأَهْلَكَ﴾: الزّوجة والأولاد (الثّلاثة نوح وسام وحام وزوجاتهم)، وأهلك يمكن أن تعني أهل الإيمان وليست أهلية نسب ودم، أيْ: أتباعك.
﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾: إلا أداة استثناء، سبق عليه القول: الهلاك والعذاب مثل ابنه كنعان وامرأة نوح.
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾: لا النّاهية، تخاطبني: تطلب مني إنجاء الّذين ظلموا أو تكلمني بشأن الظّالمين الّذين حق عليهم القول أو تشفع لهم أو تأخذك بهم رأفة إنّهم مغرقون.
стр. 3337
سورة المؤمنون [٢٣: ٢٨]
﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
﴿فَإِذَا﴾: الفاء عاطفة، إذا ظرف زماني للمستقبل متضمن معنى الشّرط، وتدل على حتمية الحدوث.
﴿اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾: استويت من استوى أيْ: علا واستقر أيْ: حين تعلو وتستقر على ظهر الفلك، وعلى تعني العلو والتّمكن والقدرة على قيادة الفلك، ولم يقل: أنت والّذين معك في الفلك وإنما قال: ومن معك: من ابتدائية، ومن معك تدل على القلة مقارنة بقوله: والّذين معك الّتي تدل على الكثرة.
﴿وَمَنْ مَعَكَ﴾: قيل: كان عددهم (٧٠ - ٨٠)، وقيل: (٢٠ - ٣٠)، والله أعلم.
﴿فَقُلِ الْحَمْدُ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، قل الحمد لله: أيْ: إياك أن تنسى المنعم وتغترَّ بالفلك، أو بنجاتك. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٢) في معنى الحمد لله.
والسّؤال هنا: لِمَ لَمْ يخاطب الله سبحانه نوح ومن معه بالقول: فإذا استويتم بدلاً من استويت أنت ومن معك فقل، بدلاً من فقولوا الحمد لله؛ لأنّ المخاطب هو رب العالمين، والمقام مقام كبرياء وجلال والمخاطبة لا يترقى إليها إلا نبي أو رسول، ولذلك خاطب نوح وحده، فهو نبيهم، وفيه إشعار لنوح بفضل النّبوة، وعلى نوح أن يبلغهم الدعاء بالحمد.
стр. 3338
﴿الَّذِى نَجَّانَا﴾: الّذي اسم موصول فيه معنى التوحيد؛ لأنه (يختص بالمفرد المذكر). نجانا: للتّعظيم. نجانا: ولم يقل أنجانا؛ لأنّ نجانا فيها معنى الزّمن الطويل أيْ: نجانا بعد زمن طويل وانتظار دام أكثر من (٩٥٠ سنة).
﴿مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: المشركين، الظّلم هنا هو الشّرك، والمكذبين بما أنزل الله تعالى على نوح ﵇. ارجع إلى سورة البقرة آية (٣٥) لبيان معنى الظالمين.
سورة المؤمنون [٢٣: ٢٩]
﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾:
﴿وَقُلْ رَبِّ﴾: ولّم يقل: وقل: يا رب: حذف ياء النداء للبعد؛ لأنّه يعلم أنّ الله سبحانه سميع قريب.
﴿أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا﴾: مُنزلاً: بضم الميم وفتح الزّاي مصدر لفعل أنزل أيْ: أنزلني إنزالاً مباركاً سواء عند النّزول في السّفينة (الفلك) أو عند النّزول منها بعد الوصول إلى اليابسة في كلا الحالين قل: أنزلني إنزالاً مباركاً، ويجوز أن يكون مُنزلاً اسم مكان أي: أنزلني في منزل فيه الخيرات والبركة والأمن والراحة فهو يحمل كلا المعنيين، أيْ: أنزلني إنزالاً مباركاً وفي منزل مبارك.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾: أنت للتوكيد، خير المنزلين: أيْ: إن كان هناك من البشر من يكرم ضيفه، وينزله مُنزلاً مُريحاً طيباً يبقى الله سبحانه هو خير (أحسن) المنزلين على الإطلاق في الدّنيا والآخرة.
سورة المؤمنون [٢٣: ٣٠]
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾:
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إنّ للتوكيد، في ذلك: أيْ: ما تقدَّم من الآيات بخصوص نوح.
﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام للتوكيد، آيات: كثيرة وعبر ودلائل وحجج واضحة على
стр. 3339
صدق دعوة الأنبياء ونوح وعلى قدرة وعظمة الله تعالى ووحدانيته، وتدل على أنّه الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد ويطاع.
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾: إن: للتوكيد، اللام في لمبتلين للتوكيد، مبتلين: من الابتلاء بالخير والشّر فتنة لقوم نوح أو غيرهم لنقيم عليه الحُجَّة.
والابتلاء قد يصيب الكل: الكفرة والمشركين وأهل الصلاح والإيمان، والظلمة وغيرهم.
ونتيجة الابتلاء إمّا أن تكون الانتقام من الكفرة أو التكفير عن سيئات المبتلين أو رفع درجاتهم وثوابهم.
سورة المؤمنون [٢٣: ٣١]
﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾:
﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: ثمّ للترتيب والتّراخي، أنشأنا من بعدهم: من بعد قوم نوح ﵇.
﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾: هم قوم عاد، القرن: قوم أو جماعة أو أمة مجتمعة في زمن واحد والقرن (١٠٠ عام)، والإنشاء: هو إيجاد الشّيء بسبب أو بغير سبب، وفيه معنى التطوير والنمو.
سورة المؤمنون [٢٣: ٣٢]
﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾:
﴿فَأَرْسَلْنَا﴾: ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة للبيان.
﴿فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾: ولم يقل: رسولاً إليهم: أي: كان الرّسول هو هود، منهم أيْ: من القوم وأخوهم ونشأ فيهم ولم يكن من غيرهم وهاجر إليهم.
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد، اعبدوا الله وحده ولا
стр. 3340
تشركوا به شيئاً. ارجع إلى سورة النّحل آية (٧٣)، والأنبياء آية (١٠٦)؛ لبيان معنى العبادة.
﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: ما النّافية، لكم: اللام لام الاختصاص، من إله: من استغراقية تستغرق كلّ إله.
﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٣) من نفس السّورة للبيان.
سورة المؤمنون [٢٣: ٣٣]
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾:
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾: أشراف قومه، أو ممثلي القوم، سادة القوم، ولم يكن بينهم مؤمن آنذاك، ولو كان فيهم مؤمن لتغيرت الآية إلى: وقال الملأ الذين كفروا من قومه، وهم الّذين اتصفوا بثلاث صفات:
١ - كفروا بالله وجحدوا بوحدانيته.
٢ - وكذبوا بيوم القيامة والبعث والجزاء. انظر كيف شبه الآخرة بشخص سوف يلاقى ويشاهد لإدخال الهلع والروع في قلوب الذين كفروا وكذبوا بالله واليوم الآخر.
٣ - أترفناهم في الحياة الدّنيا حتّى بطروا وجحدوا بنعم الله ولم يشكروا المنعم.
﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ﴾: وسَّعنا عليهم نعم الدّنيا حتّى بطروا وفسدوا، هؤلاء الملأ أسوأ وأقبح من الملأ من قوم نوح. ارجع إلى سورة الزخرف آية (٢٣) لبيان معنى الترف، والمترف.
﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾: ما النّافية، هذا اسم إشارة يفيد القرب وتشير إلى هود ﵇، والهاء للتنبيه واللام للبعد، إلا: أداة حصر، أيْ: هو حصراً، بشر مثلكم.
стр. 3341
﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾: فكيف ترضون برجل منكم ليس له أي سمة أو فضل أو جاه، حتّى يأمركم وينهاكم ويعدكم بالخروج من القبور والبعث ويطلب منكم طاعته.
سورة المؤمنون [٢٣: ٣٤]
﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾:
﴿وَلَئِنْ﴾: الواو: عاطفة، واللام للتوكيد، وإن شرطية تفيد الشّك والاحتمال، أطعتم: من الطاعة، وهي الانقياد واتباع الداعي إلى ما يدعوا إليه.
﴿بَشَرًا مِّثْلَكُمْ﴾: أيْ: هم ينفون عن نبيهم النّبوة، أي: الوحي.
﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾: إنّكم: إنّ: للتوكيد، إذاً: حرف جواب يفيد التّوكيد، لخاسرون: اللام للتوكيد، ثلاثة توكيدات على أنّهم خاسرون إذا أطعتم ذلك البشر، خاسرون: مكانتكم وسعة العيش والشّرف والنّعيم الّذي أنتم فيه.
سورة المؤمنون [٢٣: ٣٥]
﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾:
﴿أَيَعِدُكُمْ﴾: الهمزة استفهام وتعجب، وفيه انتقال من التكذيب بهود ﵇ إلى التكذيب بما أرسل أيضاً. أيعدكم: من الوعد، والوعد هنا بالبعث فهو وعد مقيد.
﴿أَنَّكُمْ﴾: للتوكيد.
﴿إِذَا﴾: ظرف زماني للمستقبل.
﴿مِتُّمْ﴾: بكسر الميم تدل على الموت العادي، وأما مُتم بضم الميم تعني قتلتم في سبيل الله أو متم في سبيل الله كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٨]، من خصائص القرآن يستعمل الكسرة وهي أخف الحركات
стр. 3342
للموت العادي ويستعمل الضّمة وهي أثقل الحركات لحالات الموت الثّقيلة مثل الموت في سبيل الله وهو الأعلى درجة.
﴿وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا﴾: وكنتم: في قبوركم تراباً وعظاماً، و (تراباً) تسبق عظاماً؛ لأنّ الإنسان بعد موته يتحول إلى تراب أولاً، ثمّ إلى عظام وحين تتكسر العظام تصبح رفاتاً (عظاماً مكسرة).
﴿أَنَّكُمْ﴾: تكرار أنّكم: لتوكيد استبعاد الخروج من الأجداث والبعث.
﴿مُّخْرَجُونَ﴾: أيْ: هم استنكروا واستبعدوا أن يخرجوا من قبورهم أحياء بعد أن صاروا تراباً وعظاماً. ومُخرجون: قسراً رغم عنكم وبغير إرادتكم.
سورة المؤمنون [٢٣: ٣٦]
﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾:
﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾: أيْ: بَعُدَ بَعُدَ هذا الأمر؛ أي: صحة ما توعدون به من الخروج من القبور، وهيهات الثّانية تأكيد للأولى، ولا تقال: هيهات لوحدها وإنما دائماً مكررة، أيْ: هيهات هيهات إخراجكم.
هيهات: اسم يدل على معنى فعل بَعُدَ، ومنهم من قال: هيهات: اسم فعل ماض بمعنى بَعُدَ. وهيهات هيهات: لم تذكر في القرآن إلا في هذه الآية.
﴿لِمَا﴾: اللام للتوكيد، ما حرف مصدري أو اسم موصول.
﴿تُوعَدُونَ﴾: من الإخراج من القبور والنشر والبعث والحساب.
سورة المؤمنون [٢٣: ٣٧]
﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾:
﴿إِنْ هِىَ﴾: إن حرف نفي بمعنى ما وإن أقوى في النّفي من ما، هي: للتوكيد.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾: السّؤال هنا كيف نفهم قولهم
стр. 3343
نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين؛ لأنّ قولهم: نحيا، قد يُفهِم أنّهم يؤمنون بالبعث، ولكن قولهم بعدها: وما نحن بمبعوثين هو ينفي ذلك، وإنما المقصود بذلك عندما نحن نموت ونحيا يعني: يموت البعض ويخلق (يولد) غيرهم في نفس الوقت.
ولنقارن هذه الآية ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ مع الآية (٢٩) من سورة الأنعام ﴿وَقَالُوا إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
الآية (٣٧) من سورة المؤمنون: جاءت في سياق الحياة الدّنيا، أيْ: ينكرون البعث وهم على قيد الحياة، أي: الآية جاءت في سياق الحياة الدّنيا.
أما الآية (٢٩) من سورة الأنعام: جاءت في سياق الآخرة (لذلك حذفوا نموت ونحيا)؛ لأنّ هذا لم يعد له وجود.
والدّليل على ذلك أنّه سبقها قوله: ولو ترى إذا وقفوا على النّار، فهم في الآخرة.
أمّا الفرق بين: إن هي إلا حياتنا الدّنيا، وما هي إلا حياتنا الدّنيا: النّفي في قوله: إن هي أشد من النّفي من قوله: ما هي، أي: التّكذيب وإنكار البعث أشد وأقوى حين يقولون: (إن هي) مقارنة بقولهم: (ما هي)؛ لأنّ هناك من النّاس من ينكر أو يكذب بشدة وتوكيد، وهناك من ينكر أو يكذب من دون توكيد أو مبالغة.
سورة المؤمنون [٢٣: ٣٨]
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿إِنْ هُوَ﴾: إن نافية، هو ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: رجل: أي: هود، افترى على الله كذباً الافتراء
стр. 3344
هو الكذب المتعمَّد المختلق، كذباً: نكرة، أيْ: كلّ أنواع الكذب مثل ما لكم من إله غيره وإنكم مبعوثون من بعد الموت، والتنكير في اللغة يفيد الشمول والعموم.
﴿وَمَا نَحْنُ﴾: نحن للتوكيد.
﴿لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾: الباء للإلصاق والمصاحبة، مؤمنين: مصدقين، وقدَّم له الجار والمجرور ليفيد له حصراً، وقد نؤمن لغيره؛ أي: نصدق غيره.
سورة المؤمنون [٢٣: ٣٩]
﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾:
ارجع إلى الآية (٢٦) للبيان، هكذا تأتي النّهاية واحدة لكلّ الرّسل رب انصرني بما كذبون.
سورة المؤمنون [٢٣: ٤٠]
﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾:
﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾: قال الحق: عما قليل: عما مركبة من (عن + ما)، عن تعني البعد ما للتوكيد، أيْ: عن قريب أو بعد زمن قريب.
﴿لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾: اللام لام التّوكيد والنّون في يصبحن لزيادة التّوكيد، يصبحن: قد تعني وقت الصّباح سيحل بهم العذاب ويأخذهم على حين غفلة وعدم استعداد على خلاف إذا جاءهم العذاب أثناء النّهار، نادمين: على كفرهم وعدم إيمانهم بالبعث، أو تعني: قريباً يصيرون نادمين في أي وقت؛ أيْ: يشعرون بالنّدم على كفرهم وتكذيبهم.
سورة المؤمنون [٢٣: ٤١]
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، الصّيحة: هي تردُّدات صوتية تفوق قدرة الأذن على تحمُّلها وتتجاوز (٧٠ - ١٠٠) ديسبل بالثانية، وما إن تصل إلى (١٢٠ - ١٤٠) تؤثر في الجهاز العصبي والأذن الداخلية والقلب
стр. 3345
وتؤدِّي إلى صعق الإنسان، تلك الصيحة الّتي تركتهم كأعجاز النّخل المنقعر كقوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠].
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للتوكيد، الحق: اسم الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾: بعد هلاكهم، شبههم بغثاء السّيل وهو ما يجمعه النّهر أو الوادي من فروع الأشجار اليابسة والجافة والورق، أيْ: زبد السّيل.
﴿فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: هلاكاً وبعداً من رحمتنا للقوم الظّالمين، اللام لام الاختصاص، الظّالمين: المشركين، وهم قوم هود.
سورة المؤمنون [٢٣: ٤٢]
﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن.
﴿أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: ارجع إلى الآية (٣١)، من بعدهم: من بعد قوم هود.
﴿قُرُونًا آخَرِينَ﴾: بصيغة الجمع أمم أو أقوام متعدِّدة مثل قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم.
стр. 3346
سورة المؤمنون [٢٣: ٤٣]
﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَئْخِرُونَ﴾:
﴿مَا﴾: النّافية.
﴿تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾: الأجل هو الوقت المضروب لانقضاء الشّيء، والأجل لا يتغير، ولا يتبدَّل لا يتقدَّم ولا يتأخَّر إلا إذا شاء الله تعالى كما حدث لقوم يونس كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]. من استغراقية، أيْ: تشمل كلّ الأمم.
﴿أَجَلَهَا﴾: الّذي ضرب لها، أيْ: لا تنقرض أو تزول أو تهلك قبل أن ينتهي أجلها أو يحلَّ أجلها.
﴿وَمَا يَسْتَئْخِرُونَ﴾: ولا يؤخَّر أجلها. ارجع إلى سورة يونس آية (٤٩) لمزيد من البيان.
سورة المؤمنون [٢٣: ٤٤]
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي.
﴿أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾: من الإرسال، ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة، ولم يقل: ثمّ بعثنا، ولا يرسل الرّسل عادة إلا بعد أن يعم الفساد والباطل والشّرك والمعاصي.
стр. 3347
﴿تَتْرَا﴾: أصلها: وَتْرَى؛ تعني: تعاقب + انقطاع في الزمن؛ من الوتر: وهو الفرد، والمواترة: وهي التتابع مع التراخي في الزمن؛ متتابعين واحداً إثرَ الآخر مع انقطاع في الزمن أي دهراً.
﴿كُلَّ مَا﴾: كل: لفظ يدل على التوكيد على العموم؛ أي: يفيد الاستغراق والإحاطة بجميع الرسل (أو الأفراد)، وما: المصدرية الظّرفية أداة شرط تفيد التّكرار. وفصل بين: كل وما، ولم يجمع بينهما بالقول، كلما إشارة إلى الفاصل الزمني بين كل رسول ومن يأتي بعده.
﴿جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾: جاء أمة رسولها ليخرجها من الظّلمات إلى النّور، وليبيِّن لهم ما أُنزل إليهم من ربهم، كذبوه: لم يصدِّقوه، واستمروا على حالهم في الضلال والعناد والتحدِّي. والأمة: تطلق على مجموعة من الناس بغض النظر عن العدد والحيز الجغرافي.
﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، أتبعنا بعضهم بعضاً، أيْ: أهلكنا الواحد تلوَ الآخر.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾: أحاديث جمع حديث، وأحاديث إذا أطلقت لا تقال إلا في سياق الشّر إلا إذا كان مقيداً، وأحاديث جمع أحدوثة، وهو ما يتحدَّث به النّاس ويكثرون الكلام عنه للتعجب، أو اللهو، أو العبرة، أو المثل، أيْ: أهلكناهم ولم يبق بين النّاس إلا أخبارهم يتلهون بها ويتحدثون عنها يقصُّونها على الغير، أيْ: لم يبق لهم أثر إلا قصصهم.
﴿فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: بُعداً لهم عن رحمة الله تعالى أو هلاكاً لهم لعدم إيمانهم، وبُعداً: لها معنيان أولاً: هناك بُعداً بعده لقاء. ثانياً: هناك بُعداً ليس بعده لقاء؛ أي: بلا عودة. لقوم: اللام لام الاختصاص، قومٍ: هنا نكرة؛ لأنّه سبقها
стр. 3348
قوله: قروناً آخرين، ولم يحدِّد من هؤلاء، بينما حينما قال في الآية (٤١) ﴿فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ القوم هنا معرفة محدَّدة بأل التّعريف وهم قوم هود، وقيل: قوم صالح، وفي هذه الآية تعني هلاكاً لأي قوم لا يؤمنون بالله تعالى.
سورة المؤمنون [٢٣: ٤٥]
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾:
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا﴾: ثمّ للترتيب والتّراخي، أرسلنا: ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة للبيان.
﴿مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾: التّسع: العصا واليد والطّوفان والجراد والقمل والضّفادع والدّم والسّنين، ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات.
﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: السّلطان: هو الحُجَّة القوية الّتي لا تُدحض، مثل العصا واليد.
﴿مُبِينٍ﴾: بيِّن واضح لكلّ فرد أنّها معجزة إلهية لا تحتاج إلى برهان ودليل. وقيل: السّلطان المبين غالباً هي العصا؛ لأنّها كانت أقوى الأدلة من حيث تحولها إلى حية تلقف ما يأفكون، وقد يراد بالسّلطان كلُّ الآيات معاً.
سورة المؤمنون [٢٣: ٤٦]
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾:
﴿فِرْعَوْنَ﴾: لقب لكلِّ من كان يحكم مصر مثل كسرى لقب لمن كان يحكم الفرس وقيصر لمن كان يحكم الرّوم، ويجب الانتباه إلى أن فرعون الذي ربى موسى هو رمسيس الثاني (وهو الفرعون الثالث)، وفرعون الخروج الذي أغرق هو ابن رمسيس الثاني، وقيل: اسمه (منفتاح)، وهو المقصود في هذه الآية. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) للبيان.
﴿وَمَلَإِيهِ﴾: وخص فرعون وملئه ولم يذكر قوم فرعون (القبط)؛ لأن دعوة موسى وهارون كانت خاصة لفرعون وملئه وهم أشراف القوم أو من
стр. 3349
يمثلون القوم ونسمِّيهم اليوم النّواب أو مجلس الشّعب أو رؤساء العشائر. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٧٥، ٨٨) لمزيد من البيان.
﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، استكبروا؛ أي: أفرطوا في الكبرياء، وأظهروا تكبرهم وعظم شأنهم فوق ما يستحقون، وأبوا الطّاعة والاستجابة لموسى وهارون، ولم يسمعوا لموسى وهارون. والكبر هو إظهار عظم الشأن ورفع النفس فوق ما تستحق؛ أي: استكبروا كبرياءً شديداً.
﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾: عالي: جمع عال؛ اسم فاعل من علا يعلو، أصله العالي؛ عالين على الخلق (بني إسرائيل) بالقدرة عليهم بالظّلم والبغي والاستبداد والقهر.
سورة المؤمنون [٢٣: ٤٧]
﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾:
﴿فَقَالُوا﴾: أيْ: فرعون وملئه، الفاء: تدل على المباشرة، فقالوا لبعضهم بعضاً.
﴿أَنُؤْمِنُ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّعجبي: أنصدق أو نتبع.
﴿لِبَشَرَيْنِ﴾: اللام لام الاختصاص، بشرين: موسى وهارون.
﴿وَقَوْمُهُمَا﴾: أيْ: بني إسرائيل.
﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾: اللام لام الاختصاص، عابدون: خاضعون ومطيعون (لنا خدم وعبيد) أو كون بعضهم عبدوا فرعون قهراً ومن دون إرادتهم.
سورة المؤمنون [٢٣: ٤٨]
﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾:
﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾: الفاء للمباشرة، كذبوهما: أيْ: موسى وهارون أيْ: لم يؤمنوا بالآيات كلها، وبما جاء به موسى وهارون.
стр. 3350
﴿فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، المهلكين بالموت بالغرق.
سورة المؤمنون [٢٣: ٤٩]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿آتَيْنَا﴾: من الإيتاء ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة للبيان.
﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أي: التّوراة، ولم يذكر هارون هنا؛ لأنّ هارون كان وزيراً لموسى.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل للتعليل، والخطاب لبني إسرائيل يهتدون، أيْ: من أجل هدايتهم إلى الغاية، وهي امتثال أوامر الله تعالى وتجنب نواهيه وتطبيق ما جاء من الشرائع والأحكام في التّوراة.
سورة المؤمنون [٢٣: ٥٠]
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾:
﴿ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾: جمعهما في آية واحدة والآية هي البيِّنة والدّلالة أو المعجزة على عظمة وقدرة الخلق سبحانه أن يخلق ولداً من دون أب، فقد خلق سبحانه آدم من تراب من غير أب ولا أم، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق النّاس من ذكر وأنثى. وأخَّر كلمة آية، وقدَّم ابن مريم وأمه، أيْ: جعلناهم آية من الآيات الكثيرة الأخرى. ارجع إلى سورة مريم آية (٢١) للمقارنة.
﴿وَآوَيْنَاهُمَا﴾: من الإيواء: وجعلنا مأواهما أو منزلهما.
﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾: الرّبوة: المكان المرتفع من الأرض. قيل: هي بيت المقدس، كما قال ابن عبّاس أو قيل: مصر أو أرض فلسطين (الرملة) والإيواء كان حين
стр. 3351
فرَّت مريم بعيسى خوفاً عليه من القتل، وكان الفرار لمدة (١٢ سنة) ثمّ رجعت بعد ذلك إلى أهلها.
﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾: فيها الكثير من الثّمار والزّروع لا يحتاج صاحبها للرحيل لطلب العيش.
﴿وَمَعِينٍ﴾: أيْ: ظاهر مدرك بالعين ماء جار ظاهر على وجه الأرض.
معين: اسم مفعول من عان فهو معيون (ظاهر للعين) أو مشتق من معن بمعنى جرى وأسرع.
فيكون المعنى: ماء ظاهر مدرك بالعين يجري سريعاً.
سورة المؤمنون [٢٣: ٥١]
﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الطّيبات: جمع الطّيب، وهو كلّ حلال طاهر، والطّيبات كلّ ما طاب من المأكل. ارجع إلى سورة الأنفال آية (٦٩) لمزيد من البيان.
والنّداء إلى جميع الرّسل، أي: الأنبياء والرّسل، فكلّ من الرّسل خوطب في زمانه بنفس النّداء بالأكل من الحلال والطيب.
﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾: والعمل الصّالح: ويشمل كلّ ما شرع الله من الفرائض والنّوافل والذّكر والطاعات إلى درجة إماطة الأذى عن الطّريق، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؛ فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» متفق عليه.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
стр. 3352
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، ما مصدرية أو اسم موصول بمعنى الّذي، وما: أوسع شمولاً من الذي.
﴿تَعْمَلُونَ﴾: العمل يضم الأقوال والأفعال.
﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة لعالم عليم وعلامة أحاط علمه بكلّ من في السّموات والأرض وما فيهن، وكل زمان ومكان لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السّماء.
سورة المؤمنون [٢٣: ٥٢]
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾:
﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾: إنّ للتوكيد، هذه: اسم إشارة، والهاء للتنبيه.
﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: الأمة معناها هنا الملة والدِّين، ولها معان أخرى منها الجماعة والحين والزمان والرجل الجامع للخير الّذي يُقتدى به، مثل إبراهيم ﵇، أيْ: ملتكم أو شريعتكم ملة واحدة، واحدة (ملة الإسلام أو الحنيفية السّمحة)، وإن اختلفت في المنهج، كما قال تعالى ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾: بامتثال أوامر الله وتجنب نواهيه، وارتقوا إلى أعلى درجات التّقوى، ولم يقل لهم: وأنا ربكم فاعبدون؛ لأنّ الإيمان والعبادة أمر بديهي للرسل، ولكن فاتقون: أي: ارتقوا إلى أعلى درجات التّقوى؛ لأنّكم الأسوة لغيركم من النّاس، وحين يخاطب سائر النّاس يقول: وأنا ربكم فاعبدون، وأنا ربكم: دليل على الوحدانية، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢].
فما هو الفرق بين التّقوى والعبادة؟
العبادة: فعل يحصل به التّقوى، والعبادة فعل ما أمر به الشارع واجباً كان
стр. 3353
أم مستحباً. ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣)، والأنبياء آية (١٠٦) لبيان معنى العبادة.
التّقوى: هي الغاية من العبادة. فالتقوى = العبادة + كف النّفس عن كلّ حرام ومكروه، وإذا قيل: إنّ العبادة هي التّقوى فما ذلك إلا من قبيل المجاز، والغاية من التّقوى هي لقاء الله تعالى والقرب منه.
سورة المؤمنون [٢٣: ٥٣]
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾:
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم﴾: الفاء للتوكيد، تقطعوا أمرهم: دينهم، تقطعوا: انقسموا وتفرقوا إلى فرق، وأحزاب وطوائف.
﴿بَيْنَهُمْ﴾: أيْ: كلّ أمة تفرَّقت إلى فرق وطوائف مختلفة.
﴿زُبُرًا﴾: جمع زُبْرَه؛ أي: قِطعاً، قطعوا دينهم قِطعاً وزبراً جعلوا دينهم شرائع وتعاليم مختلفة (جمع زبور) أيْ: كالكتب المتعدِّدة.
﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾: كلُّ فرق والحزب جماعة من النّاس تجمعهم آراءٌ أو مبادئُ أو عقائدُ واحدة.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، ما بمعنى الّذي.
﴿لَدَيْهِمْ﴾: من الاعتقادات الباطلة، أو الاعتقادات أنّهم على حقٍّ وغيرهم ليس على حقٍّ.
﴿فَرِحُونَ﴾: أيْ: كل حزب يفرح بمبادئه وتصوراته إنه على الحق أو أفضل من غيرها، أو أكثر عدداً، وغيرها من الأسباب الوهمية وغير الحقيقية، وفرحون جملة اسمية تدل على الثّبوت، أيْ: سوف يستمرون على فرحهم، ولن يرجعوا إلى صوابهم. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠) لبيان معنى الفرح ونوعه.
стр. 3354
سورة المؤمنون [٢٣: ٥٤]
﴿فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾:
﴿فَذَرْهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، والخطاب للنبي وغيره من المؤمنين، ذرهم: اتركهم ودعهم وشأنهم؛ أي: كفار مكة وغيرهم من الذين فرقوا دينهم.
﴿فِى غَمْرَتِهِمْ﴾: من الغمرة: مشتق من الماء الّذي يغمر قامة الرّجل حتّى يمنع عنه التّنفس، فلا يبقى له أمل في الحياة، وتعني ذرهم في جهلهم وكفرهم وضلالهم وغيهم وفسادهم ومعاصيهم.
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
﴿حِينٍ﴾: الحين مدَّة قد تطول أو تقصر غير محدَّدة، حتّى حين يأتيهم العذاب أو يموتون بانقضاء آجالهم.
سورة المؤمنون [٢٣: ٥٥]
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَّالٍ وَبَنِينَ﴾:
﴿أَيَحْسَبُونَ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري، الجواب محذوف، يحسبون: من الحساب وهو ظنُّهم الرّاجح المبني على الحساب والتّجربة والنّظر.
﴿أَنَّمَا﴾: للقصر.
﴿نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾: من المدِّ، ويكون بطريق الزيادة. وقيل: المد يكون في الشر، وأما الإمداد يكون في الخير أو القوة.
﴿مِنْ﴾: ابتدائية بعضية.
﴿مَّالٍ وَبَنِينَ﴾: بزيادة المال والبنين.
سورة المؤمنون [٢٣: ٥٦]
﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾:
﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾: نعجل لهم، اللام لام الاختصاص.
стр. 3355
﴿فِى الْخَيْرَاتِ﴾: في ظرفية، الخيرات: الخير هو الشّيء الحلال الحسن النّافع ويشمل المال والصّحة والطّعام والشّراب والأمن والأولاد.
﴿بَلْ﴾: حرف إضراب إبطالي تبطل ما قبلها وتثبت ما بعدها.
﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾: لا النّافية، لا يشعرون أنّه استدراج لعذابهم والانتقام منهم، وتقدير الكلام: أيحسبون أنما عندهم من مال وبنين، ونسارع لهم في الخيرات هو خيراً لهم، بل هو شرٌّ لهم ليزدادوا إثماً.
سورة المؤمنون [٢٣: ٥٧]
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾:
بعد أن ذكر الّذين فرقوا دينهم وأصبحوا كلّ حزب بما لديهم فرحون، يذكر بالمقابل الّذين يخشون ربهم ولا يشركون به، ويؤتون ما آتوا وقلوبهم وجِلَة أولئك الّذين يسارعون في الخيرات حقاً لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ﴾: إنّ: للتوكيد، الّذين اسم موصول يفيد المدح، هم: للتوكيد مرة أخرى.
﴿مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾: من ابتدائية، خشية ربهم: الخشية تعني: الخوف المملوء بالمهابة والتّوقير والعلم بالله (صفاته وأسمائه).
﴿مُّشْفِقُونَ﴾: من الإشفاق: هو العناية المشوبة بالخوف والشّعور بالتّقصير بحقِّ الله، مقصرون بحقِّ الله، أو الظّن بأنّهم لم يؤدُّوا حق الله، أو خائفون أنّ الله لن يقبل منهم عملهم الصّالح.
سورة المؤمنون [٢٣: ٥٨]
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة، وتكرار والذين هم: للتوكيد والتعظيم.
стр. 3356
﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾: الباء للإلصاق والمصاحبة، آيات ربهم القرآنية والكونية والمعجزات والأدلة والبراهين يصدِّقون بها، وتكرار إنّ الّذين هم ثلاث مرات يفيد التّوكيد، ولكلّ آية معناها الخاص.
سورة المؤمنون [٢٣: ٥٩]
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ﴾: ارجع إلى الآية السابقة.
انتبه: لماذا لم يأتِ الله سبحانه بهذه الآية أولاً محذِّراً من الشّرك قبل الإيمان، وجاءت بعد آية الإشفاق والخشية وآية الإيمان بآيات الله تعالى؟
الجواب: لأنّه سبحانه لا يتحدَّث عن الشّرك الجلي والشّريك والولد والندِّ في هذه الآية إنما يتحدَّث عن الشّرك الخفي وهو الرّياء الّذي لا يكاد يخلو منه مؤمنٌ، ولذلك جاءت متأخرة.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ﴾: تفيد التّوكيد والمدح.
﴿بِرَبِّهِمْ﴾: الباء للإلصاق والمصاحبة.
﴿لَا يُشْرِكُونَ﴾: لا النّافية، يشركون: شركاً خفياً، أيْ: لا يراؤون، ناهيك عن الشّرك الجلي، فهذا غير وارد في حقِّهم، أو لا يتصور أن يكون من صفاتهم بعد الخشية والإشفاق والإيمان، وهذا تحذير شديد فربما يكون هناك من يفعل ذلك، فيا حسرة عليهم.
стр. 3357
سورة المؤمنون [٢٣: ٦٠]
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾:
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح. ارجع إلى الآية (٥٩، ٥٨، ٥٧).
﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾: ما أتوا: ما: مبهمة لتشمل كل أنواع العطاء والإيتاء والصدقات وغيرها ولا تحدد المقدار، وتشمل المال والطعام والعلم والنصيحة، والحقوق والأمانات والمساعدات يؤتون غيرهم، وجاءت بصيغة المضارع الدالة على التجدد والتكرار.
﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾: الوجل هو الخوف والقلق وعدم الاطمئنان يشارك به القلب بتسرع في ضربات القلب وقشعريرة في الجلد، قلوبهم وجلة ألا يقبل منهم عملهم الصّالح من صدقة أو صلاة أو صيام أو غيرها.
﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾: أنّهم للتوكيد، إلى ربهم: تقديم إلى للحصر؛ أيْ: فقط إلى ربهم راجعون أيْ: موقنون بالرّجوع إلى ربهم والوقوف بين يديه للحساب.
سورة المؤمنون [٢٣: ٦١]
﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد. يشير إلى الّذين ذكروا في الآيات الأربع السّابقة (٥٧، ٥٨، ٥٩، ٦٠).
﴿يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ﴾: ولم يقل: يسرعون، يسارعون مشتقة من يسارع
стр. 3358
يعني: يرى غيره يسرع فيحاول اللحاق به والتّفوق عليه، أيْ: فيها مبالغة لفعل يسرع، أمّا يسرعون من أسرع يُسرع بذاته من دون منافسة.
يسارعون في الخيرات: ولم يقل إلى الخيرات، في ظرفية تعني كانوا سابقاً في سراع أو يسرعون في فعل الخيرات، والآن هم أشد سرعة أو ازداد فعلهم للخيرات من الزّمن السّابق.
﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾: هم للتوكيد، لها: اللام لام الاختصاص، أي: السّباق لأجل فعل الخيرات، أيْ: في نيتهم أو قصدهم أن يسبقوا النّاس، سابقون؛ أي: هم أهل لهذا السباق والمشاركة فيه، والنّتيجة هم السّابقون لا غيرهم، أو إذا كان هناك متسابقون فهم في طليعة الفائزون.
سورة المؤمنون [٢٣: ٦٢]
﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾:
بعد ذكر يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون يبين الله في هذه الآية القانون الرّباني وهو:
﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: الوسع: لغة يساوي القدرة + المخزون الاحتياطي، فالوسع، أي: القيام بكل الأوامر التّكليفية مع عمل النوافل كاملة، وفي حالات الضّيق والشّدة عندها يلتزم بالرّخص الشّرعية، فالله سبحانه يقبل عذر من بذل ما في وسعه في المسارعة في فعل الخيرات.
﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: لا النّافية، نكلف من التّكاليف الشّرعية من العبادات، إلا: أداة حصر، وسعها قدرتها + الاحتياطي، والوسع الحقيقي لا يقدره أو لا يعلمه إلا الله، مع العلم أن لكل إنسان وسع وطاقة تختلف عن الآخر.
﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾: أيْ: سجل أعمال العبد، الّذي كتبته الملائكة الحافظون
стр. 3359
الكرام الكاتبون، ولم يقل: وعندنا، لدينا: تستعمل للمؤمنين فهم من المقربين، وقيل: لدينا كتاب قد يشمل القرآن أيضاً.
﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق، والمصاحبة، الحق الأمر الثّابت الّذي لا يتغيَّر، أيْ: ينطق يوم القيامة دون زيادة أو نقصان على أعمالهم كقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [الإسراء: ١٤].
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: هم تفيد التّوكيد، لا يظلمون: بزيادة سيئة أو نقص حسنة، ولا يظلمون فتيلاً أو نقيراً أو مثقال حبة من خردل.
سورة المؤمنون [٢٣: ٦٣]
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾:
﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي.
﴿قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا﴾: قلوبهم تعود على الكفار: الّذين تقطعوا أمرهم بينهم كلّ حزب بما لديهم فرحون.
قلوبهم في غمرة في غفلة وجهالة، أو عدم يقظة. ارجع إلى الآية (٥٤) من نفس السّورة لمزيد من البيان. وقوله: قلوبهم في غمرة، ولم يقل: هم في غمرة، بل قلوبهم؛ لأن القلب هو يعمى، وهو مستودع الإيمان واليقين والعقاب، وهو الذي يسيطر على الجوارح كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦].
﴿مِّنْ هَذَا﴾: من ابتدائية، هذا اسم إشارة للتقريب تعني من كتاب الحفظة أو كتاب أعمالهم، أو تعني القرآن الكريم في غمرة تمنعهم من الوصول إلى فهم القرآن وتدبُّر معانيه أو الاستعداد ليوم الحساب.
كما قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].
стр. 3360
﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾: ولهم: اللام لام الاختصاص، أعمال من دون ذلك: أعمال غير الأعمال الّتي كتبها الحفظة لا بُدَّ أن يعملوها في المستقبل، سبق علمه سبحانه بها منذ الأزل.
أو الأعمال دون ذلك: أيْ: لهم أعمال غير تلك الأعمال الّتي عملوها يمهلهم الله لكي يعملوها من الأعمال السّيئة، فإذا عملوها جاء أمر ربك بالعذاب أو أعمال دون الشّرك والكفر من المعاصي والآثام، لا بُدَّ أن يعملوها قريباً.
سورة المؤمنون [٢٣: ٦٤]
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْئَرُونَ﴾:
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية فيها معنى الشّرط.
﴿أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ﴾: الأخذ يعني: القتل والانتقام بقوة وشدة بحيث لا يستطيع أحدهم أن يفلت من القتل والخزي والعذاب. مترفيهم جمع مترف بالعذاب: أولي النّعمة والتّرف والتبذير، التّرف: هو الغنى والتنعم المذموم الّذي تجاوز التّبذير والإسراف. والسؤال: هل العذاب أخذهم وحدهم بدون أن يعم الناس عامة؟ طبعاً العذاب عم الكل، ولكن الله سبحانه وعد المؤمنين بالنجاة والنصر كما قال تعالى في سورة غافر آية (٥١): ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وقوله تعالى في سورة الروم آية (٤٧): ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِذَا هُمْ﴾: إذا ظرف زماني يفيد الفجأة، هم للتوكيد.
﴿يَجْئَرُونَ﴾: يصرخون: يصيحون يطلبون الخلاص أو الاستغاثة.
ويجأر: يصرخ بصوت عال يسمعه كلّ من حوله طالباً من أحد أن ينقذه أو يدفع عنه المحنة.
стр. 3361
سورة المؤمنون [٢٣: ٦٥]
﴿لَا تَجْئَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾:
﴿لَا﴾: النّاهية.
﴿تَجْئَرُوا الْيَوْمَ﴾: أيْ: لا تستغيثوا اليوم بنا من العذاب. اليوم: يوم القيامة.
﴿إِنَّكُمْ﴾: إن للتوكيد.
﴿مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾: تعليل للنهي عن الجئر؛ لأنّه لن ينفعكم، منا هنا تدل على أنّه إذا وجد أحد ينصركم فهو نحن حصراً، وهذا لن يحدث.
والأسباب لعدم نصركم والاستجابة لكم كثيرة منها:
سورة المؤمنون [٢٣: ٦٦]
﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾:
﴿قَدْ﴾: للتحقيق والتّوكيد.
﴿كَانَتْ آيَاتِى﴾: آيات القرآن وسماها آياتي لزيادتها تكريماً وتشريفاً.
﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: أيْ: تقرأ عليكم. والتلاوة: تكون من القرآن، أو الكتب المنزلة، وهي أخص من القراءة ولها أجر، والتلاوة: لا تكون إلا لكلمتين أو أكثر، أو تعني: اتباع الشيء بالشيء، والقراءة: قد تكون من القرآن، أو غيره، وتكون من كلمة واحدة.
﴿فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾: العقب هو مؤخر القدم، أيْ: كنتم حين يُتلى عليكم القرآن تتولَّون مدبرين لا تريدون الاستماع إليه، ولا الانتفاع به كالّذي يرجع القهقرى إلى الخلف ويغمض عينيه ولا يريد الهداية.
سورة المؤمنون [٢٣: ٦٧]
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾:
﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾: مظهرين تكبرهم وعظم شأنهم فوق ما يستحقون؛ لأنّ
стр. 3362
مؤهلات الكبر كالمال والجاه والسّلطان كلها من الله فهم لا يملكون تلك المؤهلات.
﴿بِهِ﴾: تعود للبيت الحرام، أي: العتيق، مستكبرين بسببه، أو تعود إلى القرآن الكريم، أو الرّسول ﷺ .
مستكبرين بالقرآن: أيْ: مكذبين له، كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦].
﴿سَامِرًا﴾: بمعنى: متسامرين أو حديث السّمر: حديث اللّيل حيث كانوا يجتمعون ليلاً من فعل سَمُر فلان يَسْمُر إذا تحدث ليلاً، والسّمر قيل: هو ضوء القمر، ثمّ أطلق على اللّيل، أيْ: يتحدثون حول الكعبة في ضوء القمر، وجعلوا البيت الحرام أو القرآن أو الرّسول ﷺ مادةَ سمرهم ويتسامرون بالحرم، بذكر الحرم وأنهم أهله، وولاته، فلا يخافون النّاس، ويستكبرون على سائر الأمم الأخرى به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].
أو يتسامرون بالقرآن أنّه شعر أو سحر أو أساطير الأولين أو يتسامرون برسول الله ﷺ ويقولون: إنّه افترى القرآن أو يعلِّمه بشر.
﴿تَهْجُرُونَ﴾: من هجر يهجر فهو هاجر: أيْ: هذى من الهذيان وتكلم بكلام غير صحيح، أيْ: هو لغو وهذيان أو تهجرون الطواف بالبيت بسبب حديث السمر، وقد تشمل تهجرون ذكر الله وكتابه أيضاً بانشغالكم باللغو وحديث السمر.
سورة المؤمنون [٢٣: ٦٨]
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾:
﴿أَفَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام وتوبيخ وسبب توبيخهم لأنّهم:
стр. 3363
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾: القول: القرآن، أو آية أو عدة آيات، والقول يشمل القرآن وغيره من القول، وسمي القول يعني: المقول بعينه، أو لأنهم خوطبوا به. يدبروا: أصلها يتدبروا: أبدلت التاء دالاً: لقرب المخرج وأدغمت مع الدّال الثّانية لما لم يتدبروا ويفهموا ما جاءهم في القرآن الكريم، وهو القول، ولو تدبَّروه وفهموا معانيه لظهر لهم صدقه وآمنوا به واهتدوا، والتّدبر: فهم المعنى والعمل به وتطبيقه. والفرق بين يتدبروا ويدبروا: يتدبروا تحتاج إلى تدبر؛ أي: زمن طويل وطول تأمل وتفكر تدبر عقلي وفكري مثلاً، أما يدبروا: تحتاج زمن قصير وتأمل قليل. ارجع إلى سورة محمد آية (٢٤) لمزيد من البيان.
﴿أَمْ﴾: المنقطعة بمعنى أم للإضراب الانتقالي، والهمزة للاستفهام، وقد تعني: بل جاءهم.
﴿جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: كقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] أيْ: لِمَ كان مجيء محمّد ﷺ غريباً عليهم أو لا يصدقونه فقد جاء لكلّ أمة رسولها.
سورة المؤمنون [٢٣: ٦٩]
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة استفهام وتوبيخ، ام: للإضراب الانتقالي.
﴿لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾: الّذي عاش بينهم طوال حياته ولم يعرفوا سيرته ونسبه ومسكنه قبل أن يبعث وسمَّوه الصّادق الأمين.
﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾: أم هم يعرفونه حقاً، ولكنهم يزعمون أو ينكرون أنّهم لا يعرفونه، وهذا توبيخ لهم. منكرون: جمع منكِر، والإنكار: هو أعم من الجحد، ويكون مع العلم، أو غير العلم بالشيء، أو النعمة، أو الرسول.
стр. 3364
وقال: رسولهم، ولم يقل: أم لم يعرفوا الرّسول، نسب الرّسول إليهم؛ لأنّهم لا يمكن لهم إنكار ذلك.
سورة المؤمنون [٢٣: ٧٠]
﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي.
﴿يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾: جنة: مصدر من جنَّ على وزن فعلة، أم يقولون: به جنون كما قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]. ارجع إلى الآية (٢٥) من نفس السّورة لمزيد من البيان في جِنَّةٍ.
وكلمة يقولون بصيغة المضارع تدل على استمرار وتجدُّد قولهم: به جِنَّة.
﴿بَلْ﴾: حرف للإضراب الإبطالي، أيْ: يبطل معنى ما سبق، أيْ: ليس ﷺ به جنة، بل جاءهم بالحق.
﴿جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾: بالقرآن، وبالوحي والباء للإلصاق والمصاحبة.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾: كارهون: جمع كاره، أيْ: لا يريدون الحق؛ لأنّه يخالف شهواتهم وأهواءَهم، وكراهيتهم للحق هو أحد الأسباب الباطنة الّتي لا يعترفون بها، ولم يقل: الكل للحق كارهون، ولكن قال: أكثرهم، فهناك القليل الّذين يعلمون أنّه الحق وهم غير كارهين له.
وكارهون: جملة اسمية تدل على الثّبوت، كرههم للحق مستمر وثابت، لن يتغيَّر.
سورة المؤمنون [٢٣: ٧١]
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾:
﴿وَلَوِ﴾: لو الشّرطية.
стр. 3365
﴿اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾: لو نزل القرآن الكريم كما يتمنَّون ويحبون، كما قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
أو كما قالوا: اتخذ ولداً، أو له شريك في الملك أو استجاب لمطالبهم كما يحبون أو يريدون.
﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾: جمع هوى، والهوى: ما يدور في العقل، وما تريده النفس، وتميل إليه باطلاً، أو بما ينبغي، ولا دليل عليه، والهوى: يغلب عليه صفة الذّم، والهوى: يكون إما بالأداء، أو الاعتقادات.
﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: خرجت عن نظامها الثّابت؛ لأنّ كلّ إله يريد أن يدبِّر ويُسير السّموات والأرض كما يشاء، أو يحكم كما يشاء. لما استقامت الحياة على الأرض وحدث الهلاك والدّمار.
﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾: الملائكة والجن والإنس، والحيوان والنّبات والجماد، كلٌّ حسب هواه وشهواته.
﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي.
﴿أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ﴾: بالقرآن الّذي هو ذكرهم، والذْكر: هو الشرف والفخر، والذكر هو البيان يبين لكم التّكاليف والأحكام الّتي تحتاجون لها، والذكر: يعني يذكركم بالخالق.
﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾: فهم للتوكيد، عن ذكرهم معرضون: فهم عن كتابهم مبتعدون ومهملون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
معرضون: جملة اسمية تدل على الثّبوت والاستمرار في الإعراض.
следующие страницы →