Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
سورة المؤمنون [٢٣: ٦٥]
﴿لَا تَجْئَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾:
﴿لَا﴾: النّاهية.
﴿تَجْئَرُوا الْيَوْمَ﴾: أيْ: لا تستغيثوا اليوم بنا من العذاب. اليوم: يوم القيامة.
﴿إِنَّكُمْ﴾: إن للتوكيد.
﴿مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾: تعليل للنهي عن الجئر؛ لأنّه لن ينفعكم، منا هنا تدل على أنّه إذا وجد أحد ينصركم فهو نحن حصراً، وهذا لن يحدث.
والأسباب لعدم نصركم والاستجابة لكم كثيرة منها:
سورة المؤمنون [٢٣: ٦٦]
﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾:
﴿قَدْ﴾: للتحقيق والتّوكيد.
﴿كَانَتْ آيَاتِى﴾: آيات القرآن وسماها آياتي لزيادتها تكريماً وتشريفاً.
﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: أيْ: تقرأ عليكم. والتلاوة: تكون من القرآن، أو الكتب المنزلة، وهي أخص من القراءة ولها أجر، والتلاوة: لا تكون إلا لكلمتين أو أكثر، أو تعني: اتباع الشيء بالشيء، والقراءة: قد تكون من القرآن، أو غيره، وتكون من كلمة واحدة.
﴿فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾: العقب هو مؤخر القدم، أيْ: كنتم حين يُتلى عليكم القرآن تتولَّون مدبرين لا تريدون الاستماع إليه، ولا الانتفاع به كالّذي يرجع القهقرى إلى الخلف ويغمض عينيه ولا يريد الهداية.
سورة المؤمنون [٢٣: ٦٧]
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾:
﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾: مظهرين تكبرهم وعظم شأنهم فوق ما يستحقون؛ لأنّ
стр. 3362
مؤهلات الكبر كالمال والجاه والسّلطان كلها من الله فهم لا يملكون تلك المؤهلات.
﴿بِهِ﴾: تعود للبيت الحرام، أي: العتيق، مستكبرين بسببه، أو تعود إلى القرآن الكريم، أو الرّسول ﷺ .
مستكبرين بالقرآن: أيْ: مكذبين له، كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦].
﴿سَامِرًا﴾: بمعنى: متسامرين أو حديث السّمر: حديث اللّيل حيث كانوا يجتمعون ليلاً من فعل سَمُر فلان يَسْمُر إذا تحدث ليلاً، والسّمر قيل: هو ضوء القمر، ثمّ أطلق على اللّيل، أيْ: يتحدثون حول الكعبة في ضوء القمر، وجعلوا البيت الحرام أو القرآن أو الرّسول ﷺ مادةَ سمرهم ويتسامرون بالحرم، بذكر الحرم وأنهم أهله، وولاته، فلا يخافون النّاس، ويستكبرون على سائر الأمم الأخرى به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].
أو يتسامرون بالقرآن أنّه شعر أو سحر أو أساطير الأولين أو يتسامرون برسول الله ﷺ ويقولون: إنّه افترى القرآن أو يعلِّمه بشر.
﴿تَهْجُرُونَ﴾: من هجر يهجر فهو هاجر: أيْ: هذى من الهذيان وتكلم بكلام غير صحيح، أيْ: هو لغو وهذيان أو تهجرون الطواف بالبيت بسبب حديث السمر، وقد تشمل تهجرون ذكر الله وكتابه أيضاً بانشغالكم باللغو وحديث السمر.
سورة المؤمنون [٢٣: ٦٨]
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾:
﴿أَفَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام وتوبيخ وسبب توبيخهم لأنّهم:
стр. 3363
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾: القول: القرآن، أو آية أو عدة آيات، والقول يشمل القرآن وغيره من القول، وسمي القول يعني: المقول بعينه، أو لأنهم خوطبوا به. يدبروا: أصلها يتدبروا: أبدلت التاء دالاً: لقرب المخرج وأدغمت مع الدّال الثّانية لما لم يتدبروا ويفهموا ما جاءهم في القرآن الكريم، وهو القول، ولو تدبَّروه وفهموا معانيه لظهر لهم صدقه وآمنوا به واهتدوا، والتّدبر: فهم المعنى والعمل به وتطبيقه. والفرق بين يتدبروا ويدبروا: يتدبروا تحتاج إلى تدبر؛ أي: زمن طويل وطول تأمل وتفكر تدبر عقلي وفكري مثلاً، أما يدبروا: تحتاج زمن قصير وتأمل قليل. ارجع إلى سورة محمد آية (٢٤) لمزيد من البيان.
﴿أَمْ﴾: المنقطعة بمعنى أم للإضراب الانتقالي، والهمزة للاستفهام، وقد تعني: بل جاءهم.
﴿جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: كقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] أيْ: لِمَ كان مجيء محمّد ﷺ غريباً عليهم أو لا يصدقونه فقد جاء لكلّ أمة رسولها.
سورة المؤمنون [٢٣: ٦٩]
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة استفهام وتوبيخ، ام: للإضراب الانتقالي.
﴿لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾: الّذي عاش بينهم طوال حياته ولم يعرفوا سيرته ونسبه ومسكنه قبل أن يبعث وسمَّوه الصّادق الأمين.
﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾: أم هم يعرفونه حقاً، ولكنهم يزعمون أو ينكرون أنّهم لا يعرفونه، وهذا توبيخ لهم. منكرون: جمع منكِر، والإنكار: هو أعم من الجحد، ويكون مع العلم، أو غير العلم بالشيء، أو النعمة، أو الرسول.
стр. 3364
وقال: رسولهم، ولم يقل: أم لم يعرفوا الرّسول، نسب الرّسول إليهم؛ لأنّهم لا يمكن لهم إنكار ذلك.
سورة المؤمنون [٢٣: ٧٠]
﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي.
﴿يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾: جنة: مصدر من جنَّ على وزن فعلة، أم يقولون: به جنون كما قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]. ارجع إلى الآية (٢٥) من نفس السّورة لمزيد من البيان في جِنَّةٍ.
وكلمة يقولون بصيغة المضارع تدل على استمرار وتجدُّد قولهم: به جِنَّة.
﴿بَلْ﴾: حرف للإضراب الإبطالي، أيْ: يبطل معنى ما سبق، أيْ: ليس ﷺ به جنة، بل جاءهم بالحق.
﴿جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾: بالقرآن، وبالوحي والباء للإلصاق والمصاحبة.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾: كارهون: جمع كاره، أيْ: لا يريدون الحق؛ لأنّه يخالف شهواتهم وأهواءَهم، وكراهيتهم للحق هو أحد الأسباب الباطنة الّتي لا يعترفون بها، ولم يقل: الكل للحق كارهون، ولكن قال: أكثرهم، فهناك القليل الّذين يعلمون أنّه الحق وهم غير كارهين له.
وكارهون: جملة اسمية تدل على الثّبوت، كرههم للحق مستمر وثابت، لن يتغيَّر.
سورة المؤمنون [٢٣: ٧١]
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾:
﴿وَلَوِ﴾: لو الشّرطية.
стр. 3365
﴿اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾: لو نزل القرآن الكريم كما يتمنَّون ويحبون، كما قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
أو كما قالوا: اتخذ ولداً، أو له شريك في الملك أو استجاب لمطالبهم كما يحبون أو يريدون.
﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾: جمع هوى، والهوى: ما يدور في العقل، وما تريده النفس، وتميل إليه باطلاً، أو بما ينبغي، ولا دليل عليه، والهوى: يغلب عليه صفة الذّم، والهوى: يكون إما بالأداء، أو الاعتقادات.
﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: خرجت عن نظامها الثّابت؛ لأنّ كلّ إله يريد أن يدبِّر ويُسير السّموات والأرض كما يشاء، أو يحكم كما يشاء. لما استقامت الحياة على الأرض وحدث الهلاك والدّمار.
﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾: الملائكة والجن والإنس، والحيوان والنّبات والجماد، كلٌّ حسب هواه وشهواته.
﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي.
﴿أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ﴾: بالقرآن الّذي هو ذكرهم، والذْكر: هو الشرف والفخر، والذكر هو البيان يبين لكم التّكاليف والأحكام الّتي تحتاجون لها، والذكر: يعني يذكركم بالخالق.
﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾: فهم للتوكيد، عن ذكرهم معرضون: فهم عن كتابهم مبتعدون ومهملون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
معرضون: جملة اسمية تدل على الثّبوت والاستمرار في الإعراض.
стр. 3366
سورة المؤمنون [٢٣: ٧٢]
﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾:
﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي.
﴿تَسْئَلُهُمْ خَرْجًا﴾: تطلب منهم أجراً ومالاً على تبليغ رسالتك والدّعوة إلى الله، والخراج هو العطاء، وسُمِّي الخراج؛ لأنّه هو الّذي يخرج منك رغماً عنك أمّا الخرج ما يخرج منك طواعية.
﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾: أيْ: ما يعطيك ربك ويرزقك في الدّنيا وما يعطيك في الآخرة خيرٌ؛ أي: أفضل وأعظم أجراً ما يعطيك النّاس.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: وهو ضمير فصل يفيد التّوكيد، خير الرازقين: خير وأفضل الرازقين.
هذا من فضل الله وكرمه أنّه أعطى بعض عباده صفة الرّزق رغم أنّه سبحانه هو وحده الرّزاق الحقيقي، ويرزق من يشاء بغير حساب، والرّزق لا يقتصر على المال والمتاع، وإنّما على العلم والصّحة أي: العافية والذّرية الصّالحة والأخلاق وغيرها.
وكونهم رازقين هي صفة زائلة عنهم تنتهي عند موتهم، ويبقى الله الحيُّ القيوم هو الرّزاق الدائم.
سورة المؤمنون [٢٣: ٧٣]
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾:
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ﴾: إنّك للتوكيد، واللام في لتدعوهم لزيادة التّوكيد، أي: النّاس أجمعين، تدعوهم: تدلهم وتبيِّن لهم الصّراط المستقيم، دين الإسلام.
والصّراط المستقيم هو السّبيل الّذي يوصلك إلى غايتك وهي الجنة ورضوان الله بأقصر زمن، ومن دون عائق وأقل جهد.
стр. 3367
سورة المؤمنون [٢٣: ٧٤]
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾:
﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد، الّذين: اسم موصول يفيد الذم، لا: النّافية.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: لا يصدِّقون بالآخرة والبعث والحساب (باء الإلصاق).
﴿عَنِ الصِّرَاطِ﴾: الطّريق القويم طريق الحق والهداية، أو الدين القيم.
﴿لَنَاكِبُونَ﴾: اللام لام التّوكيد، ناكبون جمع ناكب: اسم فاعل من نكب، أيْ: حاد أو عدل أو مال، ومشتقة من المنكب وهو جانب الكتف وتعني معرضون منحرفون؛ أيْ: معرضون عن السّير على الصراط؛ أيْ: تقبُّله والعمل به.
ناكبون: جملة اسمية تدل على الثّبوت، أي: الاستمرار على الإعراض عن السير على الصراط المستقيم.
стр. 3368
سورة المؤمنون [٢٣: ٧٥]
﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾:
﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾: قيل: معطوفة على حتّى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب.
وسبب نزول هذه الآية: كما قال ابن عبّاس: الضّر وهو الجوع والفقر الّذي نزل بأهل مكة حين دعا عليهم رسول الله ﷺ فقال ﷺ : اللهم أعني على قريش بسنين كسني يوسف. رواه الواحدي في أسباب النّزول (١٧٩) وأصله في الصّحيحين أنّ رسول الله ﷺ دعا على قريش حين استعصوا فقال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأصابهم ذلك، فشكوا إليه الضّر، وأنّهم قد أكلوا القد والعظام، فنزلت هذه الآية والّتي بعدها، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب.
ولو رحمناهم: لو شرطية، رحمناهم: أيْ: أهل مكة وغيرهم، والرحمة تعريفها: جلب ما يَسرُّ ودفع ما يَضرُّ.
﴿وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾: كشفنا: رفعنا عنهم البلاء، من ضُرٍّ: والضُّر: اسم جامع لكل ما يسوء الإنسان في نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله. من: ابتدائية، ضُرٍّ: نكرة تشمل الجوع والفقر والخوف، والمرض، وما أصابهم نتيجة القحط والجدب. ارجع إلى سورة يونس آية (١٢) لمزيد من البيان.
﴿لَلَجُّوا﴾: اللام للتعليل، للجوا: من اللجاج وهو التّمادي في فعل المزجور عنه، مشتقة من لُجَّة البحر، أيْ: تردُّد أمواجه وعودتها إلى الاصطدام بالشاطئ أو بالصخر المرة بعد الأخرى بلا انقطاع، ولجَّ في الأمر: واظبه ولازمه.
стр. 3369
﴿فِى طُغْيَانِهِمْ﴾: في مجاوزتهم الحد في الكفر والشّرك أو الضّلال.
﴿يَعْمَهُونَ﴾: من العمى وهو عمى البصيرة المؤدِّي إلى التّردُّد في الأمر والحيرة وعدم الاهتداء إلى الرّشد والصّواب والاستمرار في ذلك.
سورة المؤمنون [٢٣: ٧٦]
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ﴾: أصبناهم وأنزلنا بهم العذاب بشدة، فلم ينجُ منهم أحد إلا أصابه الفقر والقحط، الباء للإلصاق والمصاحبة والاستمرار، العذاب: جاء بأل التّعريف، أي: العذاب الدّنيوي مثل سني القحط والفقر والجوع، أو قيل: القتل والأسر والهزائم، كما حصل في معركة بدر الكبرى.
﴿فَمَا﴾: الفاء: للترتيب والتّعقيب، ما: النّافية.
﴿اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾: استكان: بمعنى خضع، والاستكانة: مشتقة من السكون؛ أي: الخضوع من استكان، أي: انتقل من كَوْن إلى كوْن واستعمل كثيراً في الانتقال من كون الكبر إلى كون الخضوع.
أيْ: فما خضعوا وانقادوا وأطاعوا ربهم بعد ما أصابهم العذاب ليكشف عنهم العذاب.
﴿لِرَبِّهِمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق.
﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾: تكرار (ما): لتوكيد النّفي، فما استكانوا وما يتضرعون وفصل كلّ منهما عن الآخر، أيْ: لم يتضرعوا ولم يستكينوا، لم يفعلوا أحدهما أو كلاهما معاً، يتضرعون: وهي الدّعاء والاستغاثة والذّلة أو ما تذلَّلوا لربهم بالدّعاء، ولم يقل: وما يضرعون، الفرق بينهما:
стр. 3370
يضرعون: بالإدغام (التّاء في الطّاء) صيغة مبالغة وتعني الإكثار في الدّعاء والتّضرع والخبرة في كيفية التضرع.
يتضرعون: أطول في البناء وتدل على طول الزّمن الّذي أعطي لهم ولم يتضرعوا ولو مرة واحدة، ويتضرعون جاءت بصيغة المضارع، ولم يقل: وما تضرعوا، كما قال: وما استكانوا؛ ليدل على دوامهم واستمرارهم في عدم التّضرع، أيْ: ليس من عادتهم التّضرع، وقوله: يجأرون، لا تعني: يتضرعون. ارجع إلى الآية (٦٤) من نفس السّورة لمعرفة الفرق.
سورة المؤمنون [٢٣: ٧٧]
﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾:
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
﴿إِذَا﴾: ظرف زماني.
﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِم﴾: على قريش أو مشركي مكة، وتقديم عليهم (الجار والمجرور) أيْ: خاص بهم وليس على غيرهم. وعلى: تدل على المشقة والصعوبة والاستعلاء، وتأتي في سياق العذاب أو الشر.
﴿بَابًا﴾: مثلَ معركة بدر أو غيرها من الغزوات وأصابهم القتل والأسر، أو بابَ الجوع والقحط والضر، أو باباً من عذاب جهنم في الآخرة.
﴿ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: نعت أو صفة للباب، عذاباً شديداً: يشمل القتل والأسر والقحط والفقر والجوع، ويشمل في الآخرة كلّ أنواع العذاب مثل الأليم والمقيم والمهين.
﴿إِذَا﴾: ظرف زماني يفيد الفجأة.
﴿هُمْ﴾: للتوكيد.
стр. 3371
﴿فِيهِ﴾: ظرفية.
﴿مُبْلِسُونَ﴾: جمع مبلس والإبلاس: شدة اليأس من النّجاة، أيْ: آيسون من النّجاة ومن كلّ خير، وساكتون من شدة الحيرة والعمى.
وقيل: الإبلاس والمبلس:
١ - المبلس: الآيس من رحمة الله.
٢ - المبلس: الآيس من كلّ خير.
٣ - المبلس: اليائس المنقطع رجاؤه.
٤ - المبلس: الّذي يسكت عند انقطاع حُجَّته، أي: السّاكت، والمتحيِّر ماذا يفعل أو يقول.
٥ - وقيل: المبلس: المجهود المكروب، الحزين النّادم وقد يجمع الكل.
وأما الإبلاس قيل: الاكتئاب والحزن وشدة الحسرة.
وقيل: الإبلاس: الفضيحة.
سورة المؤمنون [٢٣: ٧٨]
﴿وَهُوَ الَّذِى أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾:
المناسبة: بعد أن بيَّن الله سبحانه إعراض المشركين عن تدبُّر القرآن والأدلة على وحدانيته أعقب ببيان بعض النّعم الّتي تدل على قدرته سبحانه فقال:
﴿أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: أنشأ: أوجد، وطور أدوات الحس هذه لكم: اللام لام الاختصاص لكم خاصة؛ لتتفكروا بها وتستدلوا على ربكم خالقكم وتستفيدوا منها في دنياكم، وتعينكم على تحقيق غاياتكم الدّنيوية والأخروية.
стр. 3372
وقدَّم السّمع على الأبصار؛ لأنّ السّمع يفوق البصر في الأهمية، ولأن السّمع ينشأ أو يُخلق قبل البصر، ولأنّ مدى السّمع أقل من مدى البصر.
وتقديم السّمع على البصر يكون في سياق الدّنيا، أمّا في سياق الآخرة فهو يقدِّم البصر على السّمع، كما في آيتي الكهف آية (٢٦)، والسّجدة آية (١٢)، أمّا لماذا جمع البصر وإفراد السّمع فارجع إلى سورة البقرة آية (٧).
﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾: أيْ: قليلٌ منكم من يشكرون على نعمة السمع والبصر وغيرها من النعم؛ (أيْ: عدد الشّاكرين منكم قليل) أو الشّكر على نعمه الكثيرة كميته قليلة جداً، أو لا تشكرونه إلا نادراً. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لمزيد من البيان في معنى الشّكر.
﴿قَلِيلًا﴾: التّنكير يفيد التّقليل، (ما) لتأكيد قلة الشّكر.
سورة المؤمنون [٢٣: ٧٩]
﴿وَهُوَ الَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾:
﴿وَهُوَ الَّذِى﴾: تكرار وهو الّذي، الّذي يفيد التّوكيد والحصر والتّعظيم.
﴿ذَرَأَكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: من ذرأ: أيْ: بثَّ أو فرَّق أو نشركم في الأرض: بالتّناسل والتّكاثر لعمارتها ووزَّعكم في أقطارها.
﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: إليه: تقديم الجار والمجرور تفيد الحصر، أيْ: فقط إليه تحشرون.
الحشر هو السّوق من الأجداث والجمع يوم القيامة في أرض المحشر للحساب، وكذلك من مظاهر قدرته الإلهية الإحياء والإماتة واختلاف الليل والنّهار، فهذه كلها موجبة لعبادته وتوحيده والإيمان به.
стр. 3373
سورة المؤمنون [٢٣: ٨٠]
﴿وَهُوَ الَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
﴿وَهُوَ الَّذِى﴾: تكرار وهو الّذي يفيد التّوكيد والحصر.
﴿يُحْىِ وَيُمِيتُ﴾: يُحيي: بنفخ الرّوح في الجنين بعد بدء تشكله، ويبقي من يشاء حياً حتّى يبلغ أجله، ويميت: من بلغ أجله.
﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: له: لام الاختصاص له وحده يرجع تدبير دوران الأرض حول نفسها وحول الشّمس؛ مما ينتج عنه تبادل الليل والنّهار بالطول والقصر، الدال على عظمة الخالق وقدرته، وهذا الدوران الدقيق يحث على التفكُّر والوصول إلى الحقيقة وإعمال العقل.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري على عدم التّعقل والتّعجُّب من ترك التّفكير، والفاء للتوكيد، ألا: أداة حضٍّ وتنبيه، وتحمل معنى الأمر.
﴿تَعْقِلُونَ﴾: من عقل الشّيء أيْ: عرفه بدليله وفهمه بأسبابه ونتائجه ووصل إلى الحقيقة وهي الإيمان به أنّه هو الإله الحق واجب الوجود المستحق للعبادة وحده وأنّه على كلّ شيء قدير.
سورة المؤمنون [٢٣: ٨١]
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾:
أيْ: لم يتعظ ويعقل مشركو وكفار قريش وغيرهم.
﴿بَلْ قَالُوا﴾: للإضراب الانتقالي.
﴿مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾: ما مصدرية أو اسم موصول بمعنى الّذي وأوسع شمولاً من الذي. ما قال الأولون: وماذا قال الأولون جاء في الآية القادمة (٨٢)
стр. 3374
والانتقال من قوله: أفلا تعقلون بصيغة المخاطب إلى قوله: بل قالوا بصيغة الغائب لقلة الاهتمام بهم وبما قالوا.
سورة المؤمنون [٢٣: ٨٢]
﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾:
﴿قَالُوا أَإِذَا﴾: الهمزة هنا همزتين همزة استفهام إنكاري واستبعاد وهمزة إذ الشّرطية. قالوا: وهم في الدنيا.
﴿مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾: مِتنا بكسر الميم، أيْ: موت عادي على فراش الموت، بينما مُتنا بضم الميم تدل على الموت في الجهاد في سبيل الله. ارجع إلى سورة آل عمران (١٥٧ - ١٥٨) لبيان الفرق بين مِتم ومُتم.
﴿وَكُنَّا تُرَابًا﴾: التّراب فوق العظام أو تستحيل النّسج والعضلات إلى تراب والعظام تتحول إلى عظام نخرة، ثمّ إلى رفاتٍ بعد الموت بزمن طويل.
﴿أَإِنَّا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والاستبعاد.
﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾: اللام للتوكيد والاستبعاد والنّفي نفي البعث، من بعد الموت والخروج من القبور والحشر والحساب.
جملة اسمية تفيد الثّبوت والاستمرار في إنكار البعث.
سورة المؤمنون [٢٣: ٨٣]
﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾:
﴿لَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا﴾: الموعود، أي: البعث بعد الموت، وآباؤنا: أيْ: أجدادنا.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل مجيء محمّد ﷺ ، أو من الأنبياء السّابقين.
стр. 3375
﴿إِنْ هَذَا﴾: إن للتوكيد، هذا اسم إشارة والهاء للتنبيه ذا: للتقريب، أي: البعث.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: جمع أسطورة أو أكذوبة من الأباطيل والأكاذيب الّتي جاء بها الأولون.
لنقارن الآية (٨٢ - ٨٣) من سورة المؤمنون وهما: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
مع الآية (٦٧ - ٦٨) من سورة النّمل وهما: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
في آية (المؤمنون) قدَّم (نحن وآباؤنا) على كلمة (هذا) أي: (البعث) فهو قدَّم المؤكد نحن وعطف عليه الآباء، ثمّ أخَّر الموعود الّذي ليس مؤكداً وهو البعث، آباؤهم في هذه الآية معروفون.
في آية النّمل قدَّم هذا (البعث) لأنّه أهم من آبائهم غير المعروفين مَنْ هم، أو قدَّم هذا؛ لأنّه يشير إلى البعث بعد كونهم تراباً الّذي هو أدعى إلى العجب والبُعد من كونهم تراباً وعظاماً.
ثم طلب الله من نبيه أن يسأل منكري البعث ثلاثة أسئلة؛ ليقيم عليهم الحُجَّة، وأن يأتي الجواب منهم.
стр. 3376
سورة المؤمنون [٢٣: ٨٤]
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
السؤال الأول: ﴿قُلْ لِمَنِ﴾: لمن اللام لام الاختصاص والملكية، قل، يا محمّد ﷺ أو اسأل أهل مكة المكذبين بالبعث والحساب والجزاء.
﴿الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾: من مالك الأرض ومن فيها من خالقها، وخالق ما فيها (من نباتات وثمرات ومعادن وخيرات وكنوز وحيوانات وأشجار وبحار وجبال).
﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال أو الشّك، إن كنتم: أهل علم ولستم من الجاهلين.
سورة المؤمنون [٢٣: ٨٥]
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾:
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾: السّين: للتوكيد، وللقرب سيقولون: لله، اللام لام الملكية والاختصاص، وبما أنّهم قالوا: لله، فهم لا ينكرون ذلك.
﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أفلا الهمزة للاستفهام الإنكاري والتعجُّب، ألا: أداة تنبيه وحضٍّ وتحمل معنى الأمر، تذكرون: ما دامت الأرض ومن فيها لله، فلماذا لا تذكرون ذلك، وتؤمنون به وتؤمنون بيوم البعث والحساب.
وحين يسأل: قل لمن الأرض ومن فيها؟ الجواب: أن تقول: لله؛ لأنّ الخطاب لكلّ من يسمع السّؤال، ولكنّه قال: سيقولون: لأنّه أراد الجواب من أهل مكة المكذِّبين بالبعث والحساب والجزاء بإقرارهم على أنفسهم ولتكون الحُجَّة عليهم؛ لأنه لا يسأل الذين يؤمنون بالله تعالى وبالبعث فهؤلاء جوابهم معلوم، وكان هذا السؤال الأول، ويكفيه التذكر أو النظر لإدراك الجواب، والسؤال الثاني ورد في الآية (٨٦) أصعب أو أعقد من الأول وفيه تحذير وتهديد، وجاء الجواب أفلا تتقون، وجاء السؤال الثالث في الآية (٨٧) فيه تحذير وتهديد أشد وأشد فكان الجواب فأنى تسحرون.
стр. 3377
سورة المؤمنون [٢٣: ٨٦]
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ .
﴿مَنْ﴾: استفهام تقريري.
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: أيْ: خالق السّموات السّبع وخالق العرش العظيم، وأعظم ما خلق سبحانه هو العرش، ثمّ السّموات السّبع والأرض، ثمّ خلق الإنسان، وكما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]. ارجع إلى سورة التوبة آية (١٢٩) لمزيد من البيان عن رب العرش العظيم، وسورة طه آية (٥)، وسورة هود آية (٧).
سورة المؤمنون [٢٣: ٨٧]
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾:
السّؤال في هذه الآية قل من رب السّموات السّبع؟ الجواب عادة: سيقولون الله، ولكنهم عدلوا عن ذلك وقالوا: لله؟ وهذا جائز في اللغة فحين تسأل من صاحب هذه الدار؟ تعني: لمن هي.
﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: أي: تطيعون أوامر الله تعالى وتجتنبون نواهيه وتجعلون بينكم وبين سخطه وغضبه أو ناره حاجزاً.
سورة المؤمنون [٢٣: ٨٨]
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾: تضم ملكوت السّموات والأرض، والملكوت هو المَلِك الّذي لا تراه وتحسه وتشاهده من ملك الله تعالى. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٧٥) لمزيد من البيان.
فالله سبحانه بيده: أيْ: في قبضته ملكوت كلّ شيء؛ مما يدل على القدرة والتّمكن والتّصرف فيها كيف يشاء، فهو سبحانه مالك المُلْك فيها معنى المِلْك،
стр. 3378
أي: الملكية والمُلْك، أي: الحكم فهو سبحانه له السّموات السّبع والأرض، وما في السّموات، وما في الأرض، وما بينهما.
وله المُلك: أيْ: هو الحاكم لهنَّ وما فيهنَّ والمدبر ومالك لهنَّ وما فيهنَّ.
وكلمة شيء نكرة تعني: كلّ شيء مهما كان نوعه وحجمه وشكله وجنسه.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾: أيْ: يتكفل بحماية من يلجأ إليه ويطلب منه العون والغوث، ولا يحتاج سبحانه إلى حماية أحد أو الغوث والمساعدة والنّصرة من أحد مهما كان؛ لأنّه سبحانه هو القوي العزيز، ولا يستطيع أحد أن يحميك أو يجيرك من الله تعالى ومن عذابه وعقابه.
سورة المؤمنون [٢٣: ٨٩]
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾:
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾: ارجع إلى الآية (٨٥) من نفس السورة للبيان.
﴿قُلْ﴾: يا محمّد ﷺ لهم.
﴿فَأَنَّى﴾: استفهام بمعنى: كيف ومن أين وتحمل معنى التّعجُّب.
﴿تُسْحَرُونَ﴾: أيْ: إذا كان جوابكم لهذه الأسئلة الثّلاثة هو الله كما تقولون، فما الّذي سحركم أو كيف سُحرتم، أو من أين جاء لكم السّحر حتّى تشركوا بالله تعالى ولا تؤمنوا بالبعث والآخرة والحساب أو تخدعون بالباطل ويُذهب بعقولكم كما يُفعل بالمسحور الّذي أصيب بالسحر والجنون.
стр. 3379
سورة المؤمنون [٢٣: ٩٠]
﴿بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾:
﴿بَلْ﴾: حرف إضراب إبطالي لإبطال كونهم مسحورين.
﴿أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ﴾: بالوحي بالصّدق والحق هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير، وبالحق قد يعني القرآن، وبأنّه ليس له شريك ولا ولد، أيْ: بالتّوحيد.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: إن واللام في لكاذبون للتوكيد، لكاذبون حين يزعمون أنّ له ولداً أو معه شريك.
سورة المؤمنون [٢٣: ٩١]
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾:
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾: ما النّافية، ينفي سبحانه عن ذاته الولد، لأنّهم قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦]، وما تنفي كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل، من: استغراقية أيِّ ولد ذكر أو أنثى، سواء كان عيسى أو عزيراً أو الملائكة (بنات الله) وفي الماضي والحاضر، فاتخاذ الولد بحق الله لا ينبغي؛ لأنّه سبحانه لا يحتاج إلى عونٍ أو وليٍّ أو نصيرٍ أو ولدٍ؛ لأنّه سبحانه عزيز حكيم. والفرق بين ما اتخذ الله من ولد، وقوله لم يتخذ ولداً: ما اتخذ الله: تأتي في سياق الرد على سؤال أو قول بالنفي؛ لم يتخذ ولداً: تأتي في سياق الإخبار أو التعليم.
﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾: و (ما): النّافية وتكرارها يفيد التّوكيد وفصل كلّ من اتخاذ الولد واتخاذ الشّريك أو كلاهما معاً، وتنفي كلّ الأزمنة الماضي
стр. 3380
والحاضر والمستقبل، من: استغراقية، أيْ: ما كان معه من إلهٍ مهما كان نوعه يشارك في الألوهية، اللام لام التّعليل.
﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾: لانفرد واستقل كلّ إله بخلقه وبملكه، ولفسدت السّموات والأرض؛ لأنّها ستكون خاضعة لأوامر كلّ إله، وليس لنظام واحد ومدبِّر واحد.
﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: وفي آية أخرى ﴿لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِى الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢].
ولعلا بعضهم على بعض بالقوة، وحاول كلّ منهما التّغلب على الآخر بشتى الوسائل.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: أيْ: أنزه الله تنزيهاً في ذاته وصفاته وأسمائه تنزيهاً كاملاً من كلّ عيب ونقص. ارجع إلى سورة الإسراء آية (١) لمزيد من البيان، وسورة الحديد آية (١).
﴿عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: عن وما عن: تفيد المغايرة، ما المصدرية، سبحانه عن إشراكهم أو اسم موصول بمعنى الّذي، يصفونه به بما يقولون من الشّرك (الولد أو النّد أو الولي) والصاحبة والشريك.
سورة المؤمنون [٢٣: ٩٢]
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: عالم صيغة مبالغة من علم كثير العلم يحيط علمه بكل شيء، فهو يعلم ما غاب عن الخلق من الأشياء ويعلم ما يشاهدونه ويبصرونه فهو عالم الغيب والشّهادة (أي: المرئيات) والغيبيات. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٧٣) لمزيد من البيان.
стр. 3381
﴿فَتَعَالَى﴾: تقدَّس وتعالى الله عما يقوله الظّالمون والكافرون والمجرمون، وتعالى على كلّ شيء بقدرته والمتنزه عن نعوت المخلوقات وعن كلّ شيء لا يليق بذاته وصفاته وأفعاله.
﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: عما: مركبة من عن + ما عن تفيد المجاوزة والمباعدة، ما اسم موصول بمعنى الّذي، وما: أوسع شمولاً من الذي يشركون أو مصدرية، أيْ: سبحانه عمَّا يشركون به من الأصنام أو الآلهة أو النّد والولد والصاحبة.
سورة المؤمنون [٢٣: ٩٣]
﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: يا محمّد ﷺ رب حذف، ياء النّداء الّتي تفيد البعد.
﴿إِمَّا﴾: أصلها إن، الشّرطية الّتي تفيد النّدرة والاحتمال، أيْ: تستعمل للأمر المحتمل أو النّادر الحدوث، ما: للتوكيد.
﴿تُرِيَنِّى﴾: النّون الثّقيلة لزيادة التّوكيد، أيْ: إن كان لا بُدَّ أن ترين، أيْ: تطلعني على عذابهم.
﴿مَا يُوعَدُونَ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الذي وأوسع شمولاً من الذي، أو مصدرية ما يوعدون من العذاب أو القتل في الدّنيا رب فلا تجعلني في القوم الظّالمين.
سورة المؤمنون [٢٣: ٩٤]
﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
أيْ: إن أريتني عذابهم رب فلا تجعلني فيهم أو من بينهم حين يحل بهم العذاب.
стр. 3382
﴿رَبِّ﴾: حذف ياء النّداء للقرب، وتكرار ربِّ تدل على زيادة التّضرع أو التّوكيد في الدّعاء.
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النّاهية.
﴿تَجْعَلْنِى فِى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: ولم يقل: تجعلني مع القوم الظّالمين، تعني: أصبح من جملتهم، أي: المختلط فيهم حين يحل بهم العذاب، أيْ: ليس فيهم ولا معهم، أيْ: مصاحب للظّالمين والمشركين بأي حال من الأحوال.
سورة المؤمنون [٢٣: ٩٥]
﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾:
يبيِّن الله سبحانه أنّه قادر على أن يعذبهم ويُري رسولَ الله ﷺ عذابهم وأنّه سبحانه قادر على ذلك.
﴿وَإِنَّا﴾: للتعظيم.
﴿عَلَى أَنْ﴾: للتوكيد.
﴿نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ﴾: من العذاب والخزي أو القتل والهزيمة، ما مصدرية، أو اسم موصول بمعنى الّذي وأوسع شمولاً من الذي.
﴿لَقَادِرُونَ﴾: اللام للتوكيد، ولا ننسى قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤١ - ٤٢].
سورة المؤمنون [٢٣: ٩٦]
﴿ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾:
﴿ادْفَعْ﴾: الدّفع الرّد بقوة، وأما الدرء فهو الدفع أو الرّد بسرعة، الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ والمؤمنين أيضاً.
﴿بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾: بالّتي هي أحسن على وزن أفعل، أي: ادفع
стр. 3383
بالأفضل، أيْ: رد الإساءة أو الأذى أو السّيئة الّتي تصدر عنهم نحوك بالصّفح والعفو. ومقابلتها بما يمكن من الإحسان؛ أي: ليس فقط الصّفح، بل الصّفح+ الإحسان يعني: حسنة مضاعفة إزاء سيئة واحدة.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾: نحن ضمير للتعظيم، أعلم صيغة مبالغة ولم يقل: نحن نعلم.
﴿بِمَا يَصِفُونَ﴾: بما يقولون: الباء للإلصاق، وما: بمعنى الذي يصفون الله تعالى بأن له شريكاً أو ولداً، أو صاحبةً أو ولياً، و (ما) مبهمة تشمل كلّ ما يصفون، ويصفونك بالسّاحر والشّاعر والمفتري والمجنون، أو لا بعثَ ولا حسابَ ولا آخرةَ.
سورة المؤمنون [٢٣: ٩٧]
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾:
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ﴾: أي: ألتجأ إليك أو أستجير بك، وأتحصن بك حتّى لا يفتنوني في ديني، وإن كان الخطاب إلى رسول الله ﷺ ، فهو كذلك لأمته الّتي هي أحوج منه إليه.
﴿هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾: جمع همزة والهمزة في اللغة النخس والدّفع، أيْ: دفعهم إلى فعل المعاصي وحثهم عليها وإثارة الغضب حتّى لا يملك الإنسان نفسه.
سورة المؤمنون [٢٣: ٩٨]
﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾:
﴿وَأَعُوذُ بِكَ﴾: أيْ: ألتجأ إليك وأستجير وأتحصَّن بك، وتكرار أعوذ بك: للتوكيد على أهمية الاستعاذة من الشيطان في كل الأمور.
﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾: في أيِّ أمر من أموري، أو حتّى مجرد الحضور وإن لم يهمزوا أيْ: لا أريدهم بالقرب مني فحذف الياء يدل على الاستمرار؛ أي: التعوذ الدائم من أي وقت وعدم حضورهم ولو أدنى الحضور.
стр. 3384
سورة المؤمنون [٢٣: ٩٩]
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾:
هذه الآية تتمة لقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾:
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
﴿إِذَا﴾: شرطية ظرفية تدل على حتمية الحدوث، أيْ: تستعمل للشيء المحقق حدوثه وبكثرة وهو مجيء الموت.
﴿جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾: أيْ: هو في حالة الاحتضار أو مرحلة الوفاة الّتي تسبق قبض الروح، وجاء فيها معنى الصعوبة والمشقة والشدة، ولم يقل: حضر أحدهم الموت.
حضر فيها معنى السهولة، وتستعمل عادة في الأحكام أو آيات الموت أو الإنذار، أو الوصايا والتوبة، والتحذير والموعظة، بينما جاء تعني المريض على فراش الموت وفي حالة الاحتضار، ويعاني من سكرات الموت ويوقن أنّه ميت، عندها يتمنى الكافر والمشرك أن يرجع إلى الدّنيا.
﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾: جاءت ارجعون بصيغة الجمع، بينما جاء أحدهم الموت بصيغة الإفراد.
وتفسير ذلك كأنّه استغاث ربه واستغاث الملائكة، فقال: ارجعون ولم يقل: رب ارجعني؛ لأنه كرَّر ذلك الطّلب فقال: ارجعون، أو قال: ارجعون ولو لمدة قصيرة، أو زمن قليل، وأما ارجعوني تعني: مدة طويلة، أو قال: ارجعون لضيق الوقت قبل الموت، أو بصيغة الجمع تعظيماً لله تعالى.
﴿ارْجِعُونِ﴾: أي: إلى الحياة الدّنيا والرّجوع يكون عادة إلى المكان الّذي انطلق منه، ولماذا يطلب الرّجعة إلى الدّنيا؟ تفسرها الآية القادمة لعلِّي أعمل صالحاً فيما تركت.
стр. 3385
سورة المؤمنون [٢٣: ١٠٠]
﴿لَعَلِّى أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾:
﴿لَعَلِّى﴾: قد تكون للترجي، أو للتعليل، وهو الأرجح، ولعلي تعني هو غير جازم أو متأكِّد بعد، ولم يقل: سأعمل صالحاً، وقد جاء جواب ذلك: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
﴿أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾: من الأعمال الصّالحة أو فيما ضيعت من عمري من صلاة وزكاة وحج، وغيرها من ذكر وتلاوة القرآن.
﴿كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر عن حصول ما يطلب، أيْ: لا رجوع ولا عودة وإنكار واستبعاد حدوث ذلك.
﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾: أيْ: كلمة قائلها لا فائدة منها وهي ارجعون، ولا قيمة لها، مجرد لغو. والكلمة تقسم في القواعد إلى اسم، وفعل، وحرف، وتطلق على العبارة مؤلفة من عدة كلمات، أو على الموضوع المؤلف من عدة جمل أو عبارات.
﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾: البرزخ: لغة هو الحاجز أو الحجاب بين شيئين أو الحائل؛ أي: لا رجعة إلى الدّنيا إنما فقط إلى الآخرة ومن ورائهم؛ أي: من أمامهم برزخ كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، حياة البرزخ الفاصلة بين الحياة الدّنيا وحياة الآخرة، وتستمر إلى يوم يبعثون يوم القيامة، أيْ: لا رجوع إلى الدّنيا وليس أمامهم إلا البرزخ إلى (حرف يستعمل لكلّ الغايات). إلى يوم يبعثون، وكلمة كلا فيها إبلاس شديد من الرّجوع إلى الحياة الدّنيا.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٠١]
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾:
﴿فَإِذَا﴾: ظرف زماني متضمِّنة معنى الشّرط.
стр. 3386
﴿نُفِخَ فِى الصُّورِ﴾: النّفخة الثّانية (نفخة البعث أو القيام)، والصور: في لغة العرب القرن والذي عليه أهل السّنة والجماعة أنّ الصّور: بوق ينفخ فيه.
﴿فَلَا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط تفيد التّوكيد، لا النّافية للجنس (أنساب).
﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾: أيْ: تنقطع بينهم ولا تنفعهم أنسابهم شيئاً، أيْ: صلة الرّحم والقرابات يوم القيامة، والكل يقول: نفسي نفسي.
كيف ينفي الأنساب في هذه الآية، وفي آيات أخرى يقول: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٣ - ٣٦].
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧].
نفي الأنساب هنا يعني عدم فائدتها، ولا تفاخر في ذلك اليوم بالأنساب.
﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾: من أيِّ قبيلة أنت، أو أيِّ نسب، ولا يسأل بعضهم بعضاً عن ذلك، ولا يسألهم ربهم أو الملائكة، وتعني: لا يسأل بعضهم بعضاً عن شأنه ولا يبحث عنهم لانشغال كلّ واحد بنفسه.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٠٢]
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
﴿فَمَنْ﴾: الفاء عاطفة للتفريع من شرطية.
﴿ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: رجحت حسناته على سيئاته، أفلح وفاز ونجا من النّار وأدخل الجنة. ارجع إلى سورة القارعة آية (٦) لبيان معنى موازينه.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء للتوكيد، أولئك اسم إشارة يدل على البعد بعد منزلتهم ومكانتهم.
﴿هُمُ﴾: للتوكيد.
стр. 3387
﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: الناجون من النّار والفائزون بالجنة. ارجع إلى الآية (٥) من سورة البقرة للبيان.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٠٣]
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾:
﴿وَمَنْ﴾: شرطية.
﴿خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾: ومن رجحت سيئاته على حسناته فقد خسر وأبعد عن الجنة وأدخل النّار. ارجع إلى سورة القارعة آية (٦) لمزيد من البيان.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد.
﴿خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾: خسروا أنفسهم في الهاوية في جهنم خالدون، مقيمون فيها إقامة أبدية تبدأ من زمن دخولهم إياها.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٠٤]
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾:
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾: أيْ: تحرقها إحراقاً شديداً، كقوله سبحانه في سورة الأحزاب الآية (٦٦) ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ﴾، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ﴾ [النّحل: ٩٠]، وكقوله: ﴿حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣٩].
﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾: الكالح الّذي تقلصت شفتاه حتّى بدت أسنانه حيث حرقت شفاههم النّار، فبدا كأنه مخيف الهيئة أو منفِّر.
стр. 3388
سورة المؤمنون [٢٣: ١٠٥]
﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾:
﴿أَلَمْ﴾: استفهام إنكاري تقريري.
﴿تَكُنْ آيَاتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: (آياتي، أيْ: آيات القرآن)، تتلى عليكم: أيْ: تقرأ عليكم، وإضافة الآيات إليه يفيد عظمتها وقدَّرها، ولم يقل: ألم تكن الآيات تتلى عليكم.
﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾: لا تصدِّقون بها، بأقوالكم وأعمالكم، بها جار ومجرور وتقديمه يفيد الاختصاص، أيْ: بآياتي خاصة تكذبون هذا التّذكير والاستفهام وهم في جهنم مما يزيدهم حسرةً ويأساً.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٠٦]
﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾:
هذا ردهم على السّؤال السّابق: ألم تكن آياتي تتلى عليكم؟ قالوا: ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين، فهم يحاولون الاعتذار بأيِّ شيء ويعترفون بذنبهم.
﴿قَالُوا رَبَّنَا﴾: ولم يقولوا: يا ربنا حذفوا ياء النّداء للبعد.
﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾: مصدر لبيان الهيئة من شقي، الشقاوة هي البعد عن منهج الله والدين، أو الإيمان والانغماس في الكفر والضلال والمعاصي وانتهاك حرمات الله ونسيان الآخرة، والبعد عن الحق، والشقاوة مكتسبة بالإرادة والاختيار، وتؤدي إلى خسارة الدنيا والآخرة.
стр. 3389
﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾: تائهين عن الصّراط منحرفين ضائعين في ظلمات الجهل والضّلال. وإضافة (قوماً) تفيد المبالغة في الضّلال والتّوكيد.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٠٧]
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾:
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾: أيْ: من النّار، وأرجعنا إلى الدّنيا لنؤمن ونعمل صالحاً أو نعمل غير الّذي كنا نعمل.
﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾: الفاء للتوكيد، إن شرطية تستعمل في الأمر المحتمل أو النّادر، (أيْ: عودتهم لن تتحقق)، فإن عدنا إلى الكفر والشّرك والمعاصي أو الشّقاوة والضّلال فإنا ظالمون.
فإن عدنا ولم يقولوا: فإن رجعنا، رجعنا تعني إلى ما كانوا عليه من الكفر والضّلال والشّقاوة، وعدنا تعني الرّجوع، ولكن ليس إلى ما كانوا عليه وإنما لشيء آخر هو الإيمان.
﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾: الفاء للتوكيد، إنا ظالمون: لأنفسنا آنذاك، والظالم: هو التارك لدين الله. ارجع إلى سورة البقرة آية (٣٥) لبيان معنى الظلم. فردَّ الله تعالى على سؤالهم بالقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.
سورة المؤمنون [٢٣: ١٠٨]
﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾:
﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا﴾: الخسوء هو الطّرد والإبعاد، يقال: خسأت الكلب، أيْ: طردته أو زجرته ليبتعد عنك؛ أي: ابتعدوا، وتعني: اسكتوا بذلة وهوان.
﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾: اخرسوا ولا تطلبون أو تسألون ولا تدعون، لا النّاهية، تكلمون: بصيغة المضارع، أيْ: لا تعيدوا الدّعاء والسّؤال.
فعن ابن عبّاس: إنّ لهم ستَّ دعوات إذا دخلوا النّار:
стр. 3390
١ - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السّجدة: ١٢].
فكان الجواب: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السّجدة: ١٣].
٢ - ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١٠].
الجواب: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِىِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].
٣ - ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزّخرف: ٧٧].
٤ - ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].
٥ - ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨].
٦ - ﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨].
سورة المؤمنون [٢٣: ١٠٩]
﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾:
﴿إِنَّهُ﴾: إنّ: تعليلية.
стр. 3391
﴿كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى﴾: قيل: هم المهاجرون أو الصّحابة أو أهل الصّفة أو ضعاف المؤمنين أو فريق من المؤمنين بشكل عام.
﴿يَقُولُونَ﴾: بصيغة المضارع لتدل على الاستمرار، وتكرُّر وتجدُّد قولهم، ولم يقولوا ذلك مرة واحدة، بل مرات: ربنا آمنا بك وبما أنزلت.
﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾: ذنوبنا وسيئاتنا.
﴿وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾: أفضل الراحمين؛ لأنّ رحمتك لا تنقطع ولا تزول، كما تزول رحمة عبادك بعد موتهم وفنائهم.
لنقارن هذه الآية: وأنت خير الرّاحمين مع الآية (١٥٥) من سورة الأعراف: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِنْ قَبْلُ وَإِيَّاىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِى مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾: هذا دعاء موسى لقومه؛ لأنّه سبق ذلك ذنب حين اتخذوا العجل إلهاً، وقالوا: أرنا الله جهرة فالذّنب يحتاج إلى مغفرة، أيْ: إسقاط العقاب واستحقاق الثواب.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾: هذا دعاء الفريق من المؤمنين.
الرّحمة: الإنعام على السائل والرّحمة هي جلب كلّ ما يَسُرُّ ودفع كلِّ ما يَضُرُّ.
سورة المؤمنون [٢٣: ١١٠]
﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾:
﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ﴾: الفاء: للتوكيد تعود على الّذين خفت موازينهم أمثال رؤساء مشركي قريش، مثل أبي جهل وعقبة والوليد بن المغيرة، اتخذوا الفقراء
стр. 3392
أصحاب رسول الله ﷺ كعمار وبلال وخباب وصهيب سخرياً: مصدر سخر والسّخرية: هي استنقاص حقِّ من يسخر به. ارجع إلى سورة التّوبة آية (٧٩)، والزمر آية (٥٦) لمزيد من البيان، ولمقارنة سِخرياً بكسر السين وسُخرياً بضم السين؛ ارجع إلى سورة الزخرف آية (٣٢).
﴿أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى﴾: أيْ: شغلكم الاستهزاء والسّخرية بهؤلاء الضّعاف من المؤمنين عن الإيمان والتّوبة، أو ذكر الله.
﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾: إنه لم يتوقف الأمر على السّخرية من هؤلاء الضعاف، بل تعدَّاه إلى الضحك منهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١].
سورة المؤمنون [٢٣: ١١١]
﴿إِنِّى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾:
﴿إِنِّى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ﴾: إنّي للتوكيد، جزيتهم اليوم: يوم القيامة، وتعود على الّذين قالوا ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين.
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: الباء باء السّببية بسبب صبرهم، أو بدل من صبرهم على أذى المشركين والكفار، وعلى الّذين سخروا منهم وصبروا على الاستقامة على طاعة الله.
﴿أَنَّهُمْ﴾: أنّ: للتوكيد، هم للتوكيد.
﴿الْفَائِزُونَ﴾: أيْ: الفوز بالجنة والنّجاة من النّار.
سورة المؤمنون [٢٣: ١١٢]
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾:
سؤال إلى الكفار منكري البعث الّذين خفت موازينهم وأدخلوا النّار وهم فيها كالحون، وقالوا: ربنا أخرجنا منها، فإن عدنا فإنا ظالمون، وغيرهم.
стр. 3393
﴿كَمْ﴾: استفهامية فيها معنى التّوبيخ والتّقريع.
﴿لَبِثْتُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: اللبث: الإقامة في الدّنيا أو في الأرض أحياء (اللبث: الإقامة المقترنة بزمن محدَّد)، وقد تعني أيضاً: أمواتاً في البرزخ (في قبوركم) لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦].
﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾: سنين جمع سنة، سنة تحمل في معناها الشّر، والعام يستخدم في سياق الخير من خصوصيات القرآن، أيْ: كم سنة لبثتم في الأرض.
سورة المؤمنون [٢٣: ١١٣]
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعَادِّينَ﴾:
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾: فهم نسوا أو استقصروا مدَّة لبثهم في الدّنيا أو في الدّنيا وعالم البرزخ لعظم وهول ما عاينوه من العذاب أو أنساهم العذاب من شدته مدة لبثهم، أو لأنّ يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون، فإذا عاشوا (١٠٠) عام على سبيل الافتراض، فذلك يعاد (١/ ١٠) اليوم، أيْ: ما يعادل ساعتين ونصف، ونوح ﵇ أو قومه عاشوا حوالي (١٠٠٠) سنة، أيْ: ما يعادل اليوم أو بعض اليوم، وفي آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الرّوم: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، ويبدو أنّهم غير واثقين من الإجابة لذلك قالوا:
﴿فَسْئَلِ الْعَادِّينَ﴾: أي: الملائكة أو غيرهم. جمع عاد: الّذين يعدُّون ويُحصون.
سورة المؤمنون [٢٣: ١١٤]
﴿قَالَ إِنْ لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿قَالَ إِنْ﴾: إن النّافية بمعنى ما، والنّفي بإن أقوى وأشد من النّفي بما.
﴿لَّبِثْتُمْ﴾: أقمتم. اللبث: مقترن بزمن محدد بينما المكث: غير محدد بزمن.
стр. 3394
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿قَلِيلًا﴾: من الزّمن، وقليلاً نكرة تفيد أيضاً التّقليل، وإذا قارنا عمر الآخرة بعمر الإنسان فهو قليل جداً لا يقدر.
﴿لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: لو شرطية، كنتم تعلمون: هذه الحقيقة أو هذه المدة القصيرة لآمنتم وأطعتم الله تعالى استعداداً للقائه.
سورة المؤمنون [٢٣: ١١٥]
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ﴾: الهمزة استفهام توبيخي وإنكار، حسبتم من حسب: اعتقد أو ظن ظناً راجحاً (قام بحساب قلبي قائم على النّظر والتّجربة والحساب) أي: اعتقدتم.
﴿أَنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾: العبث هو الفعل الّذي لا غاية له ولا فائدة، خلقناكم بلا هدف أو غاية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
﴿وَأَنَّكُمْ﴾: أنّ للتوكيد.
﴿إِلَيْنَا﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر.
﴿لَا تُرْجَعُونَ﴾: لا النّافية، ترجعون: أيْ: من دون إرادتكم، مكرهين أو لا خيار لكم، ترجعون للحساب والجزاء إمّا الجنة وإما النّار.
سورة المؤمنون [٢٣: ١١٦]
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾:
﴿فَتَعَالَى﴾: الفاء للتوكيد، تعالى: تقدَّس وتنزَّه الملك الحق في ذاته وصفاته وأفعاله أن يخلق عبثاً.
﴿اللَّهُ﴾: اسم العلم الدّال على واجب الوجود المعبود.
стр. 3395
﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾: مالك الملك الحي القيوم، وأما غيره من ملوك الدّنيا فزائلون وهالكون، فهم ليسوا ملوكاً بحق والملك الحق: الّذي له الخلق والأمر حقاً لا من جعلوا معه من الشركاء. والحق هو الثّابت الّذي لا يتغيَّر ولا يزول هو الله سبحانه وحده.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة للبيان.
﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾: الكريم: لأنّ الخير والبركة والرّحمة تنزل منه، فالكريم تعود على الله سبحانه، وقد تعود على العرش، وصف العرش بالكريم؛ لأنّ الّذي استوى عليه هو أكرم الأكرمين. ارجع إلى سورة التّوبة آية (١٢٩) لمزيد من البيان، وسورة هود آية (٧)، وسورة طه آية (٥) لبيان معنى العرش.
سورة المؤمنون [٢٣: ١١٧]
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾:
﴿وَمَنْ﴾: الواو استئنافية، من استغراقية شرطية.
﴿يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: يعبد أو يدعو مع الله إلهاً آخر، أيْ: يشرك بالله.
﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ﴾: البرهان هو أعلى درجات الإثبات أو لا حُجَّة له، ولا دليل له على جواز عبادته وشركه، به: للتوكيد على وحدانية الله .
﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء: للتوكيد، إنما كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: حسابه: جزاؤه عند ربه: عند ظرفية زمانية أو مكانية، وفي الآية تهديد ووعيد.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾: إن للتوكيد، لا يفلح: ارجع إلى الآية الأولى، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ من نفس السّورة، وانظر إلى كيف بدأت السّورة قد أفلح
стр. 3396
المؤمنون وانتهت إنّه لا يفلح الكافرون. هذا الترابط المحكم بين بداية السورة ونهايتها، وهذا ما نراه في كل سورة، وكأن السورة كلها آية واحدة، وكأن القرآن المحكم كله آية واحدة.
سورة المؤمنون [٢٣: ١١٨]
﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾:
﴿وَقُلْ﴾: يا محمّد ﷺ ولتقتدِ بك أمتك، وبالدّعاء والقول: رب اغفر وارحم وأنت خير الرّاحمين.
﴿رَبِّ اغْفِرْ﴾: أي: استر لنا ذنوبنا، اغفر: لم يحدِّد، وأطلق المغفرة لتشمل كلّ ذنب.
﴿وَارْحَمْ﴾: أيْ: وارحمنا أن نقع في الذّنوب، أيْ: أبعدنا عن المعاصي، وفيها معنى الوقاية، وكذلك أطلق الرّحمة ولم يقيِّدها لتشمل كلّ شيء.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾: أيْ: أفضل الرّاحمين. ارجع إلى الآية (١٠٩) من نفس السّورة للبيان.
стр. 3397
سورة النور [٢٤: ١]
سورة النور
سورة النّور [الآيات ١ - ١٠]
ترتيبها في القرآن (٢٤)، وترتيبها في النّزول (١٠٢).
﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾:
﴿سُورَةٌ﴾: كلمة مأخوذة من: سور البيت المرتفع أو سور البلد، السَّورة في اللغة تعني: المنزلة العالية والرّفيعة، واصطلاحاً: مجموعة من الآيات لا تقل عن ثلاث، لها بداية ولها نهاية.
سورة: كلمة جاءت بصيغة التّنكير للتفخيم تتحدث عن عدد من الآداب الاجتماعية مثل: حفظ الفرج، غض البصر، والاستئذان وما يتعلق بالأسرة، وغيرها من الكثير من الآداب الاجتماعية، وسميت بسورة النّور؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥].
﴿أَنزَلْنَاهَا﴾: كاملة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا. والإنزال يكون من أعلى إلى أسفل؛ أي: من عند الله تعالى. أنزلناها عليك يا محمد ﷺ بواسطة جبريل ﵇.
﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾: مشتقة من الفرض؛ أي: فرضنا أحكامها؛ أي: من الواجب العمل بها، أو ألزمناكم العمل بها. وأصل الفرض: القطع للمبالغة، ولتأكيد الإيجاب لكثرة ما فيها من الأحكام.
﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: تكرار (وأنزلنا) يفيد التّوكيد، وقوله تعالى:
стр. 3398
(وأنزلناها)، ثمّ قوله: (وأنزلنا فيها آيات بينات) يعني ذكر الخاص بعد العام، الّذي يفيد الاهتمام والتّوكيد، آيات بينات: واضحات لكلّ فرد سواء كانت الآيات القرآنية أو الآيات الكونية مثل: البرق والسّحاب وتقلب الليل والنّهار، وتسبيح من في السّموات والأرض والطير، وظلمات البحار، وخلق كل دابة من ماء … وغيرها.
﴿لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: (لعلكم) أداة تعليل؛ أي: لعلكم لا تنسوا ما ورد فيها من أحكام تفيدكم في حياتكم الدّنيا وتذكرونها مباشرة وبسرعة في شؤون حياتكم اليومية، ولم يقل لعلكم تتذكرون، التّذكير الّذي يحتاج إلى زمن طويل. ومعنى التذكر أن يعاد إلى الذاكرة الشيء الذي غاب عنها.
سورة النور [٢٤: ٢]
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى﴾: من الزّنى، والزّنى في اللغة: هو الوطء المحرم، والزّنى في الشّرع: وطء الرَّجل المرأة في الفرج بدون عقد نكاح، ويسمى كذلك: الفاحشة كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، والزّنى من المرأة: تمكينها الرّجل أن يزني بها، وقدّم الزّانية على الزّاني؛ لأنّ الزّنى تبدأ مقدماته من قِبل المرأة بتبرّجها وزينتها وخضوعها بالقول، ومفسدة الزّنى تظهر آثارها على المرأة أكثر من الرّجل.
﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾: الفاء للتوكيد، اجلدوا: بالضَّرب بالسّياط (١٠٠) جلدة، وهو حدّ البكر غير المحصن سواء كان الرّجل أو المرأة، كلّ واحد منهما: للتوكيد حتّى لا يجلد الرّجل وتترك المرأة أو بالعكس، الجلدة: تعني الإيلام؛ أي: يصل إلى درجة الإيلام وليس مجرد الضّرب أو العدد.
стр. 3399
﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللَّهِ﴾: رأفة: شفقة أو رحمة في حدود الله، فلستم أرحم وأشفق من الخالق في خلقه؛ أي: لا يجوز إسقاط الحد (كما قال مجاهد)، أو تخفيف الحد (قول سعيد بن المسيب والحسن البصري)، ومما يدل على تحريم الشفاعة في الحدود ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ في حديث المرأة المخزومية التي سرقت والذي قال فيه ﷺ : «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
﴿فِى دِينِ اللَّهِ﴾: في شرع الله وأحكامه، بالتّقليل في العدد أو الإعفاء.
﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: إن: شرطية.
﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ تصدقونه وتؤمنون به عقيدة وعملاً. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٧٧) للبيان.
﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: اللام لام التّوكيد، ﴿عَذَابَهُمَا﴾: بالجلد (١٠٠) جلدة.
﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جماعة أقلها (٤) أفراد، وهناك من قال واحد (قاله مجاهد)، اثنين أو أكثر (قاله عكرمة وعطاء والمالكية)، أربعة (قاله ابن عباس)، ومشاهدة الجلد ردعٌ وزجرٌ للمشاهد، وأمّا للزاني والزّانية؛ لكي لا يرتكبها مرة أخرى ويحرمها، وهو أشد تبليغاً وخزياً حين يكون علناً بدلاً من كونه سراً أو ستراً.
سورة النور [٢٤: ٣]
﴿الزَّانِى لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿الزَّانِى لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾: النّكاح هنا يعني: الوطء، إلا أداة حصر،
стр. 3400
أو مشركة: لأنّ الشّرك أسوأ إثماً من الزّنى، وقرن الزنى بالشرك؛ ليشير إلى خطورة الزنى؛ لأن الشرك والزنى من أعظم الآفات الاجتماعية.
فالزّاني لا يجوز له أن ينكح؛ أي: يتزوج مؤمنة عفيفة، إنما ينكح مثله أو أسوأ أو أخس منه؛ وهي المشركة، وكذلك الزّانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشركٌ.
﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: التّحريم يراد به المنع، والجمهور أجاز النكاح بغير العفيفة من النساء بعد التوبة، والآية محمولة: أن الزاني الخبيث لا يرغب في نكاح المؤمنة الصالحة، وإنما يرغب في التي مثله في الخبث والشرك، والخبيثة لا يرغب في نكاحها المؤمن الصالح، وإنما يرغب في التي مثله. ذلك: اسم إشارة قد يعود إلى حرمة نكاح الزّانيات أو المشركات على المؤمنين. و (ذلك) تعود إلى الزّنى؛ أي: حرم الزّنى على المؤمنين.
سورة النور [٢٤: ٤]
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾:
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾: يرمون: يقذفون بالزنى، يتهمون المحصنات. وأصل الرّمي: القذف بالحجارة أو بشيء صلب الّذي هو شيء حسي، واستعير ليعبر عن شيء معنوي وهو القذف باللسان.
﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾: جمع محصنة؛ أي: الّتي أحصنت فرجها: أي عفّت، وأصل الإحصان: المنع والحصن، والمرأة العفيفة الحرة تسمى: مُحصَنة، ومُحصِنة بالفتح والكسر .. والإحصان له أنواع: يكون بالإسلام، والعفاف، والحرية، والتّزوج.
﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾: يقذفون: يتهمون المحصنات المؤمنات بالزّنى. خص النساء؛ لأن قذف النساء أبشع، وقيل: لا فرق بين الذكر والأنثى.
следующие страницы →