Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
سورة النّور [الآيات ٣٢ - ٣٦]
سورة النور [٢٤: ٣٢]
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿وَأَنْكِحُوا﴾ الخطاب موجَّهٌ إلى الأولياء الآباء والأمّهات وغيرهم من المؤمنين؛ أي: لكل مخاطب كما قال بعض الفقهاء؛ لأن الرجل الكبير لا ولاية لأحد عليه. وانكحوا: أي زوّجوا. وقيل: معنى انكحوا؛ أي: ساعدوا على النكاح، وسهلوا أسبابه، ولا تقفوا عثرة.
﴿الْأَيَامَى﴾: جمع أيّم، والأيّم من الرّجال: من لا زوجة له، والأيّم من النّساء: من لا زوج لها سواء كان متزوجاً قبل ذلك أو لم يتزوج أو كانت متزوجة أو غير متزوجة، وللذكر والأنثى والبكر والثيب.
﴿مِنكُمْ﴾: تدل على الاختصاص؛ أي: ساعدوهم على الزواج أو التوسط لهم ..
﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ الصلاح هنا يعني الإيمان، و (الصالحين) يدخل فيها الصالحات. والقدرة على القيام بحقوق الزوجية …
﴿وَإِمَائِكُمْ﴾: جمع أمة، وهذه ليس لها تطبيق في زمننا الحاضر.
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال.
﴿يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: وعد من الله سبحانه للفقراء الّذين يمتثلون أوامره بأن يغنيهم من فضله إن شاء. والسّؤال هنا قد يسأل البعض: إنّ
стр. 3432
كثيراً من الفقراء يتزوجون فلا يصبحون أغنياء وبالعكس قد يصبحوا فقراء فكيف نفسر ذلك؟ الغنى أو الفقر يرجع إلى حكمة الله سبحانه فهناك من العباد من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغناه الله لفسدت حالته، والله سبحانه يعلم ما يصلح عبده فيبسط لمن يشاء ويقدر لمن يشاء.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ واسع: مبالغة في الجود والكرم ـ واسع من الوسع: وهو القدرة ـ واسع: محيط بالأشياء علماً؛ لقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، أو غني ذو سعة لا تنفد ولا تنقص، عليم بحاجات خلقه وما يصلح أحوالهم وما يفسدها، ولم يقل: واسع كريم؛ لأنه يبسط الرزق، ويضيق الرزق لمن يشاء.
سورة النور [٢٤: ٣٣]
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِى آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾: اللام للتوكيد، يستعفف؛ أي: يجتهد في العفَّة والحصانة، ويسعى إليها بكلّ ما في وسعه، ويتجنب الحرام والزّنى بشتى الوسائل ومنها الصّيام مثلاً وأن يشغل نفسه. والوصية موجّهةٌ إلى الأيامى الّذين لا يقدرون على أعباء الزّواج.
﴿الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾: أي ليس عندهم القدرة على الزّواج والنّفقة ودفع الصّداق ولا يوجد من يساعدهم.
﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: حتّى حرف نهاية الغاية، يوسع الله سبحانه
стр. 3433
عليهم من رزقه، فالاستعفاف من التّقوى والتّقوى من وسائل الرّزق كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: (يطلبون منكم) أن تكتبوا عقداً بينكم وبينهم، تشترطون في العقد أن يعملوا لكم كذا وكذا، وبعدها يكونوا طلقاء أو أحراراً.
﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: إن: شرطية؛ أي: علمتم أنّ إطلاق حريتهم وسراحهم بعد الخدمة سيؤدي إلى خير وإصلاح لهم وكسب رزقهم، أو علمتم فيهم خيراً أنّهم أصحاب صدق، ووفاء، ويخافون الله، فافعلوا ذلك.
﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِى آتَاكُمْ﴾: خطاب للأغنياء أن يعطوا هؤلاء من أموالهم الّتي هي في الحقيقة مال الله الّذي آتاكم وما نحن إلا مستخلفين فيه، من مال الله: (من) بعضية أو اسم جنس، الّذي آتاكم: أي أعطاكم و (آتاكم) فيها معنى عدم التّمليك. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة للبيان.
﴿وَلَا تُكْرِهُوا﴾: لا النّاهية: من الإكراه باستعمال أساليب التّهديد والقوة والانتقام والطّرد والحرمان.
﴿فَتَيَاتِكُمْ﴾: جمع فتاة، وتعني المملوكة أو الإماء، وإن كانت المملوكة ليس لها وجود الآن في مجتمعاتنا فقد استبدلت بمسميات جديدة.
﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾: البغاء: هو الفجور، وبغى في الأرض تجاوز حدود ما شرع الله، ويقال للمرأة بغي إذا تجاوزت حدها، ولا يقال للرجل بغي، والبغاء يطلق على الزّنى، والبغاء: هو الزّنى المتكرر، والبغاء هو مصدر من: بغت؛ أي: زنت (انظر في ملحق الآية).
﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾: تحصناً: من التحصن، وهو التعفف أو الزواج؛ أي:
стр. 3434
ليس هناك سببٌ يدعو إلى إكراه أيِّ فتاة أو أنثى مهما كانت على البغاء، ومهما كان السّبب، في أيّ مجتمع، ولا يجوز فهم الآية: وإذا لم ترد التّحصن يجوز إكراهها، طبعاً لا. ويمكن فهم الآية على النّحو التالي: كيف لكم أن تكرهوا أيَّ فتاة أو أنثى على البغاء (الزّنى) وهي تريد أو تطلب العفة، وأنتم تريدون أن تأتي بالفاحشة لتبتغوا عرض الحياة الدّنيا!
﴿لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: اللام للتوكيد، تبتغوا عرض الدّنيا؛ أي: المال أو أيّ عرض دنيوي يطلبه ولي الأمر.
﴿وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ﴾: من شرطية، يكرههن: والنّون في يكرههنّ لزيادة التّوكيد على عدم الإكراه.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾: فإنّ: للتوكيد.
﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لأنّ المكرَه لا إثم عليه فيما يقول أو يفعل. وإنما على الّذي كان السّبب ..
وظاهرة البغاء أصبحت تسود في بعض المجتمعات وتأخذ صوراً شتى، وتقوم بها الفتيات أو النّساء أنفسهن بإرادتهن وبدون إكراه، أو هناك من يتولى أمرهن سواء كانت امرأة أو رجلاً، والغاية العظمى من وراء البغاء هو الحصول على المال أو لشراء المخدرات أو بعض الأدوية المحرمة، وللتخلص من الفقر بأسرع وسيلة.
ما الفرق بين البغاء والزّنى والسّفاح؟
البغاء: هو الزّنى المتكرر ـ أي الفجور، توصف به المرأة ولا يوصف به الرجل من: بغت؛ أي: فجرت، تجاوزت ما ليس لها بحق.
السِّفاح: وهو أن يقيم الزّاني والزّانية في منزل واحد بدون زواج.
стр. 3435
الزّنى: الوطء بدون عقد شرعي ولو وقع لمرة واحدة.
سورة النور [٢٤: ٣٤]
﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ﴾: آيات القرآن (آيات الأحكام والحدود)، والآيات بشكل عام تشمل الآيات الكونية والمعجزات. إليكم: خاصة.
﴿مُّبَيِّنَاتٍ﴾: ولم يقل: آيات بينات؛ أي: واضحات، ظاهرات، ومبينات: تحتاج إلى توضيح وتفسير مثل آيات الحدود والأحكام، أو تعني: مبينات الأحكام والحدود الّتي تنظم حياتكم.
أي: تحتاج إلى توضيح وتفسير يقوم به رسول الله ﷺ ، أو أولو العلم والفقه في الدّين، أو علماء الفلك والفيزياء مثل قوله تعالى: ﴿بَحْرٍ لُّجِّىٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠]. وكقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣]، وغيرها من الآيات.
﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: أي أنزلنا إليكم آيات مبينات.
وأنزلنا إليكم ـ مثلاً ـ من الّذين خلوا من قبلكم، والمثل: هو تشبيه حال بحال مراد به توضيح أمر غامض؛ أي: مشبهاً من حال الّذين مضوا من قبلكم بحالكم مثلاً شبهاً بحادثة الإفك ما حدث ليوسف ﵇ وامرأة العزيز وما حدث لمريم ﵍ حين قالوا: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨].
﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ تذكرة، ونصيحة وتحذيراً للمتقين، والموعظة: ما يوعظ به من قول أو فعل يُرشد إلى الخير، أو النّصح بالطّاعة بأسلوب التّرغيب
стр. 3436
والتّرهيب والعمل الصّالح والتّذكرة بالثّواب والعقاب، والتّحذير وللنهي من الغفلة والجهل.
﴿لِّلْمُتَّقِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، المتقين: الّذي يطيعون أوامر الله ولا يعصونه ويتجنبون نواهيه.
أي: خاصة بالمتقين دون غيرهم فهم المنتفعون بها. وربما ينتفع بها غيرهم بشكل عام.
ولنقارن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾ و قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩].
الآيات البينات الواضحات لا تحتاج إلى بيان وتوضيح، بينما المبينات تحتاج.
سورة النور [٢٤: ٣٥]
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِاءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الله نور: نور لها عدة معان:
أولاً: كلمة (نور) فيها معنى الهداية؛ أي: الله هادي من في السّموات والأرض وما فيهن، كما قال ابن عبّاس: يهدي كل مخلوق لما يقوّمه ويصلحه، ولولا هديه ونوره ما اهتدى مخلوق إلى وظيفته وغايته ومعاشه وحياته.
ثانياً: الله سبحانه هو النّور؛ أي: منه النّور؛ لأنّ العرب تسمّي من منه الشّيء باسم ذلك الشّيء. فالشّمس والقمر والنّجوم هي من خلقه.
стр. 3437
ثالثاً: الله سبحانه منوِّر السّموات والأرض بالشّموس والأقمار والكواكب الّتي تعطي النّور الحسي.
﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: صفة نوره العجيبة، كمشكاة فيها مصباح: المشكاة كوَّة في جدار (أي: نافذة مدورة ضيقة ولها جدار ثخين) ليكون أجمع للنّور وأضوأ مقارنة بالمكان الواسع حيث ينتشر فيه الضّوء ويتبعثر.
﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: أي السّراج أو القنديل.
﴿الْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ﴾: أي ليس مصباحاً عادياً إنّما المصباح موضوع في زجاجة، الزجاجة تنقي ضوء المصباح تمنع عنه الهواء المسبِّب للدخان وهي أداة عاكسة للنور.
﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ﴾: الزّجاجة نفسها غير عادية إنّما هي (الزّجاجة كأنّها كوكب دري) شديد الإنارة، كأنّه من الدّر يضيء بنفسه، والعرب تسمي الكوكب العظيم المضيء: كوكب دري.
﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾: أي أنّ الزّيت الّذي يوقد به المصباح ليس زيتاً عادياً، إنما زيتٌ مأخوذٌ من شجرة مباركة؛ للدلالة على قدسيتها، أو مباركة لطول عمرها، فهناك من شجر الزيتون ما يزيد عمره على ألف عام. هي الزّيتونة، لا شرقية ولا غربية؛ أي: هي شجرة مزروعة في مكان وسط مما يجعل ضوء الشمس يقع عليها طول النهار، ولو كانت شرقية لوقع عليها ضوء الشمس جزء من النهار، ولو كانت غربية لحدث ذلك أيضاً وقع عليها ضوء الشمس جزءاً من النهار، أو حتى لا يطرأ عليها نور وظلمة فهي لا شرقية ولا غربية كي لا يحجزها شيء عن ضوء الشمس مما يجعل زيتها صافياً من شدة صفائه.
стр. 3438
﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِاءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾: أي زيتها من شدة صفائه يكاد يضيء بدون أن تمسّه نار؛ أي: الإضاءة هنا غير حاصلة؛ أي: تكاد أن تحصل ولم تحصل حتى تمسسه نار.
هذا هو تفسير المفسرين السّابقين، والتّفسير العلمي: أنّ هذه الآية تشير إلى الشّمس الّتي هي الكوكب الدّري الّذي يوقد بغاز الهيدروجين والهيليوم في مشكاة، المشكاة تمثّل الكون المظلم، فيها مصباح، المصباح: هو الطّبقة الغازية المحيطة بالأرض والّتي تضيء حين تقع عليها حزمة الضوء المرئي (ألوان الطّيف السّبعة) وزيت الشّمس هو غاز الهيدروجين والهيليوم الّذي يضيء ولو لم تمسسه نار ..
﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ أي: ليس هو نوراً واحداً وإنّما نور مضاعف من غير تحديد الكمّ، وليس مجموع نورين فقط بل أنوار كثيرة فوق بعضها البعض منها ما هو حسي مادي مركّب من نور الشّمس والقمر والنّجوم، ونور معنويّ مركّب من نور القرآن والرّسول ونور الإيمان ونور الوضوء ونور الإسلام.
﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فيه تنكير؛ للمبالغة والتّعظيم.
﴿يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: لنوره المعنوي؛ أي: لدينه الإسلام، من يشاء: من عباده، من ابتدائية بعضية.
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾: ارجع إلى الآية (٧٤) من سورة النّحل للبيان.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ﴾: شيء نكرة تشمل أيَّ شيءٍ مهما كان.
﴿عَلِيمٌ﴾: يحيط علمه بكل شيء خلَقَهُ باطنه وظاهره، حياته وعمله، وموته وفنائه، وحركته وسكونه.
стр. 3439
سورة النور [٢٤: ٣٦]
﴿فِى بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾:
﴿فِى بُيُوتٍ﴾: ابتدأت الآية بالجار والمجرور (في بيوت) فلا بدّ من متعلق وهو النّور؛ أي: النّور في بيوتٍ أذن الله أن ترفع: تقام، والبيوت هي المساجد وهي بيوت الله في الأرض، والبيت ما أُعدَّ للبيتوتة، مكان للراحة، وهناك فرق بين البيوت العادية وبيوت الله، فالبيوت العادية توفّر الرّاحة الجسدية البدنية، وبيوت الله تعالى توفّر الرّاحة المعنوية النّفسية، الّتي هي أهم من الرّاحة الجسدية؛ أي: النور المركب في بيوت أذن الله أن ترفع فيها نور الإيمان، والقرآن، وحلقات العلم، ودراسة القرآن، وخطب الجمعة كل هذه الأمور نور على نور، وتشمل البيوت كذلك الصوامع، والبيع، والصلوات. ارجع إلى سورة الحج آية (٤٠).
﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾: تبنى وتطهّر وتُصان. ولم يقل سبحانه أمر الله أن ترفع للعبادة.
﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾: اسم الله سبحانه بالأذان والإقامة والصّلاة وقراءة القرآن، والدّعاء والذّكر والتّسبيح.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: التّسبيح التّنزيه، تنزيه الله لذاته وصفاته وأسمائه من كل عيب ونقص وما لا يليق به، بالغدوّ: الغداة من طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس، والآصال: جمع أصيل ما بين العصر وغروب الشّمس، فهي لا تخلو من ذكر الله.
стр. 3440
سورة النّور [الآيات ٣٧ - ٤٣]
سورة النور [٢٤: ٣٧]
﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾:
﴿رِجَالٌ﴾: خصّ الرّجال بالذّكر في المساجد؛ لأن ليس على النّساء صلاة جماعة في المساجد ولا جمعة.
﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾: لا النّافية. تشغلهم تجارة (التّجارة هي البيع والشّراء)، وخصّ التّجارة؛ لأنّها أكثر الأعمال الّتي تشغل النّاس عن الصّلاة وحضور المساجد.
﴿وَلَا بَيْعٌ﴾: ذكر الخاص بعد ذكر العام؛ للاهتمام والتّوكيد، لأنّ البيع هو الّذي يجلب الرّبح ويعدّ أهم قسمَي التّجارة (الشراء والبيع).
﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: باللسان مثل التّسبيح والتّحميد والشّكر، و (عن) تفيد المجاوزة والابتعاد.
﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾: أداؤها لوقتها وإتمامها بالأركان والسنن والواجبات.
﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾: ما يجب إخراجه من المال للمستحقين.
﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾: يوم القيامة (ونكّر اليوم؛ للتهويل والتّعظيم).
﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾: من شدة هوله وأحداثه العظام، تتقلب فيه: تعني في ذلك اليوم خاصة أو حصراً.
القلوب تضطرب وتتسرّع من شدة الفزع والخوف ويرتفع الضغط
стр. 3441
الشّرياني، وتبلغ القلوب الحناجر: كناية عن شدة خوفها، وشدة نبضات القلب الّتي تشعر بأنّها في مستوى الحناجر، أو كأن القلوب تركت أماكنها وأصبحت على مستوى الحناجر.
والأبصار: الشاخصة تتقلب: تترقب من أين يأتيها العذاب، أو تتقلب تنظر يمنة ويسرة من أين يؤتون كتبهم أمِنْ قِبَل اليمين أم من قِبَل الشمال.
سورة النور [٢٤: ٣٨]
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾:
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد.
﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾: من الأعمال الصّالحة في دنياهم، أحسن على وزن: أفعل؛ أي: أفضل الجزاء ما عملوا، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية وأوسع شمولاً من الذي.
﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: بمضاعفة الحسنات والدّرجات.
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي: لا يرزق الناس في الدنيا قدر طاعتهم فالرزق ليس منوط بالإيمان أو عدمه، ولا يدل على رضى الله تعالى عن العبد أو منعه يدل على سخط الله على عبده، ولأن خزائنه لا تنفد ويرزق من يشاء من حيث لا يحتسب. ارجع إلى الآية (٢١٢) من سورة البقرة للبيان.
سورة النور [٢٤: ٣٩]
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْئَانُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
بعد أن بيّن الله جزاء أعمال الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات، ينتقل ليبيّن حال أعمال الّذين كفروا في الآخرة، ويشبهها بالسراب والظلام (شيآن حسيان) والكفر شيء معنوي فهو يشبه شيء معنوي بشيئين حسيين.
стр. 3442
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ﴾: أي: ثواب أعمالهم الصّالحة.
﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾: أعمالهم تشبه السّراب، بقِيعَة؛ أي: ما تراه عين الإنسان قرب وقت الظّهيرة بقِيعة؛ أي: في صحراء أو أرض مستوية حين تنكسر أشعة الشّمس على الأرض، فتظهر كماءٍ يحسبه الظّمآن ماء وما هو إلا سراب. وسمّي سراباً؛ لأنّه يسرب: (يجري كالماء) ويخدع الرّائي من بعيد فيظنه ماء وليس بماء.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾: حتى: حرف نهاية الغاية؛ أي: جاءه يركض ليشرب منه ويروي ظمأه لم يجد السّراب الّذي ظنه ماءً شيئاً، وكذلك الكافر الّذي يعمل الأعمال الحسنة في الدنيا من الإنفاق وصلة رحم ورعاية اليتيم وإغاثة الملهوف وبناء المدارس والمستشفيات، ولكنه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأعماله هذه الّتي يظن ستنفعه يفاجأ أنّها لا فائدة منها ولا ثواب في الآخرة؛ لأنّها حبطت بسبب كفره وأصبحت تشبه السّراب الّذي ظنّه الظمآن ماء، كما أنّ الكافر ظنّ أنّ أعماله الصّالحة لها ثواب وأجر فيجدها قد حبطت أو بطلت لا ثواب لها.
﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾: أي يفاجَأ بوجود الله يوم القيامة.
﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾: الفاء للتوكيد، حسابه: على كفره أو شركه؛ لأنّ ثواب أعماله الحسنة وفّاها له الله وهو في الدّنيا ونال أجرها قبل موته بأن وسع الله له رزقه، أو مدحوه وأثنوا عليه الناس في الدنيا، أو سموا شارعاً باسمه وغيرها.
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: ارجع إلى الآية (٤١) من سورة الرعد للبيان.
انتبه إلى قوله تعالى:
١ - سراب بقِيعة: لم يقل في قيعة، استعمل الباء للإلصاق؛ لأنّ السّراب ملتصق بالأرض: القيعة (المستوية) ولو قال في قيعة لدلَّ أنّ القِيعة كظرف والسّراب هو المظروف، وهو غير صحيح من حيث الحقيقة العلمية.
стр. 3443
٢ - يحسبه الظّمآن ماء: يحسبه بصيغة المضارع يدلّ على التّجدد والتّكرار في الخدع؛ أي: الكفار في الدنيا يظنون أنَّ لأعمالهم ثواباً وجزاءً بشكل متكرر ومتجدد.
سورة النور [٢٤: ٤٠]
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾:
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾: أو أعمالهم تشبه الظلمات التي نراها في ﴿بَحْرٍ لُّجِّىٍّ﴾: كالمحيطات، وقد اكتشف علماء البحار أنّ البحار تتكون من بحراً عميقاً لجِّياً له أمواجه، وبحراً سطحياً وله أمواجه، ووجد أنّ هناك منطقة بين البحر العميق والبحر السّطحي وهي طبقة سمكها أمتار قليلة أو طبقة رقيقة تمثل حداً فاصلاً.
﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾: أي: أن للبحر اللجي (العميق) موج (اسم جنس)؛ أي: أمواج داخلية، يغشاه موج من أعلاه؛ أي: من فوقه؛ أي: الأمواج السطحية التي تخص البحر السطحي، ولهذه الأمواج سحب تسمى سحب الموج الداخلي، وسحب الموج سطحي، وقيل هي (١٠ سحب)؛ أي: عشر ظلمات (حوائل) سبع ظلمات، ظلمات الأعماق، أو ظلمات الأمواج الداخلية، وظلمات الأمواج السطحية ثلاث.
أي: ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾: تراكمت عليها ظلمات الكفر والشّرك والضّلال والجهل، فلم يعد فيها خير، فلا ينتفعون منها بشيء.
أو أصحاب هذه الأعمال يشبه أحدهم من يغوص في البحر اللجّي الّذي يغشاه موجٌ من فوق موج من فوقه سحاب، فهم يترددون ويسبحون في ظلمات بعضها فوق بعض إذا مدَّ يده فيها ليسبح، لا يكاد يرى يده من شدة الظّلام، فهم لا ينتفعون بأعينهم وأبصارهم كما لا ينتفعون بأعمالهم.
стр. 3444
﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾: مبالغة في عدم القدرة أو نفي الرّؤية كاملاً فهو لا يرى يده. فقد تبين أنه كلما زاد العمق زاد الظلام ويبدأ الظلام على عمق (٢٠٠ متر) وينعدم على عمق (١٠٠٠ متر) حيث تختفي الأشعة ويحل الظلام الدامس.
﴿وَمَنْ لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾: أي فمن أراد أن يتخبّط في ظلمات الضّلال والجهل والشّرك والكفر، ولا يريد أن يخرج منها وهو راضٍ بذلك ولا يلتمس أيَّ مخرج أو نور؛ ليخرج منها، فليعلم أنّ الله لا يهديه أو يوفقه.
وهذه أربعة آيات أُخر تعتبر أدلة وبراهين على قدرة الله وعظمته، وأنّه هو الخالق لا إله إلا هو الّذي يحب أن يطاع ويعبد وهي:
١ - كل من في السّموات والأرض والطّير، والحيوان والنّبات والجماد يصلي ويسبِّح له.
٢ - إنزال المطر والثّلج والبرد من السّحب
٣ - تقلُّب الليل والنّهار.
٤ - وأنواع المخلوقات وأشكالها وأنواعها، وكيف تسير وتمشي.
سورة النور [٢٤: ٤١]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾:
الدّليل أو البرهان الأوّل:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام، وقد لوحظ أنّ القرآن يستعمل (ألم) للأمر الغائب غير المشاهد كما في هذه الآية، حيث لا نرى ولا نشاهد صلاة ولا تسبيح
стр. 3445
الطّير، بينما (أولم) تستعمل للأمر الحسي المشاهد والحالات الأشد إنكاراً، ومجيء الواو في كلمة (أولم) تدل على شدة الإنكار بدلاً من (ألم).
﴿تَرَ﴾: أي: ألم تعلم أو ينتهِ إليك العلم، والرّؤية هنا رؤية قلبية وليس بصرية، وحين يخبرنا الله عن شيء كما هو الحال في هذه الآية يخبرنا عن صلاة وتسبيح الطّير، فهذا الخبر من الله أوثق وأصدق مما لو رأته أعيننا.
﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: للتعليل والتّوكيد.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ارجع إلى سورة الإسراء الآية (٤٤) للبيان، وسورة الحديد آية (١).
يسبح: من التّسبيح وهو تنزيه الله تعالى ذاته وصفاته وأسمائه من كلّ نقص وعيب وعما لا يليق به، من: للعاقل وتعني الإنس والجن والملائكة.
﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ أي: باسطات أجنحتها؛ لكي تظلّ معلّقة في جو السّماء لكي لا تسقط. ارجع إلى سورة الملك آية (١٩) لمزيد من البيان. وعطف الطير (غير العاقل) على العاقل من خصوصيات القرآن الكريم، كما رأينا في سورة الحج آية (١٨)، وسورة الرعد آية (١٥).
والطير صافات (ذكر الخاص) بعد ذكر العام وهو (ما في السموات والأرض) للاهتمام أو الأهمية، فلماذا خصها بالذكر مع أنها داخلة في (من في السموات والأرض)؛ لأن الطير آية من آيات الله تعالى الخاصة؛ فالطيور بأنواعها التي قدرها العلماء بـ (٩ - ١٠) آلاف نوع، وأجنحتها المختلفة الشكل والحجم، وقدرتها على الطيران تدل على عظمة قدرة الخالق؛ فلا تسقط على الأرض رغم وزنها وخضوعها لقانون الجاذبية الأرضية.
﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾: كل طير، قد: للتحقيق والتّوكيد، علم صلاته
стр. 3446
وتسبيحه: علم كيف يصلي ويسبّح بطريقته الخاصة به؛ أي: له صلاة وتسبيح يختلف عن الآخر؛ لأنّه سبحانه الّذي خلقها هداها إلى هذا التّسبيح والصّلاة، كلٌّ: قد تعود إلى كلّ ما في الوجود بما فيه الطّير لقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: وأنتم لا تفقهون تسبيحهم ولكن الله يعلم بكلّ ما يفعلون، يفعلون: ولم يقل يعملون؛ لأنّ العمل عادة يخص ذوي العقول والعمل يعني الفعل والقول، يفعلون: يخص ذوي العقول وغير العاقل والطّير.
سورة النور [٢٤: ٤٢]
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾:
﴿وَلِلَّهِ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، فقط لله وحده لا لغيره، واللام (لله) تفيد الملكية والاختصاص.
﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي له حكم السّموات والأرض بما أنه خالق السّماوات والأرض فهو مالك لهنّ وما فيهنّ فهو المالك والحاكم، وهنا ملك السّموات والأرض يعني بشكل خاص الحكم فهو الحاكم، وحينما يقول: لله ما في السّموات والأرض؛ تعني: المُلك هو المالك.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾: إلى الله سبحانه النّهاية والعودة؛ أي: الوقوف بين يديه للحساب.
سورة النور [٢٤: ٤٣]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾:
الدّليل والبرهان الثّاني:
стр. 3447
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تعلم، أو ألم تَرَ رؤية قلبية وبصرية، ارجع إلى الآية السّابقة لمعرفة معنى (تَرَ).
﴿أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى﴾ (يحرك ويسوق) السحاب المتشكل من بخار الماء الخارج من البحار والمحيطات والأرض .. ثم يؤلّف بينه: أي بين السّحب المبسوطة (السحاب) .. حتّى تصبح سحباً ركامية، عندها ترى الودق (المطر) ينزل منها وهذا تفصيل ما يحدث من النّاحية العلمية.
﴿اللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا﴾ أي: يحرك برفق أو يدفع ببطء سحاباً، والسحاب عبارة عن بخار الماء المحمول بالرياح، وقد تبين أن بخار الماء أثقل من الهواء فعندما يتحرك الهواء يجد مقاومة من بخار الماء.
وهذه السّحب تسمى السّحب المبسوطة وهي لا تمطر حتّى تتلقح برياح حاملة لهباءات الغبار، فتتحول ذرة بخار الماء إلى نوى تكثّف وحينما تصل إلى كثافة معينة تنزل مطراً.
عندما تلتقي سحابتان كل سحابة لها تركيب مختلف عن الأخرى من حيث التركيب الكيمياوي ودرجة الحرارة وكمية بخار الماء وغيرها، فحين تلتقي السّحب التي تتحرك بشكل أفقي بغيرها من السّحب؛ أي: تصطدم أو ﴿يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾: تتحرك السّحب إلى الأعلى بشكل رأسي أو هرمي، وتكون سرعتها القصوى في المركز فتتصاعد السّحب لتشكل السّحب الرّكامية الّتي قد يبلغ طولها (١٠ ـ ٢٠) كم وحينما يصل بخار الماء إلى الطبقة المنخفضة الحرارة ينزل بشكل مطر.
﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: أي: المطر الغزير أو الخفيف يخرج من خلاله، وكذلك في هذه السّحب الرّكامية يتشكل الثلج والبرد. وهناك السّحب الأفقية الّتي
стр. 3448
تتشكل فوق الجبال والهضاب فإذا وصلت الأرض نسميها الضباب، وهناك السّحب المبسوطة تشكل الغيوم (السحب البيضاء).
﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، الودق: المطر بشكليه الشّديد والخفيف.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾: وينزل من السّماء من جبال (هي السّحب الرّكامية الّتي قد تبلغ (٢٠) كم طولاً).
وعندما تصعد السّحب الرّكامية وتعلو، وعندما تصل إلى درجة الصّفر يتحول المطر النّازل إلى قطرات من البرد أو الثّلج، إذا تجمد الماء بسرعة شكّل كرات البرد، وإذا تجمّد ببطء يتبلور إلى كرات الثّلج، فيصيب به (بالبرد) من يشاء. البرد ليس هو الثّلج، البرد كتل مدورة من الجليد يختلف حجمها وقد تكون كبيرة فتسقط فتؤدي إلى ضرر وتلف في المنازل والسّيارات. من يشاء أي: الكفار والمشركين أو العاصين، ويصرفه عمّن يشاء: عن عباده المؤمنين.
﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾: سنا برقه: الضمير يعود على البرد وليس البرق .. فالذي يسبب البرق هو البرد ولا أحد يظن أن هناك علاقة بين البرد والبرق، فقد اكتشف أن الماء حين يتحول من حالة إلى حالة يطلق شحنة كهربائية تصل إلى آلاف الفولتات بالثانية، فإذا نظر الإنسان إلى وهج هذا البرق قد يؤدي ذلك إلى فقدان الرؤية لفترة قصيرة، وإذا نظر إلى فترة طويلة قد يحرق شبكية العين ويفقد بصره كاملاً، و يعود ذلك إلى تغير مادة الرودسين الّتي تعين على الرؤية، فالدراسات العلمية للسحب تؤكد ما جاء به القرآن الكريم من أكثر من (١٤٠٠) سنة.
стр. 3449
سورة النّور [الآيات ٤٤ - ٥٣]
سورة النور [٢٤: ٤٤]
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِى الْأَبْصَارِ﴾:
الدّليل أو البرهان الثّالث:
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: إشارة إلى كروية الأرض ودورانها حول محورها وحول الشّمس مما يؤدي إلى تبادل الليل والنّهار، ويشمل هذا التقلب تغير درجات الحرارة بالبرد والحر والدّفء أو الاعتدال، ففي الليل نرى درجات الحرارة تزداد أو تنخفض، وكذلك في النّهار في مطلع النّهار وآخره فلا تبقى على حالة واحدة، هذا التّغير في درجات الحرارة والبرد من تدبير الخالق وتصريفه وحكمته، ودلالة على قدرته وعظمته ووحدانيته مما يدركه أولو الأبصار.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إنّ: للتوكيد، في: ظرفية، ذلك: اسم إشارة يشير إلى كروية الأرض ودورانها، وهذا التّغيير في درجات الحرارة والجو والمناخ.
﴿لَعِبْرَةً﴾: من العبور من الجهل إلى العلم: من الآيات الّتي تعبر بالإنسان للوصول إلى الإله الحق والصّواب، أنّ الله سبحانه المدبر الخالق والّذي يجب أن يطاع ويعبد.
﴿لِّأُولِى الْأَبْصَارِ﴾: ذوي؛ أي: أصحاب البصيرة والبصر.
стр. 3450
سورة النور [٢٤: ٤٥]
﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُم مَنْ يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَنْ يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَنْ يَمْشِى عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
والدّليل أو البرهان الرّابع على قدرة الله وعظمته يتمثل في ظاهرتين: الماء والمشي.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾: تعريف الدّابة: كلّ ما يدب على الأرض بما فيها الإنسان والحيوان، حتّى النّملة وما يشبهها له دبيب.
من ماء: من ابتدائية استغراقية تشمل كلّ دابة، وتختلف نسبة الماء في تركيب هذه الدّواب فقد تصل إلى نسبة عالية (٧٠) بالمئة أو أكثر، وقد تصل إلى نسبة ضئيلة جداً كما هو الحال في السّمك مثلاً، وكما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، والطين يعني: التراب+ الماء.
﴿فَمِنْهُم مَنْ يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ﴾: فمنهم تعود على الدّابة، من يمشي: المشي هو الانتقال من مكان إلى مكان آخر ولو بعدّة خطوات أو سنتيمترات أو أقل من ذلك أو أكثر، وإذا امتد المشي وطال يسمى السّير، والسّير: يستعمل للسفر والتّجارة.
يمشي على بطنه: كالزّواحف والحيّات بدون أرجل.
﴿وَمِنْهُم مَنْ يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ﴾: الإنسان وبعض الحيوانات.
﴿وَمِنْهُم مَنْ يَمْشِى عَلَى أَرْبَعٍ﴾: ومن يمشي على بطنه أعجب ممن يمشي على رجلين ممن يمشي على أربع بدأ بالأصعب إلى الأسهل.
انتبه في هذه الآية إلى عدة أمور:
١ - التّدرج من المشي على البطن إلى المشي على رجلين إلى المشي على
стр. 3451
أربع، التّدرج من الأعلى تعقيداً إلى الأقل؛ فالّذي يمشي على بطنه أعجب من الّذي يمشي على رجلين، والذي يمشي على رجلين أعجب من الّذي يمشي على أربع؛ لإظهار قدرته سبحانه وعظمته على الخلق بكل أنواعه وليس هو ترتيباً مبنياً على الجنس.
٢ - استعمل من للعاقل فقال: (ومنهم من يمشي) وكرر ذلك (ومنهم من يمشي) ولم يستعمل (ما) وغلب ضمير العقلاء على البقية.
﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: يدخل فيها ما يمشي على أكثر من أربع أرجل أو غيره من أنواع المشي.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: إنّ للتوكيد.
قدير: صيغة مبالغة: كثير القدرة؛ فقد خلق الله أكثر من (٨، ٧ مليون) سلالة من الحيوانات في الأرض. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٠) لمزيد من البيان.
سورة النور [٢٤: ٤٦]
﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾:
بعد أن بيّن لنا الله سبحانه أربعة أدلة على عظمته وقدرته، يعود ليخبرنا بأنّه تعالى:
﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٣٤).
﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: والله يهدي من يشاء من عباده للنظر والتّأمل في هذه الأدلة والبراهين الّتي ذكرت في الآيات السّابقة وغيرها من الآيات المنزلة للوصول إلى الحق والرّشاد والإيمان بالله وحده والسّير على دينه؛ أي: الصّراط المستقيم.
стр. 3452
سورة النور [٢٤: ٤٧]
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾:
أسباب النّزول: كما ذكر الواحدي في (أسباب النّزول): نزلت هذه الآية في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمّد ﷺ ، وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف فإنّ محمّداً يحيف علينا، فنزلت هذه الآية.
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾: باء الإلصاق والتّوكيد، يقولون آمنا: بأفواههم آمنا وصدقنا بالله وبمحمّد وبما أنزل الله.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أي يفعلون ما يخالف ما قالوه بأفواههم؛ أي: يقولون ما لا يفعلون ويبطنون غير ما يظهرون، أو قول بلا عمل، يتولى فريق منهم: يعرض ويمتنع فريق منهم بتطبيق ما يدل على إيمانهم الصّادق؛ أي: يقولون: آمنا بمحمّد ﷺ كحال هذا المنافق ثم يريد أن يتحاكم إلى كعب بن الأشرف.
﴿وَمَا﴾: النّافية.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد.
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾: الباء للإلصاق؛ أي: هم من المنافقين، ويقولون: بصيغة المضارع لتدل على التّجدد والتّكرار.
سورة النور [٢٤: ٤٨]
﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية فيها معنى الشّرط، تستعمل للأمور الحتميّة الحدوث وبكثرة.
стр. 3453
﴿دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: إلى كتاب الله؛ أي: القرآن، ورسوله: ليحكم بينهم بحكم الله؛ لأن حكم رسول الله ﷺ لا يكون إلا عن وحي كقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، وتعني: سنة رسول الله ﷺ بعد وفاته.
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد.
﴿إِذَا﴾: الفجائية.
﴿فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ﴾: معرضون عن المجيء إلى الرّسول ليحكم بينهم خوفاً من أن يحكم بالحق عليهم، أو لعلمهم أنه يحكم بالحق فلا يأتون إليه.
سورة النور [٢٤: ٤٩]
﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: شرطية تستعمل للأمور المحتملة والنادرة.
﴿يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾: أي إذا كان الحكم لصالحهم جاؤوا إليه مذعنين مسرعين مطيعين منقادين، وتقديم (إليه) للاختصاص؛ أي: إليه وحده.
سورة النور [٢٤: ٥٠]
﴿أَفِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾:
﴿أَفِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾: الهمزة همزة استفهام وتوبيخ وذم؛ أي: ما هو سبب إعراضهم عن التّحاكم إلى رسول الله، وقلوبهم المريضة بمرض النّفاق والحسد والرّيبة، (أم المنقطعة) ارتابوا في نبوة محمّد؟ الرّيبة: هي الشّك والتّهمة، أو ارتابوا فيما أنزل الله تعالى في القرآن. وانظر إلى جملة في قلوبهم مرض (جملة اسمية) تدل على الثبات؛ أي: المرض متأصل في قلوبهم (مرض النفاق) بينما ارتابوا أو يخافون (جملة فعلية) تدل على التجدد والتكرار؛ لأن قلوبهم مريضة.
стр. 3454
﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ أم: للإضراب الانتقالي (أم المنقطعة) والهمزة للاستفهام الانكاري والتّوبيخ.
الحيف: هو ميل الحاكم إلى أحد الطّرفين، أو الحيف: الظّلم النّاتج عن عدم العدل، وأصل الحيف: تحيّفت الشّيء: إذا أنقصته عن حافاته.
﴿بَلْ﴾ للتقرير واليقين، للإضراب الانتقالي.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد.
﴿هُمُ﴾: للتوكيد.
﴿الظَّالِمُونَ﴾: جمع: ظالم، هو كل من يخرج عن منهج الله .
أي: يجب ألا يخافوا أن يحيف عليهم محمّد؛ أي: يظلمهم بحكمه، وإنما هم الظّالمون حين يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم أو يظلموا النّاس ويأكلوا حقوقهم وأموالهم بالباطل، فهم الظّالمون لغيرهم ولأنفسهم معاً.
انتبه إلى قوله: (أفي قلوبهم مرض): جملة اسمية تدل على الثّبوت، أتبعها بجملة فعلية هي (أم ارتابوا) الّتي تدل على التّجدد والتّكرار.
الظّالمون: جملة اسمية تدل على الثبوت؛ أي: مستمرون في الثبات على ظلمهم للنّاس.
سورة النور [٢٤: ٥١]
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد.
﴿كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله
стр. 3455
ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، أو إنما كان قول المؤمنين حقاً أو صادقي الإيمان إذا دُعوا إلى الله (كتاب الله) أو دُعوا إلى الله رسوله ليحكم بينهم أن يقولوا، أن: للتعليل والتّوكيد، ولم يقل: إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكما بينهم؛ لأن حكم الرسول هو حكم الله تعالى؛ لأن الرسول ﷺ منفذ لحكم الله تعالى.
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: سمعنا حكم الله ورسوله، وأطعنا ما أمرنا به أو نهانا عنه، وإن كان الحكم لغير صالحهم؛ أي: ضدهم.
﴿وَأُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد.
﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: هم ضمير فصل يفيد التّوكيد، المفلحون: المدركون والمحققون غاياتهم، النّاجون من النّار والفائزون بالجنة، ارجع إلى الآية (٥) من سورة البقرة؛ وتعني: إذا كان هناك مفلحون فهم في طليعة المفلحين ومقدمتهم.
سورة النور [٢٤: ٥٢]
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾:
﴿وَمَنْ﴾: شرطية.
﴿يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: لأن طاعة الرسول من طاعة الله تعالى وطاعتهما واحدة، وتتمثل الطاعة بامتثال أوامر الله تعالى ورسوله؛ أي: يطع أوامرهما ويتجنب نواهيهما.
﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾: الخشية هي الخوف المصحوب بالشّعور بعظمة الله الخالق، والمصحوب بالعلم به: صفاته، وأسمائه، وأفعاله، والخشية بالغيب وفي العلن، والتّقوى: طاعة أوامر الله واجتناب نواهيه.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء للتوكيد، أولئك: اسم إشارة للبعد.
стр. 3456
﴿هُمُ﴾: ضمير فصل للتوكيد؛ أي: إذا كان هناك فائزون فهم في أول الفائزون أو في طليعتهم.
﴿الْفَائِزُونَ﴾: بالجنة ورضوان الله وبالبقاء السّرمدي والنّعيم الدّائم.
سورة النور [٢٤: ٥٣]
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾: وأقسموا من القَسَم، والقسم: أبلغ من الحلف، ولمعرفة الفرق بين القسم والحلف ارجع إلى الآية (٥٦) من سورة التّوبة للبيان.
بالله: باء القسم، وأقسموا بالله لرسوله.
﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: بالغوا بمنتهى جهدهم في القسم؛ أي: أقسموا بأغلظ الأيمان وبمنتهى جهدهم ووسعهم.
ارجع إلى سورة الإسراء آية (٩١) للبيان.
﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾: اللام لام التّوكيد، أمرتهم بالخروج إلى الجهاد.
﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾: اللام للتوكيد، والنّون في (يخرجن) لزيادة التّوكيد.
﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾: هذا أمر من الله لرسوله بأن يقول لهم: لا تقسموا، ليس هناك حاجة إلى القسم بالله، إنّ الله يعلم نواياكم وهل أنتم صادقون أم لا، فهو مجرد قسم باللسان!
﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾: لا تقسموا بالله، إنّ الله يعلم ما نوع طاعتكم فهي طاعة معروفة عنده: مجرد طاعة باللسان وقول الكذب؛ أي: مجرد قول بلا فعل.
стр. 3457
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: إنَّ للتوكيد، خبير: ببواطن الأمور، بما تعملون؛ أي: تقولون وتفعلون، العمل: يشمل القول الفعل.
وقدّم (خبير) على (ما تعملون) ولم يقل إنّ الله بما تعملون خبير؛ لأنّ سياق الآيات في الحديث عن عظمة الله وقدرته، وعن أمور قلبية كالنفاق. ونوايا وإيمان وليس السّياق في عمل الإنسان.
стр. 3458
سورة النّور [الآيات ٥٤ - ٥٨]
سورة النور [٢٤: ٥٤]
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾:
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: قل لهم يا محمّد: أطيعوا الله فيما أمر به ونهى عنه وما أنزل لكم في الكتاب، وأطيعوا الرّسول فيما أمر به ونهى عنه وما فصّل لكم من الأحكام والشّرائع.
والطاعة تعني: الانقياد لما يطلبه الشارع (وهو الله وكذلك الرّسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
وفي سورة آل عمران آية (٣٢) قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ بدلاً من ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ لمعرفة الفرق ارجع إلى سورة النّساء آية (٥٩) وآل عمران آية (٣٢). ولنعلم أن طاعة الله وطاعة الرسول طاعة واحدة، وأن طاعة الرسول ﷺ فيما بين لنا من الأحكام المجملة.
﴿فَإِنْ﴾: الفاء للتعليل، إن: شرطية تستعمل للأمور المحتملة الوقوع مثل التولّي.
﴿تَوَلَّوْا﴾: أعرضوا ورفضوا وابتعدوا عن طاعة الله وطاعة الرّسول.
وتولَّوا: أصلها: تتولوا، حذفت إحدى التاءين؛ أي: يجوز في الفعل تولوا أن يكون ماضياً وأن يكون مضارعاً، والفرق بين تولّوا وتتولّوا، تولّوا تستعمل
стр. 3459
للتولّي القليل، وتتولّوا للتولّي الكثير أو الشديد مثل تولّي المؤمنين يكون قليلاً يستعمل تولّوا، وفي سياق تولّي الكافرين أو المنافقين يستعمل تتولّوا.
﴿فَإِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة، تفيد التّوكيد.
﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾: من أعباء الدّعوة والتّبليغ، وعلى: تفيد العلو والمشقة.
﴿وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُمْ﴾ من وزر التولّي والإعراض وعدم الطاعة، ولا يضره تولّيكم.
﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية، وأوسع شمولاً من الذي.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾: إن شرطية، تطيعوه: جاء بصيغة المفرد ولم يقل وإن تطيعوهما؛ لأنّ طاعتهما واحدة؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النّساء: ٨٠]، تهتدوا: إلى الحق وتهتدوا إلى الصّراط المستقيم الموصل إلى الغاية العظمى.
﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: ما النّافية، على: تفيد العلوّ والمشقة، إلا: تفيد الحصر، البلاغ: من التّبليغ؛ أي: إيصال ما نُزّل إليه من ربكم إليكم، المبين: أي إلى كلّ فرد بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وبشكل كامل دون نقص؛ أي: إبلاغكم الرّسالة كاملة.
سورة النور [٢٤: ٥٥]
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ
стр. 3460
بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾: الوعد في القرآن يعني: بشارة خير إذا أُطلق، بعكس الوعيد: يحمل معنى الإنذار والشر.
﴿مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: منكم أنتم أيّها المسلمون خاصة، (وعملوا الصّالحات) ثلاثة أمور:
١ - الاستخلاف في الأرض ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الْأَرْضِ﴾.
٢ - التمكين في الدين ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ﴾.
٣ - ليبدلنهم من بعد خوفهم آمناً.
١ - الاستخلاف في الأرض: الاستخلاف من خلف: وله معانٍ عدّة: مجيء شيء بعد شيء ليقوم مقامه، وقد يعني العوض عن شيء فائت، وقد يعني النيابة عن الغير أو التصرف في ملك الغير.
والاستخلاف في الأرض يعني: يخلف بعضُكُم بعضاً؛ يعني: السكن في الأرض والتصرف وحسن التدبير وإقامة العدل وإصلاحها وإعمارها وعدم الفساد، ومن حق الخالق مالك الملك أن يبدل المستخلفين إذا خالفوا العهد أو الميثاق بالتولّي أو الإعراض عن العمل الصّالح والطاعة فيما أمر به، أو أمر به رسوله ﷺ أو الفساد في الأرض بدلاً من إعمارها والعبث فيها …
والاستخلاف قرن بكلمة الأرض، فقال: (ليستخلفنهم في الأرض): وهذا يدل على أنه محدود في الأرض وأنه استخلاف مؤقت، فالإنسان زائل (ميت) والأرض نفسها سوف تزول وتبدَّل بأرض جديدة.
стр. 3461
﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الكاف للتشبيه؛ أي: استخلاف جيل بعد جيل. والنون في كلمة (ليستخلفنهم) تفيد التّوكيد.
ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٦٩) لمعرفة الفرق بين خَلْف وخَلَف.
٢ - ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ﴾: ليمكنن: اللام للتوكيد وكذلك النون في (يمكنن) لزيادة التّوكيد.
لهم: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر لهم خاصة.
دينهم الّذي ارتضى لهم: أي الإسلام كما قال الله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
لهم: تعني أمة الإسلام خاصة.
والتمكين: يعني القدرة على إقامة شعائر الدين بغير خوف، والدعوة إلى الله والحرية وعدم القسر والإجبار والسلام ..
٣ - ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾: أي يصبحوا في سلام وأمن واستقرار اقتصادي واجتماعي، وزوال أسباب الخوف فلا يخافوا غيرهم.
﴿يَعْبُدُونَنِى﴾: من العبادة: ارجع إلى الآية (١٠٦) من سورة الأنبياء والآية (٧٣) من سورة النّحل.
يعبدوني: بإخلاص ووحدانية، والمجيء: بياء المتكلم تدل على الاستمرار في العبادة بإخلاص لله تعالى ولا يتوقف ذلك.
﴿لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا﴾: لا النّافية، شيئاً: نكرة، مهما صغر أو كبر أو مهما
стр. 3462
كان نوع الشّرك الجلي أو الخفي كالرياء حذف الياء يدل على عدم السماح لهم بالشرك مهما كان نوعه وقدره بما في ذلك الرياء.
﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾: من شرطية، من كفر بعد نِعَم الاستخلاف والتّمكين والأمن وعدم الخوف. والكفر في اللغة: هو الستر، وفي الشرع: هو الخروج عن الملة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٦) لمزيد من البيان.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء للتوكيد، أولئك: اسم إشارة للبعد.
﴿هُمُ﴾: تفيد التّوكيد.
﴿الْفَاسِقُونَ﴾: الخارجون عن طاعة الله ورسوله. أو الدين، أو الّذين لا يستحقون أن يكونوا مستخلفين في الأرض، وكل كافر فاسق، وليس كل فاسق كافر.
سورة النور [٢٤: ٥٦]
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾:
يمكن عطف هذه الآية على الآية (٥٤) والقول: قل أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: إقامة الصّلاة: تعني أداءها لوقتها بأركانها وشروطها وسننها التّامة، والمحافظة على خشوعها والدّوام عليها وعلى الجماعة.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: المفروضة عليكم، وهاتان العبادتان هما من أهم العبادات وتمثلان باقي العبادات.
﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: أي: فيما بين لكم من الأحكام، وتكرار (وأطيعوا الرّسول) للتوكيد فيما أتاكم به وما نهاكم عنه. ارجع إلى الآية (٥٤) من نفس السورة.
стр. 3463
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: لعل: للتعليل، ترحمون: من الرّحمة؛ أي: جلب ما يسر ودفع ما يضر، والّتي من معانيها الوقاية من عذاب الله تعالى. ارجع إلى سورة الإسراء آية (٨).
سورة النور [٢٤: ٥٧]
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾:
﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾: لا: النّاهية، تحسبن: من حسب؛ وتعني: الظّن الرّاجح أو الاعتقاد، أو رأي مبني على حساب حسي وقلبي قائم على النّظر والتّجربة والحساب.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ﴾: أي فائتين من عذاب، أو لا تحل بهم نقمة الله وعذابه.
﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾: من المأوى، ارجع إلى الآية (١٨) من سورة الرّعد.
﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: اللام للتوكيد، بئس من أفعال الذّم، المصير: أي بئس النّهاية إلى النّار والمآل.
سورة النور [٢٤: ٥٨]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَئْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾:
أسباب النّزول: نزلت هذه الآية كما قاله ابن عبّاس، وذكر الواحدي في (أسباب النّزول): أن رسول الله ﷺ أرسل إلى عمر ﵁ غلاماً له اسمه مدلج الأنصاري وقت الظهيرة؛ ليدعوه، فدخل على عمر ﵁ وكان عمر نائماً على حال كره عمر رؤيته عليها، فلما أتى رسول الله ﷺ قال
стр. 3464
عمر: يا رسول الله، وددت لو أنّ الله أمرنا ونهانا في حالة الاستئذان، فنزلت هذه الآية.
وقال مقاتل نزلت في أسماء بنت مرثد. والمهم هو بعموم اللفظ وليس خصوص السّبب.
﴿لِيَسْتَئْذِنكُمُ﴾: اللام: لام الأمر، أو لام التعليل، والسين والتاء: تدل على الطلب؛ أي ليطلب الإذن منكم في الدّخول عليكم أو علّموا هؤلاء المذكورين أن يستأذنوا عليكم.
﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: العبيد والإماء أو الخدم، الذكور والإناث، وتشمل كل إنسان.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ﴾: الصّبيان، والحلم؛ أي: لم يبلغوا سن البلوغ ويقدر بـ (١٤ - ١٥) سنة: سن التّكليف، حيث يدخلون ويخرجون دون ضابط.
﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾: أي في ثلاثة أوقات.
﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾: وقت مخصص للنوم.
﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾: وقت القيلولة، وقت راحة قد يخلع الإنسان بعض ملابسه.
﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾: وقت النّوم.
﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾: هذه أوقات ثلاثة لا ينبغي لأحد أن يدخل عليكم إلا بعد الاستئذان منكم، يقرعوا الباب أو يُمنعوا من الدّخول عليكم إلا بالسّاعات المحددة لهم، ويسمي الله تعالى هذه الأوقات بأوقات العورة.
стр. 3465
العورة في الأصل: الخلل والنّقص، ثمّ أطلقت على ما يُكره انكشافه والنّظر إليه، هي ما بين السّرة والرّكبتين في الرّجل، وفي المرأة ما يستحي من كشفه. ارجع إلى كتب الفقه لمزيد من البيان.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾: يعني بعد هذه الأوقات الثّلاثة لا إثم عليكم ولا عليهم أن يدخلوا عليكم أو تدخلوا عليهم.
﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُم﴾: للخدمة أو للحاجة.
طوّافون: جمع طوّاف: اسم فاعل من: طاف يطوف؛ أي: يدخلون ويخرجون عليكم للحاجة.
﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: يطوف بعضكم على بعض، توكيد لما قبلها دخولاً وخروجاً.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: أي كهذا التّبيين الّذي بيّن لكم حكم الاستئذان، يُبين الله لكم الآيات المشتملة للشرائع والأحكام الأخرى الّتي تحتاج إلى تبيان.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: بأعمالكم؛ أي: أقوالكم وأفعالكم وما تحفون وما تبدون، وما تسرّون وما تعلنون، وبنواياكم وما تخفي.
﴿حَكِيمٌ﴾: فيما شرع لكم وفرض عليكم، فهو أحكم الحاكمين وأحكم الحكماء. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان.
ما الفرق بين الآية (٥٨) ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والآية (٥٩) ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؟
١ - الآيات: أعمّ من آياته.
стр. 3466
٢ - إضافة الضّمير إلى ذاته (آياته) سبحانه معناها: هي آيات أهم وآكد مقارنة بقوله: الآيات بشكل عام.
٣ - الآيات: تأتي في سياق المندوبات، أمّا (آياته) تأتي في سياق الحلال والحرام والأحكام الخاصة. ويمكن القول: حين يقول: (آياتي) هي أقرب إليه من القول (آياته)، والقول (آياته) أقرب إليه من القول (الآيات) فالتدرج من الأقرب إلى الأبعد يكون كما يلي: آياتي، آياته، آيات.
стр. 3467
سورة النّور [الآيات ٥٩ - ٦١]
سورة النور [٢٤: ٥٩]
﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَئْذِنُوا كَمَا اسْتَئْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية بمعنى: حين، وتفيد حتمية الحدوث وكثرته.
﴿بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾: الحلم: البلوغ في الصبي، والاحتلام كما ورد في (القاموس المحيط): الجماع في النوم (الحُلم). وقيل: نزول المنيّ عند الاحتلام. وقيل: سنّ البلوغ؛ أي: أصبحوا قادرين على الإنجاب.
وقيل: ظهور شعر العانة أو سن (١٤ ـ ١٥) سنة، وقال: (بلغ الأطفال منكم الحُلم) ولم يقل (بلغ الطفل) كما في الآية (٣١) من السّورة نفسها، لأنّ الأطفال لم تعد ميولهم ورغباتهم وأفعالهم موحّدةً كالطّفل الواحد قبل سن البلوغ، وإنما تعددت شهواتهم وميولهم ونظراتهم بعد سن البلوغ للناحية الجنسية.
﴿فَلْيَسْتَئْذِنُوا كَمَا اسْتَئْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الفاء للتوكيد؛ أي: تغير حكمهم في الاستئذان فأصبحوا كالرّجال فلا يدخلون إلا بعد الاستئذان وتطبّق عليهم الأحكام الواردة في الآية (٥٨).
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٥٨) للبيان.
стр. 3468
سورة النور [٢٤: ٦٠]
﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّاتِى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿وَالْقَوَاعِدُ﴾ الواو عاطفة، والقواعد: لغةً: جمع قاعد، والقاعد: الرجل أو المرأة؛ يعني الّذي قعد عن العمل، العاجز عن الحركة لعاهة أو مرض أو كبر في السّن أو الشيخوخة.
وهنا يقصد بها النّساء، العجائز اللاتي قعدن عن الحمل والحيض لكبر أعمارهن.
﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾: والشرط الأهم من كل ذلك: لم يعد عندها إربة؛ أي: حاجة للرجال، وانقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد وليس لهن رغبة في الزّواج أو الشّهوة الجنسية.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾: أيّ إثم أو ذنب أن يظهرن بملابسهن المعتادة إذا كانت لا تثير الشّهوة.
﴿أَنْ﴾: تعليلية.
﴿يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾: أي ليس عليهن إثم إذا لم يلبسن العباءة من فوق الثياب، أو ما يسدل على الوجه لتغطيته، أو القناع، على شرط أن تكون غير متبرجة بزينة؛ أي: مظهرة زينة لها مثل المكياج على الوجه، أو لبس الأساور والخلاخل في الرجلين، أو الثياب ذات الألوان غير المستساغة، أو الضيقة أو القصيرة أو الشفافة.
стр. 3469
ولمعرفة الفرق بين ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾ و ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ ارجع إلى سورة النّساء آية (١٠١) لبيان الفرق.
﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾: وأن: تعليلية وللتوكيد.
﴿يَسْتَعْفِفْنَ﴾: أي يحتفظن بملابسهن وثيابهن فلا يضعنها، وحتى لا تظهر كاشفة لوجهها أو لجسمها، والأفضل لها أن تكون ورعةً في ملبسها ومظهرها بشكل عام وخاصة سلوكها.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: لكل الأقوال ما يقال في السّر والعلن.
﴿عَلِيمٌ﴾: بأفعالكم ونواياكم وسركم وجهركم، وبخائنة الأعين وما تخفي الصّدور.
سورة النور [٢٤: ٦١]
﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾:
﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾: الحرج: الضّيق، وقد يعني: الإثم، والحرج هو
стр. 3470
الضيق لا منفذ منه، مأخوذ من الحرجة: وهي الشجر الملتف الّذي لا يمكن الدخول فيه ولا الخروج منه.
أي: الضيق المتعلق بالحكم، فهذه الآية تتعلق بأصحاب الأمراض المزمنة حتّى لا يصبحوا منبوذين في مجتمعهم، فلا بدّ من مساعدتهم أو الجلوس معهم والأكل معهم، والحرج المقصود في هذه الآية:
١ - قد يكون ناتجاً عن الأكل معهم، حيث الأعمى لا يرى حين يأكل وقد يضع يده في طبق طعام الآخرين فيؤدي إلى إزعاج الآخرين، أو مريض بمرض (ما) يظن الآخرون أنّه مرضٌ معدٍ، فلا يجالسوهم، أو الأعرج لا يعرف كيف يجلس، وبدأ بالأعمى؛ لأنه أشدهم عذراً، ثم المريض، ثم الأعرج.
٢ - أو يكون الحرج ناتجاً عن عدم القدرة على الخروج للجهاد، فإذا غزوا غيرهم أعطوا مفاتح بيوتهم لهؤلاء القاعدين وكان هؤلاء يتحرّجون في دخول تلك البيوت وأصحابها غيَّبٌ، وعدم الأكل منها رغم السّماح لهم.
أي: لا حرج؛ أي: لا إثم أو ذنب على هؤلاء المبتلين ولا عليكم أيُّها الأصحاء.
﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾: أن: تعليلية وتفيد التّوكيد، تأكلوا من بيوتكم: هذه الآية ليس المقصود فيها بيوتكم خاصة، فمن أين نأكل إذا لم نأكل من بيوتنا؟! إنما المقصود بها بيوت أبنائكم؛ أي: أولادكم؛ لأنّه لا ذِكَر لهم في بقية الآية؛ لكونهم يأتون في مقدمة المذكورين في الآية، فعلى الأب والأم ألَّا
следующие страницы →