← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

٢ - إضافة الضّمير إلى ذاته (آياته) سبحانه معناها: هي آيات أهم وآكد مقارنة بقوله: الآيات بشكل عام. ٣ - الآيات: تأتي في سياق المندوبات، أمّا (آياته) تأتي في سياق الحلال والحرام والأحكام الخاصة. ويمكن القول: حين يقول: (آياتي) هي أقرب إليه من القول (آياته)، والقول (آياته) أقرب إليه من القول (الآيات) فالتدرج من الأقرب إلى الأبعد يكون كما يلي: آياتي، آياته، آيات.

стр. 3467

سورة النّور [الآيات ٥٩ - ٦١] سورة النور [٢٤: ٥٩] ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَئْذِنُوا كَمَا اسْتَئْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية بمعنى: حين، وتفيد حتمية الحدوث وكثرته. ﴿بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾: الحلم: البلوغ في الصبي، والاحتلام كما ورد في (القاموس المحيط): الجماع في النوم (الحُلم). وقيل: نزول المنيّ عند الاحتلام. وقيل: سنّ البلوغ؛ أي: أصبحوا قادرين على الإنجاب. وقيل: ظهور شعر العانة أو سن (١٤ ـ ١٥) سنة، وقال: (بلغ الأطفال منكم الحُلم) ولم يقل (بلغ الطفل) كما في الآية (٣١) من السّورة نفسها، لأنّ الأطفال لم تعد ميولهم ورغباتهم وأفعالهم موحّدةً كالطّفل الواحد قبل سن البلوغ، وإنما تعددت شهواتهم وميولهم ونظراتهم بعد سن البلوغ للناحية الجنسية. ﴿فَلْيَسْتَئْذِنُوا كَمَا اسْتَئْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الفاء للتوكيد؛ أي: تغير حكمهم في الاستئذان فأصبحوا كالرّجال فلا يدخلون إلا بعد الاستئذان وتطبّق عليهم الأحكام الواردة في الآية (٥٨). ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٥٨) للبيان.

стр. 3468

سورة النور [٢٤: ٦٠] ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّاتِى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿وَالْقَوَاعِدُ﴾ الواو عاطفة، والقواعد: لغةً: جمع قاعد، والقاعد: الرجل أو المرأة؛ يعني الّذي قعد عن العمل، العاجز عن الحركة لعاهة أو مرض أو كبر في السّن أو الشيخوخة. وهنا يقصد بها النّساء، العجائز اللاتي قعدن عن الحمل والحيض لكبر أعمارهن. ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾: والشرط الأهم من كل ذلك: لم يعد عندها إربة؛ أي: حاجة للرجال، وانقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد وليس لهن رغبة في الزّواج أو الشّهوة الجنسية. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾: أيّ إثم أو ذنب أن يظهرن بملابسهن المعتادة إذا كانت لا تثير الشّهوة. ﴿أَنْ﴾: تعليلية. ﴿يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾: أي ليس عليهن إثم إذا لم يلبسن العباءة من فوق الثياب، أو ما يسدل على الوجه لتغطيته، أو القناع، على شرط أن تكون غير متبرجة بزينة؛ أي: مظهرة زينة لها مثل المكياج على الوجه، أو لبس الأساور والخلاخل في الرجلين، أو الثياب ذات الألوان غير المستساغة، أو الضيقة أو القصيرة أو الشفافة.

стр. 3469

ولمعرفة الفرق بين ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾ و ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ ارجع إلى سورة النّساء آية (١٠١) لبيان الفرق. ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾: وأن: تعليلية وللتوكيد. ﴿يَسْتَعْفِفْنَ﴾: أي يحتفظن بملابسهن وثيابهن فلا يضعنها، وحتى لا تظهر كاشفة لوجهها أو لجسمها، والأفضل لها أن تكون ورعةً في ملبسها ومظهرها بشكل عام وخاصة سلوكها. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: لكل الأقوال ما يقال في السّر والعلن. ﴿عَلِيمٌ﴾: بأفعالكم ونواياكم وسركم وجهركم، وبخائنة الأعين وما تخفي الصّدور. سورة النور [٢٤: ٦١] ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾: الحرج: الضّيق، وقد يعني: الإثم، والحرج هو

стр. 3470

الضيق لا منفذ منه، مأخوذ من الحرجة: وهي الشجر الملتف الّذي لا يمكن الدخول فيه ولا الخروج منه. أي: الضيق المتعلق بالحكم، فهذه الآية تتعلق بأصحاب الأمراض المزمنة حتّى لا يصبحوا منبوذين في مجتمعهم، فلا بدّ من مساعدتهم أو الجلوس معهم والأكل معهم، والحرج المقصود في هذه الآية: ١ - قد يكون ناتجاً عن الأكل معهم، حيث الأعمى لا يرى حين يأكل وقد يضع يده في طبق طعام الآخرين فيؤدي إلى إزعاج الآخرين، أو مريض بمرض (ما) يظن الآخرون أنّه مرضٌ معدٍ، فلا يجالسوهم، أو الأعرج لا يعرف كيف يجلس، وبدأ بالأعمى؛ لأنه أشدهم عذراً، ثم المريض، ثم الأعرج. ٢ - أو يكون الحرج ناتجاً عن عدم القدرة على الخروج للجهاد، فإذا غزوا غيرهم أعطوا مفاتح بيوتهم لهؤلاء القاعدين وكان هؤلاء يتحرّجون في دخول تلك البيوت وأصحابها غيَّبٌ، وعدم الأكل منها رغم السّماح لهم. أي: لا حرج؛ أي: لا إثم أو ذنب على هؤلاء المبتلين ولا عليكم أيُّها الأصحاء. ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾: أن: تعليلية وتفيد التّوكيد، تأكلوا من بيوتكم: هذه الآية ليس المقصود فيها بيوتكم خاصة، فمن أين نأكل إذا لم نأكل من بيوتنا؟! إنما المقصود بها بيوت أبنائكم؛ أي: أولادكم؛ لأنّه لا ذِكَر لهم في بقية الآية؛ لكونهم يأتون في مقدمة المذكورين في الآية، فعلى الأب والأم ألَّا

стр. 3471

يشعروا بحرج في الأكل من بيوت أبنائهم أو يسألوهم الإذن، ولكي تأكلوا لابدّ من الدّخول عليهم، فالآية تعني الدّخول والأكل. ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾. ﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾. ﴿أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ﴾. ﴿أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ﴾. ﴿أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾. ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَفَاتِحَهُ﴾: المفاتح كناية عن الإباحة والأكل بالمعروف على شرط أن يقولوا لكم: أحللنا لكم الأكل منها، أو يأذنوا لكم وإذا أعطيتم مفاتيح بيوت إخوانكم في حال غيابهم، أو كنتم حرَّاساً للبيت، أو كنتم تعملون خداماً أو غيره، لا بدّ لصاحب المنزل من الإشارة إلى هؤلاء بالسّماح، فالكثيرون لا يسمحون، حيث هؤلاء يتقاضون أجرة عملهم مثلاً. ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾: ولم يقل أصدقائكم: كلمة (صديق) تستعمل للجمع والمفرد، وبما أنّ الأصدقاء كلّهم يشبه بعضهم بعضاً وعلى قلب واحد، ولو لم يكونوا كذلك لجاء بصيغة أصدقائكم؛ لأنّ صداقة المؤمنين واحدة: صداقة في الله، ولذلك أفردها.

стр. 3472

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾: جميعاً: مجتمعين أو أشتاتاً: متفرقين كلٌّ على حِدة، حيث كان بعضهم يتحرّج أن يأكل لوحده. ﴿فَإِذَا﴾: شرطية حتمية. ﴿دَخَلْتُم بُيُوتًا﴾: (بيوتاً) نكرة؛ أي بيوتاً مسكونة أو غير مسكونة. ارجع إلى الآية (٢٧) من السّورة نفسها. ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾: الفاء للتوكيد، (سلّموا) على أهليكم أو على غيركم بالقول: السّلام عليكم؛ لأنّك حين تسلّم على غيرك كأنّك تسلّم على نفسك؛ لأنّه يردّ عليك السّلام، أو دخلتم بيوتاً ليس فيها أحد فسلّموا على أنفسكم، قولوا: السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. والبيوت قد تكون بيوت الله أو بيوت الغير. ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾: تحية وصفها بثلاث صفات: من عند الله أوّلاً؛ أي: مشروعة من عند الله، مباركة: تحية ذات بركة فيها (٣٠ - ٤٠) حسنة، طيبة: حسنة يرجى منها زيادة الخير، يطيب بها قلب المستمع وتُدخل السّلام والأمن على قلب المؤمن وتنشر المحبة. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: كمثل هذا التّبيين في آيات الأكل والسّلام يبين الله لكم معالم دينكم والأحكام أو الشّرائع الأخرى. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لعل: للتعليل، (تعقلون) من: عقل الشّيء: عرفه

стр. 3473

بدليله وفهمه بأسبابه ونتائجه، وقارنه بغيره ووصل إلى الحقيقة وهي رضوان الله وامتثال أوامره وتجنّب نواهيه. تعقلون: أي ولعلكم تعملون بها، وهذه هي الغاية أو تدركون الحقيقة المرجوّة، وهي الإيمان بالله، وتطبيق أحكامه وشرائعه.

стр. 3474

سورة النّور [الآيات ٦٢ - ٦٤] سورة النور [٢٤: ٦٢] ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَئْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَئْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: المناسبة: بعد ذكر آيات الاستئذان بالدّخول والأكل، يذكر الاستئذان بالخروج من عند رسول الله ﷺ . ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي آمنوا بالله إيمان عقيدة، آمنوا بالله؛ يعني: به وبكتبه ورسله وملائكته والقدر خيره وشره، إيمان توحيد وطاعة وتصديق بما أنزل وطاعة للرسول، ثمّ يتطرق إلى أمر خاصّ بالرّسول والصّحابة: (وإذا كانوا معه على أمر جامع): في اجتماع ومشاورة في جهاد أو أمر يهمّ أمر المسلمين. ﴿لَّمْ يَذْهَبُوا﴾: لم النّافية، يتركوا المجلس أو يخرجوا حين انعقاد المجلس عند رسول الله ﷺ . ﴿حَتَّى يَسْتَئْذِنُوهُ﴾: حتّى حرف نهاية الغاية؛ أي: حتّى يستأذنوا رسول الله ﷺ بالخروج وترك المجلس. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة.

стр. 3475

﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي طلب الإذن من رسول الله لهم بالخروج دليلٌ على صدق إيمانهم بالله ورسوله وطاعة لله تعالى. ﴿فَإِذَا اسْتَئْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿فَإِذَا﴾: ظرفية شرطية. ﴿اسْتَئْذَنُوكَ﴾: طلبوا الإذن بالخروج قبل انتهاء المجلس أو المشاورة. ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾: لأمر عاجل، أو حدث أمر طارئ لأهاليهم أو ممتلكاتهم. ﴿فَأْذَن لِمَنْ شِئْتَ﴾: بالخروج والانصراف حسب ما تراه في مصلحة المسلمين؛ لأنّ مصلحة الأمة أو الجماعة مقدمة على المصلحة الفردية، والأمر لك تقدّره حسب ما تشاء فتأذن لمن تشاء. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ﴾: أي كل استئذان بدون سبب قاطع أو حاسم لا يحبِّذه الله تعالى ولا يسمح به، والأفضل ألا يستأذن أحدٌ رسول الله ﷺ ، والإذن يوجب الاستغفار، فإذا حدث ووقع الاستئذان، ومهما كانت أسبابه، يقتضي الاستغفار لهم من قِبل رسول الله ﷺ ، وهم أنفسهم كذلك يستغفرون الله تعالى. ولماذا الاستغفار؟ لما قد يقع من الاستئذان بغير عذر شرعي يبيح الاستئذان. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي كثير المغفرة، والمغفرة تعني: ستره ذنوبكم ولا

стр. 3476

يفضحكم عليها ولا يعاقبكم على خروجكم بعد الاستئذان من عند رسول الله بغير عذر. رحيم بالمؤمنين، رحيم: صيغة مبالغة؛ لأنّه يقبل توبة واستغفار العبد ولا يعاقبه على ذنبه، ولأنه دائم الرّحمة. سورة النور [٢٤: ٦٣] ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: هذا هو الأدب الثاني بعد أدب الاستئذان بالخروج؛ وهو: أدب النّداء أو دعاء الرّسول ﷺ . ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾: لا النّاهية، (تجعلوا دعاء الرّسول): لا تنادوا على رسول الله كنداء بعضكم بعضاً، بأن تقولوا: يا محمّد، يا ابن عبد الله، يا أبا قاسم! ولكن نادوه بتوقير واحترام وتواضع وخفض الصّوت، حتّى ولو بعد وفاته وحين تذكرون اسمه بالقول: يا أيها الرّسول، يا أيها النّبي، يا نبي الله، يا رسول الله. ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾: قد للتحقيق والتّوكيد، يتسللون: من التّسلل هو: الخروج في خفية كما كان يفعل المنافقون حين يخرجون من مسجد رسول الله ﷺ أو المجلس أو الدرس أو المشاورة؛ يتسللون: من تسلل؛ أي: تكلف أو فعل جهده في الانسلال كي لا يراه أو يشعر به أحد؛ منكم: خاصة من المسلمين، لِواذاً: أي: يستتر بشيء ما مثل حائط أو غيره مخافة أن يُرى، أو يلوذ شخص بشخص آخر. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:

стр. 3477

﴿فَلْيَحْذَرِ﴾: الفاء للتوكيد، (ليحذر) اللام للتوكيد، يحذر من الحذر هو توقّي الضّرر سواء كان الضّرر متيّقن الحدوث أو ظناً. ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾: أمره سواء كان أمر الله تعالى أو أمر الرسول ﷺ فالأمر واحد، (يخالفون) من المخالفة: تعني اتخاذ أو سلوك طريق مخالف لما أمر الله به أو رسوله، أو الإعراض أو الرّفض أو العصيان، عن: تفيد المجاوزة والابتعاد، أمره: من الأمر، بـ: افعل ولا تفعل. ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾: أن: للتعليل والتّوكيد، تصيبهم فتنة: زيغٌ أو ضلالة أو كفر، أو بلاء ومحنة كالجوع والفقر والمرض. ﴿أَوْ﴾: للتقسيم أو المساواة أو التّخيير. ﴿يُصِيبَهُمْ﴾: تكرار الإصابة للتوكيد. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: مثل القتل أو الجوع، أو المرض أو الشّدّة وغيرها في الدّنيا، أو عذاب أليم في الآخرة، أليم لا يطاق، أو لا يستطيع أن يتحمله بشر. سورة النور [٢٤: ٦٤] ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: ﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه لشيء مهم يجيء بعد التنبيه. ﴿إِنَّ لِلَّهِ﴾: إن: للتوكيد، لله: جار ومجرور، لفظ الجلالة، وتقديمه يدل على الحصر والقصر، فكل ما في السّموات والأرض ملكه وحده لا يشاركه فيه أحد. ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما لغير العاقل وكذلك العاقل، ما في السّموات:

стр. 3478

ملكاً وخلقاً وعبيداً، في: ظرفية ظرفاً ومظروفاً؛ أي: السّماء نفسها (السّموات السبع) وما فيها من نجوم وكواكب ومجرّات وأقمار وشموس وأفلاك. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: ملكاً وخلقاً وعبيداً، وما فيها من خيرات وآيات كونية وأشجار وبحار وجبال وأنهار وكنوز. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق يفيد التّوكيد، توكيد العلم؛ أي: يعلم ما أنتم عليه بدون شك أو ريب. ﴿يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾: ما اسم موصول بمعنى الّذي، وما: أوسع شمولاً من الذي، أنتم عليه: من طاعة أو مخالفة لأمر الله ورسوله، ما أنتم عليه من إيمان أو نفاق أو خير أو شر، ما أنتم عليه من حال وشأن في كل زمان ومكان. ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: يوم القيامة، ونكَّره للتهويل والتّعظيم. ﴿يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾: يُرجعون إليه بغير إرادتهم؛ أي: قسراً رغم أنوفهم. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾: فينبئهم: من النّبأ وهو: الخبر الهام العظيم، بما: الباء للإلصاق، ما: بمعنى الّذي، عملوا: في الدّنيا من خير أو شر من طاعة و معصية، من حسنات و سيئات. الانتقال من صيغة المخاطب (يعلم ما أنتم عليه) إلى صيغة الغائب ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ للتنبيه والتّحذير من مخالفة أمر الله ورسوله. ﴿وَاللَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية (٢٩) من سورة البقرة للبيان.

стр. 3479

سورة الفرقان [٢٥: ١] سورة الفرقان ترتيبها في القرآن السورة (٢٥)، وأما ترتيبها في النّزول فهي (٤١) بعد سورة يس. ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾: ﴿تَبَارَكَ﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة الملك للبيان. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التعظيم يعود على الله سبحانه. ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾: ولم يقل: أنزل، نزّل: تعني منجماً على دفعات خلال (٢٣) عاماً، بينما أنزل: تعني جملة واحدة، وكان ذلك في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا. الفرقان: القرآن وسُمِّي الفرقان؛ لأنّه فرَّق بين الحق والباطل والهدى والضّلال والحلال والحرام، والفرقان: صفة (نعت) أو اسم للقرآن على وزن فعلان، وهو في الأصل مصدر لفعل فرَّق يفرِّق، وقد يطلق على التّوراة، وعلى كلّ ما يفرِّق بين الحق والباطل كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] أيْ: يوم بدر. ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾: على: تفيد العلو والسمو، عبده: محمّد ﷺ والعبودية لله شرف وعزة. وإضافة هاء الضمير تزيد رسول الله ﷺ شرفاً. ﴿لِيَكُونَ﴾: اللام: لام التعليل والتوكيد، وتعود على الفرقان أو العبد أو كلاهما.

стр. 3480

﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، العالمين: جمع عَالَم والعوالم: منها عالم الملائكة والإنس والجن والحيوان والنبات والجماد، ومعظم العوالم إلا الإنس والجن عوالم مسخرة وليست مخيَّرة، فالإنذار لا يشملها. ﴿نَذِيرًا﴾: من الإنذار وهو الإعلام المقرون بالتحذير والتخويف. نذيراً: أيْ: يكون محمد ﷺ للعالمين نذيراً، وقد تعود على القرآن أيْ: يكون هذا القرآن نذيراً للعالمين أو كلاهما معاً. ولم يقل: بشيراً ونذيراً: حذف بشيراً؛ لأن سياق الآيات القادمة تتحدث عن الّذين كفروا وأنكروا نزول القرآن وأنه أساطير الأولين. وتقديم للعالمين: للحصر أيْ: للإنس والجن خاصة نذيراً بدلاً من القول ليكون نذيراً للعالمين. سورة الفرقان [٢٥: ٢] ﴿الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾: تبارك الّذي نزل الفرقان، تبارك الّذي له ملك السّموات والأرض. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد العظيم. ﴿لَهُ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر. ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: المُلْك: الحكم، يعني: الحاكم والمالك للسموات والأرض وما فيهن من شيء مثل: خزائن السموات والأرض من الرزق والنبات والمطر والمعادن والكنوز، ولا يشاركه في ذلك أحد لا ولد ولا شريك ولا ولي، وبما أنه هو الحاكم والمالك فهو المستحق للعبودية وحده. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾: ولم: حرف نفي، والنفي بحرم (لم) أوكد من النفي بحرف (ما)؛ يتخذ من اتخذ وتخذ من أفعال التحويل والتصيير على وزن افتعل فيها معنى التكلف والجهد، وتأتي في أفعال الشّر، أيْ: ولم يجعل له ولداً؛ لأنّه

стр. 3481

سبحانه لا يحتاج إلى ولد؛ لأنّه هو الحي القيوم لا يموت ولا يزول ولا يحتاج إلى ولي ولا نصير. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ﴾: تكرار ولم يكن للتوكيد، ولم: حرف نفي تنفي النّفي المستمر الّذي لا ينقطع أيْ: لم يكن له شريك في الملك في الماضي والحاضر والمستقبل. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾: خلق: من العدم، أو من شيء أو بعض الشّيء، والخلق في اللغة التقدير. الشّيء: كلّ ما يعلم ويخبر عنه، سواء كان حسياً أو معنوياً والشّيء تعني أيضاً أقل القليل. وكل شيء: شيء نكرة تشمل كلَّ شيء مهما كان نوعه وحجمه ولونه ووزنه وصفته، والخلق: يعني التّقدير والتسوية، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. ﴿فَقَدَّرَهُ﴾: بالمحفظة الوراثية التي تحوي أبعاده طوله وعرضه وارتفاعه وحجمه ووزنه ولونه وصفته وجنسه ونوعه ووظيفته وأعضاءَه أو أجزاءَه ومعيشته وغذاءَه وحياته وموته. ﴿تَقْدِيرًا﴾: للتوكيد.

стр. 3482

سورة الفرقان [٢٥: ٣] ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾: بعد أن أثنى سبحانه على ذاته، وذكر خمسة أمور هي: نزل الفرقان، وله ملك السّموات والأرض، ولم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وأنه خلق كلّ شيء فقدره تقديراً، جاء بـ (٦) أدلة وبراهين قاطعة أو أسباب على أن ما يعبدون من دونه من آلهة لا تستحق العبادة فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾: من الاتخاذ بمعنى: التصيير والجعل، أو عبدوا. ارجع إلى الآية السّابقة (٢). ﴿مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾: الآلهة: مثل الأصنام والأوثان آلهة يعبدونها. الدليل الأوّل: على أنها آلهة باطلة لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل ولا تغني شيئاً ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾: مهما كان هذا الشّيء صغيراً أو كبيراً ومهما كان نوعه حتى الذباب، كما ذكر ذلك سبحانه في سورة الحج آية (٧٣) ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾. الدليل الثّاني: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾: أيْ: هذه الآلهة هي نفسها مخلوقة، خلقها الخالق، فكيف تخلق؟ الدليل الثّالث: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾: أيْ: لا تملك لأنفسها ولا لغيرها ضراً؛ أيْ: لا تضر من يعصيها أيَّ شيء ولا تنفع من يعبدها

стр. 3483

بأي شيء، وقدَّم الضر على النفع في هذه الآية؛ لأن ضرها أكثر من نفعها كقوله تعالى: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَّفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣]. ارجع إلى تلك الآية لمزيد من البيان. الدليل الرّابع: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا﴾: لا تملك موتاً؛ لأن من صفات الإله الحق هو الذي يحيي ويميت. الدليل الخامس: ﴿وَلَا حَيَاةً﴾: أيْ: لا يقدرون على إحياء أيِّ شيء. الدليل السّادس: ﴿وَلَا نُشُورًا﴾: النشور: إحياء الموتى بعد الموت. وتكرار لا يفيد التوكيد. وفصل كلّ واحدة على حدة أو الكل مجتمعاً. وهناك الكثير من الآيات القرآنية تؤكد هذه الآية كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣]. ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠]. ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [الرعد: ١٦]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤].

стр. 3484

﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَىْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠]. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١]. سورة الفرقان [٢٥: ٤] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أمثال النضر بن الحارث وغيره كما قال مقاتل، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب. ﴿إِنْ﴾: نافية بمعنى ما و (إنْ) أشد وأقوى نفياً من (ما). ﴿هَذَا﴾: اسم إشارة والهاء للتنبيه وذا اسم إشارة يشير إلى القرآن الكريم. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾: الإفك: هو الكذب المتعمد، وهو أسوأ من الكذب، ومشتق من قلب الكلام الحق إلى الباطل، من إفكه: بمعنى قلبه. افتراه: ادعاه أو زعمه أي: القرآن الكريم ليس كلام الله، بل هو كلام محمد ﷺ . ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾: ساعده على الإتيان به قوم آخرون أمثال يسار غلام عامر الحضرمي وعداس وجبر مولى لعامر، وهم من أهل الكتاب كما قال مقاتل. ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾: الفاء: للتوكيد، قد: للتحقيق والتوكيد، جاؤوا: هؤلاء الّذين كفروا وقالوا: هذا القرآن إفك وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤوا بالكذب وبالظلم.

стр. 3485

﴿ظُلْمًا﴾: الجور: أي: الحكم بغير الحق أي: اتهموا القرآن الحق بأنه إفك مفترى بالزور هو في الأصل تحسين الباطل، والزور: هو الميل عن الصدق والانحراف عن الحق، ومنها شهادة الزور، ويعني: الكذب. وقدَّم الظلم على الزور؛ لأن المفروض من يصدر الحكم أن يسمع إلى الشهادة أولاً، ثم يصدر الحكم ثانياً، فهم نطقوا بالحكم بغير الحق، والتمسوا له الدليل أو الشهادة. أيْ: قد ظلموا: جاروا في الحكم حين زعموا أن القرآن مفترى وأعانه عليه قوم آخرون، وكان دليلهم أو شهادتهم هو الكذب والزور وقولهم: أساطير الأولين. سورة الفرقان [٢٥: ٥] ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: أيْ: كفار مكة ومشركوها. ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أيْ: هذا القرآن هو من أساطير الأولين جمع أسطورة من أكاذيب وروايات الأولين وأساطيرهم الّتي سطروها في كتبهم القديمة. ﴿اكْتَتَبَهَا﴾: أيْ: لم يكتبها بنفسه، بل أمر أو سأل غيره ليكتبها له؛ لأنّه لم يكن كاتباً ﵇. ﴿فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: فهي: للتوكيد، تملي عليه: أيْ: تُقرأ عليه وتلقى إليه من الإملاء، ليحفظها صباحاً ومساءً، أيْ: في جميع الأوقات باستمرار وليس من عند الله. سورة الفرقان [٢٥: ٦] ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ .

стр. 3486

﴿أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أنزله: أي: القرآن، جملة واحدة (دفعة واحدة) من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لمزيد من البيان للفرق بين أنزل ونزل. الله الّذي يعلم السّر في السّموات والأرض: السر هو ما تسره أيْ: تخفيه في نفسك ولا يعلمه إلا أنت فقط، أيْ: لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى: كلّ ما يجري في السّموات والأرض من أحداث وأفعال وأقوال، ولم يقل: أنزله الّذي يعلم السّر والجهر؛ لأن من علم السّر من البديهي أن يعلم الجهر، أو هو أعلم بالجهر، ولو كان هذا القرآن مفترى أو أعانه عليه قوم آخرون لعلم الله سبحانه ذلك، وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٥ - ٤٦]. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: إنّه: للتوكيد، كان وما زال وسيظل كان تشمل كلّ الأزمنة. غفوراً: صيغة مبالغة كثير الغفر أي: السّتر ومحو الذّنب وترك العقوبة، ومهما كثرت الذنوب أو تعاظمت فهو الغفار والغفور. رحيماً: بعباده يقبل توبتهم ولا يعجل لهم العقوبة لعلهم يتوبون ويرجعون إلى الله، ويغفر الذنوب جميعاً إذا تاب الإنسان وأناب إلى ربه. ولمقارنة هذه الآية بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّى يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: ٤] ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٤) للبيان.

стр. 3487

سورة الفرقان [٢٥: ٧] ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾: هم أنكروا أن يكون الرّسول بشراً فهم يريدون أن يكون ملكاً من الملائكة، لا يأكل الطعام ولا يمشي في الأسواق، أو كأنهم يعترضون على نبوته بسبب الأكل والمشي حيث ضاقت بهم الأسباب حتى لا يجدوا إلا هذه الأسباب السخيفة. ﴿وَقَالُوا﴾: أيْ: رؤساء قريش لما عرضوا على رسول الله ﷺ أن يترك دعوته مقابل ما يشاء من الملك والمال والنساء أو الجاه فرفض. عندها ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾: ما: استفهام يراد به التهكم والتعجب؛ أيْ: كيف يزعم أنه رسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق (جمع سوق) يطلب العيش مثلنا، فلماذا لا يغنيه ربه، أو لا يليق بالرسول أن يمشي في الأسواق يطلب العيش. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾: لولا: للحث والحض تفيد التعجيز أنزل إليه ملك: من الملائكة يصدقه أو يخبرنا بأنه نبي مرسل من الله، فيكون: الفاء للتوكيد يكون معه نذيراً. نذيراً: يشاركه في الإنذار لربما صدقناه أو اتبعناه. سورة الفرقان [٢٥: ٨] ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾: من ذهب أو فضة، من السّماء ليكف عن المشي في الأسواق.

стр. 3488

﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾: من نخيل وأعناب. ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾. ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾: للمؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿إِنْ﴾: نافية أيْ: ما، ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا﴾: حصراً وتوكيداً رجلاً مسحوراً، وصفهم بالظلم الثّابت المستمر لكونهم اتهموا رسول الله ﷺ بالسّحر، وهو بريء منه وهو اتهام ظلم وإضلال. ﴿رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾: أيْ: سحره غيره وذهب السّحر بعقله (حيث كان معروفاً عندهم أن السّحر يذهب بالعقول، فلا تسمعوا له ولا تفارقوا دين آبائكم وأجدادكم. وفي آيات أخرى يقولون: إنه ساحر وليس مسحوراً، وهذا يدل على تخبطهم في أمرهم، وربما قال: مسحوراً؛ لأن ما جاءَهم به أثر في نفوسهم تأثيراً بليغاً شبهوه بالسحر؛ لأنّه خارق لعادتهم وعقولهم. سورة الفرقان [٢٥: ٩] ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾: ﴿انظُرْ﴾: الخطاب لرسول الله ﷺ . ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾: اتهموك بالأمثال الكاذبة (ارجع إلى الآية (٧٤) من سورة النّمل) للبيان، فقالوا: ساحر ومسحور وشاعر وكاهن ومجنون وكذاب. ﴿فَضَلُّوا﴾: الفاء للتوكيد، ضلوا: عن الصّواب والحق والصراط والرشد. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾: لأنّهم ضلوا عن طريق الحق والصواب وابتعدوا كثيراً فلا يستطيعون الرجوع إلى طريق الهدى والحق. أو لا يستطيعون أن يصلوا إليك ويقدحوا في نبوتك.

стр. 3489

أو لا يستطيعون أن يجدوا لهم حُجَّة أو برهاناً في ضرب تلك الأمثال، أو لا يجدوا لهم سبيلاً للخروج من ضلالهم أو لا يستطيعون صد النّاس عن هذا الدِّين. سورة الفرقان [٢٥: ١٠] ﴿تَبَارَكَ الَّذِى إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَكَ قُصُورًا﴾: ﴿تَبَارَكَ﴾: ارجع إلى الآية (١) من نفس السّورة. ﴿الَّذِى إِنْ شَاءَ﴾: إن: شرطية، أيْ: إن شاء سبحانه. ﴿جَعَلَ لَكَ﴾: وهب لك وأعطاك. ﴿خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾: مما اقترحوه من إلقاء كنز أو جنة من نخيل وعنب، جعل لك خيراً من الدّنيا وما فيها. بأن يجعل لك ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أيْ: تنبع من تحتها الأنهار، جنات الفردوس. ﴿وَيَجْعَل لَكَ قُصُورًا﴾: قصوراً كثيرة لا قصراً واحداً، كما قال المشركون جمع قصر والقصر في اللغة كلّ بناء رفيع عال حصين. أين جواب الشرط لكلمة (إن)؟ محذوف. لم يُذكر لأن أيَّ مقام في الدّنيا مهما كان زخرفه وجماله وعظمته فهو زائلٌ وفانٍ ولا يستحق ذكره بينما في الآخرة فهي دار الخلد والمقام الكريم. سورة الفرقان [٢٥: ١١] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾: ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي.

стр. 3490

﴿كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾: أيْ: بقيام السّاعة، ساعة تهدم النّظام الكوني، وبالتالي يوم القيامة والبعث والحساب والجزاء. والتّكذيب: عدم التّصديق بها بالإعراض وعدم الإيمان والاستعداد لها. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾: أعتدنا: هيأنا وأعددنا، لمن: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، كذب بالسّاعة: أيْ: لم يؤمن بها. بالسّاعة: الباء: للإلصاق والتوكيد. سعيراً: اسم للنار المستعرة شديدة الالتهاب الّتي تلتهم كلّ شيء، وقيل: سعيراً: دركة من دركات النّار.

стр. 3491

سورة الفرقان [٢٥: ١٢] ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾: ﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية تدل على حتمية الحدوث. ﴿رَأَتْهُم﴾: تعود إلى نار جهنم، رأتهم يوم القيامة، إذن هي ترى أهلها ﴿مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾. أهلها: أي: الكفرة والمشركون والعصاة، أيْ: أصحاب النّار، وهم يرونها ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦]. ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾: التغيظ: هو صوت غليان وفوران النّار، والتّغيظ في الأصل: إظهار الغيظ وهو شدة البغض الكامن في القلب، ووصفه في آية أخرى في سورة الملك آية (٨): ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أيْ: تنفجر وتتقطَّع إلى أجزاء من شدة الغيظ. ارجع إلى سورة التّوبة آية (١٥) لمزيد في معنى الغيظ. وزفيراً: هو الصوت الناشئ عن خروج الهواء من الرئتين. شبَّه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره، وذلك لبعث الرعب والهول في قلوبهم. سورة الفرقان [٢٥: ١٣] ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية بمعنى حين وشرطية تفيد حتمية الحدوث.

стр. 3492

﴿أُلْقُوا مِنْهَا﴾: الإلقاء هو الرمي، (وهناك فرق بين الإلقاء والرمي) الذي يدل على المهانة وعدم الاهتمام. الإلقاء: لا تعرف المسافة الّتي تلقي فيها، ويدل على الإهانة وعدم قيمتهم. الرمي: تعرف المسافة والمكان الّذي ترمي فيه. فهؤلاء الكفرة والمشركون لا يستحقون إلا الإلقاء، ولم يقل: ادخلوا فيها؛ لأن الدخول أفضل من الإلقاء فيه نوع من اللطف. ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾: أيْ: يلقون في مكان ضيق من النّار، وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٨ - ٩]. ضيقاً: والضيق مصدر يدل على الثبوت؛ أي: الضيق أمراً دائماً ثابتاً، وليس عارضاً، ويدل على أنه مستمراً ولا يزول. أيْ: مطبقة مغلقة أبوابها لا يسمح لهم بالحركة، وهذا نوع من أنواع العذاب بنفسه. إذن المكان ضيق ومطبق ومغلق عليهم. ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: ١ - بالأصفاد والأغلال، مقرنين قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالأغلال والأصفاد تستعمل للقدمين. ٢ - وقيل: مقرنين مربوطين إلى الشّياطين قرن كلّ واحد منهم مع شيطانه (قرينه).

стр. 3493

٣ - أو مقرن كلّ كافر ومشرك إلى الآخر أيْ: بعضهم إلى بعض. ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾: بعد الإلقاء يدعون ثبوراً، كأن يقولوا: يا ثبوراه: أيْ: يا هلاكنا يا خسارتنا ويا ويلنا احضر وخلصنا من هذا، اقضِ علينا وموّتنا. ثبوراً: هو الهلاك والويل والخسران. وثبوراً: مصدر لفعل ثبر بمعنى هلك حين يقولون: يا ثبوراه: يا هلاكنا احضر وخلصنا، فيقال لهم: خزياً وتبكيتاً: لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً، بل ادعوا ثبوراً كثيراً. سورة الفرقان [٢٥: ١٤] ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾: أي: ادعوا ثبوراً كثيراً الواحد تلو الآخر، فلن يحصل ما تتمنونه من الهلاك. أو ادعوا على أنفسكم بالهلاك والخسران المرة تلوَ الأخرى. سورة الفرقان [٢٥: ١٥] ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾: ﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ : أذلك: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتوبيخ والتقرير. ذلك: اسم إشارة يشير إلى السعير. خير: أفضل مقاماً وأحسن. ﴿أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾: أم للإضراب الانتقالي. جنة الخلد: جنة الإقامة الدائمة المستمرة إلى ما لا نهاية. ﴿الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: الّتي وعد الله تعالى بها عباده المتقين بامتثال أوامر الله وتجنُّب نواهيه، الّذين صفة التّقوى عندهم ثابتة.

стр. 3494

﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً﴾: ثواباً على تقواهم. ﴿وَمَصِيرًا﴾: مرجعاً ونهايةً. سورة الفرقان [٢٥: ١٦] ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾: ﴿لَّهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق. ﴿فِيهَا﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر والقصر؛ أيْ: فيها وحدها لا غيرها. ﴿مَا يَشَاءُونَ﴾: من نعيم الدائم من الملبس من الحرير والمطعم والمشرب والمسكن والزينة والمتاع والرزق. ما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿خَالِدِينَ﴾: لا انقطاع ولا موت ولا خروج منها. والخلود: استمرار البقاء إلى ما لا نهاية يبدأ من زمن دخولهم الجنات، وأصل الخلود: اللزوم المستمر. ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾: الدخول إلى جنة الخلد، والخلود ولهم فيها ما يشاؤون. كل ذلك كان وعداً وعده الله عباده الصّالحين على ألسنة الرّسل. ﴿وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾: أيْ: وعداً من المسؤول وهو الله سبحانه، فمن هو السائل؟ السائل: هم المؤمنون: كانوا يسألونه ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤].

стр. 3495

أو الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [غافر: ٨]. والمسؤول: هو الله ؛ أي: المجيب لهم. ومسؤولاً: فيها مبالغة في تحقيق الوعد وحصوله، وهذا الوعد هو تكرم من الله، وتفضل ولا يعني الإلزام. سورة الفرقان [٢٥: ١٧] ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾: ﴿وَيَوْمَ﴾: أي: القيامة ونكرة للتهويل والتعظيم. ﴿يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الحشر: هو السوق والجمع الكفار والمشركين وما يعبدون من دون الله من الآلهة والأصنام. من دون الله: من غير الله تعالى. ما: لغير العاقل وتشمل العقلاء وغلب غير العاقل لكثرة الآلهة والأصنام مقارنة بالعقلاء مثل عيسى وعزير أو الملائكة. ﴿فَيَقُولُ﴾: للآلهة، أو المعبودين والأصنام ينطقها الله يوم القيامة وتتكلم كما تتكلم الأيدي والأرجل والألسن، وتشمل الملائكة وعزير وعيسى والأولياء. ﴿ءَأَنتُمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتقرير والإنكار والتوبيخ، وهو سؤال في الآخرة يوم القيامة. ﴿أَضْلَلْتُمْ﴾: أيْ: بالوسوسة والتزيين والإغراء والنزغ. أضللتم إياهم عن

стр. 3496

الاهتداء والسير على طريق الحق والصراط المستقيم، وأوقعتموهم في الضّلال أم هم ضلوا السبيل بأنفسهم؟ ﴿عِبَادِى﴾: وصفهم بذلك مع أنهم ضالون، ولم يقل: عبيدي؛ لأن الكل في الآخرة يطلق عليهم عبادي؛ لأنّه زال ما كان يميزهم في الدّنيا وهو الإيمان أو التكليف، ولا تكليف في الآخرة. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٨٦)، وسورة الزمر آية (١٧) لمعرفة الفرق بين عبادي وعباد وعبيد. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء: للتنبيه، أولاء: اسم إشارة يشير إلى الضالين، وقوله: أأنتم أضللتم عبادي بدلاً من أأضلتم عبادي فيها توكيد أشد ليعلم العبد الضال أنه مسؤول عن ضلاله بنفسه وليس غيره. ﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتقرير. أم: للإضراب الانتقالي. ﴿هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾: هم: للتوكيد، ضلوا السبيل: السبيل التعريف بأل يعني: الدين القيم التام الكامل؛ أي: الإسلام. بينما (سبيلاً) نكرة ووردت كلمة (سبيلاً) في ست آيات في هذه السورة، بينما السبيل وردت مرة واحدة. سبيلاً: كلمة مطلقة لا تحدد نوع السبيل فقد يكون سبيل الإلحاد أو النفاق والغي والضّلال أو الخير أو الهداية أو الصلاح والرشد. وأما في الآية (٦٧) من سورة الأحزاب: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ فهي تدل على الصريخ، وامتداد الصوت،

стр. 3497

والعويل لما يلاقوه في سعير جهنم. ارجع إلى سورة الأحزاب آية (٦٧) لمزيد من البيان. سورة الفرقان [٢٥: ١٨] ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾: ﴿قَالُوا﴾: رداً على قوله تعالى: ﴿ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾. ﴿سُبْحَانَكَ﴾: تنزيهاً لك أيْ: ننزهك يا ربنا عما لا يليق بك من شريك، أو ولي، أو ولد، ومن عيب، أو نقص، أو شرك. ﴿مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا﴾: ما: النافية؛ أيْ: ما يحق لنا أو يصح لنا. ﴿أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: أن: للتعليل والتوكيد. نتخذ من دونك من أولياء: أيْ: ندعو النّاس إلى عبادة غيرك ونحن نعبدك وحدك. ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك وتوكيد. ﴿مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾: أيْ: أطلت لهم العمر، وأترفتهم بالنعيم ووسعت لهم الرزق والصحة والقوة هم وآباءهم. ﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية. ﴿نَسُوا الذِّكْرَ﴾: أي: القرآن ونسوا تدبره والعمل به، ونسوا ذكرك وحمدك وشكرك وعبادتك.

стр. 3498

﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾: جمع بائر: أيْ: هالك اسم فاعل من بار، أيْ قوماً هالكين، وهي مشتقة من الأرض البور الّتي لا تصلح للزراعة ولا تنبت. سورة الفرقان [٢٥: ١٩] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾: ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد، قد: للتحقيق والتوكيد. ﴿كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾: بأنهم آلهة أيْ: كذبكم الّذين عبدتموهم بأنهم آلهة، ولم يقولوا لكم: إنهم آلهة أو أنهم أولياء مناصرون وشركاء يقربونكم إلينا زلفاً. بما: الباء للإلصاق والاستمرار، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية، وهي أوسع شمولاً من الذي. ﴿فَمَا﴾: الفاء استئنافية، ما: للنفي. ﴿تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾: الصرف: هو أن تدفع بذاتك عن ذاتك أو نفسك الشر أو الضر، أو العذاب إذا وقع. والنصر: ولن يستطيع أحد أن ينصرك أيضاً. ولا نصراً: وتكرار (لا) يفيد التوكيد، وفصل الصرف عن النصر ولا كلاهما. ﴿وَمَنْ يَظْلِم مِّنكُمْ﴾: ومن: ابتدائية استغراقية. يظلم منكم: أيْ: يشرك بالله منكم خاصة. ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾: نذقه: من الذوق: وهو إدراك الطعم، وتأتي في

стр. 3499

سياق الرحمة والعذاب إذا لم يتب ويرجع إلى الله نذقه في الآخرة عذاباً كبيراً. نوع من أنواع العذاب الّتي منها العظيم والشديد والأليم والمقيم. سورة الفرقان [٢٥: ٢٠] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾: هذه الآية جواب لسؤالهم ما لهذا الرّسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وعيّر المشركون رسولَ الله بالفقر والفاقة، وحزن رسولُ الله ﷺ لذلك فنزلت هذه الآية. ﴿وَمَا﴾: ما: للنفي. ﴿أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: ولم يقل: من قبلك. قبلك بدون (من) تعني: بزمن قصير أو طويل. ولو قال: من قبلك تعني فقط منذ زمن قصير. ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ﴾: إلا: للحصر، إنهم: للتوكيد. ﴿لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾: اللام: لام التوكيد، يأكلون الطعام؛ أيْ: جميع الرّسل السابقين كانوا بشراً يأكلون الطعام، ولم يكونوا من الملائكة. ﴿وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَاقِ﴾: لقضاء حوائجهم، وهذا ليس بعيب أو محرَّم. ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾: الغني فتنة للفقير والفقير فتنة للغني، هل ينفق الغني على الفقير ويخرج زكاة أمواله، وهل يحقد ويحسد الفقير الغني وهكذا يصبح كلّ واحد فتنةً للآخر. الفتنة تكون في الخير والشّر، وتحتاج إلى صبر وتكون في الصحة والمرض

стр. 3500

والقوة والضعف والفتنة أبلغ من الاختبار والغاية منها إقامة الحجة على العبد (ارجع إلى الآية (٣٥) من سورة الأنبياء للبيان). ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾: الهمزة للاستفهام بمعنى الحثِّ أو الأمر أي: اصبروا. ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾: كان تستغرق كلّ الأزمنة في الماضي والحاضر والمستقبل. ربك بصيراً: بمن يصبر أو يجزع. بمن يشكر ويكفر.

стр. 3501

سورة الفرقان [٢٥: ٢١] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: المكذبون بالبعث والحساب. الرجاء: عادة هو الأمل في وقوع الخير الّذي يعتري صاحبه الشّك أو الظن أو الخشية والخوف في وقوع الشّر الّذين لا يخافون وعيدنا أو لقاء الخالق. اللقاء: مجرد الرؤية. والمقابلة: اللقاء الحقيقي. ﴿لَوْلَا﴾: أداة حثٍّ وحضٍّ. ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾: لكي يخبرونا بصدقك أو بنبوتك، أو تشهد لك بالرّسالة (بصدق رسالتك) أو كانوا رُسلاً إلينا بدلاً من البشر. ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾: أو للتخيير نرى ربنا جهرة فيأمرنا باتباعك أو يخبرنا أنّك رسوله. ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِى أَنفُسِهِمْ﴾: لقد أظهروا عظم شأنهم فوق ما يستحقون حين طلبوا تلك المطالب. ﴿لَقَدِ﴾: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق. ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: الألف والسين والتاء للطلب، أيْ: هم ليسوا أهلاً للتكبر ليس عندهم مؤهلات الكبر، أي: استكبروا من دون حقٍّ. ﴿وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا﴾: تجاوزوا أو أفرطوا بالظلم، أي: الضّلال والشّرك

стр. 3502

والكفر وبالغوا في التّحدي وتجاوز الحدود. والعتو: هو أعلى درجات الطغيان والظلم. والعتو: أشد وأثقل من العتي؛ لأن الواو أثقل من الياء، كما جاء في سورة مريم آية (٦٩) ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾. عتواً كبيراً: أكد العتو بالمصدر عتواً، ثم وصف المصدر أنه كبير للمبالغة في العتو؛ لأنّهم عتوا على رسول الله ﷺ ، وبالتّالي على الله ، ولا يقصد أنهم عتوا على بعضهم. سورة الفرقان [٢٥: ٢٢] ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾: أيْ: هؤلاء الّذين سألوا أو طلبوا إنزال الملائكة عليهم أو رؤية ربهم سوف تتحقق أمانيهم بإنزال الملائكة عليهم، ولكن ليس لإخبارهم بصدق نبوة محمّد، ولكن لقبض أرواحهم عند الموت أو إدخالهم جهنم. يومَ: نكرة للتعظيم والتهويل يرون الملائكة عند الموت أو يوم القيامة ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ أيْ: لن يكون خبراً ساراً لهم، بل هي بشرى بالعذاب واستعمل كلمة البشرى الّتي تأتي عادة في سياق الخير والسار للتهكُّم والتوبيخ. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لبيان معنى المجرمين. ﴿وَيَقُولُونَ﴾: أيْ: تقول الملائكة لهم. ﴿حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾: حراماً محرماً أن تدخلوا الجنة. من الحجر وأصله المنع محجوراً صفة مؤكدة للمعنى. وقد تعود كلمة (يقولون) على المجرمين الّذين يقولون للملائكة حجراً محجوراً أي حراماً محرماً عليكم أن تؤذونا.

стр. 3503

وكان الرجل إذا لقي من يخافه في الأشهر الحرم يقول حجراً: أيْ: حرام عليك إيذائي. سورة الفرقان [٢٥: ٢٣] ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾: أيْ: نظرنا إلى أعمالهم الّتي عملوها في الدّنيا أعمال الخير والصدقات وإغاثة الملهوف وصلة الرحم وإطعام الضيف وأحبطناها وأبطلنا ثوابها؛ لأنّهم كفروا بالله وبرسوله وماتوا وهم كافرون. من عمل: من: ابتدائية استغراقية تستغرق كلّ عمل صالح. ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾: الهباء: هو ما يخرج من الكوة مع ضوء الشّمس يشبه الغبار يسمى الهباء. منثوراً: متطايراً في كلّ اتجاه يصعب جمعه. أيْ: حبطت أعمالهم وأصبحت كالهباء الّذي لا يرى إلا بأشعة الشّمس ولم يعد لها أيُّ وجود أو ثواب أو قيمة. وفي آيات أخرى شبهها بالـ ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]، أو ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]. سورة الفرقان [٢٥: ٢٤] ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾: المناسبة: بعد ذكر ما سيؤول إليه عمل الكافرين، هباء منثوراً. ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤]. يتحدث عن أصحاب الجنة. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: أصحاب تعني المصاحبة والملازمة، فكأن الجنة لا تحب أن تفارقهم ولا هم يحبون أن يخرجوا منها، وأصحاب تفيد الملكية، فهم مالكوها، والصاحب يعني الّذي يُفيدك وينفعك.

стр. 3504

﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم البعث والحساب أصلها يوم + إذ، يوم ظرف وإذ ظرف بمعنى حين، أيْ: في ذلك الوقت أو حينذاك. ﴿خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا﴾: خيرٌ منزلة وإقامة وراحة وسكوناً. ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾: أفضل مكاناً للقيلولة والاستراحة. المقيل: في الأصل مكان القيلولة، ويعني: النوم في منتصف النهار بعد تناول طعام الغداء، وهل في الجنة قيلولة أو نوم؟ الجواب: لا، وإنما الحكمة من ذلك- والله أعلم- أن يذكرهم بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدّنيا. وكلمة خير تعني: أفضل وتستعمل في حالتين: خير يقابله شر وخير يقابله خير أقل منه مثل هذا خيرٌ من هذا. سورة الفرقان [٢٥: ٢٥] ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾: المناسبة: وقال الّذين لا يرجون لقاءنا: لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا، فردَّ عليهم: تعالوا لأخبركم عن ذلك اليوم الّذي تنزل فيه الملائكة إنه يوم القيامة يوم الحساب. ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾: أيْ: انفطرت السّماء كقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وينزل من هذه الشقوق أو من جهة السّماء الغمام وهو سحاب أبيض رقيق يشبه ما أُنزل على بني إسرائيل حين كانوا في التيه، ويملأ ما بين السّماء والأرض. وقيل: انشقت به: إذا كان عليها أيْ: كأنه هو الآلة الّتي تتشقق بها السّماء، أو انشقت عنه: إذا كان تحتها. ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾: أيْ: جماعات جماعات الواحدة بعد الأخرى ليباشروا ما أمرهم الله به.

стр. 3505

قال ابن عباس: تتشقق السّماء الدّنيا أولاً فينزل أهلها من الملائكة، ثم تتشقق السّماء الثّانية ثانياً، فينزل أهلها من الملائكة، وهكذا حتى السّماء السابعة. وكلمة (تنزيلاً): تدل على قوة النزول وجماعة بعد جماعة. ونظير هذه الآية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. سورة الفرقان [٢٥: ٢٦] ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾: ﴿الْمُلْكُ﴾: أي: الحكم فهو الحاكم ومالك الملك له السّموات والأرض وما فيهن وما بينهن، لا شريك له كقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ٢٤]. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم القيامة يوم ذاك أو حينذاك. ﴿الْحَقُّ﴾: لأنّه سبحانه هو الملك الحق أي: الثابت الدائم الحي القيوم، وكذلك مُلكه ثابت مستقر لا يزول ولا ينتقل، فهو المالك الحق ومُلكه الحق، وقيل: الحق نعتٌ للمُلكْ. ارجع إلى سورة الحج آية (٦)، وآية (٦٢) لمزيد من البيان. ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾: اللام: لام لاختصاص والملكية والاستحقاق. الرحمن: صيغة مبالغة من الرّحمة على وزن فعلان أي: المليء بالرّحمة. كثير الرّحمة، والرّحمن اسم لله تعالى يجمع كثيراً من صفات الله تعالى، والتي تتمثل بالرّحمة والرأفة والعفو والمغفرة، وتشمل الكافر والمؤمن والطالح والصّالح ورحمة تتجدَّد وتتكرر كلما يحتاجها المخلوق. ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾: عسيراً شديداً طويلاً لما يحدث فيه من الأهوال والعذاب الّذي يصيب الكافرين وكلمة يوماً نكرة للتهويل والتّعظيم.
следующие страницы →