← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

سورة الفرقان [٢٥: ٢١] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: المكذبون بالبعث والحساب. الرجاء: عادة هو الأمل في وقوع الخير الّذي يعتري صاحبه الشّك أو الظن أو الخشية والخوف في وقوع الشّر الّذين لا يخافون وعيدنا أو لقاء الخالق. اللقاء: مجرد الرؤية. والمقابلة: اللقاء الحقيقي. ﴿لَوْلَا﴾: أداة حثٍّ وحضٍّ. ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾: لكي يخبرونا بصدقك أو بنبوتك، أو تشهد لك بالرّسالة (بصدق رسالتك) أو كانوا رُسلاً إلينا بدلاً من البشر. ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾: أو للتخيير نرى ربنا جهرة فيأمرنا باتباعك أو يخبرنا أنّك رسوله. ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِى أَنفُسِهِمْ﴾: لقد أظهروا عظم شأنهم فوق ما يستحقون حين طلبوا تلك المطالب. ﴿لَقَدِ﴾: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق. ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: الألف والسين والتاء للطلب، أيْ: هم ليسوا أهلاً للتكبر ليس عندهم مؤهلات الكبر، أي: استكبروا من دون حقٍّ. ﴿وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا﴾: تجاوزوا أو أفرطوا بالظلم، أي: الضّلال والشّرك

стр. 3502

والكفر وبالغوا في التّحدي وتجاوز الحدود. والعتو: هو أعلى درجات الطغيان والظلم. والعتو: أشد وأثقل من العتي؛ لأن الواو أثقل من الياء، كما جاء في سورة مريم آية (٦٩) ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾. عتواً كبيراً: أكد العتو بالمصدر عتواً، ثم وصف المصدر أنه كبير للمبالغة في العتو؛ لأنّهم عتوا على رسول الله ﷺ ، وبالتّالي على الله ، ولا يقصد أنهم عتوا على بعضهم. سورة الفرقان [٢٥: ٢٢] ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾: أيْ: هؤلاء الّذين سألوا أو طلبوا إنزال الملائكة عليهم أو رؤية ربهم سوف تتحقق أمانيهم بإنزال الملائكة عليهم، ولكن ليس لإخبارهم بصدق نبوة محمّد، ولكن لقبض أرواحهم عند الموت أو إدخالهم جهنم. يومَ: نكرة للتعظيم والتهويل يرون الملائكة عند الموت أو يوم القيامة ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ أيْ: لن يكون خبراً ساراً لهم، بل هي بشرى بالعذاب واستعمل كلمة البشرى الّتي تأتي عادة في سياق الخير والسار للتهكُّم والتوبيخ. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لبيان معنى المجرمين. ﴿وَيَقُولُونَ﴾: أيْ: تقول الملائكة لهم. ﴿حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾: حراماً محرماً أن تدخلوا الجنة. من الحجر وأصله المنع محجوراً صفة مؤكدة للمعنى. وقد تعود كلمة (يقولون) على المجرمين الّذين يقولون للملائكة حجراً محجوراً أي حراماً محرماً عليكم أن تؤذونا.

стр. 3503

وكان الرجل إذا لقي من يخافه في الأشهر الحرم يقول حجراً: أيْ: حرام عليك إيذائي. سورة الفرقان [٢٥: ٢٣] ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾: أيْ: نظرنا إلى أعمالهم الّتي عملوها في الدّنيا أعمال الخير والصدقات وإغاثة الملهوف وصلة الرحم وإطعام الضيف وأحبطناها وأبطلنا ثوابها؛ لأنّهم كفروا بالله وبرسوله وماتوا وهم كافرون. من عمل: من: ابتدائية استغراقية تستغرق كلّ عمل صالح. ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾: الهباء: هو ما يخرج من الكوة مع ضوء الشّمس يشبه الغبار يسمى الهباء. منثوراً: متطايراً في كلّ اتجاه يصعب جمعه. أيْ: حبطت أعمالهم وأصبحت كالهباء الّذي لا يرى إلا بأشعة الشّمس ولم يعد لها أيُّ وجود أو ثواب أو قيمة. وفي آيات أخرى شبهها بالـ ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]، أو ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]. سورة الفرقان [٢٥: ٢٤] ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾: المناسبة: بعد ذكر ما سيؤول إليه عمل الكافرين، هباء منثوراً. ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤]. يتحدث عن أصحاب الجنة. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: أصحاب تعني المصاحبة والملازمة، فكأن الجنة لا تحب أن تفارقهم ولا هم يحبون أن يخرجوا منها، وأصحاب تفيد الملكية، فهم مالكوها، والصاحب يعني الّذي يُفيدك وينفعك.

стр. 3504

﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم البعث والحساب أصلها يوم + إذ، يوم ظرف وإذ ظرف بمعنى حين، أيْ: في ذلك الوقت أو حينذاك. ﴿خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا﴾: خيرٌ منزلة وإقامة وراحة وسكوناً. ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾: أفضل مكاناً للقيلولة والاستراحة. المقيل: في الأصل مكان القيلولة، ويعني: النوم في منتصف النهار بعد تناول طعام الغداء، وهل في الجنة قيلولة أو نوم؟ الجواب: لا، وإنما الحكمة من ذلك- والله أعلم- أن يذكرهم بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدّنيا. وكلمة خير تعني: أفضل وتستعمل في حالتين: خير يقابله شر وخير يقابله خير أقل منه مثل هذا خيرٌ من هذا. سورة الفرقان [٢٥: ٢٥] ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾: المناسبة: وقال الّذين لا يرجون لقاءنا: لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا، فردَّ عليهم: تعالوا لأخبركم عن ذلك اليوم الّذي تنزل فيه الملائكة إنه يوم القيامة يوم الحساب. ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾: أيْ: انفطرت السّماء كقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، وينزل من هذه الشقوق أو من جهة السّماء الغمام وهو سحاب أبيض رقيق يشبه ما أُنزل على بني إسرائيل حين كانوا في التيه، ويملأ ما بين السّماء والأرض. وقيل: انشقت به: إذا كان عليها أيْ: كأنه هو الآلة الّتي تتشقق بها السّماء، أو انشقت عنه: إذا كان تحتها. ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾: أيْ: جماعات جماعات الواحدة بعد الأخرى ليباشروا ما أمرهم الله به.

стр. 3505

قال ابن عباس: تتشقق السّماء الدّنيا أولاً فينزل أهلها من الملائكة، ثم تتشقق السّماء الثّانية ثانياً، فينزل أهلها من الملائكة، وهكذا حتى السّماء السابعة. وكلمة (تنزيلاً): تدل على قوة النزول وجماعة بعد جماعة. ونظير هذه الآية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. سورة الفرقان [٢٥: ٢٦] ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾: ﴿الْمُلْكُ﴾: أي: الحكم فهو الحاكم ومالك الملك له السّموات والأرض وما فيهن وما بينهن، لا شريك له كقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ٢٤]. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم القيامة يوم ذاك أو حينذاك. ﴿الْحَقُّ﴾: لأنّه سبحانه هو الملك الحق أي: الثابت الدائم الحي القيوم، وكذلك مُلكه ثابت مستقر لا يزول ولا ينتقل، فهو المالك الحق ومُلكه الحق، وقيل: الحق نعتٌ للمُلكْ. ارجع إلى سورة الحج آية (٦)، وآية (٦٢) لمزيد من البيان. ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾: اللام: لام لاختصاص والملكية والاستحقاق. الرحمن: صيغة مبالغة من الرّحمة على وزن فعلان أي: المليء بالرّحمة. كثير الرّحمة، والرّحمن اسم لله تعالى يجمع كثيراً من صفات الله تعالى، والتي تتمثل بالرّحمة والرأفة والعفو والمغفرة، وتشمل الكافر والمؤمن والطالح والصّالح ورحمة تتجدَّد وتتكرر كلما يحتاجها المخلوق. ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾: عسيراً شديداً طويلاً لما يحدث فيه من الأهوال والعذاب الّذي يصيب الكافرين وكلمة يوماً نكرة للتهويل والتّعظيم.

стр. 3506

وفي هذه الآية تهديد ووعيد للكافرين المكذبين بالآخرة ويوم القيامة والبعث، أما بالنسبة للمؤمنين ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. سورة الفرقان [٢٥: ٢٧] ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِى اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾: ﴿وَيَوْمَ﴾: أيْ: يوم القيامة. يوم يقوم النّاس لرب العالمين. وتنكيره يدل على التهويل والتعظيم. ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾: في ذلك اليوم يعض الظالم المشرك أو كلّ من ظلم نفسه وحمل الآثام والذنوب والظالم اسم جنس، وقيل: هو عقبة بن أبي معيط، كما روى ابن عباس وذكر الواحدي في أسباب النزول، أو غيره من الظّالمين، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب. وعض الظالم على يديه أو على أنامله كناية تدل على شدة الحسرة والغيظ والندم على ما فرَّط في حياته في جنب الله. ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِى﴾: يا: النداء، ليتني: من ليت: أداة للتمني المستحيل الحدوث. ﴿اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾: سبيلاً نكرة أيْ: أيَّ سبيل مثل سبيل الشهادة لا إله إلا الله، أو الرشد، أو الإيمان أو أي سبيل يؤدي إلى النجاة من عذاب الآخرة، مع الرّسول: في دار الدّنيا أيْ: صدقت به وآمنت بالله، أو اتبعت الرسول وأطعته، وقد وردت كلمة ﴿سَبِيلًا﴾ في سورة الفرقان في ست آيات كلها بصورة النكرة، والسياق يحدد هل هو سبيل الرشد والخير، أو سبيل الغي والضلال؟ وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٤) في سورة الأحزاب نجد أن السبيل بأل التعريف: يعني الإسلام، و ﴿سَبِيلًا﴾: نكرة تعني: أي سبيل يؤدي إلى الخير، وحسن العاقبة.

стр. 3507

سورة الفرقان [٢٥: ٢٨] ﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾: ﴿يَاوَيْلَتَى﴾: دعاء بالويل أصلها يا ويلتي: كلمة تحسر وجزع تستعمل عند وقوع أمر عظيم أو الضيق كأن المتحسر ينادي ويلته ويطلب حضورها بعد تنزيلها منزلة من ينادى، فيقول: هذا أوانك. ﴿لَيْتَنِى﴾: ليت أداة تمني للمستحيل الحدوث أو فات الأوان، ولن يحدث ما يتمناه. ﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾: صديقاً حميماً، وفلاناً: مثل عقبة بن أبي مُعيط، أو أمية بن خلف أو الشّيطان. أو كلّ من أُطيع في معصية الله وأُرضي بسخط الله، وتقول: فلان كناية عن شخص لا تحب حتى ذكر اسمه. والمهم بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب. خليلاً: مشتقة من الخلة يعني: الصداقة. ارجع إلى سورة النساء آية (١٢٥) لمزيد من البيان في معنى الخليل. لماذا يتمنَّى لو لم تكن تلك الخُلَّة والصداقة مع فلان؟ انظر إلى الآية التالية لترى السّبب. سورة الفرقان [٢٥: ٢٩] ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِى وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾: ﴿لَّقَدْ﴾: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق. ﴿أَضَلَّنِى عَنِ الذِّكْرِ﴾: أيْ: صدني أو منعني عن اتباع الذكر أي: القرآن أو الإيمان بالله وذكره. ﴿عَنِ﴾: تفيد المجاوزة والابتعاد. ﴿الذِّكْرِ﴾: أيْ: ذكر الله، والإيمان، والقرآن، أو الموعظة، والصلاة وغيرها من أنواع الذكر.

стр. 3508

﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِى﴾: يدل على أنه كان ينوي الإسلام والاستماع إلى رسول الله. إذ: ظرف زماني للفجأة. أو بعد إذ جاءني الرّسول ﷺ به. ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾: كان تشمل أو تمثل كلّ الأزمنة. الشّيطان: ارجع إلى الآية (٣٦) من سورة البقرة والشّيطان هو إبليس وجنوده من كفرة الجن أو من شياطين الإنس. ﴿لِلْإِنسَانِ﴾: اللام: لام التوكيد. الإنسان: أي: الكافر. ﴿خَذُولًا﴾: صيغة مبالغة كثير الخذل: الخذل: التخلي عنه عند وقت الحاجة والضرورة كالذي يمد للآخر حبل الأمل، ثم يتخلى عنه وقت الحاجة والضرورة أيْ: يخذله ولا ينصره ولا يعينه على شيء مهما كان بعد أن كان يتوقَّع ذلك منه الوقوف بجانبه رغم أن الشّيطان لا يستطيع ذلك حتى ولو كان قادراً على ذلك، أو شبه خليله من الإنس بالشّيطان الّذي أضله أيْ: خذله، وليس الشّيطان الحقيقي أو تعني كلاهما. سورة الفرقان [٢٥: ٣٠] ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ﴾: استعمل ياء النّداء الّتي تدل على البعد ولم يقل: ربِّ. لقد قال رسول الله ﷺ يا رب فقط مرتين في القرآن كله، هذه الآية والآية الأخرى هي قوله: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨]. ارجع إلى آية الزخرف للبيان. ﴿إِنَّ قَوْمِى﴾: إن: للتوكيد، قومي: فيها معنى الاستعطاف والحنان أضاف إليه القوم؛ لأنّه منهم يعرفونه ويعرفهم، وهذه هي الآية الوحيدة في القرآن الّتي ذكر رسول الله ﷺ كلمة قومي. ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾: من الهجر يعني: الترك أو قطعوا الصلة به، مثل عدم الاستماع إليه والإصغاء تركوا تدبره وفهمه أو تركوا العمل به وامتثال

стр. 3509

أوامره واجتناب نواهيه. تركوا تحكيمه إلى أنظمة أخرى، ونسوا قول الحق: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. والسؤال: هل حصلت هذه الشكوى ومتى، أو ستكون في يوم القيامة كما قال بعض المفسرين؟ فمن قال: إن هذه الشكوى ستكون في يوم القيامة حُجَّتهم أن الآيات جاءت في سياق الآخرة. مثل نزول الملائكة وتشقق السّماء وعض الظالم على يديه. ومن قال: إنها شكوى حدثت وتمت حين كذبه قومه ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. ولما شكا الرّسول ﷺ إليه ذلك أنزل الله الآية التالية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾. سورة الفرقان [٢٥: ٣١] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ﴾: أيْ: كما جعلنا لك أعداءً من مشركي قريش جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين. أيْ: من المشركين أو الكافرين والظالمين الطاغين. من: تشير إلى اسم الجنس. ومن تشمل المفرد والمثنى والجمع. وهذا القول يفسره قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. ﴿عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾: ولم يقل: أعداء: عدواً تطلق على المفرد والجمع. ويستعمل القرآن عدواً: إذا كانت العداوة سببها واحد، أيْ: إذا كانت العداوة مفردة، أو كانت عداوة لسبب واحد مثل الدِّين.

стр. 3510

ويستعمل كلمة أعداء إذا كانت هناك عداوات مختلفة أيْ: عداوات لأسباب مختلفة مثل الدِّين والأرض والمال. ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾: جمع مجرم. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لبيان معنى المجرمين. ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾: كفى: أي: اكتف بربك أو يكفي ربك هو الهادي والنصير. فلا تحتاج إلى غيره فلا تجزع ولا تخف من قومك أو من المجرمين. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لمزيد في بيان معنى المجرمين. بربك: الباء للإلصاق والتوكيد، توكيد الكفاية. قال: هادياً ولم يقل: يهدي، هادياً تدل على صفة الهداية عنده ثابتة بينما يهدي جملة فعلية تدل على صفة الهداية عنده متجدِّدة ومتكرِّرة فهو سبحانه هادٍ ويهدي. ﴿يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. وكفى بربك هادياً: إلى الحق وإلى الصراط المستقيم وهو الإسلام الدين القيم. هاديك إلى شؤون دينك وإلى الحكم بما أنزل الله وإلى كلّ أمر فيه خير الدّنيا والآخرة. ونصيراً: على كلّ من يعاديك أو يمكر بك.

стр. 3511

سورة الفرقان [٢٥: ٣٢] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا﴾: أداة حضٍّ وحثٍّ. ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾: قالوا: نزل ولم يقولوا أنزل لمعرفتهم أنه نزل منجماً؛ أي: هم يريدوا أن ينزل؛ أيْ: دفعة واحدة كما أنزلت التّوراة والإنجيل والزبور بدلاً من أن ينزل منجماً مفرقاً أو بالتدرج، وكأنه في نظرهم عيب أن ينزل القرآن منجماً، أو هم يحاولون أن يجدوا لهم عذراً لكي لا يؤمنوا، أو ليكون لهم حُجَّة واهية على عدم إيمانهم. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لمعرفة الفرق بين أنزل ونزل. وهم نسوا أن القرآن أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا في ليلة القدر. وفي آية أخرى قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. ﴿كَذَلِكَ﴾: تعني: أنزلناه منجَّماً مفرَّقاً. الكاف للتشبيه، و (ذلك) تشير إلى إنزاله منجماً. ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾: اللام للتعليل والتوكيد، فهذا سبب وهناك سبب آخر هو ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] أيْ: حتى يتيسر حفظه وتدوينه. نثبت به فؤادك: الفؤاد القلب، هذه هي الحكمة. ارجع إلى سورة الحج آية (٤٦) لبيان معنى الفؤاد. ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾: الترتيل القراءة أكثر من كلمة، أيْ: رتلنا لك الآيات الآية بعد الأخرى (عن طريق جبريل ﵇) أيْ: شيئاً فشيئاً، ترتيلاً تفيد التوكيد.

стр. 3512

سورة الفرقان [٢٥: ٣٣] ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾: ﴿وَلَا﴾: لا: النافية. ﴿يَأْتُونَكَ﴾: الّذين كفروا. ﴿بِمَثَلٍ﴾: كما في الآية السّابقة، وقال الّذين كفروا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة. شبَّه سؤالهم بالمَثَل؛ لأن أكثر هذه الأسئلة سئلت من قبل للأنبياء والرسل الذين جاءوا من قبلك، ثم تكررت كثيراً حتى أصبحت كالأمثال التي تتكرر على ألسنة الناس، أو أسئلتهم عجيبة تشبه الأمثال. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق، والحق: الّذي يدحض قولهم ويبطل حجتهم والحق هو القول الثابت الّذي لا يتغيَّر. ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾: أحسن من مَثَلِهم على وزن أفعل التفضيل، أيْ: أبين معنى وأفضل دليلاً وحجة. ثم أخبر عن مستقرِّهم في الآخرة فقال: سورة الفرقان [٢٥: ٣٤] ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: أي: الّذين كفروا. ﴿يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾: يحشرون: الحشر هو السوق والجمع أيْ: يسحبون إلى جهنم تسحبهم الملائكة على وجوههم إلى جهنم.

стр. 3513

أو يجرون أو يمشون على وجوههم إلى جهنم، فقد سُئِلَ رسولُ الله ﷺ : كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة قال ﷺ : «أليس الّذي مشاه على رجليه في الدّنيا بقادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة». رواه البخاري ومسلم. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يفيد الذم يشير إلى الذين ينكرون البعث، والذين قالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة وغيرهم من كفار مكة. ﴿شَرٌّ مَّكَانًا﴾: مثوىً وصف المكان بالشر للمبالغة؛ لأنّهم هُمْ الأشرار. ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾: وصف السبيل (الطريق) بالضلال للمبالغة أيضاً. أضل سبيلاً من غيرهم من الكفار، ولم يقل: أشر مكاناً وأضل سبيلاً؛ لأن كلّ مكان في جهنم هو شر وليس غيره أفضل منه. في هذه الآية يحشرون على وجوههم إلى جهنم. في الآية (٩٠) من سورة النمل: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ﴾. في الآية (٦٦) من سورة الأحزاب: ﴿تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ﴾. في الآية (٤٨) من سورة القمر: ﴿يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾. في الآية (٩٧) من سورة الإسراء: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. واختِير الوجه؛ لأنّه أشرف الأعضاء الّتي تميِّز الإنسان، وفيه معظم الحواس. سورة الفرقان [٢٥: ٣٥] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق. ﴿آتَيْنَا مُوسَى﴾: آتينا وليس أعطينا. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة للمعنى ولبيان الفرق بين الإيتاء والعطاء. ﴿الْكِتَابَ﴾: التّوراة. التام الكامل.

стр. 3514

﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾: معيناً ومساعداً في تبليغ الرسالة. ارجع إلى الآية (٢٩) من سورة طه للبيان. وفي هذه الآية تعريض بالرد على المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾؛ أي: أن موسى لما طلب أن يكون له وزيراً (مساعداً) واستجاب له ربه بهارون، ولم يؤيده بملك من الملائكة كما يقترح كفار مكة، وإنما أيده برسول مثله. سورة الفرقان [٢٥: ٣٦] ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾: ﴿فَقُلْنَا﴾: إلى موسى وهارون. ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أيْ: قوم فرعون. انتبه إلى قوله: الّذين كذبوا بآياتنا: كيف وقع التكذيب منهم بآياتنا ولم يحدِّد ما هي الآيات، هل هي الآيات التسع، أم بالآيات الكونية وهم لم يذهبا بعد إلى قوم فرعون. التكذيب هنا قد يعني بالآيات الكونية الدالة على وحدانية الله تعالى، أو الآيات الّتي جاء بها الرّسل من قبلهم، أو يخبرنا الله تعالى بالنتيجة وبأنهم لن يؤمنوا من علمه الأزلي وما في اللوح المحفوظ. ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾: بإغراقهم في اليم (البحر) ودمر: قضينا عليهم وأهلكناهم من دون إذن أو سابقة إنذار. سورة الفرقان [٢٥: ٣٧] ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾: بالنصب بتقدير: واذكر قوم نوح. ﴿لَمَّا﴾: ظرفية زمانية بمعنى حين. ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾: هم كذبوا نوحاً رسولهم، فلماذا قال: كذبوا الرّسل بدلاً من رسولهم؟

стр. 3515

لأن الرّسل رسالتهم واحدة، فمن كذب رسولاً فقد كذب كلّ الرّسل، أيْ: تكذيب رسول واحد كتكذيب جمع الرّسل. والرّسل: اسم جنس. ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾: بالطوفان وهذا كان عذابهم في الدّنيا، أما في الآخرة فلهم عذاب أليم آخر. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾: اللام: لام الاختصاص، أيْ: للناس كلّ النّاس وقدَّم للناس على الآية بدلاً من وجعلناهم آية للناس، أيْ: جعلناهم آية من الآيات الكثيرة الأخرى الّتي للناس مثل آية قوم لوط وصالح. أما حين يقول: وجعلناهم آية للناس: أيْ: هي الآية الوحيدة الفريدة أيْ: لم نغرق غيرهم. فقد أغرقنا آل فرعون وغيرهم. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: أيْ: أحضرنا، ويختلف عن الإعداد وهو التهيئة، والإعداد يأتي في المستقبل، أما أعتدنا في الحاضر؛ أي: الحال؛ أي: اغرقوا ففرقوا وماتوا. ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: المشركين أو الظالمين بكفرهم وتكذيبهم لرسلهم. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾: في الآخرة شديد الإيلام لا يقدر أحد على تحمله. ولم يقل: أعتدنا لقوم نوح عذاباً أليماً. وإنما أجمل وأدخل قوم نوح في عداد الظالمين. سورة الفرقان [٢٥: ٣٨] ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾: كلها جاءت منصوبة بتقدير: واذكر عاداً وثمودَ. عاداً: قوم عاد ورسولهم هود سكنوا الأحقاف. وثمودَ: قوم ثمود ورسولهم صالح. سكنوا الحِجر (مدائن صالح). وأصحاب الرس: ذكرهم الله تعالى في آيتين هذه الآية والآية الثانية في سورة ق آية (١٢).

стр. 3516

أصحاب الرس: الرس هو البئر، أيْ: أصحاب البئر وقيل: الرس قرية ما اختلف المفسرون في الرس في أيِّ البقاع قيل: في أذربيجان أو قرب اليمامة. وقيل: تسميتها بالرس؛ لأنّهم أرسوا: أيْ: أغرقوا نبيهم، أيْ: أرسوه في البئر حفروا له بئر وألقوه فيها فأهلكهم الله، وقيل: هم الّذين قتلوا حبيباً النجار أغرقوه في بئر لهم، واختلف في زمنهم ومن هم؟ فلا داعي للخوض في قصتهم من دون برهان قاطع. ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾: أيْ: بعد قوم نوح وعاد وثمود وقبل أصحاب الرس أو بين عاد وأصحاب الرس أو بين ذلك الّذي ذكرناه أيْ: قروناً بين كلّ هؤلاء. قروناً: جمع قرن: والقرن يعادل (١٠٠ عام) أو قوم عاشوا في نفس الفترة الزمنية. بين: ظرفية الأصل أن تكون ظرفاً للمكان، وقد تأتي ظرفاً للزمان بحسب ما تضاف إليه. ذلك: اسم إشارة تشير إلى نوح وعاد وثمود، وأصحاب الرس. سورة الفرقان [٢٥: ٣٩] ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾: ﴿وَكُلًّا﴾: تعود على المتقدم ذكرهم من قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً. والواو قد تشير إلى هؤلاء وغيرهم أيضاً أيِّ الكل. ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾: كشفنا لهم الحقائق وبيَّنَّا لهم ما أصاب غيرهم من الهلاك والبلاء وأنذرناهم ووعظناهم وحذرناهم. ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾: تكرار (وكلاً): تفيد التوكيد؛ أيْ: مزقناهم كلّ ممزق، أو جعلناهم كأعجاز نخل منقعر أو حصيداً خامدين.

стр. 3517

تبرنا تتبيراً: التتبير: التفتيت والتكسير يعني: الإهلاك والدمار. ومنه التبر: فتات الذهب والفضة أو الزجاج. سورة الفرقان [٢٥: ٤٠] ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِى أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية. لقد: اللام للتوكيد، قد للتحقيق. ﴿أَتَوْا﴾: أيْ: مروا على والضمير يعود على كفار أو مشركي مكة. أيْ: مروا على القرية أثناء رحلاتهم التجارية بين الشام ومكة، أو سفرهم. ﴿عَلَى﴾: تفيد العلو والمشقة. ﴿الْقَرْيَةِ﴾: معرفة بـ (ال) التعريف، أيْ: قرية سدوم أعظم قرى قوم لوط. ﴿الَّتِى أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾: أمطرت بالحجارة من سجيل الّتي أشارت الدراسات العلمية الحديثة أنها نتيجة انفجار النيازك المكونة من معادن مختلفة مثل الحديد أو النيكل وغيرها تسقط على الأرض بشكل حجارة، سقطت على قوم لوط بشكل مطر سماه الحق مطر السوء الذي دمرهم وأهلكهم. من السوء: مصدر ساءه، أيْ: فعل به ما يكره. ﴿أَفَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام والتوبيخ والتعجب والتقرير والفاء للتوكيد. ﴿يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾: في سفرهم ورحلاتهم إلى الشام أو فلسطين، أيْ: أفلم يمروا عليها ويشاهدوها؟ الجواب: نعم. ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾: بل: للإضراب الانتقالي. يرجون: من الرجاء. الرجاء تعريفه: الأمل في الخير والخشية والخوف في الشر فهم كانوا لا يخافون أو يخشون البعث والحساب والجزاء.

стр. 3518

نشوراً: الإحياء بعد الموت، أيْ: لا يظنون أنهم سيبعثون بعد موتهم ولا يرجون ذلك. ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة للبيان. أيْ: كان من المفروض أن يعتبروا ويأخذوا عبرة ويتعظوا برؤيتهم لقرى لوط، ويصلوا إلى الحقيقة، ولكن ذلك لم يحصل فهم سواء أتوا أو لم يأتوا لا يؤمنون بالنشور والحساب. سورة الفرقان [٢٥: ٤١] ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾: لم يتوقف المشركون والكفار بالتكذيب بالبعث والنشور وعدم الإيمان، بل تعدَّى إلى الاستهزاء والسخرية بالرسول ﷺ . ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ﴾: إذا: ظرفية زمانية وشرطية، تعني: الحتمية الوقوع وإذا ﴿رَأَوْكَ﴾: في مجلس أو في الطريق أو في عبادة. ﴿إِنْ﴾: تعليلية. ﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾: النون في يتخذونك للتوكيد، أي: الأخذ باللسان يتكلمون فيك باستهزاء. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿هُزُوًا﴾: الاستهزاء هو تصغير قدر الآخر أو التحقير والاستخفاف أو العيب به، والطعن أمام النّاس أو في خلوتهم ببعض. ﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾: هذه كانت صيغة الاستهزاء. أهذا: الهمزة همزة استفهام وتعجب، وفيه معنى التهكم والطعن. أهذا الّذي بعث الله رسولاً: الّذي اسم موصول، بعث: أرسل الله رسولاً والبعث يختلف عن الإرسال. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة لمعرفة الفرق.

стр. 3519

أيْ: في نظرهم أن رسول الله غير مؤهل لحمل هذه الرسالة فهم يريدون شخصاً هم يختارونه بأنفسهم، كما قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. سورة الفرقان [٢٥: ٤٢] ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الندرة أو القلَّة. ﴿كَادَ﴾: من أفعال المقاربة، أيْ: قارب أن ﴿لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾: أيْ: يصرفنا عن عبادتها بدعوته للتوحيد، ولم يحصل ذلك. ﴿لَوْلَا﴾: شرطية. ﴿أَنْ﴾: مصدرية للتعليل والتوكيد. ﴿صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾: على عبادتها ولم نطعه ونستمع إليه. وهذا اعتراف على أن الرّسول كان عالياً وأنّه كفؤ لحمل الرّسالة وأَثر في نفوسهم، وهذا يناقض سخريتهم واستهزائهم به ﷺ . ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾: سوف للاستقبال البعيد، والتوكيد. حين: ظرفية زمانية أو مكانية. يرون العذاب: في الآخرة. ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾: من كان أضل سبيلاً هم أم رسول الله والمؤمنون. من للعاقل وتشمل المفرد والجمع. وفي هذا تهديد ووعيد لهم وحدث جزءٌ منه يوم بدر. سورة الفرقان [٢٥: ٤٣] ﴿أَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾: ﴿أَرَءَيْتَ﴾: استفهام وتعجُّب، أي: انظر وتعجُّب أيْ: أخبرني بكل دراية

стр. 3520

والرؤية هنا رؤية قلبية فكرية. من: للعاقل بمعنى الّذي ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾: جعل هواه إلهاً لنفسه بأن أطاع هواه معرضاً عن الاستماع إلى الرّسول وإلى ما أنزل الله. قال ابن عباس: كان أحدهم يعبد الحجر فإذا رأى أحسن من الحجر رمى به وعبد غيره. فكلما اشتهى شيئاً فعله بلا عقل ولا فكر. ﴿أَفَأَنْتَ﴾: الهمزة همزة إنكار. والمخاطب هو رسول الله ﷺ . ﴿تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾: أيْ: موكلاً ومسؤولاً عنه بتوجيهه ليترك هواه ويتبع الحق. أو مسؤولاً عن هدايته. أو حفيظاً عليه تتولى هدايته وعليك أن تخرجه من الضّلال إلى النور وتردُّه إلى الإيمان قسراً وكرهاً. والجواب: لا طبعاً ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]. وتقديم عليه يفيد الاختصاص، عليه خاصة وكيلاً فقط. ولم يقل: أفأنت تكون وكيلاً عليه (أيْ: عليه وعلى غيره)؛ لأن رسول الله ﷺ هدى الكثير واستجاب له الكثير، وهو ﷺ قادر على الهداية إلى الصراط المستقيم ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. والهداية الخاصة لا تكون إلا بإذن الله سبحانه.

стр. 3521

سورة الفرقان [٢٥: ٤٤] ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾: ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي، الهمزة: استفهام إنكاري. ﴿تَحْسَبُ﴾: من حسب: من الحساب القلبي والحساب الحسي القائم على النظر والتجربة والحساب وهو الظن الراجح. ﴿أَنَّ﴾: تفيد التوكيد. ﴿أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾: سماع تدبر وتعقل وقبول وانتفاع. ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾: من عقل الشّيء عرفه بدليله، وفهمه بأسبابه ونتائجه؛ ليصلوا إلى الحقيقة أن الله هو الإله الحق واجب الوجود الواحد الأحد الّذي يجب أن يُعبد ويطاع، وقوله: أنّ أكثرهم، فهناك أقلية تسمع وتعقل. ﴿إِنْ هُمْ﴾: إن: نافية تعني: ما هم، وهي أقوى في النّفي من ما. هم: تفيد التوكيد. ﴿إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾: إلا: أداة حصر، والكاف: للتشبيه كالأنعام، تسمع الصوت ولا تفهم معناه، أيْ: لا يفقهون ما يقال لهم، كالأنعام تأكل وتشرب وتسرح وتمرح وتتوالد. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي. ﴿هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾: هم: للتوكيد. أضل: من الأنعام؛ لأن الأنعام تهتدي

стр. 3522

لمراعيها وتستسلم لأربابها. وتُقبل على المحسن إليها وتفقه ما تسمعه من أصوات الزجر وغيرها من رعاتها. فهم أسوأ حالاً من الأنعام، ولأن الأنعام تسبِّح ربها، وهؤلاء لا يفقهون شيئاً مما نُزل عليهم، ولا يسبحون ربهم، ولا يسمعون ما يعظهم به رسول الله ﷺ ، أو لا يخترق آذانهم أصوات الدعاة إلى الله؛ فهم ليسوا كالأنعام، بل الأنعام أفضل فهم، وهم أضل سبيلاً من الأنعام. سورة الفرقان [٢٥: ٤٥] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾: في هذه الآية والآيات القادمة يذكر الآيات الكونية العجيبة الدالة على توحيد الألوهية والربوبية. ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام تحمل معنى التقرير. لم: حرف نفي. ﴿تَرَ﴾: رؤية عقلية أو فكرية ورؤية بصرية أيضاً؛ أي: ألم تعلم، أو يصل إليك العلم، والخطاب هو لكل من شأنه أن يخاطب؛ أي: النبي وكل الناس. ﴿إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾: الظل: ما بين الفجر وطلوع الشّمس، والظل: قيل هو خيال الأشياء المادية ذات الحجم الناتج عن عدم اختراق أشعة الضوء المرئي للطبقة الغازية المحيطة بالأرض بشكل مفاجئ، أو بغتة، ولكن بشكل تدريجي ولبعض الأجسام والظل يحمينا من حرارة الشّمس، فهو رحمة من الله، وهو آية تدل على تمام قدرة الله وعظمته وتمام رحمته، ولولا الشّمس ما كان الظل، أي: الشّمس هي سبب الظل. وهناك من فرق بين الظل والفيء: الظل: قيل هو ما بين طلوع الفجر وشروق الشمس. وقيل الظل: شيء من النور (بدون شعاع الشمس) كما قال تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠].

стр. 3523

وقيل الظل: ظل كل شيء، وظل كل شخص. وهناك من قال: هو الليل، والمعنى قد يحتمل الجميع. وأما الفيء: قيل: هو الظل، وقيل: ما كان قائماً لم ينسخه ضوء الشمس، وقيل: الفيء يشمل الظل فكل فيء ظل، وليس كل ظل فيئاً. ارجع إلى سورة يس آية (٥٦) لمزيد من البيان في معنى الظل. أما تفسير مَدَّ الظل: بما أن الظل كما قلنا بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فالمفروض أن يكون الظل فقط في ذلك الزمن، ولكن الله سبحانه مده؛ أي: طوله (جعله أطول) بحيث يمتد فنراه في أول النهار ممتد، ثم يتناقص وفي آخر النهار يزداد، وإذا كان معنى الظل أيضاً الليل؛ فالليل يطول في الشتاء ويقصر في الصيف، وهذا يذكرنا بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القصص: ٧١]، ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القصص: ٧٢]. ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾: أيْ: لا يتحرك بالزيادة والنقصان أو يزول أو يبقى ثابتاً، وذلك بأن تكون الشمس مستقرة ثابتة لا تجري ولا تدور. أيْ: يجعل ظل الأشياء ثابتاً لا يتغير بالشّمس والزّمن، ولكنه سبحانه جعله يتغيَّر ينقص في أول النّهار شيئاً فشيئاً، ويزداد في آخر النّهار شيئاً فشيئاً ويجعله ساكناً بسكون الشّمس وعدم دورانها فتبقى منطقة ما من الأرض في ظل دائم لا ترى الشمس إلى الأبد، بينما تبقى منطقة أخرى في نهار دائم، وأخرى منغمسة في ليل حالك شديد السواد؛ مما يجعل الحياة مستحيلة على كوكب الأرض، ومن طول الظل وامتداده يمكن معرفة الزّمن، وهذه فائدة ثانية والأولى الحماية من أشعة الشّمس الضارة، وكذلك التخفيف من حرارة الشمس وغيرها.

стр. 3524

﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾: ثم: تفيد الحال: أيْ: سلَّط الشّمس على الظل أو كأنه نصب الشّمس على الظل دليلاً، فهو يزيد وينقص حسب موقع الشّمس أو يمتد ويتقلَّص. سورة الفرقان [٢٥: ٤٦] ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾: ﴿ثُمَّ﴾: تفيد الترتيب الذكري. ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾: حين تطلع الشّمس يكون الظل ممدوداً وطويلاً، ثم كلما ارتفعت الشّمس ينقبض الظل وينقص شيئاً فشيئاً، أيْ: قبضاً يسيراً. جزءاً فجزءاً حتى تصل الشّمس كبد السّماء، ثم يبدأ يزداد فيزداد إلى وقت غروب الشّمس، ولهذا القبض اليسير فوائد في قيام النّاس بأعمالهم وشغلهم. وقد تعني (إلينا) يوم القيامة نزيله بشكل يسير، وذلك بزوال أسبابه بتكوير الشّمس وزوالها. سورة الفرقان [٢٥: ٤٧] ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾: ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التوكيد. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التعظيم، وتعود على الله سبحانه. ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾: الجعل بعد الخلق؛ أي: بعد خلق السموات والأرض وخلق الشمس والقمر جعل أو خلق الليل والنهار وفي ذلك إشارة إلى كروية الأرض؛ أيْ: خلق الليل أولاً والنهار ثانياً وجعل، أيْ: صيَّر لكم: اللام لام الاختصاص، أيْ: لكم خاصة. ﴿الَّيْلَ لِبَاسًا﴾: شبَّه ظلام الليل باللباس الّذي يستر ويغطي الجسم من كلّ الجهات، أيْ: يستر الإنسان كما يغطي الثوب الجسم.

стр. 3525

وهذه نعمة ورحمة من الله سبحانه على خلقه لما فيها من الفوائد مثل الراحة والسكون. فالظلام ضروري لإفراز هرمون ميلاتونين الّذي يؤدي إلى النوم، والضوء في النهار يثير منطقة في الدماغ تسمى النواة الواقعة فوق التصالب العصب البصري، والتي تؤثر على الغدة لكي تخفض إفراز الميلاتونين. ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾: من السبت: لغة هو القطع، أيْ: قاطعاً للحركة، أيْ: للراحة والسكون. والسبات: تشبه مرحلة الوفاة الّتي تسبق مرحلة الموت حيث ينقطع فيها الوعي والإدراك. ويدخل الإنسان في غيبوبة والفرق بين النوم والموت أن النوم هو توقُّف جميع الحركات الإرادية ويُفقد الوعي والإدراك أو التمييز لفترة من الزّمن والروح ما زالت في الجسم، وأما الموت فهو توقف وانقطاع جميع الحركات الإرادية واللاإرادية، انقطاع تام وخروج الروح من الجسم كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾: وجعل النهار. ارجع إلى الآية (٦٧) من سورة يونس. النهار نشوراً: ذا نشور: بعث ويقظة ووعي والبدء بالحركة بعد مرحلة السبات، أي: النوم ويمثل مرحلة صغرى للنشور الحقيقي هو الإحياء بعد الموت، أي: للبعث من القبور للحساب، والليل والنهار من مظاهر قدرة الله تعالى وعظمته ورحمته بالنّاس، وفيه إشارة إلى كروية الأرض ودورانها حول محورها وحول الشّمس ولولا تبادل الليل والنّهار لما استقامت الحياة على الأرض. ويعني كذلك انتشار النّاس في الأرض لابتغاء الرزق والعمل.

стр. 3526

﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢]. سورة الفرقان [٢٥: ٤٨] ﴿وَهُوَ الَّذِى أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾: ﴿وَهُوَ الَّذِى﴾: ارجع إلى الآية السّابقة. ﴿أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾: الّتي تسوق وتحمل السحاب الّتي تلقح برياح أخرى تحمل هباءات الغبار، فتصبح ذرات بخار الماء ذات كثافة عالية تتحول إلى الماء المطر. أرسل الرياح ولم يقل: الريح؛ لأن من خصوصيات القرآن الكريم أن يستعمل كلمة الريح الّتي تحمل معنى الشر والأذى مثل الفيضانات والدمار. والتي لا يصحبها خير، وكلمة الرياح بصيغة الجمع للتي تدل على الخير والرحمة. ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾: بشراً: تبشر من البشارة، وهي الخبر السارُّ، أو الإخبار بما يَسُرُّ. بين يدي: قبل نزول المطر والرحمة هنا تعني المطر (الماء) وسمي ماء المطر رحمة؛ لأنّه من دونه لا يخرج الزرع ولا الثمر ولا يبقى أيُّ شيء حيٍّ. فالرياح وبالتالي رؤية السحاب تبشِّر بقدوم المطر (الرّحمة). ﴿وَأَنزَلْنَا﴾: بصيغة الجمع للتعظيم، وهذا الإنزال يعني: دورة الماء على الأرض، ارجع إلى سورة المؤمنون آية (١٨) للبيان. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: وتعريف السماء: هي كل ما علا الإنسان من السحاب وغيره؛ أيْ: من السحب الركامية ﴿مَاءً طَهُورًا﴾: الطاهر في ذاته والمطهر لغيره. أيْ: طاهر مطهر. ارجع إلى سورة (ق) آية (٩) للبيان.

стр. 3527

سورة الفرقان [٢٥: ٤٩] ﴿لِّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا﴾: ﴿لِّنُحْيِىَ﴾: اللام للتوكيد. ﴿بِهِ﴾: بالماء (أو المطر). ﴿بَلْدَةً مَّيْتًا﴾: انتبه إلى سكون الياء في (ميْتاً) والتي تشير إلى أن الأرض قد ماتت فعلاً، بينما عدم تشديدها يعني: ما زالت على قيد الحياة، وستموت إذا لم يصلها الماء كما في قوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ﴾ [آل عمران: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]. فهناك فرق بين الميْت بالسكون والميِّت بالتشديد، فالميْت: هو الّذي مات بالفعل، والميِّت: هو الّذي ما زال على قيد الحياة. ﴿بَلْدَةً مَّيْتًا﴾: لا نبات فيها أبداً. ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا﴾: نسقيه، أيْ: ذلك الماء. مما: مركبة (من وما). من: ابتدائية، ما: لغير العاقل والعاقل وغلب غير العاقل على العاقل لكثرته. ﴿أَنْعَامًا﴾: الأنعام ثمانية أزواج الإبل والبقر والغنم والماعز. وأما بهيمة الأنعام فتشمل الأنعام الثمانية وغيرها مما يشبه الأنعام. ﴿وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا﴾: جمع إنس أو إنسي وأصلها أناسين، أو أناسيني على وزن أفاعيل، وخففت إلى أناسي، وكلمة إنسان اشتقت من الأنس فهو يأنس بغيره، وكونه يُرى وغير مخفيٍّ كالجن؛ أي: مجموعات من البشر تعيش في تلك البلدة الميتة التي أحياها الله تعالى، ولم يقل ناس؛ لأن كلمة الناس عامة تشمل كثير من البلدان وهو يتكلم عن أهل بلدة أناس تكاثروا فأصبحوا أناس كثيراً، فالله سبحانه أحيا بهذا الماء الطيور والنبات، وأحيا الأنعام، وأحيا الأناسي.

стр. 3528

وقدَّم أحياء الأرض الميتة والأنعام على الأناسي؛ لأن حياة الأناسي تعتمد على الغذاء، والغذاء يستمد من الأرض ومن الأنعام، وحياة الأرض والأنعام تعتمد على الماء أو السُّقيا، والسُّقيا تعتمد على ماء المطر، وما يقوم به الإنسان في توفير الماء لها، ولم خصَّ الأنعام عن غيرها؟ لأن غيرها من الحيوانات يمكن أن تحصل على الماء بنفسها من دون الاعتماد على البشر. وهناك فرق بين سقاه وأسقاه. سقاه: تعني ناوله ما يشربه الآن. أسقاه: أعدَّ له ما يستقي منه ولم يشرب بعد. فالآية لا تتحدث عن خزن الماء، وإنما عن استعماله الآن. سورة الفرقان [٢٥: ٥٠] ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: اللام: لام التوكيد، قد: للتحقيق. ﴿صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾: أيْ: الماء (المطر) صرفناه: من التصريف والتغيير، بينهم: بلاد فيها مطر خفيف وبلاد فيها مطر غزير، وبلاد تشكو من الجفاف والجدب، وبلاد أو أرض خصبة غنَّاء، ورغم ذلك تبقى كمية الماء ثابتة لا تتغير. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (١٨) للبيان المفصل. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾: اللام لام التعليل، يذكروا: تلك النعمة فالذين أصابهم المطر الغزير وأخصبت أرضهم؛ ليذكروا نعمة الله عليهم فيشكروه ويحمدوه. وأما الّذين مُنع عنهم المطر فيذَّكَّرون ربهم ويتضرعون إليه ويدعونه أن يُنزل عليهم الغيث (صلاة الاستسقاء) ويبادروا بالتوبة والرجوع إليه ويصبروا على هذه المحنة والبلاء.

стр. 3529

﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: أيْ: لا هؤلاء شكروا ولا هؤلاء صبروا وتضرعوا إلى الله ورجعوا إلى ربهم. إلا: أداة حصر، كفوراً: صيغة مبالغة كثيرو الكفر. فأبى أكثر النّاس: أيْ: هناك القليل الّذين تذكَّروا وشكروا وصبروا والكثير منهم جحدوا بنعمة الله تعالى، ونسبوا المطر إلى غير الله تعالى وغيرهم لم يصبروا على الابتلاء ولم يدعوا ربهم. سورة الفرقان [٢٥: ٥١] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا﴾: ﴿وَلَوْ﴾: شرطية. ﴿شِئْنَا لَبَعَثْنَا﴾: اللام: للتوكيد، بعثنا: وأرسلنا. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩) لبيان معنى بعثنا وأرسلنا والفرق بينهما. ﴿فِى كُلِّ قَرْيَةٍ﴾. ﴿نَّذِيرًا﴾: ليبلغ ويُعلم ويحذّر كلّ جماعة أو كلّ فرد في تلك القرية. نذيراً من الإنذار وهو الإعلام والتحذير والتخويف. والسؤال هنا: كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وهذه الآية؟ نقول: آية الفرقان جاءت بخصوص رسول الله ﷺ ؛ أي: لو شئنا لبعثنا في كل قرية التي حولك نذيراً كي نخفف عليك من أعباء الرسالة، ولكن بعثناك إلى جميع القرى؛ لعظم كرامتك ونشأتك وأجرك وأرسلناك مبشراً ونذيراً لكافة القرى. سورة الفرقان [٢٥: ٥٢] ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾: ﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: الناهية.

стр. 3530

﴿تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾: بما أن الله بعثك إلى كافة القرى فلا تركن إليهم ولا تتبع أهواءَهم واستقم كما أُمرت كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]. ﴿وَجَاهِدْهُم﴾: ابذل قصارى جهدك وطاقتك في إبلاغهم ما أُنزل إليهم من ربهم. ﴿بِهِ﴾: بالقرآن. ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾: جهاداً بكل الوسائل الحجج والبراهين، والسلطان والجهاد وغيره إذا احتاج الأمر، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التّوبة: ٧٣]. سورة الفرقان [٢٥: ٥٣] ﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾: ﴿وَهُوَ الَّذِى﴾: ارجع إلى الآية (٤٧). ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: مرج البحرين: قيل خلَّى بينهما (كما قال الزهري والزجاج)، أو أرسلهما، والتّفسير العلمي للمرج هو الذهاب والإياب لحركة الأمواج الّتي تحدث مع حركة المد والجزر في البحر. مرج أمواج البحر العذب وأمواج البحر المالح. ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾: هذا: الهاء: للتنبيه وذا: اسم إشارة تشير إلى ماء البحر العذب الفرات وهو الماء العذب الحلو. (وقد يكون من ماء الأنهار العذبة). ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾: ملح: كثير الملوحة أجاج: المر الطعم. وهو ماء البحر أي: المالح والمرُّ الطعم معاً.

стр. 3531

مرج المياه الحلوة العذبة مع المياه المالحة (شديدة الملوحة والمرارة). أيْ: مرج أمواج البحر العذب بالالتقاء بأمواج البحر المالح الأجاج من دون أن يختلط ماؤهما كما يظن البعض خطأ. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾: لأنّه سبحانه جعل بين الماءين برزخاً: حاجزاً بحيث لا يختلط ماؤهما، ولو نظرنا من أعلى إلى التقاء الماءين لوجدنا أن هناك حاجزاً كأنه برزخ بين الماءين. ﴿وَحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾: وأضاف إلى البرزخ حجراً محجوراً لا يدخل في ذلك المكان شيء ولا يخرج منه شيءٌ. الحجر: يعني: منع الخروج منه. محجوراً: يعني: منع الدخول إليه أو فيه. فما هو الحجر المحجور؟ عند التقاء مياه النهر بمياه البحر تتشكل منطقة ثالثة ليست لها خاصية تركيب ماء البحر. الملح الأجاج ولا خاصية تركيب مياه البحر العذب السائغ شرابه (أو ماء النهر) وتسمَّى منطقة المصب هذه المنطقة الثالثة لها خاصيتها الطبيعية والكيماوية، ولها أنواع من الرسوبيات تختلف عن ماء النهر الحلو وماء البحر المالح، وتعيش فيها كائنات حية خاصة بها لو دخلت إلى ماء النهر تموت أو ماء البحر تموت. وهذه آية من الآيات الكونية، والتي تدل على عظمة الخالق ووحدانيته. ارجع إلى سورة فاطر آية (١٢) لمزيد من البيان والمقارنة، وسورة الرحمن آية (١٩ - ٢٠).

стр. 3532

سورة الفرقان [٢٥: ٥٤] ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾: ﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل يفيد الحصر والتوكيد. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التعظيم والمدح. ﴿خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾: خلقه الله من الماء ماء الذكر كما قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧] يعني: المني الحامل للحيوانات المنوية، وماء المرأة الأنثى الحامل للبويضة، وقد يعني الماء الداخل في تركيب جسم الإنسان الّذي يعادل حوالي (٧٠%) من وزنه، وكما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، أو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥]، وقد تعني: كلا المعنيين. بشراً: أي: الأنس مشتقة من البشارة حسن الهيئة وبشرة الجلد الخاصة بالإنسان. سُمِّي البشر بشراً: لظهورهم على الأرض. ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾: ثم قسم البشر قسمين نسباً وصهراً ذكوراً وإناثاً، نسباً يأتي عن طريق القرابة عن طريق الدم. صهراً من المصاهرة تأتي عن طريق تزويج الإناث؛ أي: عن الزواج، فحين يتزوج رجل من بنت رجل آخر يسمَّى الرجل المتزوج صهراً، وقدم النسب على الصهر، أو النسب على المصاهرة؛ لأن قرابة النسب أقرب من قرابة المصاهرة، فالرجل أقرب إلى أبيه وأخيه من قرابته لأهل زوجته. ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾: على الخلق والجعل والتصريف والإحياء والبعث وعلى كلّ شيء قدير صيغة مبالغة كثير القدرة لا يعجزه شيئاً في السّموات ولا في الأرض.

стр. 3533

سورة الفرقان [٢٥: ٥٥] ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾: رغم كلّ هذه الآيات الكونية الدالة على عظمة الخالق ووحدانيته وأنه الإله الحق الّذي يستحق وحده العبودية والحمد والشكر يشركون به. ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾: آلهتهم وأصنامهم يعبدون، ولم يقل: وعبدوا بصيغة المضارع الّتي تدل على الاستمرار والتجديد والتكرار، أيْ: يشركون بعبادتهم. ﴿مِنْ دُونِ﴾: من غير الله. ﴿مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾: ما: النافية، لا: تفيد توكيد النّفي أيْ: لا تنفعهم إن عبدوها ولا تضرهم إن لم يعبدوها، وتكرار (لا) يفيد التوكيد، وفصل النفع عن الضر أو كليهما معاً. ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾: كان: تشمل الماضي والحاضر والمستقبل. على: تفيد العلو والمشقة. والظهير: المعين أو المساعد. ظهراً: مشتقة من الظهر؛ أي: عظام الفقار؛ فقد كانوا في الزّمن الماضي يحملون الأحمال على الظهور قبل اختراع آلات الحمل، وإذا أراد أحدهم معاونة الآخر يقول له: أعطني ظهرك يعني: احمل عني أو ساعدني. والكافر: يراد به الجنس أيْ: كلّ كافر، فكل كافر هو معين للشيطان أو معين لكافر آخر على معصية ربه وعبادتهم للأصنام أكبر معصية لله.

стр. 3534

سورة الفرقان [٢٥: ٥٦] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾: ﴿وَمَا﴾: النافية. والواو: استئنافية. ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾: ولم يقل: بعثناك. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة للبيان. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مُبَشِّرًا﴾: من البشارة. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة للبيان. ﴿وَنَذِيرًا﴾: من الإنذار وهي الإعلام المقرون بالتحذير والتخويف. وكل إنذار إعلام، وليس كلّ إعلام إنذاراً. والإنذار يتعدَّى إلى مفعولين مثل فأنذرتكم ناراً تلظى. والإنذار يكون للكفار خاصة، وقد يكون للمؤمنين أيضاً كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١٩]. والإنذار يكون للأمور المنهيِّ عنها (السيئة والقبيحة). والإنذار إحسان من المنذر للمنذَر؛ لكي يأخذ استعداده، فلا يُفاجأ بالأمر المحذَّر منه أو لكي يغيِّر عمله ويتوب إلى الله. والرسول ﷺ كان مبشراً ونذيراً لكافة النّاس جميعاً. سورة الفرقان [٢٥: ٥٧] ﴿قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ .

стр. 3535

﴿مَا﴾: النافية. ﴿أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: على التبليغ والإنذار والدعوة إلى الله والقرآن والإيمان. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾: من: للتوكيد واستغراقية؛ أيِّ أجر مهما كان نوعه ومقداره مال أو غير المال. ولم يقل: من مال؛ لأن الأجر أعم من المال، والأجر يعني: الثواب. ولنقارن هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] نجد أن آية الفرقان أشد توكيداً للنفي على أخذ الأجر من آية الأنعام. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٩٠) لمزيد من البيان. ولم يسأل أيُّ رسول قومَه الأجر أو المال على الدعوة إلى الله وتبليغ الرسالة، والكل قال: ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩]. والأجر لا يمكن أن يقدِّره إلا الله سبحانه وحده. وأبعد من ذلك لم يقبل رسول الله ﷺ الصدقة. ﴿إِلَّا مَنْ﴾: إلا: أداة حصر، من: ابتدائية استغراقية. ﴿شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: شاء أن: للتوكيد والتعليل؛ أيْ: من أراد أن يتقرَّب إلى الله بالإنفاق في سبيله بالتطوع والعمل الصّالح ومساعدة الآخرين وغيره فليفعل ولا أمنعه. ولنقارن هذه الآية: ﴿قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ مع الآية (٩٠) من سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. قوله تعالى: من أجر أوكد وأقوى من قوله: عليه أجراً؛ لوجود (من) الّتي تدل على الاستغراق والتوكيد. ويستعمل (من) في سياق الدعوة والتبليغ، كما في آية الفرقان (٥٧) بينما

стр. 3536

آية الأنعام لم تكن في سياق الدعوة والتبليغ، وإنما جاءت في سياق تعداد النعم على الرّسل. ما: كثيراً ما تنفي الحال والاستمرار والاستقبال وفيها توكيد مقارنة بـ لا: تنفي كلّ الأزمنة فهي مطلقة. سورة الفرقان [٢٥: ٥٨] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَىِّ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ المناسبة: بعد ذكر موقف الّذين لا يرجون لقاء الله تعالى والمكذبين بالبعث والحساب والطلب من رسوله الإبلاغ والإنذار من دون أيِّ أجر يأمره بأن يتوكل عليه في الأمور كلها، فيقول تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَىِّ الَّذِى لَا يَمُوتُ﴾: التوكل يعني: تفويض الأمر لله تعالى أيْ: ردُّه إليه راجياً عونه وتيسيره وتوفيقه بعد اتخاذ الأسباب المطلوبة شرعاً وعقلاً، فهو سبحانه الكافي لمن توكل عليه والموكول إليه تدبير كلّ شيء. على: تفيد العلو. الحي الّذي لا يموت: الحي واجب الوجود الباقي الدائم من أزل الأزل إلى أبد الأبد. والأزل هو دوام الوجود في الماضي. والأبد هو دوام الوجود في المستقبل. وكما قال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾: التسبيح هو تنزيه الله سبحانه عما لا يليق بذاته وأفعاله وصفاته وأسمائه. ارجع إلى سورة الحديد آية (١) لمزيد من البيان، وسورة الإسراء آية (١).

стр. 3537

فسبحانه هو الكامل في ذاته وأفعاله وصفاته وأسمائه. بحمده: الباء: للإلصاق والتوكيد، أيْ: بالثناء عليه وشكره. أيْ: تسبيح مصاحب للحمد والحمد أعم من الشكر. كأن تقول: سبحانه الله والحمد لله أو سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾: الباء: للتوكيد والإلصاق؛ أيْ: لا يحتاج أن يخبره أحدٌ عن ذنوب عباده الآخرين، وهو سبحانه غني أيضاً عن أن يخبره أحدٌ من عباده بما يفعله الآخرون؛ لأنّه سبحانه يعلم بواطن الأمور وخفاياها، ويعلم ظواهرها ولا تخفى عليه خافية أيْ: سبحانه لا يحتاج أن يخبركم عن ذنوب عباده، ولا يحتاج منكم أن تخبروه عن ذنوب عباده؛ لأنّه خبير بها. سورة الفرقان [٢٥: ٥٩] ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾: ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التعظيم، أي: الله ربكم الذي: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: في ستة أيام. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٣٠)، وسورة الأعراف آية (٥٤)، وسورة البقرة آية (٢٢، ٢٩) للبيان، وسورة فصلت آية (١٠ - ١٢). ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: حيث اختلط الغلاف الغازي للأرض بمكونات السّماء، ولذلك لم يَصِرْ هذا الغلاف الغازي من الأرض بالكامل، وليس من السّماء بالكامل وظل طبقة فاصلة بين السّماء والأرض. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ثم تفيد التباين بالمرتبة بين الاستواء على

стр. 3538

العرش وخلق السّموات والأرض، فالاستواء على العرش أكبر وأعظم من خلق السّموات والأرض. استوى على العرش ارجع إلى الآية (٣) من سورة يونس، وسورة هود آية (٧) للبيان. ﴿الرَّحْمَنُ﴾: من الرّحمة الّتي هي السمة والصفة العامة الّتي تمثل كثيراً من صفاته أو ينطوي فيها كثير من صفاته؛ لأنّه سبحانه كله رحمة، وشريعته رحمة، ونعمه رحمة، وقرآنه رحمة، وكل ما يفعله سبحانه رحمة، وعمّت رحمته العالمين. فهو الرحمن الرحيم. ارجع إلى سورة الحمد آية (٣) للبيان. ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾: أيْ: إذا أردت أن تسأل عن خلق السّموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، والاستواء على العرش، فلا تسأل إلا الله (الرحمن) لأنّه وحده هو يعلم كيف خلق السّموات والأرض، ولم يُطلع على ذلك أحداً سبحانه، كقوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٥١]. أو إذا كان يهمك معرفة خلق السّموات والأرض وما بينهما والاستواء على العرش، فاسأل به خبيراً، أيْ: من هو خبير بذاته عالم بقدرته وعظمته، أيْ: لا يعلم الله إلا الله ، وقد تعود على رسول الله ﷺ أو تعود على أولي العلم أو تعود على علماء الكون والفضاء، أو أيِّ خبير، كلٌّ في اختصاصه، سواء كانت علوم الدِّين أو علوم الدّنيا. سورة الفرقان [٢٥: ٦٠] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية شرطية بمعنى حين أو حين تقول لهم. ﴿قِيلَ لَهُمُ﴾: قيل، من هو القائل؟ مبني للمجهول قد يكون رسول الله ﷺ ، أو غيره من المؤمنين. لهم: لكفار قريش أو غيرهم من الّذين لا يؤمنون بالله سبحانه.

стр. 3539

﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾: وحده، أيْ: لا تشركوا به شيئاً والسجود يعني: الطاعة والخضوع ويعني: الصّلاة والشكر. ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾: ما: استفهامية، فهم يستفهمون عن حقيقته؛ لأنَّهم لم يكونوا يعرفون له هذا الاسم. فهم إما حقيقة لا يعرفون من هو الرحمن. أو أنهم كانوا ينكرون أن يكون لله اسمٌ هو الرحمن. أو قالوا مستكبرين: وما الرحمن؟! ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري واستبعاد والمخاطب هو رسول الله ﷺ . ﴿لِمَا﴾: ما اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية. ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾: أيْ: من أنت حتى تأمرنا أن نسجد للرحمن أو كيف يأتي الأمر منك. ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾: النفور هو الابتعاد عن الشّيء بكُره؛ أيْ: زادهم الأمر بالسجود بُعداً واستنكاراً وإعراضاً عن السجود، وعن الإيمان، وعن رسول الله ﷺ ، والقرآن. سورة الفرقان [٢٥: ٦١] ﴿تَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا﴾: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة الملك. ﴿جَعَلَ فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾: ارجع إلى سورة الحجر آية (١٦) وسورة البروج آية (١) للبيان. ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾: الشّمس. ارجع إلى سورة يونس آية (٥) للبيان المفصل.

стр. 3540

﴿وَقَمَرًا مُّنِيرًا﴾: كوكباً منيراً بالليل يُضيء بواسطة الأشعة المنعكسة على سطحه من أشعة الشّمس، فهو غير مضيء بذاته كما هو الحال في الشّمس والنجوم. ارجع إلى سورة يونس آية (٥) للبيان. والبروج والشّمس والقمر آيات من آيات الله الدالة على عظمته وقدرته تعالى، وأنه الإله الحق واجب الوجود الّذي يجب أن يطاع ويُعبد. سورة الفرقان [٢٥: ٦٢] ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾: ﴿وَهُوَ الَّذِى﴾: هو تفيد التوكيد والحصر. الذي: اسم موصول يفيد المدح والتعظيم. ﴿جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾: بعد أن خلقهما جعلهما خلفة يخلف أحدهما الآخر، أيْ: يتعاقبان يعقب الليل النهار ويعقب النهار الليل. وهذا يشير إلى كروية الأرض ودورانها حول محورها وحول الشّمس. ارجع إلى سورة يونس آية (٦٧) لمزيد من البيان. ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين. ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾: فمن أراد أن يتذكر ويشكر في الليل كان له ذلك، ومن أراد أن يتذكر ويشكر في النهار كان له ذلك. ويذكر: يدخل في معناه الصّلاة والعبادات الأخرى والذكر العادي التسبيح والتكبير والتهليل. يذّكر: فيها مبالغة في التذكر، ويعني: تذكر قلبي عميق يهز النفس ويوقظها من سباتها، وتذكر باللسان. ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾: شكوراً صيغة مبالغة من الشكر أيْ: كثير الشكر، وليس مرة واحدة كما هو الحال في شكر أو يشكر. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لمزيد في معنى الشكر.
следующие страницы →