← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

آية الأنعام لم تكن في سياق الدعوة والتبليغ، وإنما جاءت في سياق تعداد النعم على الرّسل. ما: كثيراً ما تنفي الحال والاستمرار والاستقبال وفيها توكيد مقارنة بـ لا: تنفي كلّ الأزمنة فهي مطلقة. سورة الفرقان [٢٥: ٥٨] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَىِّ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ المناسبة: بعد ذكر موقف الّذين لا يرجون لقاء الله تعالى والمكذبين بالبعث والحساب والطلب من رسوله الإبلاغ والإنذار من دون أيِّ أجر يأمره بأن يتوكل عليه في الأمور كلها، فيقول تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَىِّ الَّذِى لَا يَمُوتُ﴾: التوكل يعني: تفويض الأمر لله تعالى أيْ: ردُّه إليه راجياً عونه وتيسيره وتوفيقه بعد اتخاذ الأسباب المطلوبة شرعاً وعقلاً، فهو سبحانه الكافي لمن توكل عليه والموكول إليه تدبير كلّ شيء. على: تفيد العلو. الحي الّذي لا يموت: الحي واجب الوجود الباقي الدائم من أزل الأزل إلى أبد الأبد. والأزل هو دوام الوجود في الماضي. والأبد هو دوام الوجود في المستقبل. وكما قال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾: التسبيح هو تنزيه الله سبحانه عما لا يليق بذاته وأفعاله وصفاته وأسمائه. ارجع إلى سورة الحديد آية (١) لمزيد من البيان، وسورة الإسراء آية (١).

стр. 3537

فسبحانه هو الكامل في ذاته وأفعاله وصفاته وأسمائه. بحمده: الباء: للإلصاق والتوكيد، أيْ: بالثناء عليه وشكره. أيْ: تسبيح مصاحب للحمد والحمد أعم من الشكر. كأن تقول: سبحانه الله والحمد لله أو سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾: الباء: للتوكيد والإلصاق؛ أيْ: لا يحتاج أن يخبره أحدٌ عن ذنوب عباده الآخرين، وهو سبحانه غني أيضاً عن أن يخبره أحدٌ من عباده بما يفعله الآخرون؛ لأنّه سبحانه يعلم بواطن الأمور وخفاياها، ويعلم ظواهرها ولا تخفى عليه خافية أيْ: سبحانه لا يحتاج أن يخبركم عن ذنوب عباده، ولا يحتاج منكم أن تخبروه عن ذنوب عباده؛ لأنّه خبير بها. سورة الفرقان [٢٥: ٥٩] ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾: ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التعظيم، أي: الله ربكم الذي: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: في ستة أيام. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٣٠)، وسورة الأعراف آية (٥٤)، وسورة البقرة آية (٢٢، ٢٩) للبيان، وسورة فصلت آية (١٠ - ١٢). ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: حيث اختلط الغلاف الغازي للأرض بمكونات السّماء، ولذلك لم يَصِرْ هذا الغلاف الغازي من الأرض بالكامل، وليس من السّماء بالكامل وظل طبقة فاصلة بين السّماء والأرض. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ثم تفيد التباين بالمرتبة بين الاستواء على

стр. 3538

العرش وخلق السّموات والأرض، فالاستواء على العرش أكبر وأعظم من خلق السّموات والأرض. استوى على العرش ارجع إلى الآية (٣) من سورة يونس، وسورة هود آية (٧) للبيان. ﴿الرَّحْمَنُ﴾: من الرّحمة الّتي هي السمة والصفة العامة الّتي تمثل كثيراً من صفاته أو ينطوي فيها كثير من صفاته؛ لأنّه سبحانه كله رحمة، وشريعته رحمة، ونعمه رحمة، وقرآنه رحمة، وكل ما يفعله سبحانه رحمة، وعمّت رحمته العالمين. فهو الرحمن الرحيم. ارجع إلى سورة الحمد آية (٣) للبيان. ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾: أيْ: إذا أردت أن تسأل عن خلق السّموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، والاستواء على العرش، فلا تسأل إلا الله (الرحمن) لأنّه وحده هو يعلم كيف خلق السّموات والأرض، ولم يُطلع على ذلك أحداً سبحانه، كقوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٥١]. أو إذا كان يهمك معرفة خلق السّموات والأرض وما بينهما والاستواء على العرش، فاسأل به خبيراً، أيْ: من هو خبير بذاته عالم بقدرته وعظمته، أيْ: لا يعلم الله إلا الله ، وقد تعود على رسول الله ﷺ أو تعود على أولي العلم أو تعود على علماء الكون والفضاء، أو أيِّ خبير، كلٌّ في اختصاصه، سواء كانت علوم الدِّين أو علوم الدّنيا. سورة الفرقان [٢٥: ٦٠] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية شرطية بمعنى حين أو حين تقول لهم. ﴿قِيلَ لَهُمُ﴾: قيل، من هو القائل؟ مبني للمجهول قد يكون رسول الله ﷺ ، أو غيره من المؤمنين. لهم: لكفار قريش أو غيرهم من الّذين لا يؤمنون بالله سبحانه.

стр. 3539

﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾: وحده، أيْ: لا تشركوا به شيئاً والسجود يعني: الطاعة والخضوع ويعني: الصّلاة والشكر. ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾: ما: استفهامية، فهم يستفهمون عن حقيقته؛ لأنَّهم لم يكونوا يعرفون له هذا الاسم. فهم إما حقيقة لا يعرفون من هو الرحمن. أو أنهم كانوا ينكرون أن يكون لله اسمٌ هو الرحمن. أو قالوا مستكبرين: وما الرحمن؟! ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري واستبعاد والمخاطب هو رسول الله ﷺ . ﴿لِمَا﴾: ما اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية. ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾: أيْ: من أنت حتى تأمرنا أن نسجد للرحمن أو كيف يأتي الأمر منك. ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾: النفور هو الابتعاد عن الشّيء بكُره؛ أيْ: زادهم الأمر بالسجود بُعداً واستنكاراً وإعراضاً عن السجود، وعن الإيمان، وعن رسول الله ﷺ ، والقرآن. سورة الفرقان [٢٥: ٦١] ﴿تَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا﴾: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة الملك. ﴿جَعَلَ فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾: ارجع إلى سورة الحجر آية (١٦) وسورة البروج آية (١) للبيان. ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾: الشّمس. ارجع إلى سورة يونس آية (٥) للبيان المفصل.

стр. 3540

﴿وَقَمَرًا مُّنِيرًا﴾: كوكباً منيراً بالليل يُضيء بواسطة الأشعة المنعكسة على سطحه من أشعة الشّمس، فهو غير مضيء بذاته كما هو الحال في الشّمس والنجوم. ارجع إلى سورة يونس آية (٥) للبيان. والبروج والشّمس والقمر آيات من آيات الله الدالة على عظمته وقدرته تعالى، وأنه الإله الحق واجب الوجود الّذي يجب أن يطاع ويُعبد. سورة الفرقان [٢٥: ٦٢] ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾: ﴿وَهُوَ الَّذِى﴾: هو تفيد التوكيد والحصر. الذي: اسم موصول يفيد المدح والتعظيم. ﴿جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾: بعد أن خلقهما جعلهما خلفة يخلف أحدهما الآخر، أيْ: يتعاقبان يعقب الليل النهار ويعقب النهار الليل. وهذا يشير إلى كروية الأرض ودورانها حول محورها وحول الشّمس. ارجع إلى سورة يونس آية (٦٧) لمزيد من البيان. ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين. ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾: فمن أراد أن يتذكر ويشكر في الليل كان له ذلك، ومن أراد أن يتذكر ويشكر في النهار كان له ذلك. ويذكر: يدخل في معناه الصّلاة والعبادات الأخرى والذكر العادي التسبيح والتكبير والتهليل. يذّكر: فيها مبالغة في التذكر، ويعني: تذكر قلبي عميق يهز النفس ويوقظها من سباتها، وتذكر باللسان. ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾: شكوراً صيغة مبالغة من الشكر أيْ: كثير الشكر، وليس مرة واحدة كما هو الحال في شكر أو يشكر. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لمزيد في معنى الشكر.

стр. 3541

سورة الفرقان [٢٥: ٦٣] ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾: بعد أن بيَّن الله سبحانه حال المشركين وإعراضهم عن السجود وإنكارهم للسجود للرحمن، ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم يذكر بالمقابل صفات عباد الرحمن الّذين اختاروا طاعة الله وعبوديته بأنفسهم فنالوا درجة الشرف بأن أطلق عليهم سبحانه أنهم عباد الرحمن ووصفهم بـ (١٢) صفة. ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾: عباد: جمع عابد، وعبيد: جمع عبد، إضافة الرحمن إلى العباد للتشريف والتكريم، وهؤلاء أعلى درجة من غيرهم من العباد أمثال عبادي، عبيد. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٨٦) لمعرفة الفرق بين عباد، عبادي، عبيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول فيه معنى المدح والتشريف وتكرار الّذين سبع مرات لتدل على أنهم ليسوا صنفاً واحداً أيْ: عباد الرحمن منهم من يمتاز بهذه الصفة أو تلك الصفة، ولا يعني أنهم يملكون الصفات كلها. ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾: يمشون برفق ولِينٍ، أيْ: تواضع لله وسكينة من دون تكبُّر ولا تجبُّر ولا تضعُّف، وليس يعني خنوعاً وذلاً. انتبه إلى الفرق بين كلمتي الهُون: الذل والعار، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧]، بينما الهون: هو الوقار والتواضع والتؤدة. وهناك فرق بين المشي على الأرض والسير: المشي: هو مجرد الحركة بهدف أو غير هدف، والمشي يكون ولو خطوة واحدة.

стр. 3542

السير: يكون إلى جهة معينة وهدف محدد بغرض الدراسة أو التجارة أو العبرة أو الهجرة، ويكون لمسافات أطول. ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾: وإذا: ظرفية زمانية تعني: حتمية الحدوث. خاطبهم الجاهلون: جمع جاهل، والجاهل: ناقص العلم والمعرفة، والجهل في الاصطلاح: اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، أو يعني: عدم المعرفة والاعتقاد بما لا يتفق مع الحقيقة، والجهل المركب كما قال علي: لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، وليس أرض خصبة للعلم والتعلم والاعتبار والنظر. قالوا سلاماً: سلام المتاركة لا سلام الأمان أو التحية، أو تعني قولاً يسلمون فيه من الإثم بالقول السيِّئ مثل سبِّ وشتم الجاهل. سلاماً: لا يصدر منهم إلا الكلام الطيب. ويعفون ويصفحون ولا يقولون إلا خيراً. أيْ: يدفع بالتي هي أحسن يقابل السيئة بالحسنة. سورة الفرقان [٢٥: ٦٤] ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة. ﴿يَبِيتُونَ﴾: من البيتوتة: تعني بالليل والبيتوتة لا يشترط فيها كلّ الليل، وقد يكون جزءاً من الليل وسواء نام أو لم ينم، وجاءت بصيغة المضارع لتدل على التجدد والتكرار والاستمرار. والبيتوتة هنا لا تعني النوم والاستراحة، وإنما تعني القيام لرب العالمين والتبتل إليه تبتيلاً. ﴿لِرَبِّهِمْ﴾: اللام لام الاختصاص والاستحقاق. ﴿سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾: أيْ: يصلون لربهم فمنهم القائم على قدميه ومنهم الساجد على وجهه. سجداً: السجود الظاهري بخشوع أو بدون خشوع. وفي

стр. 3543

هذه الآية تعريض بأولئك الذين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] السابقة؛ أي: إذا فريق منهم أعرضوا عن السجود للرحمن فهناك فريق آخر أو عباد يبيتون لربهم سجداً وقياماً. وقدَّم السجود على القيام: للمبالغة في كثرة السجود، أو لأن العبد يكون أقرب إلى الله سبحانه في حالة السجود. يعني: إحياء جزء من الليل بالصلاة والذكر والدعاء. سورة الفرقان [٢٥: ٦٥] ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح وتكرار الّذين يفيد التوكيد. ﴿يَقُولُونَ﴾: أيْ: يدعون ربهم بشكل متكرر ومستمر، يقولون بصيغة المضارع لتدل على التجدُّد والتكرار، وليس مرة واحدة وانتهى الأمر. ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا﴾: يدعون ربنا اصرف عنا: أيْ: أبعد عنا أو جنِّبنا. ﴿عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾: النّار. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: كان ملازماً دائماً لا ينفك أو يخفف أو يُوقف مستمراً، وغراماً مشتقة من الغرام والحب والعشق، أيْ: كمن لا يفارق محبوبته أو من الغريم الّذي يلازم المدين ليأخذ منه دَيْنَه، والغرام في اللغة يعني: أشد العذاب، أيْ: أنَّ عذابها أشد العذاب. سورة الفرقان [٢٥: ٦٦] ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: ﴿إِنَّهَا﴾: للتوكيد. ﴿سَاءَتْ﴾: من أفعال الذم؛ أيْ: قبُحت. أو بئس المستقر والمقام، سواء أكان دائماً أم مؤقتاً.

стр. 3544

﴿مُسْتَقَرًّا﴾: هو المكان المؤقت غير الدائم لغير الخالدين في جهنم لمن يطهرون من ذنوبهم، ثم يخرجون منها. ﴿وَمُقَامًا﴾: المقام الدائم للخالدين في جهنم أبداً، أي: المستقر الدائم. أو المستقر: بمعنى المكان للراحة والاستراحة. المكان المؤقت. ومقاماً: بمعنى المكان للإقامة الدائمة. سورة الفرقان [٢٥: ٦٧] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: تكرارها يفيد المدح والتوكيد. ﴿إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾: الإسراف هو الإنفاق في حِلٍّ، أيْ: ما ينبغي ومجاوزة الحدِّ في الإنفاق. والتبذير هو الإسراف في غير حِلٍّ، أو ما لا ينبغي (في المعاصي)، أو الإسراف مجاوزة الحد في النفقة. ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾: التقتير هو التضييق في النفقة إما لتقصير عما لا بد مه، أو منع حق الله. والأفضل التوسط في الإنفاق. ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾: القوام الوسط. الاعتدال. وسطاً بين الإسراف والتقتير والقوام ما يقوم به الشّيء، والحياة تقوم على الاعتدال: أي: الوسطية. انتبه إلى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ولم يقل: وكانوا بين ذلك؛ لأن كان تعود على الإنفاق (أيْ: كان إنفاقهم) بين ذلك بين الإسراف والتقتير.

стр. 3545

سورة الفرقان [٢٥: ٦٨] ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: تكرارها يفيد المدح والتوكيد. ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: أيْ: لا يشركون بالله شيئاً الشرك الخفي، ولا يقصد به الشرك العادي، وإلا كيف يدعوهم عباد الرحمن مهما كان، أيْ: هم من الموحِّدين المخلصين. ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: أيْ: لا يقتلون عمداً النفس الّتي حرم الله إلا: أداة حصر. بالحق: بالقصاص، أيْ: بالقسط والعدل، وبما فرض الله من القصاص من القاتل عمداً أو قتل المرتد عن دينه بعد أن يُستتاب، ويمر بكل المراحل المطلوبة. ارجع إلى كتب الفقه للشروط والأحكام. ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾: لأن الزنى فاحشة وساء سبيلاً، وليبقى المجتمع المؤمن على طهر، وخال من الأمراض المُعدية أو السارية، وتكرار لا: تفيد توكيد النفي، ويدعون، ويقتلون، ويزنون: جاءت بنون التوكيد لزيادة التوكيد، ولكن الملاحظ عدم تكرار الذين، ولم يقل والذين لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق والذين لا يزنون (حذف الذين) كي يجعل الثلاثة خصال كأنها خصلة واحدة،

стр. 3546

ولوحظ اقتران آيات قتل النفس التي حرم الله مع آيات الزنى في سورة الفرقان والإسراء والممتحنة، قد يكون الاقتران إشارة إلى أن الزنى قد ينتج عن الحمل؛ فتلجأ المرأة إلى محاولة الاجهاض؛ لقتل الجنين وتغطية جريمة الزنى أو حتى بعد الولادة أحياناً. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: من: للعاقل (تشمل المفرد أو المثنى أو الجمع)، وشرطية، يفعل ذلك: الشرك أو القتل أو الزنى واحداً من الثلاثة. ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾: أيْ: عقاباً أو يلقى جزاء آثامه، وقد وضح ذلك بقوله: يضاعف له العذاب ويخلد فيه مهاناً. سورة الفرقان [٢٥: ٦٩] ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: قيل: ضعفين أو أضعافاً مضاعفة لا يعلمها إلا الله. ﴿وَيَخْلُدْ﴾: من الخلود هو الاستمرار والبقاء في العذاب يبدأ من زمن دخوله فيها إلى ما لا نهاية. ﴿فِيهِ مُهَانًا﴾: ذليلاً مستحقراً. مهاناً: اسم مفعول من فعل أهان. سورة الفرقان [٢٥: ٧٠] ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿مَنْ تَابَ﴾: من الشرك والقتل والزنى، والتوبة تعني: عدم العودة إلى

стр. 3547

الذّنب والندم على فعله وإرجاع الحقوق إلى أصحابها والإكثار من العمل الصّالح والنوافل. ﴿وَآمَنَ﴾: بما أنزل الله تعالى وما أمر به الرّسول ونهى عنه ومصدقاً باليوم الآخر، وآمن بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر. ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾: الفروض والنوافل والباقيات الصالحات مقابل ما فرَّط به. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد، أولئك: اسم إشارة. ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾: وهذا من أعظم كرمه وجوده ورحمته وإحسانه الّذي لا يتصوره العقل. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: كان تشمل كلّ الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل. ﴿غَفُورًا﴾: صيغة مبالغة كثير المغفرة وهي الستر وترك العقوبة والإثابة على الحسنات، ولو كثرت ذنوب العبد أو عظمت فإنه يغفر الذنوب جميعاً إلا الكفر والشرك. ﴿رَحِيمًا﴾: بعدم تعجيل العقوبة لهم أو العذاب. رحيماً بالمؤمنين في الدّنيا والآخرة. رحمته صفة ثابتة لذاته سورة الفرقان [٢٥: ٧١] ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾: شرطية ابتدائية، أيْ: من تاب من غير هؤلاء المذنبين تاب من دون ارتكاب إثم.

стр. 3548

﴿تَابَ﴾: توبة إنابة (من دون ارتكاب ذنب أو إثم). ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: أيْ: أكثر من الأعمال الصّالحة والنوافل والذكر وقراءة القرآن، والإنفاق في سبيل الله وصلة الرحم وغيرها من الأعمال الصّالحة. ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾: متاباً: مبالغة في التّوبة، أيْ: يتوب إلى الله توبة نصوحاً أو يرجع إلى الله مرجعاً مرضياً أو مرجع صدق، أيْ: يكرمه بدخول الجنة. سورة الفرقان [٢٥: ٧٢] ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: تكرارها يفيد المدح والتوكيد.

стр. 3549

﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾: الزور في الأصل تحسين الباطل، والزور الميل عن الصدق والحق، لا يشهدون بالكذب والباطل، أيْ: شهادة الزور. ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾: اللغو كلّ كلام لا فائدة فيه. ارجع إلى الآية (٤) من سورة المؤمنون. ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾: جمع كريم من فعل كرم معرضين عن مجالسة أهل اللغو مبتعدين عنه، ولم يخوصوا فيه أو يستمعوا إليه. مكرِمين أنفسهم بالغنى عن الاستماع إلى اللغو والخوض فيه. سورة الفرقان [٢٥: ٧٣] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: تكرار الّذين يفيد المدح والتوكيد. ﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: تُليت أو قُرئت عليهم آيات ربهم، أي: القرآن الكريم أو تلَوْها بأنفسهم. استمعوا إليها بآذان واعية يفهمون ما يُتلى عليهم وما هو واجبهم، وكيف يطبِّقونها في حياتهم اليومية. ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾: الخرُّ هو الكبُّ والسقوط من دون تفكير وفَهم. انتبه: النّفي هنا ليس للخرور، وإنما للصمم والعمى، أيْ: لا يحاولون التولي والإعراض وعدم الإصغاء إليها، بل يقبلون عليها ويكبون عليها بسمعهم وأبصارهم وأفئدتهم حرصاً على سماعها بآذان مُصغية وعيون راعية وأفئدة واعية. سورة الفرقان [٢٥: ٧٤] ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: تكرارها يفيد المدح والتعظيم، هذه المرة الثامنة الّتي يتكرر فيها كلمة الذين. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾: ارجع إلى الآية (٣٩) من سورة إبراهيم لمعرفة معنى هب. الهبة: عطية تفضل وتكرم من الله تعالى وليست عطية استحقاق. ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾: من: ابتدائية. الأزواج جمع زوج والزوج يطلق على الذكر والأنثى، أيْ: زوجات أو أزواج. فالدعاء بدأ بالأزواج، ثم الذرية؛ لأن الذرية لا تأتي إلا بعد الزواج.

стр. 3550

والدعاء جاء بصيغة الدعاء الجماعي، وليس بصيغة الدعاء الفردي لم يقل: رب هب لي؛ لأنّه أفضل وأكثر استجابة. ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾: قرة لها معنيين: ١ - السكينة والثبات. ٢ - السرور. مشتقة من القُرِّ: شدة البرودة. والعين الباردة تدل على السرور والعين الساخنة تدل على الحزن والألم (البكاء) والقرُّ يعني: السكون والثبات والهدوء. أعين: جمع عين الّتي نبصر بها، وعيون جمع عين، وتعني: عيون الماء وعيون الجنة، أعين تعني هنا أعين خاصة، ولا تشمل كلّ الأعين؛ لأنّها فقط أعين المتقين. أيْ: هب لنا زوجات صالحات وأولاداً ذوي خلق وأدب ودين. ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: هنا أفرد ولم يجمع، ولم يقل: أئمة لأنّهم في حكم الإمام الواحد. لأنهم يتبعون منهجاً واحداً هو المنهج الرباني الّذي من المفروض أن لا تتحكم فيه الأهواء الفردية والبدع. فالإمام يمثل الأئمة والأئمة تمثل الإمام. وإماماً: تعني: قدوة صحيحة في الخير والعلم والدِّين. وإمام مشتقة من أم أيْ: قصد، أيْ: نقتدي بالمتقين ويقتدي المتقون بنا.

стр. 3551

سورة الفرقان [٢٥: ٧٥] ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، وتشير إلى عباد الرحمن الّذين تقدَّمت صفاتهم وإلى علو منزلتهم. ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾: يجزون من الجزاء والجزاء يعني: الأجر على العمل. الغرفة: قيل: الجنة، والغرفة اسم جنس وتعني: كلّ بناء مرتفع عال ولا تعني غرفة واحدة، بل غرفاً كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الزمر: ٢٠]، والغرفات تعني: القصور أو المنازل العالية في الجنة. ﴿بِمَا﴾: الباء البدلية أو السببية، ما: اسم موصول بمعنى الّذي وأوسع شمولاً من الذي، أو مصدرية. ﴿صَبَرُوا﴾: بدل صبرهم والصبر أنواع. ارجع إلى الآية (٢٠٠) من سورة آل عمران. والآية (١٢٧) من سورة النحل لبيان مفصل في معنى الصبر. ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾: فيها تعود على الغرف. ﴿تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾: من الله سبحانه، ومن الملائكة، ومن بعضهم بعضاً. تحية وسلاماً: سلاماً: جاء نكرة ليشمل كلّ أنواع السّلام، سلام تحية كالقول السّلام عليكم، وسلاماً من الآفات والأمراض، وكل مكروه وسلام الأمن والاستقرار.

стр. 3552

سورة الفرقان [٢٥: ٧٦] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: ﴿خَالِدِينَ﴾: من الخلود والخلود هو استمرار البقاء من وقت معين (هو دخولهم تلك الغرف). ﴿فِيهَا﴾: تعود على الغرف. ﴿حَسُنَتْ﴾: من أفعال المدح، حسنت في نعيمها ومنظرها وطعامها وشرابها ولبسها وفرشها. ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: المستقر: المكان المؤقت للراحة. والمقام: المكان الدائم للإقامة الدائمة والاستقرار بلا انقطاع، أيْ: لكلا الأمرين. سورة الفرقان [٢٥: ٧٧] ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّى لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾: ﴿قُلْ﴾: يا محمّد للكافرين والمؤمنين الخطاب عام. ﴿مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّى﴾: ما: لها عدة احتمالات قد تكون نافية أو استفهامية. ١ - ما النافية: يعبأ بكم ربي: لا يبالي بكم أو لا يهتم بكم لولا دعاؤكم. ٢ - وما قد تكون استفهامية: للتهويل، تهويل الدعاء والعبادة. ﴿لَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود، وجود الدعاء. ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾: عبادتكم أو دعاؤكم في الشدائد والمحن، لولا أنكم تتضرعون إليه وتدعونه أو تعبدونه ما عَبِئَ بكم، ولكنه سبحانه يعبأ بعبادتكم وبدعائكم. ولو لم يكن يعبأ بكم لما خلقكم وأرسل إليكم رسله وكتبه وملائكته،

стр. 3553

وهو يعبأ بكم لمصلحتكم ولأجلكم وليس لمصلحته ولذاته؛ لأن عبادتكم لا تزيد ولا تنقص في ملكه شيئاً. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد، قد: للتحقيق. ﴿كَذَّبْتُمْ﴾: الخطاب قد يكون للذين كفروا من أهل مكة الّذين كذبوا رسول الله ﷺ ، وغيرهم من الكفار الّذين كذبوا بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر أو قد يكون للمؤمنين، وكذبتم تعني: لم تعبدوا الله كما أمركم وتخلصوا له، أو تعني أشركتم في عبادتكم ومجيء الإنذار بصيغة المخاطب يدل على الشدة في الإنذار والوعيد. ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء للتوكيد، سوف للاستقبال البعيد والتراخي يعني: يوم القيامة. ﴿يَكُونُ لِزَامًا﴾: أيْ: يكون العذاب لزاماً عليكم، أو ثابتاً حقاً لكم لا يفارقكم، أو واقع بكم لا محالةَ، ولن ينجوَ منكم أحدٌ.

стр. 3554

سورة الشعراء [٢٦: ١] سورة الشعراء سورة الشّعراء [الآيات ١ - ١٩] ترتيبها في القرآن (٢٦)، وترتيبها في النزول (٤٧). ﴿طسم﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ٢] ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾: اسم إشارة واللام للبعد، تشير إلى الآيات في هذه السّورة أو الآيات الّتي وردت في السّور الّتي نزلت قبل هذه السّورة أو آيات القرآن بشكل عام والآية لها بداية ولها نهاية، وتتكون منها سور القرآن، ولا ننسى أيضاً أنّ كلمة آيات قد تعني أيضاً الآيات الكونية أو المعجزات الّتي تثبت صدق نبوة الرّسل. ﴿الْكِتَابِ﴾: أي: القرآن وسُمِّي كتاباً؛ لأنّه مكتوب في السّطور، ويُسمَّى قرآناً؛ لأنّه يقرأ. والكتاب يعني: الجمع والضم الجمع الحسي للحروف والكلمات في السطور والقراءة أو التلاوة الجمع الصوتي لحروف وكلمات القرآن في الصدور والقراءة والكتابة ضرورية لحفظ كلام الله من التحريف والتبديل على مر العصور. ارجع إلى الآية (٢) من سورة البقرة لمزيد من البيان.

стр. 3555

﴿الْمُبِينِ﴾: الواضح، لكلّ فرد أنّه من عند الله والمبين لكلّ شيء يحتاجه هذا الإنسان في الأرض من الهداية والوقاية للوصول إلى الغاية من خلقه وخلافته. سورة الشعراء [٢٦: ٣] ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: ﴿لَعَلَّكَ﴾: لعلَّ للتعليل، والكاف للخطاب والمخاطب هو رسول الله ﷺ . ﴿بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾: اسم فاعل قاتل أو مهلك نفسك من شدة الحرص على إيمانهم وتلهقاً على نجاتهم؛ باخع أصل هذه الكلمة من البخاع، وهو وريد دم قريب من عظام الفقرات في الرّقبة، وباخع: اسم فاعل بخع: أي ذبح؛ أيْ: أنت حريص على إيمانهم وقاتل نفسك كمن يذبح نفسه حتّى يصل الذبح إلى البخاع، أيْ: إلى فقرات عظام الرقبة وكما قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦]. ﴿أَلَّا﴾ أن ولا: أن مصدرية تعليلية، ولا النّافية. ﴿يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: أيْ: لعدم إيمانهم وتصديقهم برسالتك، أيْ: لا تكلف نفسك فوق طاقتها فإنما عليك البلاغ. سورة الشعراء [٢٦: ٤] ﴿إِنْ نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال أو الشّك. ﴿نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾: نشأ: من المشيئة هي ابتداء العزم على الفعل. والمشيئة مُلزمة ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ أي: واجبة؛ أي: واقعة، ولا تتغير، وتختلف عن الإرادة؛ ارجع إلى سورة الحج آية (١٤) لمزيد من البيان. آية من السماء مثل صاعقة أو صيحة أو نار أو ريح مدمرة ترغمهم على الإيمان

стр. 3556

بالقسر والإكراه، وإذا تأملنا الآية نجد الفعلين (نشأ، ننزل) بصيغة المضارع، بينما (فظلت) بصيغة الماضي؛ أي: كيف عطف الماضي على المضارع عطف مغاير يدل على أن الآية قد نزلت وخضعت لها أعناق المشركين، وفي هذا تهويل وتهديد لكي يرجعوا إلى رشدهم. ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ خاضعين: جمع خاضع (اسم فاعل) من الفعل خضع من الخضوع وهو اللين والانقياد ويكون في البدن؛ أي: يظهر على البدن، فليس المهم هو خضوع العنق، بل خضوع صاحب العنق (أيْ: قلبه) وخص الأعناق بدلاً من الذوات والأنفس لأن من تلوي عنقه تقطع عنه الهواء، فيختنق ويموت بأقل من عدة دقائق (٣ - ٥ دقائق) وفي هذا تهديد شديد لكل عاصٍ، ويدل على عظمة وقدرة الخالق العزيز الجبار. وأصل الكلام فظلت أعناقهم لها خاضعة، وقال تعالى خاضعين؛ أي: وصف الأعناق بالخضوع الذي هو صفة العقلاء فهو يريد الأعناق أن تخضع ومن ورائها أصحاب الأعناق أن يخضعوا. والمعنى: أنت لا تستطيع أن تكره النّاس أو تجبرهم وربك يستطيع، ولكنه سبحانه لا يفعل ذلك فهو ترك لهم أن يختاروا لعل قلوبهم وأعناقهم تخضع باليقين والإرادة والمحبة وكما قال تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]. سورة الشعراء [٢٦: ٥] ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما النّافية. ﴿يَأْتِيهِم مِنْ ذِكْرٍ﴾: من ابتدائية، ذكر أي علم كالآية التي تذكرهم بما ينفعهم أو يضرهم.

стр. 3557

﴿مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾: من ابتدائية، محدث ولم يقل جديد؛ المحدث: لم يكن معروفاً من قبل، أو إيجاد شيئاً لم يكن، والجديد: فيه معنى الاستمرار للقديم؛ أي: حدث له تغير أو تجديد بأمر أو نهي أو تكليف. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، عنه: تعود إلى الذكر. ﴿كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ معرضين: جمع معرض اسم فاعل من أعرض: أي: ابتعد عن ولم يتقبل ذلك أو يبالي به أو يهتم به، معرضين: جملة اسمية تدل على الثّبوت، أي: الإعراض صفة أو سمة ثابتة لهم مستمرة وقديمة. ولنقارن ما جاء في هذه الآية مع ما جاء في الآية (٢) من سورة الأنبياء، وهي قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. ففي سورة الشّعراء قال: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ ولم يقل: من ربهم كما في سورة الأنبياء؛ لأن المخاطب في سورة الأنبياء كفار مكة الّذين إذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن قالوا: وما الرحمن فجاء ليذكرهم بأن الرحمن رغم كونه الرحمن فلا تغرنَّكم رحمته، فإنه قادر على يقهر أعناقكم فتظلوا له خاضعين، وأيضاً آية الأنبياء سبقها قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ فيها تهديد ووعيد، فناسبها ذكر (من ربهم)؛ لأنه سبحانه رب العالمين، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٣]، وآية الشعراء سبقها قوله تعالى: ﴿إِنْ نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾ ولم يشأ سبحانه؛ لأنه (الرحمن). سورة الشعراء [٢٦: ٦] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: فقد: الفاء للتوكيد وقد للتحقيق والتوكيد أيضاً.

стр. 3558

﴿كَذَّبُوا﴾: بآيات ربهم والرّسول وبما أنزل إليهم من ربهم. ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾: الفاء للتوكيد، سيأتيهم: السّين للاستقبال القريب، فسيأتيهم وهم في الدّنيا. ﴿أَنبَاؤُا﴾: جمع نبأ وهو الخبر العظيم المهم. ﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الّذي، وما أوسع شمولاً من الذي. ﴿كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ سيعلمون عن قريب عاقبة تكذيبهم واستهزائهم بالله وآياته، أيْ: بالقرآن ورسوله وعبر عن الاستهزاء بصيغة المضارع الّذي يدل على التّجدد والتّكرار واستمرار استهزائهم. بينما في الآية السابقة (٥) ﴿كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ معرضين: يدل على استمرار ورسوخ إعراضهم وأنه أمر قديم. وإذا قارنا هذه الآية (٦) من سورة الشّعراء: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ مع الآية (٥) من سورة الأنعام: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾، سوف: أبعد في الاستقبال من السّين أيْ: تدل على التّراخي في الزّمن سوف يأتيهم العذاب في الآخرة، والسّين للاستقبال القريب سوف يأتيهم العقاب أو العذاب في الدّنيا، إذن هم مروا بثلاث مراحل مرحلة الإعراض، ثمّ التّكذيب، ثمّ الاستهزاء. وسيأتيهم عاقبة تكذيبهم (قريباً أيْ: في الدّنيا) وسوف يأتيهم وعاقبة استهزائهم في الآخرة أيْ: في الدّنيا والآخرة في كلاهما. سورة الشعراء [٢٦: ٧] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾: ﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام التّقريري، والواو في كلمة أولم تدل على شدة

стр. 3559

إعراضهم وإنكارهم، ولم يقل: ألم يروا أيْ: هم يرون ما تنبت الأرض من كلّ الأزواج والثّمرات والزّرع، ومع ذلك ينكرون قدرة الخالق ووحدانيته. أولم يروا تدل على شيء مرئي ورغم ذلك ينكرونه. ﴿يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ﴾: رؤية بصرية أو عقلية فكرية وقلبية يروا إلى الأرض. يروا تعود على المكذبين بالآيات وما أنزل إليهم من ربهم وبرسوله وغيرهم من الناس ومنهم العلماء. ﴿كَمْ﴾: خبرية تفيد الكثير. ﴿أَنبَتْنَا فِيهَا﴾: بصيغة الجمع أيْ: للتّعظيم. ولكونهم يشاركون في عملية الإنبات الإخراج، وتشمل عملية الحرث والبذر والسقاية وغيرها، والنبات يضم الزرع والشجر؛ أي: ماله ساق أو غير ساق. ﴿مِنْ﴾: استغراقية. ﴿كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾: الزّوج الصّنف والزّوج يعني: الذّكر والأنثى. وقد أحصى العلماء (٣٩١، ٠٠٠) سلالة نباتية. كريم: البالغ في الجودة وكثير النّفع وفيه البركة، أيْ: أصروا واستمروا في إعراضهم وتكذيبهم، ولم ينظروا إلى عجائب نباتات الأرض الدّاعية للإيمان والوحدانية. وفي الآية إشارة إلى أن الله سبحانه خلق كل شيء في زوجين ليبقى متفرداً بالوحدانية وحده. وإذا قارنا هذه الآية (من كل زوج كريم) مع الآية (٥) من سورة الحج، وهي قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾؛ أي: الحسن والبهجة؛ الحُسن: أي يدخل البهجة والسرور على النفوس لما فيه من الزينة

стр. 3560

كالزهور وألوان النباتات؛ ارجع إلى سورة الحج آية (٥)، وآية (٦٣)، وسورة فصلت آية (٣٩)، والأنعام آية (٩٩) للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ٨] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إنّ للتوكيد، في آية الإنبات ﴿أَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، ذلك: اسم إشارة واللام للبعد. ﴿لَآيَةً﴾: اللام لام التّوكيد، آية: لكفار مكة دلالة واضحة أو آية كونية تدل على قدرة الله وعظمة الخالق ووحدانيته، ومع ذلك لم يعتبروا أو يتعظوا أو يؤمنوا. ﴿وَمَا كَانَ﴾: الواو حالية تفيد التّوكيد، (توكيد النّفي بما). كان: تشمل كل الأزمنة الماضي والحاضر والمستقبل. ﴿أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾: استمروا في كفرهم وتكذيبهم، وهناك القليل من آمن منهم. سورة الشعراء [٢٦: ٩] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾: إنّ للتوكيد، ربك: الخالق والمدبر والمربي. ﴿لَهُوَ﴾: اللام للتوكيد، هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد والحصر. ﴿الْعَزِيزُ﴾: أي: القوي الّذي يَقهر ولا يُقهر ويَغلب ولا يُغلب والممتنع له العزة جميعاً، القادر على قهر وجبر خلقه على ما أراده، ولكنه لم يفعل؛ لأنّه هو الرحيم.

стр. 3561

﴿الرَّحِيمُ﴾: يؤخِّر عنهم العذاب لعلهم يتوبون، ولا يعذبهم وأنت فيهم ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٢) لمزيد من البيان. ثمّ يذكرُ الله سبحانه لرسوله ما حدث للرسل الّذين سبقوه، مثل موسى وإبراهيم ونوح وعاد وثمود ولوط وشعيب. سورة الشعراء [٢٦: ١٠] ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾: إذ ظرف زماني، أيْ: واذكر يا محمّد حين نادى ربك موسى، ناداه سبحانه من جانب الطّور الأيمن في البقعة المباركة. ارجع إلى سورة القصص الآية (٢٩ ـ ٣٠). ﴿أَنِ﴾: مصدرية تفيد التّعليل. ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: ائتِ: من الإتيان: وهو المجيء إلى القوم الظّالمين: المشركين والظّالمين لأنفسهم والظّالمين لغيرهم، الّذين أصبح الظّلم صفة ثابتة لهم .. قوم فرعون. سورة الشعراء [٢٦: ١١] ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمعرفة من هو فرعون الأب أم الابن. ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح وتنبيه وحضٍّ واستفهام، فيها معنى الإنكار والعجب في إفراطهم في الظّلم والكفر.

стр. 3562

﴿يَتَّقُونَ﴾: يطيعون أوامر الله ويجتنبوا نواهيه، ويجتنبوا سخطه وغضبه وناره. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٣٢) وهي قوله تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ﴾: نجد أن فرعون هو المبعوث إليه أولاً وملئه أو قومه هم تبع له؛ ارجع إلى سورة المؤمنون آية (٢٤)، وآية (٣٣) لبيان معنى الملأ. سورة الشعراء [٢٦: ١٢] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى أَخَافُ﴾: قال موسى: رب إنّي للتوكيد، أخاف: من الخوف وهو غمٌّ في النفس ناتج عن توقُّع الضّرر المشكوك في وقوعه، الخوف الّذي سببه تكذيب قوم فرعون الّذي يؤدِّي إلى ضيق في الصّدر وعدم انطلاق اللسان، كما سنرى في الآية القادمة. ﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل. ﴿يُكَذِّبُونِ﴾: لا يصدِّقون أيَّ شيء مما أقوله لهم وأصلها أن يكذبونني: حذفت منها النّون والياء لتدل على سرعة تكذيبهم له أيْ: مجرد إخبارهم سيكذبونه وحذف الياء؛ لأنّ هناك من النّاس سيصدِّقونه ويؤمنون به مثل السّحرة وغيرهم، فلن يكذبه الكلّ، ولو يكذبه الكلّ لقال: يكذبوني. سورة الشعراء [٢٦: ١٣] ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى﴾: قُرئت بالضّم وقُرئت بالفتح، ويضيق صدري بتكذيبهم إياي، والضّيق همٌّ وغمٌّ عارض يصيب الإنسان لأسباب مختلفة. ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِى﴾: بسبب الخوف والضّيق، وفي سورة طه آية (٢٧) بين أن هناك عقدة من لسانه، وسئل الله سبحانه فقال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِّسَانِى

стр. 3563

يَفْقَهُوا قَوْلِى﴾، وأحياناً الخوف والضيق قد يؤدِّي إلى إفراز بعض الهرمونات مثل أبينفرين ونور أبينفرين الّتي تؤدِّي بالتّالي إلى عدم القدرة على التّفكير والحيرة والتوتر وارتفاع الضغط مع العلم أن موسى ﵇ كان عنده عقدة في لسانه كما بين ذلك في سورة طه الآية (٢٧ - ٢٨): ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِّسَانِى يَفْقَهُوا قَوْلِى﴾. ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾: الفاء للتوكيد والمباشرة، أرسل جبريل إلى أخي هارون يبلغه ليكون لي ردءاً يصدقني سورة القصص الآية (٣٤) أيْ: معيناً أو وزيراً فهو أفصح مني لساناً إنّي أخاف أن يكذِّبون، وفي سورة طه آية (٢٩) قال موسى ﵇: ﴿وَاجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى﴾، فكيف نجمع بين الآيتين؟ أي: أرسل إلى هارون أخي ليكون وزيراً لي أشدد به أزري وأشركه في أمري. سورة الشعراء [٢٦: ١٤] ﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾: ﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنبٌ﴾: اللام لام الاختصاص، هم تعود إلى قوم فرعون. عليَّ: تفيد العلو والمشقة، ذنب: جرم عظيم نكرة للتهويل، لم يبيِّن ما هو الذّنب في هذه الآية، وقد بيَّنه في سورة القصص الآية (٣٣)، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾، فقد قتل موسى رجلاً حين كان بمصر قبل ذهابه إلى مدين. ارجع إلى سورة القصص آية (١٥) للبيان. ﴿فَأَخَافُ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب. ﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾: بالقصاص مني .. أن مصدرية تفيد التّعليل. ويقتلون ولم يقل: أن يقتلونني؛ لأن القتل قد يعني العذاب بالسجن وغيره من أنواع العذاب، وقد يصل إلى حدِّ القتل.

стр. 3564

سورة الشعراء [٢٦: ١٥] ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾: ﴿قَالَ كَلَّا﴾: كلمة ردع وزجر، أي: اطمئن ولا تخف أن يقتلوك أو يضيق صدرك أو لا ينطلق لسانك. ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، اذهبا أنت وأخوك بآياتنا (العصا واليد) إلى فرعون وملئه. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾: إنا معكم: للتعظيم بالرّعاية والحماية والعون والنّصر معكم مستمعون: لما يقول فرعون وملئه، ولما تقولانه، وما يقال لكم. مستمعون: جمع تعظيم من فعل استمع وتنزَّه سمعه عن سمع البشر. سورة الشعراء [٢٦: ١٦] ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾: فرعون: ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمعرفة من هو فرعون. ادخلا عليه بصيغة المثنى من الإتيان: المجيء بسهولة. ﴿فَقُولَا﴾: بصيغة المثنى. ﴿إِنَّا رَسُولُ﴾: بصيغة المفرد ولم يقل: إنا رسولا ربك بالتّثنية كما ورد في سورة طه الآية (٤٧) وهي قوله: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾؛ لأن كلمة رسول في اللغة يمكن تأتي للمفرد والمثنى والجمع ومصدر حسب ما يقتضيه السياق، ولأنّ رسالة موسى وهارون رسالة واحدة، وكان موسى ﵇ رسولاً نبياً، أمّا هارون فكان نبياً فكلّ رسول نبي وليس كلّ نبي رسول، أمّا من حيث الاصطفاء فالكلّ اختارهم الله سبحانه، والكلّ أرسلوا إلى أقوامهم بأمر من الله سبحانه ولمعرفة الفرق بين الرّسول والنّبي. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٤).

стр. 3565

سورة الشعراء [٢٦: ١٧] ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: ﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل. ﴿أَرْسِلْ مَعَنَا﴾: أيْ: أنا وأخي هارون. والمخاطب هو فرعون، أرسل معنا: أيْ: خلِّ سبيل بني إسرائيل. ﴿بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: دعهم يخرجون إلى الأرض المقدسة، قيل: هذه كانت مهمة موسى الأساسية هي إنقاذ بني إسرائيل من العبودية وتحريرهم من فرعون والهجرة بهم إلى الأرض المقدسة، أمّا هداية فرعون وقومه ودعوته إلى التّوحيد فهي مهمة ثانية. ولنعلم أن هناك من بني إسرائيل من ترك مصر سابقاً وهاجر إلى فلسطين وبقي الكثير منهم. سورة الشعراء [٢٦: ١٨] ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾: ﴿قَالَ أَلَمْ﴾: قال فرعون: ألم: استفهامية استفهام تقريري تدل على شيء غير مرئي وتنكره. وقوله ألم نربك فينا: تدل على أن فرعون هذا هو ابن فرعون (رمسيس الثاني)؛ أي: هو منفتاح (فرعون الخروج) كما تدل الأدلة أو قد يكون القائل الأب رمسيس الثاني وابنه حاضر. ﴿نُرَبِّكَ فِينَا﴾: من التّربية بعد أن التقطه آل فرعون ونشأ وتربَّى في بيت فرعون. ﴿وَلِيدًا﴾: صبياً صغيراً، الوليد: المرحلة بعد الولادة. ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾: عشت معنا وأقمت معنا سنين من عمرك (١٨)

стр. 3566

سنة كما قال ابن عبّاس أو غير ذلك، وقيل: كان موسى يُدعى ابن فرعون لجهل النّاس. سورة الشعراء [٢٦: ١٩] ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾: أيْ: قتلت ذلك القبطي ففرعون الابن أصبح عالماً بما فعله موسى قبل خروجه إلى مدين. ﴿الَّتِى فَعَلْتَ﴾: للتوكيد، فَعْلَتك وجاء بها بصيغة التّعظيم والتّهويل بفتح الفاء، ولم يقل: فِعلتك بكسر الفاء الّتي تدل المرة الواحدة، ومن دون تهويل. ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: أي: الجاحدين المنكرين (الكفر في اللغة هو السّتر) لنعمتنا عليك بالتّربية أو الكافرين بألوهية فرعون أو من الكافرين بقتلك القبطي؛ لأنّه ما كان يحل لك قتله فأصبحت من الكافرين.

стр. 3567

سورة الشّعراء الآيات [٢٠ - ٣٩] سورة الشعراء [٢٦: ٢٠] ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: ﴿قَالَ﴾: موسى لفرعون. ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: فعلتها إذاً؛ إذاً: حرف جزاء وجواب، والأصل في الجملة إذا فعلتها أنا من الضالين، والسؤال: لماذا تأخرت إذاً عن الفعل (فعلتها)؟ لكي تدل على سرعة الإقرار بما فعل، وقوة توكله على الله سبحانه، وعدم خوفه من فرعون وأنه أخطأ، ولم يقل: فعلتها وأنا من الكافرين، نفى موسى عن نفسه الكفر بكلّ أنواعه. الضّالين: عن الصواب، أو المخطئين: أيْ: قتل بغير تعمُّد. النّاسين فالضلال هنا يعني النسيان والجاهلين: (من الجهل بعواقب الأمور)، أيْ: لم أظن أنّ الوكز سيقتله، وألبس نفسه صفة الضّلال وليس الضّلال في الدّين وإنما الخطأ وعدم الحذر. وموسى ﵇ قتل القبطي قبل النبوة، وربما كان لا يدري جزاء عقوبة القتل. سورة الشعراء [٢٦: ٢١] ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾: الفرار هو: الهرب المصحوب بالخوف والذّعر، ومن دون اللجوء إلى التستر كالفرار من أرض المعركة، أما الهروب: فقد يسبقه تفكير وتخطيط ومحاولة التستر كالهروب من السّجن. ﴿لَمَّا﴾ ظرفية زمانية بمعنى حين.

стр. 3568

﴿خِفْتُكُمْ﴾: من الخوف، خفت على نفسي من القتل بعد أن قتلت القبطي خطأً. ﴿فَوَهَبَ لِى رَبِّى﴾: الفاء للتوكيد والمباشرة، فوهب أو الهبة عطاء تفضل من الله سبحانه، وليس عطاء استحقاق، وليس خاضعاً لقانون أو أسباب حتّى ولو توافرت الأسباب في ذاتها قد تكون هبة مالاً أو غير مال، وتشمل النّبوة والعلم والولد وغيرها … ﴿حُكْمًا﴾: النّبوة أو العلم والفقه في الدّين وأحكام التّوراة. ﴿وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: من أنبيائه المرسلين. جمع مرسل، أيْ: من الأنبياء والرّسل. سورة الشعراء [٢٦: ٢٢] ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ﴾: تلك: اسم إشارة واللام للبعد تشير إلى النّعمة الّتي ربيتني وليداً، وذكر بعض المفسرين أنّ هناك همزة استفهام محذوفة تفيد الإقرار والإنكار، وتقديرها: أتلك نعمة تمنها علي بالتربية وأنت قد استعبدت بني إسرائيل قومي وذبحت أبناءَهم واستحييت نساءَهم. ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: أنْ مصدرية تفيد التّعليل، عبدت بني إسرائيل: اتخذتم عبيداً فأيُّ نعمة تلك أو أتلك نعمة. سورة الشعراء [٢٦: ٢٣] ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: يسأل فرعون موسى بعد أن قال موسى وهارون إنا رسول رب العالمين. ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: ما: ولم يقل ومن رب العالمين، ما: تستعمل لغير

стр. 3569

العاقل، وتستعمل لصفات العقلاء، وتأتي للاستفهام الحقيقي، والتفخيم والتعظيم الّذي قلت: إنّك رسوله، ما حقيقته. سورة الشعراء [٢٦: ٢٤] ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: قال موسى: خالق ومالك وحاكم السّموات والأرض وما بينهما. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٥٩) للبيان. ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾: تفيد الشّك أو الاحتمال. ﴿مُوقِنِينَ﴾: جمع موقن، واليقين: هو العلم بالحق أي: العلم الثابت الّذي لا يتغيَّر أيْ: ليس هناك غيره، أيْ: إن كنتم ترجون الهداية وتعلمون الحق فعليكم أن تؤمنوا بربِّ (أيْ: بخالق) السّموات والأرض وما بينهما وتعبدوه وتوحِّدوه. سورة الشعراء [٢٦: ٢٥] ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾: قال فرعون لمن حوله: ألا أداة حضٍّ وحثٍّ جاءت بمعنى الاستنكار والتعجُّب، أيْ: ألا تعجبون من قول موسى أن هناك رباً هو رب السّموات الأرض وما بينهما، فسارع موسى إلى شرح وبيان من رب السّموات والأرض وما بينهما. وأُريد بهذا الاستفهام المنفي بـ (ألا) إثارة نفوسهم أيضاً، ونفي الاستماع لما قاله موسى ﵇ رغم أنهم سمعوه؛ أي: لا تستمعوا إليه. سورة الشعراء [٢٦: ٢٦] ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾: قال موسى: ربكم ورب آبائكم الأولين: أي: خالقكم وخالق آبائكم

стр. 3570

الأولين أو ربكم ورب آبائكم الأولين، رب الأمم والأقوام الخالية الّتي جاءت قبلكم، وهذا تخصيص أو ذكر الخاص بعد ذكر العام (عطف الخاص على العام) العام رب السّموات والأرض وما بينهما، والخاص ربكم ورب آبائكم الأولين. سورة الشعراء [٢٦: ٢٧] ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾: لم يعد عند فرعون حُجَّة يجادل بها موسى وشَعَر بأنّه خسر الجدال أو استاء من موسى فاتَّهم موسى بالجنون. ﴿قَالَ﴾: فرعون لمن حوله. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿رَسُولَكُمُ الَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾: يبدو أنّ فرعون أخطأ بهذه اللفظة أو أنطقه الله بالحق، فقال: رسولكم، أي: اعترف فرعون بموسى بكونه رسولاً. أو قال ذلك سخرية من موسى بأنه رسول مجنون. ﴿لَمَجْنُونٌ﴾: اللام لام التّوكيد، مجنون: مخبول، فقد عقله. أيْ: لا يعلم أو يدرك ما يقوله. سورة الشعراء [٢٦: ٢٨] ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ﴿قَالَ﴾: قال موسى محاولاً للمرة الثالثة أن يهدي فرعون أو يصف له من هو رب العالمين. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: رب المشرق والمغرب أيْ: خالق المشرق والمغرب، وهذا يدل على كروية الأرض، ويأتي بالشّمس من المشرق

стр. 3571

ويجعلها تغيب، ولكل بقعة على الأرض لها مشرق ولها مغرب، وفي سورة الرحمن آية (١٧) قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾. وفي سورة المعارج آية (٤٠) قال تعالى: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾. ارجع إلى سورة الرحمن للبيان. ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: جاء بها رداً على قول فرعون إنّه لمجنون، أيْ: أنا لست مجنوناً. إن: شرطية تفيد الاحتمال أو الشّك. ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: من عقل الشّيء عرفه بدليله وفهمه بأسبابه ونتائجه: أيْ: لو فكرتم لأدركتم الحقيقة أن لله سبحانه هو الإله الحق واجب الوجود الّذي يستحق، ويجب أن يُعبد ويطاع وليس فرعونَ. سورة الشعراء [٢٦: ٢٩] ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾: لم يعد فرعون قادراً على تحدِّي موسى بأي قول أو حُجَّة فلجأ إلى التهديد واستعمال القوة بالقهر والتّعذيب، فهدَّد موسى بالسّجن والعذاب، فقال فرعون: ﴿لَئِنِ﴾: اللام لام التّوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال. ﴿اتَّخَذْتَ﴾: يا موسى إلهاً غيري أيْ: عبدت أو دعوت إلهاً غيري. ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ﴾: اللام لام التّأكيد، والنّون في أجعلنك لزيادة التّوكيد. ﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾: من ابتدائية، المسجونين: جمع سجين أيْ: تلقى في السّجن، والسّجن: هو الحبس.

стр. 3572

سورة الشعراء [٢٦: ٣٠] ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُبِينٍ﴾: ﴿قَالَ﴾: موسى لفرعون. ﴿أَوَلَوْ﴾: الهمزة همزة استفهام وتعجب، لو شرطية، والواو للتوكيد. ﴿جِئْتُكَ﴾: أيْ: أتسجنني أو تلقي بي في السّجن إذا جئتك. ﴿بِشَىْءٍ مُبِينٍ﴾: أيْ: دليل أو آية أو حُجَّة أو برهان على صدق دعواي أنّي رسول من رب العالمين والباء للإلصاق، والشّيء هو أقل القليل وشيء هنا نكرة للتهويل. والشّيء كل ما يُعلم ويخبر عنه سواء كان حسياً أو معنوياً. بشيء مبين: واضح لكلّ فرد، ولا يحتاج إلى من يبينه أو يوضِّحه فهو بيِّن بذاته على صدق ما أقول .. سورة الشعراء [٢٦: ٣١] ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: استجاب فرعون لطلب موسى بإرادة الله تعالى ليقيم عليه الحُجَّة فقد كان باستطاعة فرعون الرّفض وإلقاء القبض على موسى وإلقائه في السّجن مباشرة وانتهت القصة. ﴿فَأْتِ بِهِ﴾: أحضره. قال فرعون لموسى: أحضر ذلك الشّيء. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: إن شرطية تفيد الشّك أيْ: إنّك قادر على ذلك، من الصّادقين: أيْ: أظنك من الكاذبين أو أشك أنّك صادق. سورة الشعراء [٢٦: ٣٢] ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾: الفاء للتعقيب، ألقى طرح عصاه على الأرض.

стр. 3573

﴿فَإِذَا﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، إذا الفجائية. ﴿هِىَ﴾: للتوكيد. ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: الثّعبان هو ذكر الحيات، حية عظيمة ضخمة مخيفة، مبين: ظاهر للعيان، وليس من نوع السّحر وملامحه وشكله لا تدعو إلى الشّك أنّه ثعبان مُرعب، وجاء ذكر الثعبان مرتين في القرآن وكلاهما أمام فرعون، ولم يأتي ذكر جان مع فرعون أو ملئه ربما لأن حركات الحية وهي تهتز كالجان ليست مخيفة أو مثيرة كما هي الحال في الثعبان المبين، ولم يقل: كأنها جان (حية سريعة الحركة والخفاء)، ولا حية تسعى؛ ارجع إلى الآية (١٠٧) من سورة الأعراف لمزيد من البيان، ومعرفة الفرق بين الحية والثّعبان والجان؛ كان هذا الموقف قبل المجيء بالسحرة يوم الزينة وأمام فرعون، ولم يذكر الخوف أو يعقب كما في سورة طه آية (٢٠)، والقصص آية (٣١)، والنمل آية (١٠). سورة الشعراء [٢٦: ٣٣] ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾: أخرج يده بقوة وسرعة من جيبه فإذا هي بيضاء تشع من غير سوء، أيْ: أدخل يده في جيبه، ثمّ أخرجها ولم يُبن أنّه أدخلها؛ لأنّه مفهوم من السّياق فكيف يخرجها من دون إدخال. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء للمباشرة، إذا فجائية. ﴿بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾: أيْ: بيضاء من غير سوء ليس فيها مرضاً أو عيباً كالبرص وغيره من الأمراض الجلدية تبرق كالبرق لها شعاع كشعاع الشّمس.

стр. 3574

سورة الشعراء [٢٦: ٣٤] ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿قَالَ﴾: فرعون. ﴿لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾: الملأ هم أشراف القوم وسادتهم وممثلوهم والملأ مشتقة من كونهم يملؤون عيون النّاس أيْ: من كثرة رؤية النّاس لهم أصبحوا كأنّهم يملؤون عيون النّاس فسُمُّوا بالملأ. وفي الزّمن الحاضر هم ممثلو الشّعب ومن يختارهم الشّعب للبرلمان أو مجلس الشّعب. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (٢٤) لمعرفة الفرق بين الملأُ والملأِ. ﴿إِنَّ هَذَا﴾: إنّ للتوكيد، هذا الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب يشير إلى موسى. ﴿لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾: اللام للتوكيد، ساحر: اتُّهم موسى بالسّحر، وفي الآية (٢٧) بالمجنون، ساحر: أيْ: يأتي بالسّحر لأوّل مرة، عليم: صيغة مبالغة عليم في صنع السّحر أو علم السّحر، وفي سورة الأعراف آية (١٠٩) ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ولم يذكر اسم فرعون؛ لأن الملأ هم أتباع فرعون. وفي الآية (٣٧) من سورة الشّعراء قال: سحار عليم، سحار: صيغة مبالغة لساحر، أيْ: من أصبحت حرفته ومهنته السّحر يأتي بالسّحر بكل فنونه وفي كلّ مرة وأصبح يُعلم السّحر لغيره.

стр. 3575

سورة الشعراء [٢٦: ٣٥] ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾: قال فرعون مهيجاً الملأ حوله ومثيراً لهم ضد موسى ويتهم موسى أنّه يريد السّيطرة والاستيلاء على أرضهم وطرد أهلها منها بواسطة سحره. ﴿بِسِحْرِهِ﴾: الباء للإلصاق، باء السّببية أيْ: بسبب سحره، واتهموا موسى بالسحر؛ لأنه جاء بأمر خارق للعادة، أو قد أثر في أنفسهم، وفي سورة الأعراف آية (١١٠): ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ حذف كلمة سحره؛ لأن هذا كلام الملأ من قوم فرعون، وأما كلام فرعون فقد قال بسحره ليحرضهم ضد موسى، وقد قال فرعون في سورة طه آية (٥٧): ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾. ﴿فَمَاذَا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، ماذا استفهامية أشد استفهاماً من (ما). ﴿تَأْمُرُونَ﴾: فعله أو ماذا نفعل، وهل هذا إله الّذي لا يعرف ماذا يفعل، ويستثير النّاس ويسألهم ماذا تأمرون، ويخاف من ساحر أن يخرج قومه من أرضهم. سورة الشعراء [٢٦: ٣٦] ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾: أخِّر أمر موسى وهارون، من الإرجاء: وهو التّأخير، انتظر قليلاً. ﴿وَابْعَثْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾: من البعث هو الإرسال بتحريض وإثارة والبعث هو أشد من الإرسال، ابعث رسلك أو جنودك إلى المدن المختلفة، حاشرين: من الحشر هو السّوق والجمع، أيْ: يجمعوا ويسوقوا إليك كلّ ساحر، وفي سورة
следующие страницы →