← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

ويجعلها تغيب، ولكل بقعة على الأرض لها مشرق ولها مغرب، وفي سورة الرحمن آية (١٧) قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾. وفي سورة المعارج آية (٤٠) قال تعالى: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾. ارجع إلى سورة الرحمن للبيان. ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: جاء بها رداً على قول فرعون إنّه لمجنون، أيْ: أنا لست مجنوناً. إن: شرطية تفيد الاحتمال أو الشّك. ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: من عقل الشّيء عرفه بدليله وفهمه بأسبابه ونتائجه: أيْ: لو فكرتم لأدركتم الحقيقة أن لله سبحانه هو الإله الحق واجب الوجود الّذي يستحق، ويجب أن يُعبد ويطاع وليس فرعونَ. سورة الشعراء [٢٦: ٢٩] ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾: لم يعد فرعون قادراً على تحدِّي موسى بأي قول أو حُجَّة فلجأ إلى التهديد واستعمال القوة بالقهر والتّعذيب، فهدَّد موسى بالسّجن والعذاب، فقال فرعون: ﴿لَئِنِ﴾: اللام لام التّوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال. ﴿اتَّخَذْتَ﴾: يا موسى إلهاً غيري أيْ: عبدت أو دعوت إلهاً غيري. ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ﴾: اللام لام التّأكيد، والنّون في أجعلنك لزيادة التّوكيد. ﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾: من ابتدائية، المسجونين: جمع سجين أيْ: تلقى في السّجن، والسّجن: هو الحبس.

стр. 3572

سورة الشعراء [٢٦: ٣٠] ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُبِينٍ﴾: ﴿قَالَ﴾: موسى لفرعون. ﴿أَوَلَوْ﴾: الهمزة همزة استفهام وتعجب، لو شرطية، والواو للتوكيد. ﴿جِئْتُكَ﴾: أيْ: أتسجنني أو تلقي بي في السّجن إذا جئتك. ﴿بِشَىْءٍ مُبِينٍ﴾: أيْ: دليل أو آية أو حُجَّة أو برهان على صدق دعواي أنّي رسول من رب العالمين والباء للإلصاق، والشّيء هو أقل القليل وشيء هنا نكرة للتهويل. والشّيء كل ما يُعلم ويخبر عنه سواء كان حسياً أو معنوياً. بشيء مبين: واضح لكلّ فرد، ولا يحتاج إلى من يبينه أو يوضِّحه فهو بيِّن بذاته على صدق ما أقول .. سورة الشعراء [٢٦: ٣١] ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: استجاب فرعون لطلب موسى بإرادة الله تعالى ليقيم عليه الحُجَّة فقد كان باستطاعة فرعون الرّفض وإلقاء القبض على موسى وإلقائه في السّجن مباشرة وانتهت القصة. ﴿فَأْتِ بِهِ﴾: أحضره. قال فرعون لموسى: أحضر ذلك الشّيء. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: إن شرطية تفيد الشّك أيْ: إنّك قادر على ذلك، من الصّادقين: أيْ: أظنك من الكاذبين أو أشك أنّك صادق. سورة الشعراء [٢٦: ٣٢] ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾: الفاء للتعقيب، ألقى طرح عصاه على الأرض.

стр. 3573

﴿فَإِذَا﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، إذا الفجائية. ﴿هِىَ﴾: للتوكيد. ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: الثّعبان هو ذكر الحيات، حية عظيمة ضخمة مخيفة، مبين: ظاهر للعيان، وليس من نوع السّحر وملامحه وشكله لا تدعو إلى الشّك أنّه ثعبان مُرعب، وجاء ذكر الثعبان مرتين في القرآن وكلاهما أمام فرعون، ولم يأتي ذكر جان مع فرعون أو ملئه ربما لأن حركات الحية وهي تهتز كالجان ليست مخيفة أو مثيرة كما هي الحال في الثعبان المبين، ولم يقل: كأنها جان (حية سريعة الحركة والخفاء)، ولا حية تسعى؛ ارجع إلى الآية (١٠٧) من سورة الأعراف لمزيد من البيان، ومعرفة الفرق بين الحية والثّعبان والجان؛ كان هذا الموقف قبل المجيء بالسحرة يوم الزينة وأمام فرعون، ولم يذكر الخوف أو يعقب كما في سورة طه آية (٢٠)، والقصص آية (٣١)، والنمل آية (١٠). سورة الشعراء [٢٦: ٣٣] ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾: أخرج يده بقوة وسرعة من جيبه فإذا هي بيضاء تشع من غير سوء، أيْ: أدخل يده في جيبه، ثمّ أخرجها ولم يُبن أنّه أدخلها؛ لأنّه مفهوم من السّياق فكيف يخرجها من دون إدخال. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء للمباشرة، إذا فجائية. ﴿بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾: أيْ: بيضاء من غير سوء ليس فيها مرضاً أو عيباً كالبرص وغيره من الأمراض الجلدية تبرق كالبرق لها شعاع كشعاع الشّمس.

стр. 3574

سورة الشعراء [٢٦: ٣٤] ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿قَالَ﴾: فرعون. ﴿لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾: الملأ هم أشراف القوم وسادتهم وممثلوهم والملأ مشتقة من كونهم يملؤون عيون النّاس أيْ: من كثرة رؤية النّاس لهم أصبحوا كأنّهم يملؤون عيون النّاس فسُمُّوا بالملأ. وفي الزّمن الحاضر هم ممثلو الشّعب ومن يختارهم الشّعب للبرلمان أو مجلس الشّعب. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (٢٤) لمعرفة الفرق بين الملأُ والملأِ. ﴿إِنَّ هَذَا﴾: إنّ للتوكيد، هذا الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب يشير إلى موسى. ﴿لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾: اللام للتوكيد، ساحر: اتُّهم موسى بالسّحر، وفي الآية (٢٧) بالمجنون، ساحر: أيْ: يأتي بالسّحر لأوّل مرة، عليم: صيغة مبالغة عليم في صنع السّحر أو علم السّحر، وفي سورة الأعراف آية (١٠٩) ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ولم يذكر اسم فرعون؛ لأن الملأ هم أتباع فرعون. وفي الآية (٣٧) من سورة الشّعراء قال: سحار عليم، سحار: صيغة مبالغة لساحر، أيْ: من أصبحت حرفته ومهنته السّحر يأتي بالسّحر بكل فنونه وفي كلّ مرة وأصبح يُعلم السّحر لغيره.

стр. 3575

سورة الشعراء [٢٦: ٣٥] ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾: قال فرعون مهيجاً الملأ حوله ومثيراً لهم ضد موسى ويتهم موسى أنّه يريد السّيطرة والاستيلاء على أرضهم وطرد أهلها منها بواسطة سحره. ﴿بِسِحْرِهِ﴾: الباء للإلصاق، باء السّببية أيْ: بسبب سحره، واتهموا موسى بالسحر؛ لأنه جاء بأمر خارق للعادة، أو قد أثر في أنفسهم، وفي سورة الأعراف آية (١١٠): ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ حذف كلمة سحره؛ لأن هذا كلام الملأ من قوم فرعون، وأما كلام فرعون فقد قال بسحره ليحرضهم ضد موسى، وقد قال فرعون في سورة طه آية (٥٧): ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾. ﴿فَمَاذَا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، ماذا استفهامية أشد استفهاماً من (ما). ﴿تَأْمُرُونَ﴾: فعله أو ماذا نفعل، وهل هذا إله الّذي لا يعرف ماذا يفعل، ويستثير النّاس ويسألهم ماذا تأمرون، ويخاف من ساحر أن يخرج قومه من أرضهم. سورة الشعراء [٢٦: ٣٦] ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾: أخِّر أمر موسى وهارون، من الإرجاء: وهو التّأخير، انتظر قليلاً. ﴿وَابْعَثْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾: من البعث هو الإرسال بتحريض وإثارة والبعث هو أشد من الإرسال، ابعث رسلك أو جنودك إلى المدن المختلفة، حاشرين: من الحشر هو السّوق والجمع، أيْ: يجمعوا ويسوقوا إليك كلّ ساحر، وفي سورة

стр. 3576

الأعراف الآية (١١١) قالوا: أرسل في المدائن حاشرين، بدلاً من ابعث ولمعرفة الفرق بين البعث والإرسال. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة. وكيف نفسر ذلك: قسم من الملأ قالوا: ابعث. وقسم قالوا: أرسل. ولا تعارض بين الآيتين. سورة الشعراء [٢٦: ٣٧] ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ﴾: يأتوك: يُحضروا إليك، بكلّ: الباء للتوكيد، كلّ سحار: أيْ: لا يتركوا أحد من السّحار إلا أتو به، وسحار وليس ساحر، السّحار: الخبير بعلم السّحر والسّحر حرفته أو قادر على أن يُعلم السّحر لغيره، فهم يطلبون إحضار السّحار العظام لعلهم يُطمئِنوا قلب فرعون فهم يريدون له النّصر على موسى، وكلمة سحار تناسب كلمة ابعث، وأما أرسل جاءت في سياق الملأ من قوم فرعون، وناسبها ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٢]. سورة الشعراء [٢٦: ٣٨] ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ﴾: جيء بالسّحرة للاجتماع الموعود في يوم الموعود (المحدد) الّذي اختاره موسى وهو يوم الزّينة وفي وقت الضّحى، وفي مكان سوى يستطيع الوصول إليه كل النّاس. وورد ذلك في سورة طه الآية (٥٩): ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾. ﴿لِمِيقَاتِ﴾: الميقات يقصد به الزّمان والمكان، لميقات: اللام لام التّوقيت لدخول الزّمن أو لام الانتهاء. ومن المفسرين من قال اللام لام التعليل؛ أي:

стр. 3577

لأجل ذلك اليوم، والدلالة على عظمته، ولم يقل ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ كما ورد في سورة الواقعة آية (٥٠) إلى تدل عموم الغايات. سورة الشعراء [٢٦: ٣٩] ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾: ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ﴾: أيْ: أخذ فرعون وجنوده وملؤه يحثون النّاس ويدعوهم للحضور والاجتماع ومشاهدة عمل السّحرة، وما سيحدث لموسى، ولمن ستكون الغلبة. ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾: هل استفهام، أنتم: للتوكيد، مجتمعون: أيْ: يجب حضوركم جميعاً والالتقاء معاً. والاجتماع في المكان المحدد. مجتمعون: جمع مجتمع، ومجتمعون: تعني في مكان واحد أو تحت سقف واحد.

стр. 3578

سورة الشّعراء الآيات: [٤٠ - ٦٠] سورة الشعراء [٢٦: ٤٠] ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾: ﴿لَعَلَّنَا﴾: لعلَّ للتعليل أو لكي. ﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾: نتبع سحرة فرعون أيْ: ننظر كيف يتغلب سحرة فرعون على موسى أو نتبع السّحرة على طريقتهم أو ملتهم إن كانوا هم الغالبين ولا نتبع موسى وأخاه على ما جاؤوا به. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والشّك. ﴿كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾: هم للتوكيد، الغالبين: أيْ: كان النّاس يشكون في تغلب السّحرة على موسى أو غير واثقين بالسّحرة. سورة الشعراء [٢٦: ٤١] ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء تدل على التّعقيب والمباشرة، لما: ظرف زماني بمعنى حين متضمن معنى الشّرط. ﴿جَاءَ السَّحَرَةُ﴾: من دون تأخير لدعوة فرعون وملئه لهم. ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ﴾: قال السّحرة لفرعون قبل الشّروع في السّحر. ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾: الهمزة همزة استفهام، لنا لأجراً: اللام للتوكيد، أيْ: هم غير واثقين أنّ لهم أجراً. ﴿إِنْ كُنَّا﴾: شرطية تفيد الاحتمال أو الشّك.

стр. 3579

﴿نَحْنُ﴾: تفيد الحصر والتّوكيد. ﴿الْغَالِبِينَ﴾: يسألون فرعون: ألنا أجراً؛ لأنّهم كانوا لا يأخذون على السّحر أجراً أو كانوا يأخذوا شيئاً قليلاً، أيْ: أَئِنَّ لنا جائزة إن كنا نحن الغالبين. لا بُدَّ من مقارنة هذه الآية ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ وقولهم في الآية (١١٣) من سورة الأعراف: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾: إنّ لنا لأجراً في الأعراف فيها حتمية أيْ: (واثقين) حتماً إنّ لنا أجراً فهي غير استفهامية، أَئِنَّ لنا لأجراً في الشّعراء تدل على الشّك والظّن وهي استفهامية. قسم من السّحرة قال: أَئِنَّ لنا لأجراً وقسم آخر قال: إن لنا لأجراً .... سورة الشعراء [٢٦: ٤٢] ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾: ﴿قَالَ نَعَمْ﴾: قال فرعون: نعم لكم أجراً. ﴿وَإِنَّكُمْ﴾: تدل على التّوكيد. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء، أي: ما بعدها مشروط حصوله بحصول ما قبلها، أي: لكي تكونوا من المقربين يجب أن تغلبوا وتدل على قوة الوعد وتوكيده. ﴿لَمِنَ﴾: اللام للتوكيد، ولم يقل: إنّكم من المقربين، بل أكَّد لهم؛ مما يدل على حرص فرعون على التّغلب على موسى وقهره، وكأنه يقول: اغلبوه ولكم ما تريدون، ويريد أن يشجعهم ويغريهم لكي لا يدَّخروا وُسعاً في هذه المعركة مع موسى.

стр. 3580

سورة الشعراء [٢٦: ٤٣] ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُّلْقُونَ﴾: في سورة الأعراف الآية (١١٥) ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾. وفي سورة طه الآية (٦٥) ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾. وفي سورة الشّعراء الآية (٤٣) ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُّلْقُونَ﴾. من قراءة هذه الآيات معاً تبدو أنّ رغبة السّحرة في أن يلقي موسى عصاه أولاً وهم يريدون أن يلقوا بعد ذلك، وبعد أن بدت الحيرة والتردُّد بينهم، وحين سألوا موسى ألهمه الله سبحانه أن يقول لهم: ألقوا أنتم أولاً حتّى تلقفْ عصاه ما يؤفكون، وهذا ما حدث ألقوا أولاً، ثمّ ألقى موسى بعد ذلك. سورة الشعراء [٢٦: ٤٤] ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾: ﴿فَأَلْقَوْا﴾: الفاء تدل على المباشرة، ألقوا: طرحوا على الأرض. ﴿حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾: أدوات سحرهم حبال مطلية بالزّئبق أو العصي المحشوة بالزّئبق (داخلها الزّئبق) فحين تقع عليه أشعة الشّمس ترى الأعين الحبال والعصي أنها تتحرك وتملأ السّاحة. وعند إلقائها ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ الباء باء القسم أقسموا بعزة فرعون أي: قوته الّتي لا تُقهر ولا تُغلب، وهي عزة كاذبة باطلة عزة بالإثم وهي عزة تقهر وتغلب وكان ذلك ظنهم الخاطئ، ولربما أخذتهم العزةُ بالإثم، حين قالوا ذلك. ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾: إنا للتوكيد، واللام لزيادة التّوكيد، الغالبون: أيْ: على موسى. يحاولون بثَّ روح الشّجاعة في أنفسهم.

стр. 3581

سورة الشعراء [٢٦: ٤٥] ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾: ﴿فَأَلْقَى﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، والمباشرة، ألقى: طرح موسى عصاه الّتي كانت في يمينه، وكانت عصا ليست من جنس العُصي، قال في هذه الآية: فألقى عصاه، وفي طه قال: ألق ما في يمينك (ولم يذكر ما هي). ﴿فَإِذَا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، وإذا ظرف زماني للفجاءة. ﴿هِىَ تَلْقَفُ﴾: العصا تحوَّلت إلى حية حقيقة راحت تبتلع كل ما ألقاه سحرة فرعون وجاءت تلقفُ بالضّم الّتي تدل على اللقف كان يحدث آنذاك وتلقف تعني: تبتلع وتلتهم بسرعة وبقوة، وقد تأتي تلقفْ بالسّكون الّتي تدل على أن الأمر لم يقع بعد، وإنما سيقع في المستقبل. ﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الذي وهي أوسع شمولاً من الذي، أو مصدرية. ﴿يَأْفِكُونَ﴾: من الإفك وهو الكذب وقلب الحقائق والسّحر هو كذب وقلب للحقائق. ارجع إلى سورة طه آية (٥٨) لمزيد من البيان. سورة الشعراء [٢٦: ٤٦] ﴿فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾: أي: خرُّوا لله ساجدين حين رأوا ما جاء به موسى ليس سحراً، بل حقيقة وأنّهم على باطل، خرُّوا على وجوههم سجداً لله قبل أن يعلنوا إسلامهم وإيمانهم، وبعد أن خرُّوا أعلنوا إيمانهم. والأمر الطّبيعي أن يعلنوا إيمانهم أولاً، ثمّ يخروا سجداً لله وهم فعلوا العكس من شدة دهشتهم وتأثرهم بما حدث، حيث وصل نور الإيمان إلى قلوبهم قبل أن يصل إلى ألسنتهم.

стр. 3582

سورة الشعراء [٢٦: ٤٧] ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ارجع إلى الآية (١٢١) سورة الأعراف للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ٤٨] ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾: قدَّم موسى على هارون؛ لأنّهم قالوا سابقاً: آمنا برب العالمين ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ارجع إلى الآية (١٢٢) سورة الأعراف للمقارنة. سورة الشعراء [٢٦: ٤٩] ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: المناسبة: لما رأى فرعون تغلب موسى على السّحرة لجأ مرة أخرى إلى التّهديد والوعيد وإلى عزته الكاذبة الخاطئة. ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ﴾: أيْ: صدقتم بموسى واللام في له لام الاختصاص ويعني: الاتباع أي: اتبعتم موسى، بينما لو قال: آمنتم به، أيْ: إيمان اعتقاد، فالضمير يرجع إلى رب العالمين، وهناك من قال يرجع إلى موسى ﵇؛ لأن الإيمان بموسى ﵇ يعني إيمان بالله تعالى؛ أي: إيمان بالله. ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾: أن: تعني المستقبل وتفيد التّعليل، حيث كان يظن في نفسه أنّه هو الحاكم المطاع ولا أحد يستطيع أن يفعل أي شيء من دون إذنه. ﴿آذَنَ لَكُمْ﴾: أي: اسمح لكم. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾: إنّه للتوكيد، واللام في كلمة لكبيركم لزيادة التّوكيد، وكبيركم أي: موسى الّذي علمكم السّحر أي: فعلتم ذلك بالتواطؤ مع موسى مع العلم أنّ موسى ﵇ لم يجلس مع أو يرى ساحراً. ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة سوف ترون مباشرة ما سأفعل

стр. 3583

بكم، واللام في كلمة لسوف لزيادة التّوكيد، وسوف هنا لا تدل على التّرتيب والتّراخي، وإنما تفيد التّوكيد، أي: الأمر كائن لا محالة تفيد في زيادة التّهديد والوعيد، وتستعمل في سياق القتل والانتقام فهي تدل على الموت والهلاك. ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ﴾: اللام للتوكيد والنّون لزيادة التّوكيد في لأقطعن، أي: قطع اليد اليمنى والرّجل اليسرى أو قطع اليد اليسرى والرّجل اليمنى، وهذا من أشد وأسوأ فنون التّعذيب الّتي ابتدعها فرعون، والموتُ أفضل من ذلك. ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: واللام والنّون للتوكيد، الصّلب بعد القطع والتّعذيب، أجمعين: تفيد التّوكيد. ارجع إلى الآية (١٢٤) من سورة الأعراف لمعرفة الفرق بين هذه الآية وآية الأعراف: ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. سورة الشعراء [٢٦: ٥٠] ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: أي: السّحرة بعد أن سمعوا تهديد ووعيد فرعون لهم بالقطع والصّلب. ﴿لَا ضَيْرَ﴾: لا: النافية للجنس؛ أي: لا ضير علينا .. أو لا ضرر علينا، أو لا نبالي إن قتلتنا أو قطعتنا أو صلبتنا، ضير: مصدر لفعل ضاره أو أضر به الأمر. ﴿إِنَّا﴾: للتوكيد. ﴿إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾: منقلبون: من الانقلاب وهو الرّجوع، ولكن ليس إلى الحالة الّتي كانوا عليها من قبل، وإنما إلى مصير جديد مختلف فهم انقلبوا مؤمنين، وكانوا قبل مجيئهم كفرة، وقالوا: ﴿إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ في سورة الأعراف آية (١٢٥)، ولكن في الشعراء أضافوا لا ضير؛ لأن الوعيد والتهديد كان أشد في

стр. 3584

الشعراء فقالوا لا ضير، وفي سورة الزخرف آية (١٤) ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ هذا دعاء السفر. ارجع إلى سورة التّوبة آية (٩٥) لمعرفة الفرق بين الرجوع والانقلاب. سورة الشعراء [٢٦: ٥١] ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾: إنا للتوكيد، نطمع: الطمع: الأمل الّذي يمكن حصوله وربما بسهولة بينما الأمل يستعمل في الأمر المستبعد حصوله، وأمّا الرّجاء فهو بين الأمل والطّمع. الرّاجي يخاف أن لا يحصل مأموله. ﴿أَنْ﴾: مصدرية تعليلية. ﴿يَغْفِرَ لَنَا﴾: الغفر هو السّتر ومحو الذّنب والإثابة على العمل الصّالح. ﴿خَطَايَانَا﴾: ذنوبنا وسيئاتنا. ﴿أَنْ كُنَّا﴾: أن تعليلية. ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: أوّل المؤمنين من قومنا أو أوّل المؤمنين بموسى. سورة الشعراء [٢٦: ٥٢] ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾: من الوحي والوحي لغة: هو إعلام بخفاء، وشرعاً: إعلام من الله تعالى إلى رسول من رسله بمنهج أو خبر أو تكليف. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣) لمزيد من البيان. ﴿إِلَى مُوسَى أَنْ﴾: أن: مصدرية تعليلية. ﴿أَسْرِ بِعِبَادِى﴾: الإسراء هو السّير ليلاً، وتعني في المستقبل (فيها متسع من الوقت). مقارنة بقوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا﴾ أي: تعني في تلك الليلة المحددة. ارجع إلى سورة الدخان آية (٢٣) للبيان.

стр. 3585

عبادي: أي: الّذين آمنوا من بني إسرائيل وهناك فرق بين عبيد وعبادي وعباد. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٨٦) وسورة الفرقان آية (٦٣) للبيان. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: إنّكم للتوكيد، متبعون: أي: سيتبعكم فرعون وجنوده، قيل: كان خروجهم من مصر بعد (٤٣٠) سنة، وقيل: كان عددهم حوالي (٦٠٠، ٠٠٠) ستمئة ألف، كما قال السيوطي في الدر المنثور، وابن جرير، ولنعلم أن ليس كل بني إسرائيل خرجوا مع موسى فهناك من بقي مثل العاملين في قصور فرعون والخدم والحرس وغيرهم ممن أرادوا البقاء. سورة الشعراء [٢٦: ٥٣] ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾: ﴿فَأَرْسَلَ﴾: الفاء للمباشرة أي: حين علم فرعون بنية موسى للخروج، ببني إسرائيل من أرض مصر. أرسل ﴿فِرْعَوْنُ فِى الْمَدَائِنِ﴾: جمع مدينة وهي أعظم من القرية. ﴿حَاشِرِينَ﴾: أي: لا تتركوا بني إسرائيل يخرجوا من ديارهم أو يهاجروا، أو للحثِّ على التّطوع للتصدي لبني إسرائيل حين خروجهم ومنعهم من الخروج حيث كان عدد بني إسرائيل يزيد على (٦٠٠. ٠٠٠) فلا بُدَّ من حشر (جمع) أكبر عدد من الجنود لمقاومة المهاجرين. سورة الشعراء [٢٦: ٥٤] ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾: ﴿إِنَّ﴾ إنّ واللام في كلمة لشرذمة تفيدان التوكيد. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء للتنبيه أولاء، تعني: بني إسرائيل وتفيد التّحقير. ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾: شرذمة: عصابة أو طائفة، جماعة مشتقة من ثوب شراذم، أي: ثوب تقطع وبلي، عصابة بالية هالكة.

стр. 3586

ولو نظرنا إلى ترتيب الجماعات من القلة إلى الكثرة فهي كما يلي: نفر، رهط، شرذمة، قبيلة، عُصبة، طائفة، ثلة، فوج، فرقة، حزب، زمرة، جيل كما جاء في فقه اللغة للثعالبي. ﴿قَلِيلُونَ﴾: العدد مقارنة بعدد جنده، أو يريد أن يقلل من شأنهم ويقوي عزيمة جنده، ويبثَّ فيهم الشجاعة للتصدِّي لهم. سورة الشعراء [٢٦: ٥٥] : ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾: ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: إن واللام في لغائظون تفيدان التّوكيد. ﴿لَنَا﴾: اللام لام الاختصاص لنا خاصة. ﴿لَغَائِظُونَ﴾ جمع غائظ: اسم فاعل من غاظ، والغيظ: هو الغم أو الهيجان الّذي فيه غضب وحقد كامن في نفس العاجز عن الانتقام أو التّشفي. وقيل: هاجر عدد من بني إسرائيل إلى أرض فلسطين قبل خروج موسى من مصر، وكان هؤلاء مصدر إزعاج لفرعون وجنوده. غائظون: جملة اسمية تفيد الثّبوت، أيْ: غائظون لنا دائماً وباستمرار. ارجع إلى سورة التّوبة آية (١٥) لمزيد من البيان. سورة الشعراء [٢٦: ٥٦] ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾: ﴿وَإِنَّا﴾ إنا واللام في لجميع تفيدان التّوكيد. ﴿حَاذِرُونَ﴾: جمع حاذر: اسم فاعل من فعل حذر. في حالة استعداد للتصدي لهم إذا خرجوا من دون أمرنا أو حذرون من دون ألف، والحذر: التّيقظ والاستعداد، والتأهب، وقيل: حاذرون: أولي أو أصحاب أسلحة، وقيل: الحَاذر: المستعد والحذر: المتيقظ.

стр. 3587

سورة الشعراء [٢٦: ٥٧] ﴿فَأَخْرَجْنَاهُم مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: أيْ: لم ينفعهم حذرهم واستعدادهم. ﴿فَأَخْرَجْنَاهُم﴾: الفاء تدل على المباشرة، أخرجناهم: أيْ: فرعون وملأه وجنوده. ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾: بساتين وحدائق على جانبي النّيل. ﴿وَعُيُونٍ﴾: أنهار وينابيع الماء. سورة الشعراء [٢٦: ٥٨] ﴿وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: ﴿وَكُنُوزٍ﴾: جمع كنوز والكنز ما يدفن تحت الأرض أو التراب من ذهب أو فضة أو المال واللؤلؤ وغيرها. أيْ: كنوز الذّهب والفضة وغيرها الّتي يخفونها تحت الأرض. ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: المنازل والقصور الواسعة ورغد العيش والتّرف. سورة الشعراء [٢٦: ٥٩] ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: ﴿كَذَلِكَ﴾: أيْ: مثل ذلك. ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾: أيْ: مثل ما أورثنا آل فرعون، أورثنا بني إسرائيل جنات وعيون وكنوز ومقام كريم أيْ: من الخيرات، والأموال والعقار والمساكن، كيف أورثها الله سبحانه بني إسرائيل؟ هناك عدة تفسيرات هي: أولاً: من تبقى من بني إسرائيل في مصر (ليس كل بني إسرائيل خرجوا مع موسى) بعد خروج فرعون وملأه وجنوده للحاق بموسى وبني إسرائيل ورث من تبقى من بني إسرائيل فرعون وملئه وجنوده بعد أن أغرقوا. ثانياً: هناك من قال: إن بني إسرائيل عادوا إلى مصر في زمن سليمان

стр. 3588

وورثوا الديار والكنوز والمقام الكريم، وفي سورة الدخان آية (٢٨) قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾؛ أي: بني إسرائيل، ولكن حذف ذكر بني إسرائيل، وقال: قوماً آخرين؛ لأنه سبحانه ذكر بني إسرائيل في الآية (٣٠) من سورة الدخان فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. سورة الشعراء [٢٦: ٦٠] ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾: ﴿فَأَتْبَعُوهُم﴾: الفاء للمباشرة والتعقيب، أتبعوهم: أيْ: لحقوا بهم، أيْ: فأتبع فرعون وجنوده بني إسرائيل حين خرجوا من مصر. ﴿مُّشْرِقِينَ﴾: وقت شروق الشّمس، أيْ: حين طلعت.

стр. 3589

سورة الشّعراء الآيات [٦١ - ٨٣] سورة الشعراء [٢٦: ٦١] ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: ظرف زماني بمعنى حين متضمن معنى الشّرط. ﴿تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾: الجمعان: جمع بني إسرائيل وجمع فرعون رأى بعضهما بعضاً وهذا يدل على تقاربهما في المكان. ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى﴾: من بني إسرائيل. ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾: إنا واللام في لمدركون للتوكيد، مدركون: لأنّهم شعروا أنّ البحر من أمامهم وجنود فرعون من خلفهم، فلا منفذ ولا مهرب فأصابهم الذّعر والهلع. مدركون: جمع مُدرك من أدرك، أيْ: لحق به، وكان ذلك عند شروق الشّمس. سورة الشعراء [٢٦: ٦٢] ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾: ﴿قَالَ﴾: موسى. ﴿كَلَّا﴾: كلا لن يدركونا، ولن يلحقوا بنا. ﴿إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾: لماذا لم يقل إن معنا ربنا وقال: ﴿إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ خص نفسه بالمعية فقط دون غيره من بني إسرائيل؛ لأن نجاتهم وهم في هذه الحالة من الغرق ومن الهلاك على يدي فرعون وجنوده لا يتم أو يحصل إلا بمعجزة خارقة لا تقع إلا على يدي رسول، وإنه كليم الله تعالى؛ إنّ معي ربي

стр. 3590

بالرعاية والحفظ والهداية، أو لكونهم أتباعه فهو يمثلهم وهم يمثلوه؛ أي: هو منهم، وقد يكون حذف الياء من سيهدين؛ لأن الهداية لا تخص موسى وحده (أي: النجاة ومجاوزة البحر) بل تعني: وهو ومن معه من بني اسرائيل فهي شاملة، ولو قال سيهديني؛ أي: هداية خاصة به وحده؛ أي: ينجو هو وربما لا ينجو غيره. سيهدين: أيْ: يدلني على طريق النّجاة والسّين للاستقبال القريب قريباً حالاً سيهدين. سورة الشعراء [٢٦: ٦٣] ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾: ﴿فَأَوْحَيْنَا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، أيْ: أوحينا بسرعة إلى موسى بعد أن قال: إنّ معي ربي سيهدين، فأوحينا. ارجع إلى الآية (١٦٣) من سورة النّساء لبيان معنى أوحينا والوحي هو إعلام بخفاء أيْ: أمرناه. ﴿أَنِ﴾: تفسيرية أو مصدرية تفيد التّعليل. ﴿اضْرِب بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾: فضرب. فانفلق: انحصر الماء على الجانبين، أي: انشق البحر حتّى بدا قاع البحر يابساً، فكان كلّ فرق كل جزء كلّ جانب كالطّود: أي: الجبل العظيم؛ أي: الطود أعظم من الجبل، والطور: أقل من الجبل طولاً وارتفاعاً، وكأن الماء تجمَّد، ولم يبيِّن الله سبحانه إلى كم فلقة انفلق: ومن المفسرين من يقول: إنّه انفلق اثنتي عشرة فلقة بعدد الأسباط بحيث يعبر كلّ سبط من طريق للسرعة، وبعد عبورهم البحر ووصولهم إلى الجانب الآخر. أراد موسى ﵇ أن يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى طبيعته كي

стр. 3591

يسد الطّريق في وجه فرعون وجنوده، فنهاه الله سبحانه عن ذلك بقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ [الدّخان: ٢٤]، كي يحاول فرعون وجنوده العبور وعندها يُطبق البحر عليه وعلى جنوده. ارجع إلى سورة الدخان آية (٢٤) لبيان التفصيل. سورة الشعراء [٢٦: ٦٤] ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾: من الزّلف: وهو القربة يقال: أزلفه أيْ: قربه وأزلفنا: أيْ: قربنا. ثَم: بفتح الثاء وليس بضم الثاء (ثُم): ثَم اسم يشار به إلى المكان البعيد وتعني: هنالك في ذلك المكان، وأما ثُم: بضم الثاء فهي المستعملة دائماً وتشير إلى التّرتيب والتّراخي في الزّمن أو التباين في الصفات وغيرها … ﴿الْآخَرِينَ﴾: فرعون وجنوده؛ أي: وقرَّبنا فرعون وجنوده من موسى وقومه حتّى دخلوا على إثرهم مداخلهم في البحر ظانين أنّهم أصبحوا قاب قوسين من موسى وقومه. سورة الشعراء [٢٦: ٦٥] ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾: ﴿وَأَنجَيْنَا﴾: ولم يقل: ونجينا، أنجينا تعني بسرعة وبقدرة عظيمة لا يقدر عليها إلا الواحد القهار، ولم يدم طويلاً وقت النجاة، ولو قال: ونجينا: لكان يعني وقت النّجاة دام زمناً طويلاً. ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾: ومن: اسم موصول تعني الواحد أو الاثنين أو أكثر، ومن معه: تعني القلة مقارنة بالقول والذين معه التي تعني الكثرة. معه: أيْ: ومن معه من بني إسرائيل. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: للتوكيد.

стр. 3592

أيْ: كلّ من كان مع موسى ولم يغرق منهم أحد أو يهلك منهم أحد في عملية النّجاة. سورة الشعراء [٢٦: ٦٦] ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: لا تدل على التّراخي، وإنما على تباين ما حدث لموسى وبني إسرائيل من النّجاة من الغرق وما حدث لفرعون وجنوده ولم ينجُ أحدٌ. ﴿أَغْرَقْنَا﴾: فرعون وجنوده. إذن هناك ثلاث خطوات تمت: الإزلاف، ثمَّ نجاة موسى ومن معه، ثمَّ إغراق فرعونَ وجنودِه. ﴿الْآخَرِينَ﴾: ذكرها مرتين للتوكيد (وتعني: فرعون وجنوده). سورة الشعراء [٢٦: ٦٧] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: للتوكيد، في ظرفية، ذلك اسم إشارة واللام للبعد تشير إلى نجاة موسى ومن معه وإغراق فرعون وجنوده. ﴿لَآيَةً﴾: اللام للتوكيد، آية: معجزة خارقة للعادة وعبرة تدل على عظمة الله تعالى وقدرته ووحدانيته وتوجب الإيمان به، وتدل على صدق رسالة موسى ﵇؛ لأية: لموسى ولقومه ولكل مؤمن ومن يقرأ كتاب الله تعالى. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾: ما النّافية، كان أكثر قوم فرعون مؤمنين، وأمّا الأقلية أمثال امرأة فرعون والمؤمن من آل فرعون وغيرهم فقد آمنوا، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم﴾ ولم يقل: وما كانوا مؤمنين؛ أي: الكل، وإنما أكثرهم، وأكثر تعني: العدد الكبير منهم، وهذا يدل على عدل الله تعالى وقسطه.

стр. 3593

سورة الشعراء [٢٦: ٦٨] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (٩) من نفس السّورة للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ٦٩] ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: اقرأ على قومك يا محمّد نبأ إبراهيم (الخبر الهام العظيم) الّذي فعله إبراهيم ﵇ في قومه. وما يلفت الانتباه جاء بذكر إبراهيم ﵇ بعد ذكر موسى ﵇ مع أنّ إبراهيم سبق موسى في التّرتيب الزّمني، فالمسألة ليست مسألة زمن فقط وإنما حكمة وعبرة، فموسى أرسل إلى فرعون الطّاغية الّذي قال للملأ: أنا ربكم الأعلى، وهذا قمة الكفر والشّرك، وإبراهيم أرسل إلى قوم يعبدون الأصنام فهؤلاء أقل سفاهة وضلالاً وجهلاً من قوم فرعون، فهؤلاء كانوا يظنون أنّ هذه الأصنام تقربهم عند الله زلفى أو تشفع لهم بينما قوم فرعون يعبدون الآلهة ويعبدون فرعون نفسه، فلذلك كان نبأ موسى أهم من نبأ إبراهيم بالنّسبة للدعوة إلى التّوحيد والتّحدي. سورة الشعراء [٢٦: ٧٠] ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرفية للمضي بمعنى حين قال لأبيه. ﴿لِأَبِيهِ﴾: آزر. وقيل: آزر: هو تارح فقد قيل: إن لوالد إبراهيم ﵇ اسمين تارح وآزر، كما روى الطبري في جامع البيان مثل إسرائيل هو يعقوب، وقال كثير من المفسرين: إن أبا إبراهيم اسمه بالسريانية تارح، وبغير السريانية اسمه آزر. وأبيه قيل: كان عمّه. ارجع إلى الآية (٧٤) من سورة الأنعام للبيان المفصل، لأبيه: اللام لام الاختصاص، وقدم أبيه على قومه؛ لأنّ الأب أو العم هم أقرب النّاس إليه والدّعوة عادة تبدأ بالأقرب فالأقرب.

стр. 3594

﴿وَقَوْمِهِ﴾: رجال ونساء. وقيل: القوم هم الرجال فقط. ﴿مَا﴾: أداة استفهام للسؤال عن ذات غير العاقل، وقد تستعمل لصفات العقلاء وللسؤال عن حقيقة الشّيء وعادة يبدأ الاستفهام بـ ما، ثمّ يتطور إلى ماذا، وماذا تستعمل للاستفهام عن الأمور الّتي هي أشد استفهاماً وإنكاراً أو توبيخاً من (ما) فهي أبلغ وأوكد في الاستفهام من ما، كما ورد في سورة الصافات آية (٨٥) وهي قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ فهو ﵇ يعلم ما يعبدون، وهذا ليس استفهاماً حقيقياً، وإنما هو استفهام إنكاري للتوبيخ يدل على ذلك ما جاء في الآية (٨٦) من سورة الصافات، وهي قوله تعالى: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: إبراهيم ﵇ يعلم ما يعبدون فهو يريد أن يظهر لهم بطلان عبادتهم، ويعبدون من العبادة: وهي طاعة العابد للمعبود فيما أمر به أو نهى عنه، وجاء بصيغة المضارع للدلالة على التّجدد والاستمرار لعبادتهم تلك الأصنام. ارجع إلى سورة النحل آية (٧٣)، وسورة الأنبياء آية (١٠٦) لمزيد من البيان في معنى العبادة. سورة الشعراء [٢٦: ٧١] ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: نعبد أصناماً جواباً للسؤال السابق في الآية (٧٠) ما تعبدون، وكان يكفي القول قالوا أصناماً وقولهم نعبد يدل على توكيد عبادتهم والافتخار بها. ﴿قَالُوا﴾: أيْ: قوم إبراهيم ﵇. ﴿نَعْبُدُ﴾: العبادة هي طاعة العابد للمعبود فيما أمر به أو نهى عنه.

стр. 3595

﴿أَصْنَامًا﴾: الأصنام هي تماثيل تجسد كائناً حياً سواء كان إنساناً أو حيواناً تصنع من الحجارة أو الخشب أو الذهب أو الحديد ـ وقيل: الصنم هو ما كان له جسم أو صورة يُعبد من دون الله، ومن النّاحية الشرعية لا فرق بين الصنم والوثن. والوثن أعم من الصنم فكل صنم وثن. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (١٧) لمزيد من لبيان. ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾: قائمين على عبادتها ليلاً ونهاراً، عاكفين: من عكف: وعكف على الشّيء أقبل عليه مُواظباً، والاعتكاف فيه معنى الاحتباس، وبدأ إبراهيم ﵇ يجادلهم ويحاول إظهار بطلان عبادتهم لها. سورة الشعراء [٢٦: ٧٢] ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾: ﴿قَالَ﴾: إبراهيم ﵇. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾: هل استفهام إنكاري وتوبيخ، أقوى من الهمزة في الاستفهام، كما لو قال: أيسمعونكم. والنّون في يسمعونكم للتوكيد ولم يقل يسمعوكم. ﴿إِذْ﴾: ظرف زماني بمعنى حين. ﴿تَدْعُونَ﴾: أيْ: حين تعبدونها أو تدعونها: تطلبون منها النّفع والعون. سورة الشعراء [٢٦: ٧٣] ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾: ﴿أَوْ﴾: للتقسيم أو التّخيير. ﴿يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾: هل ينفعونكم إن عبدتموهم أو يضرونكم إذا كفرتم بها ولم تعبدوها، والنّون في ينفعونكم أو يضرون للتوكيد على عدم النّفع وعدم الضّر، والجواب واضح لا يسمعون ولا ينفعون ولا يضرون فهي حجارة أو ما

стр. 3596

شابه، ولذلك أجابوا على سؤاله بجواب آخر يلقون فيه الذّنب على آبائهم وأنّهم يقلدون آباءَهم. وانتبه: إلى قوله: ينفعونكم أو يضرون ولم يقل: ينفعوكم أو يضرونكم، فقد أطلق الضّر وخص النّفع، فقال: ينفعونكم أنتم، أو يضرون، أيْ: أنتم أو غيركم أو مهما كان، أيْ: لا يضرونكم ولا يضرون عدوكم، فلماذا تعبدونها، فالإنسان يخشى الضّر على نفسه، ولكنه يريد الضّر لعدوه، ولذلك أطلق كلمة الضّر. سورة الشعراء [٢٦: ٧٤] ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾: ﴿قَالُوا بَلْ﴾: بل للإضراب الانتقالي، وجدنا آباءنا. ﴿كَذَلِكَ﴾: أيْ: مثل ذلك يفعلون. ﴿يَفْعَلُونَ﴾: ولم يقل: يعملون؛ لأنّ يفعلون تخص العاقل وغير العاقل، أمّا يعملون فهي تخص العاقل فقط؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١]. (العمل يخص ذوي العقول .. )، إذن هم لم يفكروا أو يعقلوا ونسبوا الأمر إلى آبائهم فالمسألة مسألة فساد في العقل والعقيدة معاً. وهذا يذكرنا بقول قريش حين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. سورة الشعراء [٢٦: ٧٥] ﴿قَالَ أَفَرَءَيْتُم مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ﴾: ﴿قَالَ﴾: إبراهيم لقومه. ﴿أَفَرَءَيْتُم﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري وتوبيخ، والفاء للتوكيد، رأيتم رؤية قلبية فكرية، أيْ: أخبروني عن حال ما تعبدون. ﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الّذي وتشير إلى غير العاقل، أي: الأصنام.

стр. 3597

﴿كُنتُمْ تَعْبُدُونَ﴾: كنتم تعني هنا: وجدتم (في الماضي وما زلتم) تعبدون. سورة الشعراء [٢٦: ٧٦] ﴿أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾: ﴿أَنتُمْ﴾: للتوكيد. ﴿وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾: أيْ: أجدادكم الغابرون؛ لأن الجد في القرآن قد تعني الأب؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (١٣٣) للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ٧٧] ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّى إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿فَإِنَّهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، أيْ: ما تعبدون من الآلهة كلها عدوٌّ لي. ﴿عَدُوٌّ لِّى﴾: انتبه إلى قوله: فإنّهم (بصيغة الجمع) وعدوٌّ لي (بصيغة المفرد) ولم يقل: أعداء لي؛ لأنّ عداوتهم أو (عداوة كلَّ الآلهة) تمثل عداوة واحدة هي الشّرك بالله. فلذلك قال: عدو لي. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: الخالق والمدبر والرازق والحاكم. العالمين: جمع عالم، ومنها عالم الإنس والجن والملائكة، وباقي العوالم ومنها النبات والحيوان والجماد. سورة الشعراء [٢٦: ٧٨] ﴿الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ﴾: ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم يعود إلى الرب، ونلاحظ جاءت كلمة الرب في سياق الهداية؛ لأنه سبحانه هو الهادي والمربي والمرشد، وفي سياق العبادة نلاحظ مجيء اسم الله سبحانه بدلاً من الرب. ﴿خَلَقَنِى﴾: من نطفة، ثمّ من علقة، ثمّ من مضغة مخلَّقة وغير مخلَّقة، أو

стр. 3598

خلقني من طين، والخلق من العدم أو من شيء أو بعض الشّيء، والخلق يعني التّقدير. ﴿فَهُوَ﴾: الفاء للتوكيد، هو: يدل على الحصر والتّوكيد. ﴿يَهْدِينِ﴾: إلى الدّين أو كلّ ما يُصلح لي دنياي وآخرتي أو خير الدّنيا والآخرة وإلى النّجاة من النّار. والفوز بالجنة. انتبه إلى قوله: الّذي خلقني: ولم يقل: الّذي هو خلقني؛ لأنّ عملية الخلق لا يشاركه فيها أحد الكلّ يعلم أنّ الخالق هو الله حتّى الكافر ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ٢٥]، فلا حاجة لاستعمال هو، أمّا في مسألة الهداية فقد يشارك فيها آخرون، ولكي يبيِّن أنّ الله وحده هو الهادي لا غيره استعمل هو. كذلك استعمل هو في الآيتين (٧٩) و (٨٠) ولم يستعمل هو في الآية (٨١) وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ﴾. فقال إبراهيم: سورة الشعراء [٢٦: ٧٩] ﴿وَالَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ﴾: جاء بضمير الفصل (هو) للحصر والتوكيد؛ لأن الإطعام والسقي والشفاء قد يشارك بها الإنسان؛ أي: أن الله هو وحده الشافي والمطعم والساقي. وقال إبراهيم: سورة الشعراء [٢٦: ٨٠] ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾: استعمل في هذه الآيات الثّلاث: ضمير الفصل هو ليدل على التّوكيد والحصر، أنه هو سبحانه وحده الهادي والمطعم والشّافي، واستعمل هو حتّى

стр. 3599

لا يظن أحد أنّه الهادي أو المطعم أو الشّافي؛ لأنّ هناك من قد يدَّعي القدرة على الإطعام والهداية والشّفاء. وقال إبراهيم: سورة الشعراء [٢٦: ٨١] ﴿وَالَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ﴾: لم يأت بضمير الفصل (هو) في هذه الآية؛ لأنّه سبحانه وحده الّذي يحيي ويميت، ولا يشاركه أحد في هذه الخاصة أو يدعي أنّه يحيي ويميت، وفي هذه الآية عطف الإحياء (يحيين) على الموت (يميتني) بحرف ثمّ الّتي تدل على التّراخي في الزّمن، بينما في الآية (٨٠) عطف الشفاء (يشفين) على المرض (مرضت) باستعمال الفاء الّتي تدل على المباشرة والسرعة؛ لأن الشّفاء يعقب المرض بلا زمان فاصل. بينما الآية (٧٩) عطف الإسقاء (يسقين) على الإطعام (يطعمني) باستعمال الواو الّتي هي لمطلق الجمع وتقديم الطّعام على الشراب جائز. وانتبه إلى قوله: وإذا مرضت فهو يشفين: نسب إبراهيم المرض إلى نفسه تأدباً مع الله سبحانه رغم أنّ الله سبحانه هو الّذي يُمرض ويشفي والحقيقة أنّ كثيراً من الأمراض بسبب التّفريط في الطّعام والشّراب وعدم الوقاية واتباع الوصايا الصّحية لمنع انتشار العدوى، واستعمل إذا الشّرطية الّتي تدل على حتمية الحدوث وبكثرة. وزيادة الياء في يميتني تدل أو تفيد التخصص (الموت ينتهي بالبعث) والإمامة: تكون من فعل الله تعالى ومن فعل غيره بينما يحين بحذف الياء تدل على فعل الله وحده - لا يشاركه أحد فيه وفيه معنى الاستمرار.

стр. 3600

سورة الشعراء [٢٦: ٨٢] ﴿وَالَّذِى أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِّينِ﴾: ﴿وَالَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم لله تعالى. ﴿أَطْمَعُ﴾: الطمع: الأمل الممكن حصوله. ﴿أَنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل. ﴿يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِّينِ﴾: خطيئتي: هو صغائر الذنوب يوم الحساب، يغفر لي خطيئتي: يسترها ويمحوها. انظر كيف جاءت خمس آيات تعدد بعض نعم الله تعالى الآية (٧٨، ٧٩، ٨٠، ٨١، ٨٢)، ثلاثة منها جاء فيها الضمير (هو) للتوكيد والحصر، وأما الآية (٧٨)، والآية (٨٢) لم يذكر فيها ضمير الفصل (هو)؛ لأن الموت والحياة والغفران خاصة بالله وحده. وهذا هو إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء وخليل الرّحمن يدعو ويقول: أطمع وهذا هو أدب الأنبياء، فمهما قدَّم الإنسان من الأعمال الصّالحة فهو دون ما يستحق الله من العبادة، وإذا قيل: ما نوع الخطيئة الّتي يتحدَّث عنها إبراهيم ﵇ فهناك من قال: إنّها حين أخطأ وقال لقوله: إنّي سقيم أو حين قال: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله أنّ سارة أخته وليست زوجته، والله أعلم. هذا ما قاله مجاهد، وروى البخاري عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب». سورة الشعراء [٢٦: ٨٣] ﴿رَبِّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ﴾: ﴿رَبِّ﴾: نداء يدل على القرب، حذف ياء النّداء الّتي تدل على البعد. ﴿هَبْ لِى﴾: الهبة عطاء من دون مقابل، لمن يستحق أو لا يستحق.

стр. 3601

وكأنّه يقول: هب لي ربي فأنا لا أستحق ذلك. ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السّورة لبيان معنى الهبة. ﴿حُكْمًا﴾: قيل: النّبوة أو المعرفة بأحكام الله تعالى وحدوده وشرعه. ﴿وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ﴾: الباء للإلصاق، الصّالحين: وهذا مظهر آخر من مظاهر تواضع إبراهيم الأوّل قال: أطمع والثّاني ألحقني بالصّالحين أيْ: بالقدوة الصّالحة من الأنبياء والرّسل وفقني للأعمال الصّالحة حتّى أكون في زمرة الصّالحين. مع العلم أن خليل الرّحمن من أولي العزم من الرّسل، وانظر كيف استوهب ربه الحكم أولاً، ثمّ طلب الإلحاق بالصّالحين؛ لأن الحكم كما قلنا العلم بالأحكام والفقه في الدِّين والعلم بالحق مقدَّم على العمل حتّى يكون العمل الصّالح وفقاً أو حسب المنهج الرباني، والعلم مقدَّم على الصلاح.

стр. 3602

سورة الشّعراء الآيات [٨٤ - ١١١] سورة الشعراء [٢٦: ٨٤] ﴿وَاجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الْآخِرِينَ﴾: ﴿وَاجْعَل لِّى﴾: الجعل: التّصيير، لي: اللام لام الاختصاص والاستحقاق لي خاصة. ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾: اللسان سبب الذّكر، فاللسان مجاز عن الذّكر، أي: اجعل لي ذكراً مقبولاً حسناً جميلاً ـ أو ثناء أو سمعة حسنة. في ظرفية، الآخرين: الأجيال القادمة الّتي تأتي من بعد. مثال على ذلك حين نقول في التشهد الأخير: اللهم صل على محمّد وعلى آل محمّد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. ويجب أن نميز بين قوله تعالى: ﴿فِى الْآخِرِينَ﴾، كما في هذه الآية بكسر الخاء، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ كما في الآية (٦٦) من نفس السورة. الآخِرين: بكسر الخاء الذين يأتون بعدهم بزمن طويل بعد أجيال، وأما الآخَرين: بفتح الخاء الذين يعاصروهم أو يعيشوا معهم. سورة الشعراء [٢٦: ٨٥] ﴿وَاجْعَلْنِى مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾: ﴿مِنْ﴾: ابتدائية.

стр. 3603

﴿وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾: الجنة تُورث أو تُدخل بفضل من الله تعالى ورحمته، والعمل والطّاعة والتّقوى لتؤهل العبد لنيل هذه الرّحمة. ارجع إلى سورة يونس آية (٩)، وسورة الزخرف آية (٧١ - ٧٢) للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ٨٦] ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾: لأبي: أيْ: عمي وهو الأرجح. ويعني: آزر، وهناك من المفسرين من قال هو اسم والده. ارجع إلى الآية (٧٠) من نفس السورة، والآية (٧٤) من سورة الأنعام للبيان المفصل. دعا هذا قبل أن يتبيَّن له أنّه عدو لله، وبعد أن تبين له ذلك تبرأ منه. ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾: إنّه للتوكيد، كان من الضّالين: أي: المشركين؛ لأنّه كان يعبد الأصنام أو التماثيل. سورة الشعراء [٢٦: ٨٧] ﴿وَلَا تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾: ﴿وَلَا تُخْزِنِى﴾: لا النّافية، تخزني: أيْ: لا تفضحني ولا تذلني يوم البعث لما حدث مني من تقصير أو خطأ. سورة الشعراء [٢٦: ٨٨] ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ﴾: يوم القيامة يوم الحساب لا ينفع المال للدفع كفدية من العذاب ولو افتدى بملء الأرض ذهباً ومثله معه. ﴿وَلَا بَنُونَ﴾: ولا ينفع المرء أولاده: للشفاعة له ولا دفع العذاب عنه، أو إعطائه حسنة واحدة، أو تحمل سيئة عنه. وتكرار لا يفيد توكيد النّفي ونفي كل واحدة لا هذه ولا تلك ولا كلاهما.

стр. 3604

وقدم المال على البنين: لأن الكل يملك المال؛ أي: قدم الأعم على الأقل. سورة الشعراء [٢٦: ٨٩] ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مَنْ﴾: ابتدائية. ﴿أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: أيْ: خال من الشّرك والنّفاق والشّك، بقلب الباء للإلصاق والملازمة. في هذه الآية من سورة الشّعراء قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وفي الآية (٨٤) من سورة الصّافات قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الفرق بينهما بكلمة أتى وجاء، وجاء تعني المجيء بمشقة وصعوبة وتعني الوصول، أتى تعني القدوم بسهولة ولم يصل إلى المكان المرجو بعد. فهو استعمل أتى؛ لأنّ الآية تتحدث عن المستقبل، أتى في المستقبل فلا زال في الأمر متسع، بينما استعمل جاء؛ لأنّ الآية تتحدث عن إلقاء إبراهيم في النّار والموت جاء الآن؛ لأنّه ظن أنه سيموت بعد إلقائه، فالموقف أشد وأصعب في سورة الصّافات. سورة الشعراء [٢٦: ٩٠] ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: أزلفت قربت وأدنيت بحيث يرونها وهم في الموقف، تقرب منهم قبل أن يدخلوها ليطمئنوا بها ويُهوِّن عليهم من شدة الموقف ويفرحوا بها وأنها سهلة الوصول، وفي آية أخرى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: ٣١] في هذه الآية أزلفت الجنة أي: الجنة تأتيهم وتقرب منهم أكثر فأكثر، وفي

стр. 3605

سورة الزّمر الآية (٧٣) ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ أيْ: هؤلاء يساقون إلى الجنة بعد أن يروها، وحين يصلوا إليها يجدوا أبوابها قد فتحت لهم ترحيباً. في سورة الشّعراء: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: تقرب إليهم. في سورة ق: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ: تقرب إليهم أكثر فأكثر. وفي سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ يساقون إليها ليدخلوها زمراً زمراً. سورة الشعراء [٢٦: ٩١] ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾: بعد ذكر الجنة يذكر الجحيم، وهذا يسمى فن المقابلة في بديع اللغة. البروز: هو الظهور. ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾: جعلت الجحيم بارزة ظاهرة للغاوين والجحيم اسم من أسماء النّار من جحم جحوماً؛ أي: أشعل النار إشعالاً؛ أي: التّأجيج فلا تخمد أبداً، والتي لا يمكن السيطرة عليها. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) للبيان المفصل في النار وأسمائها ودرجاتها. ﴿لِلْغَاوِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، الغاوين: جمع غاوٍ؛ أيْ: ضال فقد يغوي نفسه، وقد يغوي الآخر. ارجع إلى سورة الحجر الآية (٤٢) للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ٩٢] ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ﴾: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ﴾: قيل لهم: اللام لام الاختصاص وتعني: الغاوين.

стр. 3606

أين: للاستفهام التّوبيخي والتّبكيت (أين: استفهام مجازي). ﴿مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ﴾: أين هذه الآلهة أو الأصنام الّتي كنتم تعبدونها في الدّنيا، أين هي لتشفع لكم أو تنفعكم؟ سورة الشعراء [٢٦: ٩٣] ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله. ﴿هَلْ﴾: للاستفهام والتّبكيت. ﴿يَنصُرُونَكُمْ﴾: النّون للتوكيد، هل ينصرونكم من العذاب، أي: يدفعون عنكم أو يمنعونكم من العذاب. ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾: لأنفسهم أو للتقسيم، أي: هم لا يستطيعون نصر أنفسهم فكيف ينصرونكم. سورة الشعراء [٢٦: ٩٤] ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُنَ﴾: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾: الفاء للتوكيد، الكبكبة: هي الإلقاء على الوجه المرة بعد الأخرى على وزن فعللة الدّالة على التّكرار، أي: كلما قام كب على وجهه مرة أخرى، فيها: في النّار. ﴿هُمْ وَالْغَاوُنَ﴾: هم والغاوون، أي: الّذين أغووهم وأضلوهم، أي: التّابعون والرّؤساء (المتبوعين) أو الأصنام وعبادها، الغاوون. ارجع إلى سورة الحجر الآية (٤٢) يدخلوها معاً حتّى لا يظن كلا الطّرفين أنّ أحدهما أفضل من الآخر أو يستطيع أحدهما أن ينقذ الآخر.

стр. 3607

سورة الشعراء [٢٦: ٩٥] ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾: كفرة الجن والإنس، أتباع إبليس كبكبوا فيها أيضاً. ﴿أَجْمَعُونَ﴾: للتوكيد. سورة الشعراء [٢٦: ٩٦] ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾: أيْ: ﴿الضُّعَفَاؤُا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [غافر: ٤٧]، أو ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، أو ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩]، فالله سبحانه يجعل الأصنام تنطق وتكلم عبدتها أو الكفرة يتخاصمون مع بعضهم بعضاً. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾: الخصام: هو الجدال بشدة والمعاداة. كما سنرى في الآيات التالية يحاول كل طرف أن يتهم الطرف الآخر بكونه السبب فيما يحدث له من العذاب. وفي سورة غافر آية (٤٧) قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى النَّارِ﴾ والحجاج يحدث أولاً أو يحدث قبل الخصام. سورة الشعراء [٢٦: ٩٧] ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ﴿تَاللَّهِ﴾: تاء القسم وهي أقوى أدوات القسم. ﴿إِنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿كُنَّا﴾: في الدّنيا. ﴿لَفِى﴾: اللام للتوكيد، في ظرفية، الدّنيا. ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ابتعاد عن المنهج والصراط المستقيم ونسيان وظلمات

стр. 3608

الجهل، مبين: ضلال واضح وبيِّن لكلّ فرد، وضلال واضح بين لا يحتاج إلى دليل أو برهان أو حُجَّة؛ فهم يحلفون بالله ويعجبون من كونهم كانوا منغمسين في الضلال، ووصفوه بالمبين ويعترفون بضلالهم. سورة الشعراء [٢٦: ٩٨] ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرفية. ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾: من التّسوية نجعلكم سواء برب العالمين سبحانه في العبادة والطّاعة والحب والصدقات والدعاء. ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الباء للإلصاق، أي: نعبدكم كما نعبد رب العالمين رب الملائكة والثّقلين الجن والإنس. سورة الشعراء [٢٦: ٩٩] ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: النّافية. ﴿أَضَلَّنَا﴾: أبعدنا عن طريق الحق والصّواب والهداية (الصراط المستقيم). ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: المشركون: دعاة الشّرك والظّلم أو الكفرة. والمجرمون: المذنبون، والجرم: أصله القطع، والمجرم: من قطع كل الصِّلات مع الله تعالى. المجرمون: جملة اسمية تدل على الثّبوت، أي: الإجرام أصبح صفة ثابتة عندهم. ارجع إلى سورة الأنفال آية (٨) لمزيد من البيان.

стр. 3609

سورة الشعراء [٢٦: ١٠٠] ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾: ﴿فَمَا لَنَا﴾: الفاء للتوكيد، ما النّافية. ﴿شَافِعِينَ﴾: جاءت بصيغة الجمع، وتدل على كثرة الشافعين من الإنس والأنبياء حتى الملائكة، ولكن لا يوجد من يشفع لهم برغم كثرة الشّفعاء، والشّفاعة في الآخرة تتطلب أمرين الإذن من الله تعالى، أي: إلا لمن أذن له والطّلب الثّاني لمن ارتضى؛ أي: للشافع والمشفوع له. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥١) لمعنى الشفاعة. سورة الشعراء [٢٦: ١٠١] ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾: ﴿صَدِيقٍ﴾: جاءت بصيغة المفرد، وكلمة صديق قد تأتي في اللغة للمفرد والمثنى والجمع، وهذه الآية تدل على قلة الأصدقاء أو الصديق، وأصعب من ذلك العثور على الصديق الحميم يستحق أن يضحي من أجلنا أو يشفع لنا أو يدفع عنا العذاب. حميم: من حم الأمر: أي: حار في صداقته يفدي صديقه بالروح والمال تفوق القريب. والحميم تعني: القريب. أي: صديق ودود من الّذين كنا نظنهم أصدقاء حميمين، جاء بصيغة المفرد لقلة العثور على الأصدقاء هناك، وقدم الشافعين على الصديق الحميم للضرورة والاحتياج أو للكثرة، وإذا كان الصّديق الحميم لا ينفع فما بالك بالصّديق العادي. سورة الشعراء [٢٦: ١٠٢] ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿فَلَوْ﴾: الفاء للتوكيد، لو: شرطية بمعنى التّمني.

стр. 3610

﴿أَنَّ﴾: للتوكيد. ﴿لَنَا﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿كَرَّةً﴾: رجعة أو عودة إلى الدّنيا. ﴿فَنَكُونَ﴾: الفاء السّببية. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: من ابتدائية، المؤمنين: وجواب هذا التّمني جاء في سورة الأنعام الآية (٢٨) ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. سورة الشعراء [٢٦: ١٠٣] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٨) من نفس السّورة، والآية هنا تعني ما حدث لقوم إبراهيم بسبب تكذيبهم إبراهيم واستمرارهم على الشّرك، وما سيحدث لهم من الكبكبة في جهنم ومخاصمة. آية: عبرة لمشركي مكة وغيرهم. سورة الشعراء [٢٦: ١٠٤] : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (٩) من نفس السّورة. سورة الشعراء [٢٦: ١٠٥] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾: بعد أن ذكر الله طرفاً من قصة موسى وطرفاً من قصة إبراهيم أتبعه بذكر طرفاً من قصة أبي البشر نوح ﵇، ثمّ تلاها بذكر طرف من خبر هود وصالح ولوط وشعيب ليبيِّن سبحانه لرسوله ﷺ ما حدث للرسل السّابقين من قبله، وما حدث لأقوامهم ليكون عبرة وعظة ودروساً للمؤمنين. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ﴾: القوم سموا قوماً؛ لأنّهم يقومون بمعظم أو أغلب الأمور
следующие страницы →