← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

﴿تَنْكِحُوا﴾: لا تتزوَّجوا النّساء المشركات «الوثنيات المجوسيات»، اللاتي لا كتاب لهن، والنكاح: الرّغبة في الزّواج، أو إرادة وقوعه «قبل أن يتحقق الزّواج فهو نكاح»؛ كقوله: ﴿إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَىَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ﴾، والزواج يعني: إتمام العقد، والملامسة، والجماع. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية. ﴿يُؤْمِنَّ﴾: بالله، واليوم الآخر، ويصدقن بمحمّد ﷺ . ﴿وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ﴾: الواو: استئنافية، اللام: لام التّوكيد، الأمَة خلاف الحرة «المملوكة الرقيقة»، وهي مؤمنة بالله ورسوله. ﴿خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكَةٍ﴾: أفضل من حرة مشركة، وإن كانت ذات جمال، ومال. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾: الواو: حالية «توكيد»، لو: شرطية. ﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: النّاهية. ﴿تُنْكِحُوا﴾: الخطاب إلى أولياء النّساء؛ أي: لا تزوِّجوا نساءَكم المؤمنات للكفار أبداً. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية. ﴿يُؤْمِنُوا﴾: بالله ورسوله؛ أي: يُسلموا ويدخلوا في الإسلام. ﴿وَلَعَبْدٌ﴾: الواو: استئنافية، اللام في لعبد: لام التّوكيد. ﴿مُّؤْمِنٌ﴾: بالله ورسوله. ﴿خَيْرٌ﴾: أفضل من مشرك. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾: أعجبكم في المال، والنّسب وغيرها.

стр. 387

﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾: أولئك: اسم إشارة، للبعد يفيد دنوَّ منزلتهم، وتحقيرهم، وتشير إلى أهل الشّرك، المشركات والمشركين يدعون إلى الكفر، فحقهم أن لا يوالوا، ولا يصاهروا، والنّون في يدعون للتوكيد. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾: يعني: المؤمنون أولياء الله يدعون إلى الجنة، أو الله يدعو على لسان رسوله إلى الجنة. ﴿وَالْمَغْفِرَةِ﴾: أي: التّوبة، والتّوبة تؤدي إلى المغفرة. ﴿بِإِذْنِهِ﴾: بإرادته، وتوفيقه للعمل الّذي يستحق به الجنة والمغفرة. ارجع إلى الآية (٢٥٥) لمزيد من البيان. ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ﴾: يوضح آياته، وأحكامه. ﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاستحقاق. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: للتعليل. ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾: أي: ليتذكروا أوامر الله ونواهيه. سورة البقرة [٢: ٢٢٢] ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِى الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾: هذا هو السّؤال الثالث الّذي سُئل عنه رسول الله ﷺ في زمن واحد. سئل ماذا ينفقون، وسُئل عن اليتامى، وعن المحيض. وإضافة الواو إلى كلمة يسألونك: تدل على أنهم يسألون رسول الله عدَّة أسئلة، وهم أمامه، وفي آن واحد.

стр. 388

﴿وَيَسْئَلُونَكَ﴾: ارجع إلى الآية (٢١٥) للبيان. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾: أي: يسألونك عن الجماع أثناء المحيض. والمحيض: يطلق على سيلان الدم، ويراد به مكان الحيض، ويراد به زمن الحيض. ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾: تعريف الأذى: هو الضرر، أو ما يكره من كل شيء. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد، يعود على الجماع. ﴿أَذًى﴾: بصيغة التعميم بأنّ الأذى يصيب الرجل والمرأة. إذن: أذى هنا لا تعود إلى الحيض بذاته، وإنما تعود على الجماع أثناء الحيض. حيث يتساقط الغشاء المخاطي للرحم؛ مما يؤدي إلى سيلان الدم. وبالتالي يصبح الرحم كالجرح. ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾: الفاء: للتأكيد، ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾: أي: تجنبوا الجماع، أو الوطء في المحيض. ﴿فِى الْمَحِيضِ﴾: في: ظرفية (زمانية ومكانية)، زمن الحيض، ومكان الحيض. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: النّاهية؛ لزيادة التّوكيد. ﴿تَقْرَبُوهُنَّ﴾: تفيد التّوكيد على عدم الجماع في المحيض، والأهم من ذلك لا تقربوهن، فالاعتزال لا يكفي، بل لا تقربوهن. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية؛ أي: حتّى ينقطع دم الحيض، وتغتسل المرأة.

стр. 389

﴿يَطْهُرْنَ﴾: ينقطع دم الحيض (أو النفاس). ﴿فَإِذَا﴾: الفاء: استئنافية، إذا: شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: ﴿تَطَهَّرْنَ﴾: اغتسلن (الاغتسال من الحيض). إذن: يطهرن أولاً، ويتطهرن ثانياً؛ أي: ينقطع دم الحيض أولاً (فذاك طهر)، وثانياً يتطهرن بالاغتسال بالماء (فذلك تطهر)، فإذا انقطع الحيض لا تحل حتّى تغتسل، إذن الشرطان معاً. ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب، والمباشرة. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية، ﴿حَيْثُ﴾: ظرف مكان. ﴿أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: أي: بالقبل (الفرج)، وليس في الدُّبر. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد. ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾: جمع تائب: التوابين من الذنوب، والتوابين جملة اسمية تدل على أنّ التوبة أصبحت سمة ثابتة في فيهم، ووطء المرأة في الحيض لا كفارة له إلَّا التوبة، والاستغفار، وعدم العودة إليه. ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾: بالغسل بالماء، ومن الحدث الأصغر والأكبر. وتكرار كلمة يحب؛ للتوكيد، ولفصل التوابين عن المتطهرين، فالله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب كليهما معاً. والحكمة من اعتزال النّساء في المحيض إضافة إلى الناحية الطبية، وتجنب الالتهابات والآلام الّتي تصيب الأنثى، والذكر هناك مراعاة للحالة النفسية للمرأة في هذه الفترة. ولا حرج في الإحسان إلى الزوجة في هذه الفترة ورعايتها، والعطف عليها،

стр. 390

ولا بد من طاعة الله فيما أمر، فاعتزال النّساء أمر تعبُّدي ـ والصبر، والتحكم في النفس والشهوة، أمر مهم في تربية النفوس التربية الإيجابية ـ، ولا يعتبر الحيض عقاباً للمرأة، بل هو في الحقيقة إكرام لها … فتبارك الله أحسن الحاكمين. ولا بد في هذه المناسبة من المقارنة بين ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، و ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]: المتطهرين: تعني: (الطهارة البدنية بالوضوء والغسل)؛ أي: يكتسب الطهارة بالوضوء والغسل. المطهرين: تعني: (الطهارة القلبية من النفاق، وأمراض القلب، وقد تشمل معنى الطهارة البدنية). وعندما يتطهر الإنسان الطهارة البدنية والقلبية قد يصبح في هذه الصفة كالملائكة المطهرين الّذين وصفهم الله في سورة الواقعة آية (٧٩): ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾؛ أي: الملائكة، والله أعلم. سورة البقرة [٢: ٢٢٣] ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾: أزواجكم. ﴿حَرْثٌ لَّكُمْ﴾: موضع حرثكم كالأرض الّتي تُستنبت، وهذا هو منتهى الأدب الرباني؛ حيث شبه النّساء بالأرض الّتي تُحرث لتنبت الزّرع، والمرأة منبت الولد. ﴿لَّكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص. ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾: أي: جامعوا في القبل، أو مكان الإنبات، والنّسل.

стр. 391

﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾: كيف شئتم، من أين شئتم. ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ﴾: كالتسمية قبل الجماع، وبالقول كما علمنا رسول الله ﷺ : «اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني» كما جاء في البخاري عن ابن عباس؛ أي: اجعلوا غاية الجماع إنجاب الأولاد الصالحين؛ الّذين يدعون لكم في ظهر الغيب بعد انقطاع عملكم، وبعد الموت. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أطيعوا الله، ورسوله فيما أمر، ولا تقربوا ما نهى عنه، وتجنبوا غضبه وعصيانه. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: علم اليقين، ﴿أَنَّكُمْ﴾: أن: للتوكيد، ﴿مُّلَاقُوهُ﴾: بعد البعث في يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم، وتزودوا بالتقوى، واحذروه. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بالجنة، وحسن الثواب. ﴿وَبَشِّرِ﴾: من البشارة، ارجع إلى الآية (٢٥) من سورة البقرة للبيان. سورة البقرة [٢: ٢٢٤] ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: المناسبة: في الآية السابقة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ومن التّقوى ألا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم. ﴿وَلَا تَجْعَلُوا﴾: الواو: استئنافية، لا: النّاهية، ﴿تَجْعَلُوا﴾: من الجعل، والجعل من أفعال القلوب، وتعني التصيير. ﴿عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾: العُرضة: المانع والحاجب، ﴿لِّأَيْمَانِكُمْ﴾: الأيمان: جمع يمين، وهو الحلف بالله؛ أي: لا تجعلوا الحلف بالله، أو اليمين بالله مانعاً لفعل الخير، أو تقولوا؛ لأني حلفت بالله، أو أقسمت بالله لن أساعده،

стр. 392

أو أنفق عليه؛ لأنه فعل كذا، وكذا، أو لا يستحق، كما فعل أبو بكر ﵁ حين حلف ألا ينفق على ابن خاله مسطح؛ لأنه خاض في حديث الإفك؛ أي: لا تجعلوا اليمين حاجباً، أو مانعاً من فعل الخير، والبر، والتقوى. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التعليل، والتوكيد. ﴿تَبَرُّوا﴾: من البر، والبر: هو الخير الواصل إلى الغير مع القصد، والبر: اسم جامع لكل خير. ﴿وَتَتَّقُوا﴾: أي: تزدادوا تقوى، والتقوى: هي طاعة الله فيما أمر به، أو نهى عنه. ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾: إصلاح ذات البين بحل الشقاق، والخلاف بين النّاس. ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة لمزيد من البيان. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: سميع لأقوالكم، وأيمانكم، وما تقولونه في السر والعلن، وما يقوله كل ما في السموات والأرض. ﴿عَلِيمٌ﴾: بأفعالكم، وأحوالكم، وشوؤنكم، لا تخفى عليه خافية. فهذه الآية تنهى عن كثرة الحلف بالله حقاً، وتجنب الحلف بالله باطلاً، ارجع إلى سورة المائدة، آية (٨٩) لمزيد من البيان.

стр. 393

سورة البقرة [٢: ٢٢٥] ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: المناسبة: الآية السابقة لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم فجاءت هذه الآية؛ لتبين أنواع الأيمان، منها اللغو في الأيمان، ومنها الأيمان المتعمَّدة؛ أي: بنية وقصد. ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾: لا يعاقبكم الله بالكفارة على اللغو في أيمانكم. ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك، وتوكيد. ﴿يُؤَاخِذُكُمْ﴾: يعاقبكم بالكفارة، أو يلزمكم الكفارة. ﴿بِمَا﴾: بما: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، أو مصدرية. ﴿كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ كسبت: الكسب هو جلب النفع أو دفع ضرر. ارجع إلى سورة البقرة الآية (٢٨٦) للبيان المفصل؛ أي: بما نوت قلوبكم، وتعمدت من الأيمان؛ لأنه لم يعد مجرد لغو، وفي الآية (٨٩) من سورة المائدة: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، مثل اليمين الغموس، أو أن يحلف العبد متعمداً الكذب؛ لغاية ما، وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: قد تشمل بما عقدتم الأيمان.

стр. 394

﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾: حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم، وغفور: صيغة مبالغة تعني كثير المغفرة، وهي ستر الذنوب، والعفو عنها. ﴿حَلِيمٌ﴾: لأنه لا يعاقبكم مباشرة، بل يؤخر العقوبة؛ لكي يتوب العبد، ويعفو عنه. لم يبيِّن الحق سبحانه في هذه الآية ما هي الكفارة (كفارة اليمين)، ولكنه بيَّنه في سورة المائدة، آية (٨٩) فقال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾. سورة البقرة [٢: ٢٢٦] ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: المناسبة: هذه الآية تتحدث عن نوع من الأيمان خاص بالّذين يؤلون من نسائهم. ﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أي: خاص بالّذين يؤلون من نسائهم. ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِّسَائِهِمْ﴾: يؤلون من ألى؛ أي: حلف، أو أقسم، والإيلاء: يعني الابتعاد؛ أي: لهؤلاء الّذين يحلفون أن لا يقربوا نساءَهم بالوطء؛ أي: الجماع. ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾: التربُّص هو التلبث في الانتظار، وفيه معنى المتابعة، والملاحظة؛ أي: حدد الله المدَّة القصوى للإيلاء أربعة أشهر (مقارنة بإيلاء أهل الجاهلية السنة، والسنتين، أو أكثر من ذلك، والسبب في الإيلاء الطويل الزمن هو أنّ الرجل لا يريد زوجته، ولا يحب أن يطلقها فيتزوَّجها غيره، ويتركها هكذا

стр. 395

لا أيماً، ولا ذات بعل، فجاء الله سبحانه بهذا الحكم النهائي أربعة أشهر، فإما الفيء، وإما الطلاق. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للتعقيب، والترتيب، إن: شرطية تفيد الاحتمال. ﴿فَاءُوا﴾: رجعوا في هذه المدَّة عما حلفوا عليه، فاؤوا: من فاء؛ أي: رجع. رجعوا إلى نسائهم بالوطء؛ أي: الجماع، وإن كان الزوج مريضاً، أو مسافراً، أو مسجوناً. قال جمهور العلماء: الفيء يكون باللسان، أو القلب. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء: للتوكيد، وإن لزيادة التّوكيد. ﴿غَفُورٌ﴾: غفور لهم على ما حلفوا عليه، وغفور لهم على ظلمهم، والضرر الّذي ألحقوه بأزواجهم. ﴿رَحِيمٌ﴾: بهم بأن حدد لهم الزمن، أو الكفارة، والفيء. سورة البقرة [٢: ٢٢٧] ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة، إن: شرطية تفيد الشك، أو الاحتمال، أو قلة الحدوث؛ أي: إن حدث ذلك. ﴿عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾: العزم: الإرادة على فعل الشّيء مع وجود القوة، والقدرة على ذلك؛ أي: تنفيذ الطلاق. والعزم يكون في القلب، أو أن يؤمر الزوج بأن يطلق زوجته؛ فإن لم يطلقها طلقها الحاكم، واختلف الفقهاء في نوع الطلاق هنا، هل هو طلاق رجعي، أم طلاق بائن.

стр. 396

﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: ارجع إلى الآية السابقة. ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: سميع لأقوالهم، وشهيد على أيمانهم، يعني: عليم بنياتهم، وبعزمهم، وما يدور في عقولهم، أو تحدثهم به أنفسهم. ارجع إلى الآية (٢٤٠) لمزيد من البيان. انتبه: إذا كان الهجر من دون حلف، فليس ذلك إيلاء، وليس عليه كفارة. سورة البقرة [٢: ٢٢٨] ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾: الواو: استئنافية، المطلقات: جمع مطلقة، والطلاق مأخوذ من الإطلاق، وهو الترك، أو الإرسال. والطلاق في الشّرع: حل عقدة النكاح (حل رابطة الزواج). والطلاق: لا يقع إلَّا على المرأة إذا كانت مُحلاً له. ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾: التربص: هو التلبث، والانتظار، ارجع إلى الآية (٢٢٦). ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾: الباء: باء الإلصاق. ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾: القُرء: هو الحيض، وأصل القرء هو اجتماع الدم في الرحم ثلاث حيضات لمعرفة براءة الرحم، وهناك من يطلق القرء على الطهر الّذي بين الحيضتين؛ أي: ثلاثة أطهار.

стр. 397

وحيضة واحدة تكفي لمعرفة براءة الرحم، ولكن الله سبحانه أراد ثلاث حيضات لحكمة قد تكون لإعطاء الزوجين زمناً كافياً؛ لكي يتراجعا. ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ﴾: ﴿لَا﴾: النّاهية، ﴿لَهُنَّ﴾: اللام: لام الاختصاص، ﴿أَنْ﴾: للتعليل، والتوكيد. ﴿يَكْتُمْنَ﴾: إذا كنَّ ذوات حمل، أو حيض؛ لأنّ كلا الأمرين الحيض والحمل مسائل خفية، لا تعلمها إلَّا المرأة نفسها، والتصريح بها يعود إلى إيمان المرأة. ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ﴾: سواء أكان الحمل، أم دم الحيض، فهو نوع من الخلق. ﴿إِنْ كُنَّ﴾: إن شرطية تحمل معنى الاحتمال، أو الشك، أو القلة. ﴿يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: لأنّ من يؤمن بالله، واليوم الآخر لا يجترئ على مثل هذا الإثم؛ أي: تقول: أنها حامل، وهي غير حامل، أو بالعكس، أو تتلاعب بزمن العدَّة. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾: البعل: هو الزوج، والسيد، والمالك. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: في أثناء فترة التربص (ثلاثة قروء)؛ أي: زمن العدَّة قبل انقضاء الثّلاثة قروء. أي: الزوج أحق برد زوجته إلى عصمته إذا عدل عن رأيه وشعر بالمحبة بعد المفارقة، وليس الحق لولي الزوجة كالأب، أو الأخ بعدم الرد.

стр. 398

﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: على شرط عدم الإضرار بها، أو الظّلم. ﴿فِى ذَلِكَ﴾: في: ظرفية زمانية، ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة تشير إلى ثلاث حيضات (أو العدَّة). ﴿إِنْ﴾: شرطية، ﴿أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾: بالعودة كلٌّ للآخر، وحسن المعاشرة، وعدم الإضرار، وإرادة الخير، وتقويم العوج. ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ﴾: ولهن اللام لام الاختصاص، والاستحقاق؛ أي: لهن من الحقوق والواجبات على الزوج كما للزوج عليهن من الواجبات والحقوق، والكل يجب أن يتحمل مسؤوليته بما في ذلك المعاشرة الحسنة. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: شرعاً. والمعروف: كل ما كان فعله جميلاً مستحسناً غير مستقبح. ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾: هي درجة القوامة، والقوامة لا تعني الظّلم، والتسلط، بل هي مسؤولية التكليف في الإنفاق. ﴿وَلِلرِّجَالِ﴾: اللام: لام الاستحقاق، وأيهما أفضل الزوج، أم الزوجة؟ إنما يعود ذلك إلى درجة التّقوى عند كل منهما. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾: القوي الغالب الّذي يجب أن يطاع فيما أمر، أو نهى عنه، والذي لا يُقهر، والممتنع. ﴿حَكِيمٌ﴾: فيما شرعه لخلقه، وحكيم من الحكمة فهو أحكم الحكماء،

стр. 399

وحكيم؛ لأنه هو الحاكم، والمالك، فهو أحكم الحاكمين. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة لمزيد من البيان. فعدة المطلقة عن زوجها: ثلاثة قروء. وعدة المطلقة الحامل: أن تضع حملها. وعدة المطلقة اليائسة: ثلاثة أشهر. سورة البقرة [٢: ٢٢٩] ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: الطلاق: هو حل عقدة النكاح؛ الّتي جعلها الله سبحانه ميثاقاً غليظاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النّساء: ٢١]. ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾: قيل: مرتان تعني: الطلاق الرجعي مرتان (الّذي فيه الرجعة)؛ أي: الطلقة الأولى، والثانية؛ إذ لا رجعة بعد الثالثة، وبعضهم أطلق على الطلاق الرجعي أسماء أخرى يُفيد معرفتها، فالطلاق المشروع مرتان، أو الطلاق المسنون. ومرتان: تعني يطلقها، ثم يردها، ثم يطلقها، ثم يردها؛ أي: يملك الزوج الإرجاع في مرتين. كيف يكون الطلاق مرتين، والكل يعلم أنه ثلاثة؟ فالطلاق الرجعي مرتان،

стр. 400

والثالثة هي قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ (كما في الآية ٢٣٩)؛ أي: المرة الثالثة: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾. ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: الفاء: تفيد الترتيب، والتعقيب. أي: من طلق للمرة الثّانية فهو أمام خيارين: الأول: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾: بعد المراجعة الثّانية. بمعروف: من أداء الحقوق، وحسن الصحبة، والمعروف: هو كل ما كان فعله جميلاً مستحسناً غير مستقبح. فإمساك وتسريح مصادر مرفوعة ورفعها يدل على العموم والثبوت كما جاء في (معاني القرآن)؛ أي: هذه ليست أحكام موقوتة، وإنما أحكام دائمة. الثّاني: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: هو أن يتركها بعد الطلاق الثّاني حتّى تنقضي عدتها، ويسرحها آنذاك بإحسان، والإحسان: واجب؛ أي: يحسن إليها، ولا يظلمها، أو يجرها إلى المحاكم، وغيرها. ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾: لا يحل لكم أن تأخذوا شيئاً من المهور، أو الهدايا، وغيره إذا تم الطلاق. ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾: حقوق النكاح، وحسن المعاشرة، وعدم النشوز، أو البغض، والإحصان. فإذا خاف الزوج أنه لن يقيم حدود الله، وعلم أنّ النشوز سيكون من قبله، وهو السبب، أو أنه سوف يعتدي عليها، ويسيء معاملتها فعندها يسرحها، ولا يأخذ شيئاً مما آتاها.

стр. 401

وإذا خافت الزوجة أنها لن تقيم حدود الله، وأنّ النشوز سوف يكون من قبلها، أو هي تبغضه، وهو يحبها، وهو قائم بحقوق الزوجية، ولكنها هي السبب، وأنها لا تستطيع إصلاح ذلك عندها تطلب الخلع. ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للتأكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشك، ولو استعمل إذا لكان حتماً سيقع ذلك. ﴿خِفْتُمْ﴾: الخطاب موجه إلى الأولياء، والحكام لغير الزوجين؛ الخوف: هو توقع الضرر المشكوك في وقوعه ولم يقل فإن خافا. ﴿أَلَّا﴾: تضم أن المصدرية: للتعليل، والتوكيد، ولا: النّافية. ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾: تكرار كلمة حدود الله؛ للتأكيد على إقامة حدود الله، وهي أحكامه، وشرائعه؛ أي: يعتدي أحدهما على الآخر بالنشوز وغيره. ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾: فلا إثم، ارجع إلى الآية (١٩٨) للبيان. واستعمل لا جناح بدلاً من ليس عليكم جناح؛ لأنها أشد، وأقوى، وأثبت في النفي من ليس عليهما. ﴿عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾: لا إثم على الزوجة أن تطلب الخلع، ولا إثم عليه أن يخلعها. وقيل: إنّ عليهما؛ تعني: الزوج؛ أي: فلا جناح عليه أن يأخذ من الزوجة ما أعطاها إياه كمهر، أو هدايا، أو غيرها ـ وبما افتدت به ـ (به تعود على الخلع)، وقال بعض الفقهاء: ويجوز للزوج أن يأخذ زيادة عما أعطاها إياه، ولكنه مكروه.

стр. 402

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾: تلك أوامر وأحكام الله في الطلاق، والخلع الّتي أمركم بها، أو نهاكم عنها فالتزموا بها قولاً وفعلاً، ولا تخالفوها، ولا تتجاوزوها. ارجع إلى الآية (١٨٧) لبيان تلك حدود الله فلا تقربوها (التي تستعمل في المحرمات)، وتلك حدود الله فلا تعتدوها (التي تستعمل في سياق أحكام الحل والحرام). ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: شرطية، ﴿يَتَعَدَّ﴾: يتجاوز ما أحله الله إلى ما حرمه، أو بالعكس، أو ما أمر به إلى ما نهى عنه. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يفيد البعد، ودنوا منزلة الّذين يتعدون حدود الله. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: إذا كان هناك ظالمون فهم في طليعة الظالمين (للمبالغة): لأنفسهم ولغيرهم. ارجع إلى الآية (٥٤) من سورة البقرة. سورة البقرة [٢: ٢٣٠] ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية تفيد الندرة، أو القلة. ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾: للمرة الثالثة فعل ماض، وجاء به؛ لأنه لا يتكرر، ولم يقل: إن يطلقها، فلا تحل له بعد حتّى تتزوج بزوج آخر يدخل بها؛ أي: يتزوجها؛ لأنّ الطلاق بعد ثالث مرة لا يتكرر.

стр. 403

﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾: أي: الزوج الآخر، فإن شرطية تفيد الندرة، أو الاحتمال. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: لا إثم عليهما؛ أي: الزوج الأول، والمرأة (زوجته السابقة) الّتي طلقها ثلاثاً سابقاً، وبعد ذلك تزوجت من زوجٍ آخر، ثم طلقها الزوج الآخر: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾: يرجع كل واحد منهما لصاحبه، ويجب عليهما عقد زواج جديد، ومهر جديد. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال، والشك. ﴿ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾: أن يؤديا حدود الله؛ أي: أحكامه وشرائعه في الزواج الجديد. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: وتلك أحكام وشرائع الله يبينها. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: اللام: لام الاختصاص. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: أهميتها وقدرها، ويعلمون أنّ مصلحتهم في تطبيقها وإقامتها، والعمل بما جاء بها.

стр. 404

سورة البقرة [٢: ٢٣١] ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: الواو: استئنافية، إذا: ظرفية للمستقبل شرطية تفيد حتمية الحدوث؛ أي: انتهاء العدَّة. ﴿طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: الأجل هنا: زمان العدَّة، وهو ثلاثة قروء. ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: أي: مرتان، كما قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾: وهذا يسمى الطلاق الرجعي. ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: أي: قرب الأجل؛ أي: انتهاء مدَّة العدَّة، ولا زال هناك زمن قليل، والعدَّة لم تنتهِ بعد. في هذه الآية يعود رب العالمين ليذكر الزوج الّذي طلق زوجته، وهو ينتظر انتهاء العدَّة (ثلاثة قروء) يذكره إما إمساك بمعروف، أو تسريح بمعروف. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: أرجعوهن قبل انقضاء عدتهن بمعروف؛ أي:

стр. 405

هذه هي آخر فرصة لك فكأنّ الله الحق يريد من الزوج التمسك بزوجته، والعودة إليها، وإبقاء الحياة الزوجية. ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾: الباء: للتأكيد، ومعروف: جاءت نكرة؛ أي: معروف من حسن المعاشرة، والصحبة الصالحة، أو أي: معروف، والمعروف قد تفعله وأنت محب أن تفعله، وهذا يرتقي إلى درجة الإحسان، أو قد تفعله وأنت غير محب له أو بشكل عادي، وهذا يسمى معروفاً. ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾: خلوا سبيلهن، ولا تطيلوا عليهن العدَّة بقصد الظّلم. ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ﴾: الواو: عاطفة، لا: النّاهية، ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ﴾: لا ترجعوهن زوجات لكم. ﴿ضِرَارًا﴾: لكي تضاروهن بالانتقام منهن، والضرار يعني: أن تصنع شيئاً في ظاهره الخير، وتبطن الشر، مثل: إذلال المرأة، والانتقام منها. ﴿لِّتَعْتَدُوا﴾: اللام: للتعليل، والتوكيد، تعتدوا: لكي يؤدي ذلك إلى طلب المرأة الخلع، والافتداء بعد الإمساك. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: شرطية، ﴿يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: يعتدي بالإمساك، ثم يطلب الخلع، ﴿ذَلِكَ﴾: اسم: إشارة يفيد البعد والذم. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد، وقد: للتحقيق، وزيادة التّوكيد.

стр. 406

﴿ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾: بالإثم الّذي قد يوجب العقاب، وسخط الله، فقبل أن يظلم زوجته؛ فقد ظلم نفسه. ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: النّاهية. ﴿تَتَّخِذُوا﴾: اتخذ من أفعال التحويل، والتصيير. ﴿آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾: أي: بما أنزل الله في الكتاب، فمرة تُطلق، ومرة تُراجع من دون مراعاة ما شرع الله، وتطبيق أحكامه. ﴿هُزُوًا﴾: عبثاً، أو تعني: الاستخفاف بآيات الله . ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: بالإسلام، والقرآن، والإيمان، والفقه في الدِّين، والهداية بعد ما كنتم في الجاهلية تسبحون في الضلالات، وكنتم تطلقون المرأة مرات عديدة، وتتركونها كالمعلقة، وتظلمونها. ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾: من الآيات، والأحكام الشرعية المذكورة في القرآن، والحكمة (الفقه في السنة الشريفة). ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾: يوصيكم به، وينصحكم بالطاعة، ويحذركم منه. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أطيعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، واحذروه. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: علم اليقين. ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: ﴿أَنَّ﴾: للتوكيد، ﴿اللَّهَ بِكُلِّ﴾: الباء: للإلصاق، ﴿شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة كثير العلم.

стр. 407

عليم بما تعملون من أقوال، وأفعال، وعليم بالّذين يستهزئون بآيات الله، وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة، وعليم بنواياكم الحسنة، والسيئة، وما تكنُّ الصدور من خير وشر. سورة البقرة [٢: ٢٣٢] ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ارجع إلى الآية السابقة. ﴿طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: أي: بلغن الأجل الحقيقي (انتهت العدَّة)؛ أي: طلق الزوج، وانتهت العدَّة بينما في الآية السابقة، كما ذكرنا: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: طلق الزوج، ولكن العدَّة لم تنته بعد، ولكن قاربت على الانتهاء. ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: أي: انتهت العدَّة بعد الطلقة الثّانية، ولم يستنفد الزوج مرات الطلاق (الثّلاثة). فليس للزوج حق أن يراجع، أو يعود إلى زوجته الّتي طلقها مرتين؛ إلَّا بعد عقد، ومهر جديدين؛ أي: إذا طلق الزوج زوجته مرتين، وانتهت العدَّة، ولنفرض أنّ الزوج يريد أن يعيد زوجته إلى عصمته مرة أخرى، فلا يجب على الأهل أن يتدخلوا، ويمنعوا ذلك بالعضل. ﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النّاهية. ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾: العضل: المنع مع التضييق والشدة؛ أي: لا تمنعوهن أن

стр. 408

يرجعن إلى عصمة أزواجهن باستخدام أساليب الترهيب والشدة والتهديد والوعيد إذا أردن الرجوع إلى أزواجهن. والخطاب موجه إلى الأهل والأقارب بعدم العضل. وأصل العضل: من قولهم عضلت الناقة؛ أي: احتبس ولدها، وهي تحاول الولادة، وعضلت الدجاجة: نشب بيضها فلم يخرج بسهولة، والداء العضال الذي لا يرجى شفائه، أو صعب المعالجة. شبه التقلصات العضلية المؤلمة بمحاولات منع الأهل والأقارب الزوجة من العودة إلى زوجها. ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾: أي: تراضى الزوجان بالنكاح الصحيح (عقد جديد، ومهر جديد). ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة للبعد يشير إلى نهي الولي، أو الأقارب عن العضل؛ أي: المنع، ولم يقل ذلكم، وقال ذلك؛ لأنّ النهي للجماعة؛ كالنهي الواحد يحمل نفس المعنى. مقارنة بقوله تعالى في سورة المجادلة آية (٣) في سياق الظهار ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فالله سبحانه أكد الوعظ وشدد على منع الظهار، بينما في آية البقرة: جاءت في سياق العدول عن الطلاق والتراضي بين الأزواج. ﴿يُوعَظُ بِهِ﴾: أي: يوصى به، وينصح به بعدم المنع.

стр. 409

﴿مَنْ﴾: استغراقية. ﴿كَانَ مِنكُمْ﴾: الخطاب موجه إلى النّبي ﷺ وأمته. ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾: ﴿ذَلِكُمْ﴾: بدلاً من ذلك؛ للتعظيم، والتوكيد، ذلكم: اسم إشارة؛ يعني: رد النّساء إلى أزواجهن أفضل من التفريق، والطلاق. ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾: أفضل وأطيب. ﴿وَأَطْهَرُ﴾: لقلوبكم من الريبة، والوقوف في وجه المرأة الّتي تريد العودة إلى زوجها، فربما لا زال هناك حنان ومودَّة بين الزوجين. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: يعلم ما في قلوب وعقول العباد، ويعلم نواياهم، وما فيها من حب ومودَّة، ويعلم ما تخفي الصدور. ويعلم ما ينفعكم، وما يضركم عاجلاً، أو آجلاً. يعلم الغيب، وأنتم لا تعلمون، وما دام سبحانه عالم بالغيب والشهادة؛ فيجب التسليم له، وقبول شرعه وموعظته. لنقارن هذه الآية (٢٣٢) من سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾. مع الآية (٢) من سورة الطلاق: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.

стр. 410

الخطاب في آية البقرة: موجه إلى أهل، وأقارب المطلقة بعدم العضل؛ أي: المنع. أما في آية الطلاق: الخطاب معلوم، ومفهوم من بداية سورة الطلاق أنه موجَّه إلى النّبي والمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾، فلا داعيَ لذكر منكم في آية الطلاق. واستعمل (ذلك) في آية البقرة؛ لأنّ الحديث عن المنع هو أمر واحد. بينما في آية الطلاق الحديث عن الطلاق فاستعمل ذلكم؛ للأهمية، والتوكيد، ولكون الآية في سياق عدَّة أمور، وليس أمراً واحداً؛ مثل: الطلاق، وإحصاء العدَّة، وعدم إخراجهن من بيوتهن .... سورة البقرة [٢: ٢٣٣] ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾: بعد الطلاق؛ لأنّ الطلاق يورث الشقاق بين الرجل والمرأة. اختلف الفقهاء في معنى الوالدات في هذه الآية. فمنهم من قال: الوالدات المطلقات.

стр. 411

ومنهم من قال: الوالدات المتزوجات في الحالات العادية. ومنهم من قال: تشمل كل الوالدات؛ سواء كنَّ متزوجات، أم مطلقات. وأحكام المطلقة الحامل سيأتي ذكرها في سورة الطلاق. ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾: أصلها ليرضعن أولادهن، وأخرج الأمر في صورة الخبر. لأنّ إرضاع الولد من حليب الأم أصلح للولد، وللأم، وقد بينت الدراسات الطبية: أنّ حليب الأم فيه عوامل مناعية أفضل للطفل، وكذلك العلاقات والروابط بين الأم والطفل تكون أقوى، والإرضاع له فائدة عظيمة للأم؛ لأنه يقلل من حوادث سرطان الثدي، ولم يقل على الوالدات أن يرضعن أولادهن حولين كاملين؛ لأن الوالدات لسن مكلفات شرعاً بالإرضاع. ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾: الحول هو السنة، ولماذا استعمل كلمة الحول بدلاً من السنة، أو العام. لأنّ كلمة الحول من حال، يحول؛ أي: يمنع، تستعمل للحدث المستمر بلا انقطاع؛ كما يحدث في الطلاق، والموت يحولان بين الزوج وزوجته بشكل مستمر، والإرضاع يكون بلا انقطاع؛ لذلك يستعمل القرآن كلمة الحول في هذه الحالات فقط؛ أي: الطلاق، والموت، والإرضاع لتناسب الكلمة المعنى؛ لأنّ الإرضاع يستمر بعد العام الأول إلى العام الثّاني، والمتاع مستمر من دون انقطاع. ﴿كَامِلَيْنِ﴾: للتوكيد.

стр. 412

﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾: جاء بهذه الآية بعد الحولين للتسيير والتخفيف قائلاً: إرضاع الحولين ليس حتماً، ويجوز الإرضاع أقل من الحولين، إذا تم الاتفاق بين والدي الطفل الرضيع. ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: على: تفيد العلوية والمشقة. ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾: لم يقل على الوالد ليُعلم أنّ الوالدات إنما ولدن لهم؛ لأنّ الأولاد للآباء، ولذلك ينسبون إلى آبائهم، وكذلك المولود له قد يكون له أكثر من زوجة فلكي يعلم من هي الزوجة التي ولدت. ﴿لَهُ﴾: اللام: لام الاستحقاق. ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾: أي: مسؤولية الإنفاق على الوالد، وليست على الأم، وللدلالة على الزوجة الّتي ولدت له إذا كان للمولود له عدَّة زوجات. ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾: رزق الأم الّتي ترضع، وكسوتها، وكذلك رزق، وكسوة المولود؛ أي: الطعام، واللباس، والسكن. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بما تعارف عليه الشّرع من غير تفريط، ولا إفراط، وتفسير بالمعروف مذكور في الآيات التالية. ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ أي: قدر الميسرة؛ أي: الإنفاق قد يكون على قدر غنى الزوج. الوسع: أعلى درجات القدرة.

стр. 413

ومن الطبيعي أن تكون نفقة المولود (الطعام، واللباس، وما يحتاجه) على المولود له. أما بالنسبة للإرضاع: هل يجب على الأم إرضاع ولدها؟ قال الإمام مالك: يجب، والرضاع واجب على الأم في حالة الزوجية، أما المطلقة: فلا رضاع عليها، والرضاع على الزوج، ولكنها هي أحق بإرضاع ولدها إذا أرادت، ولها أجر على ذلك (دنيوي مادي من قبل المولود له، وأخروي). أما الجمهور: فالإرضاع ليس بواجب على المرأة المطلقة، وإنما هو مندوب، وإذا لم يقبل غير ثدييها في هذه الحالة، فيجب على الأم أن ترضع ولدها، أو إذا كان الوالد عاجزاً عن استئجار ظئر مرضعة، أو كان قادراً على الإنفاق، وعنده المال، ولكن لم يجد مرضعة. ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: ﴿لَا تُضَارَّ﴾: لا: النّاهية، أو النّافية، ﴿تُضَارَّ﴾: لها عدَّة احتمالات من حيث البناء للمعلوم، والمجهول، والإعراب. والنتيجة: هي أنّ كلمة لا تضار: تشمل ثلاثة معانٍ لا تضار الوالدة بولدها، ولا يضار الوالد بولده، ولا يضار الولد الطفل الرضيع أيضاً. والخطاب موجَّه إلى الوالد (المولود له)، والوالدة المطلقة الّتي لها ولد. فلا يُضار أحدهما الآخر، لا تَضر ولا تُضر، ولا يُضر المولود أيضاً. ١ - ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾: الباء: باء السببية، أو البدل؛ أي: لا تُضار والدة

стр. 414

بسبب ولدها؛ كأن يمنعها ما تستحقه من الرزق والكسوة، والإنفاق عليها، وعلى المولود، فلا يتركها تسأل النّاس من أجل رزقه وكسوته. ٢ - ولا يأخذ الطفل، وهي تريد إرضاعه (لحبها إياه). ٣ - ولا يكرهها على الإرضاع بأي شكل. ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾: بأن تلقي إليه بولده، ولا يجد مرضعاً له، أو أن تطلب منه نفقة لا يستطيع عليها، أو لا ترضعه نكايةً وانتقاماً من الزوج، أو تفضحه أمام النّاس. ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: أي: في حالة موت والد المولود يصبح الّذي يتولى رعاية المولود والإنفاق عليه هو الوارث الّذي يرث الوالد الّذي توفِّي. والرضيع هنا يُعتبر يتيماً، ورعايته واجبة على من يرث الوالد المتوفَّى، وعلى الوارث أيضاً النفقة، والأجرة للأم المرضع، أو غيرها. وقيل: الوارث هو أحد والدي الصبي الّذي بقي حيّاً (أمه، أو أبوه). وقيل: الوارث هو الصبي نفسه، فتجب النفقة عليه، وعلى إرضاعه من ماله الّذي ورثه إن كان له مال. ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾: تجنب الإضرار. ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: تفيد الترتيب الذكري، إن: شرطية تحمل معنى الاحتمال، أو الندرة.

стр. 415

﴿أَرَادَا﴾: الوالدان، ﴿فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾: وهذا دليل على الحث على تشاور الوالدين فيما يؤدي إلى إصلاح الصغير، وتربيته. ﴿فِصَالًا﴾: الفصام: الفطام، هو عندها ينفصل الرضيع عن أمه، ويصبح قادراً على أكل الطعام غير حليب الأم. أي: إن أرادا فطام ولدهما قبل الحولين، فلا مانع إذا اتفقا على ذلك، أو رضيت الأم المطلقة، والمولود له على جلب مرضع آخر. ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾: اتفاق بينهما، ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾: بينهما فيما يحقق مصلحة الولد. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾: أي: لا إثم عليهما. ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة، إن: شرطية تفيد الاحتمال والشك والقلة. ﴿أَرَدتُّمْ أَنْ﴾: حرف مصدري تفيد التعليل والتوكيد. ﴿تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾: أي: أن تأتوا للطفل بمرضعة، فلا إثم عليكم إذا لم ترض الأم بإرضاعه؛ لامتناع المولود له (أي: زوجها الّذي طلقها) عن دفع ما تطلبه الوالدة المطلقة، أو لأسباب أخرى. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: لا إثم عليكم. ارجع إلى الآية (١٩٨) من نفس السورة لمزيد من البيان.

стр. 416

﴿إِذَا سَلَّمْتُم مَا آتَيْتُم﴾: أي: إذا دفعتم للأمهات أجور ما أرضعن لكم قبل الامتناع، أو سلمتم إلى الظئر أجرها. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بلا مماطلة، أو نقص بالذي أمركم به الشّرع، ومن دون ظلم، ومخالفة للشرع. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أطيعوا الله فيما أمركم به من الأحكام في الطلاق، والإرضاع. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: علم اليقين. ﴿أَنَّ﴾ للتوكيد. ﴿اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: بما تقولون، وتفعلون. ﴿بَصِيرٌ﴾: أي: يراكم ويرى أعمالكم، وحركاتكم، ولا تخفى عليه خافية في السموات، ولا في الأرض، فليحذر الّذين يخالفون عن أمره وقدّم ﴿تَعْمَلُونَ﴾ على ﴿بَصِيرٌ﴾؛ لأنّ سياق الآيات في أعمال العباد.

стр. 417

سورة البقرة: [الآيات ٢٣٤ - ٢٣٧] سورة البقرة [٢: ٢٣٤] ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾: تقبض أرواحهم بالموت؛ أي: يموتون، أو تتوفاهم ملائكة الموت، وحذف الفاعل، وهو الله سبحانه. ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾: أي: يتركون أزواجاً، جمع زوج، أو زوجة؛ أي: زوجات، والزوج يطلق على الذكر والأنثى، ويسمى كل من الرجل والمرأة زوجاً؛ لأنّ كلاً منهما مكانه يشبه الآخر، وهنا تعني: الزوجة. ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾: التربص: هو الانتظار، والتربص: هو الانتظار الّذي يشعر فيه المنتظر بطول الزمن، أو طول الانتظار، ارجع إلى الآية (٢٢٦) من سورة البقرة. ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾: أي: ليتربصن: لام التّوكيد (الأمر). والباء: للإلصاق، والتأكيد. ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾: وهي عدَّة المتوفَّى زوجها، هذا إن لم تكن حاملاً؛ فإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها، كما جاء في الكتاب والسنة: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].

стр. 418

إذن: عدَّة المتوفَّى زوجها (٤) أشهر وعشراً، وعليها التربص حتّى انقضاء العدَّة، وتتضمن العدَّة: عدم التزين، والخروج إلى الأسواق؛ إلَّا للضرورة، وعدم التعرض لأنظار الخطاب، والبقاء في بيت الزوجية. والسؤال الأول: لماذا قال: عشراً، ولم يقل: عشرة؟ لأنّ العرب تقول: عشر ليالٍ، وعشرة أيام؛ فإذا أبهمت العدد غلبوا الليالي. إذن هنا العدَّة أربعة أشهر وعشر ليالٍ. السّؤال الثّاني: لماذا العدَّة هنا أربعة أشهر وعشراً، أما عدَّة المطلقة (٣) قروء ـ أو عدَّة من غير ذوات الحيض لصغر سنها، أو كبرها ثلاثة أشهر ـ مع العلم أنّ براءة الرحم تكون بثلاثة قرء، أو ثلاثة أشهر؟ الجواب: لأنّ المتوفَّى عنها زوجها تحتاج إلى وقت أطول لكي تهمد العاطفة الزوجية الّتي كانت بينها وبين زوجها المتوفَّى ـ من حب وإخلاص ـ بعكس المطلقة الّتي عادة تكره زوجها، بل هذا اعترافٌ له بالفضل، واحترامٌ له، ولأهل الزوج، وقدسية الأسرة ـ خاصة إذا كان له أولاد ـ. السّؤال الثالث: هل هذه الآية ناسخة لآية الحول البقرة (٢٤٠)، ولماذا سبقت هذه الآية آية الحول في القرآن: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾؟ ذهب جمهور العلماء: أنّ هذه الآية ناسخة لقوله سبحانه: ﴿وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ إذن العدَّة كانت حولاً كاملاً، ثم نسخ ذلك،

стр. 419

وأصبحت أربعة أشهر وعشراً، ولنعلم أنّ هذه الآية، وإن كانت متقدِّمة في القرآن، أو التلاوة على آية الاعتداد بالحول؛ إلَّا أنها نزلت بعد آية الاعتداد بالحول، فهذا يدل على أنّ ترتيب القرآن كما عليه الحال قد يخالف ترتيب النّزول. ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: ﴿فَإِذَا﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب. ﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾: أي: أتممن عدتهن وانتهت مدَّة التربُّص. الأجل: هو المدَّة المضروبة (أي: المحددة)؛ لانقضاء الشّيء، وكل أجل مدَّة، وليس كل مدَّة أجلاً، والمراد به هنا: انقضاء العدَّة. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: فلا إثم عليكم، ولا جناح جملة اسمية أقوى بالنفي من الجملة الفعلية، وليس عليكم جناح. ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنْفُسِهِنَّ﴾: من التزيُّن، والتعرُّض للخطاب بعد انقضاء العدَّة. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: المعروف هنا جاء على شكل معرفة بـ (أل): وهو الزواج، أو بالوجه الّذي يقرُّه الشّرع؛ أي: بعد انقضاء العدَّة (٤) أشهر وعشراً لا جناح عليكم فيما إذا تزوَّجن، والباء بالمعروف باء الإلصاق؛ أي: الزواج. إذن بالمعروف: بالزواج. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: أي: تقولون، أو تفعلون: ﴿خَبِيرٌ﴾: ببواطن الأمور وظواهرها، وقدم تعملون على خبير؛ لأن سياق الآية

стр. 420

في العمل (التربص والعدة)؛ ارجع إلى الآية (٢٤٠) من نفس السورة للمقارنة والبيان. ثم يذكر الله سبحانه بعد عدَّة المتوفَّى عنها زوجها كيف تتم الخطبة. سورة البقرة [٢: ٢٣٥] ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: نافية للجنس. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: لا إثم عليكم، ولا جناح عليكم: جملة اسمية تدل على الثبوت، وهي أقوى من الجملة الفعلية ليس عليكم جناح؛ لأنها تدل على التجدُّد، والتكرار، ولم يقل: وليس عليكم جناح؛ ارجع إلى الآية (١٥٨) من نفس السورة للبيان. ﴿فِيمَا﴾: في: ظرفية زمانية ومكانية، ما: اسم موصول، أو حرف مصدري. ﴿عَرَّضْتُم﴾: التعريض في خطبة المعتدة المتوفَّى زوجها. أي: المرأة لا زالت في عدتها (٤ أشهر وعشراً) بعد أن توفِّي زوجها عنها. ما يباح هنا التعريض؛ أي: التلويح من دون تصريح. كأن يقول: أنا أبحث عن زوجة، أنا رجل أعزب، أنا لا أحب الوحدة، وأحب أنّ أتزوج، هل تعلمين من يصلح لي، مهنتي كذا، وكذا.

стр. 421

﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾: خِطبة بكسر الخاء، وأصل الكلمة مشتقة من الخطب، والخطب هو الأمر العظيم، والخطبة أمر عظيم؛ لأنها ستؤدي إلى عقد الزواج (الميثاق الغليظ). ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ﴾: أي: لا إثم عليكم فيما أكننتم في أنفسكم، الإكنان: الإضمار في النفس من الرغبة في الزواج بها، أو العزم على إتمام عقد النكاح بعد انقضاء عدتها. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ﴾: للتوكيد، ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾: أي: علم أنكم لا محالة ستبقون تتكلمون في رغبتكم بالزواج بهن، ولا يجوز إعلان ذلك للملأ حتّى تنتهي العدَّة. إذن يسمح لكم بالتعريض، ويسمح لكم أن تفكروا بهن وبذكرهن، والذي لا يسمح لكم أن تواعدوهن سراً. ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: السر: لا يعلم به أحداً إلا صاحبه فقط والله سبحانه؛ فالتواعد سراً هذا غير مسموح به، أو تواعدوهن بالزواج، وهي لا زالت في زمن العدَّة، فلا لقاء سري، ولا خلوة بينكما، أو تقولوا لبعضكم بعضاً: هل تتزوجينني بعد انقضاء العدَّة، أو تقول: أنا أحبك، أو تأخذوا منهن وعداً، أو عهداً بالزواج منكم. أو ينتهي الشيطان بكم إلى أسوأ من ذلك إلى المداعبة، أو التقبيل، وأخيراً الزنى.

стр. 422

﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿أَنْ﴾: أنّ مصدرية بعد التعليل والتوكيد. ﴿قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾: أي: ما شرع لكم، وسمح لكم بالتعريض فقط. ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: ناهية. ﴿تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾: العزم: التصميم على تنفيذ الأمر، أو القيام به مع القدرة والقوة على فعل ذلك؛ أي: ولا يسمح لكم بالقيام بعقد النكاح، ولا حتّى بالعزم على القيام به. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية. ﴿يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾: أي: تنقضي العدَّة. والكتاب: المدَّة التي كتبها الله، وهي (٤) أشهر وعشراً. إذن نفهم مما سبق: أن هناك ثلاث مراحل: ١ - مرحلة التعريض. ٢ - مرحلة العزم. ٣ - مرحلة العقد. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: ﴿وَاعْلَمُوا﴾: علم اليقين.

стр. 423

﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد، ﴿يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ﴾: من العزم، والحب، وعدم الصبر. ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾: أي: احذروا القيام بأي شيء يخالف شرع الله. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: التكرار: للتوكيد، والتحذير، واعلموا أنّ الله يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد، ﴿غَفُورٌ﴾: لمن يحذره، ويخافه، ويتقيه. ﴿حَلِيمٌ﴾: لأنه يمهل، ويؤخر العقوبة؛ لكي تتوبوا، ويغفر لكم. ارجع إلى الآية (٢٢٥) من سورة البقرة. سورة البقرة [٢: ٢٣٦] ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: لا إثم عليكم، ارجع للآية (٢٣٥) لمزيد من البيان. ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشك والقلة، ﴿طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: الطلاق: هو حل عقدة النكاح. ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾: ما: شرطية (إن لم تمسوهن)، أو ظرفية زمانية (مدة لم تمسوهن). ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾: كنى بالمس عن الجماع، والمس: هو أخف اللمس، وهو

стр. 424

مجرد لمس شيء بشيء، ولو لأقل جزء من الثّانية بحيث لا يتأثر بالممسوس، أو يدرك طبيعته. أما اللمس: فهو التصاق شيء بشيء مع إدراك طبيعته، هل هو خشن، أو ناعم، أو حار، أو بارد. ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: أي: تذكروا، أو تقدروا لهن مهراً. ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾: أي: أعطوهن شيئاً إكراماً لهن من مال، أو هدية. والمتعة: هي ما يعطيه الزوج من مال، أو كسوة، أو حلية للزوجة إكراماً لها، وتخفيفاً؛ لحدث الطلاق. ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾: على الغني قدره: أي: المبلغ الّذي يُطيقه، أو يقدر عليه. والموسع من أوسع، ويقال: أوسع الرجل: إذا كثر ماله وغناه. ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾: على الفقير قدره؛ أي: المبلغ الّذي يُطيقه، أو يقدر عليه. المقتر: من أقتر، يقال: أقتر الرجل إذا افتقر؛ أي: هو في ضيق من النفقة. ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾: هذا المتاع هو ما تعارف عليه النّاس، أو المستحسن، وهو كل ما عرف حسنه في الشّرع، والباء بالمعروف: للإلصاق، ارجع إلى الآية (٢٢٨) من سورة البقرة.

стр. 425

﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: حقاً من باب الإحسان، والتطوع، وليس بواجب، أو فرض. بينما لو قال: حقاً على المتقين؛ يعني: واجب، أو فرض على المتقين؛ أي: من باب التّقوى والفرض. سورة البقرة [٢: ٢٣٧] ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال والندرة. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾: من قبل أن تدخلوا بهن (ويحدث الجماع) والمباشرة. أن: حرف مصدري يفيد التعليل، والتوكيد. ﴿وَقَدْ﴾: قد: للتحقيق، والتوكيد. ﴿فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: أي: سمَّيتم المهر، وتحدثتم عن المهر، أو ذكرتم لهنَّ المهر، وكم هو من المال. ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾: الفاء: للتوكيد، نصف ما فرضتم من المهر: أي: لهن نصف الفرض. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: إلَّا أداة حصر، أو استثناء، أن: حرف مصدر يفيد التعليل، والتوكيد.
следующие страницы →