← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

أين: للاستفهام التّوبيخي والتّبكيت (أين: استفهام مجازي). ﴿مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ﴾: أين هذه الآلهة أو الأصنام الّتي كنتم تعبدونها في الدّنيا، أين هي لتشفع لكم أو تنفعكم؟ سورة الشعراء [٢٦: ٩٣] ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله. ﴿هَلْ﴾: للاستفهام والتّبكيت. ﴿يَنصُرُونَكُمْ﴾: النّون للتوكيد، هل ينصرونكم من العذاب، أي: يدفعون عنكم أو يمنعونكم من العذاب. ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾: لأنفسهم أو للتقسيم، أي: هم لا يستطيعون نصر أنفسهم فكيف ينصرونكم. سورة الشعراء [٢٦: ٩٤] ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُنَ﴾: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾: الفاء للتوكيد، الكبكبة: هي الإلقاء على الوجه المرة بعد الأخرى على وزن فعللة الدّالة على التّكرار، أي: كلما قام كب على وجهه مرة أخرى، فيها: في النّار. ﴿هُمْ وَالْغَاوُنَ﴾: هم والغاوون، أي: الّذين أغووهم وأضلوهم، أي: التّابعون والرّؤساء (المتبوعين) أو الأصنام وعبادها، الغاوون. ارجع إلى سورة الحجر الآية (٤٢) يدخلوها معاً حتّى لا يظن كلا الطّرفين أنّ أحدهما أفضل من الآخر أو يستطيع أحدهما أن ينقذ الآخر.

стр. 3607

سورة الشعراء [٢٦: ٩٥] ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾: كفرة الجن والإنس، أتباع إبليس كبكبوا فيها أيضاً. ﴿أَجْمَعُونَ﴾: للتوكيد. سورة الشعراء [٢٦: ٩٦] ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾: أيْ: ﴿الضُّعَفَاؤُا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [غافر: ٤٧]، أو ﴿الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، أو ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٩]، فالله سبحانه يجعل الأصنام تنطق وتكلم عبدتها أو الكفرة يتخاصمون مع بعضهم بعضاً. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾: الخصام: هو الجدال بشدة والمعاداة. كما سنرى في الآيات التالية يحاول كل طرف أن يتهم الطرف الآخر بكونه السبب فيما يحدث له من العذاب. وفي سورة غافر آية (٤٧) قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى النَّارِ﴾ والحجاج يحدث أولاً أو يحدث قبل الخصام. سورة الشعراء [٢٦: ٩٧] ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ﴿تَاللَّهِ﴾: تاء القسم وهي أقوى أدوات القسم. ﴿إِنْ﴾: مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد. ﴿كُنَّا﴾: في الدّنيا. ﴿لَفِى﴾: اللام للتوكيد، في ظرفية، الدّنيا. ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ابتعاد عن المنهج والصراط المستقيم ونسيان وظلمات

стр. 3608

الجهل، مبين: ضلال واضح وبيِّن لكلّ فرد، وضلال واضح بين لا يحتاج إلى دليل أو برهان أو حُجَّة؛ فهم يحلفون بالله ويعجبون من كونهم كانوا منغمسين في الضلال، ووصفوه بالمبين ويعترفون بضلالهم. سورة الشعراء [٢٦: ٩٨] ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرفية. ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾: من التّسوية نجعلكم سواء برب العالمين سبحانه في العبادة والطّاعة والحب والصدقات والدعاء. ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الباء للإلصاق، أي: نعبدكم كما نعبد رب العالمين رب الملائكة والثّقلين الجن والإنس. سورة الشعراء [٢٦: ٩٩] ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: النّافية. ﴿أَضَلَّنَا﴾: أبعدنا عن طريق الحق والصّواب والهداية (الصراط المستقيم). ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: المشركون: دعاة الشّرك والظّلم أو الكفرة. والمجرمون: المذنبون، والجرم: أصله القطع، والمجرم: من قطع كل الصِّلات مع الله تعالى. المجرمون: جملة اسمية تدل على الثّبوت، أي: الإجرام أصبح صفة ثابتة عندهم. ارجع إلى سورة الأنفال آية (٨) لمزيد من البيان.

стр. 3609

سورة الشعراء [٢٦: ١٠٠] ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾: ﴿فَمَا لَنَا﴾: الفاء للتوكيد، ما النّافية. ﴿شَافِعِينَ﴾: جاءت بصيغة الجمع، وتدل على كثرة الشافعين من الإنس والأنبياء حتى الملائكة، ولكن لا يوجد من يشفع لهم برغم كثرة الشّفعاء، والشّفاعة في الآخرة تتطلب أمرين الإذن من الله تعالى، أي: إلا لمن أذن له والطّلب الثّاني لمن ارتضى؛ أي: للشافع والمشفوع له. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥١) لمعنى الشفاعة. سورة الشعراء [٢٦: ١٠١] ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾: ﴿صَدِيقٍ﴾: جاءت بصيغة المفرد، وكلمة صديق قد تأتي في اللغة للمفرد والمثنى والجمع، وهذه الآية تدل على قلة الأصدقاء أو الصديق، وأصعب من ذلك العثور على الصديق الحميم يستحق أن يضحي من أجلنا أو يشفع لنا أو يدفع عنا العذاب. حميم: من حم الأمر: أي: حار في صداقته يفدي صديقه بالروح والمال تفوق القريب. والحميم تعني: القريب. أي: صديق ودود من الّذين كنا نظنهم أصدقاء حميمين، جاء بصيغة المفرد لقلة العثور على الأصدقاء هناك، وقدم الشافعين على الصديق الحميم للضرورة والاحتياج أو للكثرة، وإذا كان الصّديق الحميم لا ينفع فما بالك بالصّديق العادي. سورة الشعراء [٢٦: ١٠٢] ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿فَلَوْ﴾: الفاء للتوكيد، لو: شرطية بمعنى التّمني.

стр. 3610

﴿أَنَّ﴾: للتوكيد. ﴿لَنَا﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿كَرَّةً﴾: رجعة أو عودة إلى الدّنيا. ﴿فَنَكُونَ﴾: الفاء السّببية. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: من ابتدائية، المؤمنين: وجواب هذا التّمني جاء في سورة الأنعام الآية (٢٨) ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. سورة الشعراء [٢٦: ١٠٣] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٨) من نفس السّورة، والآية هنا تعني ما حدث لقوم إبراهيم بسبب تكذيبهم إبراهيم واستمرارهم على الشّرك، وما سيحدث لهم من الكبكبة في جهنم ومخاصمة. آية: عبرة لمشركي مكة وغيرهم. سورة الشعراء [٢٦: ١٠٤] : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (٩) من نفس السّورة. سورة الشعراء [٢٦: ١٠٥] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾: بعد أن ذكر الله طرفاً من قصة موسى وطرفاً من قصة إبراهيم أتبعه بذكر طرفاً من قصة أبي البشر نوح ﵇، ثمّ تلاها بذكر طرف من خبر هود وصالح ولوط وشعيب ليبيِّن سبحانه لرسوله ﷺ ما حدث للرسل السّابقين من قبله، وما حدث لأقوامهم ليكون عبرة وعظة ودروساً للمؤمنين. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ﴾: القوم سموا قوماً؛ لأنّهم يقومون بمعظم أو أغلب الأمور

стр. 3611

وهم الرّجال غالباً، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ﴾ بدلاً من كذب قوم نوح المرسلين؛ لأنّ كلمة قوم يمكن أن تذكر أو تؤنث. كذبت: تدل على الكثرة؛ كثرة الأقوام الذين كذبوا رسلهم. ﴿نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾: هم كذبوا رسولهم نوحاً ﵇، ولكن قال المرسلين: قيل: لأنّ الرّسول يمثل الرّسل والرّسل يمثلون الرّسول؛ لأنّ رسالتهم واحدة، إذن جعل الله سبحانه تكذيب رسول واحد كتكذيب جميع الرّسل. والرّسل يعتبرون رسول واحد؛ لأنّهم جميعاً يدعون إلى نفس المبدأ وهو مبدأ التّوحيد، فقوم نوح لو جاءهم كذلك بعد نوح عيسى ومحمّد ﵈ لكذبوهم كما كذبوا نوح ﵇، أو قيل: المرسلين: جاء بصيغة الجمع تعظيماً لنوح أو الرّسول، أو مجاز مرسل من قبيل إطلاق الكلّ وإرادة البعض. سورة الشعراء [٢٦: ١٠٦] ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ﴾: إذ ظرف زماني، أي: واذكر إذ قال، أو واذكر حين قال لهم أخوهم نوح. ﴿أَخُوهُمْ﴾: أخوهم لأنّه كان من القوم فهم يعرفون أصله ونشأته وليس غريباً عنهم، أو أخوهم في النّسب فالأخوة (٣) أنواع: إخوة في الدّين وهي الأقوى، وأخوة في النّسب أو الدّم، وإخوة في القبيلة، أي: واحد منهم. ﴿نُوحٌ أَلَا﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري وتوبيخ على عدم التّقوى والتّعجب، ألا: أداة حثٍّ وتنبيه وحضٍّ، وتحمل معنى الأمر.

стр. 3612

﴿تَتَّقُونَ﴾: ربكم تأتمروا بأوامره وتجتنبوا نواهيه، هذه الموعظة جاءت على لسان كلّ الرّسل قالها كلّ رسول إلى أمته أوّل ما بُعث أو أرسل إليهم. سورة الشعراء [٢٦: ١٠٧] ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾: ﴿إِنِّى لَكُمْ﴾: إنّي للتوكيد، لكم: اللام لام الاختصاص لكم خاصة. ﴿رَسُولٌ أَمِينٌ﴾: رسول من الله، أمين: على إبلاغكم بكل ما أرسلت به إليكم من دون زيادة أو نقصان. سورة الشعراء [٢٦: ١٠٨] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: كرَّر أمر التّقوى مرة ثانية بعد أن حثَّهم على التّقوى في الآية (١٠٦) فقال: ألا تتقون. كرَّر التّقوى للتوكيد على أهمية التّقوى، وليدل على طول الزمن في التبليغ أو طول الدعوة، وكرر الآيات (١٠٧، ١٠٨، ١٠٩) خمس مرات مع خمس رسل: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، فكل من هؤلاء الرسل قالوا لأقوامهم: ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، ﴿وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهناك فرق بين التّقوى والطّاعة، الطّاعة: الانقياد لمطلوب الشّارع بما أمر به واجباً كان أم مستحباً، والتّقوى كف النّفس عما نهى عنه الشّارع حراماً كان أم مكروهاً، والتقوى: خصلة، أو جزء من الطاعة؛ فالطاعة أعم. ارجع إلى سورة المائدة آية (٢) لمزيد من البيان في معنى التّقوى.

стр. 3613

وقدَّم التّقوى على الطّاعة: لأنّها الأصعب فالطّاعة تؤدِّي إلى منع العقوبة. والتّقوى لا تطلق إلا على من يستحق الثّواب (الكليات) اللغات. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾: ولم يقل: وأطيعوني. أطيعون فقط بما جئتكم به من ربكم. ولا تشمل طاعته الذّاتية، أي: لا يسألهم أن يطيعوه في كل شيء، أما وأطيعوني فتشمل كل أمر صغير وكبير. سورة الشعراء [٢٦: ١٠٩] ﴿وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ﴾: ما النّافية، أسألكم عليه من أجر، من استغراقية تستغرق أيَّ أجر على تبليغ الرَّسالة. ﴿أَجْرٍ﴾: الأجر: يكون مقابل العمل والأجر ثواب على عمل ويستعمل في النّفع دون الضّرر. ﴿إِنْ﴾: إن: نافية، وإن أقوى في النّفي من ما. أي: ما أجري إلا على الله. ﴿أَجْرِىَ إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: رب الملائكة والإنس والجن، رب السّموات ورب الأرض وما بينهما، ومن الجدير بالذّكر أنّ كلّ الرّسل قالوا هذه المقولة، وهي: وما أسألكم عليه من أجر لأقوامهم إلا إبراهيم وموسى؛ لأنّ إبراهيم دعا أباه (آزر أو عمّه) فكيف يطلب من أبيه أو عمه الّذي رباه أجراً وكذلك موسى الّذي رباه فرعون في بيته، فكيف يطلب منه أجراً، وأجره كبير لذلك لا يطلبه إلا من الله تعالى، ومهما دفعوا له فهو قليل. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٥٧) لمزيد من البيان.

стр. 3614

سورة الشعراء [٢٦: ١١٠] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: كرَّر الأمر بتقوى الله وطاعته لطول مكثه فيهم (٩٥٠ سنةً) وعدم استجابتهم له وبدلاً من أن يقولوا: سمعنا وأطعنا قالوا: سورة الشعراء [٢٦: ١١١] ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾: أي: كيف نتبعك أو نصدقك وما نراك إلا بشراً وما نراك اتبعك ﴿إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَّأْىِ﴾ [هود: ٢٧]. ﴿قَالُوا﴾: أي: قوم نوح الكفرة. ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري، نؤمن لك: أي: نصدقك ولم يقولوا: نؤمن بك هذا هو الإيمان الحقيقي العقائدي. لك: اللام الاختصاص. أنؤمن لك: أي: أنستجيب لك، ولا تعني الإيمان الحقيقي؛ كقوله تعالى على لسان فرعون: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: ٧١]. ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾: جمع أرذل وهو الرّديء السّيِّئ؛ أي: الفقراء أو الأقل جاهاً ومالاً، وما يؤيد معنى الأرذلون الفقراء بادي الرّأي والّذين لا حرفة لهم ولا عمل، قوله بعد ذلك ما علمي بما يعملون (الآية ١١٢) القادمة.

стр. 3615

سورة الشّعراء الآيات [١١٢ - ١٣٦] سورة الشعراء [٢٦: ١١٢] ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿قَالَ﴾ نوح رداً على قومه: أنؤمن لك واتبعك الأرذلون. ﴿وَمَا﴾: ما النّافية. إضافة الواو للتوكيد بعدم علمه بما كانوا يعملون. ﴿عِلْمِى بِمَا﴾: الباء للإلصاق والتّوكيد، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، وأوسع شمولاً من الذي، أو مصدرية. ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: يعملون: تضم الأقوال والأفعال، لا أعلم ما يعملون من الحِرف أو الأعمال اليدوية البسيطة البدائية، أو كيف يكسبون لقمة عيشهم أو لا أعلم ما يفعلون في حياتهم أو معيشتهم، لم أكلف إلا تبليغهم بعبادة الله وحده. سورة الشعراء [٢٦: ١١٣] ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّى لَوْ تَشْعُرُونَ﴾: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ﴾: إن النّافية بمعنى ما، حسابهم: أي: جزاؤهم. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿عَلَى رَبِّى لَوْ تَشْعُرُونَ﴾: لو شرطية، تشعرون لو عندكم حواس وبصر وبصيرة ما قلتم أنّهم أراذلكم، ولكنكم قوم تجهلون. سورة الشعراء [٢٦: ١١٤] ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: هذا جوابه بالرّفض لطلبهم أن يطرد الّذين آمنوا الّذين وصفوهم بالأراذل وبادي الرّأي طلبوا ذلك لتكبرهم لكي يستمعوا إليه.

стр. 3616

سورة الشعراء [٢٦: ١١٥] ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ﴿إِنْ﴾: نافية أقوى نفياً من ما. ﴿أَنَا﴾: للتوكيد. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: من الإنذار: وهو الإعلام والتّحذير والتّخويف، مبين: نذير لكلّ فرد منكم، وإنذاري بين واضح لا يخفى على أحد، ولا يحتاج إلى من يوضحه أو يبيِّنه. وإذا قارنا هذه الآية من سورة الشّعراء: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، مع الآية (٩) من سورة الأحقاف ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، نجد أنّ التّوكيد أشد في آية الشّعراء من آية الأحقاف، وذلك لئن آية الشّعراء جاءت في سياق دعوة نوح قومه إلى التّقوى وتوحيد الله تعالى، وفي مرحلة التّحدي بعد أن قالوا له: لئن لم تنتهِ يا نوح لتكوننَّ من المرجومين، وأمّا آية الأحقاف فجاءت في سياق الرّسول ﷺ ومقام الدّعوة الهادئة، ولم يكن هناك تحدٍّ. سورة الشعراء [٢٦: ١١٦] ﴿قَالُوا لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: الّذين كفروا. ﴿لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ﴾: يا نوح لئن: اللام للتوكيد، إن شرطية تفيد الشّك والاحتمال، تنتهِ: تكف عن دعوتنا لترك آلهتنا وعن دعوتنا لعبادة الله وحده وطاعته. ﴿لَتَكُونَنَّ﴾: لتكونن: اللام للتوكيد والنّون لزيادة التّوكيد.

стр. 3617

﴿مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾: من ابتدائية، المرجومين: الرّجم له معنيان القتل بالرّجم بالحجارة، أو اللعن والسّب والشّتم. ولم يقولوا: لنرجمنك، أي: لوحدك وإنما من المرجومين، أي: أنت ومن اتبعك، فهذه الآية فيها تهديد لنوح، ومن اتبعه وليس له وحده. سورة الشعراء [٢٦: ١١٧] ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ﴾: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ﴾: نوح رب إنّ: تفيد التّوكيد. ﴿قَوْمِى كَذَّبُونِ﴾: أصروا واستمروا على تكذيبي ولم يسمعوا قولي أو دعائي، كذبون: أصبحت صفة التّكذيب عندهم ثابتة، قال: كذبون ولم يقل: كذبوني: لم يكذِّبه كلّ فرد هناك من آمن له. وما آمن معه إلا قليل، ولذلك قال: كذبون ولم يقل: كذبوني الّتي تعني الكل كذَّبه. وقوله ﵇: إن قومي، ولم يقل: إن القومَ: تدل على مدى عطفه وشفقته على قومه رغم أنهم كذبوه. سورة الشعراء [٢٦: ١١٨] ﴿فَافْتَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِى وَمَنْ مَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾: الفاء تدل على التّوكيد، افتح بيني وبينهم فتحاً: الفتح هو الحكم، أي: احكم بيني وبين قومي حكماً يُبيِّن الحق أو اقضِ بيني وبينهم بالحق، والفتح هو النّصر من دون قتال أو سلاح والفتح نوعان: فتح حسي مثل ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٥] أو فتح معنوي: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. ﴿فَتْحًا﴾ للتوكيد. ﴿وَنَجِّنِى وَمَنْ مَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: من كيدهم مثل الرّجم أو القتل أو المكر.

стр. 3618

سورة الشعراء [٢٦: ١١٩] ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾: الفاء تدل على المباشرة بعد أن دعا وقال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً، أنجيناه: أيْ: بسرعة وقوة، ولم يقل: نجيناه الّتي تدل على بطء النّجاة واستغراقه وقتاً طويلاً. ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾: تدل على قلة الّذين نجوا معه، ولو قال: وأنجيناه والّذين معه لدلت على الكثرة. ﴿فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: في ظرفية، الفلك المشحون: الفلك تطلق على المفرد والجمع، والفلك: السّفن والفلك يجوز فيها التّذكير أو التّأنيث كقول: الفلك المشحون أو فأنجيناه وأصحاب السّفينة، الفلك المشحون: الفلك المملوء بالنّاس والحيوانات، ولم يعد هناك مكانٌ خالٍ، واختلف في عدد الّذين نجوا معه، وقيل: كانوا أقل من (٨٠)، وقيل: لا يتجاوز الثلاثين. سورة الشعراء [٢٦: ١٢٠] ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: لا تدل على التّرتيب والتّراخي، وإنما على تباين المنزلة بين النّاجين والباقين. ﴿أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾: أغرقنا من بعد نجاة نوح ومن معه، من بقي من قومه، الباقين: الكافرين الّذين لم يركبوا معه في الفلك، الباقين على كفرهم الباقين في مكانهم. سورة الشعراء [٢٦: ١٢١] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٨) من نفس السّورة، الآية هنا نجاة نوح ومن آمن معه وصدقه، وإغراق جميع من بقي من قومه.

стр. 3619

﴿لَآيَةً﴾: معجزة، تدعو إلى العبرة والتّأمل للوصول إلى الحق وهي قدرة الله سبحانه وعظمته ووحدانيَّته، وأنّه هو الإله الحق واجب الوجود المستحق العبادة، ولكن من سيعتبر بعد غرق الباقين، قيل: هي آية لكلّ الأمم الّتي تأتي من بعدهم وتقرأ قصة نوح. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾: أيْ: قوم نوح، أو مشركو مكة، كان: تستعمل لكلّ الأزمنة. سورة الشعراء [٢٦: ١٢٢] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (٩) من نفس السّورة. وهكذا لاحظنا، وسنلاحظ تكرار بعض الآيات في مطلع كلّ قصة من قصص الأنبياء، وفي ختام كلّ قصة فقد يسأل سائل: ما سبب ذلك أو ما فائدته، للإعلام أنّ رسالتهم واحدة وهي ألا تتقون الله أولاً. وثانياً: تكرار الحث والدّعوة إلى طاعة الله تعالى والمواظبة عليها، وتجنب ما نهى عنه، وتوحيد الإلوهية والرّبوبية، الصّفات والأسماء. وثالثاً: التأكيد أن من يكذِّب أحدهم فقد كذب الكلّ والواجب هو الإيمان بالرّسل جميعاً. ورابعاً: أنّ الكلّ أمناء على رسالة الله، ولم يسألْ أحدُهم أجراً على تبليغ الرّسالة. وخامساً: أنّهم جاؤوا منذرين لأممهم وإن اختلفت رسالاتهم. وسادساً: التّذكير بنعم الله والتّحذير من مخالفة أوامر الله تعالى، وفي التّكرار وعظ وتذكير وطرق الأذان والقلوب والعقول بها المرة بعد المرة وسماع

стр. 3620

الآيات نفسها لعلَّ بعض الأنفس تصحو من سباتها وبعض القلوب الغلف تنفجر أو تتصدع أو تهبط من خشية الله تعالى. ثمّ أخبرنا الله تعالى بالنّتيجة رغم تلك الآيات ما كان أكثرهم مؤمنين، ولا زال ربك هو العزيز الرّحيم . سورة الشعراء [٢٦: ١٢٣] ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾: أيْ: كذبت. ارجع إلى الآية (١٠٥) من نفس السورة. قبيلة عاد، وعاد هو في الأصل اسم أبي القبيلة، ويعبر عن اسم القبيلة باسم الأب وأنَّث ولم يقل: كذب عاد المرسلين وقال: كذبت، يقصد بها قبيلة عاد، وكانوا يسكنون الأحقاف قرب حضرموت قرب اليمن في جبال رملية، وكانوا أولي بأس شديد وذوي رخاء ونعيم بسبب كثرة أموالهم، وهم من بقايا قوم نوح لقوله: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩]. الذين هاجروا من مكة إلى جنوب جزيرة العرب وسكنوا حضرموت. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: بصيغة الجمع بدلاً من المرسل وهو هود. ارجع إلى الآية (١٠٥) للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ١٢٤] ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾: ﴿إِذْ﴾: أي: وذكر أو وذكر حين. ﴿قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾: أي: أخوهم هود؛ أي: هو واحد منهم ليس غريباً عنهم يعرفونه ويعرفهم أخوهم في القبيلة وقال أخوهم؛ ليرقق قلوبهم ويسمعوا إليه ولا يكذبوه. ارجع إلى الآية (١٠٦) من نفس السّورة لمزيد من البيان.

стр. 3621

سورة الشعراء [٢٦: ١٢٥] ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾: رجع إلى الآية (١٠٧) من نفس السّورة. سورة الشعراء [٢٦: ١٢٦] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٨) من نفس السّورة. سورة الشعراء [٢٦: ١٢٧] ﴿وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قالها نوح، وقالها غيره من الأنبياء إلا إبراهيم وموسى. ارجع إلى الآية (١٠٩) من نفس السّورة. هو لا ينفي عدم أخذ الأجر وليس تكبراً ولقلة قيمته، وإنما طمعاً في أن يأخذ أجره من الله، ومهما أعطوه من الأجر فلن يكون كافياً لما يقدمه إليهم من الدعوة إلى الله والهداية وبالتالي النجاة والفوز بالجنة. سورة الشعراء [٢٦: ١٢٨] ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾: ﴿أَتَبْنُونَ﴾: الهمزة للاستفهام والتّوبيخ والإنكار والتّعجب على هذا التّكبر والعلو في الأرض. أتبنون: من البناء أو العمارة والتشييد. ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾: الباء للإلصاق والرّيع هو المكان المرتفع من الأرض، ويعني: ارتفاع البناء، أو الارتفاع في كل شيء؛ أي: أتبنون بكل مكان مرتفع آية، والآية: شيء عجيب. ﴿آيَةً﴾: قصور شامخة عالية مشيدة في غاية الإبداع والجمال والاتساع تدل على الفن المعماري، وهذا ما يحدث في عصرنا الحاضر من حيث التقدم والتطور في العمران والمفاخر.

стр. 3622

﴿تَعْبَثُونَ﴾: من العبث: وهو ما لا فائدة فيه أصلاً في الدنيا ولا في الآخرة، ولا غاية ولا قيمة أو نفع؛ أي: المقاصد التي يبغيها قوم عاد مقاصد غير سامية حيث تشيدون هذه القصور العالية ولا تسكنونها طويلاً، فقط للتفاخر، وتريدون أن تصدوا غيركم عن سبيل الله. والمباهاة بينكم فهذه الآية: البناء بكلّ ريع تدل على العلو في الأرض واتخاذ المصانع، آية تدل على إرادتهم الخلود والبقاء في الأرض وآية البطش تدل على الظّلم والقوة والغلبة. سورة الشعراء [٢٦: ١٢٩] ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾: ﴿مَصَانِعَ﴾: قيل: هي الحصون أو القلاع المنيعة، وقيل: حياض للمياه والبرك والأحواض لتجميع المياه. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعلَّ للتعليل والكاف للخطاب. ﴿تَخْلُدُونَ﴾: راجين أو آملين البقاء أحياءً والخلود والإقامة أعواماً طويلةً على وجه الأرض. سورة الشعراء [٢٦: ١٣٠] ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿بَطَشْتُم﴾: بالخلق، والبطش: الضّرب أو الأخذ بالعنف والشّدة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، وربما القتل وتدل على الغلبة فقد أعطاهم الله القوة في الجسم. ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾: بطشتم للتوكيد، جبارين: من دون رحمة أو شفقة، جبارين جمع جبار وهو الّذي يضرب ويقتل بغير حقٍّ أو المتسلط الظّالم،

стр. 3623

والمتعالي على الآخرين، والظلم كأنهم يمثلون القوة العظمى في ذلك الزمن. وجبارين تعني: لا تلين أو ترق قلوبهم بعد البطش بالآخرين؛ أي: قلوبهم خالية من أي رحمة. سورة الشعراء [٢٦: ١٣١] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: فهذه الأمور الثلاثة: البطش، واتخاذ المصانع، والبناء بكل ريع آية تدل على أنهم يريدون العلو في الأرض والفساد، ولذلك قال لهم: فاتقوا الله كفُّوا عما نهاكم عنه، مثل البطش والتّكبر، وارجعوا إلى خالقكم واعبدوه وحده خير لكم، وكرَّر أمر التّقوى والطّاعة لله وللرسول لأنّهم لم يستجيبوا له. سورة الشعراء [٢٦: ١٣٢] ﴿وَاتَّقُوا الَّذِى أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَاتَّقُوا﴾: أطيعوا الّذي أمدَّكم وانتهوا عما نهى. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿أَمَدَّكُمْ﴾: من المدِّ، وهو الزّيادة في العطاء، ومن خصوصيات القرآن أن يستعمل الفعل (مدَّ) في سياق الخير و (أمدَّ) في سياق الشر. ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق، ما اسم موصول بمعنى الّذي. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: تعرفونه جيداً، ولم يحدد ما أنعم الله عليهم؛ لأنّه لا يُعد ولا يحصى وتركه لهم أن يعدوه ويحصوه، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]. أمدكم بالصحة والمال والسمع والبصر والشمس والقمر والقوة والغلبة وغيرها، نِعم لا تحصى ولا تُعد.

стр. 3624

سورة الشعراء [٢٦: ١٣٣] ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾: ثمّ بيَّن بعض المدِّ والعطاء. ﴿بِأَنْعَامٍ﴾: الباء للإلصاق والملازمة والأنعام ثمانية أزواج من الإبل اثنين ومن البقر اثنين ومن الغنم اثنين ومن المعز اثنين. ﴿وَبَنِينَ﴾: الذّكور كثرة الذّكور. سورة الشعراء [٢٦: ١٣٤] ﴿وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: الجنات: أي: البساتين الخضراء والعيون جمع عين، منابع المياه والأنهار. وعين جمعها أيضاً أعين، أي: الّتي نبصر بها. سورة الشعراء [٢٦: ١٣٥] ﴿إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: ﴿إِنِّى﴾: للتأكيد. ﴿أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: إن كفرتم بالله وأشركتم به وجحدتم نعمه عليكم. يوم عظيم: هو يوم القيامة، وهكذا استعمل هود أسلوب التّرغيب والتّرهيب ودعاهم إلى الإيمان وترك الشّرك وذكرهم بأنعم الله عليهم. سورة الشعراء [٢٦: ١٣٦] ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: الّذين كفروا واستكبروا من قوم عاد، قالوا لهود. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا﴾: أيْ: يستوي عندنا وعظك أو عدمه. ﴿أَوَعَظْتَ﴾: الهمزة للاستفهام والتّسوية، والوعظ هو النّصح بالطّاعة

стр. 3625

والعمل والصّلاح والإرشاد إلى الخير بما يلين القلوب ويتضمن التّحذير والأمر والنّهي بأسلوب التّرغيب والتّرهيب والوعظ بالتزام الخير والبعد عن الشّر. أيْ: سواء وعظت الآن أم لم تعظ أو وعظت في المستقبل أو لم تعظ ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣]. ﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام. أم (المتصلة) للإضراب الانتقالي. ﴿لَمْ﴾: نافية. ﴿تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾: أم لم تعظنا لا يهمنا، ثمّ بيَّنوا سبب عدم إيمانهم .. إن هذا إلا خلق الأولين. الواعظين: جمع واعظ.

стр. 3626

سورة الشّعراء الآيات [١٣٧ - ١٥٩] سورة الشعراء [٢٦: ١٣٧] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾: ﴿إِنْ﴾ نافية بمعنى ما. ﴿هَذَا﴾: اسم إشارة تفيد القرب والهاء للتنبيه. ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾: إلا: أداة حصر، خُلق: أيْ: عادتهم وشأنهم هكذا كانوا يعيشون ويعبدون آلهتهم، ويعتقدون ليس هناك بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار، أيْ: ما جاءت به يا هود هو خُلُقُ الأولين، أيْ: عادة من سبقك من الرّسل وما تقوم به ليس أمراً جديداً. وتفسير ثانٍ: إن هذا الّذي نحن عليه هو خُلُق الأولين، ملة الأجداد ونحن على آثارهم مقتدون، فنحن سنستمر على ذلك، وما نحن لك بمؤمنين. وتفسير ثالث: لمن قرأ خُلُقُ الأولين: خَلْق الأولين: بمعنى: الاختلاق والكذب؛ أي: ما جئتنا به إلا من اختلاق الأولين وكذبهم. سورة الشعراء [٢٦: ١٣٨] ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾: ردّاً على قوله: إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قالوا ما نحن بمعذبين فليس هناك بعث وحساب وعذاب. ﴿وَمَا﴾: النّافية. ﴿نَحْنُ﴾: للتوكيد.

стр. 3627

﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾: الباء للإلصاق معذبين في الآخرة. يقولونها بكل توكيد وثقة وكأنهم أعطوا العهد من الله بعدم عذابهم. سورة الشعراء [٢٦: ١٣٩] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب للترتيب والتّعقيب، كذبوا هود ولم يؤمنوا ويصدقوا بما جاءهم به. ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾: الفاء للتّعقيب والمباشرة بسبب تكذيبهم وإعراضهم، وكان إهلاكهم بالرّيح الصّرصر العاتية، كما ورد في سورة الحاقة آية (٦ ـ ٨). ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً﴾: إنّ واللام للتوكيد، لآية: لعبرة وموعظة لهؤلاء المكذبين من قريش وغيرهم من النّاس؛ لكي يتوبوا إلى ربهم ويستغفروه، وينجوا من العذاب أليم. ورغم هذه الآيات ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ وما كان أكثر قوم هود ولا غيرهم مؤمنين. سورة الشعراء [٢٦: ١٤٠] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿وَإِنَّ﴾: اللام في لهو للتوكيد. ﴿رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الّذي لا يُغلب ولا يقهر والمنتقم من كل جبار متكبر لا يؤمن بيوم الحساب والممتنع لا يضره أحد من خلقه. ﴿الرَّحِيمُ﴾: لمن تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً، ثمّ اهتدى، الرّحيم لا يعجل لهم العذاب؛ لعلهم يتوبون ولا يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون.

стр. 3628

سورة الشعراء [٢٦: ١٤١] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾: تتوالى قصص الأولين على رسول الله ﷺ ، فبعد قصة موسى وإبراهيم ونوح وعاد، تأتي قصة صالح مع قومه ثمود. ﴿ثَمُودُ﴾: كانوا عرباً يسكنون مدينة الحجر على طريق مكة بين الشّام والمدينة شمال الحجاز تعرف اليوم بمدائن صالح، وقبيلة ثمود من بقايا قوم عاد الّذين عادوا إلى مكة بعد هلاك الكافرين منهم، ثمّ تكاثروا وهاجروا إلى شمال الحجاز ونبيهم صالح ﵇ وهو من العرب. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ أيْ: نبيهم صالح. ارجع إلى الآية (١٠٥) من نفس السّورة للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ١٤٢] ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٦) السّابقة. سورة الشعراء [٢٦: ١٤٣] ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٧) السّابقة. سورة الشعراء [٢٦: ١٤٤] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٨) السّابقة. سورة الشعراء [٢٦: ١٤٥] ﴿وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٩) السّابقة. سورة الشعراء [٢٦: ١٤٦] ﴿أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾: الهمزة استفهام إنكاري وتوبيخي، أيْ: لا يعقل أن تتركوا إلى الأبد.

стр. 3629

﴿فِى مَا هَاهُنَا﴾: أيْ: في هذا المكان المليء بالنّعم والخيرات. ﴿آمِنِينَ﴾: مطمئنين غير خائفين، من الله سبحانه، وأنتم على شرككم وكفركم وجحدكم للمنعم، ولا تتوبون إليه ولا تستغفرونه ولا تشكرونه. ثمّ فسر هذا النّعيم بقوله: سورة الشعراء [٢٦: ١٤٧] ﴿فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: ﴿فِى جَنَّاتٍ﴾: جمع جنة، وشبه مزارعهم بالجنات لكثرة خيراتها وثمارها وأشجارها. أي: بساتين وحدائق ومنابع المياه والأنهار والآبار التي تسمى العيون، وليس الأعين؛ لأن الأعين: جمع عين، وتعني: الأعين التي نبصر بها، وكذلك عين تجمع على عيون، وتعني: عيون الماء، وهذا يسمَّى تفصيلاً بعد إجمال. ارجع إلى الآية (١٣٤) للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ١٤٨] ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾: الطلع: الثمر، هضيم: أيْ: ناضج كالرّطب عذق التّمر والنّخيل من الزّروع وخص النّخيل بالذّكر؛ لأنّه من أهم الثّمار الّتي كانوا يعيشون عليها، ومنهم من فسر طلعها هضيم، يعني: طلع النّخلة ناعم لين. سورة الشعراء [٢٦: ١٤٩] ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾: ﴿وَتَنْحِتُونَ﴾: من النّحت أصلها البُراية يقال: نحته، أيْ: براه والنّحت يشبه الحفر. ﴿مِنَ الْجِبَالِ﴾: من بعضية، أيْ: من بعض الجبال بيوتاً. وفي سورة الأعراف الآية (٧٤) قال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ أي:

стр. 3630

كأنهم ينحتون كل الجبال بيوتاً حين كان النحت على أشده في بداية النّهضة، أو الحركة العمرانية كما قال تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ [الأعراف: ٧٤]، الكل يبني وينحت، ثمّ بعد تلك المرحلة قلَّ النّحت فقال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾، وحدث تقدم في مجال الزراعة كما قال تعالى: ﴿فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٧ - ١٤٨] وكذلك كنتم ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ [الأعراف: ٧٤]، مما يدل على حالة الازدهار والنمو والتقدم في النواحي الحياتية في بداية حضارتهم التي ما زال آثارها قائماً إلى اليوم. ﴿بُيُوتًا﴾: المنازل أو الدّور. ارجع إلى سورة النّور آية (٢٧) للبيان. ﴿فَارِهِينَ﴾: بطِرين فرحين بنحتها ومغرورين متكبرين، وفارهين جمع فاره: وهو النشيط الأشر (لسان العرب)، وأصبحت صفة الفَرَهِ ثابتةً لهم، ولا تزال مدائن صالح تشهد لهم بذلك النشاط في البنيان والعمران. سورة الشعراء [٢٦: ١٥٠] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: يؤكد ويُعيد تذكيرهم بتقوى الله وطاعته وشكره على تلك النعم. ارجع إلى الآية (١٠٨) من نفس السّورة. سورة الشعراء [٢٦: ١٥١] ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾: لا: النّاهية. المسرف المتجاوز الحدِّ بالظّلم أو ارتكاب المعاصي والكبائر. أمثال التسعة رهط الّذين وصفهم في الآية التالية (١٥٢) بالمفسدين. والإسراف: أن تتجاوز ما أحله الله فتدخل فيه الحرام، أو لا تقف عند حدود الحلال وتتعداها إلى الدخول في حدود الحرام لكي تكسبه، والإسراف

стр. 3631

يشمل الكسب، أو الإنفاق في الحرام، وكما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. سورة الشعراء [٢٦: ١٥٢] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول يفيد الذمَّ. ﴿يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ﴾: بالقتل والسّرقة وقطع الطّريق وانتهاك المحارم؛ لكي يأكلوا أموال الناس بالباطل. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة لبيان معنى: الفساد. يفسدون: صيغة المضارع الّتي تدل على تكرار فسادهم واستمراره ولم ينقطع أو يتوقف. ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾: للتوكيد؛ لأن يفسدون تعني: لا يصلحون. ولا يصلحون: لا يقومون بأي إصلاح، الإصلاح: لغة ضد الفساد والإصلاح يشمل العقيدة التوحيد ونبذ الشّرك وإصلاح السّلوك، والبعد عما حرم الله تعالى، وعدم الإسراف. ولا يصلحون: تدل على تجدد وتكرار هذا الفساد الذي هو دأبهم. سورة الشعراء [٢٦: ١٥٣] ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: أي: الّذين كفروا من قومه لصالح. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿أَنْتَ﴾: للتوكيد والحصر. ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾: من ابتدائية، جمع مُسحَّر، وهي صيغة مبالغة تدل على أنك يا صالح سُحرت عدة مرات، وليس مرة واحدة (مسحور) مغلوب على عقلك، ولا يُسمع لقولك ولا يؤبه لنصحك، فمن الأقوام مَنْ وصفوا نبيهم إما

стр. 3632

هو نفسه ساحر أو مسحور أو من المسحَّرين؛ لكي يصدوا غيرهم من تصديقه والاستجابه له. سورة الشعراء [٢٦: ١٥٤] ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: ﴿مَا أَنْتَ﴾: ما النّافية، أنت للتوكيد وحصراً، وإذا قارنا (ما أنت) في قصة صالح، والآية (١٨٦) في قصة شعيب وهي قوله: (وما أنت) بزيادة الواو العاطفة نجد (ما أنت) في قصة صالح قد سبقها (إنما أنت من المسحرين) فجاءت (ما أنت) بدل من (إنما أنت من المسحرين)، أما في قصة شعيب الواو عاطفة؛ أي: بالإضافة إلى كونهم وصفوه من المسحرين سألوه بأن يأتي لهم بآية أو معجزة، بينما قوم صالح لم يطلبوا ذلك وكانوا أقل عناداً وعتواً. ﴿بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾: فما الّذي جعلك أفضل منا أو أعطاك صفة النّبوة لتكون رسولاً إلينا. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾: إن كنت تدَّعي النّبوَّة فائْتِ لنا بآية معجزة تدل على صدق نبوَّتك أو دليل قاطع. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والشّك، أيْ: نشك أنك من الصادقين. ﴿كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: الصادقين على صحة نبوَّتك أو الصّادقين بما جئتنا به، أيْ: من المستبعد أن تكون قادراً على الإتيان بآية. سورة الشعراء [٢٦: ١٥٥] ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾: وبعد أن سألهم: ما نوع الآية الّتي يريدونها قالوا له أن تخرج لنا من هذه الصّخرة الصّماء ناقة عشراء تمخض، وقبل أن يأتي بها أخذ عليهم العهد ليتقوا الله ويطيعوه. ثمّ دعا صالح ربه فاستجاب له فتحركت تلك الصّخرة وتصدعت عن تلك

стр. 3633

الناقة؛ لتكون آية على نبوَّة صالح، وبعد أن شاهدوا ذلك بأم أعينهم طلب منهم أن يتركوها تشرب وترعى في يوم لوحدها، وفي اليوم التّالي يكون لشرب أنعامهم ومواشيهم ولا تشاركهم النّاقة، أيْ: يوم للناقة ويوم لمواشيهم. ﴿لَهَا شِرْبٌ﴾: لها نصيب من الماء أو حظ من السّقي. ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾: فلا تشارك النّاقة في الشرب، وإذا كان يومها شربت من الماء ما تشاء. سورة الشعراء [٢٦: ١٥٦] ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: ﴿وَلَا﴾: النّاهية. ﴿تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: المس هو أخف حالات اللمس: مجرد اللمس، بسوء: الباء للإلصاق، بأيِّ سوء مهما كان، الباء باء التّعليل، سوء نكرة أيِّ سوء، والسّوء أعم من العقر، ويشمل كل أنواع السّوء. ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: فيأخذكم: الفاء: تدل على الترتيب والمباشرة، ويأخذكم من الأخذ؛ أي: بشدة، وعنف، ويعني: العقاب. فيحل عليكم عذاب يوم عظيم إذا اعتديتم عليها أو عقرتموها أو منعتموها، ففي الآية تهديد ووعيد. عذاب يوم عظيم: عظيم قد ترجع إلى اليوم أو إلى العذاب أو كلاهما. وفي الآية (٧٣) من سورة الأعراف قال تعالى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وفي الآية (٦٤) من سورة هود: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾؛ نحن نعلم أن العذاب العظيم هو أشد وأفظع من العذاب الأليم، ففي آية الأعراف هددهم بالعذاب الأليم، وكان ذلك في بداية العصيان والتحدي لإيقاع الأذى بالناقة، وفي آية الشعراء هددهم بالعذاب العظيم بعد أن تمادوا بالعصيان والتحدي، وفي آية هود هددهم بالعذاب القريب بعد أن عقروا الناقة.

стр. 3634

سورة الشعراء [٢٦: ١٥٧] ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، عقروها: من العقر وهو الجرح أو قطع عضو من أعضائها، عقروها: ذبحوها، فقال لهم صالح: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب بصيغة الجمع والّذي عقرها هو قدار بن سالف، كما تشير الروايات، ولكن الّذين اشتركوا في مؤامرة العقر تسعة رهط، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِى الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]، ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]. ﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾: حين رأوا العذب وندموا حين لا ينفع الندم ـ فهو ندم الخائفين من العذاب أن يحل بهم ـ وليس ندم التائبين. وأنه قد جاء أمر ربك. سورة الشعراء [٢٦: ١٥٨] ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾: فأخذتهم الرّجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٨) من نفس السّورة. وما كان أكثرهم: أيْ: ما كان أكثر قوم صالح مؤمنين. سورة الشعراء [٢٦: ١٥٩] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (٩) من نفس السّورة للبيان.

стр. 3635

سورة الشّعراء الآيات [١٦٠ - ١٨٣] سورة الشعراء [٢٦: ١٦٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾: ارجع إلى الآية (١٥٠) من نفس السّورة للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ١٦١] ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٦) للبيان. ولوط قيل: هو لوط بن هارون بن آزر، ولوط ابن أخي إبراهيم ﵇. واسم لوط باللغة يعني: المصلح. سورة الشعراء [٢٦: ١٦٢] ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٧) للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ١٦٣] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٨) للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ١٦٤] ﴿وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ارجع إلى الآية (١٠٩) للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ١٦٥] ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾: كناية عن الفاحشة، وهي وطء الرّجال (عمل قوم لوط)، أتأتون: الهمزة للاستفهام والتّوبيخ والإنكار، وفي سورة الأعراف آية (٨٠) قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 3636

الذكران: جمع ذكر؛ أي: الذّكور. والفرق بين الذّكور والذّكران: الذّكران تدل على القلة والذكور تدل على الكثرة والذكران تشمل الشباب والشيوخ والأطفال، كقوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]. ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: من النّاس، من بني آدم: إذ كانوا يعملون الفاحشة مع الغرباء إذا نزلوا ديارهم بصورة عامة، حيث كانت مسألة أو خصلة انفردوا بها دون العالم كله لم يمارسها في عالمهم أو زمانهم كله إلا هم فقط. وفي آية أخرى قال: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]. سورة الشعراء [٢٦: ١٦٦] ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾: تتركون فروج نسائكم وترغبون في أدبار الرّجال، لكم: اللام لام الاختصاص. ﴿مِّنْ أَزْوَاجِكُم﴾: خلق لكم ربكم من أزواجكم: فيها إبهام مراعاة للأدب الرباني. من فروجهنَّ بالنّكاح الشّرعي. من: للبيان، أو للتبعيض، وفيه إشارة غلى قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب انتقالي. ﴿أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾: جمع عادٍ متجاوز حدَّ الحلال إلى حدِّ الحرام بالفاحشة وهي (عمل قوم لوط)، أيْ: قوم تجاوزتم الحدود الشّرعية الفطرية إلى حدود ما حرَّم الله تعالى، عادون: أيْ: أصبحت صيغة التّجاوز ومخالفة شرع الله ثابتة عندكم ومستمرة. سورة الشعراء [٢٦: ١٦٧] ﴿قَالُوا لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: أيْ: قوم لوط.

стр. 3637

﴿لَئِنْ لَّمْ﴾: لئن: مركبة من اللام وإن، اللام لام التّوكيد، إن الشّرطية تفيد الشّك أو الاحتمال، لم حرف نفي. ﴿تَنْتَهِ يَالُوطُ﴾: تكفَّ عن نهينا ووعظنا وتحذيرنا. ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾: من المطرودين من قريتنا، أنت ومن اتبعك، الكل مطرودون من قريتنا، واللام في لتكونن، والنون: لزيادة التوكيد على طرده من قريتهم. بينما قال قوم نوح لنوح ﵇: ﴿لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾، بينما قال قوم لوط للوط ﵇: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾؛ لأن لوط ﵇ هاجر إليهم وليس منهم، وليس له نصير أو عشيرة، وإخراجه أمر سهل بدلاً من قتله. سورة الشعراء [٢٦: ١٦٨] ﴿قَالَ إِنِّى لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾: ﴿قَالَ﴾: لوط. ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿لِعَمَلِكُمْ﴾: الفاحشة، اللام للتوكيد والاختصاص. ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾: جمع القالي اسم فاعل، القلى: أشد البغض مع النفور، القالين: المبغضين أشد البعض، لعَمَلِكم، أيْ: أكرهه وأكره من يعمله، مبالغة في إنكاره عليهم، أيْ: هذا الفعل موجب للبغض الشديد والكره. سورة الشعراء [٢٦: ١٦٩] ﴿رَبِّ نَجِّنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾: لما رأى لوط إصرار قومه على فعل هذه الفاحشة، لم يجد له مخرجاً إلا اللجوء إلى الله تعالى يطلب منه النّجاة ولأهله. ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾: من ابتدائية، ما اسم موصول بمعنى الّذي يعملون أو مصدرية من عملهم الفاحشة والمنكر، يعملون: تضم الأقوال والأفعال. ويعملون تشير إلى استمرار عملهم الفاحشة، ولم ينقطع.

стр. 3638

سورة الشعراء [٢٦: ١٧٠] ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾: الفاء تدل على المباشرة والتّعقيب، نجيناه: ببطء. ﴿وَأَهْلَهُ﴾: ابنتاه. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: للتوكيد. سورة الشعراء [٢٦: ١٧١] ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِى الْغَابِرِينَ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿عَجُوزًا﴾: أي: امرأته الّتي كانت غير مصدقة لرسالة لوط وراضية عن عمل القوم للفحشاء، وقيل: كانت تنقل الأخبار إلى قوم لوط وتساعدهم. ﴿فِى الْغَابِرِينَ﴾: في ظرفية زمانية ومكانية، الغابرين: الباقين في العذاب أو الهالكين، يقال: غبرت في عذاب الله، أيْ: بقيت. سورة الشعراء [٢٦: ١٧٢] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب الذّكري العددي. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾: من التّدمير يعني: الهلاك التام والإبادة من دون سابق إنذار لهم. ويشمل الدّمار الكل الصّغير والكبير والذّكر والأنثى والبنيان والشّجر والحيوان وكل شيء، الآخرين: أيْ: من قوم لوط. ارجع إلى سورة الإسراء آية (١٦) لبيان معنى الدمار. سورة الشعراء [٢٦: ١٧٣] ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾: بعد أن جعل عاليها سافلها وائتفكت: انقلبت بواسطة جبريل ﵇. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم﴾: وأمطرنا: نسب المطر إليه سبحانه للدلالة على هول المطر

стр. 3639

ولم يسبق له مثيل، ومن خصائص القرآن أن يستعمل كلمة المطر للدلالة على المطر الذي يحمل العذاب والهلاك والدمار والفيضانات، ويستعمل كلمة الغيث التي تدل على الخير والنفع؛ أمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود، سجيل طين: متحجِّر. ارجع إلى سورة الحجر آية (٧٤) لبيان المعنى العلمي للمطر. ﴿مَّطَرًا﴾: للتوكيد. ﴿فَسَاءَ﴾: من أفعال الذّم؛ أي: بئس مشتقة من ساءه الأمر؛ أي: أحزنه. ﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾: المنذرين بالهلاك والمنذرين اسم للجنس. أي: قوم لوط. سورة الشعراء [٢٦: ١٧٤] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿إِنَّ﴾ للتوكيد، واللام في لآية للتوكيد، أيْ: ما حدث لقوم لوط آية وعبرة ودلالة على إهلاك وتدمير لكل من يعمل تلك الفاحشة في الدّنيا والعقاب الأشد هو في الآخرة. سورة الشعراء [٢٦: ١٧٥] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (٩) من نفس السّورة. سورة الشعراء [٢٦: ١٧٦] ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ﴾: وقيل: أصحاب لَيْكَة عباد الأيكة، والأيكة: شجر كثيف ناعم ملتف على نفسه، وقيل: كانوا قرب مدين. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: كذبوا شعيباً. ارجع إلى الآية (١٠٥) للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ١٧٧] ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾: لم يقل: أخوهم شعيباً؛ لأنّ شعيباً لم يكن يعرفهم، وكان غريباً عنهم أرسله الله

стр. 3640

سبحانه إليهم وإلى مدين من قبل. وحين يذكر قوم مدين يقول: أخاهم شعيباً. ارجع إلى الآية (١٠٦) من نفس السّورة للبيان. سورة الشعراء [٢٦: ١٧٨] ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٧). سورة الشعراء [٢٦: ١٧٩] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٨). سورة الشعراء [٢٦: ١٨٠] ﴿وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٩). سورة الشعراء [٢٦: ١٨١] ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾: ﴿أَوْفُوا﴾: أتموا. ﴿الْكَيْلَ﴾: الشّيء الّذي يكال به؛ أي: المكيال والكيل. مثل الطّعام (الحب أو الشّعير أو القمح أو الرز .... ) وكَالَ: المُعطي. اكتال: الآخذ. ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾: لا: النّاهية، المخسرين: جمع مخسر من فعل أخسر، تكونوا من المخسرين: أي: المنقصين للكيل حين البيع، والمخسر هو الّذي يكون السّبب أو يتسبب في خسارة الآخر. ففي هذه الآية أمر بإتمام الكيل، وهذا هو الواجب، ونهى عن التّطفيف: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ارجع إلى سورة المطففين الآية (١ - ٣). وأما إذا أراد أن يزيد في الكيل للمشتري تكرماً منه فلا مانع فقد أحسن في فعله.

стр. 3641

سورة الشعراء [٢٦: ١٨٢] ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: وزنوا حوائجكم بالقسطاس: بالميزان المستقيم العادل السّوي؛ أي: بأعدل الموازين. ارجع إلى سورة الإسراء آية (٣٥) لمزيد من البيان. سورة الشعراء [٢٦: ١٨٣] ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: ﴿وَلَا﴾: لا النّاهية. ﴿تَبْخَسُوا﴾: من البخس، النّقص بأيِّ نوع سواء كان بالغصب أو الظلم أو التلاعب والغش أو التسلط أو البغي والطّغيان أو الرّشوة؛ أي: لا تنقصوهم ظلماً، وأما الفرق بين البخس والنقصان؛ النقصان: يكون بالظلم وغير الظلم، وأما البخس: لا يكون إلا بالظلم. ﴿النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ أيْ: حقوقهم أو سلعهم أو موادهم. ﴿وَلَا﴾: لا النّاهية تكرارها للتوكيد وفصل البخس عن العثو في الأرض. ﴿تَعْثَوْا﴾: من عثا؛ أي: أفسد. العثو: هو أشد الفساد، فهم كانوا متمادين في الفساد في الأرض أي: لا تفسدوا في الأرض كل هذا الفساد، ولا يعني الفساد القليل مسموح به، وإنما انتهوا عن الفساد بكل أشكاله. ﴿مُفْسِدِينَ﴾: للتوكيد. قوله تعالى: لا تعثوا: لا تفسدوا في الأرض. مفسدين؛ أي: بقصد أو نية أو بدون قصد أو بنية. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لمزيد من البيان.

стр. 3642

سورة الشّعراء الآيات [١٨٤ - ٢٠٦] سورة الشعراء [٢٦: ١٨٤] ﴿وَاتَّقُوا الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾: أطيعوا أوامر الّذي خلقكم أي: الله العزيز الحكيم وكفوا عما نهاكم عنه. الذي: اسم موصول مختص بالمفرد المذكر ويفيد التوحيد. ﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾: الّذي خلقكم وخلق الجبلة الأولى: أوائل الأولين أوائل الخلق ذوي الجبلة، أي: الخلقة الطّبيعية القوية كقوله تعالى: ﴿وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩]، كانوا كأنهم الجبال القوية لشدتهم مثل: قوم عاد الذين قالوا ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]. الجبلة: الأمة أو الجماعة من الخلق مشتقة من الجبل ففيه صفات القوة والفخامة، أو اتقوا الّذي خلقكم والجبلة الأولين السّابقين الأولين الّذي جبلوا على العناد والتّكذيب لرسلهم أو كانوا كالجبال في قوتهم وشدتهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢]. سورة الشعراء [٢٦: ١٨٥] ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾: ارجع إلى الآية (١٥٣) من نفس السّورة. سورة الشعراء [٢٦: ١٨٦] ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: ﴿وَمَا أَنْتَ﴾: الواو: واو العطف (تعاطف النعوت)؛ أيْ: ما أنت إلا بشر

стр. 3643

مثلنا وما أنت إلا من المسحرين، وإن نظنك لمن الكاذبين. ارجع إلى الآية (١٥٤) من نفس السورة لمعرفة الفرق بين (ما أنت) (وما أنت). أي: ما أنت إلا بشر مثلنا سُحر مرات عديدة، وكاذب. ﴿أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾: أنت: للتوكيد، إلا: للحصر، بشر مثلنا: ليس عندك شيء يميزك علينا. ﴿وَإِنْ﴾: الواو للتوكيد، إن: تعليلية. ﴿نَظُنُّكَ﴾: من الظن: وهو الاحتمال الراجح. ﴿لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: اللام للتوكيد، من ابتدائية، الكاذبين: فيما تدعونا إليه من الإصلاح وتستمر في ذلك ولا تتوقف، والكاذبين: جمع كاذب، وتدل على أن صفة الكذب ثابتة عندك مخاطبين شعيب، وفي سورة الأعراف آية (٦٦) قال قوم عاد لهود: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ إضافة اللام (لنظنك) مما دل على أن تكذيب قوم عاد أشد من تكذيب أصحاب الأيكة لشعيب. سورة الشعراء [٢٦: ١٨٧] ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: إن كنت صادقاً فادعوا الله أن يسقط علينا كسفاً من السّماء: مفردها كِسْفة مثل قطع وقطعة، أي: قطعاً من العذاب من عذاب السّماء مثل البرق أو النّار أو ريحاً عاتية فهم لا يصدقون أن شعيباً مرسل من ربه. ﴿كِسَفًا﴾: بفتح السّين قطعاً عديدة، أما كِسْفاً: بسكون السّين، أي: قطعة واحدة كبيرة أو قطعة واحدة مهما كان حجمها. وقد تبين من الأبحاث الفلكية

стр. 3644

أن هناك (٢٠٠ - ٤٠٠) مادة، أو أشياء تسقط على الأرض كل عام، وهناك أكثر من (١٧٠ مليون) قطعة من حطام الكواكب وغيرها تحاول اختراق الطبقات المحيطة بالأرض، وكثير من الأجسام أقل (١ ملم) وهناك (٣٠، ٠٠٠) أكبر من الطابة، وحوالي (١٠٠٠) حجمها حجم المركبات الفضائية، وتشكل خطراً حقيقياً لأهل الأرض، ولكن معظمها يسقط في البحار والمحيطات؛ لأنها تشكل أكثر من (٧٠%) من الأرض. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الشّك أو الاحتمال. ﴿كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: صادقاً في ادِّعائك النّبوَّة أو صادقاً فيما تعدنا من العذاب. سورة الشعراء [٢٦: ١٨٨] ﴿قَالَ رَبِّى أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: قال شعيب لأصحاب الأيكة: ﴿رَبِّى أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: الباء للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية، تعملون: العمل يشمل القول والفعل، أي: تقولون وتفعلون مثل: نقصان الكيل والميزان، والإفساد في الأرض، والظلم، وقطع الطريق. أي: رب أعلم بأحوالكم ويعلم نواياكم وما تخفي صدوركم وما إذا كنتم تستحقون العذاب العاجل أو الآجل وإسقاط الكِسْف، أو غير ذلك فله الحكم، وإليه ترجع الأمور.

стр. 3645

سورة الشعراء [٢٦: ١٨٩] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: الفاء للتوكيد، كذبوا شعيباً، واستمروا على تكذيبه ولم يعد هناك الأمل في إيمانهم أو توبتهم. ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: أي: أهلكناهم بالظّلة (بالسحابة أو الكِسفة) كما طلبوا أن يسقط عليهم كِسَفاً من السّماء، فكان بعذاب يوم الظّلة. قال كثير من المفسرين: سلط الله سبحانه عليهم شدة الحر في الليل والنّهار فأخذ أنفاسهم لا ظل ولا ماء ولا ريح تهب عليهم، فأرسل الله تعالى نحوهم غمامة فيها البرد والنّسيم فاجتمعوا تحتها جميعاً فأنزل الله عليهم برقاً وناراً فصعقوا بها. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: يوم شديد الهول؛ حيث كان يعمُهم الفرح والأمل في التخلص من الشدة والكرب الذي أصابهم بسبب الحر الشديد؛ فإذا هم يفاجؤون بالنار المحرقة والصواعق من السماء التي أهلكتهم، ونجى شعيب والذين آمنوا معه. سورة الشعراء [٢٦: ١٩٠] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٨) من نفس السّورة. ﴿لَآيَةً﴾: اللام للتوكيد، دلالة على نبوَّة شعيب وصحَّة ما دعاهم إليه وعبرة لأهل مكة وغيرهم من الكفار بأن يصدِّقوا برسولهم وما أنزل إليه من ربه. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم﴾: أصحاب الأيكة أو غيرهم من الناس.
следующие страницы →