Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
سورة الشعراء [٢٦: ١٨٢]
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾:
وزنوا حوائجكم بالقسطاس: بالميزان المستقيم العادل السّوي؛ أي: بأعدل الموازين. ارجع إلى سورة الإسراء آية (٣٥) لمزيد من البيان.
سورة الشعراء [٢٦: ١٨٣]
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾:
﴿وَلَا﴾: لا النّاهية.
﴿تَبْخَسُوا﴾: من البخس، النّقص بأيِّ نوع سواء كان بالغصب أو الظلم أو التلاعب والغش أو التسلط أو البغي والطّغيان أو الرّشوة؛ أي: لا تنقصوهم ظلماً، وأما الفرق بين البخس والنقصان؛ النقصان: يكون بالظلم وغير الظلم، وأما البخس: لا يكون إلا بالظلم.
﴿النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ أيْ: حقوقهم أو سلعهم أو موادهم.
﴿وَلَا﴾: لا النّاهية تكرارها للتوكيد وفصل البخس عن العثو في الأرض.
﴿تَعْثَوْا﴾: من عثا؛ أي: أفسد. العثو: هو أشد الفساد، فهم كانوا متمادين في الفساد في الأرض أي: لا تفسدوا في الأرض كل هذا الفساد، ولا يعني الفساد القليل مسموح به، وإنما انتهوا عن الفساد بكل أشكاله.
﴿مُفْسِدِينَ﴾: للتوكيد. قوله تعالى: لا تعثوا: لا تفسدوا في الأرض. مفسدين؛ أي: بقصد أو نية أو بدون قصد أو بنية.
ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لمزيد من البيان.
стр. 3642
سورة الشّعراء الآيات [١٨٤ - ٢٠٦]
سورة الشعراء [٢٦: ١٨٤]
﴿وَاتَّقُوا الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾:
﴿وَاتَّقُوا الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾: أطيعوا أوامر الّذي خلقكم أي: الله العزيز الحكيم وكفوا عما نهاكم عنه. الذي: اسم موصول مختص بالمفرد المذكر ويفيد التوحيد.
﴿وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾: الّذي خلقكم وخلق الجبلة الأولى: أوائل الأولين أوائل الخلق ذوي الجبلة، أي: الخلقة الطّبيعية القوية كقوله تعالى: ﴿وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩]، كانوا كأنهم الجبال القوية لشدتهم مثل: قوم عاد الذين قالوا ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥].
الجبلة: الأمة أو الجماعة من الخلق مشتقة من الجبل ففيه صفات القوة والفخامة، أو اتقوا الّذي خلقكم والجبلة الأولين السّابقين الأولين الّذي جبلوا على العناد والتّكذيب لرسلهم أو كانوا كالجبال في قوتهم وشدتهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢].
سورة الشعراء [٢٦: ١٨٥]
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾:
ارجع إلى الآية (١٥٣) من نفس السّورة.
سورة الشعراء [٢٦: ١٨٦]
﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾:
﴿وَمَا أَنْتَ﴾: الواو: واو العطف (تعاطف النعوت)؛ أيْ: ما أنت إلا بشر
стр. 3643
مثلنا وما أنت إلا من المسحرين، وإن نظنك لمن الكاذبين. ارجع إلى الآية (١٥٤) من نفس السورة لمعرفة الفرق بين (ما أنت) (وما أنت).
أي: ما أنت إلا بشر مثلنا سُحر مرات عديدة، وكاذب.
﴿أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾: أنت: للتوكيد، إلا: للحصر، بشر مثلنا: ليس عندك شيء يميزك علينا.
﴿وَإِنْ﴾: الواو للتوكيد، إن: تعليلية.
﴿نَظُنُّكَ﴾: من الظن: وهو الاحتمال الراجح.
﴿لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: اللام للتوكيد، من ابتدائية، الكاذبين: فيما تدعونا إليه من الإصلاح وتستمر في ذلك ولا تتوقف، والكاذبين: جمع كاذب، وتدل على أن صفة الكذب ثابتة عندك مخاطبين شعيب، وفي سورة الأعراف آية (٦٦) قال قوم عاد لهود: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ إضافة اللام (لنظنك) مما دل على أن تكذيب قوم عاد أشد من تكذيب أصحاب الأيكة لشعيب.
سورة الشعراء [٢٦: ١٨٧]
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾:
إن كنت صادقاً فادعوا الله أن يسقط علينا كسفاً من السّماء: مفردها كِسْفة مثل قطع وقطعة، أي: قطعاً من العذاب من عذاب السّماء مثل البرق أو النّار أو ريحاً عاتية فهم لا يصدقون أن شعيباً مرسل من ربه.
﴿كِسَفًا﴾: بفتح السّين قطعاً عديدة، أما كِسْفاً: بسكون السّين، أي: قطعة واحدة كبيرة أو قطعة واحدة مهما كان حجمها. وقد تبين من الأبحاث الفلكية
стр. 3644
أن هناك (٢٠٠ - ٤٠٠) مادة، أو أشياء تسقط على الأرض كل عام، وهناك أكثر من (١٧٠ مليون) قطعة من حطام الكواكب وغيرها تحاول اختراق الطبقات المحيطة بالأرض، وكثير من الأجسام أقل (١ ملم) وهناك (٣٠، ٠٠٠) أكبر من الطابة، وحوالي (١٠٠٠) حجمها حجم المركبات الفضائية، وتشكل خطراً حقيقياً لأهل الأرض، ولكن معظمها يسقط في البحار والمحيطات؛ لأنها تشكل أكثر من (٧٠%) من الأرض.
﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الشّك أو الاحتمال.
﴿كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: صادقاً في ادِّعائك النّبوَّة أو صادقاً فيما تعدنا من العذاب.
سورة الشعراء [٢٦: ١٨٨]
﴿قَالَ رَبِّى أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾:
قال شعيب لأصحاب الأيكة:
﴿رَبِّى أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: الباء للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية، تعملون: العمل يشمل القول والفعل، أي: تقولون وتفعلون مثل: نقصان الكيل والميزان، والإفساد في الأرض، والظلم، وقطع الطريق.
أي: رب أعلم بأحوالكم ويعلم نواياكم وما تخفي صدوركم وما إذا كنتم تستحقون العذاب العاجل أو الآجل وإسقاط الكِسْف، أو غير ذلك فله الحكم، وإليه ترجع الأمور.
стр. 3645
سورة الشعراء [٢٦: ١٨٩]
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾:
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: الفاء للتوكيد، كذبوا شعيباً، واستمروا على تكذيبه ولم يعد هناك الأمل في إيمانهم أو توبتهم.
﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: أي: أهلكناهم بالظّلة (بالسحابة أو الكِسفة) كما طلبوا أن يسقط عليهم كِسَفاً من السّماء، فكان بعذاب يوم الظّلة. قال كثير من المفسرين: سلط الله سبحانه عليهم شدة الحر في الليل والنّهار فأخذ أنفاسهم لا ظل ولا ماء ولا ريح تهب عليهم، فأرسل الله تعالى نحوهم غمامة فيها البرد والنّسيم فاجتمعوا تحتها جميعاً فأنزل الله عليهم برقاً وناراً فصعقوا بها.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: يوم شديد الهول؛ حيث كان يعمُهم الفرح والأمل في التخلص من الشدة والكرب الذي أصابهم بسبب الحر الشديد؛ فإذا هم يفاجؤون بالنار المحرقة والصواعق من السماء التي أهلكتهم، ونجى شعيب والذين آمنوا معه.
سورة الشعراء [٢٦: ١٩٠]
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾:
ارجع إلى الآية (٨) من نفس السّورة.
﴿لَآيَةً﴾: اللام للتوكيد، دلالة على نبوَّة شعيب وصحَّة ما دعاهم إليه وعبرة لأهل مكة وغيرهم من الكفار بأن يصدِّقوا برسولهم وما أنزل إليه من ربه.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم﴾: أصحاب الأيكة أو غيرهم من الناس.
стр. 3646
﴿مُّؤْمِنِينَ﴾: رغم كل هذه الآيات.
سورة الشعراء [٢٦: ١٩١]
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾:
ارجع إلى الآية (٩) من نفس السّورة.
سورة الشعراء [٢٦: ١٩٢]
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ﴾: إن واللام في كلمة لتنزيل توكيدان على صحَّة نزول القرآن من عند الله على محمّد ﷺ .
وأنّه: هاء الضّمير تعود إلى القرآن.
﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: تنزيل: تفيد العلو، أي: مُنزل من رب العالمين.
رب: أي: الخالق والمربي والمدبر والحاكم والمسيطر والرّزاق.
العالمين: جمع عالم يشمل عالم الإنس والجن والملائكة.
سورة الشعراء [٢٦: ١٩٣]
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾:
﴿نَزَلَ بِهِ﴾: نزل بالقرآن الكريم بالتّدريج.
﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾: جبريل ﵇، وسمِّي روحاً كما سمَّى الله سبحانه القرآن روحاً حيث قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
سورة الشعراء [٢٦: ١٩٤]
﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾:
نزل به الرّوح الأمين على قلبك يا محمّد ﷺ .
نزل بالقرآن الكريم على قلبك مباشرة ولم يقل: على سمعك أو أذنك أي:
стр. 3647
تجاوز أداة السّمع رغم كونها وسيلة للوصول إلى القلب؛ لأنّه ليس لسماع الأذن قيمة إذا لم يَعِ القلب ما تسمع الأذن، والقلب بما يضخ من الدّم والأوكسجين هو سبب حياة كل عضو وما دام نزل به على القلب فقد استقر وأصبح عقيدة راسخة والقلب ليس فقط مضخة للدّم، كما كان يعتقد، بل هو الفؤاد.
ارجع إلى سورة الحج آية (٤٦) للبيان.
﴿لِتَكُونَ﴾: اللام تعليلية.
﴿مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾: من الإنذار، وهو الإعلام مع التّحذير قبل وقوع الأمر المحذور منه أو الشّر وحين يقع العذاب أو الشّر، فلا جدوى عندها من الإنذار، المنذرين: جمع منذر، أي: الرّسل والدّعاة إلى الله تعالى والمخاطب هو رسول الله ﷺ .
سورة الشعراء [٢٦: ١٩٥]
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُبِينٍ﴾:
نزل به جبريل (الروح الأمين) بلسان عربي، بلغة عربية هي لغتك ولغة قومك والباء للإلصاق، أو بلسان قريش اللسان العربي المبين؛ لتنذر به وذكرى للمؤمنين.
﴿مُبِينٍ﴾: واضح لكل فرد يتكلم ويفهم اللغة العربية وجلي واضح بنفسه لا يحتاج إلى دليل أو برهان.
стр. 3648
سورة الشعراء [٢٦: ١٩٦]
﴿وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾:
﴿وَإِنَّهُ﴾: أي: القرآن الكريم، وقيل: قد تعني أيضاً الرّسول ﷺ والمرجَّح هو القرآن.
﴿لَفِى﴾: اللام للتوكيد، في ظرفية مكانية وزمانية.
﴿زُبُرِ﴾: جمع زبور، والزّبور يعني: كتاب سماوي مسطور.
ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣) لمزيد من البيان في معنى زُبُر.
﴿الْأَوَّلِينَ﴾: أي: الكتب السّماوية السّابقة كالتّوراة والإنجيل وغيرها. ومعنى ذلك أن القرآن مذكور في سائر الكتب السّماوية التي جاءت قبله ومبشر به.
سورة الشعراء [٢٦: ١٩٧]
﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاؤُا بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾:
﴿أَوَلَمْ﴾ الهمزة همزة استفهام توبيخي، والواو تدل على شدة إنكار مشركي مكة أنّ القرآن منزل من عند الله .
﴿يَكُنْ لَّهُمْ آيَةً﴾: لهم: اللام لام الاختصاص، أي: لكفار مكة أو مشركيها أو غيرهم من المكذبين.
﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾: أي: القرآن أو محمّد ﷺ ، والآية تحتمل المعنيين.
ألا تكفِي كفار مكة وغيرهم آية كون القرآن مذكوراً في الكتب السّماوية السّابقة مثل التّوراة والإنجيل، ويعلم علماء بني إسرائيل ذلك آية، أي: علامة أو
стр. 3649
دليلاً واضحاً على كونه حقاً، وأنه منزل من ربك وأن النّبي حقٌّ ونبوَّته حقٌّ، وأنه أيضاً مذكور في كتبهم.
﴿عُلَمَاؤُا بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: أمثال عبد الله بن سلام وأسد وأسيد وثعلبة وابن يامين وغيرهم، كما ذكر السيوطي في الدر المنثور الجزء السادس. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٤٣) في سورة العنكبوت، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾: نجد أن علماء جمع تكسير، وعالمون جمع مذكر سالم؛ علماء: تشمل الكل كل العلماء، وطلاب العلم الذين يدرسون عدة علوم، والعالمون: الفئة الخاصة التي اختصت بعلم ما، أو تبحرت في علم من العلوم.
سورة الشعراء [٢٦: ١٩٨]
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: شرطية.
﴿نَزَّلْنَاهُ﴾: أي: القرآن نزلناه منجماً مفرقاً.
﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾: بعض الأعاجم: الأعجمي: هو من لا يُحسن اللغة العربية وإن كان عربياً، والعجمي: من أصله عجمي (غير عربي) ولو أجاد اللغة العربية، أي: لو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعاجم (من لا يُحسن اللغة العربية) فقرأه على كفار مكة أو قريش ما صدَّقوا به واتهموه ولم يتبعوه لفرط عنادهم وتكبرهم.
سورة الشعراء [٢٦: ١٩٩]
﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾:
فقرأه: أي: تلاه عليهم، والفاء للمباشرة، أي: لكفروا به بحُجَّة أنّهم لا يفقهوا ما يقرؤه عليهم من القرآن؛ لأنّه أعجمي.
стр. 3650
سورة الشعراء [٢٦: ٢٠٠]
﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِى قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾:
﴿كَذَلِكَ﴾: أي: مثل ذلك.
﴿سَلَكْنَاهُ﴾: السّلك الإدخال بسهولة، أي: لو قرأه عليهم أعجمي أو قرأه عليهم محمّد ﷺ نفس الشّيء سيكذبون به، ويستمرون على ذلك حتّى يروا العذاب الأليم.
أو سلكناه في قلوب المجرمين (المشركين) كأنّهم عجم لا يفهمون منه شيئاً، ولا يؤمنون به حتّى يروا العذاب الأليم. ولو قارنا هذه الآية مع الآية (١٢) من سورة الحجر وهي قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ نجد آية الحجر جاء فيها بالفعل المضارع (فسلكه) الذي يدل على التجدد والاستمرار والتكرار الذي يشير إلى استمرار إرسال الرسل إلى أقوامهم، وأما آية الشعراء: جاء بالفعل الماضي (سلكناه) الذي يشعر إلى حدث انتهى ومضى، وهو إنزال القرآن على قلب رسول الله ﷺ .
﴿الْمُجْرِمِينَ﴾: جمع مجرم. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، والجاثية آية (٣١) للبيان.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٠١]
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾:
﴿لَا﴾: النّافية، لا يؤمنون بالقرآن ويستمرون على تكذيبهم به حتّى يموتوا وعندها يروا العذاب الأليم ويعلموا أنّه الحق من ربك.
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
стр. 3651
﴿يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: وحينئذ لا ينفعهم إيمانهم ولا هم ينظرون.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٠٢]
﴿فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾:
﴿فَيَأْتِيَهُم﴾: الفاء تدل على المباشرة، أي: يأتيهم بسرعة من دون تأخير، يأتيهم: أي: كفار مكة وغيرهم من ملَّة الكفر.
﴿بَغْتَةً﴾: فجأة في الدّنيا أو الآخرة أو الموت.
﴿وَهُمْ﴾: للتوكيد.
﴿لَا﴾: النّافية.
﴿يَشْعُرُونَ﴾: لا يتوقعون نزوله.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٠٣]
﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾:
﴿فَيَقُولُوا﴾: أي: المجرمون أو المشركون حين يأتيهم العذاب الأليم.
﴿هَلْ﴾: استفهام تحمل معنى التّحسر والطّمع في الإمهال.
﴿نَحْنُ﴾: ضمير منفصل للمتكلم المعظم نفسه أو معه غيره.
﴿مُنْظَرُونَ﴾: مؤخَّرون أو ممهلون لنؤمن بالقرآن ونصدِّق به ونعمل صالحاً، يقولون ذلك حسرة على ما فاتهم من الإيمان، ولاستدراك ما فرطوا به وإصلاح ما أفسدوا، والجواب: كلا.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٠٤]
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾:
﴿أَفَبِعَذَابِنَا﴾: الهمزة للاستفهام التّوبيخي، الفاء للتوكيد، والمخاطب
стр. 3652
كفار مكة ومشركيها وغيرهم من الكفار. أفبعذابنا: نسب العذاب سبحانه إليه ليدل على هوله وشدته، وللتحذير منه.
﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾: أي: إن استجبنا لهم وأخَّرنا عنهم العذاب ليقُولُنَّ بعد ذلك ما يحبسه، وإن نزل بهم يقولون: أنظرنا وأمهلنا إلى أجل قريب.
﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾: تدل على التّكرار والتّجديد والاستمرار.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٠٥]
﴿أَفَرَءَيْتَ إِنْ مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾:
﴿أَفَرَءَيْتَ﴾: الهمزة للاستفهام التّوبيخي، الرؤيا قلبية فكرية.
﴿إِنْ﴾: شرطية.
﴿مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾: أي: لم نهلكهم وأطلنا أعمارهم ووسعنا أرزاقهم كما طلبوا فعاشوا السّنين الطويلة، جواب الشّرط محذوف دال عليه الاستفهام، أي: لن يغني ذلك عنهم شيئاً.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٠٦]
﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي. جاءَهم: المجيء فيه معنى الصعوبة والشدة.
﴿جَاءَهُمْ مَا﴾: أي: العذاب. ما: أي: الذي يوعدون من العذاب والهلاك أو الموت. وما: أوسع شمولاً من الذي.
﴿كَانُوا يُوعَدُونَ﴾: في الدّنيا.
стр. 3653
سورة الشّعراء الآيات [٢٠٧ - ٢٢٧]
سورة الشعراء [٢٦: ٢٠٧]
﴿مَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾:
أي: لو استجبنا لهم وأخرناهم وأطلنا أعمارهم ومتعناهم متاع الحياة الدّنيا سنين طويلة، ثمّ جاءهم العذاب.
﴿مَا﴾: النّافية.
﴿أَغْنَى عَنْهُم﴾: لا ينفعهم أو لا يجدي كل ذلك لأنهم لن يتوبوا ويؤمنوا ولن يزيدهم عندئذٍ زيادة المتاع والرّفاهية وطول العمر شيئاً عذاباً فوق العذاب؛ لأنّهم سينسونه ولن يمنعهم من العذاب أو يخفف عنهم شيئاً.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٠٨]
﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾:
﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾: ما النّافية، أهلكنا: الموت والفناء.
ارجع إلى سورة الأعراف آية (٤) لمزيد من البيان.
من قرية: من استغراقية، أي: أهل قرية وبما فيها المنازل والدّور. قرية: نكرة، أي: قرية ظالمة.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿لَهَا مُنْذِرُونَ﴾: جمع مُنذر، أي: رسُلٌ منذِرون، أي: لا نهلكها إلا بعد أن يتم إنذارها بإرسال الرّسل وإنزال الكتب وتبين عاقبة كفرها وشركها وإقامة الحُجَّة عليها، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِى أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا
стр. 3654
عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤].
سورة الشعراء [٢٦: ٢٠٩]
﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾:
﴿ذِكْرَى﴾: تذكرة وموعظة نذكرهم لكي نوقظهم من غفلتهم ونذكرهم بذنوبهم لعلهم يتوبون ويرجعون، وإذا لم يذّكروا ويرتدعوا ويتوبوا ويكفُّوا عن طغيانهم أخذناهم بالعذاب.
﴿وَمَا كُنَّا﴾: ما النّافية.
﴿ظَالِمِينَ﴾: بإنزال العذاب بهم.
سورة الشعراء [٢٦: ٢١٠]
﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾:
﴿وَمَا﴾: ما النّافية.
﴿تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾: به: أي: القرآن. الشياطين: هم كفرة الجن ردّاً على زعمهم وافترائهم أنّ الشّياطين تجيء بالقرآن وتلقيه على لسان محمّد ﷺ ، كما تنزل الشّياطين على الكهنة، وكما قال تعالى: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢].
سورة الشعراء [٢٦: ٢١١]
﴿وَمَا يَنبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾ النّافية.
﴿يَنبَغِى لَهُمْ﴾ لهم: تعود إلى الشّياطين، أي: لا يحتاجون أن يقوموا بإنزاله ولا يصح ولا يجوز لهم ذلك.
﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: أي: ولو أرادوا ذلك، تكرار ما يفيد التّوكيد وفصل
стр. 3655
الابتغاء عن الاستطاعة؛ لأنّهم محجوبون عن الاستماع إلى الملأ الأعلى (الملائكة) بالشّهب والحرس، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨].
سورة الشعراء [٢٦: ٢١٢]
﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾:
﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ﴾: الاستماع للوحي من السّماء والملائكة.
﴿لَمَعْزُولُونَ﴾: محجوبون بالشّهب، اللام لام التّوكيد.
سورة الشعراء [٢٦: ٢١٣]
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾:
﴿فَلَا تَدْعُ﴾: الفاء للتوكيد. الخطاب لكل من يعقل ويسمع القرآن.
﴿تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾: أيْ: لا تعبد مع الله إلهاً آخر، أيْ: لا تشرك بالله شيئاً، الخطاب وإن كان موجَّهاً إلى رسول الله ﷺ ، فهو موجَّه إلى الّذين يشركون بالله ويجعلون معه إلهاً آخر، أو تحذير لسائر البشر من الشّرك بالله تعالى.
﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾: أيْ: رغم أنك أكرم الخلق، فلو اتخذت إلهاً آخرَ غيري لعذَّبتك.
سورة الشعراء [٢٦: ٢١٤]
﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾:
﴿وَأَنذِرْ﴾: يا محمّد والإنذار هو الإعلام مع التّحذير قبل وقوع الشّر أو الأمر المحذور وهو عدم الشّرك بالله والإخلاص لله والتّوحيد وبين يدي عذاب شديد.
﴿عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾: وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب. فالإنذار يبدأ بالأقرب فالأقرب.
стр. 3656
فقد روى البخاري ومسلم وأحمد والنّسائي والتّرمذي عن ابن عبّاس ﵄ لما أنزل الله : ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أتى الصّفا فصعد عليها، ثمّ نادى: يا بني عبد المطلب يا بني فهر يا بني لؤي أرأيتم لو أخبرتكم أنّ خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تُغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم. قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
وما رواه الإمام أحمد ومسلم عن عائشة قالت: لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين، قام رسول الله ﷺ فقال: يا فاطمة بنت محمّد يا صفية بنت عبد المطلب يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من مالي ما شئتم. وفي لفظ آخر ما أُغني عنك من الله شيئاً.
سورة الشعراء [٢٦: ٢١٥]
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿وَاخْفِضْ﴾: انتبه إلى أنّه سبحانه في الوقت الّذي دعاه لينذر عشيرته أمره أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين وخفض الجناح كناية عن اللين والعطف والحنان والتّواضع، كما يفعل الطّائر الّذي يحنو على ذريته.
﴿لِمَنِ﴾: اللام لام الاختصاص، من استغراقية، لكلّ من اتبعه من المؤمنين، ويتضمَّن ذلك عشيرته وغيرها من المؤمنين، وقوله: لمن اتبعك تكفي، من المؤمنين: للتوكيد أو خاصة المؤمنين. أو تعني: ذكر الخاص بعد العام: للتوكيد.
وإذا قارنَّا هذه الآية (٢١٥) من سورة الشّعراء مع الآية (٨٨) من سورة الحجر ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: لكلّ المؤمنين عامة ومن اتبعك من المؤمنين خاصة.
стр. 3657
سورة الشعراء [٢٦: ٢١٦]
﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّى بَرِاءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، إن شرطية تفيد الشّك أو الاحتمال.
﴿عَصَوْكَ﴾: ولم يتبعوك الأقارب أو غيرهم، فلا تتردد بالقول إنّي بريء مما تعملون: أي: لي عملي ولكم عملكم.
﴿مِمَّا﴾: أصلها من ابتدائية بعضية، ما اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية.
﴿تَعْمَلُونَ﴾: تضم الأقوال والأفعال، مما تعملون من الشّرك أو الظّلم أو المعاصي.
سورة الشعراء [٢٦: ٢١٧]
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾:
﴿وَتَوَكَّلْ﴾: أي: فوِّض أمرك إلى الله تعالى، أي: ردَّه إليه راجياً عونه وتيسيره وتوفيقه بعد اتخاذ الأسباب المطلوبة شرعاً وعقلاً، فهو سبحانه الكافي، ومن يملك تدبير كلّ الأمور وتصريفها، أي: وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن شركهم وتوكل على الله سبحانه حتى يكفيك شرهم.
﴿الْعَزِيزِ﴾: القوي القادر على قهر الأعداء ودحرهم. والذي لا يُغلب ولا يُقهر، والبالغ أمره ولا يضره شيء، والغني عن عباده؛ فالعزة يحتاج إليها للقدرة على نفع المتوكل.
﴿الرَّحِيمِ﴾: لا يعجِّل لهم العقوبة لعلهم يتوبون؛ الرحيم بالمؤمنين خاصة في الدّنيا والآخرة. وفي سورة الفرقان آية (٥٨): ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَىِّ الَّذِى لَا يَمُوتُ﴾، فالتوكل يحتاج إلى من له الصفات الأربع: الحي الذي لا يموت، العزيز، الرحيم.
стр. 3658
سورة الشعراء [٢٦: ٢١٨]
﴿الَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾:
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم.
﴿يَرَاكَ حِينَ﴾: حين ظرفية زمانية، يراك: المطلع عليك.
﴿تَقُومُ﴾: للصلاة مع المصلين جماعة أو لوحدك في جوف الليل صلاة التّهجد، ويراك في كل حالاتك حين تقوم من فراشك أو مجلسك، وهذا يدل على أنّك بأعيننا، فليطمئن قلبك.
سورة الشعراء [٢٦: ٢١٩]
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى السَّاجِدِينَ﴾:
﴿وَتَقَلُّبَكَ﴾: ونراك في تقلبك في القعود والقيام والرّكوع والسّجود.
﴿فِى﴾: ظرفية زمانية ومكانية ولم يقل: مع، في تعني أنت واحد منهم وليس مضافاً إليهم، أي: أنت منهم وهم منك الكلّ وحدة إيمانية متجانسة.
﴿السَّاجِدِينَ﴾: أي: في المصلين حين تكون إمامهم، السّاجدين: جمع ساجد، أي: مصلٍّ، عبَّر عن الصّلاة بجزء منها (أي: إطلاق الجزء وإرادة الكلّ). الساجدين: جمع ساجد السجود الحقيقي مع الخشوع.
وتقلبك قد تعني أيضاً: تقلُّب بصرك فيمن يصلي خلفك، فقد قال ﷺ : (أتموا الرّكوع والسجود فو الله إنّي لأراكم من خلف ظهري إذا ركعتم وسجدتم) حديث متفق عليه، فقد كان ﷺ يحذر صحابته من أن يسبقوه في الرّكوع أو السّجود والقيام والقعود؛ ظنّاً منهم أنّه لا يراهم.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٢٠]
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
стр. 3659
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿السَّمِيعُ﴾: لما تتلوه عليهم وتعظهم وتخبرهم، صيغة مبالغة في السّمع والسميع لأقوالهم في السر والعلن.
﴿الْعَلِيمُ﴾: صيغة مبالغة في العلم، العليم بما تعمله وتنويه والعليم بكلّ أحوالك وأحوال عباده لا تخفى عليه خافية في السّماء ولا في الأرض.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٢١]
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾:
جاءت هذه الآية تتمة للردِّ على المكذبين الّذين افتروا أنّ القرآن تنزلت به الشّياطين، وألقته على لسان محمّد ﷺ ، ففي الآية (٢١٠ ـ ٢١٢) بيَّن سبحانه سبب استحالة نزول الشّياطين به، وفي هذه الآية يُبين سبحانه على من تنزل الشّياطين، فيقول:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾: هل وزيادة الهمزة كلاهما أداة استفهام واقتران هل بالهمزة تفيدان على توكيد ما يخبر به الله تعالى وهو على من تنزل الشّياطين والنّبأ هو الخبر العظيم المهم، أي: هل أنبئكم النّبأ اليقين الحق.
﴿عَلَى مَنْ﴾: على تفيد العلو والمشقة، ومن تفيد الاستغراق.
﴿تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾: تنزل حذف التّاء: ولم يقل: تتنزل، تنزل تعني: القلة أو النّدرة، أمّا تتنزل فتعني الكثرة والاستمرار.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٢٢]
﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾:
﴿تَنَزَّلُ عَلَى﴾: على تفيد العلو والمشقة.
﴿كُلِّ﴾: تفيد التّوكيد.
стр. 3660
﴿أَفَّاكٍ﴾: على وزن فعال، أفاك صيغة مبالغة من الإفك وهو الكذب وقلب الحقائق، وأفاك كثير الكذب أو الإفك.
﴿أَثِيمٍ﴾: على وزن فعيل، صيغة مبالغة في ارتكاب الإثم، كثير الإثم والذّنوب، مثل الكاهن أو الكهنة، ومن يدَّعون علم الغيب، تنزل الشّياطين على أوليائها.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٢٣]
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾:
﴿يُلْقُونَ﴾: تعود على الشّياطين.
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾: يصغون أشد الإصغاء إلى الملأ الأعلى (الملائكة) لكي يسترقوا منهم شيئاً يسمعونه لكي يلقوه على الكهنة، ألقى السّمع: أي: يحرص على الاستماع.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾: تعود على الكهنة وتعود على الشّياطين كلاهما كاذبون، فهم يخلطون الخبر الصّادق بأخبار كاذبة، ومن عدل الله سبحانه قال: أكثرهم واستثنى القليل منهم؛ لأنّ بعضهم قد يصدق، وقد يسأل سائل: لِمَ يحدث ذلك بإذن الله، الجواب: لكي يكون فتنة أو ابتلاء للناس والكهنة والشّياطين.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٢٤]
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُنَ﴾:
المناسبة: بيّن الله سبحانه أنّ هذا القرآن هو تنزيل من رب العالمين نزل به الرّوح الأمين على قلب محمّد ﷺ ؛ ليكون من المنذرين وبيّن سبحانه ما تنزلت به الشّياطين، وبيّن لماذا وما ينبغي لهم، ولأنّ رسول الله ليس من الكهنة الّذين يستمعون إلى الشّياطين، وهنا ينفي أيضاً أن يكون رسول الله ﷺ من الشّعراء،
стр. 3661
كما يفتري مشركو وكفار قريش فالشّياطين يتبعهم الكهنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١].
والشّعراء يتبعهم الغاون.
والذين آمنوا يتبعون الحق من ربهم.
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُنَ﴾: الغاوون: جمع غاو، وأصل الغي الفساد، والغاوون: الفاسدون في الرّأي والعقيدة والخائبون والضّالون عن الحق بعد معرفته.
ارجع إلى سورة الحجر آية (٤٢) لمزيد من البيان.
وكان الشُّعراء في القديم يمثلون وسيلة من وسائل الإعلام المهمة، يتّبعهم: بالتّشديد ولم يقل: يتبعهم لتدل على المبالغة في الاتِّباع من اتبع على وزن افتعل ليس مجرد اتِّباع عادي.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٢٥]
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام توبيخي.
﴿تَرَ﴾: رؤية قلبية فكرية؛ أي: ألم تعلم.
﴿أَنَّهُمْ﴾: للتوكيد تعود على الشّعراء.
﴿فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾: في كلّ وادٍ: وادي الذّم والمدح والفجور والفخر والجنون، أي: ليس لهم واد معين، يهيمون: من هامَ، أي: سار على غير هدى ومن دون هدف، وحائر لا يدري إلى أين يسير، كمن هامَ وتاهَ في الصّحراء
стр. 3662
على وجهه، أي: شعرهم خيالات وأوهام وأباطيل. تشمل أبواب المدح والّذم والفجور، وغيرها.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٢٦]
﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾:
﴿وَأَنَّهُمْ﴾: للتوكيد.
﴿يَقُولُونَ﴾: بصيغة المضارع لتدل على تجدُّد أقوالهم وتكرارها.
﴿مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾: ما اسم موصول، لا النّافية، أي: تخالف أفعالهم وأقوالهم، فهم يصفون أنفسهم بالشّجاعة وهم جبناء وبالكرم وهم بخلاء أو يحثون النّاس على الشّجاعة ولا يحثون أنفسهم وعلى العطاء وهم أشحاء. ويمدحون غيرهم. كي يُعطوا المال أو ينالوا منفعة دنيوية.
سورة الشعراء [٢٦: ٢٢٧]
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، أي: يُستثنى من هؤلاء الشّعراء الّذين في كلّ واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾: فهؤلاء عسى الله أن يتوب عليهم ويتقبَّل منهم أعمالهم الصّالحة.
﴿وَانْتَصَرُوا﴾: أمثال حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك انتصروا للإسلام، ودافعوا عنه، وعن الرّسول ﷺ وردُّوا بشعرهم على الكفار المشركين وردُّوا السّيئة بالسّيئة والجهر بالسّوء من القول.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾: من بعد ما ظُلموا من أعداء الدّين ومن الكفار.
стр. 3663
﴿وَسَيَعْلَمُ﴾: السّين للاستقبال القريب، أي: سيعلمون عن قريب (بعد موتهم وإن طال أجلهم فهو قصير وفجأة) أو سيعلمون في دنياهم قبل موتهم كما حدث في معركة بدر وحنين وفتح مكة.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أي: الّذين أشركوا بالله أو الكفار وظالمو النّاس وأنفسهم بإعراضهم عن آيات الله وذكره، وبقولهم أنّ القرآن شعر أو قول كاهن.
﴿أَىَّ﴾: للاستفهام والإبهام.
﴿مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾: منقلب مصير أو مرجع أو حالة إليها ينقلبون.
وهناك فرق بين المنقلب والمرجع، المرجع: هو العودة إلى الحال الّتي كان عليها قبل وقوع الحدث، والمنقلب: هو العودة إلى الحال غير الحال الّتي كان عليها قبل وقوع الحدث، والمنقلب قد يكون سيِّئاً أو حسناً.
وتنكير المنقلب وإبهامه للتهويل والتّعظيم، ليترك للعقل أن يتصور كلّ أنواع السّوء الّتي سيصير إليها، وفي الآية تهديد ووعيد لهؤلاء الّذين ظلموا للكف والتّوبة والرّجوع إلى الله.
ولا بُدَّ في الختام من القول أنّ الإسلام يفرِّق بين الشّعر المحرَّم والشّعر المباح: فالشّعر المحرم هو الّذي يخالطه الشّرك والهجاء والشّتم والنّياحة والفحش والخبث والفجور أو الخنى والكذب والباطل، وأمّا الشّعر المباح فهو الّذي يحثُّ على الجهاد والوطن والفضيلة والدّار الآخرة.
стр. 3664
سورة النمل [٢٧: ١]
سورة النمل
سورة النّمل [الآيات ١ - ١٣]
ترتيبها في القرآن السّورة (٢٧)، وترتيبها في النّزول السّورة (٤٨).
﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾:
﴿طس﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة للبيان.
﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد، لبيان علو شأن ورفعة الآيات.
﴿آيَاتُ﴾: أي: الآيات التّالية أو الآيات القادمة أو آيات القرآن بشكل عام، والآيات تقسم إلى ثلاثة أنواع الآيات القرآنية أو الكونية أو المعجزات الّتي تدل على النّبوة.
﴿الْقُرْآنِ﴾: بأل التّعريف للدلالة على الكمال، وسُمِّي قرآناً: لأنّه يُقرأ من الكتاب ويقرأ من الصدور أو مقروءاً.
﴿وَكِتَابٍ﴾: ويسمَّى كتاباً؛ لأنّه مكتوب في السّطور وكتاب: نكرة للتفخيم والتعظيم. وجمع بين الوضعين القرآن وكتاب مبين؛ للدلالة على الكمال والقراءة والكتابة لحفظ كلام الله من التحريف والتبديل، فالكتاب يعني: الجمع الحسي، أو الضم لحروف القرآن وكلماته، وأما القراءة أو التلاوة: جمع صوتي لحروف القرآن وكلماته.
﴿مُبِينٍ﴾: واضح أنّه منزل من عند الله تعالى ومحيط بكل شيء، ويبيِّن
стр. 3665
لكل إنسان ما يحتاجه للقيام بوظيفته الخلافة في الأرض وجلي ومبين بأحكامه وآياته، ولا يحتاج إلى غيره للوصول إلى الغاية.
ولنقارن هذه الآية من سورة النّمل قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
مع الآية (١) من سورة الحجر قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾.
ففي آية النّمل عطف الكتاب على القرآن، وفي آية الحجر عطف القرآن على الكتاب فهما شيء واحد وليس تكراراً.
سورة النمل [٢٧: ٢]
﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿هُدًى﴾: هو الهدى أو مصدر الهدى أو الهادي للحق، وإلى الصّراط المستقيم الموصل للغاية وهي السّعادة والكمال في الدّارين.
هدىً: نكرة، أيْ: يشمل كلّ أنواع الهدى يهدي للحق وللخير والرّشد والصّواب والتي هي أحسن، ويهدي للنجاة من النّار والفوز بالجنة هدى عامة لكل البشر وهدى خاصة لمن أراد وطلب الهداية.
﴿وَبُشْرَى﴾: من البشارة وهي الخبر السّار عادة، ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة للبيان.
﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، المؤمنين: أي: الّذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، المؤمنين: جملة اسمية تدل على الثّبوت أي: أصبح الإيمان عندهم صفة ثابتة.
هدى وبشرى: ينتفع بها الكل وخاصة بالمؤمنين وبشرى للمؤمنين بالجنة والنّجاة من النّار.
стр. 3666
لنقارن هذه الآيات:
في سورة البقرة الآية (٢) ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
في سورة النّمل الآية (٢) ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
في سورة لقمان الآية (٣) ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾.
وفي سورة النّحل الآية (٦٤) ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
وفي سورة النّحل الآية (١٠٢) ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
فالقرآن هدى لهؤلاء جميعاً كل طبقة من هؤلاء تجد هدايتها في هذا القرآن.
فالدّرجات من الأدنى إلى الأعلى:
الإسلام (مسلمون)، الإيمان (مؤمنون)، التّقوى (المتقون)، الإحسان (المحسنون)، ثمّ أعلى درجة وهي إسلام الوجه والإخلاص ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النّساء: ١٢٥].
ولكل من هؤلاء صفاتهم الخاصة بهم، المتقي عمله يقتصر على نفسه والمحسن يتعدَّى بعمله وإحسانه إلى الغير، وهم درجات عند ربهم درجات القربى من الله ، ولهم درجات عند ربهم (درجات الجنة).
سورة النمل [٢٧: ٣]
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد المدح.
﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: يؤدُّون الصّلاة بأركانها وسننها وآدابها وأوقاتها وخشوعها والمحافظة عليها والدّوام عليها؛ أي: إقامتها ظاهراً وباطناً، واستحضار القلب أو العقل.
стр. 3667
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: من الإيتاء لم يقل يعطون الزّكاة. والإيتاء أعم من العطاء.
﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿بِالْآخِرَةِ﴾: الباء للإلصاق والملازمة والاستمرار أن يقينهم ملازم لهم ثابت لا ينفك عنهم.
وتقديم الآخرة ولم يقل: وهم يوقنون بالآخرة: تقديم الآخرة للاهتمام لأنّ الإيمان بالآخرة والبعث من أصعب الأمور؛ لذلك قدَّم الآخرة للمبالغة والتّوكيد.
﴿هُمْ﴾ تكرار هم يفيد التّوكيد، وإذا كان هناك من يوقن بالآخرة فهم في طليعتهم، فهم يوقنون حق الإيقان والإيقان عندهم مستمر وثابت.
﴿يُوقِنُونَ﴾: من اليقين وهو العلم بالحق والعلم بأن ليس هناك غيره والذي يتمثل بالإيمان الراسخ في القلب، فلا يتغيَّر ولا يتبدل وله درجات هي علم اليقين عين اليقين، حق اليقين. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لمزيد من بيان معنى اليقين.
انتبه إلى مجيء يقيمون ويؤتون بصيغة الفعل المضارع تدل على التّجدد والاستمرار أي: في الصّلاة والزّكاة بينما وهم بالآخرة جملة اسمية تدل على الثّبات وهم يوقنون جملة فعلية لتدل على التّجدد إضافة إلى الثّبات معاً.
مقابل هؤلاء المؤمنين الّذين ذكرهم في الآية (٢ - ٣) هناك الّذين لا يؤمنون بالآخرة.
سورة النمل [٢٧: ٤]
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾:
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: إن للتوكيد، الّذين: اسم موصول يفيد الذم.
стр. 3668
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: لا النّافية، لا يؤمنون بالآخرة: (بالبعث والحساب والجنة والنّار) وهم الكفار.
﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾: لم يذكر من هو المزيِّن، فقد يكون هو الله سبحانه للابتلاء والاختبار، والتّزيين من الله للأشياء المباحة والحلال، والمزين قد يكون الشّيطان إبليس وذريته في الأمور المحظورة، ويكون ذلك بالوسوسة والنّزغ والغواية، أو رؤساء الضّلال من شياطين الإنس، والتّزيين: بأن يروا أعمالهم السّيئة أعمالاً حسنةً مثل طول العمر وسعة الرّزق، فيظنون أن الله سبحانه راضٍ عنهم فيتمادون في الطغيان وفي الإسراف والتّبذير والضّلال، وإنّما هذا الإمداد ليزدادوا إثماً.
﴿فَهُمْ﴾: الفاء: للتوكيد، هم ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿يَعْمَهُونَ﴾: من العمى وهو عمى البصيرة، الّذي يؤدي بهم إلى التّردُّد والحيرة، يعمهون عن الرّشد؛ مما يؤدِّي بهم إلى الخطأ في الرّأي فهم يتحيَّرون بين الظّن بأنّ أعمالهم حسنة تارة وسيئة أو قبيحة تارة أخرى، ويتحيَّرون في ضلالهم فهم لا يهتدون إلى الصراط المستقيم ويتحيَّرون بين نفع أعمالهم وضرها.
سورة النمل [٢٧: ٥]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِى الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد يشير إلى الّذين لا يؤمنون بالآخرة.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد التّوكيد.
﴿لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾: لهم اللام للاختصاص، سوء العذاب: في الدّنيا بالقتل والأسر والهزيمة وضنك العيش والمرض والفقر، وسوء مشتق من كونه يسيء إلى النّفس ويسوء إظهارُه أو سيِّئُ العاقبة. وسوء: اسم مصدر لا يجمع، والسوء
стр. 3669
كلمة عامة، وأما السيئة جمعها سيئات، وسيئات تعني: الصغائر والكبائر، وهي خاصة مقارنة بالسوء.
﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿فِى الْآخِرَةِ﴾: في ظرفية.
﴿هُمُ﴾: لزيادة التّوكيد.
﴿الْأَخْسَرُونَ﴾: من فعل أخسر على وزن أفعل، مبالغة في الخسران، أيْ: أشد النّاس خسراناً يوم القيامة وهم أشد خسارة من الخاسرين جمع خاسر؛ لأن الخسارة في الآخرة متفاوتة الدرجات وأعظمها خسارة المشركين والكافرين. ارجع إلى سورة النّساء آية (١١٩) لمزيد من البيان.
سورة النمل [٢٧: ٦]
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾:
﴿وَإِنَّكَ﴾: يا محمّد ﷺ .
﴿لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾: اللام للتوكيد، تُلقى: من إلقاء القول وهو المشافهة المرة بعد المرة تتلقاه من جبريل ﵇ أي: يتلوه عليك.
﴿مِنْ لَّدُنْ﴾: من ابتدائية، لدن: لم يقل من عند، لدن تستعمل للأمور الخاصة والأقرب إلى الله وأعز مثل النّبوة، ولو قال: منا فهي تستعمل للأمور العامة مثل الرّحمة.
﴿حَكِيمٍ﴾: حكيم مشتقة من الحكمة فهو سبحانه أحكم الحكماء وأحكم الحاكمين. ارجع إلى سورة هود آية (١).
﴿عَلِيمٍ﴾: صيغة مبالغة من عالم، عليم بما ينزل على عبده وبمصالح عباده وعليم بالغيب وما يجري في كونه من صغيرة وكبيرة لا تخفى عليه خافية.
стр. 3670
سورة النمل [٢٧: ٧]
﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّى آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾:
قبل البدء بذكر الآيات التي وردت في سياق موسى علينا أن نعلم أنها آيات مبنية على الإيجاز مقارنة بالآيات التي وردت في سورة القصص أو طه أو الشعراء.
﴿إِذْ﴾: ظرف زمان للماضي، بمعنى حين، أيْ: واذكر إذ قال موسى لأهله، أو اذكر حين قال موسى لأهله في طريق عودته من مدين إلى مصر.
﴿لِأَهْلِهِ﴾: تعني: الزّوجة والأولاد، اللام لام الاختصاص.
﴿إِنِّى آنَسْتُ نَارًا﴾: إني للتوكيد، آنست، أيْ: رأيت شيئاً يؤنسني (أي: النّار الّتي رآها من بعيد).
﴿سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾: السّين للاستقبال القريب وعد فيه شعور بالثّقة بالنّفس والتّأكد والقطع، ولم يقل: لعلي آتيكم: وعد فيه نوع من الخوف والتّرجي وعدم التّأكد، كما ورد في سورة طه والقصص فقد يكون قد انتابه الشعور بالخوف وعدم التأكد، ثمّ عاد ليؤكد ويطمئن أهله واعتراه الشعور بالثقة بعد ذلك فهو قال كلا المقولتين.
﴿بِخَبَرٍ﴾: عن الطريق لكونه تاه ولم يعد مطمئناً في تلك الليلة. بخبر من خبرت الشّيء، أيْ: عرفت حقيقته.
﴿أَوْ﴾: للتخيير.
﴿آتِيكُمْ بِشِهَابٍ﴾: الباء للإلصاق شهاب هو شعلة من النّار ملتهبة فيها لهب.
﴿قَبَسٍ﴾: ما تقتبسه من النّار سواء كان جذوة أو شهاب والمجيء بشهاب قبس: أحسن وأفضل؛ لأنّ فيه استنارة (ضوءاً) وفيه دفء.
стр. 3671
﴿لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾: لعل للتعليل، تصطلون: تستدفئون فقد كان الزّمن زمن شتاء وبرد، والاصطلاء: القرب من النّار للإحساس بالدّفء أصلها تصتلون أبدلت التّاء طاء لقرب المخرجين وسهولة النّطق.
انتبه: استعمل أو بدل الواو، كان باستطاعته القول: سآتيكم منها بخبر وآتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون، واستعمل أو بدلاً من الواو، أيْ: إذا لم يظفر بحاجياته على الأقل يظفر بواحدة.
سورة النمل [٢٧: ٨]
﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِى النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، لما ظرفية زمانية بمعنى حين.
﴿جَاءَهَا﴾: أي: وصل إليها بمشقة وصعوبة جاء فيها معنى المجيء بمشقة وصعوبة بعكس أتاها: فيها معنى المجيء بسهولة، ومعنى آخر هو أتى تعني هو في طريقه ولم يصل بعد مقارنة بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ [القصص: ٣٠].
﴿نُودِىَ﴾: النّداء خطاب مباشر.
﴿أَنْ﴾: للتوكيد والتّعليل.
﴿بُورِكَ مَنْ فِى النَّارِ﴾: بورك أصلها بارك أو تبارك أبدلت الألف واو لسكونها وتحرك ما قبلها، وكما روي عن ابن عباس في قوله: بورك؛ يعني: ﵎ من في النار؛ النار: قيل ليست ناراً وإنما نوراً، وقيل: نورَ رب العالمين وقالوا: من في النّار: من ابتدائية، وفي ظرفية، النّار أي: تبارك موسى ﵇ من في النار وهو الأعم، وقد تشمل أيضاً كلّ شيء وقع عليه نور الله الشّجرة والطّور والوادي حتّى العصا الّتي في يد موسى والبقعة المباركة الّتي ذكرها في سورة القصص. وقيل: أيضاً الملائكة.
وإذا قيل: إنّ النّار هي حقيقة نار فهي نار لا تحرق؛ لأنّه نزع
стр. 3672
منها خاصية الإحراق، وأبقى لها خاصية الإضاءة؛ لأنّه سبحانه على كلّ شيء قدير، فسواء كان ذلك نوراً، أو ناراً فهو يدل على عظمة الله سبحانه وقدرته، ولذلك أعقبها بالقول: وسبحان الله ربِّ العالمين.
﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: أي: الملائكة الكرام، وبعضهم قال موسى ﵇ الذي كان من حولها.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: تنزَّه الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله عن كلّ عيب ونقص وما لا يليق بجلاله وكماله. ارجع إلى سورة الحديد الآية (١) لمزيد من البيان، رب العالمين: الخالق والمربي والمدبر، العالمين: الملائكة والجن والإنس ورب السّموات والأرض وما بينهما ورب كلّ شيء.
سورة النمل [٢٧: ٩]
﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
﴿يَامُوسَى﴾: نداء من الأعلى إلى الأدنى.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿أَنَا﴾: ضمير الشأن الدال على التعظيم، وللدلالة على الوحدانية.
﴿اللَّهُ﴾: واجب الوجود اسم ذاته العلية يحمل في طياته كلّ صفاته وأسمائه الأخرى.
﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الّذي لا يُقهر ولا يُغلب مشتقة من العزة عزة القوة والقهر والامتناع والغلبة.
﴿الْحَكِيمُ﴾: أي: الحاكم حاكم السّموات والأرض وما فيهن صيغة مبالغة تعني: أحكم الحاكمين، وحكيم مشتقة من الحكم أحكم الحكماء في تدبير شؤون خلقه وكونه وشرعه.
стр. 3673
سورة النمل [٢٧: ١٠]
﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ﴾:
﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾: قول مباشر من رب العالمين لموسى ﵇، وفي سورة القصص آية (٣١): ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾: نجد إضافة أن في آية القصص، وتسمى المصدرية، أو المفسرة؛ أي: ناداه ربه أن ألق عصاك؛ أي: بإلقاء عصاه.
لو نظرنا إلى الأحداث في هذه السّورة نجدها جاءت مجملة ومختصرة مقارنة مع سورة طه وسورة القصص وغَلب عليها طابع التّكريم، إضافة إلى الإيجاز، ولم يقل له سبحانه: وما تلك بيمينك يا موسى وألق عصاك.
﴿فَلَمَّا رَآهَا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، لما ظرفية زمانية بمعنى حين.
﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾: أي: فلما ألقاها انقلبت إلى حية تهتز كأنها جان، أيْ: في الحركة والسّرعة؛ كان ذلك مظهراً آخر للاختبار الأول لموسى مع العصا، كما رأينا في سورة طه آية (٢٠).
﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾: انصرف خائفاً، أو هرب خوفاً منها.
﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾: لم يلتفت وراءَه، ولم يرجع إلى مكانه. يعقب مشتقة من عقب القدم: أي: يدور على عقبه ويرجع.
﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾: لا النّاهية، لا تخف من الحية، أو هذا الثّعبان، أو مما ترى أمامك. ارجع إلى سورة طه آية (٢٠) لمزيد من البيان وسورة الأعراف آية (١٠٧).
﴿إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ﴾: إني للتوكيد، لدي: ولم يقل: مني المرسلون؛ لأنّ المرسلين يخافون من الله كلّ الخوف ويخشونه، أيْ: لا يخاف لدي، أيْ:
стр. 3674
عندي أو في حضرتي، ولكن استعمل لدي؛ لأنّها تحمل معنى التّكريم والقرب بينما عندي تستعمل للعامة.
سورة النمل [٢٧: ١١]
﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّى غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿إِلَّا﴾: قيل: إلا في هذه الآية ليست أداة استثناء أو حصر، كما هي في غالب الحالات، وإنما وقعت بمنزلة الواو العاطفة فيكون التفسير الأول؛ أيْ: لا يخاف لدي المرسلون، ومن ظلم ثمّ بدل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم.
وأما التفسير الثاني: (إلا) قد تفسر بكلمة وكذلك، فتكون الآية: لا يخاف لدي المرسلون، وكذلك لا يخاف لدي من ظلم، ثمّ بدل حسناً بعد سوء فإني غفور رحيم، وهذه الآية عامة؛ أي: حكم عام ليس خاصاً بأحد، تشمل جميع المكلفين من إنس وجن ﴿مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّى غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
واستعمل: ثمّ لتباين وتباعد الصّفات بين الظّلم والإحسان أو عمل سوءاً: إثماً أو ذنباً أو قبيحاً، ثمّ تاب وأناب إلى ربه وعمل حسناً، أيْ: عمل عملاً صالحاً فإنّي غفور رحيم.
سورة النمل [٢٧: ١٢]
﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِى تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾:
﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ﴾: هذه هي الآية الثّانية، أدخل يدك في جيبك: الجيب فتحة الثّوب فتحة الرّقبة مكان دخول الرّأس في الثّوب هكذا كان الثّوب يلبس في ذلك الزّمن، أدخل يدك والإدخال يستعمل في مواطن المشقة والصّعوبة مقارنة بكلمة ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾: كما في الآية (٣٢) من سورة القصص، والّتي تستعمل في مواطن السّهولة وزمن الخوف ففي زمن الخوف تريد أن يكون الأمر سهلاً، ويكفي الخوف نفسه فيستعمل اسلك يدك.
﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: أي: يتغيَّر لونها بعد إدخالها في الجيب من اللون
стр. 3675
الأسمر إلى الأبيض النّاصع الّذي بشع كالنّور، وحتّى لا يظن أحدٌ أنّ هذا التّغيير في اللّون ناتج عن البرص أو مرض جلدي أزال الله سبحانه ذلك الظّن فقال: من غير سوء، أيْ: من غير مرض.
﴿فِى تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾: أي: هذه آية في جملة تسع آيات وهنَّ: اليد والعصا والطّوفان، والجراد والقمل والضّفادع، والدّم والسّنين ونقص الثّمرات.
إلى: حرف غاية يفيد عموم الغايات سواء البداية أو النّهاية أو ما بينهما، فرعون وقومه: القوم هم الرجال دون النّساء أو قد تعني الرّجال والنّساء معاً. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٣٢) في سورة القصص وهي قوله تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ﴾: نجد أن القوم أعم؛ فالقوم تعني: الملأ وغيرهم من الناس، وهذا أن يكون من قبيل ذكر العام بعد الخاص، أو الخاص بعد العام ليشمل الكل في الأهمية الكل يجب أن يبلغ الرسالة؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمعرفة من هو فرعون.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: إنّهم للتوكيد، قوماً فاسقين؛ لأنّهم أطاعوا فرعون الّذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨]، وما قاموا به من الفساد في الأرض خارجين عن طاعة الله، فاسقين: مشتقة من فسقت الرّطبة، أي: خرجت من غلافها ارجع إلى الآية (٢٦) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
سورة النمل [٢٧: ١٣]
﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للترتيب والتّعقيب. لما: ظرفية بمعنى حين.
﴿جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا﴾: أي: الآيات التسع: اليد والعصا والطوفان، والجراد والقمل والضفادع، والدم والسنين ونقص الثّمرات.
جاءتهم: أيْ:: قوم فرعون.
стр. 3676
﴿مُبْصِرَةً﴾: واضحة أو دالة على وجود الخالق الحق ووحدانيَّته ونبوة موسى.
﴿آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾: أيْ:: كأن الآيات هي الّتي تبصر؛ أي: تهدي إلى الخالق والإله الحق الواحد، وهم لا يبصرون أو هم يبصرون بسببها؛ أي: لو آمنوا بها، فلولا هذه الآيات لما قدروا على الاهتداء.
﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه ذا اسم إشارة للقرب.
﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: سحر واضح لكل فرد أو الكل يعرف أنّه سحر. ارجع إلى سورة طه آية (٥٨) لبيان معنى السّحر.
واعتبروها سحراً؛ لأنّها كانت آيات خارقة للعادة. وكل شيء يؤثر فيهم وخارق للعادات يعتبرونه سحراً؛ لأنّهم لا يريدون الإيمان به. ولو نظرنا إلى الاختلافات بين سورتي النمل والقصص لوجدناها كثيرة جداً تعود إلى أن سورة القصص جاءت قصة موسى فيها مفصلة، بينما قصة موسى في سورة النمل جاءت مختصرة نذكر بعض الأمثلة:
في سورة النمل: ﴿إِنِّى آنَسْتُ نَارًا﴾ [آية: ٧]، في سورة القصص: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [آية: ٢٩].
في سورة النمل: ﴿يَامُوسَى﴾ [آية: ١٠]، في سورة القصص: ﴿أَنْ يَامُوسَى﴾ [آية: ٣٠].
في سورة النمل: ﴿لَا تَخَفْ﴾ [آية: ١٠]، في سورة القصص: ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾ [آية: ٣١].
في سورة النمل: ﴿إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [آية: ١٠]، في سورة القصص: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [آية: ٣١].
نجد في سورة القصص يشيع فيها جو الخوف، وسورة النمل ليس فيها خوف.
стр. 3677
سورة النّمل [الآيات ١٤ - ٢٢]
سورة النمل [٢٧: ١٤]
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾:
﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾: هناك فرق بين الجحود والإنكار. الجحود هو إنكار الشّيء الظّاهر والآيات التّسع أشياء ظاهرة للعيان، والإنكار يشمل إنكار الشّيء الظّاهر والشّيء الخفي مثل إنكار النّعمة والإنكار قد يرافقه علم أو غير علم.
﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾: الواو حالية (تفيد التّوكيد)، والاستيقان فيه مبالغة في اليقين أيْ: هم علموها (علم اليقين) ورأوها بأمّ أعينهم (عين اليقين) وأيقنوها بقلوبهم وضمائرهم أنّها جاءت من عند الله أو من صنع الله سبحانه وتدل على صدق دعوة موسى، ومع ذلك لم يؤمنوا وأعرضوا عنها ظلماً وعلواً.
وتشير الدراسات الحديثة على الجاحدين بالله حين يُسألون عن الله أو الرّب أن أجوبتهم بألسنتهم لا توافق أو تكون مغايرة وتخالف ما تكن صدورهم من الحق أو الصّدق، وتم رصد ذلك باستعمال أجهزة خاصة لكشف الكذب المستعملة في كشف الحقائق والصدق في حالات القتل والحالات الجنائية.
﴿ظُلْمًا﴾: شركاً بسبب شركهم، وعلواً: تكبراً بسبب تكبرهم بغير حق وقولهم أنّها سحر مبين. والعلو: الشعور بالاقتدار والفوقية والغرور بالقوة.
﴿فَانظُرْ كَيْفَ﴾: فانظر يا محمّد ﷺ ، وانظر أيها القارئ نظرة فكرية قلبية، أيْ: نظرة بصيرة والفاء للتوكيد، كيف: استفهام غرضه التّحذير والتّعجب.
стр. 3678
﴿كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: كيف كان مصيرهم الغرق والتّدمير (ما كان يصنع فرعون وما كانوا يعرشون).
قال تعالى: كان عاقبة، ولم يقل: كانت عاقبة، كان عاقبةُ؛ تعني: العذاب في كلّ القرآن، كانت عاقبة تعني الجنة والعاقبة الحسنة فالتذكير يدل على العذاب وصيغة التأنيث تدل على الجنة.
وجاءت كلمة عاقبة: نكرة للتهويل والتّعظيم وليتصورها بكل صورها المؤلمة، المفسدين: ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة للبيان.
ثمّ ينتقل الحق سبحانه من ذكر موسى وفرعون إلى ذكر داود وابنه سليمان.
سورة النمل [٢٧: ١٥]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد اللام للتوكيد، قد للتحقيق.
﴿آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾: الإيتاء هو أعم من العطاء، ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة لمعرفة الفرق بين الإيتاء والعطاء، داود: من ذرية يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وسليمان: هو ابن داود ﵇.
﴿عِلْمًا﴾: نكرة؛ لأنّه يشمل كثير من العلوم مثل علم الدّين والأحكام والقضاء والتّوراة ومنطق الطّير وصناعة السّابغات وأهم العلوم علم الدّين.
والجدير بالذكر أن الله سبحانه آتى داود وسليمان الملك العظيم وسخر لداود الجبال وألان له الحديد وصنع السّابغات، وأعطى سليمان ملكاً لم يعطه لأحدٍ من قبله وسخَّر له الرّيح والجن وعلمه منطق الطّير وغيره، فلم يذكرها في هذه الآية، وإنما ذكر فقط العلم؛ لأنّه أهم وأفضل عطاء.
стр. 3679
فالعلم بالله والدّين هو المنة والنّعمة الحقيقية الّتي يحب أن يفرح بها المؤمن وهو أشرف العلوم على الإطلاق؛ لأن المال والجاه والملك كلّه زائل بالموت.
﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى﴾: الّذي اسم موصول يعود إلى الله سبحانه، والحمد أعم من الشكر.
﴿فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بالنّبوة والعلم وغيرها من النّعم، وقوله: فضلنا على كثير من عباده المؤمنين، ولم يقل: فضلنا على عباده المؤمنين فكأن هناك من هم أفضل منهم من الرّسل والأنبياء أمثال أولو العزم من الرّسل، وهذا من أدب النّبوة والتّواضع، والحمد لله: المنعم علينا وعلى عباده الآخرين جملة اسمية تدل على الثّبوت. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٢) لمزيد من البيان عن الحمد.
سورة النمل [٢٧: ١٦]
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾:
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾: أيْ: ورث النّبوة والعلم والملك ولا تعني وراثة المال أو المتاع، فقد قال ابن القيم: أجمع أهل العلم والتفسير أن وراثة سليمان لم تكن وراثة مال؛ لأنه كان لداود (١٩) ولداً وإنما ورث؛ أي: أخذ عن أبيه العلم والنبوة والحكم (الملك) بالإضافة إلى ما أتاه الله من العلم، وسليمان لم يأت بعد داود فقد كانا في عصر واحد أو زمن واحد، وسمى ذلك وارثه.
﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾: قال سليمان: علمنا منطق الطّير: علمنا تعود على سليمان وحده بصيغة التّعظيم أو تعود عليه وعلى أبيه منطق الطّير لغة الطّير ولغة الحيوان، فلكلّ حيوان منطق ولغة تتفاهم بها مع غيرها من
стр. 3680
الحيوانات وتسبّح وتصلي، فهم أمم أمثالنا، ويحاول البعض في عصرنا الحديث أن يتعلَّم لغة الطّير وعاداته، وغيره من الحيوانات.
﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ﴾: أيْ: من كلّ النّعم، من ابتدائية لبيان الجنس.
من كلّ شيء مثل النّبوة والملك والرّيح ومنطق الطّير والجن، شيء نكرة تشمل أيَّ شيء أي أعطيناه وسخرنا له ما يحتاجه، ولمعرفة معنى الإيتاء ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة.
﴿إِنَّ هَذَا﴾: إنّ للتوكيد، هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب يشير إلى الإيتاء.
﴿لَهُوَ﴾: اللام للتوكيد.
﴿الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾: الفضل هو الزّيادة عما يستحق العبد، المبين: أي: الواضح الظاهر الفضل الّذي يعلمه ويقرُّه كلّ فرد ولا ينكره، والواضح لا يحتاج إلى إثبات وبيان.
سورة النمل [٢٧: ١٧]
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾:
﴿وَحُشِرَ﴾: الحشر هو الجمع في مكان واحد.
﴿لِسُلَيْمَانَ﴾: اللام لام الاختصاص، سليمان بن داود.
﴿جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ﴾: كلّ صنف لوحده، ولم يقل جنده؛ لأن الجنود تعني من أجناس مختلفة، ولكل وظيفته الخاصة به.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: أصل الوزع هو الكف والمنع، والمنع أن يسبق بعضهم بعضاً إلى سليمان، فلذلك لا بُدَّ من أن يحبس أوّلهم حتّى يحضر آخرهم ولتكون الصّفوف منتظمة، لا بُدَّ من وازع وهو كالمسؤول أو الرّئيس والقائد لكل فرقة.
следующие страницы →