← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

﴿مُبْصِرَةً﴾: واضحة أو دالة على وجود الخالق الحق ووحدانيَّته ونبوة موسى. ﴿آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾: أيْ:: كأن الآيات هي الّتي تبصر؛ أي: تهدي إلى الخالق والإله الحق الواحد، وهم لا يبصرون أو هم يبصرون بسببها؛ أي: لو آمنوا بها، فلولا هذه الآيات لما قدروا على الاهتداء. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه ذا اسم إشارة للقرب. ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: سحر واضح لكل فرد أو الكل يعرف أنّه سحر. ارجع إلى سورة طه آية (٥٨) لبيان معنى السّحر. واعتبروها سحراً؛ لأنّها كانت آيات خارقة للعادة. وكل شيء يؤثر فيهم وخارق للعادات يعتبرونه سحراً؛ لأنّهم لا يريدون الإيمان به. ولو نظرنا إلى الاختلافات بين سورتي النمل والقصص لوجدناها كثيرة جداً تعود إلى أن سورة القصص جاءت قصة موسى فيها مفصلة، بينما قصة موسى في سورة النمل جاءت مختصرة نذكر بعض الأمثلة: في سورة النمل: ﴿إِنِّى آنَسْتُ نَارًا﴾ [آية: ٧]، في سورة القصص: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [آية: ٢٩]. في سورة النمل: ﴿يَامُوسَى﴾ [آية: ١٠]، في سورة القصص: ﴿أَنْ يَامُوسَى﴾ [آية: ٣٠]. في سورة النمل: ﴿لَا تَخَفْ﴾ [آية: ١٠]، في سورة القصص: ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾ [آية: ٣١]. في سورة النمل: ﴿إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [آية: ١٠]، في سورة القصص: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [آية: ٣١]. نجد في سورة القصص يشيع فيها جو الخوف، وسورة النمل ليس فيها خوف.

стр. 3677

سورة النّمل [الآيات ١٤ - ٢٢] سورة النمل [٢٧: ١٤] ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾: هناك فرق بين الجحود والإنكار. الجحود هو إنكار الشّيء الظّاهر والآيات التّسع أشياء ظاهرة للعيان، والإنكار يشمل إنكار الشّيء الظّاهر والشّيء الخفي مثل إنكار النّعمة والإنكار قد يرافقه علم أو غير علم. ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾: الواو حالية (تفيد التّوكيد)، والاستيقان فيه مبالغة في اليقين أيْ: هم علموها (علم اليقين) ورأوها بأمّ أعينهم (عين اليقين) وأيقنوها بقلوبهم وضمائرهم أنّها جاءت من عند الله أو من صنع الله سبحانه وتدل على صدق دعوة موسى، ومع ذلك لم يؤمنوا وأعرضوا عنها ظلماً وعلواً. وتشير الدراسات الحديثة على الجاحدين بالله حين يُسألون عن الله أو الرّب أن أجوبتهم بألسنتهم لا توافق أو تكون مغايرة وتخالف ما تكن صدورهم من الحق أو الصّدق، وتم رصد ذلك باستعمال أجهزة خاصة لكشف الكذب المستعملة في كشف الحقائق والصدق في حالات القتل والحالات الجنائية. ﴿ظُلْمًا﴾: شركاً بسبب شركهم، وعلواً: تكبراً بسبب تكبرهم بغير حق وقولهم أنّها سحر مبين. والعلو: الشعور بالاقتدار والفوقية والغرور بالقوة. ﴿فَانظُرْ كَيْفَ﴾: فانظر يا محمّد ﷺ ، وانظر أيها القارئ نظرة فكرية قلبية، أيْ: نظرة بصيرة والفاء للتوكيد، كيف: استفهام غرضه التّحذير والتّعجب.

стр. 3678

﴿كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: كيف كان مصيرهم الغرق والتّدمير (ما كان يصنع فرعون وما كانوا يعرشون). قال تعالى: كان عاقبة، ولم يقل: كانت عاقبة، كان عاقبةُ؛ تعني: العذاب في كلّ القرآن، كانت عاقبة تعني الجنة والعاقبة الحسنة فالتذكير يدل على العذاب وصيغة التأنيث تدل على الجنة. وجاءت كلمة عاقبة: نكرة للتهويل والتّعظيم وليتصورها بكل صورها المؤلمة، المفسدين: ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة للبيان. ثمّ ينتقل الحق سبحانه من ذكر موسى وفرعون إلى ذكر داود وابنه سليمان. سورة النمل [٢٧: ١٥] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد اللام للتوكيد، قد للتحقيق. ﴿آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾: الإيتاء هو أعم من العطاء، ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة لمعرفة الفرق بين الإيتاء والعطاء، داود: من ذرية يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وسليمان: هو ابن داود ﵇. ﴿عِلْمًا﴾: نكرة؛ لأنّه يشمل كثير من العلوم مثل علم الدّين والأحكام والقضاء والتّوراة ومنطق الطّير وصناعة السّابغات وأهم العلوم علم الدّين. والجدير بالذكر أن الله سبحانه آتى داود وسليمان الملك العظيم وسخر لداود الجبال وألان له الحديد وصنع السّابغات، وأعطى سليمان ملكاً لم يعطه لأحدٍ من قبله وسخَّر له الرّيح والجن وعلمه منطق الطّير وغيره، فلم يذكرها في هذه الآية، وإنما ذكر فقط العلم؛ لأنّه أهم وأفضل عطاء.

стр. 3679

فالعلم بالله والدّين هو المنة والنّعمة الحقيقية الّتي يحب أن يفرح بها المؤمن وهو أشرف العلوم على الإطلاق؛ لأن المال والجاه والملك كلّه زائل بالموت. ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى﴾: الّذي اسم موصول يعود إلى الله سبحانه، والحمد أعم من الشكر. ﴿فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بالنّبوة والعلم وغيرها من النّعم، وقوله: فضلنا على كثير من عباده المؤمنين، ولم يقل: فضلنا على عباده المؤمنين فكأن هناك من هم أفضل منهم من الرّسل والأنبياء أمثال أولو العزم من الرّسل، وهذا من أدب النّبوة والتّواضع، والحمد لله: المنعم علينا وعلى عباده الآخرين جملة اسمية تدل على الثّبوت. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٢) لمزيد من البيان عن الحمد. سورة النمل [٢٧: ١٦] ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾: أيْ: ورث النّبوة والعلم والملك ولا تعني وراثة المال أو المتاع، فقد قال ابن القيم: أجمع أهل العلم والتفسير أن وراثة سليمان لم تكن وراثة مال؛ لأنه كان لداود (١٩) ولداً وإنما ورث؛ أي: أخذ عن أبيه العلم والنبوة والحكم (الملك) بالإضافة إلى ما أتاه الله من العلم، وسليمان لم يأت بعد داود فقد كانا في عصر واحد أو زمن واحد، وسمى ذلك وارثه. ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾: قال سليمان: علمنا منطق الطّير: علمنا تعود على سليمان وحده بصيغة التّعظيم أو تعود عليه وعلى أبيه منطق الطّير لغة الطّير ولغة الحيوان، فلكلّ حيوان منطق ولغة تتفاهم بها مع غيرها من

стр. 3680

الحيوانات وتسبّح وتصلي، فهم أمم أمثالنا، ويحاول البعض في عصرنا الحديث أن يتعلَّم لغة الطّير وعاداته، وغيره من الحيوانات. ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ﴾: أيْ: من كلّ النّعم، من ابتدائية لبيان الجنس. من كلّ شيء مثل النّبوة والملك والرّيح ومنطق الطّير والجن، شيء نكرة تشمل أيَّ شيء أي أعطيناه وسخرنا له ما يحتاجه، ولمعرفة معنى الإيتاء ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة. ﴿إِنَّ هَذَا﴾: إنّ للتوكيد، هذا: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب يشير إلى الإيتاء. ﴿لَهُوَ﴾: اللام للتوكيد. ﴿الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾: الفضل هو الزّيادة عما يستحق العبد، المبين: أي: الواضح الظاهر الفضل الّذي يعلمه ويقرُّه كلّ فرد ولا ينكره، والواضح لا يحتاج إلى إثبات وبيان. سورة النمل [٢٧: ١٧] ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: ﴿وَحُشِرَ﴾: الحشر هو الجمع في مكان واحد. ﴿لِسُلَيْمَانَ﴾: اللام لام الاختصاص، سليمان بن داود. ﴿جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ﴾: كلّ صنف لوحده، ولم يقل جنده؛ لأن الجنود تعني من أجناس مختلفة، ولكل وظيفته الخاصة به. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: أصل الوزع هو الكف والمنع، والمنع أن يسبق بعضهم بعضاً إلى سليمان، فلذلك لا بُدَّ من أن يحبس أوّلهم حتّى يحضر آخرهم ولتكون الصّفوف منتظمة، لا بُدَّ من وازع وهو كالمسؤول أو الرّئيس والقائد لكل فرقة.

стр. 3681

سورة النمل [٢٧: ١٨] ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: ﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية. ﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية للماضي. ﴿أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾: أيْ: أتى سليمان وجنوده، أتوا ولم يقل جاءوا؛ القرآن يستعمل المجيء للمجيء الذي فيه صعوبة ومشقة، ويستعمل الإتيان للمجيء بسهولة؛ أي: قدموا أو انحدروا على واد النّمل فقوله: أتوا على تدل على أنّهم أتوا من أعلى الوادي، جاؤوا الوادي من أعلى الجبل، وادي النّمل، وأتوا: لم يصلوا بعد فهم في طريقهم. ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾: نادت نملة، وكأنها تمثل الحارسة لمساكن النّمل في تلك البقعة من الوادي قالت بلغتها الخاصة التي فهمها سليمان محذِّرة باقي النّمل بالدّخول إلى المساكن. ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾: يا النّداء، أيها: الهاء للتنبيه العام لتسمع كل نملة ولم تقل يا نمل، ادخلوا مساكنكم: خطاب للعقلاء الذين يسمعون النصيحة ولم تقل: ادخلن مساكنكن، مساكنكم: أيْ: كلّ واحدة تدخل مسكنها وتستقر فيه (لكل نملة مسكن أو خلية خاصة بها). ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾: تدل على أن النّملة عرفت سليمان هو الحاكم عرفته بالإلهام، يحطمنكم: من التّحطيم وهو التّكسير؛ لأنّ جسم النّملة اكتشف أنّه يحتوي على مادة السّليكون المستعمل في صناعة الزّجاج، وهذا من الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، والتّهشيم يكون لكسر الشّيء الرّطب أو اليابس،

стр. 3682

والتّحطيم يكون فقط للشيء اليابس كالزجاج، سليمان وجنوده: أيْ: لكي لا يدوسوا عليكم بأقدامهم خطأً. وأكدت ذلك بقولها (لا يحطمنكم) نون التوكيد. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: أيْ: عن غير قصد ليس عمداً لكونهم لا يشعرون بكم، سليمان وحده سمع قول هذه النّملة قبل أن يقترب هو وجنوده من مساكن النّمل. سورة النمل [٢٧: ١٩] ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾: الفاء تدل على المباشرة أيْ: فما إن سمعها تقول للنمل: ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، تبسم من قولها وضحك وابتسم: الضّحك ناتج عن سرور وهناك تبسم من دون ضحك، وقيل: أكثر ضحك الأنبياء تبسم، تبسم ضاحكاً متعجباً من هذه النّملة الّتي خافت منه وتحذِّر غيرها من النّمل. وقد يسئل سائل في الآية (١٦) وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ وهنا يقول نملة، وهل النمل من أنواع الطيور؟ والحقيقة قوله علمنا منطق الطير لا تعني الحصر؛ أي: فقط لغة الطير؛ أي: علمنا منطق الطير وغيره من لغات الحيوانات والعلوم الأخرى. وعندها شعر سليمان بفضل الله تعالى ونعمه عليه فدعا ربه قائلاً: ﴿أَوْزِعْنِى﴾: من الوزع وهو الكف والمنع، أي: امنعني أن أغفل أو أنسى أن أشكر نعمتك على الدّوام، أيْ: أظل شاكراً لك أو كُفني عما يباعد عن شكرك، وقيل: أوزعني من الإيزاع، أي: الإغراء بالشّيء أو مولع بشيء، أيْ: مولع بشكرك دائماً. ﴿نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَىَّ﴾: الوالد هو داود. ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾: أيْ: وألهمني أن أعمل صالحاً، أن للتعليل

стр. 3683

والتّوكيد، مقابل تلك النّعم يَسر لي العمل الصّالح الّذي ترضاه، أيْ: وفقني وساعدني على القيام به. ﴿وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾: رغم النّبوة وكلّ تلك النّعم ما زال متواضعاً لم يعط نفسه درجة على غيره، ولم يورثِّه كلُّ ذلك المُلك والفضل الغرورَ والتّكبرَ، ورغم أنّه أعطي ملكاً، لم يعطِ الله لأحدٍ مثله، وأدخلني برحمتك بسبب رحمتك، باء السّببية فاجعلني واحداً من هؤلاء العباد الصّالحين ولم يقل: وأدخلني في رحمتك: في الظّرفية، أي: اجعلني من بين الّذين رحمتهم؛ لأنّه يعلم أنّه داخل في رحمة الله؛ لأنّه أعطي النّبوة فهذه أكبر رحمة من الله تعالى. وتعني أنّه كان في رحمة الله تعالى، ويريد أن يدخل في رحمة جديدة هي أن يكون من بين الصّالحين. من جاء ذكرهم في سورة الفرقان الآية (٦٣ - ٧٤) ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ........... وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. سورة النمل [٢٧: ٢٠] ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِىَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾: بحث عن الطّير والطّير اسم جنس يشمل كلّ الطيور. ﴿فَقَالَ مَا لِىَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾: ما للتعجب من عدم رؤية الهدهد ظناً منه أنّه حاضر أو محجوب عنه. ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾: فلما تأكَّد من خلوِّ مكانه بين الطّيور قال عندها: أم كان من الغائبين، فلا بُدَّ من معاقبته.

стр. 3684

سورة النمل [٢٧: ٢١] ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَاذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾: اللام لام التّوكيد والنّون في أعذبنَّه لزيادة التّوكيد، تعذيبه بنتف ريشه الّذي يزهو به فلا يستطيع الطّيران أو حبسه. ﴿أَوْ لَأَاذْبَحَنَّهُ﴾: واللام والنّون للتوكيد في لأذبحنه أو ليأتيني. ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: السّلطان، أي: الحُجَّة القوية لا تدحض لقوة دلالتها، أو عُذر مؤكد واضح بنفسه لا يحتاج إلى من يوضحه. في هذه الآية نرى تدرج في العقاب من العذاب الشّديد إلى الذّبح وأعظم من الذّبح الإتيان بسلطان مبين. سورة النمل [٢٧: ٢٢] ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾: الفاء للتعقيب والتّرتيب، غير بعيد: أي: استغرق غياب الهدهد عن سليمان زمناً يسيراً غير طويل. ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ﴾: ثمّ عاد الهدهد ليخاطب سليمان ﵇؛ فقال: الفاء للتّعقيب والمباشرة، أحطت: الإحاطة هي العالم بالشّيء من جميع جهاته إحاطة تامة كالبحر المحيط أيْ: علمت شيئاً لا تعلمه ورأيت شيئاً عجيباً أنت عنه غافل. ﴿وَجِئْتُكَ﴾: المجيء لم يكن بسهولة لكون الهدهد لم يحصل على النّبأ بسهولة ولم يقل أتيتك: الإتيان يكون بسهولة بعكس المجيء. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية. ﴿سَبَإٍ﴾: نسبة إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، له (١٠) أولاد

стр. 3685

(٦) منهم كانوا في اليمن و (٤) رحلوا إلى الشام، وسبأ يمكن يكون اسماً للقبيلة أو المكان أو جد القبيلة، وسُمِّيت مدينة مأرب فيما بعد، وهي قريبة من صنعاء. ﴿بِنَبَإٍ﴾: الباء للإلصاق والنّبأ هو الخبر العظيم أو الهام. ﴿يَقِينٍ﴾: أيْ: حق ثابت وصدق لا ريب فيه، والنّبأ هو ما ذكر في الآيات (٢٣ - ٢٤). وقول الهدهد: (أحطت بما لم تحط به): فيه دعوة لسليمان للاستماع لما سيقوله له؛ كي يعيره الاهتمام ويخبره بما رآه، ولم يخبر الهدهد سليمان مباشرة بالخبر.

стр. 3686

سورة النّمل [الآيات ٢٣ - ٣٥] سورة النمل [٢٧: ٢٣] ﴿إِنِّى وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾: ﴿إِنِّى وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾: إنّي للتوكيد، امرأة تملكهم: هي بلقيس بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان كان أبوها ملك اليمن وكان مجوسياً يعبد الشّمس تملكهم: أيْ: تحكمهم، وكتبت امرأة بالتاء المربوطة، وليس بالتاء المبسوطة أو المفتوحة. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٣٠) لمعرفة الفرق. ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ﴾: من أسباب الدّنيا، الآلة والعدة والمال والخير الكثير، أوتيت: أعطيت ولمعرفة الفرق بينهما ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة، من ابتدائية، كلّ شيء للمبالغة، أيْ: من متاع الدّنيا ولكنها لم تؤتَ النّبوة أو الحكمة أو الدّين، وهذا هو الإيتاء الدّائم والأفضل من غيره من الإيتاءات. ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾: اللام في لها للاختصاص، كرسي الملك، عرش عظيم: مقارنة بعروش الملوك في زمنها، وعظمة العرش تقدر بسعة رقعة الحكم والعدد والعدة في الأفراد والثّروات. سورة النمل [٢٧: ٢٤] ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: يدل على أنّ الهدهد يفهم مبادئ العقيدة والإيمان والتّوحيد، كما هداه الله سبحانه، وكما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. ﴿يَسْجُدُونَ﴾: يعبدون الشّمس ويعظمونها، من دون الله: من غير الله وكأنّه يستنكر ويتعجب من سجودهم لغير الله وشركهم بالله الخالق.

стр. 3687

﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾: قدَّم الجار والمجرور لهم للحصر، أي: المزين الوحيد لهم هو الشّيطان زين لهم الشّرك والباطل، أيْ: حبَّبه إليهم. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾: الفاء للتوكيد، صدهم عن السّبيل: عن الاهتداء إلى طريق الحق وهو الإيمان بالخالق وحده وعبادته والدين. ﴿فَهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، هم لزيادة التّوكيد. ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾: لا النّافية، يهتدون إلى طريق الحق وإلى عبادة الخالق ووحدانيته. سورة النمل [٢٧: ٢٥] ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾: ألا أداة حضٍّ وحثٍّ أصلها أن: التّعليلية والتّوكيد، لا النّافية، أيْ: زين لهم الشّيطان أعمالهم ألا يسجدوا لله. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يفيد التّعظيم. ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الخبء مصدر خبأ: للمبالغة في تصوير إخراج ليس للشيء المخفي فقط وإنما للخفاء نفسه، وخبأ الشّيء أيْ: أخفاه والخبء يشمل كلّ شيء غائب مستور في السّموات والأرض مثل الماء والنّبات والكنوز والمعادن والبترول والغازات والخيرات الخفية والثمينة فهو الّذي يخرجها للناس، أيْ: يجعلهم قادرين على اكتشافها، وبالتّالي استعمالها والفائدة منها. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: الإخفاء: يشمل الأمور المادية والمعنوية، والإخفاء يضم الكتمان، تعلنون: تبدون أو تظهرون أو تجهرون، أيْ: يعلم ما تخفون في نفوسكم وما تعلنون بألسنتكم، واختار الهدهد هذه الصّفة من بين الصّفات الأخرى الكثيرة لله تعالى؛ لأنّ الهدهد وحده الّذي يرى الماء المدفون

стр. 3688

في باطن الأرض والله سبحانه هو الّذي أعطى الهدهد هذه القدرة العجيبة فالله وحده الّذي يعلم ما تخفون وما تعلنون، وهذا يدل على وحدانيَّته. سورة النمل [٢٧: ٢٦] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: ﴿اللَّهُ﴾: الاسم الأعظم الّذي تفرد به سبحانه واختصه لنفسه الدّال على واجب الوجود الجامع لجميع صفات الكمال الإلهية. الإله: المألوه المعبود وحده. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة للبيان. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: العظيم تعود إلى الرّب وقد تعود إلى العرش، خالق العرش العظيم والقائم على تدبيره، ووصف العرش بالعظيم؛ لأنّه أعظم مخلوقات الله تعالى على الإطلاق يفوق خلق السّموات والأرض ويفوق خلق الإنسان. ارجع إلى سورة التّوبة آية (١٢٩) لمزيد من البيان. سورة النمل [٢٧: ٢٧] ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ﴾: قال سليمان للهدهد: سننظر: السّين للاستقبال القريب أيْ: سنعلم عن قريب أو نرى رؤية قلبية وتجريبية إذا كنت صادقاً أم كاذباً. ﴿أَصَدَقْتَ﴾: الهمزة همزة استفهامية، فيما أنبأتنا به أو أخبرتنا: جملة فعلية تدل على التّجدد والتّكرار. ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: جملة اسمية تدل على الثّبوت ثبوت صفة الكذب في الهدهد. سورة النمل [٢٧: ٢٨] ﴿اذْهَب بِّكِتَابِى هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾: ﴿اذْهَب بِّكِتَابِى﴾: أيْ: كتب سليمان رسالة إلى الملكة الحاكمة في سبأ

стр. 3689

وقومها وطلب من الهدهد أن يطير بهذا الكتاب، وسنرى في الآية (٣٠ - ٣١) نص الرّسالة أو الكتاب. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة للقرب. ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾: أي: احمله وألقه إليهم ولم يقل: عليهم: إليهم، أيْ: لينتهي أو يصل إلى يدي الملكة. إليهم: تشمل عليهم أولاً، أيْ: ألقه عليهم أولاً وثانياً يصل إلى أيديهم. ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: ثمّ انصرف إلى مكان آخر. ﴿فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾: أي: انظر ماذا سيكون جوابهم أو ردهم على كتابي، الفاء للتعقيب والمباشرة، انظر مباشرة ماذا سيكون جوابهم. سورة النمل [٢٧: ٢٩] ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَؤُا إِنِّى أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾: ﴿قَالَتْ﴾: قالت الملكة للملأ حولها؛ أيْ: أعضاء الحكومة من الوزراء ومستشاريها وممثليهم. ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَؤُا﴾: نداء من الأعلى إلى الأسفل والهاء للتنبيه إلى الملأ. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (٢٤) لمزيد من البيان. ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد، ولم تقل: إنّه، وقالت: إنّي؛ ليشير إلى تحملها المسؤولية. ﴿أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ﴾: لم تعرف من ألقى الكتاب في قصرها فلم يذكر كيف دخل الهدهد القصر، وكيف ألقى الكتاب، واين كانت الملكة حين ألقى الكتاب، وأين وجدته، وكم استغرق الهدهد من الزمن للوصول إلى سبأ وغيرها من التساؤلات العديدة؛ لأن كل ذلك ليس هو موطن الاهتمام والعبرة، ووصفت الكتاب به كتاب كريم. ﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾: وكيف عرفت أنّه كتاب كريم؛ لأنّه من سليمان وسمعت

стр. 3690

أنّه ملك كريم أو لأنّه مكتوب بشكل جميل وحسن أو لأنّه مختوم أو لأنّه بدأ باسم الله الرّحمن الرّحيم. سورة النمل [٢٧: ٣٠] ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: كأنّها لما قالت: إنّي ألقي إليّ كتاب كريم قيل لها: من أرسله؟ فقالت: إنّه من سليمان، ثمّ قرأته: وإنّه بسم الله الرّحمن الرّحيم. سورة النمل [٢٧: ٣١] ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾: ﴿أَلَّا﴾: أصلها أن المصدرية وتفيد التّعليل والتّوكيد، لا النّافية. ﴿تَعْلُوا عَلَىَّ﴾: لا تتكبروا عليَّ. والعلو هو الشّعور بالفوقية والاقتدار بالغرور بالقوة. ﴿وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾: أيْ: أسلموا. سورة النمل [٢٧: ٣٢] ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَؤُا أَفْتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَؤُا﴾: قالت الملكة، يا النّداء والنّداء من الأعلى إلى الأسفل بعكس الدّعاء من الأسفل إلى الأعلى، الملأ: مستشاريها من أعضاء الدولة والوزارات، أو ممثليهم، الملأ: مشتقة من كونهم تراهم العيون دائماً يتحدثون باسم القوم. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (٢٤) للبيان. ﴿أَفْتُونِى فِى أَمْرِى﴾: الفتيا: هنا تعني: أشيروا عليّ برأيكم من الشّورى، في أمري: مع أنّ الكتاب كان موجه إلى الكلّ لقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، فالأمر يهم الجميع، ولكنها نسبت الأمر إلى نفسها؛ لأنّها وقومها يد واحدة فأمرهم أمرها وأمرها أمرهم، ويدل على رعيتها. ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾: متخذةً قراراً أو مبرمة أمراً أو قاضية بحكم. ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾: حتّى حرف نهاية الغاية، تشهدون: تحضرون، تشهدون

стр. 3691

الجلسة وتدلون بآرائكم، وحذف الياء يدل على أنها شهادة مؤقتة لظرف معين، وليست دائمة تنتهي بانتهاء الحرب أو الاستسلام لسليمان. سورة النمل [٢٧: ٣٣] ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾: فجاء الرّد منهم على الفتوى بما يلي: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾: أيْ: أصحاب (أو ذوو: للمفرد بمعنى صاحب) قوة، أيْ: في العدد والعدة قيل: كان عدد القواد (٣١٢) كلّ قائد يمثل عدداً كبيراً من المقاتلين يقدر بـ (١٠. ٠٠٠) أو أكثر. ﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: تكرار أولوا يفيد التّوكيد، أيْ: وذوو بأس شديد، أيْ: ذوو أو أصحاب بلاء وشجاعة في الحرب؛ لأنّ هناك الكثير ممن يملكون العدد والعدة، ولكنهم جبناء فالقوة عامة تكون في الحرب أو غير الحرب، البأس: يعني في الحرب، أيْ: نحن نملك الأمرين العدة والعتاد والشّجاعة والجرأة. ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾: أيْ: أنت صاحبة الرأي أو متخذة القرار والحكم أو نحن نوكل إليك اتخاذ القرار، فانظري: الفاء للتوكيد، أيْ: تأملي الأمر وفكري به وأخبرينا، وماذا: أداة استفهام أقوى وآكد من ما، تأمرين: ما هو واجبنا لتنفيذه والشّروع به. سورة النمل [٢٧: ٣٤] ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾: ﴿قَالَتْ﴾: قالت الملكة رداً على فتواهم: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾: بالقوة أو القتال.

стр. 3692

﴿أَفْسَدُوهَا﴾: بإهلاك الحرث والنّسل والقتل والتّخريب وإشاعة الخوف والرّعب. ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾: أشراف القوم أذلة بالضّرب والإهانة والأسر حتّى لا يجرأ أحد على المقاومة. ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾: وكذلك تعني: ومثل ذلك يفعلون، قيل: هذا من كلام الملكة بلقيس أو من قول الله سبحانه مصدقاً لقولها: إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وكذلك يفعلون، وهذا هو المرجَّح، أيْ: هذا الإفساد هو من عادتهم المستمرة الثّابتة الّتي لا تتغير. سورة النمل [٢٧: ٣٥] ﴿وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾: ﴿وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ﴾: إنّي: للتوكيد، مرسلة إليهم بهدية: لسليمان. ﴿فَنَاظِرَةٌ﴾: ما سيفعل بها، ثمّ اتخذ القرار، أيْ: إن أخذ الهدية وقبلها فهو من أهل الدّنيا أو ملك من ملوك الدنيا الذين يأخذون الهدايا ويفرحون بها فنقاتله بعدها، وإن ردَّ الهدية فهو نبي فلن يرضى إلا باتباع دعوته ودينه فنتَّبعه، وقد أحست بلقيس ميل قومها إلى القتال، ولكنّها هي جنحت للسلم لأنّها أشارت إلى أخطار الحرب والدّمار. ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾: وهذا يعني أنها أرسلت مجموعة من الرسل؛ أي: وفد من الناس يحملون الهدية، وهذا يشير أيضاً إلى عظيم الهدية وكبرها، وهي تنتظر عودة الرسل ليخبروها بما قال لهم سليمان أو فعل بالهدية.

стр. 3693

سورة النّمل [الآيات ٣٦ - ٤٤] سورة النمل [٢٧: ٣٦] ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُم بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، لما: ظرف زماني بمعنى حين. ﴿جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾: فلما جاء الوفد المرسل من ملكة سبأ بالهدية إلى سليمان، الهدية: الذّهب والجواهر واللآلئ (أي: المال). ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ﴾ قال سليمان للوفد القادم بالهدية: أتمدونن: من أمدَّ يمدُّ إمداداً، أي: الإعانة والتّقوية والإمداد في القرآن يأتي عادة بالخير، أما المد فقد يكون بالشّر هو الزّيادة (في العذاب أو الطّغيان)، والهمزة في أتمدونن للاستفهام الإنكاري والتّعجب والتّوبيخ، والنّون للتوكيد، وقال: أتمدونن بحذف ياء المتكلم ولم يقل: أتمدونني؛ لأنّه يستحيي أن يُخبر بذلك ويريد قصر الخبر وكأن الهدية فضيحة أو رشوة، وهو لم يطلب مالاً أصلاً ولا حاجة له بهذا المال وكان همه مجيئهم إليه مسلمون، وهو إمداد لا حاجة له به مقارنة بما أمده الله من العطاء مثل: تسخير الرياح، والجن، والطير، ولم يقل: أتمدوننا؛ لأنّ الهدية هي خاصة بسليمان فقط وليس قومه. ﴿بِمَالٍ﴾: الباء للإلصاق. ﴿فَمَا﴾: الفاء للتفصيل، ما: اسم موصول بمعنى الّذي وأوسع شمولاً من الذي.

стр. 3694

﴿آتَانِيَ اللَّهُ﴾: من الإيتاء وهو العطاء، ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة لمعرفة الفرق بين الإيتاء والعطاء، آتاني الله من المال، وحذف الياء في أتان؛ لأن هدية ملكة سبأ لا يقارن بما أتاه الله تعالى من المال خيرٌ من الهدية وهذا الإيتاء هو جزء مما أتاه الله من الملك والنبوة وتسخير الرياح والجن والطير أتان: يقصد به المال وأما لو قال أتاني: يقصد به الإيتاء الكامل من النبوة والملك وغيرها، مقارنة بقوله تعالى: ﴿وَآتَانِى رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِهِ﴾ [هود: ٢٨] أو قوله تعالى: ﴿آتَانِىَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠]؛ فالنبوة والكتاب من أعظم الإيتاء. ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُم﴾: خيرٌ: أفضل مما، من: ابتدائية، ما: بمعنى الذي أتاكم؛ أي: المال وعرض الدينا، فلا حاجة لي بهديتكم. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾: أنتم للتوكيد، والباء للإلصاق، بهديتكم تفرحون: الفرح المذموم، والفرح أعم من السّرور والفرح شيء يحدث في النّفس ونقيضه الغم، أما السّرور فنقيضه الحزن. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠) لبيان معنى الفرح وأنواعه. انتبه: أضاف الهدية إليهم فقال: بهديتكم ولم يضفها إلى نفسه، أيْ: أنتم تفرحون إن جاءتكم هدية من أحد أو تفرحون بهديتكم إن قبلتُها منكم. والسّؤال: لِمَ لمْ يقبل سليمان الهدية مع أنّ رسول الله ﷺ كان يقبل الهدية فيما رواه البخاري عن عائشة ﵂ ولا يقبل الصّدقة؟ الجواب: الهدية هذه تعتبر كرشوة من بلقيس لسليمان والرّشوة حرام وخاصة حين تهدى إلى الحاكم أو ولاة الأمور، ويكون من ورائها مصلحة ذاتية في الحاضر أو المستقبل، والهدية حين تكون لوجه الله تعالى مباحة، ولكنها

стр. 3695

نادرة ولا شك أنّ الهدية تورث المحبة والمودة، وهذه الهدية ليست فقط فيها شبه الرّشوة، بل هي هدية تدعو إلى الصّد عن سبيل الله والدّخول في الإسلام وبيع الآخرة بعرض فانٍ وهو المال. سورة النمل [٢٧: ٣٧] ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾: قال للرسول والوفد المرافق: ارجع إليهم ولم يقل: ارجع إليها، ارجع إلى قومك، ارجع إليهم بهديتهم. ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ﴾: الفاء للتوكيد واللام والنّون في لنأتينَّهم لزيادة التوكيد، وأخبرهم أنا قادمون بجنود، ولم يقل: بجند؛ لأنّهم مزيج من الإنس والجن والشّياطين. الّذين سخرهم الله لطاعة سليمان، ولو كانوا من جنس البشر فقط لقال: بجند. ﴿لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾: لا النّافية، أيْ: لا يستطيعون مقابلتها، أي: التّصدي لها أو القدرة عليها، ولا طاقة لهم على مقاومتها. ولنقارن هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، فالطاقة: هي غاية أو أقصى مقدرة القادر، واستفراغ ما في وسعه من قدرة، والقدرة: القدرة أو القوة التي يتمكن بها المرء من أداء الأمور، والاستطاعة: أخص من القدرة، فكل مستطيع قادر، وليس كل قادر بمستطيع. ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُم﴾: اللام والنّون كلاهما للتوكيد. ﴿مِّنْهَا﴾: من أرضهم من سبأ (مأرب). ﴿أَذِلَّةً﴾: بعد هزمهم ودحرهم أذلة بعد أن كانوا أعزة؛ لأنّه سيسلبهم مُلْكَهُم ويصبحون عبيداً. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.

стр. 3696

﴿صَاغِرُونَ﴾: من الصَّغار وهو الأسر والذل والاستعباد. وأدركت بلقيس أنّ هذا إنذار بالحرب من سليمان وهي نفسها تميل إلى السّلم، ولذلك أذعنت وانقادت لطلب سليمان، وبدأت بالاستعداد للقدوم إلى سليمان لإعلان إسلامها مع قومها. سورة النمل [٢٧: ٣٨] ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾: علم سليمان بنية بلقيس وقومها وأنّهم قادمون إليه لإعلان إسلامهم عندها قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَؤُا﴾: يا النّداء، الهاء للتنبيه، الملأ: أشراف وسادة القوم ورؤسائهم المقربين إليها (سادة الإنس والجن) بعد أن دعاهم للاجتماع. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (٢٤) لبيان معنى الملؤا، والفرق بين الملؤا والملأ. ﴿أَيُّكُمْ﴾: الهمزة للاستفهام. ﴿يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ﴾: لماذا طلب سليمان (الإيتاء بعرشها)؟؟ فعل ذلك كأية معجزة ليدل بلقيس على صدق نبوته كما فعل الأنبياء والرّسل السّابقين، قبل أن: حرف مصدري يفيد التّوكيد، يأتوني: النّون للتوكيد، قبل أن يصلوا إلينا، مسلمين: لإعلان إسلامهم، فهو حدَّد زمن الإتيان بهذا العرش قبل أن يأتوني مسلمين، فلا بُدَّ من الذّهاب إلى العرش، ثمّ الإتيان به حمله كقطعة واحدة أو عدة قطع، والله أعلم. سورة النمل [٢٧: ٣٩] ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَّقَامِكَ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾: العفريت هو الخبيث الماكر من الجن ذو القوة الخارقة، وكلمة عفريت اشتقت من التّعفير بالتّراب، فقد كانوا حينما يتسابقون

стр. 3697

في العَدْو بالخيل أو غيرها يحاول الفارس أن يثير الغبار أو التّراب في وجه المتسابقون الآخرون لكي لا يروا الطّريق. ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾: بالعرش. ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَّقَامِكَ﴾: قبل الانتهاء من مجلسك للقضاء، وكان يجلس للقضاء من الغداة إلى منتصف النّهار، أيْ: (٤ - ٥) ساعات، فإذا كان هذا العفريت من الجن يملك هذه القدرة ويقطع مسافة تقارب (٥٠٠٠ - ٦٠٠٠ كم) ذهاب وإياب بين سليمان والملكة في اليمن، فما بالك بقدرة الله الّذي خلق الملائكة والجن، وما بالك بسرعة الملائكة الّذين يعرجون في السّماء، وما قدروا الله حق قدره. ﴿وَإِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿عَلَيْهِ﴾: أي: العرش. ﴿لَقَوِىٌّ﴾: اللام للتوكيد، قوي قادر على حمله. ﴿أَمِينٌ﴾: على ما فيه من الذّهب والجواهر والدّر (لكونه مرصعاً بها) ولن أبدِّد منه شيئاً، أو أمين لا آتيك إلا به وليس بغيره أو مثله. سورة النمل [٢٧: ٤٠] ﴿قَالَ الَّذِى عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِى ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾: اختلف العلماء في هذا الّذي عنده علم من الكتاب: قالوا: هو سليمان نفسه الّذي عنده علم من الكتاب، فسليمان ﵇ يعلم الكتاب (التّوراة) أكثر من غيره، فلما قال عفريت من الجن ما قاله ردَّ عليه سليمان بأنّه قادر على إحضاره بطرفة عين، وقالوا: هو رجل من بني إسرائيل اسمه آصف بن برخيا،

стр. 3698

وكان وزيراً لسليمان، وهو رجل صالح كان يعرف اسم الله الأعظم الّذي إذا دُعي به استجاب، ومع العلم أنّ عنده علم من الكتاب، من (بعضية) أيْ: بعض العلم، ويكفي أن يكون علم اسم الله الأعظم فهو لم يحضره بنفسه وإنما دعا الله سبحانه فاستجاب له (كما في قصة الخضر) فالقدرة هي قدرة الله تعالى الّتي أودعها في اسمه الأعظم وعلمها هذا الإنسان. والمراد بقوله: قبل أن يرتد إليك طرفك، ليس الزّمن هو الّذي يجب أن ننظر إليه، وإنما إلى القدرة الإلهية الّتي لا تقدَّر بأي زمن أو طاقة أو سرعة، أو تحدُّ بحدود؛ لأنّه سبحانه خالق الزّمن، وهو خالق السّرعة، ولنعلم أن سرعة الضوء (٣٠٠، ٠٠٠ كم في الثانية). ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾: الطّرف هو الجفن، أيْ: قبل إطباق الجفن كلمح البصر قبل أن تغمض عينيك أو قبل أن تفتح عينيك، ولنعلم أن هناك من حاول تفسير هذه المعجزة من خلال النّظريات العلمية الحديثة المتعلِّقة بالذرة، وكلها تحتاج إلى توثيق. ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، لما ظرف زماني بمعنى حين. ﴿رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾: أيْ: رأى العرش مستقراً عنده بين يديه أمامه. ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّى﴾: قال سليمان: هذا الإحضار من فضل ربي وإحسانه. هذا: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقريب، ويشير إلى الإحضار هو من فضل ربي. ﴿لِيَبْلُوَنِى ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾: اللام: للتوكيد، يبلوني: من الابتلاء. والابتلاء يكون بالشّر والخير فتنةً، أأشكر: الشّكر يعني: نسب النّعمة إلى المنعم والشّكر باللسان والقيام بالعبادات، أم: للإضراب الانتقالي، أكفر: ويعني ستر النّعمة وعدم إسناد النّعمة على المنعم وإخفاءها.

стр. 3699

﴿وَمَنْ﴾: شرطية. ﴿شَكَرَ﴾: الله باللسان والفعل وتتضمن العبادات والصّدقات. ﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء للتوكيد، إنما كافة مكفوفة للحصر. ﴿يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾: كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]؛ أيْ: نفع أو فائدة الشّكر تعود إليه، ويشكر جاءت بصيغة المضارع لتدل على التّجدد والتّكرار لكلّ نعمة. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: من شرطية، كفر: ستر النّعمة ولم يسندها إلى الخالق الرّزاق، وقال: إنما أوتيته على علم عندي كما فعل قارون. ﴿فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ﴾: غني عن شكره وليس بحاجة إلى شكر أي عبد من عباده. ﴿كَرِيمٌ﴾: لا يقطع إنعامه على من لم يشكره، أو لا يعبده، وإنما يستمر في عطائه وكرمه، ارجع إلى الآية (١٢) من سورة لقمان للمقارنة. سورة النمل [٢٧: ٤١] ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِى أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾: ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾: قال سليمان: غيِّروا بعض معالم عرشها وبعض ألوان أحجاره أو نقوشه، التّنكير ضد التّعريف جعل الشّيء لا يُعرف إلا بصعوبة. ﴿نَنظُرْ أَتَهْتَدِى﴾: نختبرها وننظر نظرة قلبية ونظرة بصرية، أتهتدي إلى معرفة عرشها، أو لا تهتدي أو تهتدي للجواب الصّواب أم لا. ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾: والغاية من إحضار العرش وتنكيره لعلَّها إن رأت هذه المعجزة تسلم وتدخل في الإسلام هي وقومها. سورة النمل [٢٧: ٤٢] ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، لما: ظرف زماني بمعنى حين.

стр. 3700

﴿جَاءَتْ﴾: بلقيس. ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾: سُئلت أهكذا: الهمزة همزة استفهام وتقرير وإخبار، ولم يقل: أهذا عرشك: هذا القول يوحي إليها بالجواب أنّه عرشها. ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾: ولو قالت: هو، لسألوها كيف جاء العرش والمسافة كانت تستغرق حوالي شهرين مشياً على الأقدام، ولو قالت: ليس هو، لقيل لها: كيف تجهلين عرشك فكانت ذات دهاء وحكمة فقالت: كأنّه هو. ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾: هذا قول سليمان ﵇: وأوتينا العلم بالدّين من قبلها بفضل الله ودخلنا في الإسلام من قبل أن تُسلم أو تدخل في الإسلام، وكنا مسلمين: جملة اسمية تفيد الثّبوت، أي: الإسلام صفة ثابتة مستمرة لا تتغيَّر عندنا. سورة النمل [٢٧: ٤٣] ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَّعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾: ﴿وَصَدَّهَا﴾: الصّد هو المنع عن قصد الشّيء خاصة، أيْ: منعها؛ أي: أضلها ما كانت تعبد من دون الله (أي: عبادة الشّمس أو الشّيطان أضلها عن عبادة الله). ﴿إِنَّهَا﴾: للتوكيد. ﴿كَانَتْ مِنْ﴾: تكرار كانت مرتين للتأكيد على تمكن الكفر منها؛ لأنها نشأت وترعرعت في قوم كافرين، من ابتدائية. ﴿قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾: جاحدين بوجود الله تعالى، أيْ: غير مؤمنين بالله تعالى. سورة النمل [٢٧: ٤٤] ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِى الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِى الصَّرْحَ﴾: طلب منها أو سُئلت أن تدخل الصّرح، الصّرح: القصر العظيم وقد كان له مدخل أو بهو كبير مصنوع من قوارير، أيْ: زجاج. ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، لما: ظرف زماني بمعنى حين.

стр. 3701

﴿رَأَتْهُ﴾: رأت المدخل القصر أو بهو القصر. ﴿حَسِبَتْهُ﴾: من حسب وهو الظّن الرّاجح يقوم على الحساب الحسي والقلبي والنّظر والتّجربة وحسبته: اعتقدت. ﴿لُجَّةً﴾: مجمع للماء في مدخل القصر، وكان أرضه مصنوعة من زجاج شفاف وأجري تحته الماء وفيه أسماك وأمواج المياه، فمن يراه لأول مرة يحسبه لجة. من لجة البحر؛ أي: تردد أمواجه وعودتها إلى الاصطدام بالشاطئ أو بالصخر المرة بعد الأخرى بلا انقطاع. ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾: لتخوض في اللجة. عندها ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾: قال: سليمان لها: إنّه مصنوع من الزجاج. ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى﴾: قالت: بلقيس رب إنّي للتوكيد، ظلمت نفسي بالكفر أو بعبادة الشّمس من دونك. ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾: ولم تقل: وأسلمت لسليمان، وإنما أسلمت مع سليمان، أيْ: أنا وهو كلانا عبدٌ لله سبحانه رب العالمين، ولو قالت أسلمت لسليمان تعني أنها أشركت بالله.

стр. 3702

سورة النّمل [الآيات ٤٥ - ٥٥] سورة النمل [٢٧: ٤٥] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾: ارجع إلى الآية (٢٣) من سورة المؤمنون للبيان. ﴿إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾: ارجع إلى الآية (٧٣) من سورة الأعراف للبيان. ﴿أَنِ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: وحده ولا تشركون به شيئاً. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء للتوكيد، إذا الفجائية. ﴿هُمْ﴾: للتوكيد. ﴿فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾: فريق مؤمن وفريق كافر، يختصمون لم يبيِّن نوع الخصومة في هذه الآية، ولكن بيَّنها في سورة الأعراف الآية (٧٥ - ٧٦): ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِى آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. ولم يقل: فريقان يختصمان: لأن كلّ فريق يشمل عدد من الأعضاء وعند الاختصام والمحاربة الكلّ يشترك، وهذه الخصومة في الدّنيا بين الفريق المؤمن

стр. 3703

والكافر أمّا في الآخرة فتتحول إلى خصومة بين الكافرين أنفسهم، الأتباع والمتبوعين أو القادة والأتباع. سورة النمل [٢٧: ٤٦] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: ﴿قَالَ﴾: نبيهم صالح، يا قوم: يا النّداء يا قوم: متودداً إليهم. ﴿لِمَ﴾: أداة استفهام إنكاري، ما الاستفهامية، حذف ألفها لدخول حرف الجر عليها، وهو اللام. ﴿تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: حين قالوا: ﴿يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، قال: يا قوم لم تستعجلون بالسّيئة: بالعذاب، والسّيئة: تعني هنا كلّ ما يسيء النّفس ومنها العذاب والبلاء والعقوبة، والضّرر، قبل الحسنة: لغوياً: هي كلّ ما يستحسنه الإنسان من صحة وغنى وخير في الدّنيا وفي الآخرة الجنة والرّضوان، شرعاً: هو كلّ ما يستحسنه الشّرع ويتمثل بطاعة الله وتجنب نواهيه من قول أو فعل يورث ثواباً. تستعجلون: بصيغة فعل المضارع ليدل على تكرار استعجالهم فهم لم يستعجلوا مرة، بل مرات متكرِّرة. ﴿لَوْلَا﴾: أداة طلب وحضٍّ وحثٍّ. ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾: الاستغفار يسبق التّوبة، أيْ: لِمَ لا تطلبون المغفرة من ربكم بدلاً من استعجالكم بالعذاب. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعل للتعليل. ﴿تُرْحَمُونَ﴾: ارجع إلى سورة الإسراء آية (٨) للبيان.

стр. 3704

سورة النمل [٢٧: ٤٧] ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: أي: الّذين استكبروا وكفروا من قوم ثمود قالوا لصالح. ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾: اطيرنا: من التّطير وهو التّشاؤم ـ مأخوذ من الطّير فقد كان الواحد في زمن الجاهلية إذا أراد أن يسافر أو يفعل شيئاً يُمسك بالطّائر، ثمّ يدعه يطير فإن طار عن يمين الّذي أرسله تفاءل، وقام بما ينوي أو سافر وإن طار من ناحية الشّمال تشاءم وامتنع عن القيام بما ينويه. ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾: أن تشاءمنا بك وبمن اتبعك؛ لأنّه أصابهم القحط والجوع، وفيها تضعيف وتنكير يفيد المبالغة والمبالغة في اطيرنا أشد وأقوى من تطيرنا بك. وإذا قارنا هذه الآية ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ والآية (١٨) من سورة يس ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ نجد التّشاؤم أشد وأقوى في قوم صالح مما دعاهم إلى التّهديد بقتل صالح وأهله مقارنة بالتّهديد والإنذار في آية يس. ارجع إلى آية يس (١٨) للبيان. ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: سبب شؤمكم وما يصيبكم من الشّر والبأساء هو قدر من الله تعالى وقضائه كتبه عليكم لابتلائكم، وليس تطير كما تزعمون، وما يصيبكم وينالكم هو بما قدَّمت أيديكم وسوء أعمالكم. ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾: بل: للإضراب الانتقالي، أيْ: ما يصيبكم هو فتنة وليس له علاقة بالتّطير، تفتنون بالشّر والخير لتكون عليكم حُجَّة ولينظر هل تتوبون أم تصرون على ما تفعلون. سورة النمل [٢٧: ٤٨] ﴿وَكَانَ فِى الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾: ﴿وَكَانَ فِى الْمَدِينَةِ﴾: مدينة الحجر.

стр. 3705

﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾: الرّهط جماعة عددها من (٣ - ١٠) أفراد بينهم شيء من القرابة أو عبارة عن تسعة عشائر ولكلّ عشيرة زعيم، إذن في المدينة تسعة رجال كرهط، وهناك من قال: كان في المدينة تسعة عشائر أو قبائل أو أسراً. وقيل: كان زعيمهم قدار بن سالف (عاقر النّاقة). ﴿يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ﴾: عمل هؤلاء الرّهط الفساد في الأرض بالقتل وإهلاك الحرث والنّسل والكفر والمعاصي وقطع الطّريق ونشر الرّعب والخوف، يفسدون: بصيغة المضارع لتدل على التّجدد والتّكرار. ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾: لا النّافية، لا يصلحون: تعني يفسدون فلماذا ذكر ذلك؟ أيْ: لا يُصلحون؛ لأنّ الإنسان قد يفسد في شيء ويصلح في آخر مثل الّذي يخلط عملاً سيئاً وآخر صالحاً، فهؤلاء التّسعة رهط كانوا أهل فساد دائم في الأرض، ولا يقومون بأيِّ عمل فيه إصلاح. سورة النمل [٢٧: ٤٩] ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: أيْ: تسعة رهط. ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾: أيْ: أقسموا بالله، الباء: باء القسم كلّ واحد أقسم للآخر؛ أي: ابتدأ بالقول أحدهم قائلاً لهم تقاسموا وهو يريد المشاركة معهم في القسم، ودل على ذلك قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ﴾ فلما توافقوا على الأمر فصار الجميع في حكم القائل. انظر إلى هؤلاء المفسدون في الأرض يقسمون بالله سبحانه ليقتلن نبيهم (صالح) ويظنون أنّ الله سبحانه غافلاً عما يعملون ولن يقيَه شرهم. ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾: اللام لام التّوكيد، لنبيتنه: لنقتلنَّه وأهله وقت البيتوتة،

стр. 3706

أيْ: في الليل أو لنقتلنَّه بغتة أو نباغتنَّه بياتاً، وكذلك نقتل أهله في نفس الزّمن، فهم لم يكفيهم أن عقروا الناقة بل تمادوا في غيهم وفسادهم ويريدوا قتل صالح ﵇ وأهل بيته. ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب الذّكري، أيْ: بعد قتله في الصّباح. ﴿لَنَقُولَنَّ﴾: اللام لام التّوكيد، والنّون لزيادة التّوكيد. ﴿لِوَلِيِّهِ﴾: لولي دم صالح (أقربائه) من الذين يطالبون القصاص أو الدية. ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾: ما النّافية، شهدنا: ما علمنا من قتل أهله فكيف نعلم من قتل صالح، ولم يقولوا: ما شهدنا مهلكه، ما شهدنا مهلك أهله؛ لكي يبعدوا الشّبهات عنهم، فإذا لم نشهد مهلك أهله من باب أولى ما شهدنا مهلكه (مقتله) ولا نعرف شيئاً عن قتله. ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: اللام للتوكيد، لصادقون: لأنّهم يعلمون أنّ أوليائه وأتباعه لن يصدقوا ما سيقال لهم بشأن قتله وقتل أهله، وسيقولون لهم: وإنا لصادقون فيما نخبركم به، وهم يعلمون في أنفسهم أنّهم كاذبون، ونسوا أنّ الله معهم إذ يبيِّتون ما لا يرضى من القول ولن يترك رسوله يقتل. سورة النمل [٢٧: ٥٠] ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾: المكر مأخوذ من الشّجر الكثيف الأغصان الملتف على بعضه فلا يستطيع أن تميز بعضاً عن بعض كلها مستترة، فالمكر هو التّدبير الخفي لإلحاق الضّرر بالخصم من دون أن يعلم ويدلُّ على ضعف من يمكر بالآخرين. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾: أيْ: دبروا بالخفاء لقتل نبيهم صالح وأهله، وذلك بعد

стр. 3707

أن عقروا النّاقة وهددهم صالح بعذاب الله، ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾: أي: انتقمنا منهم بنصر نبينا صالح والّذين آمنوا معه، والله القوي العزيز ليس بحاجة إلى المكر وليس من صفاته المكر، وإنما ذكر ذلك للمشاكلة في اللفظ فهو قادر على أن يهلكهم ويهلك من في الأرض جميعاً. فهم لم يكتفوا بعقر النّاقة ومكروا مكراً على قتل صالح وأهله؛ لأنّهم بعد أن عقروا النّاقة وقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين حين أصابهم الجنون وعمى البصيرة عندها اجتمعوا في تلك الليلة ودبروا ذلك المكر لقتل صالح وظنوا أنّهم إذا قتلوا صالحاً سوف ينجوا من عذاب الله. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: وهم: الواو حالية، هم: ضمير فصل يفيد التّوكيد، لا يشعرون: أنّا دبرنا لهم أن نأخذهم بالصّيحة (نهلكهم) كما قال تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧]. سورة النمل [٢٧: ٥١] ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: ﴿فَانظُرْ﴾: الفاء للتوكيد، انظر نظرة تأمل وتفكر بعقل وبصيرة، وليس نظرة بالعين؛ لأنّ الهلكى ليس أمام النّاظر، والخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ وكلّ مؤمن ومؤمنة كيف كان عاقبة مكرهم هل تحقق مكرهم أم كان وبالاً عليهم. ﴿كَيْفَ﴾: استفهام وتعجب كيف كانت نهاية ذلك المكر. ﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: إذا ذكر العاقبة وقال: كان عاقبة بدلاً من: كانت عاقبة، تدل على العذاب وإذا أنث العاقبة تدل على الجنة.

стр. 3708

﴿مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾: أنّا: للتوكيد، دمرناهم: من التّدمير من دون سابقة إنذار والدّمار يشمل الإفراد والحيوان والدّيار وما يملكون. ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾: التّسعة رهط وقومهم أجمعين، أجمعين للتوكيد أيْ: لم ينجو منهم أحداً أبداً. ارجع إلى سورة الإسراء آية (١٦) للبيان. سورة النمل [٢٧: ٥٢] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: ﴿فَتِلْكَ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة، تلك: اسم إشارة واللام للبعد. ﴿بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾: خالية ليست مسكونة خراباً تهدَّمت جدرانها وخرَّت سقوفها. ارجع إلى سورة النّور آية (٢٧) لبيان معنى البيوت. ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾: الباء باء السّببية أو البدلية أو التّعليلية، ظلموا: أيْ: كفروا وأشركوا وأفسدوا. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إن: للتوكيد، في: ظرفية، ذلك: اسم إشارة يشير إلى الصيحة والدّمار والخراب، ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]. ﴿لَآيَةً﴾: اللام للتوكيد. لآية: عبرة وموعظة ودلالة. ﴿لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: اللام في لقوم لام الاختصاص، قوم يعلمون: يعلمون تعني: فكروا فيما حدث لقوم صالح وتدبروا لأصبحوا يعلمون ما هي نهاية كلّ ظالم ومشرك يخرج عن منهج الله . سورة النمل [٢٧: ٥٣] ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: ﴿وَأَنجَيْنَا﴾: تدل على سرعة النّجاة وبقوة، ولم يقل: ونجينا الّتي تدل على طول زمن النّجاة. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أيْ: صالحاً والّذين آمنوا معه، وكلمة الّذين تدل على

стр. 3709

كثرة النّاجين. قيل: كان عددهم (٤٠٠٠) أربعة آلاف، آمنوا بالله وبما أنزل وبرسله. أنجيناهم من الصّيحة (الرجفة)، وأما الذين كفروا ﴿فَأَصْبَحُوا فِى دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨]. ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: كانوا يطيعون أوامر الله ويتجنبون نواهيه ويتقون عذاب الله، وذلك بطاعة الله ورسوله، ويتقون: جاءت بصيغة المضارع الّتي تدل على التّجدد والتّكرار؛ لأنّ التّقوى تتجدَّد وتتكرَّر، أما كلمة آمنوا فجاءت بصيغة الماضي؛ لأنّ الفرد متى آمن لا يرجع عن إيمانه، ومما يلفت الانتباه أنّه سبحانه لم يذكر شيئاً عن النّاقة في هذه الآيات. سورة النمل [٢٧: ٥٤] ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾: ﴿وَلُوطًا﴾: أيْ: وأرسلنا لوطاً إلى قومه. ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾: إذ: واذكر إذ قال لقومه أو حين قال. ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾: أتأتون: أتفعلون، أو تقومون بالفاحشة: تعريفها: كل ذنب قبيح أو معصية قبيحة مثل: إتيان الرجال شهوة من دون النّساء، الهمزة همزة استفهام إنكاري توبيخي، أتأتون الذّكور دون الإناث. ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾: أيْ: يُبصر بعضكم بعضاً القيام بها، أو أنتم تعلمون أنّها فاحشة، تبصرون بمعنى النّظر كانوا لا يستترون حال فعل الفاحشة عتواً وتمرُّداً، وبلا حياء وخجل. سورة النمل [٢٧: ٥٥] ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾: زيادة الهمزة للدلالة على الإنكار والتّوبيخ ووصفهم بالجهل وهو أشد من الإسراف.

стр. 3710

﴿لَتَأْتُونَ﴾: اللام للتوكيد والنّون لزيادة التّوكيد. تأتون: تفعلون المنكر. ﴿الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾: ﴿بَلْ﴾: بل للإضراب الانتقالي. ﴿أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: عاقبة فعلكم، عاقبة عصيانكم، وأنكم تجاوزتم حدود الله وماذا سيحل بكم والجهل معناه السّفه أيضاً أو تفعلوا فعل الجاهلين أيْ: أنتم قوم سفهاء. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٦٣) للمزيد في بيان معنى الجهل. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٨١) في سورة الأعراف وهي قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾، وفي سورة الحجر آية (٥٨) وصفهم بالقوم المجرمين؛ أي: هم اتصفوا بالجهل والإسراف معاً والإجرام؛ أي: بالجهل والحمق والإجرام بأن الله سبحانه جعل لهم من أنفسهم أزواجاً.

стр. 3711

سورة النّمل [الآيات ٥٦ - ٦٣] سورة النمل [٢٧: ٥٦] ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: ﴿فَمَا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة؛ أيْ: بسرعة، ما: النّافية، الفاء تدل على أنّ الجواب جاء مباشرة. ﴿كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ﴾: إلا: أداة حصر، أن: مصدرية تفيد التّعليل. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: آل لوط: الأهل: الزوجة والأولاد، ومن معانيه: الأتباع، أما قوم لوط: أوسع معنى أوسع من القبيلة والآل من قريتكم: سدوم العاصمة وما حولها من القرى الأربع، والّتي سُمِّيت المؤتفكات والقرية تمثل القرى الأخرى كلها لها نفس الطّابع. ﴿إِنَّهُمْ﴾: للتوكيد. ﴿أُنَاسٌ﴾: مجموعة من النّاس، أيْ: آل لوط. ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾: قالوا ذلك سخرية واستهزاء من آل لوط يتطهرون من القيام بفعل الفاحشة، وأعمال المنكر الأخرى، ويدّعون أو يزعمون أنّهم أطهار. وإذا قارنا هذه الآية بآية الأعراف (٨٢) ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ نجد الفرق وجود الفاء في مطلع الآية فما كان، ويدل ذلك على وجود انقسام في قوم لوط؛ قسم يريد أن يخرج آل لوط الآن مباشرة، وقسم لا يتعجل بإخراجهم. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٢) لمزيد من البيان والسبب.

стр. 3712

سورة النمل [٢٧: ٥٧] ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾: الفاء تدل على التّعقيب والمباشرة، أنجيناه: بسرعة وبقوة ولو قال: ونجيناه تدل على طول زمن النّجاة. ﴿وَأَهْلَهُ﴾: انتبه: وقد بيَّنت سورة الذّاريات آية (٣٥ - ٣٦) بعضاً من ذلك بقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وهو بيت لوط (بيت واحد) فقط. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿امْرَأَتَهُ﴾: امرأة لوط. ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾: أيْ: حكمنا عليها أن تكون من الهالكين. وهذا التقدير هي التي فرضته بما اختارت بعملها أن لا تطع الله تعالى، ولوط ﵇، وأما قوله تعالى: ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠]: فهي تدل على شدة العقوبة لها، والتأكيد على ذلك، وأما قوله تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣]: جاءت في سياق الخبر أو القصة. ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: جمع غابر: أي: الباقي، أي: الباقين في العذاب، وكما قال في سورة التّحريم آية (١٠): ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾. فخانتاهما: أي: في الدين؛ أي: الكفر والنفاق، وليس في العِرض. وما دامت بقيت في قريتها فهي من المهلكين، مع قومها، قيل: كانت مشاركة في تلك الجريمة لذلك أصابها ما أصاب قومها. سورة النمل [٢٧: ٥٨] ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا﴾: بعد أن جعل عاليها سافلها كما قال تعالى في سورة الحجر الآية (٧٤): ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.

стр. 3713

﴿مَّطَرًا﴾: جاءت بصيغة النّكرة أو الإبهام للتهويل وبين نوع المطر في سورة هود الآية (٨٢) فقال: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾. ﴿عَلَيْهِم﴾: قدَّم عليهم للحصر والقصر، وفي سورة هود الآية (٨٢) قال: عليها على القرية، أو على المؤتفكات فالحجارة أمطرت على القرية بما فيها أهلها ولم يستثنِ أحد، ومن خصائص القرآن أن يستعمل كلمة المطر في سياق الانتقام والعذاب والغيث في سياق الرّحمة. وقوله: وأمطرنا مشتقة من الفعل الرّباعي أمطر: أيْ: أصابهم بالمطر، أيْ: بالعذاب، ولو قال: ومطروا مشتقة من الفعل الثّلاثي مطر لا تدل على العذاب. ﴿مَّطَرًا﴾: للتوكيد. ﴿فَسَاءَ﴾: الفاء للتوكيد، ساء من أفعال الذّم والتّقبيح. ﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾: المنذَرين جمع مُنذَر وأنذروا دائماً وباستمرار، والإنذار: الإعلام والتّحذير والتّخويف، بأن يتجنَّبوا فعل الفاحشة. وفي سورة هود آية (٨٢ - ٨٣) وصف هذا المطر بالقول: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ السّجيل المنضود: السّجيل، قيل: طين متحجِّر شديد الصّلابة والتّفسير العلمي يخبرنا أنّ هذه الحجارة قد تكون أحد النّجوم الّتي انفجرت، وتسمَّى النيازك. ارجع إلى سورة الحجر آية (٧٤) لمزيد من البيان. منضود: متتابع في النّزول من النّضد وهو وضع الشّيء بعضه فوق بعض. مسومة عند ربك: من سؤم الشّيء علمه بعلامة من السّؤمة العلامة أو السيماء. ارجع إلى سورة هود آية (٨٢ - ٨٣) لمزيد من البيان. سورة النمل [٢٧: ٥٩] ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: ﴿قُلِ﴾: المخاطب هو رسول الله ﷺ ، وبالتالي أمته.

стр. 3714

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: جاءت بعد ذكر قصص الّذين كفروا وأفسدوا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وطهر الكون منهم، فهذه نعمة تستحق الحمد والشّكر لأنّه أراح العباد والبلاد من شرهم وإهلاك وتدمير المكذبين والمفسدين يُعد عبرة وآية وعظة لغيرهم كي يتجنبوا ما فعله غيرهم، فينجوا من العذاب ومن سخط الله تعالى، وهذه نعمة أخرى تستحق الحمد. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٢) لمعرفة معنى الحمد. فالحمد لله تعني: الّذي أهلك المفسدين أولاً، وكما قال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] ونصر رسله وأوليائه ثانياً. ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾: أيْ: سلام على رسله وأنبيائه الكرام، وتشمل المؤمنين الّذين آمنوا بهم وهم خير البرية. وسلام جاء بصيغة المرفوع ليكون سلام من الله سبحانه على عباده الذين اصطفى دائماً وثابتاً لا يتغير. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾: سلام تحية كأن نقول: وعليهم السلام عند ذكر أسمائهم، وسلام جاءت بصيغة النكرة ليشمل سلام التحية والدعاء بالسلام من الآفات والمكروهات والأمراض وسلام أمن وطمأنينة، وفي الآية تعليم بأن نحمد الله تعالى على جميع أفعاله ونسلم على عباده المصطفين الأخيار. ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: مناسبة ذكر هذا الجزء من الآية بعد ذكر قصة موسى وفرعون وثمود ولوط وقصة سبأ أيضاً، وكيف أسلم قومها ونجوا من الهلاك، ثمّ يتبعها بالاستفهام. ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري وتوبيخ وتقرير خير، أيْ: أفضل وأجل وأحسن. ﴿أَمَّا﴾: مكوَّنة من أم + ما (أدغمت الميمان) أم المتصلة، ما المصدرية أو اسم الموصول بمعنى الّذي.

стр. 3715

﴿يُشْرِكُونَ﴾: بالله تعالى من الآلهة والأصنام سواء كانوا أهل مكة أو غيرهم من المشركين، أيْ: هل شركهم خير لهم أم عبادة الله الواحد القهار ولا بُدَّ من الإجابة، والقول الله خير وأجل سبحانه عما يشركون. سورة النمل [٢٧: ٦٠] ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَءِلَاهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾: بعد أن سأل سبحانه: أعبادته خير أم عبادة الأصنام. ثمّ يعدِّد سبحانه بعض الآيات الدّالة على عظمة خلقه ووحدانيته والّتي تدعو إلى الإيمان به. ﴿أَمَّنْ﴾: مركبة من أم + من، وأدغمت الميمان، أم: الهمزة للاستفهام والتّقرير أم المنقطعة. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: ارجع إلى سورة فصلت الآية (٩ - ١٢) للبيان، وسورة الأنبياء آية (٣٠)، وسورة الأعراف آية (٥٤)، والبقرة آية (٢٢، ٢٩) للبيان المفصل. فأعظم المخلوقات العرش، ثمّ يليه خلق السّموات والأرض، ثمّ خلق الإنسان. ارجع إلى سورة هود آية (٧) للبيان. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: تشير هذه الآية إلى دورة الماء حول الأرض ارجع إلى سورة المؤمنون آية (١٨). ﴿فَأَنبَتْنَا﴾: الفاء تدل على المباشرة والتّعقيب، أنبتنا بصيغة الجمع للتعظيم، ورغم أنّ البعض يشارك في الحراثة والسّقي والزّرع وغيرها، ولكن الإنبات الحقيقي هو من فعله فلا تتوهموا أنّكم من تقومون بالإنبات. ارجع إلى سورة الحج آية (٥) وآية (٦٣) وسورة فصلت آية (٣٩) والأنعام آية (٩٩). أنزل بصيغة الغائب أنبتنا بصيغة المتكلم هذا الالتفات من الغائب إلى الحاضر يفيد التّوكيد ولفت الانتباه.
следующие страницы →