← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

سورة النّمل [الآيات ٥٦ - ٦٣] سورة النمل [٢٧: ٥٦] ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: ﴿فَمَا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة؛ أيْ: بسرعة، ما: النّافية، الفاء تدل على أنّ الجواب جاء مباشرة. ﴿كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ﴾: إلا: أداة حصر، أن: مصدرية تفيد التّعليل. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: آل لوط: الأهل: الزوجة والأولاد، ومن معانيه: الأتباع، أما قوم لوط: أوسع معنى أوسع من القبيلة والآل من قريتكم: سدوم العاصمة وما حولها من القرى الأربع، والّتي سُمِّيت المؤتفكات والقرية تمثل القرى الأخرى كلها لها نفس الطّابع. ﴿إِنَّهُمْ﴾: للتوكيد. ﴿أُنَاسٌ﴾: مجموعة من النّاس، أيْ: آل لوط. ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾: قالوا ذلك سخرية واستهزاء من آل لوط يتطهرون من القيام بفعل الفاحشة، وأعمال المنكر الأخرى، ويدّعون أو يزعمون أنّهم أطهار. وإذا قارنا هذه الآية بآية الأعراف (٨٢) ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ نجد الفرق وجود الفاء في مطلع الآية فما كان، ويدل ذلك على وجود انقسام في قوم لوط؛ قسم يريد أن يخرج آل لوط الآن مباشرة، وقسم لا يتعجل بإخراجهم. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٢) لمزيد من البيان والسبب.

стр. 3712

سورة النمل [٢٧: ٥٧] ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾: الفاء تدل على التّعقيب والمباشرة، أنجيناه: بسرعة وبقوة ولو قال: ونجيناه تدل على طول زمن النّجاة. ﴿وَأَهْلَهُ﴾: انتبه: وقد بيَّنت سورة الذّاريات آية (٣٥ - ٣٦) بعضاً من ذلك بقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وهو بيت لوط (بيت واحد) فقط. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿امْرَأَتَهُ﴾: امرأة لوط. ﴿قَدَّرْنَاهَا﴾: أيْ: حكمنا عليها أن تكون من الهالكين. وهذا التقدير هي التي فرضته بما اختارت بعملها أن لا تطع الله تعالى، ولوط ﵇، وأما قوله تعالى: ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الحجر: ٦٠]: فهي تدل على شدة العقوبة لها، والتأكيد على ذلك، وأما قوله تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣]: جاءت في سياق الخبر أو القصة. ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: جمع غابر: أي: الباقي، أي: الباقين في العذاب، وكما قال في سورة التّحريم آية (١٠): ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾. فخانتاهما: أي: في الدين؛ أي: الكفر والنفاق، وليس في العِرض. وما دامت بقيت في قريتها فهي من المهلكين، مع قومها، قيل: كانت مشاركة في تلك الجريمة لذلك أصابها ما أصاب قومها. سورة النمل [٢٧: ٥٨] ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا﴾: بعد أن جعل عاليها سافلها كما قال تعالى في سورة الحجر الآية (٧٤): ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.

стр. 3713

﴿مَّطَرًا﴾: جاءت بصيغة النّكرة أو الإبهام للتهويل وبين نوع المطر في سورة هود الآية (٨٢) فقال: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾. ﴿عَلَيْهِم﴾: قدَّم عليهم للحصر والقصر، وفي سورة هود الآية (٨٢) قال: عليها على القرية، أو على المؤتفكات فالحجارة أمطرت على القرية بما فيها أهلها ولم يستثنِ أحد، ومن خصائص القرآن أن يستعمل كلمة المطر في سياق الانتقام والعذاب والغيث في سياق الرّحمة. وقوله: وأمطرنا مشتقة من الفعل الرّباعي أمطر: أيْ: أصابهم بالمطر، أيْ: بالعذاب، ولو قال: ومطروا مشتقة من الفعل الثّلاثي مطر لا تدل على العذاب. ﴿مَّطَرًا﴾: للتوكيد. ﴿فَسَاءَ﴾: الفاء للتوكيد، ساء من أفعال الذّم والتّقبيح. ﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾: المنذَرين جمع مُنذَر وأنذروا دائماً وباستمرار، والإنذار: الإعلام والتّحذير والتّخويف، بأن يتجنَّبوا فعل الفاحشة. وفي سورة هود آية (٨٢ - ٨٣) وصف هذا المطر بالقول: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ السّجيل المنضود: السّجيل، قيل: طين متحجِّر شديد الصّلابة والتّفسير العلمي يخبرنا أنّ هذه الحجارة قد تكون أحد النّجوم الّتي انفجرت، وتسمَّى النيازك. ارجع إلى سورة الحجر آية (٧٤) لمزيد من البيان. منضود: متتابع في النّزول من النّضد وهو وضع الشّيء بعضه فوق بعض. مسومة عند ربك: من سؤم الشّيء علمه بعلامة من السّؤمة العلامة أو السيماء. ارجع إلى سورة هود آية (٨٢ - ٨٣) لمزيد من البيان. سورة النمل [٢٧: ٥٩] ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: ﴿قُلِ﴾: المخاطب هو رسول الله ﷺ ، وبالتالي أمته.

стр. 3714

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: جاءت بعد ذكر قصص الّذين كفروا وأفسدوا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وطهر الكون منهم، فهذه نعمة تستحق الحمد والشّكر لأنّه أراح العباد والبلاد من شرهم وإهلاك وتدمير المكذبين والمفسدين يُعد عبرة وآية وعظة لغيرهم كي يتجنبوا ما فعله غيرهم، فينجوا من العذاب ومن سخط الله تعالى، وهذه نعمة أخرى تستحق الحمد. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٢) لمعرفة معنى الحمد. فالحمد لله تعني: الّذي أهلك المفسدين أولاً، وكما قال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] ونصر رسله وأوليائه ثانياً. ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾: أيْ: سلام على رسله وأنبيائه الكرام، وتشمل المؤمنين الّذين آمنوا بهم وهم خير البرية. وسلام جاء بصيغة المرفوع ليكون سلام من الله سبحانه على عباده الذين اصطفى دائماً وثابتاً لا يتغير. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾: سلام تحية كأن نقول: وعليهم السلام عند ذكر أسمائهم، وسلام جاءت بصيغة النكرة ليشمل سلام التحية والدعاء بالسلام من الآفات والمكروهات والأمراض وسلام أمن وطمأنينة، وفي الآية تعليم بأن نحمد الله تعالى على جميع أفعاله ونسلم على عباده المصطفين الأخيار. ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: مناسبة ذكر هذا الجزء من الآية بعد ذكر قصة موسى وفرعون وثمود ولوط وقصة سبأ أيضاً، وكيف أسلم قومها ونجوا من الهلاك، ثمّ يتبعها بالاستفهام. ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري وتوبيخ وتقرير خير، أيْ: أفضل وأجل وأحسن. ﴿أَمَّا﴾: مكوَّنة من أم + ما (أدغمت الميمان) أم المتصلة، ما المصدرية أو اسم الموصول بمعنى الّذي.

стр. 3715

﴿يُشْرِكُونَ﴾: بالله تعالى من الآلهة والأصنام سواء كانوا أهل مكة أو غيرهم من المشركين، أيْ: هل شركهم خير لهم أم عبادة الله الواحد القهار ولا بُدَّ من الإجابة، والقول الله خير وأجل سبحانه عما يشركون. سورة النمل [٢٧: ٦٠] ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَءِلَاهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾: بعد أن سأل سبحانه: أعبادته خير أم عبادة الأصنام. ثمّ يعدِّد سبحانه بعض الآيات الدّالة على عظمة خلقه ووحدانيته والّتي تدعو إلى الإيمان به. ﴿أَمَّنْ﴾: مركبة من أم + من، وأدغمت الميمان، أم: الهمزة للاستفهام والتّقرير أم المنقطعة. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: ارجع إلى سورة فصلت الآية (٩ - ١٢) للبيان، وسورة الأنبياء آية (٣٠)، وسورة الأعراف آية (٥٤)، والبقرة آية (٢٢، ٢٩) للبيان المفصل. فأعظم المخلوقات العرش، ثمّ يليه خلق السّموات والأرض، ثمّ خلق الإنسان. ارجع إلى سورة هود آية (٧) للبيان. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: تشير هذه الآية إلى دورة الماء حول الأرض ارجع إلى سورة المؤمنون آية (١٨). ﴿فَأَنبَتْنَا﴾: الفاء تدل على المباشرة والتّعقيب، أنبتنا بصيغة الجمع للتعظيم، ورغم أنّ البعض يشارك في الحراثة والسّقي والزّرع وغيرها، ولكن الإنبات الحقيقي هو من فعله فلا تتوهموا أنّكم من تقومون بالإنبات. ارجع إلى سورة الحج آية (٥) وآية (٦٣) وسورة فصلت آية (٣٩) والأنعام آية (٩٩). أنزل بصيغة الغائب أنبتنا بصيغة المتكلم هذا الالتفات من الغائب إلى الحاضر يفيد التّوكيد ولفت الانتباه.

стр. 3716

﴿بِهِ﴾: تعود على الماء ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾: حدائق جمع حديقة، وسُمِّيت كذلك لأنّه يُحْدَق عليها، أيْ: محوطة بسور وذكر الحدائق ذات البهجة، ولم يذكر ما هو الضّروري أولاً مثل الزّرع والقمح والحبوب، وانتقل إلى ذكر الحدائق والثّمار والفواكه وهذه من الكماليات ومن يتكفل بالكماليات فلا شك أنّه يتكفل بالضّروريات أولاً، فلا داعي لذكرها. ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾: ما النّافية، كان تشمل كلّ الأزمنة أن تعليلية، تنبتوا شجرها: ولكن بفضل الله ورحمته هو ينبتها، وهذا تأكيد لقوله: فأنبتنا. ﴿أَءِلَاهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: استفهام إنكاري يقصد به التّوبيخ والتّهكم أيْ: أإله مع الله سبحانه ساعده أو شاركه على صنع تلك الحدائق ذات البهجة وخلق السّموات والأرض. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾: بل للإضراب الانتقالي، قوم يعدلون: قوم يميلون عمداً وينحرفون عن الحق إلى الباطل؛ لأنهم يعلمون أن الله الذي خلق السموات والأرض كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، فرغم علمهم بهذا يجعلون لله عديلاً؛ أي: يعدلون عن ربهم أيْ: يشركون به ويعبدون غيره. سورة النمل [٢٧: ٦١] ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَءِلَاهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿أَمَّنْ﴾: ارجع إلى الآية (٦٠). ﴿جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾: الجعل يكون بعد الخلق، الخلق أولاً، ثمّ الجعل

стр. 3717

ثانياً، جعل الأرض قراراً، من قرَّ يقرُّ: أيْ: سكن وثبت بحيث لا تميد ولا تضطرب بأهلها رغم كونها تدور حول نفسها (٣٠) كيلومتراً بالثّانية، وتدور حول الشّمس، وهذا القرار ناتج عن كتلة الحديد الضخمة الّتي تشكل (٩٠%) من لب الكتلة الصلبة للأرض و (٩%) من النيكل (١%) من بقية العناصر، وكتلة الأرض تقدر بـ (٦) آلاف مليون مليون مليون طن، فلولا ثقل هذه الكتلة لما استقرت الأرض ولترنَّحت حول محورها. ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾: هناك رابطة بين الجبال والأنهار؛ لأن غالبية الأنهار تنبع من الجبال ونزول الماء من الجبال يؤدي إلى شق هذه الأنهار. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٣٢) والرعد آية (٣) لمزيد من البيان. ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِىَ﴾: الجعل: يكون بعد الخلق فقد خلق الأرض أولاً، ثم جعل لها رواسي، وهي: الجبال الرّواسي وغيرها مما يثبت الأرض من الصفائح تحت البحار، وتسمَّى الصفائح القارية، فلا تضطرب إلا أحياناً مما يؤدي إلى الهزات الأرضية، أو أحياناً البراكين، وكذلك قوى الجاذبية. ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٣١)، وسورة النّحل آية (١٥) للبيان، ولمعرفة الفرق بين ألقي فيها رواسي، وجعل لها رواسي ومزيد من البيان. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾: بين البحر العذب والبحر المالح الأجاج حاجزاً بحيث لا يختلط ماؤهما رغم أنّه يظهر للعيان أنّه يختلط، ارجع إلى الآية (٥٣) من سورة الفرقان للبيان، وسورة فاطر آية (١٢) وسورة الرّحمن آية (١٩ - ٢٠). ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: للإضراب الانتقالي، لا يعلمون: كثيراً من هذه الحقائق العلمية من استقرار الأرض رغم دورانها وتشكل الجبال والأنهار وبين البحرين حاجزاً الكثرة لا يعلمون عظمة وقدرة الله تعالى على الخلق

стр. 3718

والجعل والقلة يعلمون، وهم العلماء والباحثين في علوم الفلك والجيولوجيا، والبحار وعلماء الطبيعة. سورة النمل [٢٧: ٦٢] ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَءِلَاهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: ﴿أَمَّنْ﴾: ارجع إلى الآية (٦٠). ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾: تعريف المضطر: الّذي أصابه الكرب أو البأساء والضّراء، والّذي استنفد الأسباب وأخذ بها، فلم تُجْدِهِ فالمضطر يُجيبه الله سبحانه لا محالة. ﴿إِذَا﴾: ظرفية بمعنى حين أو الفجائية. ﴿دَعَاهُ﴾: طلب منه المساعدة والرّحمة أو تضرع إليه. ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾: مثل المرض والفقر والقحط أو العذاب، والسّوء ما يسوء إلى النّفس أيْ: هو وحده الّذي يزيل أو يرفع السّوء. ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾: ارجع إلى الآية (١٦٥) من سورة الأنعام للبيان. ﴿أَءِلَاهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٦٠) للبيان. ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: قليلاً ما تذكرون أنّه كشف عنكم الضّر والسّوء وكثيراً ما تنسون ذلك، ما: للتوكيد، تذكرون: ولم يقل: تتذكرون؛ لأنّ تذكر كشف السّوء والضّر لا يحتاج زمناً طويلاً فمن المفروض أن تذكروا ذلك حالاً؛ لأنّ الاضطرار قليلاً ما يحدث في حياتكم. وبهذا ذكر صفات المشركين بأنهم قوم يعدلون وبأن أكثرهم لا يعلمون وقليلاً ما يذكرون.

стр. 3719

سورة النمل [٢٧: ٦٣] ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ أَءِلَاهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: ﴿أَمَّنْ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٦٠) للبيان. ﴿يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: ظلمات اللّيل وظلمات الصّحراء حين تنقطع بكم كلّ وسائل أو سبل الاتصال، ظلمات البحر قد تبين من الدراسات العلمية أن للبحر (١٠) ظلمات. ارجع إلى سورة النور آية (٤٠) للبيان، وحين تعصف بكم الرّيح وتغشاكم الأمواج من كلّ مكان ولا أحد ينقذكم أو يستطيع الوصول إليكم أو حين تغوصون في البحار. ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾: تبشر بنزول المطر أو الغيث. ارجع إلى الفرقان آية (٤٨). ﴿أَءِلَاهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: أيْ: أغير الله يهديكم في ظلمات البر والبحر أو يرسل الرّياح بشراً بين يدي رحمته. ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي: رغم أن الله يهديهم في ظلمات البر والبحر فهم بدلاً من شكره على نعمة الهداية يشركون به سبحانه تنزَّه وتقدَّس الله أن يكون له شريك أو ولي أو ولد فهو الواحد الأحد. وقوله: تعالى الله عما يشركون هي ردٌّ على كلّ الأسئلة الاستفهامية الثلاثة عشر الّتي ذكرت في الآيات (٦٠ - ٦٤)، وفي الآية (٦٤) يتحداهم ويقول: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.

стр. 3720

سورة النّمل [الآيات ٦٤ - ٧٦] سورة النمل [٢٧: ٦٤] ﴿أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَءِلَاهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿أَمَّنْ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٦٠) للبيان. ﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: هم لا ينكرون أنّ الله هو الخالق للسموات والأرض، والخالق لهم، كما ورد في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، فهم لا ينكرون بداية الخلق، ولكنّهم ينكرون البعث والنّشور بعد الموت، ومع أنّ إعادة الخلق أهون من بداية الخلق فالله سبحانه يبدأ الخلق ويعيده، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. ويجب الانتباه إلى كلمة بدأ الخلق؛ أي: الخلق الأول؛ أي: النشأة الأولى [الواقعة: ٦٢]، وكلمة يُبدؤ الخلق تدل على تجديد وخلق مستمر في كل عام أو فترة وفترة. ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: من السّماء المطر، الشّمس كطاقة شمسية والرّياح تستعمل لتوليد الطّاقة والأرض بالنّبات والزّرع والبترول والغازات والمعادن الذّهب والفضة وغيرها مثل الحديد والنّحاس. ﴿أَءِلَاهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٦٠) للبيان. ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: بعد أن نزه الله سبحانه ذاته عما

стр. 3721

يشركون بعد ذكر الأدلة على وحدانيته وألزمهم بالحجة يطلب منهم أن يأتوا بالبرهان، والبرهان: هو الحجة الفاصلة، أو الدليل القاطع؛ إن كنتم صادقين أنّ لله شريك في الملك أو في الخلق أو التّدبير أو الهداية أو الإجابة أو الإحياء والإماتة أو الرزق أو أيِّ شيء، إن شرطية تفيد الشّك أو القدرة على الإيتاء بأيِّ برهان أو دليل. ﴿كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: في أن لله شريكاً؛ أي: إنكم كاذبين حين تجعلون مع الله إلهاً آخر. سورة النمل [٢٧: ٦٥] ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: بعد أن بيَّن سبحانه بعض مظاهر قدرته الدّالة على وحدانيته وأنّه الإله الحق الّذي يجب أن يطاع ويعبد اتبع ذلك بأنّه عالم الغيب لوحده وعنده علم السّاعة. ﴿قُلْ﴾: يا محمّد ﷺ لهم. ﴿لَا﴾: النّافية لكل الأزمنة. ﴿يَعْلَمُ مَنْ﴾: من للعاقل واستغراقية تشمل كلّ عاقل في السّموات والأرض. ﴿فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: في ظرفية تشمل السّموات السّبع والأرض من في السّموات: الملائكة، من في الأرض: الإنس والجن. ﴿الْغَيْبَ﴾: كلّ ما غاب عن أعين النّاس وعن إدراك وإحساس النّاس. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، الله . لا يعلم من في السّموات والأرض الغيب إلا الله، هذا يسمَّى غيباً مطلقاً لا يعلمه إلا الله وحده، وهو غيب حقيقي اختص به الله لوحده، وهناك من الغيب

стр. 3722

ما يطلعه أو يظهره الله سبحانه لرسول من رسله، كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: النّافية. ﴿يَشْعُرُونَ﴾: أيْ: كفار مكة وغيرهم من منكري البعث. ﴿أَيَّانَ﴾: ظرف زمان، بمعنى متى. ﴿يُبْعَثُونَ﴾: يخرجون من القبور للحساب والجزاء. سورة النمل [٢٧: ٦٦] ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِى الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُمْ مِّنْهَا عَمُونَ﴾: ﴿بَلِ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِى الْآخِرَةِ﴾: أصل الإدراك تدارك سكنت التّاء وأدغمت في الدّال. والتّدارك: الاضمحلال والفناء وأصله التتابع والتّلاحق، يقال: تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك: فيكون المعنى الأوّل: اضمحلَّ وتلاشى شيئاً فشيئاً علم المشركين بالآخرة شيئاً، أو الّذين كفروا حتّى كأنّهم لم يعودوا يعلمون شيئاً عن الآخرة. أو لا يريدون سماع أي شيء عن الآخرة؛ لأنّهم لا يؤمنون بها أو لا يريدون الكلام عنها والاستعداد لها فلذلك تلاشى واضمحل علمهم بالآخرة. المعنى الثّاني: توالى وتتابع الحديث عن الآخرة عند كلّ الرّسل فما أحد

стр. 3723

منهم وإلا ودعا إلى الإيمان بالآخرة، وتتابع التّذكير بها، ومع ذلك لازالوا في شك من قيامها وحدوثها. أو عميت أبصارهم وبصائرهم عن دلائل علم القيامة الواضحة والآيات الدّالة على قدرة الله على البعث. المعنى الثّالث: عندما يرون الآخرة ويرون يوم القيامة يتكامل علمهم بالآخرة، وعندها يعلمون علماً كاملاً ما كانوا يجهلونه في الدّنيا وما كانوا يشكون فيه ولا يصدقونه. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿هُمْ فِى شَكٍّ مِّنْهَا﴾: في شك من حدوث الآخرة وقيام السّاعة والشّك يعني تساوي نسبة الإثبات ونسبة النّفي. ﴿بَلْ هُمْ﴾: هم للتوكيد. ﴿مِّنْهَا عَمُونَ﴾: أيْ: لا يرون علاماتها ودلائلها وأمارتها لاختلال بصيرتهم، عمون: جمع أعمى، أيْ: هو أعمى القلب والبصيرة عن الآخرة. سورة النمل [٢٧: ٦٧] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: منكرو البعث من الّذين كفروا. ﴿أَإِذَا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والاستبعاد والهمزة الثّانية همزة إذا الشرطية. ﴿كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾: بعد الموت.

стр. 3724

﴿أَئِنَّا﴾: همزة استفهام إنكاري وتكرار الهمزة يفيد في المبالغة والإنكار. ﴿لَمُخْرَجُونَ﴾: اللام للتوكيد والنّفي، أيْ: أنخرج من قبورنا أحياء بعد أن تحولت أجسادنا تراباً. سورة النمل [٢٧: ٦٨] ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ﴿لَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد للتحقيق. ﴿وُعِدْنَا هَذَا﴾: (الإحياء والبعث) والخروج من القبور. ﴿نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل أن يعدنا محمّد ﷺ . ﴿إِنْ هَذَا﴾: إن نافية بمعنى ما، وأقوى في النّفي من ما، أيْ: ما هذا الوعد بالبعث. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أكاذيب الأولين جمع أسطورة أو ما سطَّره الأقدمون من خرافات وأحاديث. ولا بُدَّ من مقارنة هذه الآية مع الآية (٨٢ - ٨٣) من سورة المؤمنون. ارجع إلى سورة المؤمنون للبيان. سورة النمل [٢٧: ٦٩] ﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾: ﴿قُلْ﴾: يا محمّد لهؤلاء الّذين كفروا وأنكروا البعث ويوم القيامة والدّار الآخرة. ﴿سِيرُوا فِى الْأَرْضِ﴾: ولم يقل: سيروا على الأرض؛ لأنّ الغلاف الجوي

стр. 3725

المحيط بالأرض يعتبر تابع للأرض، أيْ: سيروا في الأرض؛ أي: ديار ثمود (مدائن صالح) ولوط (المؤتفكات) وعاد وفرعون. ﴿فَانْظُرُوا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، انظروا بأعينكم وانظروا نظرة قلبية فكرية نظرة عبرة. ﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام والتّعجب. ﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: مصير ونهاية المجرمين، إذ ذكَّر العاقبة أي: استعمل كان بدلاً من كانت فالعاقبة تعني العذاب، وإذا أنث العاقبة كانت عاقبة تدل على الجنة (من خصائص القرآن). ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾: جمع مجرم، والجرم: الذنب القبيح، والجرم أصله القطع، والمجرم: هو من قطع كل الصلات مع الله أمثال الكافرين المشركين والمنكرين للبعث والمستهزئين بآيات الله وبرسله، أيْ: كيف كان هلاكهم وديارهم الخاوية على عروشها والبئر المعطلة. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١١) في سورة الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: نجد الاختلاف في كلمة (ثم انظروا)، ثم: تفيد التراخي في الزمن والتعقيب، والفاء: تفيد المباشرة والتعقيب، والمكذبين والمجرمين؛ ارجع إلى سورة الأنعام آية (١١) للبيان. سورة النمل [٢٧: ٧٠] ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِى ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: لا النّاهية، تحزن عليهم: لأنّهم لم يسلموا أو يؤمنوا. تحزن من الحَزن: بفتح الحاء وهو الألم النّفسي أو الغم الشّديد الدّائم

стр. 3726

الّذي لا ينتهي حتّى الموت، أما الحُزن: بضم الحاء هو الألم النّفسي أو الغم الشّديد المؤقت. ﴿وَلَا تَكُنْ﴾: تكرار لا النّاهية للتوكيد. ﴿فِى ضَيْقٍ﴾: في حرج ضيق بفتح الضّاد تعني في الصّدر والمكان والضِّيق بكسر الضّاد تدل على سوء الخلق والبخل. ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: مما: من + ما، من: ابتدائية، ما: مصدرية أو اسم موصول بمعنى الّذي، وأوسع شمولاً من الذي. يمكرون من المكر وهو التّدبير الخفي لإلحاق الضّرر بالغير من دون أن يعلم ويدل على أنّهم يمكرون برسول ﷺ ، كما بيَّن تعالى حين قال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. لنقارن هذه الآية ﴿وَلَا تَكُنْ فِى ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ مع الآية (١٢٧) من سورة النّحل ﴿وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾. في سورة النّحل السّياق في مقتل الحمزة في معركة أحد، وكيف مثَّلوا بجثته وحلف رسول الله ﷺ لينتقم منهم وليمثِّلنَّ بـ (٧٠) من المشركين فجاء الأمر الإلهي بالصّبر والنّهي أن لا يكون في صدره ضيق مهما كان ولو أقل الضيق فحذف النّون من تكن فقال: فلا تك. أمّا في سورة النّمل السّياق في الحديث عن إنكار البعث من الكفرة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾ فجاء النّهي بقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ فِى ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ فالسّياق مختلف وأقل شدة وضيق.

стр. 3727

ارجع إلى سورة النّحل آية (١٢٧) للمقارنة والبيان. سورة النمل [٢٧: ٧١] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿وَيَقُولُونَ﴾: أي: المكذبين ومنكرو البعث والحساب ويوم القيامة، وبصيغة المضارع لتدل على تكرار قولهم وأنّه يتجدَّد ويتكرَّر. ﴿مَتَى﴾: للاستفهام الإنكاري والاستبعاد، والمخاطب هو رسول الله ﷺ ، أو الذين آمنوا. ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة يدل على القرب. ﴿الْوَعْدُ﴾: أي: العذاب: متى هذا العذاب يقولون ذلك استهزاءً وسخرية وتهكم، أو متى يوم القيامة أو البعث، وسمَّوه وعداً: سموا الأخبار بالبعث ويوم القيامة أو العذاب وعداً مع أنّه وعيد لهم وليس وعد، والوعد يستعمل للخير إذا أطلق ولم يقيد، وأما إذا قيد قد يطلق على الخير والشر، والوعيد يستعمل للشر عادة. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والشّك. ﴿كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: في أقوالكم أو زعمكم أنّ هناك يومَ بعث وقيامة وحساب. سورة النمل [٢٧: ٧٢] ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ . ﴿عَسَى﴾: من أفعال الرّجاء، أيْ: ما بعدها يكون مرجوَّ الحصول.

стр. 3728

﴿أَنْ يَكُونَ﴾: أن مصدرية تفيد التّعليل. ﴿رَدِفَ﴾: من الرّديف الّذي يركب وراء الفارس وتعني اقترب ودنا. ﴿لَكُمْ﴾: اللام لام الاختصاص، لكم خاصة. ﴿بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ﴾: أيْ: عسى أن يكون ما تستعجلون به من العذاب قد دنا واقترب أو يحل بكم قريباً وحصل لهم ذلك في بدر مثلاً. سورة النمل [٢٧: ٧٣] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾: إنّ للتوكيد. ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾: اللام للتوكيد، ذو فضل: صاحب فضل وكلمة ذو أشرف من كلمة صاحب وأبلغ في الثّناء والمعنى ذو فضل: الفضل هو الزّيادة على ما يستحقون. ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: فهو سبحانه يرزقهم ويسبغ عليهم نعمه، وذو فضل عليهم لأنّه رغم كفرهم ومعاصيهم يمهلهم لعلهم يتوبون إليه ويرجعون إلى الصّواب ويمحو عنهم سيئاتهم وذنوبهم. ﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك يفيد التّوكيد. ﴿أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾: لا يشكرون الله المنعم على إحسانه والقليل من النّاس من يشكره. ارجع إلى سورة الأعراف الآية (١٠) لمزيد من البيان. سورة النمل [٢٧: ٧٤] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ﴾: إنّ + اللام للتوكيد.

стр. 3729

﴿لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾: ما تخفيه صدورهم وما يسرون من العداوة والحقد والمكر لرسول الله ﷺ وصحابته. ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: من الأقوال والأفعال من الجهر وتكرار ما للتوكيد، وفصل كلاً منهما على حدة أو معاً جميعاً. سورة النمل [٢٧: ٧٥] ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: ﴿وَمَا﴾: ما النّافية. ﴿مِنْ﴾: استغراقية تشمل كلّ غائبة. ﴿غَائِبَةٍ فِى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: الغائبة: اسم للشيء الغائب؛ أي: ما غاب، وألحقت به التاء للمبالغة في الإخفاء؛ أيْ: جميع ما أخفى الله تعالى عن خلقه وغاب عن أعينهم، في السّماء أو في الأرض؛ في: ظرفية، السّماء: هي كلّ ما علاك وتشمل السّموات السّبع وما بينهما كظرف ومظروف، والأرض: ما يغيب فيها من كنوز ومعادن وبترول ومن جمادات وحيوانات وحشرات وغيرها كقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى السَّمَاوَاتِ أَوْ فِى الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿فِى كِتَابٍ﴾: في ظرفية، كتاب: اللوح المحفوظ، أيْ: مدوَّن في اللوح المحفوظ. ﴿مُبِينٍ﴾: الظّاهر البيِّن لمن ينظر إليه من الملائكة ولا يحتاج إلى تبيان وشرح.

стр. 3730

سورة النمل [٢٧: ٧٦] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿إِنَّ هَذَا﴾: إنّ للتوكيد، هذا: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب يشير إلى القرآن القريب من كلّ واحد. ﴿الْقُرْآنَ﴾: سُمِّي القرآن؛ لأنّه مقروءٌ. ارجع إلى الآية (١) من نفس السورة للبيان. ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: بني يعقوب، يقص: يُحدث أو يُخبر أو يتلو عليهم. ﴿أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ﴾: للتوكيد. ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: فيه: ظرفية، يختلفون: في شأن عيسى ﵇ وما أحل لهم وحرم عليهم، وفي البعث وفي السّبت وفي كثير من الأمور الشّرعية الّتي نزلت في التّوراة، يختلفون: بصيغة المضارع، أيْ: لا زالوا يختلفون فيها إلى يومنا هذا.

стр. 3731

سورة النّمل [الآيات ٧٧ - ٨٨] سورة النمل [٢٧: ٧٧] ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿وَإِنَّهُ﴾: للتوكيد، أي: القرآن الكريم. ﴿لَهُدًى﴾: اللام للتوكيد، هدىً: أيْ: هو الهدى نفسه أو مصدر الهداية، الهدى الموصل إلى الغاية في الدّنيا والآخرة وهي رضوان الله وجنة الخلد. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: الرّحمة هنا تعني الوقاية من الوقوع في المعاصي والذّنوب فهو الرّحمة نفسها أو منبع الرّحمة، والرحمة هي جلب ما يسر ودفع ما يضر، وتعني الإنعام على العبد. ﴿لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، للمؤمنين خاصة المؤمنين الّذين أصبحت صفة الإيمان عندهم ثابتة ومستقرة في القلب؛ لأنّهم هم الّذين ينتفعون به ويهتدون به. سورة النمل [٢٧: ٧٨] ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿يَقْضِى بَيْنَهُم﴾: بين بني إسرائيل. ﴿بِحُكْمِهِ﴾: بعدله وبحكمة فلا يحدث حيف أو جور. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.

стр. 3732

﴿الْعَزِيزُ﴾: صيغة مبالغة على وزن فعيل، أي: القوي الّذي لا يُغلب ولا يُقهر والممتنع ولا يرد قضاؤه أو حكمه. ﴿الْعَلِيمُ﴾: كثير العلم صيغة مبالغة بمن هو على الحق ومن هو على الباطل، عليم: بمن يقضي له وبمن يقضي عليه، وعليم بما اختلفوا فيه. سورة النمل [٢٧: ٧٩] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: الفاء للتوكيد، توكل على الله: فوض أمرك، أيْ: رُدَّه إلى الله إلى من يملك تدبير الأمور، وهو كافيك والقادر على أن ينفع ويضر راجياً عونه وتوفيقه للوصول إلى الغاية، ولا تبال بمعاداتهم أو عدم إيمانهم بعد أن تقدِّمَ الأسباب المطلوبة منك بالتّبليغ والدّعوة إلى الله. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٩) لبيان معنى التوكل. ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾: الحق: الدّين الحق هو الإسلام أو على الصّراط المستقيم الموصل للغاية، المبين: البين الواضح لكلّ فرد ولا يحتاج إلى أدلة أو براهين وأل التّعريف في الحق المبين تدل على الكمال. سورة النمل [٢٧: ٨٠] ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾: ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون وتوكل على الله ولا تبال بمعاداة أعداء الدّين لأنّك: ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: أيْ: إنك لن تستطيع أن تسمع هؤلاء الموتى؛ أي: (الكفار) وشبهوا بالموتى وهم أحياء، وشبههم بالصّم؛ لأنّ آذانهم لا تعي وتنتفع بما تسمع، وشبههم بالعمي؛ لأنّهم فقدوا البصيرة وليس البصر فهم عطلوا كلّ حواسهم فهم لا يسمعون ولا يرون ولم يعد ينفعهم نصحك لهم أو تذكيرك أو إنذارك.

стр. 3733

﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾: جملة تعتبر توكيد لحال صممهم، فهم لا يكتفوا بتعطيل حواسهم لكي لا يسمعونك ويرونك بل يحاولوا أن يولوا مدبرين، أي: الفرار والهرب منك؛ لأنّهم لا يريدون الجلوس إليك خوفاً من أن تنذرهم بشيء يقضُّ مضاجعهم، ولذلك تراهم يبتعدون عنك ويولوا على أدبارهم خائبين حين يرونك. سورة النمل [٢٧: ٨١] ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِى الْعُمْىِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِى الْعُمْىِ﴾: الواو عاطفة، ما النّافية، أنت بهادي: الباء للإلصاق والتّوكيد، هادي العمي: منقذ أو صارف العمى عنهم، والعُمي: جمع أعمى: عُمي البصيرة وليس عُمي البصر. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٥٢) في سورة الشورى وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: نجد أن المقصود بالهداية في آية الشورى هداية عامة؛ أي: ترشد أو تدل الناس على الإسلام فقط ولكن الهداية الخاصة خاصة بالله تعالى؛ ارجع إلى سورة الشورى (٥٢) للبيان. ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: ولم يقل: عن ضلالهم، الضّلال: اسم جنس يشمل كلّ الضّلالات وضلالتهم تعني: ضلالة واحدة، فأنت لا تستطيع أن تصرف عمي البصيرة ولا حتّى عن ضلالة واحدة إلا أن يشاء الله تعالى. ﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾: إن: نافية، أيْ: ما تسمع إلا من يؤمن بآياتنا. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾: إلا من يصدق بآياتنا، والسّؤال إذا كان هو يؤمن بآياتنا مسبقاً أو سابقاً فما فائدة سماعه مرة أخرى، الجواب: ليزداد إيماناً مع إيمانه ويستمر على استقامته.

стр. 3734

﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾: جملة اسمية تفيد الثّبوت على إسلامهم، مسلمون: مخلصون موحِّدون، مسلمون إسلام الوجه. سورة النمل [٢٧: ٨٢] ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية شرطية تفيد حتمية الحدوث. ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾: القول: العذاب أو يوم القيامة على: تفيد العلو والمشقة وكلمة وقع تدل على السقوط فجأة، أيْ: مجيء العذاب فجأة كأنّه يخر عليهم من فوقهم. ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾: دابة سماها البعض الجساسة، وقيل: هي فصيل ناقة صالح ﵇ تخرج من المسجد الحرام، وتعتبر من أمارات السّاعة الكبرى. ﴿تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾: تكلمُهم فتقول: إنّ النّاس كانوا بآياتنا: لا يوقنون، أيْ: أكثر النّاس لا يؤمنون بالآيات الدّالة على مجيء السّاعة والبعث والقيامة أو لا يوقنون بخروج الدابة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لبيان معنى يوقنون. وقيل: تكلمُهُم من الكلم وهو الجرح وقيل: هو الوسم بالخاتم، كما روى الإمام أحمد والبخاري في الكبير تخاطب النّاس خلاف ما عهدوه، قيل: تجول في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب، وتسم كلّ إنسان على جبينه فتميز الكافر من المؤمن. سورة النمل [٢٧: ٨٣] ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: ﴿وَيَوْمَ﴾: أيْ: يوم القيامة ونكرة للتهويل والتّعظيم.

стр. 3735

﴿نَحْشُرُ﴾: نجمع، الحشر السّوق + الجمع. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية استغراقية تستغرق كلّ أمة. ﴿كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾: الفوج الجماعة الكثيرة، فترتيب الجماعات من القلة إلى الكثرة كما يلي: نفر، رهط، شرذمة، قبيلة، عُصبة، طائفة، ثلة، فوج، فرقة، حزب، زمرة، جيل، كما ورد في فقه اللغة للثعالبي. ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾: سواء كانت الآيات القرآنية أو الكونية الدّالة على وحدانية الله وعظمته وقدرته أو المعجزات الدّالة على النّبوة. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: يحبس أولهم حتّى يلحق آخرهم ...... ، أو ينتظر أوّلهم حتّى يلحق آخرهم حتّى يجتمعوا، ثمّ يساقون إلى النّار ويدخلون فيها جميعاً، من الوزع: وهو الكف والمنع، أو حتّى يجتمع التّابع والمتبوع. سورة النمل [٢٧: ٨٤] ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِئَايَاتِى وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية. ﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية تفيد حتمية الحدوث. ﴿جَاءُوا﴾: موقف الحساب يوم القيامة. ﴿قَالَ أَكَذَّبْتُم بِئَايَاتِى﴾: قال تعالى: أكذبتم: الهمزة همزة استفهام وتوبيخ وتقرير، أيْ: كيف كذبتم بآياتي، أيْ: جحدتم بها. ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾: لم النّافية، تحيطوا بها: تتأملوها أو تنظروا فيها جيداً أو تدركوا حقيقتها أو ماذا شغلكم عن النّظر فيها أو التّفكر والتدبُّر فيها. ﴿أَمَّاذَا﴾: الهمزة للاستفهام للتوبيخ، ذا اسم موصول. ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: من الأعمال العبثية الأخرى في الدّنيا.

стр. 3736

سورة النمل [٢٧: ٨٥] ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم﴾: أيْ: حل ونزل بهم العذاب: عذاب قيام الساعة وعلى تفيد العلو، وكأنّ العذاب سقط على رؤوسهم فجأة. ارجع إلى الآية السّابقة (٨٢). ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾: الباء السّببية أو التّعليلية بسبب ظلمهم وهو الشّرك والتّكذيب بآيات الله. ﴿فَهُمْ﴾: للتوكيد. ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾: لا النّافية، ينطقون: ليس عندهم أي: اعتذار أو حُجَّة ينطقون بها دفاعاً عن أنفسهم. أو يشغلهم العذاب أو يبهتهم فلا ينطقون بأي كلمة من دهشتهم وحيرتهم. سورة النمل [٢٧: ٨٦] ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام وتقرير وتعجُّب. ﴿يَرَوْا﴾: رؤية بصرية أو عينية (مشاهدة حقيقية) ورؤية فكرية الآية العظيمة هي تسخير الليل والنّهار لهم. ﴿أَنَّا﴾: للتعظيم. ﴿جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾: اللام لام التّعليل، يسكنوا فيه: من السّكون والانقطاع عن الحركة، يسكنوا: بصيغة المضارع الدّالة على التّجدد والتّكرار أيْ: ينامون فيه وذكر الليل والنّهار يدل على كروية الأرض ودورانها حول محورها

стр. 3737

وحول الشّمس الّذي ينتج عنه تعاقب الليل والنّهار، وقدَّم الليل على النّهار؛ لأنّ الأصل هو الظلام، أي: الليل. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: ارجع إلى سورة يونس الآية (٥) و (٦٧) للبيان، وسورة غافر آية (٦١) للمقارنة. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إنّ: للتوكيد، في: ظرفية، ذلك: اسم إشارة واللام للبعد. ﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام لام الاختصاص، آيات كونية عظيمة تدل على كمال الخالق سبحانه، وكمال قدرته ووحدانيته ونعمته. ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: اللام لام الاختصاص، آيات خاصة ينتفع بها القوم الّذين يؤمنون فتزيدهم إيماناً واستقامة على الصراط المستقيم، ثمّ يحذر الله سبحانه عباده من يوم القيامة فيقول: سورة النمل [٢٧: ٨٧] ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِى الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾: ﴿وَيَوْمَ﴾: تعود على يوم القيامة وتنكيره للتهويل والتّعظيم. ﴿يُنْفَخُ فِى الصُّورِ﴾: النّفخة الأولى نفخة الفزع: الفزع يعني: الخوف الشّديد والرّعب والهلع حين يبدأ فجأة من دون سابق إنذار تضطرب فيه القلوب، والكل يفزع، أهل السّموات وأهل الأرض. ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ﴾: الملائكة. ﴿وَمَنْ فِى الْأَرْضِ﴾: الإنس والجن والحيوانات. ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: قيل: الملائكة المقربون (الكربيون) وحملة العرش،

стр. 3738

وقيل: أمثال جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وقيل: الشّهداء والحور العين وحملة العرش، والله أعلم. ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾: صاغرين أذلاء، دخر الشّخص ذل وصغر، الكلّ يتساوى في ذلك اليوم المالك والمملوك والرئيس والمرؤوس والغني والفقير والقوي والضّعيف. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٦٨) في سورة الزمر وهي قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾: نجد أن آية النمل جاءت في سياق النفخة الأولى التي تبدأ بمرحلة الفزع، وتنتهي بمرحلة الصعق؛ فهي تشمل مرحلتين وهناك من قال أن النفخات (٣): الفزع، والصعق، والبعث، فآية النمل تتحدث عن النفخة الأولى (مرحلة الفزع)، وآية الزمر تتحدث عن النفخة الأولى (مرحلة الصعق) أو النفخة الثانية. سورة النمل [٢٧: ٨٨] ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾: هذه الآية ليست في سياق الآخرة، كما يظن البعض، إنما هي في سياق الدّنيا، ترى الجبال وأنت لا زلت حياً؛ يعني: إذا نظرت إلى الجبال تظنها جامدة لا تتحرك مع أنها تدور وتتحرك مع حركة ودوران الأرض؛ أي: ٣٠ كم/ بالثانية. ﴿تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾: من الحسب وهي الظّن الرّاجح، أيْ: تعتقد أنّها جامدة لا تتحرك ثابتة في مكانها، وهي تجري جري السّحاب سرعة جريها تقدر ٣٠ كم/ بالثانية بسرعة جري الأرض.

стр. 3739

﴿وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾: وهي: أي: الجبال تجري كجري السّحاب الّتي تسيرها الرّياح فالكل يجري ونظنها ساكنة، وهذا من رحمة الله بنا. ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾: خلق الله والصّنع هو جودة العمل فالصّنع أخص من العمل فكل صنع عمل وليس كلّ عمل صنع، والصّنع يشمل مقادير النجوم والكواكب وحجمها وبعدها وقربها عن بعضها، وفي مداراتها، أيْ: وكلٌّ في فلك يسبحون، والقياس والشّكل واللون وغيرها. ﴿أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾: أبدع خلق كلّ شيء ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿خَبِيرٌ﴾: ببواطن الأمور وظواهرها وبما تفعلون فيجازيكم عليها. ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية، وأوسع شمولاً من الذي. ﴿تَفْعَلُونَ﴾: من السّيئات والحسنات (الأعمال الصالحة) أو تفعلون من خير أو شر، أو حسن أو قبيح، أو معروف أو منكر، وتفعلون هي جزء من تعملون؛ فالعمل يضم الفعل والقول، وتفعلون تأتي في سياق العاقل وغير العاقل، وتعملون تأتي في سياق العاقل فقط.

стр. 3740

سورة النّمل [الآيات ٨٩ - ٩٣] سورة النمل [٢٧: ٨٩] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾: هذه الآية تتمة للآية السّابقة، وهي قوله: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ فيجازيكم عليها. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾: جاء بالحسنة يوم القيامة، الحسنة شرعاً: هي كلّ ما يستحسنه الشّرع ويتمثل بطاعة الله وتجنُّب نواهيه من قول وفعل وكل فعل يورث ثواباً. ﴿مَنْ جَاءَ﴾: من شرطية، جاء بالحسنة عمل حسنة في الدّنيا. ﴿فَلَهُ﴾: الفاء للتوكيد، له: اللام لام الاستحقاق. ﴿خَيْرٌ مِّنْهَا﴾: قيل: الجنة، وقد تعني: يثاب عليها ويجازى عليها خيراً منها ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ثواباً مضاعفاً يعادل عشر أمثالها، وقد تضاعف إلى (٧٠) أو (٧٠٠) أو أكثر. ﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾: من ابتدائية، فزع يومئذ: شامل لكل فزع يكون يوم القيامة، وكما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. وقد يصابون بفزع خفيف، أما الفزع الشّديد فهم آمنون منه.

стр. 3741

﴿آمِنُونَ﴾: من الأمن وهو الأمن الكامل مع زوال الأسباب المؤدِّية إلى عدم الشّعور بالأمن. سورة النمل [٢٧: ٩٠] ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: شرطية جوابها فكبَّت وجوههم في النّار. ﴿جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: يوم القيامة، أيْ: عمل السّيئات وقيل: السّيئة مثل الشّرك وأكل الرّبا وقتل النّفس والسّيئة لا تجزى إلا بمثلها من غير زيادة، وهذا من رحمة الله تعالى، وقد تضاعف السّيئة إذا ارتكبت في أماكن الفضيلة مثل الحرم أو في رمضان أو الأوقات الفضيلة. ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ﴾: الكب: رمي أو إلقاء الشيء التافه أو الذي لا قيمة له، واختار الوجه وهو أشرف جزء في الجسم، وكب الوجه يعني: الكب لجميع الجسم (إطلاق الجزء وإرادة الكل)، والكب فيه معنى الإهانة والإذلال والعنف؛ أي: كبت بعنف؛ أيْ: ألقوا في النّار على وجوههم منكوسين، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٦٥] أو قوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُنَ﴾ [الشّعراء: ٩٤] وقيل: الوجه يعني: الذّات؛ أي: يمثل كلّ الأعضاء. ﴿هَلْ﴾: استفهام يفيد النّفي، أيْ: ما تجزون إلا ما كنتم تعملون. ﴿تُجْزَوْنَ﴾: من الجزاء، وقد يكون للعمل السّيِّئ أو الحسن. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: تعملون (تشمل الأقوال والأفعال) في الدّنيا، العمل يشمل القول والفعل.

стр. 3742

سورة النمل [٢٧: ٩١] ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿أُمِرْتُ أَنْ﴾: أن حرف مصدري يفيد التّوكيد. أُمرت: أيْ: أمرني ربي أن أعبده. ﴿أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾: أعبد من العبادة. ارجع إلى الآية (٧٣) من سورة النّحل، إضافة رب للبلدة للتشريف والتّعظيم وهي مكة المكرمة، وخصّها بالذّكر؛ لأنّ فيها البيت الحرام والرّب هو الخالق المدبر الرّزاق والمربي وهو رب هذه البلدة ورب كلّ شيء ومليكه. ﴿الَّذِى حَرَّمَهَا﴾: جعلها شرعاً حرماً آمناً يحرم فيها القتال والصّيد في الأشهر الحرم ومن دخلها كان آمناً. ﴿وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ﴾: تقديم له وحده تفيد الحصر، كلّ شيء: شيء نكرة تشمل كلّ شيء خلقاً وملكاً وتصرفاً وتدبيراً دون شريك، كلّ شيء في السّموات والأرض وما بينهما له وحده. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ﴾: وأمرني ربي، أن: حرف مصدري يفيد التّوكيد. ﴿أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: المخلصين الموحِّدين، وفرداً من أفراد هذه الأمة المسلمة، وفي هذا تنويه عن تواضع النبي ﷺ ، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٠٤) في سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله تعالى في الآية (١٢) في سورة الزمر وهي قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾، فآية النمل تعني من المسلمين من لدن آدم إلى آخر مسلم وأول المسلمين من هذه

стр. 3743

الأمة، وكذلك أول المسلمين درجة ومرتبة؛ ارجع إلى هذه الآيات لمزيد من البيان. سورة النمل [٢٧: ٩٢] ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾: ﴿وَأَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّوكيد. ﴿أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾: أقرأ عليكم القرآن وسُمِّي قرآناً لكونه مقروءاً، أو أتلوا القرآن في الصّلاة والتّبليغ والإنذار والتّعليم والحفظ. ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ﴾: الفاء: للتوكيد، من: شرطية، اهتدى: بالقرآن، أو بما أنزل الله تعالى من التّوحيد والإيمان والعمل الصّالح. ﴿فَإِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ﴾: ففائدة هدايته ينتفع بها وحده، تعود لنفسه، اللام لام الاختصاص نفسه ذاته. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾: من شرطية، ضل: تاه وضل الطّريق واتبع هواه والشّيطان ولم يتبع ما أنزل الله تعالى. ﴿فَقُلْ إِنَّمَا﴾: الفاء للمباشرة، إنما للتوكيد. ﴿أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾: أنا لست مسؤولاً عن هدايتكم، وأنا أحد الرّسل المنذِرين، وما عليّ إلا البلاغ والإنذار: الإعلام والتّحذير. سورة النمل [٢٧: ٩٣] ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَقُلِ﴾: الخطاب إلى رسول الله تعالى وبالتالي إلى أمته. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: على نعمة الهداية للإسلام والإيمان والقرآن، والحمد لله

стр. 3744

على نعمة النّبوة، وعلى نعمه الّتي لا تعد ولا تحصى، الظّاهرة والباطنة ما علمنا منها وما لم نعلم، حمداً مطلقاً ملء السّموات والأرض وما فيهن، وملء عرشه وعدد خلقه ومداد كلماته وزنة عرشه ورضا نفسه. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٢) لمزيد من البيان. ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: السّين للاستقبال القريب، أيْ: قريباً سترون آياته الكونية والخلقية وأنتم في الدّنيا، آياته الدّالة على عظمة وكمال قدرته ووحدانيته وأنّه هو الحق وما دونه الباطل. سيريكم آياته: الخطاب للجميع في الآفاق في الكون وفي أنفسكم، سيريكم سيطلعكم على بعض آياته فتعرفونها أنّها من آياته وأنّها من صنعه ويبيِّن لكم أنّ الله هو الحق المبين. ﴿وَمَا رَبُّكَ﴾: ما النّافية، ربك، أي: الخالق والمربي والمدبر والرّزاق. ﴿بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: عما: عن: تفيد المجاوزة والبعد، ما: اسم موصول بمعنى الذي، وأوسع شمولاً من الذي. تعملون: تقولون وتفعلون، وفي الآية وعيد وتهديد. ارجع إلى الآية (٥٢) من سورة فصلت، وهي قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الْآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ للمقارنة، وارجع إلى سورة البقرة آية (٧٤) لمزيد من البيان في معنى بغافلٍ عما تعملون.

стр. 3745

سورة القصص [٢٨: ١] سورة القصص ترتيبها في القرآن (٢٨) وترتيبها في النّزول (٤٩) ﴿طسم﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة. سورة القصص [٢٨: ٢] ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: ارجع إلى الآية (٢) من سورة الشّعراء للبيان. سورة القصص [٢٨: ٣] ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ﴾: يا رسول الله ﷺ أيْ: نقرأ عليك، أو نقص عليك بعضاً من نبأ موسى وفرعون والتّلاوة أخص من القراءة، والتّلاوة تكون من القرآن ويثاب القارئ عليها كلّ حرف بعشر حسنات، فكلّ تلاوة قراءة وليس كلّ قراءة تلاوة، وأصل التلاوة: اتباع الشيء بالشيء؛ أي: تلاوة كلمات يتبع بعضها بعضاً، وأما القراءة: قد تكون لكلمة واحدة، والخطاب إلى رسول الله ﷺ ، وبالتالي إلى كلّ من يقرأ القرآن. ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسَى﴾: من: ابتدائية بعضية، نبأ: الخبر المهم من خبر موسى ﵇ وفرعون.

стр. 3746

﴿وَفِرْعَوْنَ﴾: أحد ملوك الفراعنة الّذي ادَّعى الألوهية. وفرعون لقب كان يلقب به ملوك مصر في القديم. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمعرفة من هو فرعون. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق، الحق: الشّيء الثّابت الّذي لا يتغيَّر، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالصّدق لا تبديل فيه ولا تحريف، والمطابق للواقع أو كما حدث فعلاً. ﴿لِقَوْمٍ﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: أيْ: تلاوة خاصة لقوم يؤمنون يتجدَّد إيمانهم ويتكرَّر أيْ: ينتفع بها الّذين آمنوا حيث يزيد إيمانهم يقيناً كلما تلوها المرة بعد الأخرى. سورة القصص [٢٨: ٤] ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾: إنّ للتوكيد. ﴿عَلَا فِى الْأَرْضِ﴾: من العلو: أي: طغى وتجبَّر واستكبر في أرض مصر. والعلو: هو الشعور بالغرور وبالقوة أو القدرة والفوقية. ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾: طوائف أو جماعات بعضهم لبعض عدو، والشّيعة بالتحديد: هي الجماعة المائلة إلى رجل ما من محبتهم له، وأصلها الحطب الدقيق الذي يُرمى في النار لتشتعل أو تشتد اشتعالاً، أو الطّائفة الّتي لها

стр. 3747

قيم ومبادئ خاصة بها مثل: طائفة الأقباط، أو بني إسرائيل، أو غيرهم لكي يبقى مستبداً بالحكم مُتبعاً شريعة فرِّق تَسُدْ وتستعبد كل منها الأخرى. ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾: أيْ: بني إسرائيل واستضعافه لهم أيْ: يستعبدهم في أعمال البناء والحفر والحرث والخدمات، والسبب في ذلك؛ لأن بني إسرائيل كانوا موالين للذين حكموا مصر وأزاحوا حكم الفراعنة وهم ملوك الرعاة فلما عاد الفراعنة إلى تولي الحكم راحوا يضطهدون بني إسرائيل ومن مظاهر الاستضعاف: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾: المولودين من بني إسرائيل وأسند الذّبح إلى فرعون مع أنّه هو مجرد الآمر وجنود فرعون هم يفعلون الذّبح فهو السّبب. ﴿وَيَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ﴾: نساء بني إسرائيل، يُبقي نساءَهم أحياءً للخدمة والإذلال. ولنقارن هذه الآية بالآية (٤٩) من سورة البقرة: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، وما قال موسى في سورة إبراهيم آية (٦): ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، وما جاء في سورة الأعراف آية (١٤١): ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: نجد الاختلاف في كلمتي (يذبحون، ويقتلون)، القتل: أعم من الذبح، فالقتل: يشمل الذبح والإعدام، والقتل بالرصاص، أو المواد السامة، ونجد إضافة الواو لكلمة يذبحون في سورة إبراهيم، والواو تعني: سوء العذاب + الذبح؛ أي: التذبيح غير سوء العذاب (وهذا الكلام هو كلام

стр. 3748

موسى ﵇)، وحذف الواو في آية البقرة دل على التذبيح هو سوء العذاب (وهذا الكلام هو كلام الله سبحانه) فالله سبحانه لم يعدد ويذكرهم بكل المصائب التي مرت عليهم بينما موسى ذكرهم بكل المصائب التي مرت عليهم حين عددها لهم. ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: إنّه للتوكيد، كان من المفسدين بسبب كفره وطغيانه وظلمه وتكبره في الأرض وبقتل الأبناء واستحياء النّساء والتشييع. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لمزيد من البيان. سورة القصص [٢٨: ٥] ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾: ﴿وَنُرِيدُ﴾: بصيغة التّعظيم. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل. ﴿نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾: نمن: من المن: المن عطاء بلا مقابل أو عوض. قال الأزهري: قال الزجاج: المن كل ما يمن الله تعالى به مما لا تعب فيه ولا نصب، وقيل: أن المن كالمن الذي كان ينزل على بني إسرائيل سهلاً بدون أي تعب أو جهد؛ أيْ: نُنعم على الّذين استضعفوا: أيْ: بني إسرائيل فمن عليهم بإيمانهم وتخليصهم من حكم فرعون. ﴿فِى الْأَرْضِ﴾: في أرض مصر والشام.

стр. 3749

﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾: في الدّين ونشر المبادئ والقيم، أئمة: يقتدى بهم، قادة للخير كما قال ابن عباس، أو ولاة وملوكاً كما قال قتادة. ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾: للملك وارثين مشارق الأرض ومغاربها كما قال تعالى في سورة الأعراف آية (١٣٧): ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ في ذلك الزّمان، الوارثين: جملة اسمية تفيد الثّبوت، جمع وارث يرثون فرعون وقومه، أي: الحاكمين والمالكين لكثير من الأرض. وتكرار ونجعلهم مرتين للتوكيد، وفصل كونهم أئمة عنه كونهم الوارثين.

стр. 3750

سورة القصص [٢٨: ٦] ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: بالاستخلاف والحكم والسّلطة وممارسة شعائر دينهم بلا خوف، والتّمكين يتضمن معنى الحرية والقدرة والأمن. ارجع إلى سورة النور آية (٥٥) لبيان معنى التمكين. ﴿وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾: رؤية بصرية. ﴿فِرْعَوْنَ﴾: ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) للبيان. ﴿وَهَامَانَ﴾: هامان: ورد اسمه في القرآن (٦ مرات)، قيل: كان وزيراً لفرعون زمن نبي الله موسى، وقيل: كان المسؤول عن البناء والعمران، وقيل: كان اسمه هامان، ووظيفته هامان (بناء المشاريع الكبرى)، وكان مقرباً إلى فرعون، وذكر هامان في القرآن يدل على الإعجاز التاريخي للقرآن، وعلى نبوة محمد ﷺ ، ومات غرقاً مع فرعون. ارجع إلى سورة غافر آية (٣٦) لمزيد من البيان. ﴿مِنْهُم﴾: من أولئك المستضعفين من بني إسرائيل. ﴿مَا كَانُوا﴾: ما اسم موصول بمعنى الّذي، وما: أوسع شمولاً من الذي، وتشمل العاقل وغير العاقل.
следующие страницы →