← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

﴿وَفِرْعَوْنَ﴾: أحد ملوك الفراعنة الّذي ادَّعى الألوهية. وفرعون لقب كان يلقب به ملوك مصر في القديم. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمعرفة من هو فرعون. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق، الحق: الشّيء الثّابت الّذي لا يتغيَّر، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالصّدق لا تبديل فيه ولا تحريف، والمطابق للواقع أو كما حدث فعلاً. ﴿لِقَوْمٍ﴾: اللام لام الاختصاص. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: أيْ: تلاوة خاصة لقوم يؤمنون يتجدَّد إيمانهم ويتكرَّر أيْ: ينتفع بها الّذين آمنوا حيث يزيد إيمانهم يقيناً كلما تلوها المرة بعد الأخرى. سورة القصص [٢٨: ٤] ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾: إنّ للتوكيد. ﴿عَلَا فِى الْأَرْضِ﴾: من العلو: أي: طغى وتجبَّر واستكبر في أرض مصر. والعلو: هو الشعور بالغرور وبالقوة أو القدرة والفوقية. ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾: طوائف أو جماعات بعضهم لبعض عدو، والشّيعة بالتحديد: هي الجماعة المائلة إلى رجل ما من محبتهم له، وأصلها الحطب الدقيق الذي يُرمى في النار لتشتعل أو تشتد اشتعالاً، أو الطّائفة الّتي لها

стр. 3747

قيم ومبادئ خاصة بها مثل: طائفة الأقباط، أو بني إسرائيل، أو غيرهم لكي يبقى مستبداً بالحكم مُتبعاً شريعة فرِّق تَسُدْ وتستعبد كل منها الأخرى. ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾: أيْ: بني إسرائيل واستضعافه لهم أيْ: يستعبدهم في أعمال البناء والحفر والحرث والخدمات، والسبب في ذلك؛ لأن بني إسرائيل كانوا موالين للذين حكموا مصر وأزاحوا حكم الفراعنة وهم ملوك الرعاة فلما عاد الفراعنة إلى تولي الحكم راحوا يضطهدون بني إسرائيل ومن مظاهر الاستضعاف: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾: المولودين من بني إسرائيل وأسند الذّبح إلى فرعون مع أنّه هو مجرد الآمر وجنود فرعون هم يفعلون الذّبح فهو السّبب. ﴿وَيَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ﴾: نساء بني إسرائيل، يُبقي نساءَهم أحياءً للخدمة والإذلال. ولنقارن هذه الآية بالآية (٤٩) من سورة البقرة: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، وما قال موسى في سورة إبراهيم آية (٦): ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، وما جاء في سورة الأعراف آية (١٤١): ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: نجد الاختلاف في كلمتي (يذبحون، ويقتلون)، القتل: أعم من الذبح، فالقتل: يشمل الذبح والإعدام، والقتل بالرصاص، أو المواد السامة، ونجد إضافة الواو لكلمة يذبحون في سورة إبراهيم، والواو تعني: سوء العذاب + الذبح؛ أي: التذبيح غير سوء العذاب (وهذا الكلام هو كلام

стр. 3748

موسى ﵇)، وحذف الواو في آية البقرة دل على التذبيح هو سوء العذاب (وهذا الكلام هو كلام الله سبحانه) فالله سبحانه لم يعدد ويذكرهم بكل المصائب التي مرت عليهم بينما موسى ذكرهم بكل المصائب التي مرت عليهم حين عددها لهم. ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: إنّه للتوكيد، كان من المفسدين بسبب كفره وطغيانه وظلمه وتكبره في الأرض وبقتل الأبناء واستحياء النّساء والتشييع. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لمزيد من البيان. سورة القصص [٢٨: ٥] ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾: ﴿وَنُرِيدُ﴾: بصيغة التّعظيم. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل. ﴿نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾: نمن: من المن: المن عطاء بلا مقابل أو عوض. قال الأزهري: قال الزجاج: المن كل ما يمن الله تعالى به مما لا تعب فيه ولا نصب، وقيل: أن المن كالمن الذي كان ينزل على بني إسرائيل سهلاً بدون أي تعب أو جهد؛ أيْ: نُنعم على الّذين استضعفوا: أيْ: بني إسرائيل فمن عليهم بإيمانهم وتخليصهم من حكم فرعون. ﴿فِى الْأَرْضِ﴾: في أرض مصر والشام.

стр. 3749

﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾: في الدّين ونشر المبادئ والقيم، أئمة: يقتدى بهم، قادة للخير كما قال ابن عباس، أو ولاة وملوكاً كما قال قتادة. ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾: للملك وارثين مشارق الأرض ومغاربها كما قال تعالى في سورة الأعراف آية (١٣٧): ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ في ذلك الزّمان، الوارثين: جملة اسمية تفيد الثّبوت، جمع وارث يرثون فرعون وقومه، أي: الحاكمين والمالكين لكثير من الأرض. وتكرار ونجعلهم مرتين للتوكيد، وفصل كونهم أئمة عنه كونهم الوارثين.

стр. 3750

سورة القصص [٢٨: ٦] ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: بالاستخلاف والحكم والسّلطة وممارسة شعائر دينهم بلا خوف، والتّمكين يتضمن معنى الحرية والقدرة والأمن. ارجع إلى سورة النور آية (٥٥) لبيان معنى التمكين. ﴿وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾: رؤية بصرية. ﴿فِرْعَوْنَ﴾: ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) للبيان. ﴿وَهَامَانَ﴾: هامان: ورد اسمه في القرآن (٦ مرات)، قيل: كان وزيراً لفرعون زمن نبي الله موسى، وقيل: كان المسؤول عن البناء والعمران، وقيل: كان اسمه هامان، ووظيفته هامان (بناء المشاريع الكبرى)، وكان مقرباً إلى فرعون، وذكر هامان في القرآن يدل على الإعجاز التاريخي للقرآن، وعلى نبوة محمد ﷺ ، ومات غرقاً مع فرعون. ارجع إلى سورة غافر آية (٣٦) لمزيد من البيان. ﴿مِنْهُم﴾: من أولئك المستضعفين من بني إسرائيل. ﴿مَا كَانُوا﴾: ما اسم موصول بمعنى الّذي، وما: أوسع شمولاً من الذي، وتشمل العاقل وغير العاقل.

стр. 3751

﴿يَحْذَرُونَ﴾: من هلاكهم على أيدي بني إسرائيل، فقد كان فرعون وهامان وجنودهما على وجلٍ وخوفٍ أن يُقتلوا على أيدي بني إسرائيل. والحذر: هو توقي الضرر أيْ: دفع الضرر سواء كان مظنوناً أو متيقناً. ويحذرون: بصيغة المضارع يدل على حذرهم كان يتجدَّد ويتكرَّر أي باستمرار. سورة القصص [٢٨: ٧] ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾: الوحي لغة: إعلام بطريق خفي، شرعاً: ما يُلقي الله إلى رسله من تكاليف وتعاليم دينه (منهج) وآيات ووعد ووعيد بإرسال رسول (جبريل) أو أن يكلمه من وراء حجاب أو بطريق خفي، والوحي إلى أم موسى كان بالإلهام أو برؤيا، ويعتبر ذلك نوعاً من أنواع الوحي. ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣) لمزيد من البيان. ﴿إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾: الوحي كان بالإلهام. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل. ﴿أَرْضِعِيهِ﴾: قيل: أرضعته حوالي ثلاثة شهور، وقيل: (٨) أشهر، وقيل: أربعة أشهر؛ فلما ألحَّ فرعون في طلب الولدان من بني إسرائيل لذبحهم بإرسال الجواسيس خافت أم موسى على وليدها. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، إذا شرطية تستعمل للشيء المحقق حدوثه بعكس إن تستعمل للأمر المشكوك في حدوثه، خفت على موسى من الذّبح أو أن يعثر عليه جنود فرعون.

стр. 3752

﴿فَأَلْقِيهِ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة رابطة لجواب الشّرط إذا. فألقيه: الإلقاء: هو رمي الشيء من أعلى إلى أسفل برفق ولين، وحين الإلقاء تراه أو ترى مكان الإلقاء، وفي سورة طه آية (٣٩) قال تعالى: ﴿اقْذِفِيهِ فِى التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِى الْيَمِّ﴾، والقذف: هو الرمي بشدة وقوة من غير مهلة حتى لا تراه حيث لا تلقاه، والقذف: أعم من الإلقاء. ﴿فِى الْيَمِّ﴾: أيْ: في نهر النّيل. ويستعمل كلمة اليم في سياق الخوف أو العقوبة. ﴿وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِى﴾: تكرار (لا): يفيد توكيد النّهي وفصل كلّ واحدة الخوف والحزن على حدة أو كلاهما، لا تخافي ـ بعد إلقائه في اليم ـ عليه من الغرق أو الموت، ولا تحزني لفراقه وذهابه عنك. ولا تحزَني: من الحزَن: الألم أو الغم الدائم الّذي لا يزول. ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم. ﴿رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾: الرّد هو الرّجوع أو العودة إلى المكان الّذي خرج منه بحيث يجبر أو يُكره على الرّجوع وبغير إرادته، والرّجوع هو الخروج من مكان ما أو مدينة مع النّية للرجوع إليها وبرغبته، ومن دون إكراه. واستعمل رادُّوه؛ لأنّه سبحانه سيحرم عليه المراضع فيردُّه إليك لترضعيه. ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: سنجعله رسولاً إلى بني إسرائيل رسولاً ونبياً. هذه الآية إذا تأملناها نجد أنّها تشمل على خبرين هما: وأوحينا إلى أم

стр. 3753

موسى، فإذا خفت عليه، وأمرين هما: أرضعيه وألقيه، ونهيين: لا تخافي ولا تحزني، وبشارتين: رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين يدل على عظيم البيان الرباني. سورة القصص [٢٨: ٨] ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾: ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، والهاء: تعود على التّابوت وفيه موسى من نهر النّيل، والالتقاط: أن نجد شيئاً ما في الطّريق دون قصد أو بحث والذي التقطه آل فرعون. ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾: أتباع فرعون الّذين يعملون في قصره. ﴿لِيَكُونَ﴾: اللام لام العاقبة (التّوكيد). ﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاختصاص لهم خاصة. ﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾: هذا هو عاقبة الالتقاط أو في نهاية الأمر سيكون لهم عدواً وحزناً. أمّا حين التقطوه، فالتقطوه؛ ليكون لهم ولداً وقرَّتَ عين لفرعون وامرأته ولا أحد يعلم الغيب إلا الله سبحانه. عدواً: لفرعون وملئه. وحَزناً: بفتح الحاء الألم النّفسي أو الغم الشّديد الدائم الّذي لا يزول حتّى الموت. بعكس الحُزن بضم الحاء وهو الألم أو الغم غير الدائم المؤقت الّذي يزول مع الزّمن ولو طال. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.

стр. 3754

﴿فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾: خاطئين: آثمين. وعاصين بالكفر والظّلم، والشّرك أو خاطئين بتقديرهم، لم يخطر ببالهم أنّ موسى هو الّذي سيذهب بملكهم ويكون سبباً لهلاكهم، خاطئين: من خطِئ (الفعل الثلاثي)؛ أيْ: تعمد الخطأ بينما أخطأ (الرباعي) من دون تعمُّد وقصد. وهناك من قال كلاهما يستعمل في العمد وغير العمد، أو كلاهما في غير العمد، وآخرون جعلوا الفعل الثلاثي في العمد، والفعل الرباعي في غير العمد. ومنه المخطئ من أخطأ؛ أي: الّذي لا يتعمَّد خطأً ولا ذنباً إلا جهلاً أو من دون علم بلا قصد، وخاطئين جملة اسمية تدل على الثّبوت والاستمرار على الخطأ من دون أيِّ محاولة لتصحيحه. سورة القصص [٢٨: ٩] ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾: اختار كلمة امرأة بدلاً من زوجة؛ لأنّ امرأة فرعون تخالف زوجها في الدّين فهي مؤمنة وهو كافر، أو فيها عيب خَلقي لا تنجب، وكلمة زوج تطلق حين يكون تماثل بين الزّوج والزّوجة. من خصوصيات القرآن الكريم. فقال العلماء: كلمة زوجة تطلق حين لا يكون هناك اختلاف بين الزوجة والزوج في الدين، أو لا يكون بينهما اختلاف أسري، أو مشاكل مثل: العقم، أو نشوزاً، أو عدم الاستقرار والسكينة، وتطلق كلمة امرأة حين توجد إحدى المشاكل في العقيدة، في الدين، أو الاختلافات الأسرية، أو النشوز، أو عيب خَلقي أو خُلقي، وكذلك كتبت بالتاء المفتوحة، وليس المربوطة. ارجع إلى سورة آل عمران آية (٣٠) لمعرفة الفرق.

стр. 3755

﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ﴾: قرتُ: مشتقة من قرَّ بالمكان أيْ: أقام وثبت وتعني السّكون والارتياح، ومشتقة من القرِّ: البرد الشّديد، والعين الباردة تدل على السّرور والعين السّاخنة تدل على الحزن والألم، أيْ: مبعث سكينة وسرور لي ولك، وقولها: لي ولك بدلاً من لنا، كما رأينا في آية الفرقان (٧٤) ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ تدل على قلة ارتباط امرأة فرعون بفرعون فكلّ منهما له شأنه. ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾: لا النّاهية لا تقتلوه: تؤكد على عدم قتله حيث كان القانون السّاري بقتل كلِّ ولد ذكر من بني إسرائيل؛ لأنّ فرعون رأى في المنام أنّ مصرعه سيكون على يد واحد من بني إسرائيل. ﴿عَسَى﴾: فعل من أفعال التّرجي، وتستعمل للمأمول حصوله وتحقُّقه. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري للتعليل والتّوكيد. ﴿يَنْفَعَنَا﴾ يساعدنا أو ننتفع منه في شيء ما. ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾: نتبناه ويصبح ابناً لنا بالتّبني وقيل: إنّ موسى كان يعرف بابن فرعون فقد ألقى الله سبحانه على موسى محبة منه فكان كلّ من رآه أحبه. ولنعلم: أن فرعون (رمسيس الثاني) كان له أولاد من زوجات أُخر غير هذه الزوجة التي كانت لا تنجب فقالت لفرعون: أوَنتخذه ولداً؟ فابنه منفتاح كان الولد الثالث عشر من زوجة أخرى. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: بعاقبة أمرهم وأنّهم كانوا خاطئين في التقاطه، واتخاذه ولداً لهم، وأنّ هلاكهم سيكون على يديه، أو لا يشعرون أنّه سيكون ولداً أم عدواً.

стр. 3756

سورة القصص [٢٨: ١٠] ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلَا أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾: الفؤاد قيل: هو القلب وبشكل أدق كما بيَّنت الدّراسات العلمية أن في القلب خلايا خاصة لها خاصية الذاكرة تشبه الخلايا العصبية في جهاز (لمبيك) في الدماغ، وقد يكون هناك اتصال بينهما من خلال الأعصاب الودية وغير الودية. ارجع إلى سورة الحج آية (٤٦) لمزيد من البيان. فارغاً: لها عدَّة معانٍ: ١ - خالياً من التّفكير في أي شيء سوى ذكر موسى وما حدث له أيْ: لا يغيب عن فكرها وذاكرتها ليلاً ونهاراً. ٢ - أيْ: نسيت ما أوحي إليها حين ألقته ونسيت الوعد ﴿وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]. ٣ - لم يعد لها عقل (ذهب عقلها) من شدة الخوف والجزع على موسى حين سمعت أنّه وقع في يد فرعون ولا أحد يطمئنها على موسى. ﴿إِنْ﴾: للتوكيد. ﴿كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ﴾: كاد من أفعال المقاربة، مقاربة حصول الإبداء، تبدي به أيْ: تخبر وتعلن للملأ، وتقول للناس: إنّ موسى ابنها ولكن لم يحصل ذلك بسبب الربط على قلبها. ﴿لَوْلَا﴾: حرف شرط.

стр. 3757

﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّوكيد. ﴿رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾: ألهمناها الصّبر أنزلنا عليها السّكينة، والرّبط يعني الشّد، أيْ: شددنا على قلبها بالصّبر والثّبات كما يربط الشّيء غير الثّابت ليستقر ويثبت ويسكن. ﴿لِتَكُونَ﴾: اللام لام التّوكيد والتّعليل. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: من بعضية، المؤمنين: المصدقين بوعد الله وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ولم يقل من المؤمنات؛ لأن المؤمنين تعني: المؤمنين والمؤمنات، من المؤمنين؛ أي: ثباتها وصبرها يشابه صبر الرجال بالشدة والقوة، والذين إيمانهم ثابت وراسخ، ولم يقل من الذين آمنوا. سورة القصص [٢٨: ١١] ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ لابنتها أخت موسى. ﴿قُصِّيهِ﴾: من القص: وهو اتِّباع الأثر أي: اتبعي أثره وراقبي إلى أين يذهب وتتبعي خبره ومصيره. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، جنب: عن بعد أو مكان لا يراها أحد، أو عن جنب راحت تراقب وتنظر باهتمام عن بعد إلى أين سيأخذه اليم وإلى أي مكان وصل بحيث لا يراها أحد. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: وهم: للتوكيد أنّ أخته تتبع أثره، وتراقب أين يذهب وتتقصَّى أثره وأخباره.

стр. 3758

سورة القصص [٢٨: ١٢] ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ﴾: على موسى تحريم منع لا تحريم شرع، أيْ: منعناه من قبول ثدي أية مرضع، قال تعالى: ﴿الْمَرَاضِعَ﴾ ولم يقل: المرضعات. ﴿الْمَرَاضِعَ﴾: جمع مرضع وهي المرأة الصّالحة أو القادرة على الإرضاع، ولكنها لا ترضع الآن حين يأتي وقت الإرضاع ترضع، أمّا المرضعات: جمع المرضعة فتطلق على المرأة الّتي تقوم بعملية الإرضاع الآن والطّفل في حضنها وهي ترضعه. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل أن نرده إلى أمّه ليرضع منها ومن تعني من قريب، أو من قبل تعني حرمنا عليه المراضع اللاتي أحضرن لقصر فرعون ليرضعن موسى من قبل أن تحضر أمّ موسى لترضعه، ومن قبل: أيْ: من سابق علم الغيب من قضاء الله مسبقاً من قبل ولادته وكل المعاني محتملة. ﴿فَقَالَتْ﴾: أخته بعد أن انتشر الخبر في المدينة أنّه لا يرضع ولا يقبل ثدي أيِّ مرضع تحضر إليه، قالت وهم لا يعرفون أنّها أخته. ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾: هل استفهامية فيها معنى العرض واللهفة على الدّلالة وأقوى من الهمزة في الاستفهام كقوله: أأدلكم، من أدلكم: أخبركم على أهل بيت يكفلونه: من الكفالة وهي التزام بأداء ما تكفل به إلى صاحب الحق عند المطالبة، يكفلونه لكم: الكفالة: أي: الالتزام بإرضاعه لكم، لكم: اللام لام الاختصاص لكم خاصة.

стр. 3759

﴿وَهُمْ لَهُ﴾: هم: للتوكيد، له: تقديم له يفيد الحصر له تعود على موسى. ﴿نَاصِحُونَ﴾: حافظون راعون مشفقون، قال ابن عبّاس: فلما قالت ذلك ظنوا أنّها تعرف موسى وتعرف أهله، فأنكرت ذلك، وغيرت كلامها وبإلهام من الله تعالى: نجت من الفتنة أو المحنة. وانتبه إلى قوله يكفلونه لكم وهم له ناصحون: يكفلونه: جملة فعلية، وهم له ناصحون: جملة اسمية أقوى من الجملة الفعلية؛ لأنّ الكفالة تعد أمراً سهلاً بالنّسبة للنصح الّذي يعني: الإخلاص والرّعاية والتّربية، فلو اكتفت أخت موسى بالقول يكفلونه لكم، لربما لم تتعرض لهذه الفتنة الّتي سببها حرصها على موسى وشفقتها عليه لكونها أخته. سورة القصص [٢٨: ١٣] ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، رددناه: أيْ: نحن للتعظيم، رددناه: ارجع الآية (٧) من نفس السّورة للبيان. ﴿كَىْ﴾: تستعمل للتعليل الحقيقي أو معرفة الغرض الأوّل الحقيقي للرد الّذي هو أن تقر عينها ولا تحزن، ولم يستعمل اللام كقوله لتقر عينها؛ لأن كي تستعمل لبيان الغرض الحقيقي، واللام تستعمل للتعليل وغير التعليل، فاللام أوسع شمولاً من كي. ﴿تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾: تطمئن وتسكن وترتاح، وكذلك تسر. ارجع إلى الآية (٩) من نفس السّورة لبيان معنى تقر عينها.

стр. 3760

﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾: الحَزَن: الشّعور بالغم الثّقيل والألم الممتد لفترة طويلة على فراقه وغيابه عنها، إذن كي تقر عينها ولا تحزن هو الغرض الحقيقي الأوّل من ردِّه إليها، ولتعلم ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هو الغرض الثاني. ﴿وَلِتَعْلَمَ﴾: الواو للتوكيد، واللام للتوكيد. ﴿أَنَّ﴾: لزيادة التّوكيد. ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: الوعد: هو حين وعدها سبحانه بقوله: إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين. ﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك. ﴿أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أنّ الله سبحانه لا يخلف وعده أو أنّ وعد الله حق ثابت لا يتغير ولا يتبدل، وهناك القليل من يعلمون ذلك. ولو قال تعالى: كي تقر عينها ولا تحزن وكي تعلم أنّ وعد الله حق لكان ذلك يعني: أنّها تجهل أنّ وعد الله حق وهي لا تجهل ذلك، ولذلك حذف كي تعلم وأبدلها لتعلم: اللام للتوكيد. ليؤكد لها وعد الله تعالى.

стр. 3761

سورة القصص [٢٨: ١٤] ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿وَلَمَّا﴾: الواو استئنافية، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين. ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: أيْ: موسى بلغ أشده بعد أن نشأ وشب في قصر فرعون، وبلغ أشده: أيْ: كامل القوة البدنية قيل: بلغ (٣٠) سنة أو (٤٠) سنة. ﴿وَاسْتَوَى﴾: بلغ كامل القوة العقلية قيل: (٤٠) سنة، أو اكتمل شبابه، واكتملت قوته البدنية، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٢) من سورة يوسف وهي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، ولم يذكر واستوى؛ أي: اكتمل شبابه، ولم يقل واستوى التي تدل على القوة البدنية. ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾: لمعرفة معنى الإيتاء أو العطاء ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة، حكماً: قيل النّبوة ومعرفة الأحكام الشرعية، وتعني الحكمة وعلماً بالله تعالى وهو أفضل العلوم وبشريعة بني إسرائيل - شريعة إبراهيم ويعقوب. ﴿وَكَذَلِكَ﴾: أيْ: مثل ذلك كما آتينا موسى الحكم والعلم، نؤتي المحسنين أمثاله. ﴿نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾: جمع محسن: نؤتيهم الحكم والعلم بالكتب المنزلة والفقه في الدّين أو آتينا موسى الحكم والعلم؛ لأنّه من المحسنين. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٢) لبيان معنى الإحسان.

стр. 3762

سورة القصص [٢٨: ١٥] ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُبِينٌ﴾: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾: الواو هنا لا تدل على التّرتيب إنما هي لمطلق الجمع، فليس تعني أتيناه الحكم والعلم، ثم دخل المدينة، وإنما تعني دخل المدينة قبل إيتائه النّبوة. أي: دخل موسى المدينة: قيل: هي مدينة منف تقع على مسافة (٢٨) كم جنوب القاهرة قرب ميت رهينة بالبدرشين بالجيزة، وبها أهرامات سعارة وكانت المدينة الأولى آنذاك. ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾: حيث كان القبط في بعض المدن المزدحمة بالسّكان يمنعون بني إسرائيل دخول مدنهم، لذلك اختار موسى وقت غفلة النّاس، أيْ: زمن القيلولة حوالي منتصف النهار والنّاس في بيوتهم، وقيل: لكون موسى كان يعيب على قوم فرعون دينهم فكانوا يخافونه وهو يخافهم، فكان لا يدخل إلا مستخفياً، وفي يومٍ دخل موسى المدينة، دخلها وقت القيلولة وهو الأرجح وقت الظّهيرة وقد أغلقت أسواقها وليس في طرقها إلا قلة من المارة، أو وقت بين المغرب والعشاء دخل المدينة بعد مدة طويلة من عدم دخولها ونسوا ذكره. ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾: هذا من شيعته: أيْ: من بني إسرائيل، وهذا من عدوه: يعني: من الأقباط، والعدو: يمكن تذكيره للواحد أو الجمع. ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِى مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة بعد الدّخول، استغاثه: طلب منه الغوث: أي: العون

стр. 3763

والمساعدة أو النجدة السّريعة. وكان موسى يتمتع بقوة في البدن، وتبين لموسى أن القبطي هو الذي بدأ بقتال الإسرائيلي فحاول موسى الدفاع عن المظلوم ودرء خطر الظالم عن المظلوم، ولم يتعمد قتل القبطي، والأقباط يومها كانوا يعبدون الأصنام، ولم يكن موسى آنذاك نبياً ولا رسولاً؛ فوكزه موسى: الفاء للمباشرة، الوكز في اللغة: نوع من الضرب بمجمع اليد على الذقن؛ أي: الرأس، وقيل: على الصدر في مكان القلب، فقضى عليه: فمات القبطي مباشرة من أثر الوكز، وندم موسى؛ أي: وكزه ولم ينوي قتله. ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُبِينٌ﴾: هذا الوكز الّذي أمات هذا الإنسان لم يكن في نيته أو يقصده، ولذلك قال: هذا من عمل الشّيطان: قال موسى ﵇ معترفاً بأنّ ضربة القبطي كانت من نزع الشّيطان، أيْ: من تهيج وإثارة الشّيطان له. إنّه عدو مضل مبين: إنّه تعود على الشّيطان للتوكيد عدو لبني آدم، مضل له عن الهدى والصّواب بالخطأ والإضلال بالوسوسة والتّزين والنزع، مبين: ظاهر العداوة كلّ بني آدم يعلمون أنّه عدو مبين وأنّ عداوته لا تخفى على أحد وهي ظاهرة للعيان، لا تحتاج إلى دليل ولا برهان. عدو مضل مبين: ثلاث صفات وصف بها الشّيطان في آن واحد عدو، مضل، مبين: أسماء فاعل: صفات ثابتة في الشّيطان. سورة القصص [٢٨: ١٦] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿قَالَ رَبِّ﴾: موسى، ولم يقل: يا رب؛ لأنّه يعلم أنّ ربه قريب منه فلا يحتاج إلى أداة النّداء للبعد. ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.

стр. 3764

﴿ظَلَمْتُ نَفْسِى﴾: بقتل هذا القبطي، مباشرة يعترف موسى بذنبه وظلمه لنفسه فيستغفر ربه ويبادر بالتّوبة والاستغفار. ﴿فَاغْفِرْ لِى﴾: أي: استر ذنبي ومحوه ولا تعاقبني عليه. ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾: بعد توبته. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: إنّ للتوكيد، وهو للحصر والتّأكيد، وهو الغفور الرّحيم: الغفور صيغة مبالغة كثير المغفرة، الرّحيم بعباده فلا يعذبهم بذنب تابوا منه، والسّؤال: هل أعلم الله سبحانه موسى أنّه غفر له أم لم يعلمه، قال بعض المفسرين أنّ موسى لم يعلم بمغفرة الله له؛ لأنّه لم يكن نبياً بعد، وقد نُبِّئ بعد نبوته، وقول موسى في الآية القادمة: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ﴾ لا تشمل أو يقصد بها المغفرة؛ المغفرة على قتل القبطي، وإنما النّعم الأخرى، ومن المفسرين من قال: إنّ موسى علم بمغفرة الله له؛ ولذلك قال: فلن أكون ظهيراً للمجرمين، والله أعلم. سورة القصص [٢٨: ١٧] ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا﴾: قال موسى: رب بما: الباء للإلصاق والتّعليل، ولم يستعمل ياء النداء للبعد. ﴿أَنْعَمْتَ عَلَىَّ﴾: بالعلم والحكمة والقوة والنّعمة تستوجب الشّكر. ﴿فَلَنْ﴾: الفاء للتوكيد، لن حرف نفي تنفي المستقبل القريب والبعيد. ﴿أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾: مُعيناً لأيِّ مجرم على إجرامه مهما كان سواء كان من شيعته أو من عدوه، وظهيراً مشتقة من الظّهر. ارجع إلى الآية (٥٥) من سورة الفرقان للبيان.

стр. 3765

والمجرم هو الكافر أو المشرك المفسد والقاتل أو المهلك للحرث والنّسل، وهذا يدل على أنّ الإسرائيلي الّذي أعانه موسى تبين له أنه كان كافراً، انتبه لم يقل: فلن أكون ظهيراً للمجرمين إن شاء الله، فابتلي به مرة أخرى؛ لأنّه لم يستثنِ كما قال ابن عبّاس كما سنرى في الآية القادمة. سورة القصص [٢٨: ١٨] ﴿فَأَصْبَحَ فِى الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِى اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُبِينٌ﴾: ﴿فَأَصْبَحَ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة. ﴿فَأَصْبَحَ فِى الْمَدِينَةِ﴾: الّتي قتل فيها القبطي. ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾: ينتظر السّوء أو المكروه أو الضرر ينتظر بحذر وقلق ويتوقع أن يقبض عليه ويؤخذ إلى السّجن، أو ينتظر ما سيفعل به والتّرقب هو الانتظار والمراقبة بكل الوسائل لكي لا يفوته شيء. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء للتوكيد، إذا الفجائية. ﴿اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ﴾: طلب النّصرة والعون منه (أي: الإسرائيلي) الألف والسّين وتعني: الطّلب. ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾: يصرخ وينادي على موسى أن ينصره ويُعينهُ مرة أخرى. ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾: للإسرائيلي. ﴿إِنَّكَ﴾: للتوكيد. ﴿لَغَوِىٌّ﴾: اللام للتوكيد، غوي: ذو غواية أيْ: حب للفساد والقتل وقطع الطّريق، والغوي عنده عقيدة فاسدة. ارجع إلى سورة الحجر آية (٤٢) لمزيد من البيان.

стр. 3766

﴿مُبِينٌ﴾: ظاهر الغواية والضّلال والفساد وتحب الإجرام. غوي مبين: أيْ: غوايتك لا تخفى على أحد، ولا تحتاج إلى دليل وبرهان ظاهرة لوحدها. سورة القصص [٢٨: ١٩] ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِى الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، لما ظرفية زمانية بمعنى حين. ﴿أَنْ﴾: مجيء أن الخفيفة بعد لما تفيد الإبطاء وعدم التّسرع؛ أي: فلم يندفع ويسرع كما فعل بالمرة السّابقة، وكان متردداً، ولم يكن عازماً على البطش. ﴿أَرَادَ﴾: موسى. ﴿أَنْ يَبْطِشَ﴾: أيْ: يضرب بيده. ﴿بِالَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾: أيْ: بالقبطي الجديد الّذي من قوم فرعون، أو قد تعني بالإسرائيلي الّذي هو من شيعته فهو عدو لموسى لقوله له: إنّك لغوي مبين. ولما كان خبر قتل موسى للقبطي بالأمس قد انتشر وشاع بالمدينة. ﴿قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾: القائل قد يكون القبطي الجديد. وقد يكون القائل هو الإسرائيلي الّذي من شيعة موسى؛ حيث ظن أنّ موسى حاقد عليه لقوله: إنّك لغوي مبين، فقال الإسرائيلي: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، وهذا هو المرجح عند علماء التفسير، وبالأمس تعني: البارحة. ﴿أَتُرِيدُ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل.

стр. 3767

﴿تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾: بالأمس: أي: البارحة، وقد تعنيك أحياناً الماضي. ﴿إِنْ﴾: وتفيد النّفي حرف نفي أي: ما تريد. ﴿تُرِيدُ إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِى الْأَرْضِ﴾: أن: للتوكيد. الجبار: شديد البطش الّذي يُكْره النّاس على فعل ما لا يرغبون فعله ولا يرحم. والجبار هو أيضاً الذي يتعاظم بالقهر والقتل والتسلط على الناس. ﴿وَمَا﴾: النّافية. ﴿تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾: أيْ: بدلاً من محاولة قتلي لما لا تحاول الإصلاح بيني وبينه وتكون من المصلحين. أو تتجنَّب قتلي كما قتلت نفساً بالأمس، وشاع الخبر في المدينة وعلم الرجل الصالح ذلك، أو وصل الخبر إلى قصر فرعون فعلم فرعون بذلك وتشاور مع ملئه، وكان من بينهم الرّجل الصّالح الّذي جاء من أقصى المدينة يسعى ليخبر موسى بأن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك. سورة القصص [٢٨: ٢٠] ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ﴾: جاء من المجيء والمجيء فيه معنى الصّعوبة والمشقة، ولم يقل: وأتى الّذي فيه معنى السّهولة. ﴿رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ﴾: قيل: كان ابن عم فرعون، وقيل: ولي عهده، وقيل: صاحب الشرطة وقيل: هو الرّجل المؤمن من آل فرعون الّذي يكتم إيمانه، والّذي ورد ذكره في سورة المؤمن (غافر) كما قال ابن عباس، وقال أكثر أهل التفسير، وهو المرجح.

стр. 3768

من أقصى المدينة: من أبعد أطرافها وآخرها، المدينة: القرية إذا اتسعت تسمَّى مدينة. ﴿يَسْعَى﴾: يُسرع يمشي مسرعاً. ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ﴾: إن للتوكيد. ﴿الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾: الملأ: وجهاء القوم أيْ: رؤساء القوم أو الحكام يتشاورون فيك ليقتلوك أو يتأمرون على قتلك، وقال: يأتمرون: لأن كلّ المتشاورين يأمر بعضهم بعضاً بقتلك. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (٢٤) لبيان معنى الملأ. ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾: اللام لام التّوكيد. ﴿فَاخْرُجْ﴾: الفاء للمباشرة، اخرج الآن من المدينة حالاً. ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾: لك خاصة، اللام لام الاختصاص، من: ابتدائية، الناصحين: فاستمع لقولي لنصيحتي بالخروج. لنقارن هذه الآية (٢٠) من سورة القصص وهي قوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾. مع الآية (٢٠) من سورة يس: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾. الرّجل في سورة القصص جاء ليحذر موسى فقط ليخرج من المدينة والرجل ليس مهدداً بالقتل أو أيِّ خطورة، أما الرّجل في سورة يس فجاء ليحذر

стр. 3769

القوم باتِّباع المرسلين، فهو جاء للتبليغ والدّعوة وإعلان إيمانه وتأييد الرّسل ومجيئه فيه خطر شديد على نفسه بالقتل. إذن الرّجل في سورة يس مهدَّد بالقتل ومهمته أهم وأشد من الرّجل في سورة القصص. كلاهما جاء يسعى مسرعاً أحدهما ليحذر موسى والآخر ليدعو قومه بالإيمان بالرّسل. وهناك فرق بين: وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، وقوله تعالى: وجاء رجلٌ من أقصى المدينة: قدَّم الرّجل في آية القصص الّذي جاء من أقصى المدينة، أيْ: جاء في ذلك اليوم من أقصى المدينة؛ لأنّه كان في ذلك اليوم في أقصى المدينة، ولم يكن يسكن أقصى المدينة، وأما جاء من أقصى المدينة رجلٌ، (فأخَّر كلمة رجل في آية يس)؛ لأنّه كان ساكن في أقصى المدينة، ويحتاج زمناً للخروج من بيته. فقدَّم أقصى المدينة على كلمة رجل في آية ياسين وقدم الرجل على أقصى المدينة في آية القصص. سورة القصص [٢٨: ٢١] ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿فَخَرَجَ﴾: الفاء للتعقيب. ﴿مِنْهَا﴾: من المدينة. أيْ: موسى. ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾: يلتفت يمنةً ويسرةً خوفاً من أن يلحق به أحد أو يراه أحد أو يترقَّب متابعة أحد له. ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أيْ: قوم فرعون وقومه.

стр. 3770

سورة القصص [٢٨: ٢٢] ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّى أَنْ يَهْدِيَنِى سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: ﴿وَلَمَّا﴾: الواو استئنافية، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين. ﴿تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾: توجَّه: قصداً بوجهه مدين. أيْ: خرج من مصر هارباً متجهاً إلى مدين في طريق لم يسلكه سابقاً، ومن دون طعام أو شراب ومن دون دابة يركب عليها. ﴿قَالَ عَسَى﴾: عسى من أفعال الرّجاء الّتي يتوقع حدوثها بعد الرّجاء. ﴿رَبِّى أَنْ يَهْدِيَنِى سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: أن يهديني أفضل الطّرق، أيْ: أوسطها، أي: الطّريق السّهل الّذي يخلو من العقبات لكي لا أضل عن الطّريق، وجاء بياء المتكلم يهديني لأنها هداية خاصة لظرف معين خاص بموسى وهو التوجه تلقاء مدين؛ فهو يطلب هداية كاملة شاملة إلى طريق مدين؛ لأنه لا يعلم الطريق أبداً. ولمقارنة هذه الآية (٢٢) من سورة القصص وهي قوله: ﴿عَسَى رَبِّى أَنْ يَهْدِيَنِى سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ مع الآية (٢٤) من سورة الكهف، وهي قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ ارجع إلى سورة الكهف آية (٢٤). سورة القصص [٢٨: ٢٣] ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾: ﴿وَلَمَّا﴾: الواو استئنافية، لما ظرفية وزمانية بمعنى حين. ﴿وَرَدَ﴾: وصل أو جاء. ﴿مَاءَ مَدْيَنَ﴾: بئر كانوا يسقون منها مواشيهم وأنعامهم.

стр. 3771

﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾: أمة جماعة، يسقون مواشيهم أو أنعامهم. ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾: أيْ: بعيداً عن الماء (البئر) وعن النّاس الّذين يسقون امرأتين لوحدهما تنتظران الاقتراب من البئر. ﴿امْرَأَتَيْنِ﴾: بنتا شعيب ﵇. ﴿تَذُودَانِ﴾: تمنعان ماشيتهما عن الشّرب من الحوض لكثرة الزّحام على الماء أو بالاختلاط بمواشي الآخرين والذَّوْد هو الطّرد والدّفع، أي: امرأتين تحبسان من كثرة الزّحام من الاقتراب من البئر. ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ قال: سألهما موسى: ما شأنكما؟ وفيه تعجُّب لماذا تمنعان الغنم من السقيا والشرب؟ والخطب: الأمر العظيم الّذي يكثر فيه السّؤال والجواب. ﴿قَالَتَا﴾: أيْ: بنتا شعيب. ﴿لَا نَسْقِى﴾ لا النّافية، نسقي مواشينا. ﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية. ﴿يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾: حتّى ينتهي الرعاءُ من السقي. يصدر الرعاء: ينصرف أو يرجع الرعاء والمنصرف عن الماء بعد السقاية يقال له صادر والقادم إلى الماء (البئر) للسقاية يقال له وارد. والرعاء: جمع راعٍ. اسم فاعل من فعل رعى. ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾: شيخ لا يقوى على السّقي لكبر سنه وضعفه، يعني: نحن امرأتان لا نزاحم الرّجال ولا نخالطهم حتّى ينتهوا من سقي مواشيهم، ثم نسقي حين ينصرفون.

стр. 3772

وانتبه إلى لفظ كلمة يُصدِر الرّعاء: بضم الياء وكسر الدال؛ أيْ: حين يَرُدُّ الرّعاء غنمهم عن الماء، أما يَصْدُر الرّعاء بفتح الياء وضم الدال فتعني: يرجع الرّعاء عن الماء. سورة القصص [٢٨: ٢٤] ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾: ﴿فَسَقَى﴾: الفاء تدل على المباشرة والتّعقيب سقى لهما مواشيهما. ﴿ثُمَّ﴾: تدل على التّرتيب الذّكري، وليس التّراخي في الزّمن. ﴿تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾: ذهب وانصرف إلى الظّل يدل على أنّه كان يوماً حاراً، إلى ظل شجرة. ﴿فَقَالَ﴾: الفاء تدل على المباشرة، قال دعا ربه. ﴿رَبِّ﴾: اختار صفة الرّبوبية؛ لأنّ الرّب هو الّذي يطعم ويسقي ومدبر الأمر والرّزاق، ولم يأت بياء النّداء الدّالة على البعد؛ لأنّه يشعر أنّ ربه قريب منه. ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿لِمَا﴾: ما اسم موصول بمعنى الّذي وأوسع شمولاً من الذي. أنزلت إلي: سخرت إلي. ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ من بعضية خير أيْ: طعام. ﴿فَقِيرٌ﴾ يبدو أنّ الجوع قد عصف به بعد رحلة طويلة شاقة بلا زاد فقد قيل: كان يأكل بقل الأرض وأنزل إليّ من خيرك أيْ: سخر لي عبداً من عبادك يطعمني. تصوَّر، هذا موسى ﵇ الّذي قال تعالى عنه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى﴾ [طه: ٣٩]، ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ [طه: ٤١]. يُبتلى بقتل القبطي فيخرج من مصر هارباً إلى مدين بلا طعام ولا شراب،

стр. 3773

ويعصف به الجوع فيقول: ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وهذا يفسر قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]. سورة القصص [٢٨: ٢٥] ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: وبمجرَّد أن انتهى من الدعاء ﴿رَبِّ إِنِّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. ﴿فَجَاءَتْهُ﴾: الفاء للمباشرة والتّوكيد. ﴿إِحْدَاهُمَا﴾: البنت الصّغيرة أو الكبيرة لم يصرِّح من هي، جاءته إحداهما. ﴿تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾: استحياء (مصدر من الفعل استحى) على وزن استفعال مجهدةً نفسها على: تفيد الاستعلاء والمشقة؛ أي: على التزام الحياء أو كأن الحياء مَركب أو سفينة، وهي متحكِّمة به تسير كيف تشاء، وقيل: كانت واضعة كم درعها على وجهها حياء، أو تمشي برفق وأدب، والاستحياء يظهر عليها، ولم يقل تمشي مستحية، وعلى استحياء أشد من مستحية، ومنهم من قال: على استحياء تعني: ليس فقط المشي، بل قد تعني القول أيضاً؛ أي: على استحياء في المشي والقول، والمعنى يحتمل كلا الأمرين. ﴿قَالَتْ﴾: لموسى. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ﴾: اللام لام التّعليل، التّوكيد إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للتعقيب، لما: أيْ: حين جاء موسى إلى شعيب. ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾: القَصَصَ: مصدر يطلق على ما يُروى من الأخبار؛ أي: فلما جاءه وقص عليه أخباره وحدثه بها، والقص: هو تتبع ما حدث بالفعل،

стр. 3774

لا لَبْس فيه ولا خيال؛ أي: أصدق القَصَص، قص موسى ما حدث له في مصر بصدق وأمانة. ارجع إلى سورة يوسف آية (٣) لمزيد من البيان. ﴿قَالَ لَا تَخَفْ﴾ قال شعيب لموسى: لا: النّاهية، أي: اطمئن واهدأ. والخوف: هو توقُّع الضرر المشكوك في حصوله .. ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أي: من قوم فرعون، الظّالمين: المشركين أو المجرمين ـ أيْ: لن يصلوا إليك … سورة القصص [٢٨: ٢٦] ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَئْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ﴾: نداء فيه حنان وعطف واستعملت ياء النّداء. ﴿اسْتَئْجِرْهُ﴾: اطلب منه أن يعمل لنا أجيراً كي يقوم مقامنا في السعي وسقي الماشية. ﴿إِنَّ خَيْرَ﴾: إن: للتوكيد، أفضل من استأجرت. ﴿الْقَوِىُّ﴾: كيف عرفت أن موسى قوي أمين، قوي حين أزاح الصّخرة الّتي كانت على فتحة البئر ليسقي لهما ولا يقدر على إزاحتها عدة أشخاص. ﴿الْأَمِينُ﴾: حين سألها أن تسير خلفه وهي عائدة معه إلى أبيها، ولم يبدُ منه أيُّ سوء. سورة القصص [٢٨: ٢٧] ﴿قَالَ إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَىَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ﴿قَالَ إِنِّى﴾: قال شعيب لموسى، إني: للتوكيد. ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾: أريد أن أزوجك، أن: حرف مصدر يفيد التّعليل والتّوكيد.

стр. 3775

﴿إِحْدَى ابْنَتَىَّ هَاتَيْنِ﴾: هي سألت أبيها أن يستأجره فجاء الأب باقتراح أو حلٍّ آخر ـ وهو الأفضل ـ أن يتزوج موسى بإحداهما لكي يحلُّ له الدّخول والخروج والإقامة مع عائلته فلا حلَّ إلا الزّواج. ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ﴾: حجج: جمع حجة: اسم للعام، وبادر شعيب بسؤال موسى عن ذلك فاستجاب موسى بالقبول بعد أن بيَّن شعيب المهر أو الصّداق لموسى وهو أن يعمل موسى أجيراً عند شعيب لمدة (٨) سنوات أو حجج على الأقل. ولماذا اختار كلمة حجج بدلاً من عام، أو سنة؟ انظر في نهاية الآية. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾: أراد شعيب أن يرفع من قيمة ابنته فقال فإن: شرطية تفيد الاحتمال والشّك، أتممت عشراً: بدلاً من ثمانٍ، من عندك: أي: تفضلاً منك لا إلزاماً عليك. أي: اختر ما شئت (٨) أو (١٠) حجج. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ﴾: ما النّافية، أريد أن: للتوكيد. ﴿أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾: أي: بالعشر. ﴿سَتَجِدُنِى﴾: السّين للاستقبال القريب. ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال، من الصّالحين: ارجع إلى (١٣٠) من سورة البقرة للبيان. لماذا اختار كلمة ثماني حجج بدلاً من سنة أو عام، الحج يتم مرة في العام فالحج ينوب عن كلمة عام وسنة. واستعمل حججاً؛ لأنّ شعيب يعلم أنّ موسى ﵇ سيعود إلى مصر، ولن يبقى في مدين فهو كالحاج الزّائر لا بُدَّ أن يعود إلى بلاده، وقيل: إنّ موسى أتم العشر أبعدَ الأجلين.

стр. 3776

سورة القصص [٢٨: ٢٨] ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَىَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ﴿قَالَ﴾: موسى. ﴿ذَلِكَ﴾: ذا اسم إشارة واللام للبعد، ويشير إلى العرض الّذي عرضه عليه شعيب بالعمل له ثماني حجج، فإن أتم عشراً فمن عنده وله الخيار. ﴿بَيْنِى وَبَيْنَكَ﴾: أي: قبلت به. ﴿أَيَّمَا﴾: أيما مركبة من (أي + ما) أيَّ شرطية هنا وليست استفهامية، وما: للتوكيد. كقوله: ﴿فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠]. ﴿الْأَجَلَيْنِ﴾: ثماني حجج أو عشر حجج. ﴿قَضَيْتُ﴾: أتممت ذلك فقد برئتُ من العهد. ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَىَّ﴾: الفاء للتوكيد، لا النّافية، عدوان عليَّ: لا حرج عليَّ وليس لك أن تطالبني بزيادة على ذلك. ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾: أي: شهيد ورقيب وكافٍ، قيل: هذا من قول موسى، وقيل: هذا من قول شعيب، لا يهم من القائل المهم المقولة. ومن الملاحظ أن الآيات لم تذكر شيئاً مما حدث لجوع موسى، وقد ذكر بعض المفسرين أنّ شعيباً قدَّم لموسى الطّعام فأبى موسى أن يأكل إذا كان الطّعام مقابل ما سقى لهما فقال موسى: نحن قوم لا نبيع الآخرة بالدّنيا، فقال شعيب: نحن من أهل بيت يطعمون الطّعام ونقري الضّيف وليس مقابل ما سقيت لنا، عندها أكل موسى ﵇.

стр. 3777

سورة القصص [٢٨: ٢٩] ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّى آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّى آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين. ﴿قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾: قضى: أتم، موسى الأجل: هو الوقت المضروب لانتهاء مدة الاستئجار أي: أتم موسى العمل عند شعيب عشر سنوات فهو قد قضى أقصى الأجلين. ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾: سار: من السّير أي: سار راجعاً إلى مصر من مدين، والسير قد يكون لغرض أو هدف وباتجاه معين، وأما المشي: هو مجرد الانتقال من مكانه وليس هناك هدف محدد له؛ بأهله: الباء للإلصاق، أهله: زوجته وابنه وتابعه، وتسمَّى الزّوجة الأهل؛ لأنّها تقوم بكثير من المهام والأعمال تغني عن كثير من أهل الرجل. ﴿آنَسَ﴾: شعر وأحس بشيء يؤنسه ويريحه ويطمئنه ضد التّوجس. ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾: أي: رأى ناراً منبعثة من جانب الطّور: الطّور الجبل، ولكن الطّور أقل حجماً من الجبل وهو طور سيناء، موسى رأى ناراً أي: ظنها ناراً، ولكنّها في الحقيقة نورٌ يتلألأ من الشجرة الخضراء. ارجع إلى سورة النّمل آية (٨) للبيان. ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾: قال موسى لأهله: امكثوا: انتظروا هنا. ﴿إِنِّى آنَسْتُ نَارًا﴾: إني: للتوكيد، أنست ناراً.

стр. 3778

﴿لَّعَلِّى آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾: لعلي: فيها معنى الرجاء والأمل وعدم التّيقن والجزم؛ لأنّه غير متأكد فقد تنطفئ النّار أو تخمد بينما لو قال: سآتيكم منها بخبر: تدل على الجزم والتّأكد، فقد يبدأ الإنسان بكلمة لعلِّي، ثم يتحول إلى الجزم أو بالعكس. ﴿بِخَبَرٍ﴾: لكونه ضل الطّريق، وقيل: كانت ليلة باردة ممطرة وغير متأكد من الاتجاه، فهو بحاجة إلى من يدلُّه على الطّريق وبحاجة إلى شيء يتدفؤون به من البرد القارس. ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾: جمرة من النّار وهو ما يبقى من الحطب المشتعل بعد أن يخمد اللهب، الجذوة جمرة تكون من دون لهب، أو الجذوة قد تكون قبساً أو غير قبس. ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾: لعلكم من لعل للترجي والتّعليل، تصطلون: من الاصطلاء، وهو الدّنو من النّار للدفء يقال: اصطلى، يصطلي إذا استدفأ؛ أي: لعلكم تتدفؤون. ولو قارنا بعض هذه الآيات من سورة القصص مع بعض الآيات من سورة النمل تجد في سورة القصص: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [آية: ٢٩]، في سورة النمل: ﴿إِنِّى آنَسْتُ نَارًا﴾ [آية: ٧]. في سورة القصص: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [آية: ٢٩]، في سورة النمل: لم يقل امكثوا. في سورة القصص: ﴿لَّعَلِّى آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ﴾ [آية: ٢٩]، في سورة النمل: ﴿سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [آية: ٧]. في سورة القصص: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [آية: ٢٩]، في سورة النمل: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [آية: ٧].

стр. 3779

هذه الاختلافات لا تدل على تناقض في أقوال موسى، وإنما هي أقوال قالها رداً على الحوار والأسئلة التي حدثت بينه وبين أهله في موقف واحد مثلاً قال: (سآتيكم منها بخبر)، قالوا: سنأتي معك، قال لهم: (امكثوا هنا)، قال: (سآتيكم منها بخبر) بكل تأكيد، ثم رجع عن قوله بالقول (لعلي)؛ لأنه غير متأكد، قال: (شهاب قبس) ملتهبة، ثم قال: (إذا لم أجد آتيكم منها بجذوة)، فالله سبحانه ينقل لنا الصورة الحقيقية لما حدث في تلك الليلة. ارجع إلى سورة النمل، وسورة طه لمزيد من البيان والمقارنة. سورة القصص [٢٨: ٣٠] ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِىَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، لما. ﴿أَتَاهَا﴾: من الإتيان، المجيء بسهولة، ولازال في طريقه للوصول إلى المكان المقصود لم يصل بعد، ولم يقل: فلما جاءها: المجيء فيه صعوبة والمجيء أعم ويعني قد وصل إلى المكان المقصود. والطّريق إلى الطّور قسم منه قد يكون سهلاً، وقسم قد يكون صعباً ووعراً. ﴿نُودِىَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾: من شاطئ الوادي الأيمن بالنّسبة لموسى أو القادم إلى الطّور. والشاطئ: اسم للبر الملاصق للبحر. ﴿فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾: البقعة: اسم للجزء من الأرض، وفي سورة طه آية (١٢) قال تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. ﴿أَنْ يَامُوسَى﴾: أن تفيد التّوكيد واليقين. ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿أَنَا اللَّهُ﴾: أنا: بصيغة المفرد للدلالة على التّوحيد، الله: اسم العلم الدّال على ذات الله العليَّة واجب الوجود، اسمه الجامع لكل صفاته وأسمائه الحسنى.

стр. 3780

﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: رب بصيغة توحيد الرّبوبية والرّب الخالق الرّزاق والمدبر والمربي، فهو سبحانه جمع بين الألوهية والرّبوبية معاً واصفاً ذاته العلية قبل أن يوحي إلى موسى ما أوحى، وفي ذلك تثبيت لقلب موسى في ذلك المقام الرهيب. ولو قارنا هذه الآية من سورة القصص مع آيات سورة النمل لوجدنا اختلافات أخرى مثل: في سورة القصص: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ [آية: ٣٠]، في سورة النمل: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾. في سورة القصص: ﴿نُودِىَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى﴾ [آية: ٣٠]، في سورة النمل: ﴿نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِى النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [آية: ٨]. في سورة القصص: ﴿إِنِّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [آية: ٣٠]، في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آية: ٩]. تفسير ذلك: أتاها (وهو في طريقه لم يصل بعد): ﴿نُودِىَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ولما جاءها (وصل إلى النار): ﴿نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِى النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. سورة القصص [٢٨: ٣١] ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾: وأن: تدل على البطء، وعدم التسرع، ورأينا هذا في سورة الأعراف الآية (١١٧): ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾، بينما في سورة النمل قال تعالى لموسى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ التي تدل على المباشرة في النداء بدون استعمال (أن).

стр. 3781

﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، لما بمعنى حين. ﴿رَآهَا﴾: رأى العصا قد تحولت إلى حية تهتز كأنّها جانٌّ تتحرك كالجان أو حركة الجان، أي: بسرعة شديدة يمنة ويسرة. ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾: انصرف راجعاً مولِّياً ظهره للحية. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾: ولم يلتفت إلى الوراء. ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾: ناداه ربه: يا موسى ارجع ولا تخف من الحية، وكان ذلك في أول اختبار لموسى مع العصا حيث ظهرت عليه علامات الخوف، وولى هارباً كما رأينا في سورة طه آية (٢٠)، وسورة النمل آية (١٠). ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾: إنّك: للتوكيد. الآمنين: جمع آمن والآمنين جملة اسمية تفيد الثّبوت، أي: أمان ثابت مستمر. ولو قارنا هذه الآية من سورة القصص مع آيات سورة النمل؛ لوجدنا اختلافات أخرى مثل: في سورة القصص: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [آية: ٣١]، في سورة النمل: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ [آية ١٠]. في سورة القصص: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾ [آية: ٣١]، في سورة النمل: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾ [آية: ١٠]. في سورة القصص: ﴿وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [آية: ٣١]، في سورة النمل: ﴿إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [آية: ١٠]. أحداث ومشاهد لموقف واحد. ارجع إلى سورة النمل وسورة طه للمزيد من البيان والمقارنة. سورة القصص [٢٨: ٣٢] ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ

стр. 3782

مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: هذه آية أخرى إلى فرعون وملئه. ﴿اسْلُكْ﴾: أدخل يدك في جيب قميصك (وهو الشّق الّذي يدخل معه الرّأس في الثّوب ليلبس) فتحة القميص العليا، والّتي تكون للرقبة يدخل منها الرّأس، وهكذا كان اللباس القديم. اسلك: أسهل من أدخل، واستعمل سلك؛ لأنه كان يعتري موسى الخوف، ولأنه يريد أن يخفف عنه، فقال: اسلك بدلاً من أدخل التي تدل على الصعوبة. ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾: بيضاء ناصعة منورة (وموسى أسمر اللون). ﴿مِنْ﴾: ابتدائية، غير سوء: من غير مرض مهما كان نوعه حتّى لا يظن النّاس أنّها برص أو مرض أزال الله هذه الفرضية فقال: من غير سوء. ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾: الجناح جناح الإنسان عضده وساعده، واضمم إليك جناحك (العضد والسّاعد) وهو الجناح إلى صدرك يذهب عنك الخوف وتعود يدك لا نور فيها أي: اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء هذا هو الجزء الأول. ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾: (طرفك العلوي) إلى صدرك يختفي الرّعب والخوف وتعود يدك إلى لونها العادي. ولو قارنا هذه الآية من سورة القصص مع آيات سورة النمل لوجدنا اختلافات أخرى مثل: في سورة القصص: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ [آية: ٣٢]، في سورة النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ﴾ [آية: ١٢]. ارجع إلى سورة النمل، وسورة طه لمزيد من البيان والمقارنة. ﴿فَذَانِكَ﴾: الفاء للتوكيد، ذانك: اسم إشارة للمثنى والكاف للخطاب إشارة على معجزتي العصا واليد، فذانك تقرأ مخففة مثنى ذاك أو تقرأ مشدَّدة مثنى ذلك.

стр. 3783

﴿بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: البرهان: الحُجَّة القاطعة هو أعلى درجات الإثبات، ويتضمن حسن عرض الحُجَّة، برهانان على قدرة الخالق الحق وعلى صدق نبوة موسى. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ﴾: ولم يقل: إلى فرعون وقومه؛ لأنّ الملأ هم أشراف القوم وسادتهم؛ أي: المحيطون بفرعون هم الملأ وهم أقل دائرة أو أصغر بكثير من دائرة القوم التي هي أوسع؛ أي: أكثر عدداً، فإذا آمنوا هم بموسى أولاً فالقوم أتباع لرؤسائهم، فهم سيؤمنون كذلك ورؤية البرهانين يسهل تنفيذه أمام فرعون وملئه مقارنة بفرعون وقومه. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: أي: فرعون وملئه كانوا فاسقين خارجين عن طاعة الله تعالى. الفاسقين: جملة اسمية تفيد الثّبوت والاستمرار. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٦) لبيان معنى الفسق والفاسقين. سورة القصص [٢٨: ٣٣] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾: ﴿قَالَ﴾: موسى. ﴿رَبِّ إِنِّى﴾: إني للتوكيد. ﴿قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾: أي: الّذي وكزه حين دخل المدينة على غفلة من أهلها منذ أكثر من عشر سنوات. ارجع إلى الآية (١٥) من نفس السّورة فهو لا يزال يذكر ذلك ولا يزال خائفاً. ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾: الفاء للتوكيد، أخاف: إذا رأوني، أن: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد، يقتلون: أي: يقتصون مني فيقتلون، ولم يقل: يقتلوني؛ لأنّ موسى قوي البنية ولا يتوقع أن يقتل، ولو كان ضعيفاً، ولا يستطيع أن يقاوم لقال: يقتلوني. ارجع إلى الآية (١٥٠) من سورة الأعراف للمقارنة.

стр. 3784

سورة القصص [٢٨: ٣٤] ﴿وَأَخِى هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِى إِنِّى أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾: ﴿وَأَخِى هَارُونُ هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا﴾: أَبْيَنُ وأطلقُ مني لساناً في الكلام وإقامة الحُجَّة والبرهان للدعوة وتبيان الحق وتبليغ الرسالة. ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا﴾: الفاء للتوكيد والمباشرة، أرسله: حتى يكون معاوناً مساعداً لي أي: مُعيناً لي حين أذهب إلى فرعون وملئه، الرّدء المعين يقال: ردَأت الحائط دعمته بخشب أو حجارة لئلا يسقط. ﴿يُصَدِّقُنِى﴾: لا يعني أن يصدق أخيه، فهذا لا فائدة منه ولا يقول أمام الملأ لأخيه: صدقت. وإنما يصدقني يعني: يوضِّح ويبيِّن ما أقوله لهم إذا احتاج الأمر ويجادل ويبلغ معي رسالتك. ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد. ﴿أَخَافُ﴾: الخوف: هو الشّعور الّذي ينتاب النّفس من توقُّع الضرر أو العقاب المشكوك في وقوعه. ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾: حذف الياء؛ لأنّ هناك من سيصدقه وأكبر دليل على أنّ السّحرة آمنوا له، وكذلك بنو إسرائيل ومؤمن آل فرعون وامرأت فرعون ولو كذبه الكل لقال: أخاف أن يكذبوني. سورة القصص [٢٨: ٣٥] ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾: ﴿قَالَ﴾: سبحانه لموسى. ﴿سَنَشُدُّ﴾: السّين للاستقبال القريب.

стр. 3785

﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾: العضد من الكتف إلى المرفق: وقوة اليد مستمدة من قوة العضد كلما قوي العضد تقوى اليد، وقوة اليد تعني الغلبة، فقوله تعالى: سنشد عضدك بعضد أخيك، أي: سنقويك أو سنعينك بأخيك هارون، الباء للإلصاق والمصاحبة، وكلّ مُعين يعتبر عَضُداً، ولن نكتفي بذلك وسنؤيدك بآياتنا. ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: هو الحجة القوية التي لا تدحض لقوة دلالتها، والسّلطان هو إما سلطان الحُجَّة والبرهان أو سلطان القوة والقهر، والسّلطان هنا يعني سلطان الحُجَّة والبرهان، أي: اذهبا بآياتنا اليد والعصا وغيرهما فهي سلطان لكما. فتكونا أنتما ومن اتبعكما الغالبين. ﴿فَلَا﴾: الفاء للتوكيد، لا النّافية. ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾: بسوء أو أذى أو قتل، حين يرون تلك المعجزات يخافون أن يمسوكم بسوء. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: الباء باء السّببية أو التّعليل بآياتنا. ﴿أَنْتُمَا﴾: موسى وهارون. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾: من المؤمنين. ﴿الْغَالِبُونَ﴾: المنصورون الغالبون على عدوكم بالحُجَّة، كما قال تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦].
следующие страницы →