Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، لما بمعنى حين.
﴿رَآهَا﴾: رأى العصا قد تحولت إلى حية تهتز كأنّها جانٌّ تتحرك كالجان أو حركة الجان، أي: بسرعة شديدة يمنة ويسرة.
﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾: انصرف راجعاً مولِّياً ظهره للحية.
﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾: ولم يلتفت إلى الوراء.
﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾: ناداه ربه: يا موسى ارجع ولا تخف من الحية، وكان ذلك في أول اختبار لموسى مع العصا حيث ظهرت عليه علامات الخوف، وولى هارباً كما رأينا في سورة طه آية (٢٠)، وسورة النمل آية (١٠).
﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾: إنّك: للتوكيد. الآمنين: جمع آمن والآمنين جملة اسمية تفيد الثّبوت، أي: أمان ثابت مستمر.
ولو قارنا هذه الآية من سورة القصص مع آيات سورة النمل؛ لوجدنا اختلافات أخرى مثل:
في سورة القصص: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [آية: ٣١]، في سورة النمل: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ [آية ١٠].
في سورة القصص: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾ [آية: ٣١]، في سورة النمل: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾ [آية: ١٠].
في سورة القصص: ﴿وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [آية: ٣١]، في سورة النمل: ﴿إِنِّى لَا يَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [آية: ١٠].
أحداث ومشاهد لموقف واحد. ارجع إلى سورة النمل وسورة طه للمزيد من البيان والمقارنة.
سورة القصص [٢٨: ٣٢]
﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ
стр. 3782
مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾:
هذه آية أخرى إلى فرعون وملئه.
﴿اسْلُكْ﴾: أدخل يدك في جيب قميصك (وهو الشّق الّذي يدخل معه الرّأس في الثّوب ليلبس) فتحة القميص العليا، والّتي تكون للرقبة يدخل منها الرّأس، وهكذا كان اللباس القديم. اسلك: أسهل من أدخل، واستعمل سلك؛ لأنه كان يعتري موسى الخوف، ولأنه يريد أن يخفف عنه، فقال: اسلك بدلاً من أدخل التي تدل على الصعوبة.
﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾: بيضاء ناصعة منورة (وموسى أسمر اللون).
﴿مِنْ﴾: ابتدائية، غير سوء: من غير مرض مهما كان نوعه حتّى لا يظن النّاس أنّها برص أو مرض أزال الله هذه الفرضية فقال: من غير سوء.
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾: الجناح جناح الإنسان عضده وساعده، واضمم إليك جناحك (العضد والسّاعد) وهو الجناح إلى صدرك يذهب عنك الخوف وتعود يدك لا نور فيها أي: اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء هذا هو الجزء الأول.
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾: (طرفك العلوي) إلى صدرك يختفي الرّعب والخوف وتعود يدك إلى لونها العادي.
ولو قارنا هذه الآية من سورة القصص مع آيات سورة النمل لوجدنا اختلافات أخرى مثل:
في سورة القصص: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ [آية: ٣٢]، في سورة النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ﴾ [آية: ١٢]. ارجع إلى سورة النمل، وسورة طه لمزيد من البيان والمقارنة.
﴿فَذَانِكَ﴾: الفاء للتوكيد، ذانك: اسم إشارة للمثنى والكاف للخطاب إشارة على معجزتي العصا واليد، فذانك تقرأ مخففة مثنى ذاك أو تقرأ مشدَّدة مثنى ذلك.
стр. 3783
﴿بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾: البرهان: الحُجَّة القاطعة هو أعلى درجات الإثبات، ويتضمن حسن عرض الحُجَّة، برهانان على قدرة الخالق الحق وعلى صدق نبوة موسى.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ﴾: ولم يقل: إلى فرعون وقومه؛ لأنّ الملأ هم أشراف القوم وسادتهم؛ أي: المحيطون بفرعون هم الملأ وهم أقل دائرة أو أصغر بكثير من دائرة القوم التي هي أوسع؛ أي: أكثر عدداً، فإذا آمنوا هم بموسى أولاً فالقوم أتباع لرؤسائهم، فهم سيؤمنون كذلك ورؤية البرهانين يسهل تنفيذه أمام فرعون وملئه مقارنة بفرعون وقومه.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: أي: فرعون وملئه كانوا فاسقين خارجين عن طاعة الله تعالى. الفاسقين: جملة اسمية تفيد الثّبوت والاستمرار. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٦) لبيان معنى الفسق والفاسقين.
سورة القصص [٢٨: ٣٣]
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾:
﴿قَالَ﴾: موسى.
﴿رَبِّ إِنِّى﴾: إني للتوكيد.
﴿قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾: أي: الّذي وكزه حين دخل المدينة على غفلة من أهلها منذ أكثر من عشر سنوات. ارجع إلى الآية (١٥) من نفس السّورة فهو لا يزال يذكر ذلك ولا يزال خائفاً.
﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾: الفاء للتوكيد، أخاف: إذا رأوني، أن: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد، يقتلون: أي: يقتصون مني فيقتلون، ولم يقل: يقتلوني؛ لأنّ موسى قوي البنية ولا يتوقع أن يقتل، ولو كان ضعيفاً، ولا يستطيع أن يقاوم لقال: يقتلوني. ارجع إلى الآية (١٥٠) من سورة الأعراف للمقارنة.
стр. 3784
سورة القصص [٢٨: ٣٤]
﴿وَأَخِى هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِى إِنِّى أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾:
﴿وَأَخِى هَارُونُ هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا﴾: أَبْيَنُ وأطلقُ مني لساناً في الكلام وإقامة الحُجَّة والبرهان للدعوة وتبيان الحق وتبليغ الرسالة.
﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا﴾: الفاء للتوكيد والمباشرة، أرسله: حتى يكون معاوناً مساعداً لي أي: مُعيناً لي حين أذهب إلى فرعون وملئه، الرّدء المعين يقال: ردَأت الحائط دعمته بخشب أو حجارة لئلا يسقط.
﴿يُصَدِّقُنِى﴾: لا يعني أن يصدق أخيه، فهذا لا فائدة منه ولا يقول أمام الملأ لأخيه: صدقت.
وإنما يصدقني يعني: يوضِّح ويبيِّن ما أقوله لهم إذا احتاج الأمر ويجادل ويبلغ معي رسالتك.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿أَخَافُ﴾: الخوف: هو الشّعور الّذي ينتاب النّفس من توقُّع الضرر أو العقاب المشكوك في وقوعه.
﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾: حذف الياء؛ لأنّ هناك من سيصدقه وأكبر دليل على أنّ السّحرة آمنوا له، وكذلك بنو إسرائيل ومؤمن آل فرعون وامرأت فرعون ولو كذبه الكل لقال: أخاف أن يكذبوني.
سورة القصص [٢٨: ٣٥]
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾:
﴿قَالَ﴾: سبحانه لموسى.
﴿سَنَشُدُّ﴾: السّين للاستقبال القريب.
стр. 3785
﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾: العضد من الكتف إلى المرفق: وقوة اليد مستمدة من قوة العضد كلما قوي العضد تقوى اليد، وقوة اليد تعني الغلبة، فقوله تعالى: سنشد عضدك بعضد أخيك، أي: سنقويك أو سنعينك بأخيك هارون، الباء للإلصاق والمصاحبة، وكلّ مُعين يعتبر عَضُداً، ولن نكتفي بذلك وسنؤيدك بآياتنا.
﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: هو الحجة القوية التي لا تدحض لقوة دلالتها، والسّلطان هو إما سلطان الحُجَّة والبرهان أو سلطان القوة والقهر، والسّلطان هنا يعني سلطان الحُجَّة والبرهان، أي: اذهبا بآياتنا اليد والعصا وغيرهما فهي سلطان لكما. فتكونا أنتما ومن اتبعكما الغالبين.
﴿فَلَا﴾: الفاء للتوكيد، لا النّافية.
﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾: بسوء أو أذى أو قتل، حين يرون تلك المعجزات يخافون أن يمسوكم بسوء.
﴿بِآيَاتِنَا﴾: الباء باء السّببية أو التّعليل بآياتنا.
﴿أَنْتُمَا﴾: موسى وهارون.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾: من المؤمنين.
﴿الْغَالِبُونَ﴾: المنصورون الغالبون على عدوكم بالحُجَّة، كما قال تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦].
стр. 3786
سورة القصص [٢٨: ٣٦]
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للمباشرة، لما: ظرفية بمعنى حين.
﴿جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: بالآيات التّسع: العصا واليد، والسنين والطوفان، والجراد والقمل، والضفادع والدّم، ونقص في الثمرات.
﴿قَالُوا مَا هَذَا﴾: ما: النّافية، الهاء للتنبيه، وذا: اسم إشارة للقرب.
﴿إِلَّا﴾: حصراً.
﴿سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾: سحر: ارجع إلى الآية (٥٨) من سورة طه.
﴿مُّفْتَرًى﴾: مختلق كذب وليس آية أو بينة أي: سحر افتريته كسائر أنواع السّحر؛ لأنّه أثر في نفوسهم وكانت آيات خارقة للعادة، وكانوا يظنون كلّ شيء خارقاً للعادة سحراً أو يشبه السّحر.
﴿وَمَا﴾: تكرار ما يفيد توكيد النّفي.
﴿سَمِعْنَا بِهَذَا﴾: بالذي تدعونا إليه إلى عبادة الله وحده (أي: بالتّوحيد)، والباء بهذا: للتوكيد.
﴿فِى آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾: في ظرفية، أيْ: ما سمعنا أحداً من آبائنا على هذا
стр. 3787
الدّين أو يتكلم بما تقول فهم قد حاروا وضاقت بهم الحجج للإجابة على هذه الآيات إلا بزعمهم الكاذب أنّها سحر أو أنهم ما سمعوا بهذا التوحيد الذي يدعوهم إليه من آبائهم.
سورة القصص [٢٨: ٣٧]
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّى أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾:
قال موسى راداً على قولهم: ما هذا إلا سحر مفترى، وما سمعنا بهذا في آبائنا، قال: ربي أعلم بمن جاء بالهدى.
﴿وَقَالَ مُوسَى﴾: بدلاً من القول قال موسى جاء بالواو: للتوكيد، على قول موسى: أنّه الحق، وما زعم فرعون ومَلَؤُهُ أنّها سحر هو الباطل.
﴿رَبِّى أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾: لم يقل موسى ويعلن لهم أنا جئتكم بالحق وأنتم على ضلال أو أنا على حق وأنتم على باطل، وإنما قال: ربي أعلم بمن هو على الهدى، وبمن هو على الباطل، وهذا أسلوب من أساليب الدّعوة إلى الله، وخطاب النّاس والحوار باللين والرّحمة فهو أطلق القول وترك للعقول أن تميز وتختار ما تشاء، أعلم بمن: الباء للتوكيد، من: اسم موصول بمعنى الّذي، ولم يقل: يعلم، بل قال: أعلم بصيغة المبالغة، جاء بالهدى من عنده؛ أي: من عند الرب فهو أعلم من هو المهتدي ومن جاء بالحق ولم يقل لهم: أنا جئت بالهدى مع العلم أنّه جاء بالهدى من عند ربه، من عنده: ولم يقل: منه، من عند أخص وأقرب. ومنه تستعمل للشيء العام والهدى شيء خاص ومهم جداً، ولذلك استعمل من عنده وأحياناً يستعمل من لدنه.
стр. 3788
﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾: من: بمعنى الّذي أنا أم أنتم، تكون له عاقبة الدّار: الدّار الآخرة أي: الجنة، فالدّار الدّنيا مزرعة للحسنات والسّيئات والعاقبة إما الثّواب أي: الجنة أو العقاب والعذاب.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: إنّه للتوكيد، لا يفلح: لا النّافية، يفلح: لا يفوز بعاقبة الدّار (الجنة) الظّالمون: الكافرون أو المشركون، الظّالمون: جملة اسمية تفيد الثّبوت والاستمرار.
والظالمون: جمع ظالم والظالم كلّ من يخرج عن منهج الله يعتبر ظالماً لنفسه.
سورة القصص [٢٨: ٣٨]
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّى صَرْحًا لَّعَلِّى أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾: وقال فرعون: ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمعرفة من هو فرعون. يا النّداء، والهاء: للتنبيه، الملأ: أعيان القوم ورؤساؤهم وزعماؤهم ممثلو الشّعب. ارجع إلى سورة الشّعراء آية (٣٤).
﴿مَا﴾: النّافية.
﴿عَلِمْتُ لَكُمْ﴾: لكم تفيد الخاصة، اللام لام الاختصاص، والعلم هو اعتقاد فرعون الباطل أنّه هو الإله وليس هناك إله آخر، ولم يقل: ما عرفت لكم. العلم يتعلق بالصفات أو الأوصاف والمعرفة بالذوات.
﴿مِّنْ﴾: ابتدائية للتوكيد.
стр. 3789
﴿إِلَهٍ غَيْرِى﴾: معبود سواي.
﴿فَأَوْقِدْ لِى يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾: هامان: ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة للبيان.
أوقد لي يا هامان على الطّين: أي: اصنع الأَجُر المشوي.
﴿فَاجْعَل لِّى صَرْحًا﴾: أي: ابن لي قصراً عالياً أو برجاً عالياً، وكما قال تعالى في سورة غافر آية (٣٦ - ٣٧): ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحًا لَّعَلِّى أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾.
﴿لَّعَلِّى أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾: لعلِّي للتعليل، وفيها معنى عدم التّأكد وغير جازم لعلِّي أصعد إليه أو أقف عليه وأنظر إلى إله موسى الّذي يدعيه، وأراد بذلك القول التّهكم والاستهزاء بموسى.
وقبل بناء الصّرح وقبل أن يحاول أن يرى إله موسى حكم على موسى بأنّه من الكاذبين.
﴿وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ﴾: إنّي للتوكيد، لأظنه: اللام لزيادة التّوكيد، أظنه: الظّن هنا يعني اليقين أو الاعتقاد الرّاجح في عقل فرعون أنّ موسى من الكاذبين.
﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: من ابتدائية، الكاذبين: في قوله أنّ هناك إلهاً آخر غيري أو في إثباته أنّ هناك إلهاً غيره. والكاذبين: جملة اسمية تفيد الثّبوت، أيْ: صفة الكذب ثابتة وملازمة لأقواله وأفعاله.
والسّؤال: هل بنى هامان له الصّرح؟ طبعاً لا، وإنما قال ذلك افتراء وسخرية
стр. 3790
من موسى ليصرف أنظار الملأ عن موسى ﵇، وهو أيْ: فرعون يعلم أنّ له رباً خالقه وخالق غيره، ويعلم بصحة قول موسى ﵇، ولكن استكباره هو الّذي منعه من تصديق موسى ﵇.
ولنقارن هذه الآية مع آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحًا لَّعَلِّى أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٦ ـ ٣٧].
في سورة القصص قال: وإني لأظنه من الكاذبين.
وفي سورة غافر قال: وإني لأظنه كاذباً، ما هو الفرق: من الكاذبين أقوى في التّوكيد من كاذباً. لأنّه طلب من هامان بناء الصرح أمام الملأ فأكَّد بقوله: من الكاذبين، أمّا في سورة غافر فحين طلب من هامان بناء السّد لم يكن الملأ حاضراً.
طلب فرعون من هامان ببناء الصّرح يدل على مدى جهل فرعون بالله وصفاته، ودل على غباوته حيث ظن أنّ الله سبحانه في مكان ما وأنّه يستطيع رؤيته من ذلك الصّرح، ويدل على غباوة ملئه حيث كانوا يصدقونه فهو جاهل وهم أجهل منه؛ لأنّه يستخف بعقولهم.
سورة القصص [٢٨: ٣٩]
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾:
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ﴾: استكبر فرعون وجنوده في أرض
стр. 3791
مصر من دون مبرر للكبر، استكبروا لأنّهم ظنوا أنه لا بعث ولا حساب ولا عقاب، وأنّهم لا يُرجعون، والاستكبار هو إظهار عظم شأنهم فوق ما يستحقون.
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: أيْ: بالباطل والإثم والعدوان، والقتل والفساد والظّلم، وهل هناك استكبار بحق ربما مثلاً حين يستكبر إنسان ما لحماية الضّعيف أو يفعل ذلك لكف ظالم عن ظلمه، والاستكبار الحق لله تعالى وحده.
﴿وَظَنُّوا﴾: فرعون وجنوده، من الظّن: والظّن هو الاعتقاد أو الظّن الرّاجح. المبني على الباطل ومن دون دليل وبرهان.
﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا﴾: أنّهم للتوكيد، إلينا: تقديم إلينا للحصر، إلينا وحدنا.
﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾: لا النّافية، يُرجعون: للمحاسبة ونيل العقاب، يرجعون رغم أنوفهم وبغير إرادتهم (بعكس لا يَرْجعون بفتح الياء الّتي تدل على إرادة الرّجعة إلى الله من دون إكراه، أيْ: برغبة.
سورة القصص [٢٨: ٤٠]
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِى الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾:
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾: الفاء للتوكيد، أخذناه: الأخذ يعني: الانتقام بشدة وبقوة؛ أي: بالغرق أهلكناه وجنوده أي: الأخذ شمل الجميع فرعون وجنوده.
﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، النّبذ: هو إلقاء الشّيء، استهانة به واستغناء عنه؛ لأنّه ليس له أهمية؛ أي: أغرقناهم.
﴿فِى الْيَمِّ﴾: في البحر.
стр. 3792
﴿فَانظُرْ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة، انظر نظرة قلبية فكرية.
﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام والتّعجب.
﴿كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾: حين يذكر العاقبة في القرآن يعني: العذاب بأن يقول كان عاقبة، وحين يؤنث العاقبة بأن يقول كانت عاقبة يعني: حسن العاقبة أو الجنة، الظّالمين: المشركين الكافرين، الظّالمين: جملة اسمية تفيد الثّبوت. جمع ظالم والظالم هو كلّ من خرج عن منهج الله.
سورة القصص [٢٨: ٤١]
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾:
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾: أيْ: في الدّنيا قادة في الكفر أو قدوة أو دعاة أيْ: فرعون وملأَه، أئمة: جمع إمام وهو من يؤتم به. وعادة يكون إماماً في الخير ويدعو إلى الحق، وليس إماماً في الشّر ويدعو إلى الباطل والضلال.
﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾: أي: الرؤساء يدعون أولياءَهم أو أتباعهم ليسلكوا طريقهم في الكفر والشّرك والمعاصي، أيْ: هم أئمّة ودعاة إلى النّار في الدنيا، وهذه الإمامة سوف تستمر في الآخرة كما قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨].
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾: لا يجدون ولياً ولا نصيراً، ينصرهم أو يمنعهم من العذاب أو يحميهم أو يدافع عنهم.
سورة القصص [٢٨: ٤٢]
﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾:
﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾: أيْ: طردناهم وأبعدناهم عن رحمتنا
стр. 3793
في الدّنيا فانتهى بهم الأمر إلى الغرق، وأتبعناهم قد تعني كلّ من جاء خلفهم لعنهم في هذه الدّنيا، لعنة باقية دائمة.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ﴾: للتوكيد، من المقبوحين: المطرودين أيضاً عن رحمة الله في الآخرة ومأواهم جهنم وبئس المصير، إذاً أتبعناهم في هذه الدّنيا لعنة ولعنة أخرى يوم القيامة.
﴿مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾: جمع مقبوح ومبعد مطرود عن الخير أو رحمة الله، وقد تعني مشوَّهين الخلقة. كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢].
﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]. وانظر إلى مجيء الجملة الفعلية (واتبعناهم) ثم مجيء الجملة الاسمية بعدها (من المقبوحين) للدلالة على أن اللعنة انتهت بهم إلى الغرق، وأما القبح الذي سيحصل لهم يوم القيامة سيكون دائماً ثابتاً لا يزول.
سورة القصص [٢٨: ٤٣]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، قد: للتحقيق.
﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: آتينا: ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة لمعرفة معنى الإيتاء والعطاء، الكتاب: التّوراة.
﴿مِنْ بَعْدِ﴾: من ابتدائية، وتعني: القرب.
﴿مَا﴾: النّافية.
стр. 3794
﴿أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾: قوم نوح وعاد وثمود ومدين ولوط.
﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾: جمع بصيرة؛ أي: البينات والآيات الكاملة العلم والمعرفة التي توضح أو تميز الحق من الباطل، والخطأ من الصواب، والرشاد من الغي؛ أيْ: كتاب التّوراة فيه بصائر لبني إسرائيل، وليس بصيرة واحدة، يبصرون فيه كلّ ما يحتاجونه في أمور دينهم ودنياهم؛ أي: وفيه آيات واضحة دالة على وجود الخالق الحق ووحدانيته وربوبيته وأسمائه وصفاته. ارجع إلى سورة الجاثية آية (٢٠) لمزيد من البيان في معنى بصائر.
﴿وَهُدًى﴾: مصدر هداية، يهدي للحق وللغاية.
﴿وَرَحْمَةً﴾: وقاية من الوقوع في المعاصي أو لدفع الضّر وجلب ما يسر.
﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: لعلَّ للتعليل، يتذكرون: أيْ: لعلهم لا ينسون ما أنزل عليهم في التّوراة من المنهج والعمل بها وعدم الغفلة عن الأوامر والنّواهي والأحكام.
стр. 3795
سورة القصص [٢٨: ٤٤]
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِىِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾:
﴿وَمَا كُنْتَ﴾: ما النّافية، كنت يا رسول الله ﷺ حاضراً (ولو مجرَّد الحضور).
﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِىِّ﴾: من البقعة المباركة من الشّجرة بجانب الطور الغربي الذي تم فيه الميقات.
﴿إِذْ﴾: ظرف زماني للماضي. بمعنى حين.
﴿قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾: قضى بمعنى أمرنا أو أعلمنا موسى، أيْ: كلمنا موسى بالرّسالة وبالذّهاب إلى فرعون وملئه ودعوتهم للإيمان، ومن معاني قضى: حتم، أمر، صنع، حكم، أعلم، انتهى.
﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: جمع شاهد والشّاهد للشيء يعني: عالماً به، أيْ: لم تكن عالماً بما أمرنا موسى وأعلمناه، أيْ: لم تكن حاضراً ولا شاهداً حينما كلم الله سبحانه موسى، والفرق بين حاضر وشاهد فقد تكون حاضراً وغير منتبه لما يحدث حواليك أو مراقباً، وأمّا الشّاهد فهو يعلم ما يحدث حواليه ويراقب، وتكرار ما كنت لتوكيد النّفي وفصل كلّ من الحضور والشّهادة أو كلاهما معاً.
стр. 3796
سورة القصص [٢٨: ٤٥]
﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾:
﴿وَلَكِنَّا﴾: الواو استئنافية، لكنا: لكن: للاستدراك، والنّون في لكنا: نون الجمع، نون التّعظيم.
﴿أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾: الإنشاء هو الإيجاد والصّنع وفيها معنى التّكوين والنّمو والتّطور من بعد موسى، قروناً: عديدة وليس قرناً واحداً، جمع قرن والقرن: القوم الّذي يعيشون في زمن واحد، والقرن يعادل (١٠٠) عام، فتطاول عليهم العمر: أي: انقطع الوحي عنهم لأمد طويل أو طالت أعمارهم فنسوا العهود والشّرائع الّتي جاء بها أنبياؤهم.
انتبه هنا حدث حذف المستدرك بعد لكن، وهو فأرسلناك أو جئنا بك رسولاً إلى كافة النّاس بشيراً ونذيراً، وجاء بالسّبب على إرسال الرّسول محمّد ﷺ بدلاً من المستدرك، فيكون تقدير الكلام: وما كنت بجانب الغربي وما كنت من الشّاهدين، ولكنا أرسلناك إليهم كافة بعد أن تطاول انقطاع الوحي عنهم ونسيانهم العهود والشّرائع الّتي جاء بها أنبياؤهم من قبل، ثمّ ذكر تعالى استدراكين آخرين بعد ذلك فقال: وما كنت ثاوياً في أهل مدين وما كنت بجانب الطّور إذ نادينا، وأوحينا إليك، أيْ: أعلمناك بما جرى لموسى في مدين، وبما جرى له بجانب الطّور.
فأنَّى لك العلم بذلك لأنك ما كنت ثاوياً في أهل مدين:
﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ﴾: مقيماً. والثواء: الإقامة مع الاستقرار، والمثوى: مكان الإقامة.
стр. 3797
﴿تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾: أيْ: تقرأ عليهم آياتنا الّتي أُخبرت بها عن النّبي شعيب وما قال قوم شعيب وحدث لهم.
﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾: ولكنا أرسلناك وأخبرناك بقصتهم أو بما حدث لهم لتكون برهاناً ودليلاً على صدق نبوتك ورسالتك.
سورة القصص [٢٨: ٤٦]
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَّحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾:
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَّحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: ما كنت: ارجع إلى الآية (٤٤) السابقة. بجانب الطور: بجانب الجبل الذي كلمه الله سبحانه موسى، والطور: أقل من الجبل حجماً وارتفاعاً. إذ: ظرف للزمن الماضي بمعنى حين نادينا موسى، ولكن نحن أخبرناك بذلك، وأرسلناك وكلا الأمرين رحمة من ربك.
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ اللام لام التّعليل والتّوكيد، قوماً ما (النّافية)، أتاهم من نذير أتاهم: العرب أو أهل مكة.
﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: أيْ: لم يُرسَل إليهم رسول من قبلك ينذرهم، وهذا هو الثّابت، فلم يأت العرب رسولٌ بعد إسماعيل إلا أنت لتنذرهم كما أنذر آباؤهم.
والإنذار: هو الإعلام مع التّحذير.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: لعلهم: للتعليل، لعلهم يتذكرون ما أنذروا به ولا ينسونه مرة أخرى، ولعلَّهم يتذكرون ما حدث لموسى وفرعون وملئه والأقوام الّتي أُهلكت من بعدهم ولا ينسون ذلك، فيؤمنون بالله ويتوبون إليه.
стр. 3798
سورة القصص [٢٨: ٤٧]
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُّصِيبَةٌ﴾: الواو عاطفة، لولا: حرف امتناع لوجود، امتنع إنزال العذاب بهم لعدم إرسال رسول إليهم من قبلك ينذرهم ويحذرهم ويبيِّن لهم ما هو مطلوب منهم.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: الباء تعليلية، ما قدَّمت أيديهم: أي: ما قدَّمت أيديهم يؤهلهم لأن تصيبهم مصيبة إنزال العذاب بهم، ولكنا لم نفعل ذلك لأننا ما أرسلنا إليهم رسولاً، ولو عذَّبهم الله تعالى دون إرسال رسول إليهم لكانت حُجَّة لهم لعدم إرسال الرّسول.
﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ لولا: أداة حضٍّ وتحريضٍ وحثٍّ، أيْ: هلا أرسلت إلينا رسولاً يبيِّن لنا المطلوب منا ويبيِّن لنا الإيمان والتّوحيد.
﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾: أيْ: نؤمن بك ونعمل بهديك ونكون من المؤمنين، وقد قيل: لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم (الشعراوي) وذكرته الكثير من القوانين الدولية؛ إلا بنصٍّ ولا نصَّ إلا بإعلام، ولا يعذر أحد بالجهل بالقانون، ولا يُعفى من العقاب.
سورة القصص [٢٨: ٤٨]
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِىَ مِثْلَ مَا أُوتِىَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِىَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للتوكيد، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين.
﴿جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾: الرّسول ﷺ الّذي كانوا ينتظرونه؛ أي: هو ﷺ الحق لا غيره.
﴿قَالُوا﴾: أيْ: أهل مكة والمشركون الّذين لم يأتهم رسول من قبلك كما
стр. 3799
ادعوا على وجه التّعنت والاستكبار، وليكون حُجَّة لهم على استمرارهم على الشّرك والكفر.
﴿لَوْلَا﴾: أداة حضٍّ وحثٍّ.
﴿لَوْلَا أُوتِىَ مِثْلَ مَا أُوتِىَ مُوسَى﴾: لولا أوتي محمّد ﷺ مثل ما أوتي موسى من المعجزات والآيات الكثيرة كالعصا واليد والمن والسّلوى وشق البحر أو التّوراة جملة واحدة.
﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِىَ مُوسَى﴾: أو لم: استفهام إنكاري، والواو في أولم لزيادة إنكارهم بما أوتي موسى، لم: النّافية، يكفروا بما أوتي موسى في التّوراة في نعت وصفات محمّد ﷺ ، أو يكفر أمثالهم من اليهود بما أوتي موسى في تلك الآيات، ولم يؤمنوا بها.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في زمن موسى أو حين أخبر بعض مسلمي أهل الكتاب مشركي مكة أن نعت محمّد ﷺ في التّوراة، فلم يؤمنوا به وقالوا: سحران تظاهرا.
﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾: قالوا: أي: مشركو مكة ومن قبلهم قوم فرعون، قالوا: القرآن والتّوراة سحران تظاهرا: انتشرا وتعاليا وصدق كلّ منهما الآخر، وإنا بكل من القرآن والتّوراة كافرون أو بمحمد ﷺ جاء بسحر، وموسى ﵇ جاء بسحر.
سورة القصص [٢٨: ٤٩]
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾:
﴿قُلْ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ أيْ: للكافرين بالقرآن والتّوراة: إن لم تؤمنوا وتصدِّقوا بالقرآن والتّوراة.
﴿فَأْتُوا﴾: الفاء للتوكيد، أتوا: من الإتيان: أحضروا إليّ أو أنزلوا عليَّ.
стр. 3800
﴿بِكِتَابٍ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: بكتاب ثالث: الباء للإلصاق، كتاب نكرة، أيْ: كتاب على شرط أن يكون من عند الله أوّلاً.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿أَهْدَى مِنْهُمَا﴾: الشّرط الثّاني أهدى من كلاهما كي أتبعه.
﴿أَتَّبِعْهُ﴾: أي: كي أتبعه وأدين به إن كان أبلغ وأهدى من القرآن إن كنت من الصادقين.
﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن: شرطية تستعمل للأمر المشكوك فيه؛ أي: صادقين أنّهما سحران تظاهرا.
سورة القصص [٢٨: ٥٠]
﴿فَإِنْ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الفاء للتوكيد، إن: شرطية تفيد الشّك والاحتمال والنّدرة، أيْ: يستجيبوا لك.
﴿لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾: يستجيبوا لطلبك بالإتيان بكتاب هو أهدى منهما ومن عند الله تعالى. وانتبه إلى كيف فصل بين فإن وبين لم في هذه الآية بينما جمع بين فإن وبين لم في سورة هود آية (١٤) فقال: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾، وقيل في تفسير ذلك: أنه فصل بينهما؛ لأن المخاطب في آية القصص رسول الله ﷺ وحده ﴿فَإِنْ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، والسياق في الإتيان بكتاب أهدى من القرآن والتوراة. وأما في آية هود المخاطب الجمع لقوله ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾، (ولم يقل لك)، والسياق في أمر واحد (١٠ آيات) وليس أو بين؛ فريما جمع بين فإن ولم فقال: فإلم لهذه الأسباب والله أعلم.
﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا﴾: الفاء للمباشرة، أنما: كافة ومكفوفة تفيد الحصر والتّوكيد.
стр. 3801
﴿يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾: جمع هوى، والهوى: ما تميل إليه النفس باطلاً وبلا دليل، وبعيد عن الحق، والهوى: يغلب عليه الذم، ويختص بالأداء والاعتقادات.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: من استفهامية بمعنى النّفي، أيْ: لا أضل منه أحد، أو ليس هناك أشد ضلالاً ممن اتبع هواه.
﴿بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾: بغير حُجَّة أو دليل من كتاب من الله تعالى أو رسوله ﷺ .
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: إنّ للتوكيد، لا يهدي: لا النّافية لكلّ الأزمنة، يهدي القوم الظّالمين: أيْ: هداية الإيمان والتّقوى، أيْ: إنّ الله لا يهدي هؤلاء الّذين اختاروا طريق الضّلالة والشّرك واستقاموا عليه وابتعدوا عن طريق الإيمان والتّقوى بعيداً، ولم يتوبوا وينيبوا إلى الله فلا تتوقع أن يهديهم الله سبحانه بعد أن ضلوا ضلالاً بعيداً. ارجع إلى سورة الجمعة آية (٥) لمزيد من البيان.
стр. 3802
سورة القصص [٢٨: ٥١]
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا﴾: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق، وصلنا: بالتّشديد وهناك من قرأها بالتّخفيف أيْ: ربطنا آيات القرآن بعضها ببعض، أو أنزلناه بشكل متواصل بلا انقطاع يتبع بعضه بعضاً على مدة (٢٣) عاماً.
﴿لَهُمُ﴾: اللام لام الاختصاص قريش والعرب.
﴿الْقَوْلَ﴾: القرآن. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (٦٨) لمزيد من البيان في معنى القول.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾: للتعليل. الضمير يعود على قريش أو أهل الكتاب.
﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾: يتعظون ويتذكرون فلا ينسون، ولعل تكرار التّذكرة لهم يفيدهم فيؤمنون ويصدقون بربهم. يتذكرون، ولم يقل تتذكرون، بتاء واحدة؛ لأنهم لا يحتاجون إلى طول تذكر (زمن أطول) لاتباع أو تذكر ما أنزل إليهم من ربهم؛ لأننا أنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضاً بشكل متواصل.
سورة القصص [٢٨: ٥٢]
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: الّذين اسم موصول، آتيناهم الكتاب: (أي: اليهود والنّصارى) كتاب التّوراة والإنجيل من الّذين عاصروا رسول الله ﷺ .
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: أيْ: من تفيد الزّمن القريب، قبله: تعود إلى القرآن أيْ: من قبل نزوله.
стр. 3803
﴿هُمْ بِهِ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد، هم: أمثال عبد الله بن سلام وغيره ممن أسلم من أهل الكتاب، به: بالقرآن أو بمحمّد ﷺ أو كلاهما فمن يؤمن بأحدهما يؤمن بالآخر.
﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدقون به لكونه مطابقاً لما ذكر في كتبهم التّوراة والإنجيل.
سورة القصص [٢٨: ٥٣]
﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني، يتضمن معنى الشّرط ويفيد الحتمية.
﴿يُتْلَى﴾: يقرأ القرآن عليهم أيْ: على المؤمنين من أهل الكتاب، وهناك فرق بين التّلاوة والقراءة التّلاوة من القرآن فقط ولها أجر كلّ حرف بعشر حسنات والتّلاوة تعني: قراءة الآية تلو الأخرى؛ يتلى عليهم بشكل متجدد ومتكرر.
﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾: أعلنوا إيمانهم وتصديقهم بالقرآن وبما أنزل فيه، ولم يقولوا به آمنا تقديم به يفيد الحصر؛ لأنه عليهم أن يؤمنوا بالقرآن وبالله وبرسله وكتبه.
﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾: إنّه: للتوكيد وتعود على القرآن وعلى محمّد ﷺ ، الحق: أي: الوحي الأمر الثّابت الّذي لا يتغير المنزل من الله تعالى.
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾: إنا: للتوكيد والمدح من قبل نزول القرآن أو من قبل مجيء رسول الله ﷺ وقد تعني كلا الأمرين.
﴿مُسْلِمِينَ﴾: لله وحده ومخلصين موحدين ومسلمين: جملة اسمية تدل على الثّبوت.
стр. 3804
سورة القصص [٢٨: ٥٤]
﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد وتشير على مؤمني أهل الكتاب الّذين آمنوا بالقرآن وبما أنزل على محمّد ﷺ ويؤمنون بما أنزل إليهم من التّوراة والإنجيل.
﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾: الإيتاء هو العطاء. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
الأجر: مقابل العمل الأجر: الثّواب، مرتين: أيْ: أجرهم مضاعف؛ لأنّهم آمنوا بما أنزل إليهم وآمنوا بالقرآن، أو لأنّهم آمنوا بموسى وبمحمّد ﵈.
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: الباء للإلصاق أو السّببية، صبروا: على إيذاء قومهم وعلى طاعة ربهم وإيمانهم.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾: الدّرء: الدّفع بسرعة أي: لا ينتظرون زمناً طويلاً بعد فعل السّيئة حتّى يفعلوا الحسنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، ويكون ذلك بالتّوبة والإنابة إلى الله بسرعة، أما الفرق بين الدّفع والدّرء فهو: أن الدّفع يكون بقوة وشدة، والدّرء يكون بسرعة.
ويدرؤون بالحسنة السّيئة قد تعني: يقابلون المسيء إليهم بالقول الحميد والعمل الصّالح ولا يقابلون السّيئة بالسّيئة.
ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٠١) لمزيد من البيان في معنى الحسنة.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: من بعضية أيْ: من بعض ما رزقناهم، ينفقون: بالصّدقات والزّكاة والإنفاق على أعمال الخير، ومما رزقناهم ينفقون أوسع
стр. 3805
وأشمل من القول ويؤتون الزّكاة، يؤتون الزّكاة تنطوي تحت آية ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: وبصيغة المضارع لتدل على التّجدُّد والاستمرار.
سورة القصص [٢٨: ٥٥]
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾:
لازالت الآيات تتحدث عن مؤمني أهل الكتاب وغيرهم من المؤمنين (العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب).
﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني للماضي والحاضر والاستقبال وشرطية تفيد حتمية وقوع ما بعدها؛ أي: تستعمل للشيء المحقق حدوثه.
﴿سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾: سمعوا الكلام السّقط الّذي لا فائدة منه، واللغو: السّب والشّتم والكلام السّيِّئ القبيح.
ارجع إلى سورة المؤمنون آية (٣) لبيان معنى اللغو.
﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾: لم يصغوا إليه أو حاولوا تجنبه والابتعاد عنه.
﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾: أيْ: أعرضوا عنه ولم يشاركوا فيه، ولم يكتفوا بذلك وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، أي: لا تزر وازرة وزر أخرى، أو لكم دينكم ولنا دين، أيْ: يتبرؤون مما يعمله الآخرون من الشّرك أو اللغو أو الباطل أو الكلام المحرم.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾: سلام توديع ومفارقة وليس سلام تحية، سلام عليكم: لأصحاب اللغو كقول إبراهيم لآزر: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّى﴾ [مريم: ٤٧]، لا نبتغي الجاهلين: لا النّافية، أيْ: لا نريد صحبتهم ولا الجلوس إليهم أو الاستماع إلى لغوهم، ولا نريد أن نكون من أمثالهم فنكون من
стр. 3806
الجاهلين، أي: أصحاب السّفه والطّيش. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٦٣) لبيان معنى الجاهلين، وارجع إلى سورة الزمر آية (٦٤).
سورة القصص [٢٨: ٥٦]
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾:
أسباب النّزول: كما في الصحيحين، وأجمع المفسرون أنّ هذه الآية نزلت في أبي طالب عم الرّسول ﷺ حين طلب منه ﷺ أن يشهد أن لا إله إلا الله فلم يفعل أبو طالب، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب.
﴿إِنَّكَ﴾: للتوكيد والمخاطب رسول الله ﷺ .
﴿لَا تَهْدِى﴾: لا النّافية، تهدي: هداية الدّخول في الإسلام والشّهادة، هداية الإيمان والتّوفيق، أي: الهداية الخاصة، أمّا هداية الدّلالة والإرشاد فهذه يمكن القيام بها، مثلاً: تدل إنسان على الإسلام وتبيِّن له محاسنه ومكارمه وشروطه، ولكن لا تستطيع أن تدخله في الإسلام هذا بيد الله تعالى. إذن هداية التّوفيق بيد الله تعالى، وهداية الدّلالة والإرشاد فهذه بيد الرّسول ﷺ وغيره من المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾: من: ابتدائية، أحببت إشارة إلى أن النّبي ﷺ يحب عمَّه أبا طالب، أيْ: لا تهدي من أحببت هدايته رغم أنك تحبه.
﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك للتوكيد.
﴿اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾: يهدي هداية التّوفيق والمعونة الهداية خاصة من استغراقية كلّ من يشاء.
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾: وهو للتوكيد أعلم على وزن أفعل، بالمهتدين من خلقه في الماضي والحاضر والمستقبل.
стр. 3807
لنقارن هذه الآية (٥٦) من سورة القصص والآية (٥٢) من سورة الشّورى وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: الآية في سورة القصص تتحدث عن الهداية الخاصة هداية الدّخول في الإسلام والآية في سورة الشّورى تتحدث عن الهداية العامة، والدّعوة إلى التّعريف بالإسلام والتّبليغ. ارجع إلى سورة الشورى آية (٥٢) لمزيد من البيان.
سورة القصص [٢٨: ٥٧]
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْءٍ رِّزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: أيْ: ناس من قريش كما قال ابن عباس.
﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال والشّك؛ أي: تستعمل في الأمر المشكوك في حدوثه. نتبع الهدى معك: إن دخلنا في دينك وآمنا بك واتبعناك وخالفنا العرب ونحن قلة.
﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾: ولم يقولوا نُخطف من أرضنا، وإنما نتخطف مبالغة في الخطف، والتخطف: الانتزاع بسرعة؛ أيْ: نخاف أن ننتزع بسرعة من أرضنا وندخل في حرب مع أعدائك، وقد نُقتل أو نؤسر، وهذا مجرَّد ظن وحُجَّة لعدم إسلامهم وعذر باطل؛ لأننا مكنا لهم حرماً آمناً، ويدل على شدة خوفهم من الهلاك أو الأسر. من أرضنا: من مكة.
﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾: أو لم استفهام للإنكار عليهم والتّقرير، والواو للتوكيد، نمكن: من التّمكين ويعني الاستخلاف والحكم والقدرة على ممارسة شعائر الدّين والأمن والغنى في مكة، كقوله تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾: الحرم المكي، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾: يجبى: من جبى الماء أيْ: جمعه، تحمل
стр. 3808
إليه وتجمع فيه كلّ أنواع الثّمار من سائر البلدان وكلّ أصناف الطّعام والشّراب والرّزق والمتاع، وتقديم إليه يفيد الحصر.
﴿رِّزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾: رزقاً خاصاً من عند الله، من لدنا ولم يقل رزقاً منا؛ لأنّ هذا الرزق رزق عام.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لكن للاستدراك والتّوكيد، أكثرهم: قريش وغيرهم، لا يعلمون: أنّ الرّزق والأمن والقتل والموت والحياة كلّه بيد الله ومن عند الله، ولو علموا ذلك لما خافوا الفقر والتّخطف، ولما قالوا ذلك ولكن علتهم الجهل بعظمة الله والشّرك. وهناك القلة الذين يعلمون ذلك.
سورة القصص [٢٨: ٥٨]
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾:
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾: الواو استئنافية، وكم هنا هي كم الخبرية وتفيد الكثرة، أيْ: كثير من القرى أهلكناها والقرية تعني: البنيان وأهل القرية معاً.
﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾: من ابتدائية.
﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾: أي: كفرت بأنعم الله، والبطر: قيل: هو سوء استعمال النّعمة وعلى رأسها عدم شكر المنعم أو استعمال النّعمة في معصية الله، أو أن يرى النّعمة أقل من مستواه أو تتجبر أو تتكبر على النّعمة فلا ترضى بها، وتطلب أعلى منها، والبطر: يشمل التّبذير والتّمرد والطّغيان، والأكل من رزق الله وعبادة غيره.
﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ﴾: الفاء للتوكيد، تلك: اسم إشارة واللام للبعد، مساكنهم: منازلهم.
﴿لَمْ تُسْكَن مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾: لأنّهم لم يخلفهم أحد بعد هلاكهم من ولد
стр. 3809
ولم يتركوا أحداً يسكن فيها، إلا أداة حصر قليلاً؛ أي: المسافرون ومارُّ الطريق كما قال ابن عباس.
﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾: نحن ضمير منفصل يفيد التّوكيد، الوارثين: أيْ: لم يتركوا من يرثهم وكنا نحن الوارثين بقيت مهجورة وخراباً.
سورة القصص [٢٨: ٥٩]
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِى أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾: ما النّافية، كان ربك: أيْ: من السنن الكونية الثّابتة ما كان مهلك أهل قرية من القرى حتّى يبعث فيها رسولاً يتلو عليم آيات الله، وهذا هو الشّرط الأوّل، وأمّا الشّرط الثّاني: أن يكون أهلها ظالمين.
﴿مُهْلِكَ الْقُرَى﴾: أيْ: مهلك أهلها. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٤) لبيان معنى الهلاك.
﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية.
﴿يَبْعَثَ فِى أُمِّهَا﴾: البعث يكون لإحياء منهج موجود سابقاً وذلك ببعث رسول أو نبي، أمّها: في العاصمة أو أمّ القرى، أو أعظم القرى. في أمها: ولم يقل: إلى أمها؛ فهذا يدل على البعث المتواصل، وأكثر من رسول أحياناً.
ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩) لبيان معنى البعث.
﴿رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾: ولهدايتهم وتبيان ما أنزل الله تعالى إليهم ودعوتهم للإيمان؛ لإلزام الحُجَّة وإقامتها عليهم وقطع المعذرة والإنذار بالهلاك.
﴿آيَاتِنَا﴾: الآيات التّشريعية أو آيات الكتاب والآيات الكونية والمعجزات أو البينات وإضافة الآيات إليه: تشريف لها وتعظيم لقدرها.
стр. 3810
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى﴾: ما: النافية لكل الأزمنة. كنا: في الماضي والحاضر والمستقبل. مهلكي: حذف النون للإيغال في النفي بدلاً من مهلكون؛ أيْ: حال كونهم ظالمين، وتكرار ما يفيد توكيد النّفي. القرى: جمع قرية أيْ: أهلها. وقوله مهلك القرى، ثم قوله تعالى مهلكي القرى: تدل على التوكيد الشديد لن يهلك الله سبحانه قرية أو قوماً بظلم أبداً.
﴿إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ إلا: أداة حصر؛ أي: ما كنا مهلكي القرى في كل حال من الأحوال إلا في حال كونهم ظالمين، لم يقل: يظلمون: ظالمون أيْ: أصبح الظّلم صفة ثابتة عندهم، يهلكهم حين يتمادون في ظلمهم ويستمرون عليه، ولا يتوبون، والظّلم يعني: الشّرك وفعل المعاصي والطّغيان والكبائر، والخروج عن منهج الله تعالى. ولا ننسى قوله تعالى في سورة الأنعام آية (١٣١) ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾؛ أي: الإهلاك لا يقع مع الغفلة، بل لا بد أن يسبقه إرسال الرسل.
وقوله تعالى في سورة هود آية (١١٧): ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾؛ أي: الإهلاك لا يقع أبداً في حال كون أهل القرية مصلحين.
стр. 3811
سورة القصص [٢٨: ٦٠]
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَىْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَىْءٍ﴾: ما شرطية، أوتيتم من الإيتاء وهو العطاء من دون تملك. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة للبيان والفرق بين الإيتاء والعطاء، من: استغراقية تشمل كلّ شيء، وشيء نكرة يشمل المال والأولاد والزّينة والزّخارف والأنعام والخيل المسومة والمركبات والحدائق والدّور والقصور.
﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: متاع: تعريفه كلّ ما ينتفع به ويرغب في اقتنائه، ويتمتع به من أثاث البيت والسّلعة والأداة وهو متاع زائل.
﴿وَزِينَتُهَا﴾: الزّينة تشمل المال والذّهب والحلي والفضة والزّينة الشّيء الزّائد عن الضّروريات، أيْ: إنّ الدّنيا وما فيها متاع وزينة كلّ ذلك زائل وفانٍ أو مجرَّد متاع وزينة مؤقتة وزائلة كقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: ٢٠].
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾: ما: اسم موصول تستعمل للشيء غير محدد من الرضوان ورؤية وجهه الكريم، وما عنده من جنات النعيم وما فيها من الطّعام والشّراب والفاكهة والزّينة والقصور والحدائق (من نعيم الجنة)، خير وأبقى: أفضل ودائم لا ينقطع ولا ينفد ولا يزول ولا يقل.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري وتوبيخ على عدم التّعقل وتعجب من ترك التّفكير، ألا: أداة تحمل معنى التّنبيه والحضِّ وبمعنى الأمر
стр. 3812
أي: اعقلوا، والفاء في أفلا: للتوكيد، تعقلون: لأنّ الإنسان إذا فكر وعقل وتذكر وتدبَّر فسوف يصل إلى الحقيقة، ومن عقل الشّيء عرفه بدليله ومنهجه بأسبابه ونتائجه، أفلا تعقلون تفهمون وتدركون أنّ ما عند الله خير فاسعوا إليه قبل فوات الأوان.
لنقارن هذه الآية (٦٠) من سورة القصص مع الآية (٣٦) من سورة الشّورى، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَىْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾:
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَىْءٍ﴾: استعمل الواو استئنافية.
﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَىْءٍ﴾: الفاء في سورة الشّورى تفيد التّعقيب.
في القصص: ذكر ثلاثة أمور بطرت معيشتها وزينتها، ثمّ ذكر زينة قارون ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ﴾ وانتهت الآية ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ لأنّ الآية في سياق قوم فرعون وقارون وأمثالهم.
في الشّورى: لم يذكر الزّينة على الإطلاق، لأنّ الآية في سياق الّذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، فهؤلاء ليس غايتهم زينة الحياة الدّنيا.
سورة القصص [٢٨: ٦١]
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾:
﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة للاستفهام تفيد إنكار التّسوية بين الّذي وعدناه وعداً حسناً والذي هو يوم القيامة من المحضرين في العذاب.
﴿وَعَدْنَاهُ﴾: من الوعد والوعد يعني: بالخير إذا أطلق ولم يقيد، وإذا قيد قد يأتي في سياق الخير أو العذاب؛ أي: المؤمن الّذي يعمل الصّالحات.
стр. 3813
﴿وَعْدًا حَسَنًا﴾: الوعد الحسن الوعد بالجنة.
﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾: الفاء للتوكيد، وهو للتوكيد أيضاً، لاقيه: مدركه حاصل عليه محقِّقه.
﴿كَمَنْ﴾: الكاف للتشبيه، من اسم موصول بمعنى الّذي وتفيد العاقل.
﴿مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: مُتِّع بشيء فانٍ وزائل أو يزول عن قريب أو متاع الغرور.
﴿ثُمَّ﴾: للبعد بين الوعدين الزّائل الفاني والباقي الدّائم، وقد تعني للترتيب والتراخي في الزمن.
﴿هُوَ﴾: يفيد التّوكيد.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾: في العذاب وفي جهنم جمع مُحضر مرغم على الحضور من قِبل الملائكة تحضره للحساب والجزاء. وكلمة المحضرين لا تأتي إلا في سياق العذاب في كل القرآن، وكلمة من المحضرين تعني أيضاً لكي لا يظن أن بإمكانه الهرب.
سورة القصص [٢٨: ٦٢]
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾:
﴿وَيَوْمَ﴾: نكرة للتهويل والتّعظيم (يوم القيامة).
﴿يُنَادِيهِمْ﴾: أي: الّذين أشركوا بالله.
﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ﴾: إضافة فيقول للتوكيد والاهتمام بما سيأتي خبره وكان بالإمكان حذفها والقول ويوم يناديهم: أين شركائي الّذين كنتم تزعمون، أين: استفهام إنكاري للتوبيخ والتّهكم، شركائي: من الأصنام أو الأوثان أو الطّواغيت والملائكة وغيرهم.
стр. 3814
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذم.
﴿كُنتُمْ﴾ في الدّنيا.
﴿تَزْعُمُونَ﴾: أنّهم شركائي لي، تزعمون: من الزّعم وهو القول الّذي ليس له دليل وأقرب إلى الباطل والكذب أو ادِّعاء العلم، أو تزعمون أنّهم سيشفعون لكم أو ينصرونكم أو يقربونكم إلى الله زلفى.
سورة القصص [٢٨: ٦٣]
﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾:
﴿قَالَ الَّذِينَ﴾: أيْ: أئمّة الضّلال، الرّؤساء أو المتبوعين الّذين أضلوا غيرهم وأغووهم.
﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾: أيْ: وجب وثبت لهم العذاب في المستقبل ولم يقع بعد.
﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ﴾: الهاء للتنبيه، أولاء: اسم إشارة للقرب، الآن يعترفون بربهم ويقولون: ربنا: نداء استعطاف.
﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾: الّذين اسم موصول، أغوينا: في الدّنيا، أيْ: أضللناهم في العقيدة والدِّين، والفساد والعدول عن الحق. ارجع إلى سورة الحجر الآية (٤٢) للبيان، أغوينا.
﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾: لنكون سواء في الخسران أغويناهم بالوسوسة والتزيين والضلال وليس بالقسر والقهر ولا فرق بين غيِّنا وغيِّهم هم غووا باختيارهم ونحن غوينا باختيارنا فنحن سواء.
стр. 3815
﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾: تبرأنا إليك من عبادتهم وطاعتهم إيانا ومن أعمالهم وعقائدهم.
﴿مَا كَانُوا﴾: ما النّافية، كانوا في الماضي.
﴿إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾: بل كانوا يعبدون أهواءَهم ويقلِّدون آباءَهم.
سورة القصص [٢٨: ٦٤]
﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾:
﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾: لينصروكم أو يدفعوا عنكم العذاب أو ينقذوكم من الذّل والخسران، والقصد من هذا السؤال هو التّوبيخ والتّقريع.
﴿فَدَعَوْهُمْ﴾: بالفعل نادوا عليهم فلم يستجيبوا.
﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾: بأعينهم فاشتدت حسرتهم وبرزت الجحيم للغاوين، وودُّوا لو كانوا في الدّنيا مهتدين.
﴿لَوْ﴾: حرف شرط وتمنٍّ.
﴿أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾: أنّهم: أن للتوكيد، كانوا: في الدّنيا، يهتدون: أيْ: تمنوا لو اهتدوا ولو بعض الهداية، أو لو كانوا مسلمين كقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢].
سورة القصص [٢٨: ٦٥]
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾:
ارجع إلى الآية (٦٢) للبيان.
﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾: استفهام وتقرير وتقريع ماذا كان جوابكم للرسل الّذين أرسلوا إليكم، عن التّوحيد ولا إله إلا الله وعبادة الله تعالى هل آمنتم به واتبعتموهم أم كذبتموهم وحاربتموهم، الغرض من تكرار هذه النّداءات للتوبيخ والتّقريع.
стр. 3816
توبيخهم وتوبيخ الّذين عبدوهم واتبعوهم من دون الله.
﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: الرسل والأنبياء، ومن يكذب رسولاً أو نبياً فكأنما كذب كل الرسل؛ لأن رسالتهم واحدة هي: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠].
سورة القصص [٢٨: ٦٦]
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾:
﴿فَعَمِيَتْ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، عميت: من عمى البصيرة لم يعد يستطيعوا التّفكير أو يتذكروا، أيْ: حُجَّة أو معذرة أو قول والتزموا السّكوت.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ﴾: أصلها عموا عن الأنباء؛ أي: لم يهتدوا إليها، لا بل أسوء من ذلك جعل الأنباء لا تهتدي إليهم؛ أي: كأن الأنباء لها أعين لا تبصر بها، فلذلك لا تهتدي إليهم للإشارة إلى شدة الموقف آنذاك.
﴿عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ﴾: الحجج.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم العرض والحساب، يومئذ: ارجع إلى سورة الحاقة آية (١٥) للبيان.
﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾: لا يملكون إلا الصمت ولا يسأل بعضهم بعضاً، ولا يدري ما يقول بعضهم لبعض؛ لأنّهم علموا أنّهم صالو الجحيم.
سورة القصص [٢٨: ٦٧]
﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾:
﴿فَأَمَّا مَنْ﴾: الفاء للتوكيد، أما: شرطية، من: ابتدائية.
﴿تَابَ﴾: من هؤلاء المشركين أو غيرهم في الدنيا ورجع عن ضلاله وشركه وكفره. ارجع إلى الآية (١٨) من سورة النّساء لمعرفة التّوبة أنواعها أركانها.
стр. 3817
﴿وَآمَنَ﴾: آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: الفرائض والنّوافل وغيرها من الباقيات الصّالحات.
﴿فَعَسَى﴾: الفاء للتوكيد، عسى: أداة رجاء تسبق الرّجاء الّذي غالباً ما يحصل ويتم تحقيقه.
﴿أَنْ يَكُونَ﴾: أن حرف مصدري يفيد التّعليل.
﴿مِنَ﴾: ابتدائية.
﴿الْمُفْلِحِينَ﴾: الفائزين: بالجنة والناجين من النّار.
ارجع إلى سورة البقرة آية (٥) للبيان.
سورة القصص [٢٨: ٦٨]
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
المناسبة: بعد ذكر المشركين وشركائهم وسؤالهم ليشفعوا لهم ولينصروهم يوم القيامة فلا يستجيبون لهم ويتبرؤون منهم وتعمى بصائرهم يوم القيامة فهم لا يتساءلون، وما يشاؤون ويختارون كله باطل لا وجود له، وما يشاء الله سبحانه ويختار هو الحق.
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾: ما للعاقل وغير العاقل وما تستعمل للشيء غير المحدد، أيْ: تشمل كلّ شيء يخلقُ، ويختار ما يشاء وليس لأحدٍ الأمر والاختيار فهو يخلق ما يشاء خلقه ومشيئته مقرونة بالحكمة فهو لا يخلق عبثاً.
الاختيار يكون من بين أشياء غير متشابهة، ولذلك لم يقل: يصطفي
стр. 3818
(الاصطفاء من أشياء متشابهة) فهو يختار الرّسل ويختار الأنبياء والملائكة والرّسل ويختار من الشّهور والأيّام والليالي والجبال والأماكن ما يشاء.
﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾: ما: نافية، كما قال ابن عباس وأكثر المفسرين؛ أي: ما كان لهؤلاء المشركين ولا لأصنامهم حق الاختيار؛ لأنهم لا يخلقون شيئاً، ولا أصنامهم تخلق شيئاً، ولا تختار أيضاً، والله وحده له حق الاختيار المطلق، وليس لأحد غيره؛ لأنه هو الخالق وحده، ولكونه الحكيم لا يفعل إلا الصالح والأصلح، وهو الذي يحدد ما هو صالح أو أصلح، وليس نحن الذين نحدد؛ لأنه يعلم ونحن لا نعلم. الخيرة: تعني: الاختيار في شيء؛ الخيرة: اسم مصدر بمعنى: الاختيار.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: التسبيح: تنزيه الله سبحانه من أي نقص، أو مشابهة المخلوقين وتعالى عن إشراكهم. ارجع إلى الآية (١) من سورة الحديد والآية (١) من سورة النّحل لمزيد من البيان في معنى التسبيح.
سورة القصص [٢٨: ٦٩]
﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾:
﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا﴾: أيْ: كلّ شيء. ما: تشمل؟؟؟؟؟؟
﴿تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾: من الكنِّ وهو الإخفاء والكتمان، ما تكنُّ صدروهم من الشّرك والحقد والعداوة والكيد والنفاق.
﴿وَمَا﴾: اسم موصول، وتكرار ما للتوكيد، وفصل كلا الأمرين الإكنان والإعلان.
﴿يُعْلِنُونَ﴾: يقولون بألسنتهم ويظهرون من الأفعال ويعلم ما تكنُّ صدورهم وما يعلنون بشكل دائم ومستمر. وما يتكلمون في آنٍ واحدٍ، وبشكل جماعي.
стр. 3819
سورة القصص [٢٨: ٧٠]
﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِى الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:
﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾: هو للتوكيد، الله واجب الوجود المعبود الحق. الواحد الأحد …
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة للبيان.
﴿لَهُ﴾: له حصراً وقصراً.
﴿الْحَمْدُ فِى الْأُولَى﴾: أي: له الحمد في الدّنيا؛ لأنّ كلّ ما في الدّنيا هو خلقه ومن فضله وإنعامه من أرض وسماء وشمس وقمر وطعام وشراب وحياة وحركة وسكون، فكلّ ذلك يوجب الحمد المطلق الدائم حمداً دائماً.
ارجع إلى سورة الحمد آية (٢) لمزيد من البيان …
﴿وَالْآخِرَةِ﴾: وله الحمد في الآخرة على رحمته ولمغفرته وفضله وإحسانه للنجاة من النّار والفوز بالجنة، نحمده على الآخرة، ونحن لا زلنا في الدّنيا عسى أن يرحمنا ويكفِّر عنا سيئاتنا ويدخلنا مع الأبرار.
﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾: تكرار وله يفيد التّوكيد والحصر والقصر، الحكم: فهو الحاكم المطلق فلا راد لحكمه ولا مبدل لحكمه في الدّنيا ولا في الآخرة، وهو الحكم: العدل.
﴿وَإِلَيْهِ﴾: تقديم إليه يفيد أيضاً الحصر.
﴿تُرْجَعُونَ﴾: للحساب والجزاء، ترجعون إليه سبحانه بغير إرادتكم أو اختياركم قسراً.
стр. 3820
سورة القصص [٢٨: ٧١]
﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾:
المناسبة: ذكر هذه الآية والّتي تليها دلائل أخرى على عظمته وقدرته الموجبة للعبادة والوحدانية.
﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ .
﴿أَرَءَيْتُمْ﴾: أي: أخبروني بشيء من العلم والتّوكيد، الرّؤية هنا رؤية قلبية فكرية ورؤية حقيقية بصرية.
﴿إِنْ جَعَلَ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال أو الأمر المشكوك في حدوثه؛ أيْ: على سبيل الافتراض، جعل: صيَّر.
﴿اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: سرمداً دائماً لا ينقطع، والسّرمد دوام الزّمان من ليل ونهار أي: الدّائم المستمر الذي لا ينقطع، أي: جعل الليل دائماً بلا انقطاع أو من دون نهار على طوال حياتكم، واستمر ذلك إلى يوم القيامة.
وهذا يعني أنّه لا تستقيم أي حياة على الأرض ولن يستطيع أي مخلوق أن يقاوم ذلك.
﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ﴾: من استفهامية تفيد التّوبيخ والتّقرير فلما لا تعبدونه وتقرون بعظمته ووحدانيته، غير الله: سوى الله يأتيكم بضياء (نور أبيض + حرارة) صادر عن الشّمس، أغلب أشعة الشّمس مثل الأشعة السينية وفوق البنفسجية وتحت الحمراء، وغيرها من أشعة الشّمس لا تصل إلينا بفضل
следующие страницы →