← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

توبيخهم وتوبيخ الّذين عبدوهم واتبعوهم من دون الله. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: الرسل والأنبياء، ومن يكذب رسولاً أو نبياً فكأنما كذب كل الرسل؛ لأن رسالتهم واحدة هي: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠]. سورة القصص [٢٨: ٦٦] ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾: ﴿فَعَمِيَتْ﴾: الفاء للمباشرة والتّعقيب، عميت: من عمى البصيرة لم يعد يستطيعوا التّفكير أو يتذكروا، أيْ: حُجَّة أو معذرة أو قول والتزموا السّكوت. ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ﴾: أصلها عموا عن الأنباء؛ أي: لم يهتدوا إليها، لا بل أسوء من ذلك جعل الأنباء لا تهتدي إليهم؛ أي: كأن الأنباء لها أعين لا تبصر بها، فلذلك لا تهتدي إليهم للإشارة إلى شدة الموقف آنذاك. ﴿عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ﴾: الحجج. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يوم العرض والحساب، يومئذ: ارجع إلى سورة الحاقة آية (١٥) للبيان. ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾: لا يملكون إلا الصمت ولا يسأل بعضهم بعضاً، ولا يدري ما يقول بعضهم لبعض؛ لأنّهم علموا أنّهم صالو الجحيم. سورة القصص [٢٨: ٦٧] ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾: ﴿فَأَمَّا مَنْ﴾: الفاء للتوكيد، أما: شرطية، من: ابتدائية. ﴿تَابَ﴾: من هؤلاء المشركين أو غيرهم في الدنيا ورجع عن ضلاله وشركه وكفره. ارجع إلى الآية (١٨) من سورة النّساء لمعرفة التّوبة أنواعها أركانها.

стр. 3817

﴿وَآمَنَ﴾: آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: الفرائض والنّوافل وغيرها من الباقيات الصّالحات. ﴿فَعَسَى﴾: الفاء للتوكيد، عسى: أداة رجاء تسبق الرّجاء الّذي غالباً ما يحصل ويتم تحقيقه. ﴿أَنْ يَكُونَ﴾: أن حرف مصدري يفيد التّعليل. ﴿مِنَ﴾: ابتدائية. ﴿الْمُفْلِحِينَ﴾: الفائزين: بالجنة والناجين من النّار. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥) للبيان. سورة القصص [٢٨: ٦٨] ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: المناسبة: بعد ذكر المشركين وشركائهم وسؤالهم ليشفعوا لهم ولينصروهم يوم القيامة فلا يستجيبون لهم ويتبرؤون منهم وتعمى بصائرهم يوم القيامة فهم لا يتساءلون، وما يشاؤون ويختارون كله باطل لا وجود له، وما يشاء الله سبحانه ويختار هو الحق. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾: ما للعاقل وغير العاقل وما تستعمل للشيء غير المحدد، أيْ: تشمل كلّ شيء يخلقُ، ويختار ما يشاء وليس لأحدٍ الأمر والاختيار فهو يخلق ما يشاء خلقه ومشيئته مقرونة بالحكمة فهو لا يخلق عبثاً. الاختيار يكون من بين أشياء غير متشابهة، ولذلك لم يقل: يصطفي

стр. 3818

(الاصطفاء من أشياء متشابهة) فهو يختار الرّسل ويختار الأنبياء والملائكة والرّسل ويختار من الشّهور والأيّام والليالي والجبال والأماكن ما يشاء. ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾: ما: نافية، كما قال ابن عباس وأكثر المفسرين؛ أي: ما كان لهؤلاء المشركين ولا لأصنامهم حق الاختيار؛ لأنهم لا يخلقون شيئاً، ولا أصنامهم تخلق شيئاً، ولا تختار أيضاً، والله وحده له حق الاختيار المطلق، وليس لأحد غيره؛ لأنه هو الخالق وحده، ولكونه الحكيم لا يفعل إلا الصالح والأصلح، وهو الذي يحدد ما هو صالح أو أصلح، وليس نحن الذين نحدد؛ لأنه يعلم ونحن لا نعلم. الخيرة: تعني: الاختيار في شيء؛ الخيرة: اسم مصدر بمعنى: الاختيار. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: التسبيح: تنزيه الله سبحانه من أي نقص، أو مشابهة المخلوقين وتعالى عن إشراكهم. ارجع إلى الآية (١) من سورة الحديد والآية (١) من سورة النّحل لمزيد من البيان في معنى التسبيح. سورة القصص [٢٨: ٦٩] ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا﴾: أيْ: كلّ شيء. ما: تشمل؟؟؟؟؟؟ ﴿تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾: من الكنِّ وهو الإخفاء والكتمان، ما تكنُّ صدروهم من الشّرك والحقد والعداوة والكيد والنفاق. ﴿وَمَا﴾: اسم موصول، وتكرار ما للتوكيد، وفصل كلا الأمرين الإكنان والإعلان. ﴿يُعْلِنُونَ﴾: يقولون بألسنتهم ويظهرون من الأفعال ويعلم ما تكنُّ صدورهم وما يعلنون بشكل دائم ومستمر. وما يتكلمون في آنٍ واحدٍ، وبشكل جماعي.

стр. 3819

سورة القصص [٢٨: ٧٠] ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِى الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾: هو للتوكيد، الله واجب الوجود المعبود الحق. الواحد الأحد … ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة للبيان. ﴿لَهُ﴾: له حصراً وقصراً. ﴿الْحَمْدُ فِى الْأُولَى﴾: أي: له الحمد في الدّنيا؛ لأنّ كلّ ما في الدّنيا هو خلقه ومن فضله وإنعامه من أرض وسماء وشمس وقمر وطعام وشراب وحياة وحركة وسكون، فكلّ ذلك يوجب الحمد المطلق الدائم حمداً دائماً. ارجع إلى سورة الحمد آية (٢) لمزيد من البيان … ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: وله الحمد في الآخرة على رحمته ولمغفرته وفضله وإحسانه للنجاة من النّار والفوز بالجنة، نحمده على الآخرة، ونحن لا زلنا في الدّنيا عسى أن يرحمنا ويكفِّر عنا سيئاتنا ويدخلنا مع الأبرار. ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾: تكرار وله يفيد التّوكيد والحصر والقصر، الحكم: فهو الحاكم المطلق فلا راد لحكمه ولا مبدل لحكمه في الدّنيا ولا في الآخرة، وهو الحكم: العدل. ﴿وَإِلَيْهِ﴾: تقديم إليه يفيد أيضاً الحصر. ﴿تُرْجَعُونَ﴾: للحساب والجزاء، ترجعون إليه سبحانه بغير إرادتكم أو اختياركم قسراً.

стр. 3820

سورة القصص [٢٨: ٧١] ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾: المناسبة: ذكر هذه الآية والّتي تليها دلائل أخرى على عظمته وقدرته الموجبة للعبادة والوحدانية. ﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ . ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾: أي: أخبروني بشيء من العلم والتّوكيد، الرّؤية هنا رؤية قلبية فكرية ورؤية حقيقية بصرية. ﴿إِنْ جَعَلَ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال أو الأمر المشكوك في حدوثه؛ أيْ: على سبيل الافتراض، جعل: صيَّر. ﴿اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: سرمداً دائماً لا ينقطع، والسّرمد دوام الزّمان من ليل ونهار أي: الدّائم المستمر الذي لا ينقطع، أي: جعل الليل دائماً بلا انقطاع أو من دون نهار على طوال حياتكم، واستمر ذلك إلى يوم القيامة. وهذا يعني أنّه لا تستقيم أي حياة على الأرض ولن يستطيع أي مخلوق أن يقاوم ذلك. ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ﴾: من استفهامية تفيد التّوبيخ والتّقرير فلما لا تعبدونه وتقرون بعظمته ووحدانيته، غير الله: سوى الله يأتيكم بضياء (نور أبيض + حرارة) صادر عن الشّمس، أغلب أشعة الشّمس مثل الأشعة السينية وفوق البنفسجية وتحت الحمراء، وغيرها من أشعة الشّمس لا تصل إلينا بفضل

стр. 3821

نطق الحماية حول الأرض، وما يصل إلينا هو حزمة من الأشعة تسمَّى حزمة الضوء المرئي الّتي هي عبارة عن ألوان الطيف السبعة (الأحمر والبنفسجي والأزرق والأخضر والنيلي والبرتقالي والأصفر) هذه الحزمة متى وصلت إلى الغلاف الغازي للأرض تمتزج بها فيطلع لنا النور الأبيض المسمَّى ضياءً. وما يصدر عن القمر والكواكب المشابهة هو نور فالضوء أو الضياء يختلف عن النّور، الضياء أو الضوء هو كلّ إضاءة صادرة عن مصدر مشتعل كالشّمس أو النجوم أو نار ملتهبة، وإذا سقط هذا الضوء على جسم معتم كالقمر انعكس وأصبح نوراً، ولذلك يقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]، فالقمر لا يضيء، وإنما يعكس أشعة الشّمس. جواب الاستفهام محذوف، أيْ: لا أحد. ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾: أفلا: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتّوبيخ على عدم السّماع والتّعجب من ترك السّماع والفاء للتوكيد، ألا: أداة تنبيه وحضٍّ للاستماع والاستفادة بما نسمع من آيات ومواعظ ووعيد، سماع فهم وتدبُّر وقبول وعمل بما نسمع وقوله: أفلا تسمعون، تعني: اسمعوا، واختار السّمع لليل؛ لأن آلة السّمع وهي الأذن لا تغلق وتبقى تسمع في اللّيل، أمّا العين في اللّيل بسبب الظّلمة فتعطل ولا عمل لها، ولذلك لم يقل: أفلا تبصرون. سورة القصص [٢٨: ٧٢] ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾: قدَّم في الآية السّابقة الليل على النّهار؛ لأنّ الليل هو الأصل أو الظّلام. ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة. ﴿النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: النّهار: النّهار في القرآن يعني: من طلوع الشّمس حتّى غروبها، ويعادل (١٢) ساعة.

стр. 3822

النّهار: اسم للضياء والحاصل من سقوط أشعة الشّمس على الطّبقة الغازية المحيطة بالأرض الّتي تجعلها تضيء. ارجع إلى الآية (٦٧) من سورة يونس لبيان معنى النّهار. أيْ: جعل الله عليكم النّهار سرمداً: أيْ: مستمراً دائماً بلا انقطاع؛ أي: بلا ليل. ﴿تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾: من السّكن وهو الانقطاع عن الحركة أو الحد منها والرّاحة والنّون في تسكنون للتوكيد، فيه ظرفية زمانية، أيْ: خلال الليل. ولولا جعل الليل والنّهار (أي: خلق الليل والنّهار) الضروريان لما استقامت الحياة على هذا الكوكب فأغلب الكائنات الحية لا تتحمل العيش في الظلام باستمرار ولا في النّور باستمرار، فهذه الآية تبادل الليل والنّهار من أعظم الآيات الكونية الدّالة على عظمة الخالق وقدرته ووحدانيته الّتي تشير أنّه الإله الحق الّذي يجب أن يطاع ويُعبد، وإذا نظرنا في الآية: نجد أنه سبحانه قيد الليل فقال: تسكنون فيه، بينما أطلق النهار (الضياء) ولم يقيده بصفة؛ لكثرة فوائده، وما يجري فيه من حركة وسعي، ولنعلم السنين والحساب. ﴿أَفَلَا﴾: ارجع إلى الآية السّابقة. ﴿تُبْصِرُونَ﴾: من البصر والبصيرة، البصر يتم بالعين وهو الرّؤية، والبصيرة الرّؤية القلبية الفكرية وهي ناتجة عن تكامل العلم والمعرفة. واختار العين وهي آلة البصر في النّهار فقال: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ فيها حثٌّ وحضٌّ على البصر في آيات الله وتأملها والنّظر فيها بتدبُّر وفهم وعمل بما نبصر بتكرار وتجدُّد واستمرار، وليس مرة واحدة، تبصرون بصيغة المضارع لتجديد البصر والتّفكر بآيات الله.

стр. 3823

سورة القصص [٢٨: ٧٣] ﴿وَمِنْ رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ﴿وَمِنْ رَّحْمَتِهِ﴾: ومن: الواو: استئنافية؛ من: ابتدائية بعضية؛ أي: ومن آثار رحمته تعالى، والرّحمة: هي جلب كلّ ما ينفع ودفع كلّ ما يضر. ﴿جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: خلفه، يخلف كلّ منهما الآخر أيْ: يتعاقبان، لا الليل سابق النّهار ولا النّهار سابق الليل. وفي هذا إشارة إلى كروية الأرض ودورتها حول محورها، فالجزء المقابل للشّمس والحاوي للغلاف الغازي حين تسقط عليه حزمة الضوء المرئي من أشعة الشّمس (ألون الطيف السبعة) تضيء، ويبدأ النّهار، وأما الجزء غير المقابل للشّمس فيكون ليلاً، فتعاقب الليل والنهار من أكبر الآيات الكونية الدّالة على عظمة الله تعالى ومقدرته الداعية للإيمان به وتوحيده. ﴿لَكُمُ﴾: اللام لام الاختصاص، خاص بكم وقدَّم الليل على النّهار؛ لأنّه هو الأصل (الظّلام هو السّائد والأصل في الكون) فالليل لتسكنوا فيه والنّهار لتبتغوا من فضله. والليل ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾: اللام لام التّوكيد، تسكنوا فيه: ارجع إلى الآية (٧٢) السّابقة. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: واللام للتوكيد، تبتغوا من فضله: أيْ: تطلبوا وتبحثوا عن رزقكم، الفضل هو الزّيادة على الاستحقاق، أيْ: لترتاحوا في الليل من التّعب، ثم تعودوا في النّهار لمزاولة أعمالكم بنشاط. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: الواو: واو الجمع؛ أي: لعلكم تشكرون الله على هذه النعمة (نعمة الليل والنهار) وغيرها من النعم. لعلكم: للتعليل، تشكرون: المنعم

стр. 3824

على نعمه الّتي لا تعدُّ ولا تحصى، ومنها اختلاف الليل والنّهار، كقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]. وإذا قارنا هذه الآية ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ والآية ﴿وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]. سكناً: جملة اسمية تدل على الثّبوت ولتسكنوا فيه: جملة فعلية تدل على تكرار وتجدُّد هذه النّعمة نعمة الجعل. أيْ: جعل نعمة الليل ثابتة وتتجدَّد وتتكرَّر في نفس الوقت. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لمزيد من البيان في معنى الشكر. سورة القصص [٢٨: ٧٤] ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَاءِىَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٦٢) للبيان. والسّؤال هنا: لماذا كرَّر سبحانه النّداء في الآية (٦٢) والآية (٦٥) والآية (٧٤). أولاً: هذا ليس تكراراً كما قد يظن البعض. فالآية (٦٢) هو نداء أو سؤال للذين أشركوا: بإحضار شركائهم، فكان الرّد على النّداء: فدعوهم فلم يستجيبوا لهم. والآية (٦٥) هو نداء أو سؤال للذين أشركوا: ماذا أجبتم المرسلين فكان الرّد: فعميت عليهم الأنباء فهم لا يتساءلون. والآية (٧٤) هو نداء وسؤال الّذين أشركوا: هاتوا برهانكم على صدقكم، فكان الرّد: وَضَلَّ عنهم ما كانوا يفترون، أيْ: كان كلّ ذلك كذباً وافتراء على الله تعالى، كما سيرد في الآية.

стр. 3825

سورة القصص [٢٨: ٧٥] ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: نزعنا أخرجنا بشدة كقوله: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشّعراء: ٣٣]. ﴿مِنْ كُلِّ﴾: من: استغراقية، كلّ: للتوكيد. ﴿أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: أيْ: رسولها أو نبيها الّذي يشهد عليها بالتّبليغ، أو ليكون شاهداً عليها كقوله تعالى: ﴿وَجِااءَ بِالنَّبِيِّنَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩]. ﴿فَقُلْنَا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، قلنا بصيغة الجمع للتعظيم. ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ على أنّ لله شركاء أو أنداداً، مع العلم أن رسلي أنذروكم أن لا تشركوا بي شيئاً. والبرهان: هو الحُجَّة القاطعة على صحَّة أن لله سبحانه شريكاً أو ولداً. ﴿فَعَلِمُوا﴾: والفاء للترتيب والمباشرة أيْ: علموا علم اليقين مباشرة آنذاك أن الحق: الحق هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغيَّر، أي: الألوهية لله وحده، أو هو الإله الواحد الأحد ولا إله إلا هو لا شريك له ولا ولد. لله: اللام لام الاختصاص والملكية والاستحقاق. ﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾: ضل: غاب عنهم ولم يجدوا برهاناً ولا شريكاً ولا وليّاً ولا نصيراً ينصرهم ولا يشفع لهم ولا يعترف بعبادتهم. ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: ما اسم موصول تستعمل للشيء غير المحدَّد وتشمل غير العاقل والعاقل؛ تشمل أنواع الافتراء، يفترون: من الافتراء وهو اختلاق الكذب، ما كانوا يكذبون عمداً باطلاً في الدّنيا، بأن لله شركاءَ وولداً أو وليّاً أو صاحبةً. يفترون بصيغة المضارع الدالة على التجدد والتكرار.

стр. 3826

سورة القصص [٢٨: ٧٦] ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِى الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿قَارُونَ﴾: قيل: هو ابن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب وموسى هو ابن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. ﴿كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾: قيل: هو ابن عم موسى كما ذكر ابن عباس وقتادة وجرير وكثير من أهل العلم، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة، ولذلك قال: إنما أوتيته على علم عندي؛ أي: استحقاقي لذلك، وقيل: علم الكيمياء؛ أيْ: من عشيرة موسى، من قوم موسى، أيْ: من بني إسرائيل، ولم يقل: من بني إسرائيل، واكتفى بالقول من قوم موسى، وهذا القول يعني أقرب بني إسرائيل إلى موسى، وكان من الغريب أن يكون جاحداً لنعم الله عليه وأن يكون مصيره أغرب من مصير فرعون، وقيل: إنّ فرعون أسند إليه الإمارة على بني إسرائيل. ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾: على بني إسرائيل، البغي: هو أخذ حق الغير بقهر وقوة وتعسف أو بغى عليهم بسبب ماله وتجبر وتكبر، أيْ: ظلم وتجاوز الحدِّ في الظّلم، وأصبح عدواً لموسى وأتباعه. ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾: جمع كنز وهو المال المدَّخر. من الذهب والفضة والمال … ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِى الْقُوَّةِ﴾: ما إن: ما: اسم موصول بمعنى الّذي، إنَّ: للتوكيد. مفاتحه: مفردها مَفْتح: أيْ: خزانة، ومفاتحه: الخزائن المليئة بالكنوز وليس مفاتحه تعني مفتاح؛ لأنّ مفتاح جمعها مفاتيح.

стр. 3827

ومنهم من قال: مفتح لها معنيان: مفاتح خزائن، ومفتح ما يُفتح به الباب باب الخزائن. ﴿لَتَنُوءُ﴾: اللام للتوكيد، من ناء الشّيء ينوء: ثقل عليه. ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾: الباء للإلصاق والمصاحبة، العصبة (١٠ - ٤٠ رجلاً) وقيل: من (٣ - ١٠) أفراد، والعصبة كلمة مشتقة من جماعة يتعصب بعضها لبعض لمبدأ من المبادئ ويُعين بعضهم بعضاً كأنّهم يدٌ واحدة. ﴿أُولِى الْقُوَّةِ﴾: أصحاب القوة، إذن خزائن لا يقدر على حملها العصبة حوالي (١٠ أفراد) من أولي القوة أو يثقل عليهم حملها أو حمل مفاتيحها للدلالة على كثرتها. ﴿إِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي بمعنى حين. ﴿قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ﴾: قومه من بني إسرائيل من المؤمنين منهم وليس من الفراعنة، لا النّاهية تفرح بأموالك، والفرح نوعان فرح بحقٍّ وفرح من دون حقٍّ. والفرح المذموم هو البطر، والمرح وهو شدة الفرح. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد. ﴿لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾: جمع فرح، من فرح: بطر، لا يحب البطرين. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠) لبيان معنى الفرح وأنوعه، وارجع إلى الآية (٥٨) من نفس السّورة لبيان معنى البطر. سورة القصص [٢٨: ٧٧] ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾: ﴿وَابْتَغِ﴾: اقصد، اطلب. ﴿فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾: أنفق وتصدق في سبيل الله مما أنعم الله

стр. 3828

عليك من المال والخير الكثير، وتقرب إليه بذلك وبالشّكر، فابتغ بها ما عند الله من الثّواب والأجر والحسنى، وابتغ الحلال في كلّ الأمور، وتجنب الحرام مثل التّبذير والإسراف والبطر والمن. ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾: استمتع بالحلال بما أنعمنا عليك وبما يرضاه الله فنحن لا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك فكل واشرب والبس واسكن واركب وعلى الموسع قَدَرُه. أو المعنى: اعمل لآخرتك؛ لأنّ الدّنيا مزرعة للآخرة ونصيبك في الآخرة ما عملته في الدّنيا من الأعمال الصّالحة أي: الحسنات، وقيل: لا تنسَ أن نصيبك من الدّنيا هو الكفن الّذي تخرج به، أو ما تأخذه إلى القبر، هذا هو نصيبك … إذن نصيبك من الدّنيا ما تتمتع به من الحلال، أو ما فعلته من الحسنات. ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾: أحسن إلى عباد الله بالصدقة والزّكاة ومساعدة الفقير وإغاثة الملهوف، أنفق مما جعلك الله مستخلفاً فيه. ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الْأَرْضِ﴾: الفساد هنا يعني: إمساك حق الفقراء من الزّكاة والصدقة؛ مما قد يؤدِّي إلى السرقة بسبب الجوع والفقر والجريمة، وبالتالي نشر الفساد، والظلم كذلك يعني: الفساد والبغي. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾: إن للتوكيد، الله لا يحب: لا النّافية، المفسدين: جمع مفسد، وهو الّذي يعمد إلى ما خلق الله تعالى فيحدث فيه تغييراً ليفسده، وأما إذا غيَّره ليُحدث فيه إصلاحاً فلا مانع أو يتركه على حاله كما خلقه الله تعالى. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لبيان معنى الفساد.

стр. 3829

سورة القصص [٢٨: ٧٨] ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِى أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾: في هذه الآية يردُّ قارون على نصائح قومه له، فيقول: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِى﴾: أوتيته بجهدي وعلمي وكسبي أو معرفتي، قيل: كان عالماً بالتّوراة والتّجارة وصناعة الذّهب ولم ينسب أيَّ نعمة أو علم إلى فضل الله عليه، وكأنّه يقول: الله أعطاني ذلك المال: لأنّي أستحقه، قال ذلك بطراً والبطر الطغيان في النّعمة وعدم شكرها. ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والواو للتوكيد أَوَلَمْ يعلم من قراءته للتوراة حيث كان يعلم التّوراة أن الله أهلك الكثير من القرون من قبله. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: أن حرف مصدري يفيد التّعليل. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾: جمع قرن والقرن جماعة من النّاس عاشوا في زمن واحد والقرن (١٠٠) سنة. ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾: القوة هي القدرة الّتي يتمكن بها الحيُّ من مزاولة أفعاله. ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾: للمال وأكثر جماعة وعدداً. ﴿وَلَا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾: المجرمون هم الكافرون أو المشركون

стр. 3830

والظّالمون ومرتكبو الكبائر وكل من قطع كلّ روابطه بربه. ارجع إلى سورة الأنفال آية (٨) لبيان معنى المجرمون. ﴿وَلَا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ﴾: لأنّ الله مطلع على ذنوبهم وأعمالهم فلا يحتاج إلى سؤالهم سؤال استفهام أو عتاب، وإنما قد يسألون سؤال توبيخ وتقريع أو تقرير، وقيل: القيامة مواطن يسألون في موطن دون موطن أو في حال دون حال. سورة القصص [٢٨: ٧٩] ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾: ولم يقل: فخرج إلى قومه. ﴿عَلَى﴾: تفيد الاستعلاء والتّكبر، خرج على هيئة المتكبر أو المتعالي، وعادة تقول: خرجت إلى المسجد. ﴿فِى زِينَتِهِ﴾: في موكب عظيم يوم العيد والنّاس ينظرون إليه وهو يتقدَّم الموكب أو العرض وقيل: خرج معه عدد كبير من الجنود على خيولهم المزينة بالأرجوان. ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: يبغون الحياة الدّنيا: أيْ: يتمنون الحياة الدّنيا بزخارفها وزينتها وأموالها وعرضها ومتاعها، يريدون: بصيغة المضارع الدّالة على التّجدُّد والتّكرار. ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قَارُونُ﴾: يا ليت: أداة تمنٍّ تستعمل للأمور المستحيل حدوثها أو تحقيقها. ﴿مِثْلَ مَا﴾: ما اسم موصول بمعنى الّذي ما أوسع شمولاً من الّذي تشمل كلّ شيء … ﴿أُوتِىَ قَارُونُ﴾: الإيتاء هو العطاء - وهناك اختلاف بين الإيتاء والعطاء. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) للبيان …

стр. 3831

﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿لَذُو﴾: اللام للتوكيد. ﴿حَظٍّ عَظِيمٍ﴾: نصيب وافر من المال والدّنيا، أيْ: هو محظوظ. والحظ يأتي غالباً في سياق الخير والنصيب يكون في المحبوب والمكروه … سورة القصص [٢٨: ٨٠] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: العلم الشّرعي أو المعرفة في الدِّين، ولم يخاطبهم بالذين آمنوا أو المتقين؛ لأنهم يمتازون بالإيمان والتقوى+ العلم؛ أي: العلماء المتقون ومخاطبتهم بأولي العلم فيها مدح وثناء الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُا﴾ [فاطر: ٢٨]. خاطبوا أولئك الذين تطلعت قلوبهم إلى مال قارون. ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾: ويلكم من الويل: وهو العذاب. وتعني: الهلاك والدّمار للذين يخالفون ويتجاوزون حدود الله. ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾: أي: الجنة ورضوانه. وقدم ثواب الله على الإيمان والعمل الصالح للاهتمام؛ أي: التشويق للثواب، وتمكين الثواب في عقول السامعين. ﴿خَيْرٌ﴾: أفضل من الدّنيا ومتاعها وزينتها. ﴿لِّمَنْ﴾: اللام للتوكيد، من: اسم موصول بمعنى الّذي. ﴿آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: ارجع إلى الآية (٦٧) من نفس السّورة. وقدم ثواب الله على لمن وعمل صالحاً ليكون الثواب هو المطمع الحقيقي الذي يجب أن يتطلع إليه المرء. ﴿وَلَا﴾: لا النّافية.

стр. 3832

﴿يُلَقَّاهَا﴾: يفهمها أو يلقاها يوفق لها ويُرزَقها، أي: الجنة فهي المثوبة. ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾: إلا أداة حصر، الصابرون: عن المعصية وعلى ما أصابهم في سبيل الله من الفقر والبأساء والضّراء، وعلى طاعة الله تعالى وتجنب نواهيه، أهل الإيمان الّذين أصبح الصّبر صفة ثابتة وراسخة فيهم. سورة القصص [٢٨: ٨١] ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾: ﴿فَخَسَفْنَا﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، خسفنا: جعلنا الأرض تنشق وتبتلع قارون وحاشيته، قيل: حدث بعد فترة من يوم خروجه في زينته انتقاماً منه لكفره وبطره وكبريائه. ﴿بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾: أيْ: به وبكنوزه وخزائنه وممتلكاته، ولم يكتف بقول: به، بل زاد على ذلك وبداره وكل من شارك معه في البغي والإجرام. ﴿فَمَا﴾: الفاء للتوكيد ما النّافية. ﴿كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ﴾: من بعضية، فئة نكرة، أيْ: جماعة يمنعونه من الهلاك بالخسف أو يدفعون عنه عذاب الله وينصرونه أو يشفعون له. ﴿وَمَا كَانَ﴾: تكرار ما يفيد توكيد النّفي. ﴿مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾: من استغراقية، أيْ: لم يكن قادراً على أن ينجي نفسه من الخسف، أو ينقذها بأن يفتدي بكل ما لديه من مال ومتاع. أيْ: من الناجين من عذاب الله رغم قوته وجمعه، يقال: نصره من عدوه، أيْ: منعه منه. سورة القصص [٢٨: ٨٢] ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾: ﴿وَأَصْبَحَ﴾: بمعنى صار ولا يقصد بها الزّمان. ﴿الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ﴾: أي: الّذين قالوا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون.

стр. 3833

﴿بِالْأَمْسِ﴾: أيْ: منذ زمن قريب ولا تعني البارحة. وهذا يدل على أن الخسف لم يحدث في نفس الزّمن أو اليوم الّذي تمنى به الّذين تمنوا مكانه، فالخسف حدث بعد فترة زمنية. ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ﴾: ويكأن مركبة من كلمتين وي + كأن، وي: اسم فعل مضارع بمعنى أعجب، ولها معنى كيف، فالمعنى (عجباً كيف). ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾: أيْ: عجباً كيف يبسط الله الرّزق لمن يشاء من عباده ويقدر أو تدل على الحسرة والنّدم على ما حدث منهم عندما تمنوا أن يكون لهم ما كان لقارون. وبعد أن شاهدوا ما حدث لقارون من الخسف ندموا وعلموا أنّهم أخطؤوا. أيْ: عجبوا كيف بسط الله الرّزق لقارون بهذا الوسع، ثم خسف به وبداره الأرضَ. ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾: (مثل قارون)، ويقدر؛ أي: يُضيق أو يقبض لو شاء عليه، ولكنه لم يفعل، ولكن خسف به الأرض، ولم يقل له؛ لأنه سبحانه لو شاء لفعل ذلك، ولكن خسف به الأرض؛ أي: عاقبه عقوبة أشد من التضيق، وحرمه من العيش ولو يوماً واحداً. هذه الآية خاصة بقارون بسط الرّزق له، ثم أخذه أخذ عزيز مقتدر. ارجع إلى سورة سبأ آية (٣٦) و (٣٩) للمقارنة. ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾: لولا شرطية، أن: حرف مصدري، يفيد التّعليل، من الله علينا: رحمنا ولم يعاقبنا ولم يصبنا مثل ما أصاب قارون، لخسف بنا: أي: الأرض كما خسف بقارون، والمن يكون في العطاء أو المنع وهو هنا بمنع وقوع الخسف بهم … ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾: أيْ: وليس عجباً، لا يفلح الكافرون: أمثال قارون أو ليس عجباً كيف لا يفوز الكافرون بالنّجاة من النّار ويدخلون الجنة.

стр. 3834

سورة القصص [٢٨: ٨٣] ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد يفيد التعظيم، ويشير إلى الجنة أو دار الآخرة. ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ﴾: فجعلها دار الخلد، للذين اللام لام الاختصاص والاستحقاق. ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى الْأَرْضِ﴾: علوّاً على عباد الله بالتّكبر والظّلم والبغي: كلّ علوٍّ فساد، وليس كلُّ فساد علوّاً. والعلو: الغرور بالقوة والمال والجاه والزّينة. ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ تكرار (لا) يفيد النّفي أولاً العلو وثانياً الفساد. فالفساد هو ثمرة العلو، الفساد: هو إهلاك الحرث والنّسل وارتكاب الكبائر والمعاصي. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لبيان معنى الفساد. ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: والعاقبة الحسنة، أي: الجنة، للمتقين: اللام لام الاختصاص والاستحقاق، للمتقين: جمع متقٍّ، وهو من أطاع أوامر الله وتجنب نواهيه واستمر على ذلك، المتقين: جملة اسمية تدل على الاستقامة والثّبات والاستمرار على التّقوى لنيل العاقبة. سورة القصص [٢٨: ٨٤] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿مَنْ﴾: شرطية. ﴿جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾: الحسنة: هي كلّ عمل خير من قول أو فعل يورث ثواباً، جاء بالحسنة: أيْ: عملها والباء للإلصاق والمصاحبة. ﴿فَلَهُ﴾: الفاء للتوكيد، له: لام الاختصاص والاستحقاق.

стр. 3835

﴿خَيْرٌ مِّنْهَا﴾: أحسن منها، فهذا خير من هذا وكلاهما فيه خير، أو أخير، أو أحسن والحسنة بعشر أمثالها أو أكثر؛ لأنّ ثوابها هو خير دائم لا ينقطع. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: ارجع إلى مقدم الآية نفسها، السّيئة: المعصية أو بالأمر المنهي عنه أو كلّ ما يسيء إلى النفس. ﴿فَلَا﴾: الفاء رابطة لجواب الشّرط تفيد التّوكيد، لا النّافية. ﴿يُجْزَى﴾: من الجزاء، ويكون مقابل العمل الصّالح أو السّيِّئ والمكافئ له؛ أي: مثله. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾: الذّنوب الصغيرة أو الكبائر، وتكرار عملوا، ويعملون: يدل على التوكيد، ولم يقل ومن جاء بالسيئة فلا يجزون إلا ما كانوا يعملون. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مَا﴾: أي: الّذي أو مصدرية. وأوسع شمولاً من الّذي تشمل كلّ شيء. ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ولم يقل: ومن جاء بالسّيئة فله أشرُّ منها أو أسوأ منها قياساً على الحسنة؛ لأنّه سبحانه لا يضاعف السّيئة، كما يضاعف الحسنة، وهذا من رحمته فهو يجازي بمثلها جزاءً وفاقاً، أيْ: على قدرها. ويعملون: بصيغة المضارع تدل على حكاية الحال؛ أي: تحضر ما كانوا يعملون أمام عينيك الآن لترى بشاعته. وما كانوا في الدّنيا يعملون: العمل يضم الأقوال والأفعال.

стр. 3836

سورة القصص [٢٨: ٨٥] ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَّبِّى أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: سبب النّزول: إنّ الرّسول ﷺ لما خرج من مكة مهاجراً إلى المدينة، ونزل الجحفة بين مكة والمدينة اشتاق إلى مكة، فأنزل الله تعالى جبريل بهذه الآية. كما رُوي عن مقاتل. ﴿إِنَّ الَّذِى﴾: إن للتوكيد، الذي: اسم موصول. ﴿فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾: أنزل عليك القرآن وسمَّى إنزال القرآن فرضاً لما في القرآن من تكاليف أوجب العمل بها، أيْ: فرض العمل بها. ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾: اللام لام التّوكيد، معاد: اسم مكان من فعل عاد، ومعاد الرّجل: البلد الّذي كان فيه ورسول الله كان في مكة، لرادك إلى مكة منتصراً فاتحاً (فتح مكة) بعد الهجرة، والرّد هو الرجوع أو العودة مجبراً من دون اختيار بينما الرّجوع يكون باختيار العبد. ارجع إلى الآية (٧) من نفس السّورة للبيان. أيْ: سنردك إلى المكان الّذي تحن إليه، أيْ: مكة، وقد يكون معادك إلى الجنة ولا مانع من احتمال المعنيين والمرجح مكة، والفرق بين معاد وميعاد: الميعاد للزمان والمكان ومشتق من الوعد زمن التّواعد أو مكان التّواعد، المعاد للمكان فقط.

стр. 3837

وهذا الوعد بردِّه إلى معاده من أنباء الغيب، وفيه بشارة وليطمئن قلب النّبي ﷺ . ﴿قُلْ رَّبِّى أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: وقل لهم إذا اتهموك بأنك صبأت عن دين آبائك، أي: خرجت عن دين آبائك. قل لهم: ﴿رَّبِّى أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾: الله أعلم ولم يقل: يعلم، أعلم على وزن أفعل صيغة مبالغة في العلم، من: اسم موصول بمعنى الذي، جاء بالهدى: من عند الله؛ أي: النّبي ﷺ . ﴿وَمَنْ هُوَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: من: اسم موصول بمعنى الّذي، هو ضمير فصل يفيد التّوكيد. في: ظرفية، ولم يقل: ومن هو من الضالين؛ لأن في: تعني منغمس في الضلال، وراسخ فيه سابقاً، وفي ضلال مبين: جملة اسمية تدل على الثبوت، وشدة ضلالهم وإحاطة ضلالهم بهم من كل جانب؛ أيْ: أنتم أيها المشركون الضّالون، في ضلال مبين، ضلال مبين: انحراف وبعد عن الصّواب والحق، ضلال مبين: واضح وبين لكل فرد ينظر فيه ومبين لنفسه لا يحتاج إلى دليل وبرهان. سورة القصص [٢٨: ٨٦] ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾: المناسبة: هوِّن عليك واطمئن يا محمّد ﷺ ، ولا تستبعد أن نردك إلى مكة فاتحاً منتصراً، فهل كنت ترجو أو تتوقَّع أن يُلقى إليك الكتاب، أيْ: ينزل عليك القرآن أو الوحي قبل بعثتك. ﴿وَمَا كُنْتَ﴾: ما النّافية، كنت قديماً. ﴿تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾: ترجو من الرّجاء هو الظّن بوقوع الخير

стр. 3838

أو تأمل أن تكون رسولاً أو نبياً إلى النّاس كافة، أن: حرف مصدري يفيد التّعليل، يُلقى إليك الكتاب: أي: القرآن، يُلقى: يُنزل، ويلقى: فيها معنى أن يقرأ أو يُتلى على سمعك، أو ما كنت تتوقع أو تأمل أن يقرأ (يلقي) جبريل إليك القرآن. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر وقصر. ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: رحمة: رحمة لك وللعباد وللمسلمين وللمؤمنين وللعالمين، والرّحمة معناها بشكل عام هي جلب ما يَسُرُّ ودفع ما يَضُرُّ. فالقرآن رحمة للعالمين، أيْ: فيه الخير والفائدة وفيه ما يقيهم ويدفع عنهم ما يضرهم، وكما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية. ﴿فَلَا﴾: الفاء للتوكيد، لا النّاهية. ﴿تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾: الخطاب وإن كان موجَّهاً إلى رسوله ﷺ ، ولكن المقصود به أمته ﷺ والنّون في تكونن للتوكيد أيضاً ظهيراً للكافرين: عوناً أو معيناً للكافرين بأيِّ حال من الأحوال، أو تلين لهم طمعاً في إيمانهم، أو تساعد أحداً على ارتكاب معصية أو تضله عن دينه أو تمنعه من فعل الخير. ظهيراً: مشتقة من ظهر. ارجع إلى الآية (٥٥) من سورة الفرقان لمزيد من البيان. سورة القصص [٢٨: ٨٧] ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: ﴿وَلَا﴾: لا النّاهية. ﴿يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾: أيْ: لا يمنعك أو يصرفنك

стр. 3839

والصّد هو المنع عن قصد والمنع قد يكون قصداً أو غير قصد، يصدنك: أصلها يصدونك والنّون للتوكيد وحذفت الواو لالتقاء السّاكنين، عن آيات الله: عن تلاوتها وتبليغها للناس أو العمل بها. ارجع إلى سورة الشّعراء آية (٢) لبيان معنى الآيات. ﴿بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾: بعد إذ: ظرف للزمان الماضي، أنزلت إليك من ربك: إليك ولم يقل: عليك. ارجع إلى الآية (٤) من سورة البقرة لمعرفة الفرق. ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾: أيْ: إلى سبيل ربك (إلى دينه) موحِّداً ومخلصاً له الدّين من دون رياء وبالحكمة والموعظة الحسنة والخطاب وإن كان موجَّهاً إلى الرّسول ﷺ ، ولكن المقصود به أمته؛ لأنّه حاشا للرسول أن يكون من المشركين. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: سماعاً لهم أو مخالطاً لهم حين تدعوهم إلى ربك، ولا في الولاية والنصرة. سورة القصص [٢٨: ٨٨] ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: ﴿وَلَا تَدْعُ﴾: لا النّاهية، تدع: تعبد مع الله إلهاً آخر، أو تشرك به شيئاً. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا معبود إلا هو سبحانه. ارجع إلى الآية (٢٥٥) من سورة البقرة. ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ﴾: كلّ شيء للتوكيد، شيء نكرة تشمل كلَّ شيء وجنس على الأرض.

стр. 3840

﴿هَالِكٌ﴾: ميِّت، والهلاك ليس بالضّرورة عقوبة، ويشمل الإنس والجن والنّبات والحيوان. ويعني هالك كانت له حياة تناسبه، فكل شيء له حياة خاصة به، هالك أيْ: فانٍ أو ميِّت. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٤) لبيان معنى هالك. ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾: حصراً وقصراً وجهه ، أي: ذاته سبحانه والوجه وهو أكرم أعضاء البدن، ويمثل الذّات (إطلاق الجزء وإرادة الكل). ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾: في الدّنيا والآخرة. يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وبين المؤمنين والكافرين فيما اختلفوا فيه من المعتقدات والشرائع. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: للحساب في الآخرة والجزاء إليه جار ومجرور، وتقديم إليه يعني: حصراً وقصراً إليه وحده ترجعون، تُرجعون: رغماً عن عدم إرادتهم أيْ: قسراً، ولم يقل: إليه ترجعون: بفتح التاء، أيْ: بإرادتكم ومشيئتكم.

стр. 3841

سورة العنكبوت [٢٩: ١] سورة العنكبوت ترتيبها في القرآن (٢٩)، وترتيبها في النّزول (٨٥). ﴿الم﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة للبيان. سورة العنكبوت [٢٩: ٢] ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾: ﴿أَحَسِبَ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري وتوبيخ، حسب: اعتقد، وحسب؛ يعني: الظّن الرّاجح، وتشمل الحساب الحسي والقلبي القائم على النّظر والتّجربة والحساب. ﴿النَّاسُ﴾: الإنس والجن (الثّقلان)، والنّاس مشتقة من: النّوس وهو كثرة الحركة. ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾: أن حرف مصدري يفيد التّعليل، يتركوا بلا فتنة. ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾: أن: تكرارها يفيد التّوكيد، أن يقولوا آمنا: بالقول فقط أو القول والفعل معاً، أو باللسان أو بالقلب صدقاً أم كذباً. ﴿وَهُمْ﴾: هم لزيادة التّوكيد. ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾: لا النّافية، يفتنون: من الفتنة: والفتنة لغة: أصلها عرض الذّهب على النّار حتّى تزول منه الشّوائب فيزداد صفاءً وجودةً، واصطلاحاً: هي نوع من البلاء والاختبار يجريه الله تعالى على عباده لاختبار صدق إيمانهم

стр. 3842

وحقائق نفوسهم، ومعرفة مدى صلاحهم أو فسادهم وشدة تحملهم للتكاليف وصبرهم وصدقهم وكذبهم. والفتنة أشد من الاختبار وأبلغ وتكون في الخير والشّر، فهي لا تذم ولا تمدح إلا بالنّتيجة، والفتنة تكون في الدّين والإيمان والمال والولد والشّهوات والشّبهات وغيرها. ويفتنون: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على أنّ الفتنة سوف تتجدد وتتكرر في حياة النّاس، والفتنة في القرآن لها معانٍ مختلفة منها: الاختبار والابتلاء، ومنها القتل والشّرك والحُجة وغيرها حسب السّياق. سورة العنكبوت [٢٩: ٣] ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو عاطفة، لقد: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق. ﴿فَتَنَّا﴾: من الفتنة، ارجع إلى الآية السّابقة (الفتنة أشد وأبلغ من الاختبار). ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من الأمم السّابقة فالفتنة سنَّة قديمة جارية على كلّ الأمم وبأنواع وأشكال مختلفة من الكوارث الجوية أو الجدب أو الفيضانات، أو المرض أو القتل. من قبلهم، ولم يقل قبلهم: (من) تفيد قرب الزّمن، و (قبلهم) لا يحدد قد يكون منذ زمن طويل أو بعيد أو زمن قريب. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾: الفاء للتوكيد، واللام والنّون لزيادة التّوكيد، فليعلمن الله: الله سبحانه يعلم منذ الأزل وقبل خلقهم من الّذين صدقوا ومن هم الكاذبون، وليس هو بحاجة لفتنتهم وإنما فتنتهم أو اختبارهم هو لإقامة الحُجة عليهم وليطّلعوا على نتيجة اختبارهم بأنفسهم؛ حتّى لا يدَّعوا يوم القيامة ويقولوا: ربنا لو فتنتنا لكنّا من الصابرين أو الصادقين أو من المجاهدين أو غيرها، فالله يفتنهم في الدّنيا ليريهم عاقبة أعمالهم في الدّنيا أو في الآخرة.

стр. 3843

﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾: أي هل صدقوا في إيمانهم أو ما وعدوا الله ورسله والنّاس أجمعين؟ ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾: كذبهم في إيمانهم وغيره، وتكرار (وليعلمن) للتوكيد، وفصل كلاهما عن الآخر، أو ليعلمن الصّادق منهم من الكاذب. والسّؤال: لماذا قال: الّذين صدقوا (جملة فعلية) والكاذبين (جملة اسمية)، ولم يقل الّذين صدقوا والّذين كذبوا؟ الّذين صدقوا: جملة فعلية في الماضي تعبّر عن قوم حديثي العهد بالإسلام، والّذين آمنوا برسول الله في بداية الإسلام، وكانوا كفاراً فهم لا زالوا سائرين في طريق الصّدق؛ ليصبحوا صادقي الإيمان في النّهاية وقد يستقيموا على الإيمان أو يرتدّوا، وأما الكاذبين: جملة اسمية تدل على الثّبوت؛ أي: الكذب عندهم ونزلت في كفار قريش فهم استمروا على كذبهم قبل الإسلام وبعد مجيئه. سورة العنكبوت [٢٩: ٤] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي والتّوبيخ، وأم (المنقطعة) ﴿حَسِبَ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٢). ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: يعملون صيغة مضارع تدل على التّجدد وتكرار ارتكابهم السّيئات. والسيئات: جمع سيئة. قيل: هي الصغائر التي تحتاج إلى تكفير، وأما الذنوب: هي الكبائر التي تحتاج إلى توبة ومغفرة كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل. ﴿يَسْبِقُونَا﴾: ينجوا من عذابنا، مشتقة من: السّبق وهو الفوت؛ أي: الهرب فلا ننتقم منهم.

стр. 3844

﴿سَاءَ﴾: أصل ساء: يسوء؛ فعل من أفعال الذّم مثل بئس: تستعمل للذم العام، وساء: تستعمل للذم الخاص. ﴿مَا يَحْكُمُونَ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الّذي، أو مصدرية؛ أي: بئس أو ساء حكمهم وهو ظنهم أنّهم يفوتون من عذاب الله تعالى فلا يحاسبهم على أعمالهم. سورة العنكبوت [٢٩: ٥] ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: ﴿مَنْ﴾: شرطية للعاقل وتشمل المفرد والمثنى والجمع. ﴿يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ﴾: يرجو: من الرّجاء وهو الظّن بوقوع الخير الّذي يعتري صاحبه الشّك فيه، وغالباً ما يقرن بالخوف أو بأحد معانيه، أو يرجو: يأمل لقاء الله، لها معانٍ عدّة: اللقاء الحقيقي: الاجتماع والمواجهة والتّحدث، والحساب أو الثّواب. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾: الفاء وإنّ، واللام في لآت كلها للتوكيد، وآت: صيغة اسم الفاعل للتوكيد أربع توكيدات على حصول الأجل، أجل الله: الموت أو البعث والحشر، الأجل: الوقت المضروب لانقضاء عمر الإنسان، أجل الإتيان وهو المجيء بسهولة، واختار لآت؛ لأنّه لم يأت بعد. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿السَّمِيعُ﴾: لأقوال العباد في السّر والعلن والجهر والنّجوى. ﴿الْعَلِيمُ﴾: بأعمالهم وما في صدورهم وما يعلنون بنياتهم ونجواهم وأسرارهم، والسّميع العليم: صيغ مبالغة، كثير السّمع وكثير العلم لا يَعزُب عنه مثقال ذرة في السّماء ولا في الأرض. وفي هذه الآية حث على الاستعداد للقاء الله تعالى القادم لا محالة بالقول الطّيب والعمل الصّالح.

стр. 3845

سورة العنكبوت [٢٩: ٦] ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: شرطية. ﴿جَاهَدَ﴾: الجهاد لغةً: بذل أقصى الطاقات؛ أي عمل أقصى ما في وسعه من الجهد للقيام بما أمره الله به، والجهاد نوعان: جهاد النّفس: بالصّبر على الطّاعات وتجنّب المنهيات والصّبر على الابتلاءات، وجهاد العدو: إذا اعتدى على الدّيار أو الأموال أو الأعراض، وجهاد الشيطان، والجهاد في الله كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]؛ أي: جهاد لمعرفة الله تعالى؛ أي: جهاد المقاصد الذي يؤدي إلى الإحسان، جهاد باللسان والقلب والمال، وبذل الطاقة والزمن لنيل رضاه. ﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء للتوكيد، إنما: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾: اللام في (لنفسه) لام الاختصاص والاستحقاق؛ أي: يجاهد لفائدة نفسه ومنفعتها؛ أي: إنقاذها. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: إنّ: للتوكيد، لغني عن العالمين: اللام في (لغني) لزيادة التّوكيد؛ أي: إنّ الله ليس بحاجة لجهاد أيّ إنسان كقوله تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]، ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، لغني عن عباده وعبادتهم وعن كلّ من في السّموات ومن في الأرض وليس هو فقط غني عنهم بل سبحانه يُغنيهم ويمدّهم من فضله. وانظر إلى هذه الآية التي بدأت بها سورة العنكبوت: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، وإلى الآية (٦٩) التي انتهت بها سورة العنكبوت وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

стр. 3846

سورة العنكبوت [٢٩: ٧] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِى كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿آمَنُوا﴾: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الفرائض وما أمر الله به، وقدّم الإيمان على العمل الصّالح؛ لأنّه الأصل، فالعمل الصّالح بدون الإيمان والتّوحيد لا جدوى منه، وحين يقول: الّذين يعملون الصّالحات تعني: الاستمرار في عمل الصّالحات والتّجدد والتّكرار والارتقاء في العمل الصّالح. ﴿لَنُكَفِّرَنَّ﴾: اللام للتوكيد، وكذلك النّون لزيادة التّوكيد، كان بالإمكان القول لنكفر عنهم سيئاتهم، والتّكفير يعني السّتر؛ أي: يسترها على العبد في الدّنيا؛ أي: يمحوها ولا يعاقب عليها في الآخرة. ﴿عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: ولم يقل من سيئاتهم، (عنهم سيئاتهم) تشمل كلّ السّيئات: جمع سيئة؛ أي: الصغائر (صغائر الذنوب)، وأما الكفر والشّرك والكبائر، فلا بد من التوبة (بأركانها)، والسيئة: وهي المعصية أو الأمر المنهي عنه، أمّا قوله: (من سيئاتهم)؛ أي: بعض سيئاتهم كقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾: اللام والنّون كلاهما للتوكيد. ﴿أَحْسَنَ الَّذِى كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: فالله سبحانه لا يقف عند محو السّيئات والعفو بل يجازيهم: يثيبهم على فعل الحسنات ولا يطرح السّيئات من الحسنات، وهذا

стр. 3847

من كرمه وتفضله، الّذي كانوا يعملون؛ أي: في الدّنيا، (الّذي) هنا تحمل معنى شيء محدد، ولم يقل أحسن ما كانوا يعملون، كما في سورة النّحل آية (٩٧) ﴿أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿الَّذِى﴾: تستعمل للعاقل وغير العاقل وتستعمل للأشياء المحددة، و (ما) تستعمل لغير العقلاء وصفات العقلاء وتستعمل للأشياء العامة غير المحددة. ولمقارنة هذه الآية (٧) من سورة العنكبوت مع الآية (٩٧) من سورة النّحل، ارجع إلى سورة النّحل للبيان. وأمّا الفرق بين قوله: (بأحسن) سورة النّحل الآية (٩٧) و (أحسن) سورة العنكبوت الآية (٧): الباء للإلصاق تفيد التّوكيد، وأحسن تعني: الحسنة بعشر أمثالها أو أكثر من ذلك إلى (٧٠) أو (٧٠٠) ضعف. فالذين آمنوا في سورة النّحل أكثر إيماناً وأشدّ من الّذين آمنوا في سورة العنكبوت. سورة العنكبوت [٢٩: ٨] ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أسباب النزول: روى مسلم وغيره والواحدي في أسباب النزول: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص، وذلك أنه لما أسلم قالت له أمه: يا سعد بلغني أنك صبوت، فوالله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح، ولا آكل ولا أشرب حتى تكفر بمحمد، وترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت فتعير فيقال يا قاتل أمه، وكان باراً بأمه، فأبى سعد فصبرت هي ثلاثة أيام لم تأكل ولم تشرب، ولم تستظل بظل حتى خشى عليها، فأتى سعد النبي ﷺ وشكا ذلك إليه فأنزل هذه الآية، وقال سعد إليها: يا أماه لو كانت لك مئة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني، فكلي إن شئت وإن شئت فلا تأكلي فلما آيست منه أسلمت وأكلت. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ﴾: ووصّينا: من وصّى، وصّينا: ألزمنا، كلّفنا، وهناك فرق

стр. 3848

بين وصّى وأوصى، ووصّى: تستعمل لما هو أهم مثل أمور الدّين والأمور المعنوية، ويستعمل أوصى للأمور المادية، إلا في آية واحدة: ﴿وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]، لاقتران الصّلاة بالزّكاة. ارجع إلى سورة النساء آية (١١) لمزيد من البيان. ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾: الباء باء الإلصاق، وقوله: (بوالديه) فيها تغليب أو تذكير بالوالدة (الأمّ) على الوالد، ولم يقل بأبويه؛ فيه تغليب الأب على الأم، ولو كان الأمر يتعلق بالأب لجاء بكلمة أبويه. وانتبه عندما يوصي الله تعالى الأولاد بالوالدين يقول: (ووصينا الإنسان بوالديه)، يأتي بالباء الّتي تفيد الإلصاق والمصاحبة؛ أي: الاستمرار والدّوام أو التّوكيد ويستعمل كلمة وصَّى. وحينما يوصي الله تعالى الوالدين بالأولاد لا يأتي بالباء مثال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، ويستعمل كلمة أوصى، ولم يقل بأولادكم؛ لأنّ الوالدين أو الأبوين لا يحتاجان إلى التّوكيد؛ لأنّ الوصية وحبهما لأولادهما أمر ثابت في قلوب الآباء للأبناء. ﴿حُسْنًا﴾: أي تقول لهم قولاً حسناً أو تعاملهم معاملة حسنة، وقيل: الحُسن بضم الحاء: هو الاسم الجامع لكلّ معاني الحُسن، وأمّا الحَسن بفتح الحاء هو البعض من معاني الحُسن، والإحسان أعلى درجات البر والحُسن. والإحسان أمكن من حسناً وأعلى درجة وأقوى؛ تعني: معاملة حسنة وزيادة. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٢) لمعرفة معنى الإحسان. ﴿وَإِنْ﴾: شرطية تحمل معنى الاحتمال والشّك؛ أي: تستعمل للأمر المشكوك في حدوثه وهو الشرك في هذه الآية. ﴿جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى﴾: أي لنفرض أنّهما والدان كافران غير راضيين عنك لأنّك أسلمت، فإن جاهداك؛ أي: بذلا أيّ جهد لحملك لتشرك بالله أو العودة إل الكفر والشرك، فلا تطعهما.

стр. 3849

بينما في سورة لقمان الآية (١٥) قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾: ففي هذه الآية الوالدان يشترطان على الولد الشّرك، فالمجاهدة هنا أشد وأقوى مقارنة بالمجاهدة في آية العنكبوت، ولذلك جاء بكلمة (على) لتفيد المشقة والعلو. ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾: الفاء للتوكيد، لا النّاهية، تطعهما: في كلا الحالتين، أو في أيّ أمر يخالف أمر الله تعالى ورسوله ﷺ فلا طاعة لمخلوق مهما كان في معصية الخالق. ﴿إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ﴾: يوم القيامة. وقدم إلي: للحصر؛ أي: إليه وحده مرجعكم. مرجعكم: اسم مكان أو زمان من فعل رجع وقد يكون مصدراً. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: الفاء: للتوكيد والمباشرة؛ أنبئكم: أخبركم؛ بما: ما اسم موصول أوسع شمولاً من الذي كنتم تعملون في الدّنيا، وتضم ما كنتم تقولون وما كنتم تفعلون من خطأ أو صواب أو حق وباطل، الباء: للإلصاق، ما اسم موصول بمعنى الّذي أو مصدرية. لنقارن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، مع الآية (٨٣) من سورة البقرة: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وبقية الآيات المشابهة في سورة النّساء الآية (٣٦) والأنعام الآية (١٥١) ولقمان الآية (١٤ - ١٥) والإسراء الآية (٢٣ - ٢٥) والأحقاف الآية (١٥) للمقارنة، ولمعرفة أوجه الاختلاف في كل الآيات التي توصي الإنسان بوالديه. سورة العنكبوت [٢٩: ٩] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى الصَّالِحِينَ﴾: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: ارجع إلى الآية (٧) السّابقة. ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ﴾: اللام والنّون للتوكيد على إدخالهم. ﴿فِى الصَّالِحِينَ﴾: في ظرفية؛ أي: هم الآن في الدّنيا من الصّالحين

стр. 3850

وسنلحقهم في الصّالحين في الآخرة وهذه بشارة حسنة أو وعد من الله تعالى للذين لم يشركوا بالله ويطيعوا آباءهم الذين أمروهم بالشرك بأن يدخلهم في الصالحين عوضاً عما حدث لهم من جفاء وتفرقة بينهم وبين آباءهم بسبب إيمانهم بالله تعالى. والصالحين: جمع صالح. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٣٠) لبيان معنى الصالحين. سورة العنكبوت [٢٩: ١٠] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: الواو استئنافية، من: ابتدائية بعضية، النّاس: تشمل الإنس والجن، وكلمة النّاس مشتقة من كلمة: النّوس؛ أي: كثرة الحركة. ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: من اسم موصول بمعنى الّذي، يقول آمنا بالله: أي إيمان عقيدة ودين، وكلمة (يقول) ولم يقل قال: تدل على تجدد قوله وتكراره وهو: آمنت بالله، وهو كما سنرى إيمان بالقول واللسان فقط وليس إيماناً في القلب. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء تدل على التّعقيب والمباشرة، إذا: ظرفية شرطية تدل على حتمية الحدوث. ﴿أُوذِىَ فِى اللَّهِ﴾: أصابه أذى من قول أو فعل بسبب إيمانه بالله من قِبَل الكفار والمشركين أو غيرهم. ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ﴾: صيّر فتنة النّاس؛ أي: العذاب أو الأذى الّذي يلحق به بسبب إيمانه، يصده عن الإيمان والثّبات عليه، الكاف: كاف التّشبيه؛ أي: خاف من عذاب النّاس، أو أعتقد أن فتنتهم مساوية لعذاب الله تعالى، ولذلك ارتدّ أو نافق وهو تقدير أو قياس خاطئ؛ لأنّ عذاب الله بسبب ارتداده أو نفاقه أشد وأبقى من عذاب النّاس مهما طال واشتدّ؛ لأن عذابه سيكون دائماً،

стр. 3851

وفتنة الناس أو عذابهم زائل غير دائم يزول بالموت، والمؤمن الصّادق يصبر ويثبت على ما أصابه في سبيل الله تعالى؛ لأنّ ما عند الله خير وأبقى. وهذه الآية تشبه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ٢٢]. ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾: اللام في (لئن) للتوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال أو الشك، جاء نصر من ربك: النّصر: الغلبة على العدو بالقتال والغنيمة، وأمّا الفتح الغلبة بدون قتال. ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾: ليدعي بالوقوف إلى جانبكم وأيدكم على عدوكم أو أليس نحن إخوانكم في الدّين، أو لم نقف ضدكم فأعطونا نصيباً من الغنيمة. ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ﴾: الهمزة للاستفهام والتّقرير، والواو في (أوليس) للتوكيد، بأعلم: الباء للإلصاق، أعلم صيغة مبالغة من علم. ﴿بِمَا فِى صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾: الباء للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، في صدور العالمين: من كذب ونفاق وكفر أو صدق وإخلاص، والجواب على أوليس؟ بلى. سورة العنكبوت [٢٩: ١١] ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾: وليفتنهم في الدّنيا بما قدّر عليهم من ابتلاءات؛ ليريهم أعمالهم في الآخرة، فتكون حجة لهم أو حجة عليهم، وليظهر علمه سبحانه فيهم كما سبق منذ الأزل فيجازيهم بما ظهر منهم ويتبيّن الّذين آمنوا منهم ويتبيّن المنافقين. وإذا قارنّا الآية (٣) ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. والآية (١١) ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.

стр. 3852

الآية (٣) جاءت في سياق الإيمان الظاهر بالقول والعمل (والكاذبين)، والآية (١١) جاءت في سياق الإيمان بالقلب (والنفاق) الإيمان الباطن. أو الآية (٣) جاءت في سياق الصدق والكذب في الإيمان. والآية (١١) جاءت في سياق الإيمان بالقلب أو بلسان (النفاق). سورة العنكبوت [٢٩: ١٢] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: هذه الآية مظهر من مظاهر فتنة بعض المسلمين عن دينهم من زعماء قريش، وتحذر الآية من الاستماع لكذبهم. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: من زعماء قريش دعاة الكفر والضّلال. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: من أهل مكة، آمنوا بالله ورسوله كما قال مجاهد. ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾: أي ديننا، ارجعوا عن دينكم الّذي جاء به محمّد واتبعوا ديننا ودين آبائكم وأجدادكم. ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾: اللام في (لنحمل) للتوكيد، خطاياكم: ذنوبكم عنكم، فقد كانوا يفترون عليهم الكذب فليس هناك بعث ولا حساب، فإن كان هناك بعث أو حساب وكان عليكم إثم أو ذنب، فسوف نحمله عنكم. فردّ الله سبحانه عليهم بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ﴾: ما النّافية، هم: للتوكيد، بحاملين من خطاياهم: من ابتدائية، خطاياهم: جمع خطيئة، من شيء: من استغراقية تستغرق أيّ شيء، وشيء نكرة؛ أي: لن يحملوا عنهم لا خطيئة ولا لمماً ولا سيئةً ولا إثماً ولا ذنباً. ﴿إِنَّهُمْ﴾: إن للتوكيد. ﴿لَكَاذِبُونَ﴾: اللام للتوكيد، كاذبون جملة اسمية تعني: صفة الكذب صفة ثابتة لهم؛ أي: لا يتوقفون عن كذبهم؛ كذبهم مستمر.

стр. 3853

سورة العنكبوت [٢٩: ١٣] ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ﴾: اللام والنّون للتوكيد. ﴿أَثْقَالَهُمْ﴾: أي أوزارهم: ذنوبهم وخطاياهم. ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾: أي أوزاراً مع أوزارهم (وهي أوزار الّذين يضلونهم). ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٨٦) لبيان الأوزار، وسورة النحل آية (٢٥). ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: اللام والنّون للتوكيد، سؤال توبيخ وتقريع. ﴿عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: عما (عن + ما) عن تفيد المجاوزة؛ أي: بعد مرور زمن ليسئلن، ما: اسم موصول بمعنى الذي أو مصدرية، ليسئلن عن هذا الكذب وغيره. كانوا يفترون: الافتراء هو اختلاق الكذب المتعمد؛ أي: ليسئلن يوم القيامة عما كانوا يختلقون من الكذب المتعمد (عما كانوا يكذبون). يفترون: تدل على التجدد والتكرار وأن افترائهم لم يتوقف. سورة العنكبوت [٢٩: ١٤] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: ارجع إلى الآية (٢٥) من سورة هود. نوحاً: هو ابن لامك بن متوشلح بن إدريس من ولد شيث بن آدم، كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون كما في صحيح البخاري عن ابن عباس. ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾: اللبث: أي أقام يدعوهم في زمن محدد (اللبث: الإقامة المحددة بزمن) أما المكث: الإقامة غير محددة بزمن. يدعوهم إلى عبادة الله وتوحيده وترك عبادة الأصنام الّتي انتشرت في زمانه.

стр. 3854

﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾: ولم يقل ألف سنة إلا خمسين سنة، كلمة سنة في القرآن، تستعمل في سياق الشّدة والبأساء مثل القحط والفقر فهي لا تحمل في معناها الخير، وأمّا كلمة عام في القرآن تستعمل في سياق الخير والبركة والمطر والنّعمة فنوح ﵇ عاش (٩٥٠) سنة وكانت كلها سني شدة؛ لما لاقاه من قومه من تكذيب وتحدٍّ وإعراض، ثمّ عاش (٥٠) عاماً بعد الطّوفان أعوام أمن ورخاء وسراء، ولذلك سماها عاماً بدلاً من سنة. فقد قيل: بعث نوح على رأس (٥٣ سنة) ودعا قومه (٩٥٠) سنة وعاش بعد الطّوفان (٦٠) عاماً. وقد قيل: بعث على رأس (٥٣) ودعا قومه (٩٥٠) سنة وعاش بعد الطّوفان (٤٧) عاماً، وهناك أقوال أخرى. وقال تعالى: (ألف سنة إلا خمسين عاماً) بدلاً من تسعمائة وخمسين سنة كاملة. استعمل رأس العدد ألف؛ لأنّه أوقع في النّفس؛ من القول تسعمئة وخمسين سنة، ولكي يبين زمن الفترة التي عاشها نوح بعد ذلك وأنها كانت مغايرة لما سبقها. ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾: الأخذ معناه العذاب أو الهلاك وفيه معنى الأخذ بشدة، الطّوفان: ما طاف وأحاط بكثرة وغلبة، وهو هنا المطر الشّديد الّذي أدى إلى الغرق والهلاك، أو ما يسمى: تسونامي نتيجة البركان الّذي حدث. ﴿وَهُمْ﴾: للتوكيد. ﴿ظَالِمُونَ﴾: لأنفسهم بالشّرك جمع: ظالم، والظّلم هو الشّرك؛ أي: وهم مشركون أو كافرون، ظالمون: جملة اسمية تفيد الثّبوت، ثبوت صفة الظّلم؛ أي: الشّرك عندهم، فقد كانوا يعبدون الأصنام الّتي ذكرت في سورة نوح آية (٢٣).

стр. 3855

سورة العنكبوت [٢٩: ١٥] ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب؛ أي: مباشرة من الطّوفان أنجينا نوحاً، أنجيناه تدل على السّرعة والقوة الّتي تمت فيها عملية الإنجاء، ولم يقل فنجّيناه الّتي تدل على البطء والزّمن الطّويل. كما في سورة يونس آية (٧٣) ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ﴾ التي تدل على النجاة من قومه بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً. ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾: الّذين ركبوا معه فيها سمّاهم أصحاب السّفينة، وقيل: كان عددهم (٣٠ - ٨٠) ولأنّ السّفينة صنعت من أجلهم فهي ملكهم جميعاً، فقال: أصحاب السّفينة؛ وهم نوح وأولاده الثّلاثة: سام وحام ويافث، ومن آمن معه، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]. ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾: وقد اكتشفت هذه السّفينة في شرقي تركيا على جبل الجوديّ في عام (١٩٤٨) وكان طولها يقارب (٣٠٠) ذراع وعرضها (٢٠) ذراعاً، آية وعبرة ودلالة ومعجزة تدل على عظمة الله وقدرته، فهي أول سفينة تصنع على الأرض، للعالمين: اللام لام الاختصاص، للعالمين: للمؤمن وللكافر. وقدّم آية على العالمين؛ لأنّها الآية الوحيدة الّتي سيتعظ بها كلّ النّاس أو
следующие страницы →