← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

وفتنة الناس أو عذابهم زائل غير دائم يزول بالموت، والمؤمن الصّادق يصبر ويثبت على ما أصابه في سبيل الله تعالى؛ لأنّ ما عند الله خير وأبقى. وهذه الآية تشبه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ٢٢]. ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾: اللام في (لئن) للتوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال أو الشك، جاء نصر من ربك: النّصر: الغلبة على العدو بالقتال والغنيمة، وأمّا الفتح الغلبة بدون قتال. ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾: ليدعي بالوقوف إلى جانبكم وأيدكم على عدوكم أو أليس نحن إخوانكم في الدّين، أو لم نقف ضدكم فأعطونا نصيباً من الغنيمة. ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ﴾: الهمزة للاستفهام والتّقرير، والواو في (أوليس) للتوكيد، بأعلم: الباء للإلصاق، أعلم صيغة مبالغة من علم. ﴿بِمَا فِى صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾: الباء للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، في صدور العالمين: من كذب ونفاق وكفر أو صدق وإخلاص، والجواب على أوليس؟ بلى. سورة العنكبوت [٢٩: ١١] ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾: وليفتنهم في الدّنيا بما قدّر عليهم من ابتلاءات؛ ليريهم أعمالهم في الآخرة، فتكون حجة لهم أو حجة عليهم، وليظهر علمه سبحانه فيهم كما سبق منذ الأزل فيجازيهم بما ظهر منهم ويتبيّن الّذين آمنوا منهم ويتبيّن المنافقين. وإذا قارنّا الآية (٣) ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. والآية (١١) ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.

стр. 3852

الآية (٣) جاءت في سياق الإيمان الظاهر بالقول والعمل (والكاذبين)، والآية (١١) جاءت في سياق الإيمان بالقلب (والنفاق) الإيمان الباطن. أو الآية (٣) جاءت في سياق الصدق والكذب في الإيمان. والآية (١١) جاءت في سياق الإيمان بالقلب أو بلسان (النفاق). سورة العنكبوت [٢٩: ١٢] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: هذه الآية مظهر من مظاهر فتنة بعض المسلمين عن دينهم من زعماء قريش، وتحذر الآية من الاستماع لكذبهم. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: من زعماء قريش دعاة الكفر والضّلال. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: من أهل مكة، آمنوا بالله ورسوله كما قال مجاهد. ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾: أي ديننا، ارجعوا عن دينكم الّذي جاء به محمّد واتبعوا ديننا ودين آبائكم وأجدادكم. ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾: اللام في (لنحمل) للتوكيد، خطاياكم: ذنوبكم عنكم، فقد كانوا يفترون عليهم الكذب فليس هناك بعث ولا حساب، فإن كان هناك بعث أو حساب وكان عليكم إثم أو ذنب، فسوف نحمله عنكم. فردّ الله سبحانه عليهم بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ﴾: ما النّافية، هم: للتوكيد، بحاملين من خطاياهم: من ابتدائية، خطاياهم: جمع خطيئة، من شيء: من استغراقية تستغرق أيّ شيء، وشيء نكرة؛ أي: لن يحملوا عنهم لا خطيئة ولا لمماً ولا سيئةً ولا إثماً ولا ذنباً. ﴿إِنَّهُمْ﴾: إن للتوكيد. ﴿لَكَاذِبُونَ﴾: اللام للتوكيد، كاذبون جملة اسمية تعني: صفة الكذب صفة ثابتة لهم؛ أي: لا يتوقفون عن كذبهم؛ كذبهم مستمر.

стр. 3853

سورة العنكبوت [٢٩: ١٣] ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ﴾: اللام والنّون للتوكيد. ﴿أَثْقَالَهُمْ﴾: أي أوزارهم: ذنوبهم وخطاياهم. ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾: أي أوزاراً مع أوزارهم (وهي أوزار الّذين يضلونهم). ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٨٦) لبيان الأوزار، وسورة النحل آية (٢٥). ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: اللام والنّون للتوكيد، سؤال توبيخ وتقريع. ﴿عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: عما (عن + ما) عن تفيد المجاوزة؛ أي: بعد مرور زمن ليسئلن، ما: اسم موصول بمعنى الذي أو مصدرية، ليسئلن عن هذا الكذب وغيره. كانوا يفترون: الافتراء هو اختلاق الكذب المتعمد؛ أي: ليسئلن يوم القيامة عما كانوا يختلقون من الكذب المتعمد (عما كانوا يكذبون). يفترون: تدل على التجدد والتكرار وأن افترائهم لم يتوقف. سورة العنكبوت [٢٩: ١٤] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: ارجع إلى الآية (٢٥) من سورة هود. نوحاً: هو ابن لامك بن متوشلح بن إدريس من ولد شيث بن آدم، كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون كما في صحيح البخاري عن ابن عباس. ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾: اللبث: أي أقام يدعوهم في زمن محدد (اللبث: الإقامة المحددة بزمن) أما المكث: الإقامة غير محددة بزمن. يدعوهم إلى عبادة الله وتوحيده وترك عبادة الأصنام الّتي انتشرت في زمانه.

стр. 3854

﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾: ولم يقل ألف سنة إلا خمسين سنة، كلمة سنة في القرآن، تستعمل في سياق الشّدة والبأساء مثل القحط والفقر فهي لا تحمل في معناها الخير، وأمّا كلمة عام في القرآن تستعمل في سياق الخير والبركة والمطر والنّعمة فنوح ﵇ عاش (٩٥٠) سنة وكانت كلها سني شدة؛ لما لاقاه من قومه من تكذيب وتحدٍّ وإعراض، ثمّ عاش (٥٠) عاماً بعد الطّوفان أعوام أمن ورخاء وسراء، ولذلك سماها عاماً بدلاً من سنة. فقد قيل: بعث نوح على رأس (٥٣ سنة) ودعا قومه (٩٥٠) سنة وعاش بعد الطّوفان (٦٠) عاماً. وقد قيل: بعث على رأس (٥٣) ودعا قومه (٩٥٠) سنة وعاش بعد الطّوفان (٤٧) عاماً، وهناك أقوال أخرى. وقال تعالى: (ألف سنة إلا خمسين عاماً) بدلاً من تسعمائة وخمسين سنة كاملة. استعمل رأس العدد ألف؛ لأنّه أوقع في النّفس؛ من القول تسعمئة وخمسين سنة، ولكي يبين زمن الفترة التي عاشها نوح بعد ذلك وأنها كانت مغايرة لما سبقها. ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾: الأخذ معناه العذاب أو الهلاك وفيه معنى الأخذ بشدة، الطّوفان: ما طاف وأحاط بكثرة وغلبة، وهو هنا المطر الشّديد الّذي أدى إلى الغرق والهلاك، أو ما يسمى: تسونامي نتيجة البركان الّذي حدث. ﴿وَهُمْ﴾: للتوكيد. ﴿ظَالِمُونَ﴾: لأنفسهم بالشّرك جمع: ظالم، والظّلم هو الشّرك؛ أي: وهم مشركون أو كافرون، ظالمون: جملة اسمية تفيد الثّبوت، ثبوت صفة الظّلم؛ أي: الشّرك عندهم، فقد كانوا يعبدون الأصنام الّتي ذكرت في سورة نوح آية (٢٣).

стр. 3855

سورة العنكبوت [٢٩: ١٥] ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب؛ أي: مباشرة من الطّوفان أنجينا نوحاً، أنجيناه تدل على السّرعة والقوة الّتي تمت فيها عملية الإنجاء، ولم يقل فنجّيناه الّتي تدل على البطء والزّمن الطّويل. كما في سورة يونس آية (٧٣) ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ﴾ التي تدل على النجاة من قومه بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً. ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾: الّذين ركبوا معه فيها سمّاهم أصحاب السّفينة، وقيل: كان عددهم (٣٠ - ٨٠) ولأنّ السّفينة صنعت من أجلهم فهي ملكهم جميعاً، فقال: أصحاب السّفينة؛ وهم نوح وأولاده الثّلاثة: سام وحام ويافث، ومن آمن معه، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]. ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾: وقد اكتشفت هذه السّفينة في شرقي تركيا على جبل الجوديّ في عام (١٩٤٨) وكان طولها يقارب (٣٠٠) ذراع وعرضها (٢٠) ذراعاً، آية وعبرة ودلالة ومعجزة تدل على عظمة الله وقدرته، فهي أول سفينة تصنع على الأرض، للعالمين: اللام لام الاختصاص، للعالمين: للمؤمن وللكافر. وقدّم آية على العالمين؛ لأنّها الآية الوحيدة الّتي سيتعظ بها كلّ النّاس أو

стр. 3856

عبرة للعالمين؛ لأنه يتحدث عن السفينة، ولم يقل للعالمين آية كما قال تعالى في سورة الفرقان آية (٣٧) ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ فتقديم الناس على الآية في هذه؛ لأنه يتحدث عن إغراق قوم نوح كما أغرق غيرهم من الناس. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٣٧) للبيان. وإذا قارنا هذه الآية ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤]. قوله تعالى: (آية للعالمين) لأنّ السّفينة بقيت في مكانها تراها الأجيال بعد الأجيال وأثرها باقٍ إلى اليوم في بعض المتاحف. أما قوله تعالى: (لآيات لقوم يؤمنون) لأنّ إحراق إبراهيم ﵇ ونجاته في ذلك الوقت كان عبرة لمن شاهده وآمن به، ونحن نؤمن بذلك؛ لأنّ الله تعالى أخبرنا بذلك فهي آيات وليست آية وخاصة بالمؤمنين. سورة العنكبوت [٢٩: ١٦] ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾: الواو عاطفة؛ أي: ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه وأرسلنا إبراهيم. حذف كلمة أرسلنا؛ لأنّ المعنى مفهوم من سياق الآيات. ﴿إِذْ﴾: ظرف زماني بمعنى حين، أو اذكر إذ قال لقومه. ﴿قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتقوه: أي أطيعوا أوامره وتجنبوا نواهيه؛ أي: اتقوا سخطه وغضبه اتقوا نار العزيز الجبار. وقد يسئل سائل كيف يقول لقومه في هذه الآية: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ

стр. 3857

وَاتَّقُوهُ﴾، وفي سورة الزخرف آية (٢٦) ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، ولنعلم أن آية العنكبوت جاءت في سياق قومه الذين آمنوا بعد الهجرة، وإسماعيل وذريته الذين كانوا في مكة، والذين دعا الله أن يرزقهم من الثمرات. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٣٧)، وأما آية الزخرف (٢٦) جاءت في قومه وأبيه قبل الهجرة من العراق إلى الشام. ولمعرفة معنى العبادة ارجع إلى سورة النّحل آية (٧٣). والتقوى لغةً: الوقاية والحماية من عضب الله وسخطه وبالتالي من النار، وذلك باتباع أوامره وطاعته سبحانه واجتناب نواهيه، والعبادة تؤدي أو ثمرتها التقوى كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]. في هذه الآية عطفت التّقوى على العبادة؛ أي: اعبدوا الله تعالى؛ لتتقوا غضب الله وسخطه وناره، أو اعبدوا الله وحده واتقوه؛ أي: اتقوا أن تشركوا به؛ لأن التّقوى: هي كفُّ النّفس عما نهى عنه الشّارع. ﴿ذَلِكُمْ﴾: العبادة والتّوحيد والتّقوى، ولم يقل ذلك وإنما قال: ذلكم؛ للمبالغة وأهمية العبادة والإخلاص والتقوى، ولأنّ الأمر يشمل عدة أمور و (ذلك) تستعمل للأمر الواحد والأقل توكيداً. ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: أفضل لكم (على وزن أفعل) من عبادة الأوثان والأصنام أو عبادة غير الله تعالى، لكم: اللام لام الاختصاص؛ أي: لكم خاصة. ﴿إِنْ كُنتُمْ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة.

стр. 3858

﴿تَعْلَمُونَ﴾: ما فيه صلاحكم وفلاحكم ونجاتكم، أو ما هو خير لكم. سورة العنكبوت [٢٩: ١٧] ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد الحصر والتّوكيد. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ لتدل على الاستمرار على عبادتهم للأوثان. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله. ﴿أَوْثَانًا﴾: جمع وثن، الوثن: كلّ ما يُعبد من غير الله، وليس له جسم أو صورة، فإن كان له جسم أو صورة إنسان أو حيوان فهو صنم. الأوثان: كلمة عامة تشمل الأصنام، فكل وثن صنم وليس كلّ صنم وثناً. وقيل: الصنم يصنع من خشب أو معدن كالذهب والفضة والنّحاس، أما الوثن من الحجارة، وما ذبح على النصب هي حجارة؛ أي: أوثان. ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾: الإفك هو الكذب المتعمد، وتخلقون إفكاً: أي ذا إفك وباطل وتخلقون إفكاً: حين تسمون الأوثان آلهة أو تصفونها بأنها آلهة، وهي ليست بآلهة، وأنها شركاء وتشفع وتقرب من الله، فكل ذلك كذب مختلق ومتعمد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: إن للتوكيد، الّذين تعبدون من دون الله:

стр. 3859

(من غير الله) من هذه الآلهة والأوثان، وبدل القول ما تعبدون وقال: (الّذين تعبدون)؛ أي: أعطى الأوثان صفة العاقل؛ لأنّهم يعبدونها كأنها تعقل. ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾: لا النّافية لكل الأزمنة، يملكون لكم: اللام لام الاختصاص لكم خاصة، رزقاً: رزقاً نكرة؛ أي: لا يقدرون على رزقكم بأيّ نوع من أنواع الرّزق (الطّعام والشّراب والمال) لأنّهم لا يملكون القدرة على أيّ شيء، لا يملكون في السّابق ولا الحاضر ولا في المستقبل. ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾: أي اطلبوا من الله وحده الرّزق فهو الرّزاق الكريم، والفاء للتوكيد، وعرّف الرّزق بأل التّعريف؛ أي: رزق الله تعالى. والرّزق لا يعني المال فقط وإنما يشمل العلم والصحة والأهل والولد والأخلاق وغيرها. انظر كيف نكَّر الرزق ثم عرَّفه، نكَّره ليشمل كل أنواع الرزق، وعرَّفه؛ أي: كله من عند الله وحده، وفي سورة الذاريات آية (٧٥) قال تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِنْ رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾؛ أي: هو سبحانه غني عنكم وأنتم الفقراء إليه ليرزقكم. ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾: وحده؛ لأنّه خلقكم فهو ربكم. ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾: فعل أمر، ولم يقل واشكروه، وإنما قال اشكروا له: اللام في (له) تفيد الاختصاص والإخلاص؛ أي: اشكروا نعمة الله لله؛ أي: لذاته اشكروا المنعم بغضّ النّظر عن كونه أنعم عليكم تلك النّعمة أم لا فهذا هو الأكمل، فشكر النّعمة لا بأس به ولكن شكر الله أفضل وأدوم، وما دام الله فالنّعمة تدوم وتصل إليكم. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠): لمزيد من البيان في معنى الشكر. ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: إليه تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: إليه

стр. 3860

وحده لا إلى غيره تُرجعون: بضم التاء؛ أي: لا خيار لكم ولا إرادة، تُرجعون إليه بعد البعث للحساب والجزاء. ولو قال تَرجعون: بفتح التاء لكان ذلك يعني الرجوع بإرادتكم ومحبتكم. وهناك فرق بين تُرجعون وقوله تعالى: ﴿تُقْلَبُونَ﴾ كما سيأتي في الآية (٢١) من نفس السورة. ارجع إلى الآية (٢١) للبيان. سورة العنكبوت [٢٩: ١٨] ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والشّك. ﴿تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: إن تكذبوا بما أعظكم، فلا يضرني تكذيبكم؛ لأنّه قد كذّب أمم من قبلكم، (فقد) الفاء رابطة لجواب الشّرط تفيد التّوكيد، (قد) للتحقيق. ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ﴾: ما النّافية. على الرسول: أو الرسل. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: البلاغ: هو إعلامكم بما أنزل إليكم ربكم. والمبين: يعني الواضح البيّن والكامل التام. انتبه إلى قوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَ﴾ ولم يقل فقد كذبت، كذب تدل على القلة، وكذبت تدل على الكثرة، فلماذا استعمل كذب الّتي تدل على القلة؟ الجواب: لأن الأمم الّتي سبقت قوم إبراهيم قلة مثل قوم نوح وعاد وثمود. القاعدة: جمع التّذكير يدل على القلة وجمع التّأنيث يدل على الكثرة كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٢ - ١٤].

стр. 3861

سورة العنكبوت [٢٩: ١٩] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: ﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري، والواو في (أولم) تدل على شدة الإنكار (إنكار البعث). ﴿يَرَوْا﴾: الرّؤية هنا قلبية؛ أي: يعلموا. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام وعادة تستعمل للسؤال عن الحال. ﴿يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: في كلّ عام أو كلّ مرة كيف يحيي الله الأرض بعد موتها، فمن هو قادر على أن يحيي الأرض بعد موتها قادر على أن يحيي الموتى. ارجع إلى الآية (٢٠) القادمة لبيان الفرق بين بدأ ويُبدئ الخلق. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: تدل على التّراخي في الزّمن. ﴿يُعِيدُهُ﴾: يعيد خلقه أو إحياءه من جديد. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾: إن للتوكيد، ذلك: اسم إشارة يفيد البعد ويشير إلى أن إعادة الخلق (البعث) على الله يسير. ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: هيّنٌ وسبحانه، ليس عنده ما هو هيّنٌ أو ما هو صعب فالكل متساوٍ (الخلق أو إعادة الخلق) وذكر يسير أو هيّن هو تبيان للناس على قدر ما تفهم عقولهم، وقوله: (إن ذلك على الله يسير) يقصد بها إعادة الخلق فهم يقرّون بالخلق الأوّل كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزّخرف: ٨٧]. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. ففي ميزان البشر إعادة الخلق هو أهون من بدء الخلق، فلمَ يقرّون بأنّ الله قادر على بدء الخلق وليس إعادته!

стр. 3862

سورة العنكبوت [٢٩: ٢٠] ﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ . ﴿سِيرُوا فِى الْأَرْضِ﴾: السّير الانتقال، الارتحال من مكان إلى مكا ن للسفر والسّياحة، سيروا في الأرض ليس سيروا على الأرض؛ لأنّ الغلاف الجوي المحيط بالأرض يعتبر جزءاً من الأرض. ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾: الفاء للترتيب والمباشرة؛ أي: سافروا للتأمّل والتّفكر والعبرة، فانظروا نظرة تأمل وتفكر نظرة قلبية كيف بدأ الخلق؛ أي: لأوّل مرة؛ أي: النشأة الأولى؛ أي: الخلق الأوّل منذ ملايين السّنين، أما لو قال كيف يبدأ الخلق؛ يعني: يكرر ويجدد، وإعادته بعد الخلق الأول كما نرى في إحياء الأرض بعد موتها كلّ عام. ارجع إلى سورة الأنعام آية (١١)؛ للمقارنة بين قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ [النمل: ٦٩]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ [الأنعام: ١١]. ﴿ثُمَّ اللَّهُ﴾: ثمّ للترتيب والتّراخي في الزّمن. ﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾: يعني البعث: بعث الخلائق يوم القيامة للحساب، وهذه كذلك نظرة قلبية؛ لأنها ستحدث في المستقبل. الخلاصة عندنا ثلاثة أنواع: ١ - الخلق الأوّل (بدء الخلق).

стр. 3863

٢ - يبدأ الخلق (يعني إعادة الخلق كلّ عام أو كلّ زمن كما في إحياء الأرض، وخلق البشر المستمر). ٣ - النّشأة الآخرة هي البعث للحساب. وانتبه إلى قوله تعالى: (كيف بدأ الخلق) أضمر أو حذف ولم يذكر الله فقال: (كيف بدأ الخلق)؛ لأنّ الكل ومنهم الكافرون يؤمنون بأن الله هو الخالق كما بيّنّا في آية الزّخرف (٨٧) ولقمان (٢٥) ولكن المصيبة هي عدم إيمانهم بالبعث أو النّشأة الأخرى ولذلك ذكر وأفصح عن اسمه فقال: (ثمّ الله ينشئ النّشأة الآخرة). ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد، على كلّ شيء قدير. ارجع إلى الآية (٢٠) من سورة البقرة للبيان. لا يعجزه خلق أو بعث أو إعادة. سورة العنكبوت [٢٩: ٢١] ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾: كما ورد في الآية السّابقة ينشئ النّشأة الآخرة؛ أي: يبعث الله العباد للحساب والجزاء على أعمالهم فيعذب أهل الكفر والشّرك والمكذبين بالله ورسله والعصاة إذا لم يتوبوا، ويرحم أهل طاعته أو الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات. وبدأ بذكر العذاب في هذه الآية قبل ذكر الرّحمة، وكذلك قدم العذاب على المغفرة في آية أخرى فقط في سياق السارق والسارقة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ٤٠]. ارجع إلى تلك الآية لمزيد من البيان. بينما في آيات أخرى يقدّم المغفرة على العذاب كقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٨]، وقدّم العذاب في هذه الآية؛ لأنّها جاءت في سياق المكذبين

стр. 3864

بالبعث والمعرضين عن آيات الله، فناسب ذكر العذاب قبل الرّحمة لإنذار هؤلاء الأشقياء. ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾: أي وإليه ترجعون. ١ - تقديم إليه (بدلاً من القول تقلبون إليه) تقديم الجار والمجرور للحصر والقصر؛ أي: إليه وحده تقلبون للحساب والجزاء. ٢ - استعمل (تقلبون) بدلاً من ترجعون؛ لأنّ الرّجوع يكون عودةً للحالة الأولى الّتي خرج فيها أو كان فيها، أما (تقلبون) ففيه معنى الرّجوع ولكن إلى حالة جديدة غير الحالة الأولى، فهم كانوا في الدّنيا وبعد البعث يقلبون للعذاب أو للرحمة إما النّار وإما الجنة، ولو أنّهم يرجعون إلى الدّنيا لقال إليها يرجعون. وأما قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب والجزاء، وهكذا قد يكون في الدنيا، أو في الآخرة. ٣ - تقلبون: بغير إرادتكم أو مشيئتكم؛ أي: قسراً وقهراً. سورة العنكبوت [٢٩: ٢٢] ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾: الواو استئنافية، ما النّافية، أنتم: للتوكيد والمخاطب المكذبين الكافرين والمعرضين والعاصين. ﴿بِمُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ﴾: الباء للإلصاق والاستمرار، معجزين: جمع معجز وهو الّذي يُعجز غيره؛ أي: يفلت من غيره، وما أنتم بمعجزين في الأرض: نفى

стр. 3865

عنهم، ليس فقط القدرة على الهرب، بل نفى عنهم حتّى التّفكير بالهرب، فالهرب ليس وارداً بحقهم من أقطار الأرض ولا في الأرض نفسها. ﴿وَلَا فِى السَّمَاءِ﴾: تكرار (لا) يفيد توكيد نفي العجز عن كلّ واحدة لا في الأرض ولا في السّماء ولا كلاهما، السّماء: تشمل السّموات السّبع وكل ما علا الإنسان. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: وما لكم: الواو: عاطفة. ما: نافية. لكم: خاصة المكذبون بالبعث والآخرة في زمن إبراهيم من غير الله تعالى. من: استغراقية تستغرق كل ولي ونصير، والولي: هو القريب الّذي يُعينك ويُكِنّ لك المحبة والمودة، النّصير: هو الّذي ينصرك بالقوة ويدافع عنك، فقد يكون هناك من هو ولي ولا يستطيع أن ينصرك، أو هناك من هو نصير وليس ولياً لك، فالنّفي شمل كلاهما. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٠٧) لمزيد من البيان. أوّلاً: لنقارن هذه الآية (٢٢) من سورة العنكبوت: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ مع الآية (٣١) من سورة الشّورى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: نجد أولاً: في سورة العنكبوت أضاف كلمة السّماء إلى الأرض، أما في سورة الشّورى اقتصر على كلمة الأرض، السّبب: الآية في سورة العنكبوت جاءت في خطاب قوم إبراهيم وفي النّمرود الّذي كان يظن أنّه قادر على الصّعود إلى السّماء، فالتحدي في آية العنكبوت أشد من التّحدي في سورة الشّورى، ولذلك أضاف السّماء في العنكبوت وحذفها في الشّورى (خطاب عام).

стр. 3866

ثانياً: وفي آية العنكبوت إشارة إلى الصّعود إلى السّماء، وقد رأينا هذا منذ حوالي (٥٠) عاماً حتّى الآن، كيف يصعد روّاد الفضاء إلى السّماء ورغم ذلك فهم غير معجزي الله وهم تحت رحمة الله، وبإذنه يصعدون، وكم تحطم الكثير من المركبات الفضائية ولم ينجو أحد منها. ثالثاً: إذا نظرنا إلى الآية ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ وهناك آية أخرى مشابهة ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ سورة الشّورى الآية (٨): فالاختلاف يعود إلى (من دون الله) فحين يذكر (من دون الله) فالآية في سياق الدّنيا والخطاب إلى الأحياء، وحين لا يذكر (من دون الله) فالآية في سياق الآخرة؛ أي: المخاطبون هم أهل الآخرة؛ لأن في الآخرة ليس هناك سواه سبحانه حتّى يتخذوا ولياً أو نصيراً، فلا داعي لذكر (من دون). سورة العنكبوت [٢٩: ٢٣] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَّحْمَتِى وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذم. ﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: القرآنية والكونية والمعجزات الدّالة على نبوة الرّسل، كفروا: أي لم يؤمنوا بها أو يصدقوها، والباء للإلصاق والتّمسك بالكفر. ﴿وَلِقَائِهِ﴾: أي كفروا بالبعث والحساب والدّار الآخرة، ولقاء الله سبحانه والعرض عليه كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يفيد البعد ويفيد الدنو.

стр. 3867

﴿يَئِسُوا مِنْ رَّحْمَتِى﴾: يئسوا من اليأس: وهو انقطاع الأمل والرّجاء. من رحمتي: عفوي ومغفرتي أو من جنتي. والمؤمن لا ييأس من روح الله مهما حدث ولا من رحمة الله؛ لأنّه لا ييأس من روح الله (فرج الله) إلا القوم الكافرون كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَايْئَسُ مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: إعادة (أولئك) للتوكيد، لهم عذاب أليم، لهم: اللام لام الاستحقاق والاختصاص، عذاب أليم: في الدّنيا والآخرة شديد الإيلام لا يستطيع أن يطيقه أو يتحمله أحد.

стр. 3868

سورة العنكبوت [٢٩: ٢٤] ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿فَمَا كَانَ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب وما النّافية. ﴿جَوَابَ قَوْمِهِ﴾: بعد أن دعاهم لعبادة الله وحده ونهاهم عن عبادة الأصنام، وقوله لقومه: أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، أفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون، فقد كان جواب قومه جواب المتكبر الجبار الّذي ليس لديه ما يقوله من حجة أو برهان إلا التّهديد والبطش والقتل. فما كان جواب قومه: أي فما كان رأي قومه؛ لأنّه لم يكن هناك سؤال أصلاً، وإنما جاء رأي قومه الّذي أجمعوا عليه في صورة الجواب. ﴿إِلَّا﴾: للحصر. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل. ﴿قَالُوا﴾: قال بعضهم لبعض، أو قال أحدهم واستمع الآخرون، أو قال بعضهم: اقتلوه، وبعضهم قالوا: حَرِّقوه، المهم كانوا جميعاً شركاء في الجريمة (القتل أو الحرق).

стр. 3869

﴿اقْتُلُوهُ﴾: القتل هو هدم بنية الجسم بحيث يصبح غير صالحٍ لسكن الرّوح، فتجبر الرّوح على مفارقة البدن فيحدث الموت. ﴿أَوْ حَرِّقُوهُ﴾: (أو) هنا قد تكون للتخيير وقد تعني الإضراب الإبطالي؛ أي: بل حرّقوه. فأيهما أشد وأبلغ القتل أو الإحراق؟: القتل حتماً نتيجته الموت، والإحراق قد يؤدي إلى الموت أو يبقى الإنسان حياً بعد معالجته. وأيهما أشد عذاباً طبعاً الإحراق؛ لأنّ ألمه شديد وقد يطول وهو أبشع وسائل القتل. وحرّقوه، وليس أحرقوه؟ حرّقوه فيها مبالغة في الإحراق؛ أي: أوقدوا له ناراً شديدة لتحرقه، إحراقاً كاملاً رأسه وجسمه ووجهه ويديه ورجليه يؤدي إلى الموت. ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾: الفاء للمباشرة؛ أي: أنجاه الله سبحانه مباشرة بعد أن ألقوه في النّار، أنجاه: تدل على سرعة النّجاة، فليس هناك متسع من الزّمن، ولم يقل فنجّاه الّتي تدل على البطء. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾: إنّ: للتوكيد، في: ظرفية، ذلك اسم إشارة يفيد البعد، لآيات: اللام لزيادة التّوكيد، ولم يقل لآية وإنما آيات: جمع آية؛ أي: عجائب ودلائل وعبر كثيرة خارقة للعقل في إحراق إبراهيم ونجاته من النّار، وكيف أصبحت برداً وسلاماً على إبراهيم، والسّؤال ألم يكن سبحانه قادراً على

стр. 3870

أن ينجيه قبل حرقه بالهجرة أو بالهرب مثلاً، وكذلك ألم يكن سبحانه قادراً على أن يطفئ النّار حين أشعلوها ولكنه لم يفعل وإنما كانت الآية أنّه سلب من النّار قدرتها على الإحراق وأبدلها ببرد وسلام وهذا في دلالة أكبر على عظم قدرته سبحانه والنّار آية وجند من جنود الله سبحانه. آيات: دلالات وبينات تدعو إلى الإيمان والتّوحيد وتدل على قدرة وعظمة الخالق، وأنّه هو الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد ويُحمد. ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: اللام لام الاختصاص، يؤمنون: ينتفع بها المؤمنون خاصة فتزيدهم إيماناً مع إيمانهم، وقد بيّن الله سبحانه في سورة الصّافات الآية (٩٧ - ٩٨) كيف تمَّ إحراقه فقال تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِى الْجَحِيمِ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾. سورة العنكبوت [٢٩: ٢٥] ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: ﴿وَقَالَ﴾: إبراهيم بعد أن أنجاه الله من النّار ورجع يدعو قومه إلى الإيمان مرة أخرى: إن لم تؤمنوا بكل هذه الآيات الدّالة على عظمة وكمال قدرة الله تعالى. ﴿إِنَّمَا﴾: للتوكيد والحصر والقصر على اتخاذ الأوثان من أجل المودة لإظهار حمقهم وسفاهة عقولهم، وكذلك تكبرهم وعنادهم. ﴿اتَّخَذْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي إنما عبدتم هذه الأوثان مودة بينكم؛ أي:

стр. 3871

١ - لتتوادوا من دون الله، أو للألفة بينكم والتّحابّ لاجتماعكم على مذهب واحد وعقيدة واحدة باطلة هي عبادتها وتعظيمها. ٢ - أو تعني: اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم؛ أي: تودون بعضكم بعضاً بسبب الأوثان. ٣ - أو اتخذتموها مودة لتودّوا آباءكم الأولين وسيراً على منهجهم. ٤ - أو تحبوها حباً شديداً لا أنها لا تضر ولا تنفع. ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ﴾: أي هذه المودة بينكم وبين بعض، بينكم وبين هذه الأوثان أو بينكم وبين آبائكم الأولين، وكلّ هذه الصّلات والرّوابط في هذه الحياة الدّنيا ستزول وتنقطع يوم القيامة ولا يقف الأمر عند ذلك بل سيكفر بعضكم ببعض؛ أي: سيتبرأ بعضكم من بعض؛ أي: القادة من الأتباع أو الّذين استكبروا من الّذين استضعفوا. ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾: يلعن الأتباع المتبوعين ويلعن الرؤساء الضعفاء، ويلعن عبدة الأوثان الأوثان، واللعن: الدّعاء بالبعد والطّرد من الخير أو رحمة الله والدّعاء عليهم بالعذاب. ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾: مكانكم ومستقركم ومنزلكم النّار، والمأوى اسم مكان من: أوى يأوي، والمأوى: المنزل. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: ناصرين: جمع نصير، نصير: صيغة مبالغة، والنصير: أقوى من الناصر. ما للنفي، لكم: اللام لام الاختصاص، لكم عبدة الأوثان، من: استغراقية تستغرق؛ أي: تشمل كل نصير؛ أي: لا نصير ولا ناصر

стр. 3872

ينصرونكم من عذاب الله؛ أي: يمنعونكم أو يشفعوا لكم أو يخففوا عنكم العذاب، وكما قال في آية أخرى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزّخرف: ٦٧]. فالمودات تنقلب إلى عداوات إلا المحبة في الله فهي التي تدوم في الدّنيا والآخرة. سورة العنكبوت [٢٩: ٢٦] ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّى إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾: الفاء للترتيب والتّعقيب، آمن له مباشرة بعد أن نجا من النّار، آمن له: ولم يقل آمن به، آمن له تعني: صدّقه، صدّق نبوته؛ أي: صدّق لوط بإبراهيم مباشرة وهو أوّل من آمن بإبراهيم، وقيل: كان لوط ابن أخيه. ﴿وَقَالَ إِنِّى﴾: أي إبراهيم، قال إنّي: للتوكيد. ﴿مُهَاجِرٌ﴾: قال ذلك بعد أن نجا من النّار، مهاجر: يعني أنّه لم يهاجر برغبته وإنما آذاه قومه فاضطر إلى الخروج؛ أي: مرغم على الهجرة، أما هجر تعني: تركها برغبته ولم يُجبر على الخروج. ﴿إِلَى رَبِّى﴾: إلى حيث أمرني ربي أو مهاجراً امتثالاً لأوامر ربي الّذي أمرني بالهجرة، مهاجر من الكوفة في العراق إلى بلاد الشّام وكان عمره حوالي (٧٥) ومعه ابن أخيه لوط وامرأته سارة، وقيل: هو أوّل من هاجر في سبيل الله. ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾: إنّه للتوكيد، هو: للتوكيد والحصر. ﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الّذي لا يُغلب ولا يُقهر والممتنع.

стр. 3873

﴿الْحَكِيمُ﴾: في تدبير شؤون خلقه وكونه، والحكيم من الحكمة فهو أحكم الحكماء وأحكم الحاكمين. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) للبيان المفصل. سورة العنكبوت [٢٩: ٢٧] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِى الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: الواو: واو العطف والجمع؛ أي: وهبنا لإبراهيم إسماعيل من قبل، ووهبنا له إسحاق ويعقوب، وإسحاق ابن إبراهيم، ويعقوب الحفيد (ابن إسحاق)، الهبة: عطية تفضُّل من الواهب إلى الموهوب له، الواهب هو الله تعالى، الموهوب إبراهيم ﵇؛ لأنّ سارة كانت عجوزاً عقيماً. ارجع إلى سورة ص آية (٣٠) وسورة إبراهيم آية (٣٩): لمزيد من البيان. ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾: كلّ الأنبياء والرّسل الّذين جاؤوا من بعد إبراهيم كانوا من ذرية إبراهيم ومنهم إسماعيل ورسول الله ﷺ ، والكتاب: اسم جنس يعني التّوراة والإنجيل والقرآن والزّبور كلها أنزلت بعده، وأنزلت على ذريته من الأنبياء والرسل. ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِى الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: وآتيناه: من الإيتاء وهو: العطاء بدون تملك والإيتاء للأشياء المادية والمعنوية، لمعرفة الفرق بين الإيتاء والعطاء ارجع إلى (٢٥١) من سورة البقرة للبيان. أجره في الدّنيا؛ والأجر: هو جزاء على العمل في الدعوة والتبليغ بالصلاة عليه والثّناء الحسن والذّرية الطّيبة والنّبوة وعلوّ القدر، الأجر في الدّنيا يكون مقابل التّبليغ والدّعوة، وإنّه في الآخرة لمن الصّالحين: إنّه للتوكيد، واللام في (لمن) لزيادة التّوكيد.

стр. 3874

الصالحين: ارجع إلى سورة البقرة آية (١٣٠) لبيان معنى الصالحين. وإذا قارنا هذه الآية: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِى الدُّنْيَا﴾، وقوله تعالى في الآية (١٢٢) من سورة النحل: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: نجد هناك اختلافين: الأول: الأجر مقابل الحسنة، والثاني: تقديم الأجر على الدنيا، وتقديم الدنيا على الحسن أولاً الأجر أعم من الحسنة؛ الحسنة نوع من أنواع الأجر، وجاء الأجر في آية العنكبوت في سياق الدعوة إلى الله والتبليغ، وجاءت الحسنة في النحل لكونه شاكر لأنعم الله، وتقديم الدنيا على الحسنة؛ أي: حسنة تخص الدنيا، أو ينالها في الدنيا، وأما الأجر فليس خاص بالدنيا فقط، بل الدنيا والآخرة. سورة العنكبوت [٢٩: ٢٨] ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾: أي واذكر إذ قال لوط لقومه أو حين قال لوط لقومه. ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾: إنكم تفيد التّوكيد، واللام في لتأتون لزيادة التّوكيد. ﴿الْفَاحِشَةَ﴾: إتيان الرجال شهوة من دون النساء. ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: ما النّافية، سبقكم بها: ما فعلها أو قام بها أحدٌ من قبلكم، من: استغراقية، أحد: للتوكيد، من العالمين: الإنس والجن. سورة العنكبوت [٢٩: ٢٩] ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ

стр. 3875

الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾: الهمزة للاستفهام والإنكار والتّوبيخ على فعلهم الفاحشة، وتكرار أئنّكم لتأتون الفاحشة أئنكم لتأتون الرّجال: توكيد لتقبيح عملهم وذمهم وتوبيخهم، أنكم: للتوكيد. ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾: اللام في لتأتون لزيادة التّوكيد، تأتون الرّجال شهوة. ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾: تقطعون الطّريق على المارّة بالاغتصاب وسلب أموالهم، أو بالفاحشة أو قطع النّسل للعدول عن النّساء إلى الرّجال. ﴿وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾: النّادي: مشتقة من الفعل ندا، يندو: مجلس تجمّع القوم للحديث واللعب والمشاورة وغيرها، المنكر: كلّ ما خالف الشّرع يقال له: منكر من قول وفعل مثل: فعل الفاحشة مجاهرة، وسوء الخلق والعُري، والسّخرية من المارة والصفير، وتشبّه الرجال بالنّساء والنّساء بالرّجال وغيرها من الأعمال الّتي تخالف الفطرة السّليمة من العادات القبيحة. ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾: الفاء تدل على المباشرة، ما النّافية، جواب قومه: ردّ قوم لوط. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾: قالوا ذلك استهزاءً وكفراً وتحدياً للوط ﵇، وظناً منهم أنّ الله لم يحرّم عليهم تلك الفاحشة أو تلك الفواحش والمنكرات.

стр. 3876

﴿إِنْ كُنْتَ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال أو النّدرة. ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: فهم غير متأكدين من صدقه، ولذلك لم يُخفهم التّهديد والوعيد بالعذاب. وفي سورة النمل آية (٥٦): ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾، كيف نجمع بين الآيتين، نجمع بينهما بالقول عند التشاور، قال فريق: أخرجوه من قريتكم، وفريق قال: ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين. سورة العنكبوت [٢٩: ٣٠] ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِى عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾: قال لوط: ربّ انصرني على القوم المفسدين في الأرض بفعل الفاحشة والمجاهرة بها وارتكاب المعاصي وقطع السّبيل، على: تفيد الاستعلاء والمشقّة، المفسدين: جمع مفسد، بقطع الطّريق وارتكاب المعاصي والفاحشة والمنكر، والمفسدين: جملة اسمية تدل على ثبوت فعل الفساد فيهم، فهم كانوا فاسدين في أنفسهم ومفسدين غيرهم. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١): للبيان.

стр. 3877

سورة العنكبوت [٢٩: ٣١] ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾: ﴿وَلَمَّا﴾: ظرفية زمانية بمعنى: وحين، متضمن معنى الشّرط. ﴿جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾: بالبشرى بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب (الحفيد)، رسلنا: أي ملائكتنا، ولم يذكر البشرى في هذه الآية وإنما ذكرها في آيات أخرى فقال تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذّاريات: ٢٨]، بالبشرى: والبشرى هي الخبر السّار لأوّل مرة. ارجع إلى سورة النّحل آية (٨٩) لمزيد من البيان. ﴿قَالُوا﴾: أي رسلنا (الملائكة). ﴿إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾: إذن هم جاؤوا لإهلاك قرى لوط، وفي طريقهم مروا على إبراهيم ﵇ وبشروه بإسحاق ويعقوب، وأخبروا إبراهيم بما سيحل على قوم لوط من العذاب، القرية هنا قرية سدوم وهي المركز أو العاصمة لقوم لوط وتمثل بقية قرى قوم لوط، والتي سماها الله سبحانه (المؤتفكات) [الحاقة آية: ٩]، وفي سورة النجم آية (٥٣) سماها (المؤتفكة أهوى). مهلكو أهل القرية بما قدمت أيديهم حين خرجوا عن منهج الله وارتكبوا الفاحشة الّتي ما سبقهم بها من أحد من العالمين. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا﴾: إنّ للتوكيد، أهلها: سكان هذه القرية. ﴿كَانُوا ظَالِمِينَ﴾: لأنفسهم بارتكاب الفاحشة الّتي حرمها الله على العالمين والفساد في الأرض بقطع الطّريق وإتيان المنكر في ناديهم. ظالمين: جملة اسمية تفيد الثبوت؛ أي: مستمرين بالظلم.

стр. 3878

سورة العنكبوت [٢٩: ٣٢] ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: ﴿قَالَ﴾: قال إبراهيم للملائكة. ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾: ولوط ﵇ لم يكن من أهل هذه القرية بل كان مهاجراً إليها وهو فيها الآن حاضراً؛ لذلك لم تشمله الآية السّابقة (مهلكو أهل هذه القرية) ويبدو أنّ إبراهيم ﵇ شُغل بقصة لوط ولم يسأل عن البشرى. ﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ﴾: قالوا: الملائكة (الرّسل)، نحن أعلم: على وزن أفعل، وصيغة مبالغة للعلم. ﴿بِمَنْ فِيهَا﴾: الباء للإلصاق، من اسم موصول بمعنى الّذي فيها؛ وهو لوط، وفيها: ظرفية مكانية. ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾: اللام والنّون للتوكيد؛ أي: لوط وأهله. ﴿وَأَهْلَهُ﴾: ابنتيه. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: امرأته: إذن هي من أهله، ولكنه استثناها منهم وقال امرأته، ولم يقل زوجته. ارجع إلى سورة القصص آية (٩) للبيان. الباقين في العذاب في حكم الله وعلمه الأزلي، ارجع إلى سورة النّمل الآية (٥٧): للبيان. سورة العنكبوت [٢٩: ٣٣] ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِاءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: ﴿وَلَمَّا﴾: الواو استئنافية، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين متضمنة الشّرط. ﴿أَنْ﴾: هنا تدل على طول الزّمن أو التّراخي في الزّمن؛ أي: كأنه كان ينتظر

стр. 3879

بفارغ الصبر وقد طال الانتظار لمجيء هؤلاء الرّسل لإهلاك قوم لوط الّذين تمادوا في فعل الفاحشة. ﴿جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾: أي الملائكة الّذين قدموا من عند إبراهيم. ﴿لُوطًا سِاءَ بِهِمْ﴾: أي أصابه السّوء بمجيئهم حين رآهم قادمين عليه، أحزنه، ساءه مجيئهم بدل أن يفرح ويسعد بهم (لأنّه لا يعلم أنّهم ملائكة) لأنّهم قدموا عليه بصورة بشر شبان حسان المنظر. ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾: أي اشتد عليه الشّعور بالضيق في صدره من مجيء الرسل إليه والخوف عليهم من قومه وظن أنه غير قادر على حمايتهم من قومه عندئذٍ أخبروه بقولهم: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]. وأصل ضاق ذرعاً؛ أي: ذراعه ليصل إلى شيء فلم يستطع. ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾: الخوف هو توقع الضّرر المشكوك في وقوعه، لا: النّاهية، تخف من قومك علينا؛ لأنّهم لن يصلوا إليك، ولا تحزن: الحزن: هو الألم النّفسي المستمر، وتكرار لا يفيد توكيد النّفي بعدم الحزن وبعدم الخوف وبكلاهما. ﴿إِنَّا﴾: بصيغة الجمع للتعظيم. ﴿مُنَجُّوكَ﴾: من النّجاة، منجّوك تدل على الثّبوت، وهناك فرق بين النّجاة والفوز، فالنّجاة: هي الخلاص من المكروه، وأمّا الفوز فهو الخلاص من المكروه والوصول أو الحصول على المحبوب. ﴿وَأَهْلَكَ﴾: الأهل: عادة تطلق على الزوجة والأولاد، وهنا استثنى الزّوجة. ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾: إلا أداة استثناء، وقال: امرأتك بدلاً من (زوجتك) لأنّ: الزوج يطلق على الذكر والأنثى وهما زوجان، وهما زوج كلّ؛ أي: منهما يماثل الآخر. ولأنّها كانت تخالف لوطاً في الدّين والإيمان ولذلك بدل اسم الزّوجة إلى امرأة. من خصوصيات القرآن استعمال كلمة المرأة إذا كانت الزوجة تخالف زوجها

стр. 3880

في الدّين أو العادات ويستعمل الزّوجة إذا كانت تحاكي زوجها في الدّين وغيره وليس فيها مرض أو عيب خَلقي. ارجع إلى سورة القصص آية (٩) لمزيد من البيان. ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: الباقين في العذاب من: غبر، ولها معنيان: الأول: مضى، والثاني: بقي، فما دامت بقيت مع أهل قريتها فهي أصبحت من الهالكين. سورة العنكبوت [٢٩: ٣٤] ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: ﴿إِنَّا﴾: بصيغة الجمع للتعظيم، الملائكة يخبرون لوطاً بما سيفعلون بأهل هذه القرية والقرى الأخرى المماثلة. ﴿مُنْزِلُونَ﴾: الله سبحانه هو المنزل وهم رسل الله تعالى. ﴿عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾: سدوم وأخواتها (المؤتفكات). ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: الرّجز: العذاب من السّماء وهو إنزال الحجارة من سجيل منضود، رجزاً بصيغة النّكرة للتهويل. ارجع إلى سورة الحجر آية (٧٤)، وسورة هود آية (٨٢). ﴿بِمَا كَانُوا﴾: الباء للإلصاق والملازمة، باء السّببية، ما مصدرية. ﴿يَفْسُقُونَ﴾: الفسق: هو الخروج عن طاعة الله تعالى بفعل الفاحشة، وبصيغة المضارع؛ لتدل على تجدد وتكرار الفسق. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٦) لبيان معنى الفاسقين. سورة العنكبوت [٢٩: ٣٥] ﴿وَلَقَدْ تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام لام التّوكيد، قد: للتحقيق. ﴿تَّرَكْنَا مِنْهَا﴾: تركنا منها: أي من القرية بعض الآثار الدّالة على تدمير قوم لوط الّتي تعتبر:

стр. 3881

﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾: دليلاً وبرهاناً واضحاً على أنّ عذابه هو العذاب الأليم الشّديد، قيل: إنّ جبريل اقتلع القرية من جذورها من الأرض، ثمّ رفعها إلى عنان السّماء، ثمّ قلب عاليها سافلها، ثمّ تركها تهوي على الأرض، ثمّ أمطر الله سبحانه عليها؛ أي: على أهلها، حجارة من سجيل منضود. ولنعلم أنّ الدراسات الحديثة بيّنت أن هناك بعض الآثار الدّالة على تلك الحجارة من سجيل الّتي اكتشفت في ديار قوم لوط كما يظن بعض علماء الآثار، وتبيّن من تركيبها أنّها حجارة لا تخصّ الأرض. كريات من حجر الكبريت الخالص مدفونة في منحدرات صخرية على خواف البحر الميت، ووجود عظام محروقة هائلة العدد قد يكون لها علاقة بقوم لوط، أو لا الله أعلم. ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: اللام لام الاختصاص، يعقلون: يتفكرون بالأسباب والنّتائج فيدركون الحقيقة فيتجنبوا تلك الفاحشة؛ لئلا تكون عاقبتهم مثل عاقبة قوم لوط، ارجع إلى سورة الحجر الآيات (٧٤ - ٧٧): لمزيد من البيان. سورة العنكبوت [٢٩: ٣٦] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً، ارجع إلى الآية (٨٤) من سورة هود للبيان. اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، والعبادة: هي طاعة الله (المعبود) فيما أمر ونهى عنه ولا تكون إلا للخالق، ارجع إلى الآية (٧٣) من سورة النحل لمزيد من البيان. ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾: أي آمنوا باليوم الآخر بالبعث والحساب واستعدّوا له وخافوه من سيئات أعمالكم وخافوا أهواله وأحداثه. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: لا النّاهية، تعثوا: من العثي: وهو أشد الفساد؛ أي: لا تبغوا الفساد في الأرض وتتمادوا فيه بإنقاص المكيال والميزان والبغي والكفر وارتكاب المعاصي، وإهلاك الحرث والنّسل انتهوا خيراً لكم،

стр. 3882

وقوله: (ولا تعثوا في الأرض) تعني: لا تفسدوا قليلاً ولا كثيراً؛ أي: لا تفسدوا في الأرض بكل أشكال الفساد وبنية أو بغير نية؛ أي: قصد، وقوله: (مفسدين): حال مؤكدة، ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة للمزيد من البيان. سورة العنكبوت [٢٩: ٣٧] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: الفاء تدل على التّعقيب والمباشرة، كذّبه قومه ولم يصدّقوا ويطيعوا ما أمرهم به أو نهاهم عنه، وأصرّوا على ذلك ولم يتوبوا. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: الأخذ يعني: الانتقام بشدة وبقوة، والأخذ يعني: الهلاك؛ أي: أهلكتهم الرّجفة الزّلزلة الشّديدة العظيمة، والفاء: تعليلية أو سببية. انتبه إلى الفرق بين الرّجفة والزّلزلة: الرّجفة: هي الزّلزلة الشّديدة الّتي يصاحبها انفجار شديد في باطن الأرض، فالزّلازل ثلاثة أنواع أو أشكال حسب تحرك الصّفائح القاريّة تحت البحار. الزّلازل السّطحية أقل من (٦٠) كم والمتوسطة يتراوح عمقها (٦٠ - ٣٠٠) كم والعميقة الّتي يصل عمقها إلى (٧٠٠) كم. ﴿فَأَصْبَحُوا فِى دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: الفاء للمباشرة، أصبحوا: صاروا، في: ظرفية، دارهم: بلدهم أو ديارهم؛ أي: مساكنهم أو منازلهم، جاثمين: جمع جاثم: اسم فاعل من فعل جثم، والجاثم: هو من لزم مكانه فلم يبرحه، لم يكن هناك أيّ زمن حتّى ليتحرك خطوة إلى الأمام أو الخلف ليحاول النّجاة أو الهرب، فظل على حاله هلك وهو واقف أو قاعد أو نائم. سورة العنكبوت [٢٩: ٣٨] ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾: وعاداً: الواو لمطلق الجمع وليس للترتيب؛ لأنّ عاد وثمود جاؤوا قبل مدين.

стр. 3883

﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾: أي وأهلكنا عاداً وثموداً، أو اذكر عاداً وثموداً؛ أي: قبيلة عاد: قوم هود ونبيهم هود ﵇، سكنت جنوب اليمن حضر موت (الأحقاف)، وقبيلة ثمود: قوم صالح ونبيهم صالح ﵇، سكنت في الحجر في بلاد الأردن شمال الحجاز. ﴿وَقَدْ﴾: قد: للتحقيق والتّوكيد. ﴿تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَّسَاكِنِهِمْ﴾: تبيّن لكم من مساكنهم الخالية أو الخاوية على عروشها، إهلاكهم؛ أي: ظهر لكم يا أهل مكة وغيرهم من آثارهم كيف فعلنا بهم وانتقمنا منهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾: من الكفر والشّرك والمعاصي، زين: من التّزيين: ارجع إلى الآية (٤) من سورة النّمل للبيان. زين لهم الشّيطان أعمالهم بالوسوسة والتّزيين؛ لكي يرى الباطل حقاً والحق باطلاً والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، وزيّن لهم الفاحشة والمعاصي باللذة الزّائلة، والشّرك والفساد في الأرض، وجحد نِعم الله عليهم والظّلم والطّغيان. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾: الإيمان بالله تعالى وطاعته وتوحيده ودينه. ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾: جمع مستبصر من فعل: استبصر، كانوا ذوي عقول وبصائر ومعرفة ببناء المدن والمصانع والقصور، ولكن لم يستفيدوا من عقولهم وبصائرهم فعموا وصمّوا، أو لم يعلموا عاقبة أمرهم من العذاب الّذي ينتظرهم.

стр. 3884

سورة العنكبوت [٢٩: ٣٩] ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِى الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾: أي وأهلكنا قارون وفرعون وهامان، وقارون: أهلكناه بالخسف، خسفنا به وبداره الأرض؛ لبغيه في الأرض وكفره، وقدّم قارون على فرعون وهامان؛ لأنّه كان عالماً بالتّوراة وابن عم موسى وكان من المستبصرين أيضاً، ولكن كلّ ذلك لم ينفعه، وفرعون وهامان: أغرقناهما. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) لمعرفة من هو فرعون (الأب رمسيس الثاني) أم الابن فرعون (الخروج)؟ ويبدو في هذه الآية أنه فرعون الخروج؛ أي: الابن، وارجع إلى سورة القصص آية (٦) للتعرف على هامان. ﴿وَلَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق. ﴿جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالآيات التّسع والحجج الدّالة على قدرة الله وعظمته ووحدانيته، الباء للإلصاق والملازمة. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِى الْأَرْضِ﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة، استكبروا؛ أي: أظهروا تكبّرهم وعظم شأنهم فلم يؤمنوا بموسى وآياته بل طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، وقال فرعون: يا أيّها الملأ ما علمت لكم من إله غيري.

стр. 3885

﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾: ما النّافية، كانوا سابقين: جمع: سابق، من: سبق وتسابقا وسابقوا، والسّابق يقتضي مسبوقاً، فالله سبحانه سابق كلّ حي أو كائن؛ أي: لا يفوته شيءٌ ولا أحدٌ من العالمين بالهرب أو الإفلات من الحساب، أو البعث والجزاء والعذاب أو العقاب، فقارون وفرعون وهامان وغيرهم لم يكونوا فائتين من العذاب أو معجزين أو ناجين. سورة العنكبوت [٢٩: ٤٠] ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: ﴿فَكُلًّا﴾: الفاء للتوكيد، كلّاً؛ أي: كلّ واحد ممن ذكروا من المكذبين، والتّنوين عوضٌ عن القول: وكلّ واحد ممن ذكروا. ﴿أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾: أهلكناه وعاقبناه بذنبه، الباء للإلصاق باء السّببية أو البدلية بسبب ذنبه، والأخذ فيها معنى القوة والشّدة؛ وتعني: العقاب بشدة وبقوة، وتقديم المفعول على الفعل للاهتمام وبدلاً من القول: وأخذنا كلاً بذنبه قال: فكلاً أخذنا بذنبه. ﴿فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾: أمثال قوم لوط قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤]، وكذلك الرّيح العقيم العاصف حينما تهبُّ تحمل الحصى والحجارة وتقلع النّاس. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾: ومنهم من أهلكته وقضت عليه، الصّيحة:

стр. 3886

صوت الانفجار الّذي يصاحَبَ الرّجفة كما حدث لثمود ومدين. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٧٨): لبيان معنى الصّيحة. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: كقارون. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾: كفرعون وقوم نوح. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾: ما النّافية. كان: تشمل كل الأزمنة. ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾: اللام لام التّعليل؛ أي: ليعذّبهم بدون ذنب أو سبب. ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك وتوكيد. ﴿كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: يظلمون أنفسهم بالشّرك والكفر وارتكاب المعاصي والكبائر، والفساد والبغي في الأرض بغير حق، يظلمون: بصيغة المضارع؛ لتدل على التّجدد والتّكرار. سورة العنكبوت [٢٩: ٤١] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾: المثل: الصفة كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥]؛ أي: صفة الجنة، وتضرب الأمثال لإزالة الغموض، فمثل الكفار أو المشركين الّذين اتخذوا أولياء مع الله؛ أي: (شركاء آلهة أو أصناماً). ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ﴾: (الأنثى دون الذّكر) هي المسؤولة عن بناء بيت العنكبوت المنسوج من خيوط الحرير الّتي تصنعها بنفسها من مادة الحرير،

стр. 3887

فقد اكتشفت العلماء أنّ للعنكبوت غدتين: غدة تفرز الحرير لتصنع منها خيوط الحرير، وغدة أخرى تفرز مادة سامة جداً تقتل بها الحشرات أو ما تصطاده. ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: فقد كانوا يظنون قديماً أنّ بيت العنكبوت هو أوهن البيوت؛ أي: أضعف البيوت؛ لأنّ الرّيح إذا هبّت عليه يتطاير ويتهدّم ولا يقي من أذى الحر أو البرد، وأنّ حشرة العنكبوت ضعيفة، وتبيّن حديثاً أنّ كلّ هذه المعلومات غير صحيحة وبالعكس إنّ حشرة العنكبوت لها أكثر من (٣٠ ألف) نوع من العناكب (تقرير من العلوم الحية)، وأنّ الأنثى تفرز مادة سامة تؤثر في فريستها فتصيب الجهاز العصبي مما يؤدي إلى شلل الفريسة بعد أن تُصعق ثمّ تموت، ثمّ تقوم حشرة العنكبوت بإحضار الفريسة إلى العش وبالتّالي تتغذى بها، وتبين أنّ خيوط الحرير الّتي تنسجها لصناعة العش من أقوى الخيوط، فهي تعادل (٥) أضعاف الفولاذ؛ أي: الحديد، وتبين أنّ الله سبحانه وصف بيت العنكبوت بأوهن البيوت؛ لأنّ الأمّ أنثى العنكبوت بعد أن تبني بيتها وتلد ويكون لها أولاد وزوج؛ أي: عائلة، إذا ضاقت عليها السّبل ولم تجد ما تأكله تفترس أولادها وزوجها بعد أن تصعقهم بسمها القاتل وتقضي عليهم، فأيّ بيت أوهن وأقبح من هذا البيت الّذي ليس فيه سكن وأمن وطمأنينة؟! ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: لو كان هؤلاء الّذين يتخذون من دون الله أولياء يعلمون أنّ حالهم في عدم الانتفاع من أوليائهم كحال أنثى العنكبوت، الّتي سرعان ما تقضي على أولادها ورب بيتها لتتغذى بهم حين تضيق بها سبل العيش وتكون سبب هلاكهم وخسرانهم وضياعهم.

стр. 3888

سورة العنكبوت [٢٩: ٤٢] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَىْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ليعلم، أو إن قل للكفرة والمشركين والّذين اتخذوا أولياء من دون الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد. الله سبحانه واجب الوجود الإله الحق المعبود. ﴿يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ﴾: يعلم ما يعبدون من دونه وما يشركون به، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، أو استفهامية، وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿مِنْ دُونِهِ مِنْ شَىْءٍ﴾: من ابتدائية من غيره، من شيء: من استغراقية تستغرق وتشمل كلّ شيء مهما كان نوعه (شيء نكرة) وشيء هو أقل القليل. شيء؛ أي: صنم أو وثن. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الّذي لا يُغلب ولا يُقهر، وله العزة جميعاً عزة القوة وعزة الغلبة وعزة القهر. ﴿الْحَكِيمُ﴾: أحكم الحكماء، وأحكم الحاكمين في كلّ ما قضى وأمر ووصى ونهى، وأحيا وأمات، وأهلك وعفا وغفر، في خلقه وكونه وشرعه أحكم الحكماء. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان. سورة العنكبوت [٢٩: ٤٣] ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾: ﴿وَتِلْكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد. ﴿الْأَمْثَالُ﴾: جمع: مثل، والمثل تعريفه: ارجع إلى الآية (٧٤) من سورة النّحل.

стр. 3889

﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾: اختار سبحانه كلمة (نضربها) بدلاً من نتلوها أو نقصّها؛ لأنّ الضّرب فيه تهييج للنفوس والتّأثير فيها، وكأن ضارب المثل يقرع به آذان السّامع وينفذ بعد ذلك أثره إلى القلب أملاً في تنبيه وهداية السّامع إلى الصّراط المستقيم، وتبيان الحق، وإزالة الغموض. ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾: العالمون: جمع عالم، والعالمون أعلى درجة وأشرف، وهم قمة العلم، وأمّا العلماء وهي: جمع عالم أيضاً، ولكنهم علماء بجزئية معينة أو واحدة، أو يعلمون ظاهراً من الحياة الدّنيا. ما النّافية، يعقلها: أي ما يفهم ويدرك حقيقتها ومعناها وما تنطوي عليه من أسرار الخلق وعظمة الخالق وقدرته إلا العالمون، إلا: أداة حصر، العالمون: العالمون بالله سبحانه أو العالمون بدين الله وكتابه وشريعته وأحكامه، والعالمون جمع مذكر سالم، والعلماء جمع تكسير، ومعلوم لدينا أن جمع المذكر السّالم هو أفضل وأشرف وأعلى من جمع التكسير. سورة العنكبوت [٢٩: ٤٤] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق والمصاحبة، والحق: هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير أو يتبدل؛ أي: بالدقة الفائقة والقوانين الثّابتة الّتي تحكم السّموات والأرض وما فيها من أجرام ومجرّات ونجوم وكواكب ثابتة لا تصطدم ببعضها رغم اختلاف حجمها وأبعادها منذ (١٣، ٥ مليار سنة) وهذا عمر الكون كما قدره علماء الفلك، وعمر الأرض قدره علماء الفلك بـ (٤، ٥ مليار

стр. 3890

سنة). ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٣٠)، وسورة الأعراف آية (٥٤)، وفصلت آية (١٠ - ١١). ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿فِى ذَلِكَ﴾: أي في خلق السّموات والأرض بالحق لآية للمؤمنين. ﴿لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: اللام لام التّوكيد والتّعليل، للمؤمنين: اللام لام الاختصاص؛ أي: كونه خلق السّموات والأرض فهذه علامة ودلالة واضحة وبينة على أنّه هو الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد ويُطاع، وما دونه هو الباطل. سورة العنكبوت [٢٩: ٤٥] ﴿اتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾: ﴿اتْلُ﴾: اتلُ من: التّلاوة وهي القراءة من كتاب الله الكلمة بعد الأخرى، والفرق بين التّلاوة والقراءة: التّلاوة تكون من الكتب المنزلة، وهي أخص من القراءة فكلّ تلاوة قراءة وليس كلّ قراءة تلاوة، والتّلاوة لها أجر كلّ حرف بعشر حسنات، والقراءة العادية ليس لها أجر، والخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ وإلى أمته ﷺ . ﴿مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الّذي، أوحي إليك: أوحي إليك عن طريق جبريل ﵇، والوحي في اللغة: الإعلام بالخفاء، وفي الشّرع: ما يُلقي الله سبحانه من آيات وتعاليم ووعد ووعيد، ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣): لمزيد من البيان في معنى الوحي. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: من ابتدائية استغراقية، الكتاب: القرآن وسمي الكتاب؛
следующие страницы →