← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

صوت الانفجار الّذي يصاحَبَ الرّجفة كما حدث لثمود ومدين. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٧٨): لبيان معنى الصّيحة. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: كقارون. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾: كفرعون وقوم نوح. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾: ما النّافية. كان: تشمل كل الأزمنة. ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾: اللام لام التّعليل؛ أي: ليعذّبهم بدون ذنب أو سبب. ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك وتوكيد. ﴿كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: يظلمون أنفسهم بالشّرك والكفر وارتكاب المعاصي والكبائر، والفساد والبغي في الأرض بغير حق، يظلمون: بصيغة المضارع؛ لتدل على التّجدد والتّكرار. سورة العنكبوت [٢٩: ٤١] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾: المثل: الصفة كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥]؛ أي: صفة الجنة، وتضرب الأمثال لإزالة الغموض، فمثل الكفار أو المشركين الّذين اتخذوا أولياء مع الله؛ أي: (شركاء آلهة أو أصناماً). ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ﴾: (الأنثى دون الذّكر) هي المسؤولة عن بناء بيت العنكبوت المنسوج من خيوط الحرير الّتي تصنعها بنفسها من مادة الحرير،

стр. 3887

فقد اكتشفت العلماء أنّ للعنكبوت غدتين: غدة تفرز الحرير لتصنع منها خيوط الحرير، وغدة أخرى تفرز مادة سامة جداً تقتل بها الحشرات أو ما تصطاده. ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: فقد كانوا يظنون قديماً أنّ بيت العنكبوت هو أوهن البيوت؛ أي: أضعف البيوت؛ لأنّ الرّيح إذا هبّت عليه يتطاير ويتهدّم ولا يقي من أذى الحر أو البرد، وأنّ حشرة العنكبوت ضعيفة، وتبيّن حديثاً أنّ كلّ هذه المعلومات غير صحيحة وبالعكس إنّ حشرة العنكبوت لها أكثر من (٣٠ ألف) نوع من العناكب (تقرير من العلوم الحية)، وأنّ الأنثى تفرز مادة سامة تؤثر في فريستها فتصيب الجهاز العصبي مما يؤدي إلى شلل الفريسة بعد أن تُصعق ثمّ تموت، ثمّ تقوم حشرة العنكبوت بإحضار الفريسة إلى العش وبالتّالي تتغذى بها، وتبين أنّ خيوط الحرير الّتي تنسجها لصناعة العش من أقوى الخيوط، فهي تعادل (٥) أضعاف الفولاذ؛ أي: الحديد، وتبين أنّ الله سبحانه وصف بيت العنكبوت بأوهن البيوت؛ لأنّ الأمّ أنثى العنكبوت بعد أن تبني بيتها وتلد ويكون لها أولاد وزوج؛ أي: عائلة، إذا ضاقت عليها السّبل ولم تجد ما تأكله تفترس أولادها وزوجها بعد أن تصعقهم بسمها القاتل وتقضي عليهم، فأيّ بيت أوهن وأقبح من هذا البيت الّذي ليس فيه سكن وأمن وطمأنينة؟! ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: لو كان هؤلاء الّذين يتخذون من دون الله أولياء يعلمون أنّ حالهم في عدم الانتفاع من أوليائهم كحال أنثى العنكبوت، الّتي سرعان ما تقضي على أولادها ورب بيتها لتتغذى بهم حين تضيق بها سبل العيش وتكون سبب هلاكهم وخسرانهم وضياعهم.

стр. 3888

سورة العنكبوت [٢٩: ٤٢] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَىْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: ليعلم، أو إن قل للكفرة والمشركين والّذين اتخذوا أولياء من دون الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد. الله سبحانه واجب الوجود الإله الحق المعبود. ﴿يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ﴾: يعلم ما يعبدون من دونه وما يشركون به، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، أو استفهامية، وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿مِنْ دُونِهِ مِنْ شَىْءٍ﴾: من ابتدائية من غيره، من شيء: من استغراقية تستغرق وتشمل كلّ شيء مهما كان نوعه (شيء نكرة) وشيء هو أقل القليل. شيء؛ أي: صنم أو وثن. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الّذي لا يُغلب ولا يُقهر، وله العزة جميعاً عزة القوة وعزة الغلبة وعزة القهر. ﴿الْحَكِيمُ﴾: أحكم الحكماء، وأحكم الحاكمين في كلّ ما قضى وأمر ووصى ونهى، وأحيا وأمات، وأهلك وعفا وغفر، في خلقه وكونه وشرعه أحكم الحكماء. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٢٩) لمزيد من البيان. سورة العنكبوت [٢٩: ٤٣] ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾: ﴿وَتِلْكَ﴾: اسم إشارة واللام للبعد. ﴿الْأَمْثَالُ﴾: جمع: مثل، والمثل تعريفه: ارجع إلى الآية (٧٤) من سورة النّحل.

стр. 3889

﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾: اختار سبحانه كلمة (نضربها) بدلاً من نتلوها أو نقصّها؛ لأنّ الضّرب فيه تهييج للنفوس والتّأثير فيها، وكأن ضارب المثل يقرع به آذان السّامع وينفذ بعد ذلك أثره إلى القلب أملاً في تنبيه وهداية السّامع إلى الصّراط المستقيم، وتبيان الحق، وإزالة الغموض. ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾: العالمون: جمع عالم، والعالمون أعلى درجة وأشرف، وهم قمة العلم، وأمّا العلماء وهي: جمع عالم أيضاً، ولكنهم علماء بجزئية معينة أو واحدة، أو يعلمون ظاهراً من الحياة الدّنيا. ما النّافية، يعقلها: أي ما يفهم ويدرك حقيقتها ومعناها وما تنطوي عليه من أسرار الخلق وعظمة الخالق وقدرته إلا العالمون، إلا: أداة حصر، العالمون: العالمون بالله سبحانه أو العالمون بدين الله وكتابه وشريعته وأحكامه، والعالمون جمع مذكر سالم، والعلماء جمع تكسير، ومعلوم لدينا أن جمع المذكر السّالم هو أفضل وأشرف وأعلى من جمع التكسير. سورة العنكبوت [٢٩: ٤٤] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق والمصاحبة، والحق: هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير أو يتبدل؛ أي: بالدقة الفائقة والقوانين الثّابتة الّتي تحكم السّموات والأرض وما فيها من أجرام ومجرّات ونجوم وكواكب ثابتة لا تصطدم ببعضها رغم اختلاف حجمها وأبعادها منذ (١٣، ٥ مليار سنة) وهذا عمر الكون كما قدره علماء الفلك، وعمر الأرض قدره علماء الفلك بـ (٤، ٥ مليار

стр. 3890

سنة). ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٣٠)، وسورة الأعراف آية (٥٤)، وفصلت آية (١٠ - ١١). ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿فِى ذَلِكَ﴾: أي في خلق السّموات والأرض بالحق لآية للمؤمنين. ﴿لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: اللام لام التّوكيد والتّعليل، للمؤمنين: اللام لام الاختصاص؛ أي: كونه خلق السّموات والأرض فهذه علامة ودلالة واضحة وبينة على أنّه هو الإله الحق الّذي يجب أن يُعبد ويُطاع، وما دونه هو الباطل. سورة العنكبوت [٢٩: ٤٥] ﴿اتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾: ﴿اتْلُ﴾: اتلُ من: التّلاوة وهي القراءة من كتاب الله الكلمة بعد الأخرى، والفرق بين التّلاوة والقراءة: التّلاوة تكون من الكتب المنزلة، وهي أخص من القراءة فكلّ تلاوة قراءة وليس كلّ قراءة تلاوة، والتّلاوة لها أجر كلّ حرف بعشر حسنات، والقراءة العادية ليس لها أجر، والخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ وإلى أمته ﷺ . ﴿مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الّذي، أوحي إليك: أوحي إليك عن طريق جبريل ﵇، والوحي في اللغة: الإعلام بالخفاء، وفي الشّرع: ما يُلقي الله سبحانه من آيات وتعاليم ووعد ووعيد، ارجع إلى سورة النّساء آية (١٦٣): لمزيد من البيان في معنى الوحي. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: من ابتدائية استغراقية، الكتاب: القرآن وسمي الكتاب؛

стр. 3891

لأنّه مكتوب في السّطور. و (ما) أعم وأشمل من (الّذي) فالوحي قد يشمل القرآن وغيره مثل الأحاديث القدسية وغيرها. وأل التعريف تدل على الكمال. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾: أي أتمم وأكمل الصّلاة بشروطها وأركانها وواجباتها، وسننها وخشوعها ولأوقاتها. ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾: إنّ للتوكيد، الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: هذا مقصد من مقاصد إقامة الصّلاة وهدف وثمرة من ثمراتها؛ أي: أنّ صلاة العبد تذكِّره وتنهاه عن فعل الفحشاء. والفحشاء: هي كلّ ما اشتد قبحه من الأفعال والأقوال، أو كلّ معصية لها حد في الدّنيا، والبدعة والزّنى والمعاصي، والمنكر: كلّ ما أنكره الشّرع وأنكره الطّبع السّليم مثل الشّرك، والبدعة، ويستحق فاعله النّار فإذا لم تنهه عن ذلك فصلاته فيدل ذلك على أنها لم تؤثر في سلوكه، فيجب التوبة إلى الله ومراقبة الله والخوف منه. ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: الذّكر أي الصّلاة أو الذّكر العادي من تسبيح وحمد وتهليل وثناء، وذكر الله له عدة معانٍ: أوّلها: ذكر الله لعبده أكبر من ذكر العبد لربه كقوله: اذكروني أذكركم، فذكر الله لعبده في الملأ الأعلى (الملائكة) وذكر الله لعبده بالثّواب والرّحمة والأجر أكبر وأعظم من ذكر العبد لربه. ثانياً: ذكر الله تعالى في الأوقات خارج الصّلاة أكبر من ذكر الله في الصّلاة؛ لأنّك في الصّلاة مستعد ومهيَّأ، ولكن حين تذكر الله تعالى في أوقات الشّغل والحركة وأوقات التّعب أكبر، أو أكثر ثواباً ودرجة عند الله تعالى.

стр. 3892

ثالثاً: ولذكر الله تعالى أكبر من كلّ شيء آخر من سائر الأعمال الأخرى؛ أي: هو أفضل الطّاعات. رابعاً: ولذكر الله تعالى أكبر عند الهمِّ بفعل الفاحشة أو المنكر ثمّ الامتناع عن القيام بها؛ لأنّه ذكر ربه و ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣]، وقد تعني كلّ هذه المعاني معاً. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾: ولم يقل يعلم ما تعملون أو تفعلون؛ لأن فعل الفحشاء والمنكر وارتكاب المحرمات يحتاج إلى خبرة وجرأة وحيلة، فهي أفعال نادرة ليست عادية، وشبهها بالصنعة الّتي تحتاج إلى من يتقنها.

стр. 3893

سورة العنكبوت [٢٩: ٤٦] ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِى أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: الواو استئنافية، لا النّاهية، تجادلوا أهل الكتاب: الجدال هو الحوار الّذي يحدث بين طرفين أو أطراف، ويكون لدفع شبهة أو إثبات حق أو إظهار حُجة، ويجب أن يكون له هدف أو غاية وهي إظهار الحق وإبطال الباطل، وإخراج الإنسان من الكفر إلى الإيمان وليس مجرد جدال لا فائدة منه، أهل الكتاب: أهل التّوراة والإنجيل؛ أي: اليهود والنّصارى. ﴿إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾: إلا تفيد الحصر، فقط جادلوهم بالّتي هي أحسن: أفضل، وهي الحكمة والموعظة الحسنة والرّفق واللين، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: إلا أداة حصر، ظلموا منهم: بالشّرك أو أظهروا لكم العداء والمحاربة، عندها جادلوهم بالمثل. ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِى أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾: آمنّا؛ أي: صدّقنا وآمنّا بالله وملائكته وكتبه ورسله إيمان عقيدة، والّذي أنزل إلينا؛ أي: بالقرآن. ﴿وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾: أي التّوراة والإنجيل، ولا يدخل في ذلك ما حرّفوه أو بدّلوه.

стр. 3894

﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾: الإله: مشتقة من أَلَّه؛ أي: عَبَدَ، فيكون الإله هو المعبود، واحد؛ أي: لا شريك له ولا ولد ولا ندَّ ولا مثيل. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: مخلصون موحدون منقادون مطيعون، ومسلمون: جملة اسمية تفيد الثّبوت والاستقامة على ذلك. سورة العنكبوت [٢٩: ٤٧] ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾: ﴿وَكَذَلِكَ﴾: أي مثل ما أنزلنا الكتب السّماوية السّابقة الزّبور والتّوراة والإنجيل أنزلنا إليك الكتاب؛ أي: القرآن. ﴿أَنزَلْنَا﴾: من أنزل؛ وتعني: جملة واحدة دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، كما أنزلنا الكتب الأخرى التّوراة والإنجيل دفعة واحدة على موسى وعيسى، ولو قال نزّلنا، لكان يعني منجّماً على دفعات. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لمعرفة الفرق بين أنزل ونزل. ﴿إِلَيْكَ﴾: وليس عليك، ارجع إلى الآية (٤) من سورة البقرة للبيان. ﴿الْكِتَابَ﴾: أي القرآن، ارجع إلى الآية (٢) من سورة البقرة لمزيد من البيان. ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: الذين: للجمع أمثال عبد الله بن سلام وغيره من أهل الكتاب الّذين آمنوا بالرّسول ﷺ . ولم يقل: فالذين أوتوا الكتاب؛ لأن الذين

стр. 3895

آتيناهم الكتاب في القرآن تأتي في سياق التكريم والمدح مقارنة بالذين أوتوا الكتاب تأتي في سياق أو مقام الذم. ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: بالقرآن الكريم، يؤمنون تفيد التّكرار والتّجدد والاستمرار؛ يؤمنون بأنه منزل من الله ، ولا ريب فيه، وآخر الكتب المنزلة؛ يؤمنون بما جاء به من الحق، وتوحيد الله وربوبيته وأسمائه وصفاته، وبالتعاليم والآيات والأحكام إيماناً تاماً، ومصدقاً ومهيمناً على غيره من الكتب السماوية. ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾: من: ابتدائية بعضية، وتأتي في سياق المفرد والمثنى والجمع؛ هؤلاء: الهاء للتنبيه، أولاء: اسم إشارة وتشير إلى أهل مكة، من: اسم موصول بمعنى الّذي، يؤمن به: بالقرآن الكريم أو الكتاب، يؤمن به الآن أو في المستقبل. ﴿وَمَا يَجْحَدُ﴾: ما النّافية، يجحد من الجحود: وهو إنكار الشّيء الظّاهر بقصد وتعمد، أمّا الإنكار: فهو يشمل إنكار الشّيء الخفيّ مثل إنكار النِّعم سواء رافقه علم أو بغير علم، ارجع إلى سورة الأعراف آية (٥١) لمزيد من البيان. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: الباء للإلصاق، آياتنا: جمع آية: اسم علم مؤنث، والآية لغةً: هي العلامة والعبرة والمعجزة والدليل والأمر العجيب والجماعة والبرهان، ومنها الآيات القرآنية أو الكونية أو الدّالة على نبوة محمّد ﷺ أو الرسل والأنبياء، وإضافة الآيات إليه سبحانه للتشريف، وتأتي بصيغة الآيات، آياته، آياتي، آياتنا. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿الْكَافِرُونَ﴾: جمع كافر: وهو الّذي يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله

стр. 3896

واليوم الآخر، والكفر يعني جحود الوحدانية أو النّبوة أو الشّريعة، والكافرون تشير إلى أن صفة الكفر ثابتة وملازمة لهم، والكافرون تدل على الحدث؛ أي: الفعل وهو الكفر، ولم يقل الكفار التي تدل على صنف من الناس، وفيها مبالغة تشمل الكافرين والمشركين. ارجع إلى سورة البقرة آية (٦) لمزيد من البيان. سورة العنكبوت [٢٩: ٤٨] ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا﴾: ما النّافية، كنت تتلو: من التّلاوة وهي القراءة من القرآن، ولا تكون إلا من القرآن، واختار (تتلو)؛ لأنّك لا تقرأ إلا ما سمعت من جبريل، وتتلو: أي تقرأ بعد ما سمعت؛ أي: تسمع أولاً ثمّ تحفظ ثانياً ثمّ تقرأ ما حفظت ثالثاً. والتّلاوة: تعني تتلو آية بعد آية. ﴿مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾: من قبله: أي من قبل نزول القرآن عليك، من استغراقية، كتاب: نكرة؛ تعني: أيَّ كتاب. ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾: يعني الكتابة؛ أي: كفار قريش أو أهل مكة يعلمون سيرتك من قبل نزول القرآن عليك، أنّك ما تلوت قبله أيَّ كتاب وما كتبت بيمينك أيَّ كتاب؛ أي: ما علموا من (٤٠) سنة قبل البعثة لك أيَّ قراءة أو كتابة، ومن الجدير بالذّكر أنّه قد ذكر في التّوراة والإنجيل أنّ محمّداً ﷺ لا يخطُّ ولا يقرأ. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب. ﴿لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾: اللام للتوكيد، ارتاب من: الريبة وهي الشّك

стр. 3897

والاتهام، المبطلون: جمع مبطل وهم الّذين يأتون بالباطل، والباطل هو ما لا وجود له، المبطلون الذين يقولون: هو سحر أو شعر أو كذب أو افتراه، أو يعلّمه بشر أو كان يعلم القراءة والكتابة، والمبطلون: مشركو مكة أو كفار اليهود وغيرهم، فبما أنك كنت لا تتلو قبل القرآن من كتاب ولا تكتب، فلم يعد هناك سببٌ للريبة؛ أي: الشّك واتهامك بالباطل. سورة العنكبوت [٢٩: ٤٩] : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِى صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾: ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد؛ أي: القرآن أو الكتاب. ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾: آيات قرآنية واضحة بيّنة دالّة على الحق في صدور الّذين أوتوا العلم. ارجع إلى الآية (٤٧) السابقة لبيان معنى آيات. ﴿فِى صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: في ظرفية، صدور؛ أي: قلوب الّذين أوتوا العلم: من المتقين الحفظة لكتاب الله تعالى، وأوتوا العلم: علم الدّين أو العالمون والحفّاظ من الصّحابة الّذين كانوا في زمن الرّسول ﷺ وغيرهم، وكونه في صدور الّذين أوتوا العلم فهو محفوظٌ بخلاف الكتب الأخرى، وبما أنّه استقرّ في قلوبهم فقد تحوّل إلى عقيدة وإيمان. ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا﴾: ارجع إلى الآية (٤٧) السّابقة؛ أي: ما يجحد بآيات القرآن. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: المشركون أو كفار اليهود، أو من يعرفون الحق ثمّ

стр. 3898

ينكرونه. والظالم: جمع ظالم، وهو من يخرج من منهج الله. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٤) لمزيد في معنى الظالمون. سورة العنكبوت [٢٩: ٥٠] ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: كفار مكة وكفار أهل الكتاب وغيرهم. ﴿لَوْلَا﴾: حرف تخصيصٍ وحثٍّ. ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: أي معجزات أخرى تدل على نبوته مثل ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: ٧ - ٨]، ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾، ﴿أَوْ تَرْقَى فِى السَّمَاءِ﴾ [الإسراء: ٩٢ - ٩٣] وغيرها من الآيات. ﴿قُلْ﴾: يا رسول الله ﷺ لهم. ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: إنما كافة مكفوفة للتوكيد، الآيات: المعجزات الّتي تطلبونها ليست عندي وإنما عند الله تعالى، هو القادر على أن ينزلها عليكم إن شاء. ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: إنما للتوكيد والحصر، أنا نذير (الإنذار: الإعلام والتّحذير)، وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [الرعد: ٤٠]، إذن: التبليغ والإنذار فهذه مهمتي، وليس مهمتي إنزال أيِّ آية عليكم، نذير مبين: نذير للكفار وغيرهم ولمن عصى ربه وخالف أمره، مبين: نذير لكلّ فرد بدون استثناء، إنذار واضح لا يحتاج إلى دليل أو حجة أو من يظهره وإنذار تام.

стр. 3899

ولم يقل بشير ونذير واكتفى بالإنذار؛ لأنّه يتكلم عن الكافرين والظّالمين والمبطلين وهم أهل باطل وجحود فيناسبهم الإنذار فقط، ولو استجاب لهم رب العالمين وأنزل عليهم تلك الآيات ولم يؤمنوا، لأهلكهم الله كما فعل بالأمم السّابقة. ارجع إلى سورة الفرقان الآية (٥٦) لمزيد في معنى الإنذار. سورة العنكبوت [٢٩: ٥١] ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري والتعجب، الواو تفيد شدة الإنكار. ﴿يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: أولم يكفهم دليلاً على صدقك ونبوتك أنّا أنزلنا، أنّا: للتعظيم، أنزلنا عليك الكتاب؛ أي: القرآن. ارجع إلى الآيات (٢ - ٤) من سورة البقرة لمعرفة الفرق بين أنزل ونزل، وعليك وإليك الكتاب، يتلى عليهم: ارجع إلى الآية (٤٨) من السّورة نفسها. أي: يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم بدلاً مما يطلبونه من الآيات الأخرى. ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إنّ للتوكيد، في ظرفية، ذلك اسم إشارة للبعد يشير إلى إنزال الكتاب عليك. ﴿لَرَحْمَةً﴾: اللام تفيد التّوكيد، رحمة: هي كلّ ما يجلب ما يسرّ ويدفع ما يضرّ؛ أي: وقاية لكم. ﴿وَذِكْرَى﴾: تذكرة. ﴿لِقَوْمٍ﴾: اللام لام الاختصاص.

стр. 3900

﴿يُؤْمِنُونَ﴾: أي إنزال الكتاب يكفي آية لقوم يؤمنون ولا يحتاجون معه إلى آية أخرى، وهو أكبر آية أو معجزة نزلت للبشرية وإلى يوم القيامة، وهو كذلك رحمة وذكرى وهدى لأيّ مؤمن بالله، وهو المعجزة الخالدة على مر العصور، ولكل الأجيال، وأما الآيات التي يطلبونها آيات مؤقتة غير دائمة. سورة العنكبوت [٢٩: ٥٢] ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: يا رسول الله ﷺ لكفار مكة وكفار أهل الكتاب. ﴿كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾: هذه هي الآية الوحيدة في القرآن التي أخر فيها شهيداً على بيني وبينكم. انظر في ملحق الآية للإجابة على هذا السؤال؛ أي يكفي أن يشهد الله أنّي رسوله وأنّ هذا كتابه، شهيداً: ولم يقل شاهداً، الشّهيد فيه مبالغة في الشّهادة؛ أي: يعلم تفاصيل ما حدث بيني وبينكم، بالله: الباء للإلصاق والتّوكيد؛ أي: شهيداً على أنّي رسول الله إليكم، وأنّي قد بلّغتكم ما أرسلت به إليكم وأنذرتكم، الإنذار المبين، والبلاغ المبين. ﴿يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي كفى به شهيداً؛ لأنّه سبحانه يعلم ما في السّموات والأرض، ولا أحتاج إلى شهيد غيره. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾: والّذين آمنوا منكم بالباطل. الباطل لغةً: هو الذاهب الزائل، أو الفاسد، وليس له وجود في الأصل، ويطلق على الظلم، والشرك والكذب والإحباط والشيطان، وعبادة الأوثان والأصنام وأشركوا، وكفروا بالله: الباء تدل على كفر العقيدة، جحدوا بوجوده أو وحدانيته مع كلّ هذه الأدلة والبينات.

стр. 3901

﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يفيد البعد. ﴿هُمُ﴾: للتوكيد. ﴿الْخَاسِرُونَ﴾: لأنفسهم يوم القيامة، وسماهم الخاسرون؛ لأنّهم اشتروا الكفر بالإيمان؛ أي: آمنوا بالباطل وكفروا بالله فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين فهم الخاسرون، ولم يقل هم الأخسرون؛ لأنّ كفرهم وعدم إيمانهم مقتصر عليهم أنفسهم ولم يضلوا غيرهم. ارجع إلى سورة النساء آية (١١٩)، وهود آية (٢٢)، والحج آية (١١) لمزيد من البيان في التفريق بين الخاسرون والأخسرون والخسارة. انتبه هذه الآية الوحيدة الّتي آخر كلمة (شهيداً) فقال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ وفي كلّ الآيات المشابهة قدم شهيداً فقال تعالى: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ [الرعد: ٤٣] وهذا هو الأصل. فلماذا خرج عن الأصل في آية العنكبوت؟ الجواب: خرج عن الأصل لكي يُتبع الصّفة موصوفها، الصّفة: يعلم، والموصوف شهيداً: فقال تعالى: شهيداً يعلم، ولو قال تعالى شهيداً بيني وبينكم يعلم، لحدث تأخير بين الصّفة والموصوف مما يدل على ضعف الكلام أو الجملة، وقد يحدث ذلك ويجوز أن يفصل ولو بفاصل طويل إذا كان هناك مبرر أو سبب.

стр. 3902

سورة العنكبوت [٢٩: ٥٣] ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: سبب النّزول كما قال مقاتل قيل: نزلت في النّضر بن الحارث، وقيل: نزلت في أبي جهل كما روى البخاري عن أنس حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وقولهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦]. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾: السّين والتّاء تعني الطّلب؛ أي: يطلبون منك تعجيل العذاب لهم، وهم كفار قريش أمثال النّضر بن الحارث وأبي جهل، يطلبون ذلك إما لعدم تصديقهم بوقوعه أو استهزاءً وتعنتاً وأنهم لا يخافونه، ولو أيقنوا بوقوعه لخافوا منه وما استعجلوه. (والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السّبب). ﴿بِالْعَذَابِ﴾: الباء للإلصاق، العذاب عذاب يوم القيامة، أو العذاب في الدّنيا مثل يوم بدر. ﴿وَلَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿أَجَلٌ مُسَمًّى﴾: بيّنه الله سبحانه في اللوح المحفوظ متى سيقع وأخّره سبحانه؛ لأنّه غفور حليم ولعلهم يتوبون. والأجل: زمن، أو هو الوقت المضروب لانقضاء الشّيء أو وقوعه فلكل

стр. 3903

عذاب أجل ولكل قوم أجل، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره، والأجل قد يكون يوم القيامة أو الموت أو البعث حسب السياق. ﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾: لجاءهم العذاب عاجلاً؛ أي: في الدّنيا والهلاك والتدمير والأوبئة والكوارث الكونية من فيضانات وحرائق ومجاعة وبرد وحر ومرض وهزيمة وخزي وغيره من أنواع العذاب والذي يسمى العذاب الأدنى، أو العاجل، أو عذاب الخزي، واللام في كلمة (لجاءهم) للتوكيد، والمجيء فيه معنى القسوة والمشقة؛ أي: لن يكون سهلاً عليهم. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً﴾: الواو واو القسم، واللام للتوكيد وكذلك النّون لزيادة التّوكيد، وليأتينهم بغتة: فجأة في الدّنيا أو في الآخرة بغتة، وليس حسب ما يرغبون. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: هم: للتوكيد، لا: النّافية، هم يشعرون: بوقت إتيانه أو وقوعه؛ ولكن شعورهم لا ينفعهم ولا يُغني عنهم شيئاً. سورة العنكبوت [٢٩: ٥٤] ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾: في الدّنيا، وتكرار يستعجلونك توكيد لإصرارهم وتكرار استعجالهم وطلبهم للإتيان به، وجاء بصيغة المضارع؛ ليدل على أن طلبهم لم يتوقف واستمر، والباء للإلصاق والمداومة على طلب إنزال العذاب بهم تعنتاً واستهزاءً. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: إن للتوكيد، لمحيطة: اللام تفيد زيادة التّوكيد، جهنم: مشتقة من كونها بعيدة القعر كريهة المنظر. ارجع إلى الرّعد آية (١٨): اسم من أسماء النّار، محيطة بالكافرين: جملة تعليلية؛ أي: كأن جهنم تحيط بهم الآن من كلّ جانب من الأمام والخلف واليمين والشّمال؛ أي:

стр. 3904

الإحاطة تشمل الأربع جهات، وجاءت الآية التالية (٥٥) للتأكيد على الجهات الأربع، وكذلك لتخبرنا أنها سوف تأتيهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم أيضاً، وهم لا يشعرون بها لغفلتهم، وقوله لمحيطة بهم: تعني قرب يوم القيامة، ووقوع العذاب بهم. سورة العنكبوت [٢٩: ٥٥] ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: نكرة للتهويل والتّعظيم؛ أي: يوم القيامة. ﴿يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾: أي يحيط يهم من كلّ الجوانب والجهات. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: فوق أو تحت: ظرف مكاني، وتكرار (من) تفيد القرب؛ أي: هم تحت العذاب مباشرة، ومن تفيد التّوكيد وفصل فوقهم عن تحت أرجلهم، فالعذاب يأتيهم من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم من كلّ ناحية ومن كلا النّاحيتين كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزّمر: ١٦]. وتكرار (من فوقهم ومن تحت أرجلهم) بعد ذكر (جهنم لمحيطة بالكافرين) ذكر الخاص بعد العام؛ لبيان أهميته وتوكيده. ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الّذي، وهي أوسع شمولاً من الّذي، أو مصدرية، كنتم: في الدّنيا، تعملون: العمل يضم القول والفعل؛ أي: تقولون وتفعلون، ولم يقل ذوقوا عذاب النّار، وإنما: ذوقوا ما عملتم، كأنَّ العمل نفسه سيتحول إلى نار تحرقهم وفي هذا تهديد ووعيد لهم شديد؛ أي: ذوقوا كفركم وشرككم وذنوبكم. سورة العنكبوت [٢٩: ٥٦] ﴿يَاعِبَادِىَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَاعْبُدُونِ﴾: ﴿يَاعِبَادِىَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء من الأعلى وهو الرّب الكريم إلى العباد،

стр. 3905

بعكس الدّعاء: نداء من الأسفل إلى الأعلى؛ أي: من العبد إلى الرّب، استعمل يا النّداء للعبد، عبادي: تشريف للعباد بقوله: (عبادي) وعبادي جمع عابد؛ تعني: الّذين أقبلوا على الله باختيارهم فاختاروا أن يكونوا عباداً لله، وهناك فرق بين عبادي وعبيد وعباد. (انظر في ملحق الآية). ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي آمنوا بالله واليوم الآخر وبما أنزل الله على رسوله، ولازالوا سائرين على درب الإيمان. ﴿إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَاعْبُدُونِ﴾: أي إن ضاقت عليكم أرضكم فهاجروا منها واعبدوني في أرض أخرى، إن أرضي: إن للتوكيد، أرضي: أي كلّ الأرض هي أرضي، وتسميتها أرضي تشريفاً لها وهي ملكه وحده، واسعة: أي فهاجروا فيها إذا مُنعتم من ممارسة شعائر دينكم في بلد أو أرض إلى بلد آخر أو أرض أخرى، هاجروا في سبيل الله وفرُّوا بدينكم. فإياي فاعبدون: فإياي أسلوب حصر وقصر وتوكيد، والفاء للتوكيد والمباشرة، فاعبدون: من العبادة. ارجع إلى الآية سورة النّحل آية (٧٣) لبيان معنى العبادة. ولم يقل فإياي فاعبدوا، فاعبدون: الفاء للتوكيد والمباشرة والنّون لزيادة التّوكيد، فاعبدون: بإخلاص وتوحيد (مخلصون موحدون)، اعبدون: جملة اسمية تفيد الثّبات والاستمرار. وارجع إلى سورة ياسين آية (٦١) لمقارنة فاعبدون وأن اعبدوني (بزيادة ياء المتكلم). لنقارن هذه الآية (٥٦) من سورة العنكبوت مع الآية (١٠) من سورة الزّمر وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾. عبادي تعني: العدد أكبر من عباد، عباد: أقل عدداً، ولكنّهم أعلى درجة

стр. 3906

وإيماناً وتقوى من عبادي، وعبادي أفضل بكثير من العبيد (منهم الصّالح والطالح)، أرضي واسعة: أوسع من قوله: أرض الله واسعة، فاستعمل عبادي تعني (العدد الكبير) مع أرضي واسعة (الأوسع) واستعمل مع عباد (الأقل عدداً) أرض الله واسعة (الّتي هي أقل وسعاً من أرضي). ارجع إلى سورة البقرة آية (١٨٦) للزيادة في معنى عبيد، عبادي، عباد. سورة العنكبوت [٢٩: ٥٧] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾: كلّ للتوكيد، نفس: عليها أن تهاجر في سبيل الله حتّى تتمكن أن تعبد الله سبحانه وتمارس شعائر دينها، ولا تترك الهجرة خوفاً على ضياع أموالها وديارها ولا تضيع دينها فيما لو بقيت في وطنها، أو تهاجر ابتغاء المال وعرض الدّنيا وتضيع دينها وأولادها وعقيدتها في دار الهجرة، والمهم سواء هاجرت أو بقيت ليكن إقامة الدّين لله وحده هو هدفها الأهم، فلا يمنعها الخوف من الموت من الهجرة أو تركها؛ لأنّ الموت قادم لا محالة وستذوقه كلّ نفس سواء هاجرت أو لم تهاجر. ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتّراخي في الزّمن. ﴿إِلَيْنَا﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: إلينا وحدنا. ﴿تُرْجَعُونَ﴾: للحساب والجزاء ترجعون قسراً دون إرادتكم. سورة العنكبوت [٢٩: ٥٨] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: المناسبة: بعد أن بيّن الله سبحانه مأوى الكافرين ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يُبين مأوى الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات.

стр. 3907

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: ارجع إلى الآية (٧) من السّورة نفسها للبيان. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾: اللام: للتوكيد، نبوئنهم: من باء الشيء: رجع، عاد به، وباء بذنبه: أقر واعترف بذنبه، وبوأنا: أنزلنا وأسكنا، وأصل الباءة والمباءة: المنزل، وبوأنا لإبراهيم مكان البيت: هيأنا له وأنزلناه، وبوأت له مكاناً: سويته فتبوأ؛ أي لنسكنّنهم، من: ابتدائية، الجنة غرفاً: منازل رفيعة عالية. ارجع إلى سورة يونس آية (٨٧) وآية (٩٣) لمزيد من البيان عن بوّأنا. وارجع إلى سورة الفرقان آية (٧٥): لمزيد من البيان عن غرفاً. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: الخلود يبدأ من زمن دخولهم إياها وإلى ما لا نهاية. ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: نِعم من أفعال المدح العام (أما المدح الخاص مثل حبذا) يطلق على كلّ من تمدحه: تقول: نِعم الأجر، نِعم الطالب، والأجر يكون على العمل على القيام بالتّكاليف المطلوبة منهم. وفي آية (١٣٦) من سورة آل عمران قال تعالى: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ أضاف الواو وإضافتها تدل على أنّ أجرهم أعظم من أجر المذكورين في آية العنكبوت. وفي آية (٧٤) من سورة الزّمر قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ أضاف الفاء بدلاً من الواو والفاء تدل على أنّ أجرهم أعظم من أجر المذكورين في آية آل عمران، فهم قد أُدخلوا الجنة وهم يتبوؤون من الجنة حيث يشاؤون: فنِعم أجر العاملين أعظم أجراً من: ونِعم أجر العاملين، ونِعم أجر العاملين أعظم أجراً من: نِعم أجر العاملين (بدون واو)، فالأجر ثلاث درجات أعلاها: فنِعم الأجر، ومتوسطها ونِعم الأجر، وأدناها نِعم الأجر.

стр. 3908

سورة العنكبوت [٢٩: ٥٩] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾: لم يحدد نوع الصبر على ضيق العيش والفقر، أو صبروا على الابتلاء والقهر والذّل وعلى التّعذيب والاضطهاد سواء بالهجرة أو بغير الهجرة، وكذلك صبروا على الطّاعة وتجنّب المعصية. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: وعلى ربهم تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أي: يتوكلون على ربهم وحده، ارجع إلى الآية (٨٩) من سورة الأعراف لبيان معنى التّوكل. سورة العنكبوت [٢٩: ٦٠] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾: مركبة من: ك التّشبيه، وأي الاستفهامية، ومعناها: كم وتفيد التّكثير (مثل كم الخبرية) وتفيد الإبهام. ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: من: الاستغراقية، الدّابة: كل ما يدب على الأرض، والدابة في العرف العام: كل ما يدب على الأرض إنسان وغير إنسان، وفي العرف الخاص تعني: كل كائن يدب على الأرض غير الإنسان، والدابة: اسم فاعل، ويغلب عليها غير العاقل، وتشمل الذكر والأنثى كقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤] تشمل الإنسان وغيره، ولذلك يجب أن ننتبه إلى السياق في الآيات لندرك هل تشمل الإنسان والحيوان، أم الحيوان فقط، وفي هذه الآيات مثلاً الدابة تعني: الحيوان؛ أي: كلّ ما دبّ على الأرض من حيوان. ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾: لا تدّخر طعامها أو شرابها الله يوفر لها طعامها؛ أي: يطعمها كلّ يوم. ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾: عطف النّاس في الرّزق على الدّواب فقدّم ذكر الدّواب أولاً في الرّزق، مع أنّ الإنسان هو المكرم عند الله تعالى. لماذا هذا التقديم؟

стр. 3909

لأنها لا تحمل رزقها (لا تدّخر طعامها ولا شرابها) إلى الغد أو الأيام القادمة فهي تتوكل على الله حق التّوكل أن يوفر لها طعامها وشرابها كلّ يوم، وأمّا الإنسان فهو يدّخر طعامه وشرابه؛ لأنّه يخاف ألا يرزقه الله تعالى، وتوكله على الله في الرّزق قليل، ولذلك قدّم من يتوكل عليه أكثر على من يتوكل عليه أقل، وإذا ظن أحدٌ أنّه يرزق أو يطعم أيّ دابة، فالله سبحانه يرزقها ويرزقكم بحسنتها. وهو السّميع العليم: وهو ضمير فصل يفيد التّوكيد، المدبّر لأموركم والقيّوم على خلقه. ﴿السَّمِيعُ﴾: لأقوالكم حين لا ترزقون وحين ترزقون؛ أي: ما تدعونه، أو تشكرونه، أو لا تشكرونه، أو تقولون كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [القصص: ٧٨]، أو ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ [أي: شكركم] أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]. ﴿الْعَلِيمُ﴾: بما في قلوبكم ومما تدّخرونه خوفاً من الجوع أو خشية الفقر، والعليم فيمن يتوكل عليه أو لا يتوكل عليه. العليم: صيغة مبالغة؛ أي: كثير العلم لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. سورة العنكبوت [٢٩: ٦١] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: ﴿وَلَئِنْ﴾: اللام للتوكيد، إن شرطية تفيد الاحتمال والنّدرة. ﴿سَأَلْتَهُم مَّنْ﴾: من استفهامية. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: أي لا يقدر على إنكار ذلك أحدٌ حتّى الكافرون يقولون: الله تعالى، وليقولن: اللام والنّون للتوكيد، و (يقولن) تدل على التّجدد والتّكرار، ولبيان معنى خلق السّموات

стр. 3910

والأرض وسخر الشّمس والقمر: ارجع إلى الآية (٣٠) من سورة الأنبياء، وسورة فصلت آية (١٠ - ١١)، والأعراف آية (٥٤). ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: أنّى تعني: كيف ومن أين؟ وتفيد الاستفهام، يؤفكون: من الإفك: وهو الكذب المفترى المتعمد على الله سبحانه. أي: كيف يصرفون عن الحق ويعترفون ويقرّون بأنّ الله سبحانه هو الّذي خلق السّموات والأرض وسخر الشّمس والقمر، وكل هذه الآيات والأدلة والبراهين على أنّه الإله الحق واجب الوجود، ثمّ ينصرفون إلى الشّرك وعبادة غيره، إن ذلك لشيء عُجاب. يؤفكون: من أفَكَه عن الشّيء: أي صرفه عنه، وأفكت الأرض: صرف عنها المطر، وقد تعني: قلبه عن الشّيء فانقلب. ومنها المؤتفكات: جمع مؤتفكة بمعنى: المنقلبة التي يصبح عاليها سافلها. سورة العنكبوت [٢٩: ٦٢] ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: هذه الآية كأنها تتمة للآية: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾، ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾. ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: أي يوسع ويغني من يشاء من عباده امتحاناً له هل يشكر وينفق من ماله؟ ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾: ثم يضيّق عليه ويفقره امتحاناً له هل يصبر ويعبد الله تعالى؟ أم ﴿يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]. فهو سبحانه الخالق الرّازق يُغني ويُفقر حسب حكمته ومصلحة عبده؛ لأنّه

стр. 3911

سبحانه عليم بكل شيء يعلم ما فيه الخير والأفضل لعباده، وما يصلح عباده. ارجع إلى سورة الشّورى آية (٢٧): للبيان. وارجع إلى سورة الرعد آية (٢٦): لمزيد من البيان والمقارنة، وسورة سبأ آية (٣٩). ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد. ﴿بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: الباء للإلصاق، كلّ شيء عليم: عليم بأحوال عباده من هو غني ومن هو فقير، وعليم بما يصلح كلّ عبد من عباده لا تخفى عليه خافية. سورة العنكبوت [٢٩: ٦٣] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ﴾: ارجع إلى الآية (٦١) السّابقة. ﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: نزّل ولم يقل أنزل، نزّل فيها مبالغة وتوكيد أشد من أنزل، نزّل: تعني نزل مرات كثيرة أو تعني بتكرار، أما أنزل تعني مرة واحدة أو القليل. فإذا ما قارنّا هذه الآية من سورة العنكبوت مع الآية من سورة النّحل وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ نجد أنّ آية العنكبوت جاءت في سياق الشّرك والتّكذيب، وهو مقام أشد من آية النّحل الّتي جاءت في سياق تعداد النّعم، فلذلك لا يحتاج إلى توكيد ومبالغة، ولذلك استعمل نزل في آية العنكبوت، وأنزل في آية النحل. ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: الفاء تدل على المباشرة والتّعقيب، أحيا به الأرض: عادت مخضرّة بعد أن كانت مصفرّة يابسة وخامدة. ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾: من للقرب؛ أي: بدون فاصل زمني مباشرة فكلّ سنة يحييها من جديد، ولو قال بعد موتها بدون (من) لدلَّ ذلك على إحياء الأرض

стр. 3912

بعد فترة طويلة أو قصيرة. ارجع إلى سورة الحج آية (٥، ٦٣)، وسورة فصلت آية (٣٩)، والأنعام آية (٩٩) للبيان والمقارنة. ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: اللام والنّون في (ليقولن) للتوكيد، يقولن: بصيغة المضارع لتدلّ على تجدد وتكرار قولهم هذا بأنّ الخالق هو الله سبحانه. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: لماذا الحمد هنا؟ لا تعني الحمد لله على أن أكثرهم لا يعقلون، وإنما الحمد لله على إقرارهم بأنّ الله هو الّذي خلق السّموات والأرض، وسخر الشّمس والقمر، ونزّل من السّماء ماء، فأحيا به الأرض بعد موتها، فهم أقاموا على أنفسهم الحجة، ونطقوا بالحق، وأيضاً الحمد لله على خلق السّموات والأرض وتسخير الشّمس والقمر وإنزال الماء من السّماء. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: الأكثرية لا يعقلون والأقلية يعقلون؛ أي: لا يفهمون أو لا يستعملون عقولهم في فهم الأشياء وأسبابها ونتائجها، والموازنة بينها للوصول إلى الحقيقة وهي: أنّه هو الإله الحق الّذي يستحق أن يُعبد ويُطاع ولا يشرك به شيئاً، أو لا يعقلون هذا التناقض بين اعترافهم بأنّ الله هو الخالق ثمّ يقولون بألوهية غيره.

стр. 3913

سورة العنكبوت [٢٩: ٦٤] ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: الواو استئنافية، هذه: الهاء للتنبيه، وذا: اسم إشارة للقرب، الحياة الدّنيا: أي السّفلى أو القريبة أو العاجلة، وهذا يدل على أنّ هناك حياة عُليا وحياة آخرة. ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾: إلا أداة حصر؛ أي: حصراً لهواً ولعباً، لأنّها مجردة أو خالية من منهج الله تعالى، وعبادته وطاعته، فالحياة المجردة من عبادة الله وطاعته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه هي لهو ولعب. واللهو: هو عبث، والعبث: حركة أو عمل بلا هدف ولا فائدة، واللعب: يتحول إلى لهو إذا شغل الإنسان عما هو مطلوب منه أو شغله عن القيام بواجبه مثل الصّلاة مثلاً، فإن شغله أمر أو فعل فلم يؤدّها، يعتبر ذلك الفعل أو الأمر لهواً؛ أي: عبثاً. واللعب للأطفال شيء أو أمر طبيعي ولعب الأطفال هو لهو في الوقت نفسه؛ لأنّ الطّفل غير مكلف بواجب فإذا دخل سن البلوغ ولم يؤدِّ مسؤولياته أصبح لعبه لهواً، وهذه هي الآية الوحيدة التي قدم فيها اللهو على اللعب، وقدم اللعب على اللهو في سورة الأنعام آية (٣٢)، وسورة محمد آية (٣٦)، وسورة الحديد آية (٢٠)، وسبب تقديم اللهو على اللعب في هذه الآية: أنه سبقها أو جاءت في سياق الرزق، وكما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٣٢) لمزيد من البيان وسبب تقديم اللهو على اللعب في هذه الآية.

стр. 3914

﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِىَ﴾: إنّ للتوكيد، اللام في لهي لزيادة التّوكيد. ﴿لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾: اسم لكلّ ما فيه حياة، والحيوان على وزن: فعلان مثل فيضان، مثل غليان، ففعلان تدل على الحركة والاضطراب والتّقلب وعدم الهدوء، لهي الحيوان: أي الدار الآخرة هي دار حركة وتقلب شديد وتغير، وليس فيها نوم وسكون مقارنة بالحياة الدّنيا. فالحياة الدّنيا بالنّسبة للدار الآخرة تعتبر سكوناً وهموداً رغم ما فيها من حركة، والدّار الآخرة تعني الجنة، ففيها الحركة الحقيقية والتّقلب والحياة الدّائمة الّتي لا انقطاع فيها ولا موت. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: لو شرطية، لو كانوا يعلمون: العلم النّافع، ما جعلوا الحياة الدّنيا لهواً ولعباً وخسروا الآخرة وهي الحيوان؛ أي: الدّار الحقيقية، ولو كانوا يعلمون: قد تعني هم علموا ولكنهم نسوا وتجاهلوا، أو أنكروا ذلك. وإذا قارنّا هذه الآية (٦٤) من سور ة العنكبوت: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ مع الآية (٧٠) من سورة الأنعام: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ ومع الآية (٥١) من سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: فآية سورة العنكبوت تبيّن لنا طبيعة الإنسان الّذي يتّخذ هذه الحياة أو يحوّلها إلى لهوٍ ولعب ولا يقوم بواجباته، وأمّا آية سورة الأنعام تتحدث عن الّذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً، وهؤلاء النّاس هم الآن في الدّنيا (الآية في سياق الدّنيا). وأمّا آية سورة الأعراف تتحدث عن الّذين هم في الآخرة (في سياق الآخرة) الّذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرّتهم الحياة الدّنيا عندما كانوا في الدّنيا. فكل آية لها معنى مغاير للأخرى، وحين نتدبّر القرآن نجد أن الحق سبحانه يذكر اللعب أولاً ثمّ اللهو، وهو الأمر الطّبيعي فحياة الطّفولة هي لعب ثمّ ينتقل إلى

стр. 3915

مرحلة الشّباب والكهولة يتحول اللعب فيها إلى لهو (لأن كلّ لعب يشغل عن واجب يصبح لهواً) فلعب الشباب والكهول هو لهو إذا شغلهم عن واجب وإذا لم يشغلهم يكون لعباً، فاللعب منه المفيد مثل السباحة والرياضة، ومنه اللعب المذموم: وهو كلّ لعب يشغل عن واجب، فالمرحلة الأولى الطّفولة لعب، ومرحلة الكهولة لهو، وهذا هو الأمر الطّبيعي، وفي سورة الأعراف والعنكبوت قدم اللهو على اللعب، وتقديم اللهو على اللعب أبلغ في المعنى وآكد، ويأتي ذلك في سياق الآيات الّتي تتحدث عن الكفار أو المشركين أو المشغولين بالحياة الدّنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، يقدّم اللهو على اللعب (بعكس الأمر الطبيعي) لأنّهم بما يقومون به من فساد أخلّ بالموازين فأصبح اللهو في حياتهم هو شيء عظيم؛ لأنّهم أهملوا وعطّلوا واجباتهم نحو ربهم فأصبحت حياتهم كلها لهواً وأحياناً لعباً. سورة العنكبوت [٢٩: ٦٥] ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِى الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾: وكما أنّ الكفار والمشركين يعترفون ويقرّون بأنّ الله هو الخالق، ثمّ يشركون به ويعبدون غيره وينصرفون من الحق إلى الباطل، وكذلك هذه حالهم عندما يركبون في الفلك يعلمون أنه لا ينقذهم ولا ينفعهم إلا الله وحده فيدعونه فينقذهم وبعد ذلك يشركون به، فذرهم يكفروا بكل هذه الآيات ويتمتعوا بدنياهم وكذلك بنعمة الأمن في الأوطان ولا يروا أنّا جعلنا لهم حرماً آمناً ويُتخطف النّاس من حولهم، فهؤلاء مأواهم جهنم، ومن جاهد في سبيل الله سوف يزيده هدى ويكون مع المحسنين وفي جنات النّعيم. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء للتوكيد، إذا: ظرفية زمانية وشرطية تفيد كثرة الحدوث وحتمية حصوله. ﴿رَكِبُوا فِى الْفُلْكِ﴾: السّفينة، وتطلق على المفرد وعلى الجمع كما في

стр. 3916

قوله: ويصنع الفلك (وكان نوح يصنع سفينة واحدة) وجاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كلّ مكان وظنوا أنّهم أحيط بهم. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: دعوة اضطرار دعوا الله وحده مخلصين له صادقي النّية في دعائهم، لا يدعون إلا إياه؛ لأنّهم يعلمون لا أحد يستطيع أن يكشف عنهم البلاء إلا الله تعالى. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾: الفاء تدل على المباشرة، نجّاهم: ولم يقل أنجاهم. نجّاهم؛ أي: نجّاهم ببطء أو استغرقت نجاتهم زمناً؛ كي يتضرعوا ولا ينسوا ما حدث لهم، وأمّا أنجاهم تعني بسرعة. ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾: إذا ظرفية زمانية تفيد الفجأة. أي: عادوا إلى شركهم وظلمهم ونسوا ما كان يدعون من قبل، يشركون: بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدد شركهم وعودته. سورة العنكبوت [٢٩: ٦٦] ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾: اللام للتوكيد والاختصاص، وفي هذا تهديد وإنذار لهم ليفعلوا ما يشاؤون فسوف يسألون، وجاءت الآية بصيغة الغائب في قوله: ليكفروا، وليتمتعوا فسوف يعلمون؛ لأن ليس لهم قيمة أو وزن لمخاطبتهم مباشرة، أو هم لا يستحقون المخاطبة مباشرة. ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾: الباء للإلصاق، آتيناهم من نعمة النّجاة من الغرق وغيرها من النّعم. ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء للتوكيد، سوف: للتراخي في الزّمن، سوف يعلمون: يوم القيامة أو في الآخرة أو عند موتهم. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: عاقبة كفرهم وشركهم وهي جهنم وبئس المصير.

стр. 3917

ولمقارنة هذه الآية مع الآية (٥٤) من سورة النّحل: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ارجع إلى سورة النّحل للبيان. سورة العنكبوت [٢٩: ٦٧] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾: ﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام وتقرير. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: أي أولم يعلموا؟ والرّؤية هنا رؤية بصرية عينية ورؤيا فكرية قلبية، والواو في (أولم) للجمع والتّوكيد؛ أي: تجمع بين عدة آيات. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ أهل مكة وغيرهم (يروا) رؤية بصرية وقلبية. ﴿أَنَّا﴾: للتعظيم. ﴿جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾: أي جعلنا مكة بلداً آمناً مصوناً من النّهب والتّعدّي وآمنين من القتل. ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾: الخطف: الاختلاس بسرعة، أو الاستلاب والأخذ بشدة بالقتل والأسر والخطف: من حولهم من القرى. ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾: الفاء للتوكيد، والهمزة همزة استفهام إنكاري وتعجب، يؤمنون: أي بالشّرك وعبادة الأصنام اللات والعزى ومناة الثّالثة الأخرى: يصدقون. ارجع إلى الآية (٥٢) من نفس السورة لبيان معنى الباطل. ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾: ولم يقل وبالله يكفرون؛ لأنّهم إذا كانوا لا يؤمنون بنعمة واحدة من نِعم الله تعالى الكثيرة ويكفرون بها، فكيف يؤمنون بالله وحده؟ يكفرون جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدّد كفرهم وشركهم. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٢٨) لمعرفة الفرق بين نعمة ونعمت.

стр. 3918

سورة العنكبوت [٢٩: ٦٨] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: استفهام تقريري. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: تعني لا أحد أظلم، فالذي يفتري على الله كذباً هو أظلم النّاس أجمعين. وكذباً: جاءت بصيغة النّكرة؛ تعني: أيّ كذبٍ مهما كان نوعه وصغره، ولم يقل الكذب بـ أل التّعريف الّذي يعني: كذباً معيناً. وإيراد هذا الخبر بصيغة الاستفهام أقوى في التّقرير والإبلاغ مما لو جاء بالخبر بدون استفهام وقال: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً مثل الولد أو الشّريك والآلهة؛ لأنّ الخبر يأتي من المتكلم، والإقرار يأتي من السّامع، والعرب لا تستعمل الاستفهام إلا حينما تكون واثقة أنّ الجواب سيأتي من المستمع وفق ما يريد المتكلم. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾: لما ظرفية زمانية بمعنى: حين جاءه؛ أي: كذب بالصّدق بالنّبي ﷺ حين بعثه الله أو كذب بالقرآن حين أنزله الله تعالى عليه. ﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾: أليس استفهام إنكاري وتقرير، أليس: ألا يستحق هؤلاء وأمثالهم ممن كذبوا بآيات الله وبرسوله أن يُلقى بهم في جهنم كمثوى لهم، في جهنم: في: ظرفية، جهنم: مشتق من كونها كريهة المنظر، بعيدة القعر. ارجع إلى الآية (١٨) من سورة الرّعد، مثوى: هو المكان الضّيق والمطبق والدّائم، ومكان الإقامة الجبرية. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٥١) لمزيد من البيان ومعرفة الفرق بين مثوى ومأوى، للكافرين: اللام لام الاختصاص أو الاستحقاق، الكافرين: الّذي أصبح الكفر صفتهم وسمتهم الثّابتة. سورة العنكبوت [٢٩: ٦٩] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾: لنذكر كيف بدأت السّورة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ

стр. 3919

لَغَنِىٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، وها هي السّورة تنتهي بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ أي: من أجل إعلاء كلمتنا أو ديننا أو نصرة رسولنا ﷺ . جاهدوا فينا: أي من أجلنا؛ أي: سبيلنا مخلصين لوجه الله. جاهدوا بالقول أو بالفعل أو بالنّفس، أو جاهدوا العدو، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وجاهدوا في طاعة الله. ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾: جمع سبيل: سبل الهداية أو سبل الخير، اللام والنّون في (لنهدينهم) للتوكيد، لنهدينهم: أي لندلنّهم على سبلنا؛ أي: الطّرق الموصلة إلينا؛ أي: للغاية العظمى سعادة الدّارين ورضوان الله تعالى، وهي سبل مثل: سبيل الصّلاة والصّيام والإنفاق، وسبل الخير والصّلاح والطّاعة وكل هذه السّبل تؤدي إلى سبيل واحد؛ أي: دين واحد هو الإسلام وهو الصّراط المستقيم، وكلمة (سبلنا) وردت عشر مرات في القرآن. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد. ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾: اللام في (لمع) للتوكيد، ومع: تفيد المعية، ومعية الله سبحانه لا أعظم منها معية. وبدلاً من القول: وإنّ الله لمع المجاهدين، قال: مع المحسنين؛ لأنّ الّذين جاهدوا في الله سبحانه وصلوا وأصبحوا في مقام المحسنين، أو هم فئة من فئات المحسنين. ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة للبيان، وارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لمزيد من البيان.

стр. 3920

سورة الروم [٣٠: ١] سورة الروم سورة ترتيبها في القرآن (٣٠) وترتيبها في النّزول (٨٤). ﴿الم﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة للبيان. سورة الروم [٣٠: ٢] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾: ﴿غُلِبَتِ﴾: بضم الغين؛ أي: هُزمت الروم من قِبل الفرس (المجوس) الّذين كانوا يعبدون النّار، والروم: اسم سلالة لرجل اسمه: روم بن عيص، من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، ويقال لهم: بنو الأصفر. وهم أبناء عم بني إسرائيل، وكانوا على دين اليونان، واليونان من سلالة يافث بن نوح، بنوا مدينة دمشق، والروم هم من أهل الكتاب. وكان المسلمون يودون غلبة الروم على الفرس. سورة الروم [٣٠: ٣] ﴿فِى أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾: ﴿فِى أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: أدنى: أقرب لأرض العرب (أرض الجزيرة العربية)، وقيل: كان ذلك قبل الهجرة إلى المدينة بخمس سنوات، وقيل: بسنة واحدة، وأدنى الأرض: هي بين أذرعات وبصرى الشام؛ وهي أدنى أقرب أرض الشام

стр. 3921

إلى أرض العرب (مكة)، وقيل: أدنى الأرض؛ تعني: الأردن وأرض فلسطين، أو بين العراق والشام. ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾: وهم: تعود على الروم، من بعد غلبهم؛ أي: هزيمتهم، سيغلبون: السّين للاستقبال القريب. سيغلبون الفرس؛ أي: المجوس، فكانت هذه بشرى للمسلمين الّذين كانوا أقرب إلى الروم منهم إلى الفرس من ناحية العقيدة والدين، فالروم من أهل الكتاب والفرس (المجوس) كانوا يعبدون النّار. سورة الروم [٣٠: ٤] ﴿فِى بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾: ﴿فِى بِضْعِ سِنِينَ﴾: في: ظرفية زمانية، بضع سنين: تعني من (٣ - ٩) سنين، وقيل: كان في سبع سنين، وكان نصر الروم على الفرس في يوم بدر كما روى الترمذي وابن جرير وغيرهم. وقيل: كان في عام الحديبية السنة السادسة للهجرة. وهذا النبأ من أنباء الغيب ومعجزة دالة على أنّ القرآن هو تنزيل من رب العالمين، ودليل على نبوة محمّد ﷺ ، وكان هذا النبأ بمثابة بشارة أثارت فرحة المؤمنين. ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾: لله: اللام للاختصاص. لله الحكم في تقرير من هو الغالب والمغلوب. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أي من قبل أن تُغلب الروم (أي تُهزم). ﴿وَمِنْ بَعْدُ﴾: أي من بعد أن تنتصر الروم. وانتبه إلى قوله: (من قبلُ ومن بعدُ) بالضم، ولم يقل من قبلِ ومن بعدِ

стр. 3922

بالكسر. فالضم يدل على زمن معين قد يطول أو يقصر، ولكنه زمنٌ معلومٌ ومقدَّرٌ، والكسر يدل على زمن غير معين، أو معلوم أو لا يُعلم. ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أي يوم تَغلبُ الرومُ الفرسَ (المجوس). يومئذ: يوم ظرف أضيف إلى (إذ) (بمعنى حين)؛ أي: حينئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله تعالى للروم على الفرس. سورة الروم [٣٠: ٥] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾: النصر: يكون بقتال أو حرب أو عُدة. أما الفتح: يكون بدون قتال أو حرب أو عُدة. ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾: أي يفرح المسلمون بنصر الله للروم على الفرس. الباء: السببية. ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾: من عباده، من: ابتدائية. ﴿وَهُوَ﴾: تفيد التّوكيد. ﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الّذي لا يُغلب ولا يُقهر، القادر على إنجاز وعده. ﴿الرَّحِيمُ﴾: بعباده الصالحين أو بالمؤمنين، صيغة مبالغة؛ أي: كثير الرّحمة. ارجع إلى سورة الحمد آية (٢) لمزيد من البيان.

стр. 3923

سورة الروم [٣٠: ٦] ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾: أي هذا النبأ بأنّ الله سينصر الروم على الفرس (المجوس) في بضع سنين، وهو وعد من الله سبحانه، والوعد إذا أُطلق يعني الخير، والوعيد يكون في الشر خاصة، والوعد إذا قيّد قد يكون للخير أو الشر، وإذا جاء في سياق الشر يفيد التهكّم والاستهزاء. والوعد: يقتضي الإنجاز. ﴿لَا﴾: النّافية لكل الأزمنة. ﴿يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾: أي وعد الله سبحانه كائنٌ محققٌّ لامحالة. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لكن: حرف استدراك؛ أي: قليلٌ من النّاس يعلمون أنّ الله منجز وعده، أو كثير من النّاس لا يعلمون أن الله لا يخلف وعده. أو لا يعلمون أمور دينهم وآخرتهم، أو لا يعلمون بواطن الأمور وإنما يعلمون ظاهراً واحداً من جملة الظواهر؛ وهو ظاهر الحياة الدّنيا. سورة الروم [٣٠: ٧] ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي العلوم المادية من زراعة وصناعة، وتجارة وهندسة وحساب وغيرها؛ أي: يعلمون شيئاً من علوم الدّنيا أو يعلمون متاع الدّنيا وزينتها وملاذّها. ﴿وَهُمْ﴾: للتوكيد، ﴿عَنِ﴾: تفيد المجاوزة والمباعدة.

стр. 3924

﴿الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾: تكرار (هم) لزيادة التّوكيد، هم غافلون: عن حقيقة الحياة الدّنيا، وأنها مزرعة الآخرة وأنها متاع الغرور. ساهون عمداً غير متيقظين وغير حذرين البعث والحساب والجزاء، وغافلون: جملة اسمية تدل على أن الغفلة أصبحت عندهم صفةً ثابتةً راسخةً. ارجع إلى سورة البقرة آية (٧٤) لمزيد من البيان. سورة الروم [٣٠: ٨] ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِى أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَائِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾: المناسبة: لماذا هم غافلون عن الآخرة؟ لمَ لا يتفكرون في أنفسهم وفي خلق الله السّموات والأرض وما بينهما، فلعلهم بالتفكر يستيقظون من غفلتهم ويؤمنون بالله ولقائه ووحدانيته، ويؤمنون بالآخرة والبعث والحساب والجزاء. ﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري، والواو: تفيد شدة الإنكار؛ أي: كيف لا يتفكرون. ولم: حرف نفي. ﴿يَتَفَكَّرُوا فِى أَنْفُسِهِمْ﴾: يتفكروا؛ أي: ينظروا في الدلائل ومنها: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ بالحق؛ أي: بنظام محكم ودقة فائقة لا تتغير وثابتة وتسير في نظام ثابت في أفلاكها ومستمرة إلى يوم القيامة، وأنها لم تخلق عبثاً أو بغير غاية وحكمة. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (١٩) لمزيد من البيان، وسورة البقرة آية (٢٣ - ٢٩) والأنبياء آية (٣٠) وفصلت آية (٩ - ١٢) لبيان معنى خلق السموات والأرض. ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: ارجع إلى سورة الفرقان آية (٥٩). ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء للإلصاق والإلزام.

стр. 3925

﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾: وهو قيام الساعة؛ أي: لابد أن تنتهي الأرض والسموات وتزول، فلكل شيء أجل مسمى كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. فالتفكر في هذه الدلائل لابد أن يوصل إلى الحقيقة أن الله سبحانه واجب الوجود، هو الإله الخالق وحده، وأنه الّذي يستحق أن يُعبد وأن البعث والحساب والجزاء والدار الآخرة حق. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَائِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾: رغم كل هذه الأدلة والبراهين على وجوب لقاء الله تعالى والبعث والحساب، لازال الكثير من النّاس بلقاء ربهم كافرين. وهناك فرق بين ﴿كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ فأكثر تعني: أكثر من كثير. ﴿بِلِقَائِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾: أي غير مصدقين أو لا يؤمنون، أو يجحدون. إن واللام في (لكافرون) تفيدان التّوكيد، وأما الأقلية فهم بلقاء ربهم يؤمنون. سورة الروم [٣٠: ٩] ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: ﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، والواو: لمطلق الجمع. ارجع إلى الآية السّابقة لمزيد من البيان. ولم يقل: أفلم يسيروا؛ الفاء: تستعمل إذا كان ما قبلها سبباً لما بعدها، وتسمى فاء السببية، أو تذكر الفاء مع الأشد توكيداً. ﴿يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ﴾: السير في الأرض؛ أي: السفر في الأرض، ولم يقل على الأرض؛ لأن الطبقة الغازية المحيطة بالأرض هي جزء من الأرض، وفي: ظرفية مكانية. ﴿فَيَنظُرُوا﴾: الفاء للتعقيب والمباشرة؛ أي: يسافروا من ديارهم للسياحة
следующие страницы →