← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾: خِطبة بكسر الخاء، وأصل الكلمة مشتقة من الخطب، والخطب هو الأمر العظيم، والخطبة أمر عظيم؛ لأنها ستؤدي إلى عقد الزواج (الميثاق الغليظ). ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ﴾: أي: لا إثم عليكم فيما أكننتم في أنفسكم، الإكنان: الإضمار في النفس من الرغبة في الزواج بها، أو العزم على إتمام عقد النكاح بعد انقضاء عدتها. ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ﴾: للتوكيد، ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾: أي: علم أنكم لا محالة ستبقون تتكلمون في رغبتكم بالزواج بهن، ولا يجوز إعلان ذلك للملأ حتّى تنتهي العدَّة. إذن يسمح لكم بالتعريض، ويسمح لكم أن تفكروا بهن وبذكرهن، والذي لا يسمح لكم أن تواعدوهن سراً. ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: السر: لا يعلم به أحداً إلا صاحبه فقط والله سبحانه؛ فالتواعد سراً هذا غير مسموح به، أو تواعدوهن بالزواج، وهي لا زالت في زمن العدَّة، فلا لقاء سري، ولا خلوة بينكما، أو تقولوا لبعضكم بعضاً: هل تتزوجينني بعد انقضاء العدَّة، أو تقول: أنا أحبك، أو تأخذوا منهن وعداً، أو عهداً بالزواج منكم. أو ينتهي الشيطان بكم إلى أسوأ من ذلك إلى المداعبة، أو التقبيل، وأخيراً الزنى.

стр. 422

﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿أَنْ﴾: أنّ مصدرية بعد التعليل والتوكيد. ﴿قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾: أي: ما شرع لكم، وسمح لكم بالتعريض فقط. ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: ناهية. ﴿تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾: العزم: التصميم على تنفيذ الأمر، أو القيام به مع القدرة والقوة على فعل ذلك؛ أي: ولا يسمح لكم بالقيام بعقد النكاح، ولا حتّى بالعزم على القيام به. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية. ﴿يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾: أي: تنقضي العدَّة. والكتاب: المدَّة التي كتبها الله، وهي (٤) أشهر وعشراً. إذن نفهم مما سبق: أن هناك ثلاث مراحل: ١ - مرحلة التعريض. ٢ - مرحلة العزم. ٣ - مرحلة العقد. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: ﴿وَاعْلَمُوا﴾: علم اليقين.

стр. 423

﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد، ﴿يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ﴾: من العزم، والحب، وعدم الصبر. ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾: أي: احذروا القيام بأي شيء يخالف شرع الله. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: التكرار: للتوكيد، والتحذير، واعلموا أنّ الله يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد، ﴿غَفُورٌ﴾: لمن يحذره، ويخافه، ويتقيه. ﴿حَلِيمٌ﴾: لأنه يمهل، ويؤخر العقوبة؛ لكي تتوبوا، ويغفر لكم. ارجع إلى الآية (٢٢٥) من سورة البقرة. سورة البقرة [٢: ٢٣٦] ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: لا إثم عليكم، ارجع للآية (٢٣٥) لمزيد من البيان. ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشك والقلة، ﴿طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾: الطلاق: هو حل عقدة النكاح. ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾: ما: شرطية (إن لم تمسوهن)، أو ظرفية زمانية (مدة لم تمسوهن). ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾: كنى بالمس عن الجماع، والمس: هو أخف اللمس، وهو

стр. 424

مجرد لمس شيء بشيء، ولو لأقل جزء من الثّانية بحيث لا يتأثر بالممسوس، أو يدرك طبيعته. أما اللمس: فهو التصاق شيء بشيء مع إدراك طبيعته، هل هو خشن، أو ناعم، أو حار، أو بارد. ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: أي: تذكروا، أو تقدروا لهن مهراً. ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾: أي: أعطوهن شيئاً إكراماً لهن من مال، أو هدية. والمتعة: هي ما يعطيه الزوج من مال، أو كسوة، أو حلية للزوجة إكراماً لها، وتخفيفاً؛ لحدث الطلاق. ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾: على الغني قدره: أي: المبلغ الّذي يُطيقه، أو يقدر عليه. والموسع من أوسع، ويقال: أوسع الرجل: إذا كثر ماله وغناه. ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾: على الفقير قدره؛ أي: المبلغ الّذي يُطيقه، أو يقدر عليه. المقتر: من أقتر، يقال: أقتر الرجل إذا افتقر؛ أي: هو في ضيق من النفقة. ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾: هذا المتاع هو ما تعارف عليه النّاس، أو المستحسن، وهو كل ما عرف حسنه في الشّرع، والباء بالمعروف: للإلصاق، ارجع إلى الآية (٢٢٨) من سورة البقرة.

стр. 425

﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: حقاً من باب الإحسان، والتطوع، وليس بواجب، أو فرض. بينما لو قال: حقاً على المتقين؛ يعني: واجب، أو فرض على المتقين؛ أي: من باب التّقوى والفرض. سورة البقرة [٢: ٢٣٧] ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾: إن شرطية تفيد الاحتمال والندرة. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾: من قبل أن تدخلوا بهن (ويحدث الجماع) والمباشرة. أن: حرف مصدري يفيد التعليل، والتوكيد. ﴿وَقَدْ﴾: قد: للتحقيق، والتوكيد. ﴿فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: أي: سمَّيتم المهر، وتحدثتم عن المهر، أو ذكرتم لهنَّ المهر، وكم هو من المال. ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾: الفاء: للتوكيد، نصف ما فرضتم من المهر: أي: لهن نصف الفرض. ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: إلَّا أداة حصر، أو استثناء، أن: حرف مصدر يفيد التعليل، والتوكيد.

стр. 426

﴿يَعْفُونَ﴾: أي: الزوجة المطلقة الّتي لم تمس تسقط، أو تترك حقها؛ أي: تتنازل عن النصف المفروض لها. ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: الّذي بيده عقدة النكاح. قيل: هو الزوج؛ أي: يعفو، ويعطيها المهر كاملاً؛ أي: يتنازل لها عن النصف الآخر الّذي ليس مفروضاً لها. وقيل: الّذي بيده عقدة النكاح هو الولي، والحقيقة: أنّ المهر من حق الزوجة، والولي لا دخل له. ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾: وأن: للتعليل، والتوكيد. ﴿تَعْفُوا﴾: من عفا يعفو، وهو الأقرب للتقوى؛ أي: الأكثر تقوى هو الّذي يعفو للآخر، سواء كان الرجل، أو المرأة، وليس العفو فقط بالمال، بل أن تعفو عن الأخطاء، أو النميمة، والغيبة، وربما الشتم، والإهانة الّتي قد تحدث بين الطرفين، وعليكم بالصبر والاحتساب، والذي يدعي التّقوى عليه أن يظهرها في هذه المواقف. ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾: ﴿وَلَا﴾: لا النّاهية، ﴿تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾: هو المودة بالإحسان، ولا تنسوا الصلة الّتي كانت قائمة، والروابط. ولا تنسوا الإحسان في مقام الخلاف، والبغضاء، والرضا بما قدر الله. أو تنازل أحدكما للآخر عن حقه، وإنهاء الخلاف.

стр. 427

﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد، ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، ﴿تَعْمَلُونَ﴾: من الأعمال تضم الأقوال، والأفعال. ﴿بَصِيرٌ﴾: يراكم، ويطلع على أعمالكم؛ أي: أفعالكم، وأقوالكم، ولا تخفى عليه خافية في السموات، والأرض. وقدَّم تعملون على بصير بدلاً من قوله: والله بصير بما تعملون؛ لأنّ سياق الآيات في أعمال العباد الظاهرة. يمكن تلخيص ما سبق: المطلقات: مدخول بها: ـ مفروض لها مهر، لها المهر كاملاً، وعدتها ثلاثة قروء، ولها متعة. ـ غير مفروض لها مهر، لها مهر المثل، وعدتها ثلاثة قروء، ولها متعة. غير مدخول بها: ـ مفروض لها مهر، لها نصف المهر، وليس عليها عدَّة، ولها متعة. ـ غير مفروض لها مهر، ليس لها مهر، وليس عليها عدَّة، ولها متعة. *

стр. 428

سورة البقرة [٢: ٢٣٨] ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾: المناسبة: في خضم آيات الطلاق، وسياقها تأتي آية حافظوا على الصلوات، والصّلاة الوسطى؛ لتذكرنا أنّ نلجأ إلى الصّلاة في أيام وساعات الطلاق، والفراق الصعبة، فالصّلاة تبعث على الاطمئنان، وعدم الظّلم، والجور، وتحث على الصبر، والعفو، وعدم اليأس، وتهدئ القلوب المتأججة. كما رأينا آية الدّعاء، آية (١٨٦) من سورة البقرة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى﴾ تشق آيات الصّيام لتذكرنا بأهمية الدّعاء أثناء الصّيام، وفي أيام رمضان، فسبحان الّذي نزل الذكر. ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾: حافظوا من الحفظ، والحفظ: هو عدم النسيان، والمحافظة على الصلوات؛ تعني: المداومة عليها، وعدم تضييعها، والتمسك بها في أوقاتها، وسننها، وأركانها، وخشوعها. ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾: للدلالة على أهميتها، ومكانتها، فهذا يطلق عليه ذكر الخاص (وهو الصّلاة الوسطى) بعد ذكر العام (الصلوات)، ويسمى عطف الخاص على العام، وله قيمة بلاغية؛ للتأكيد على أهمية الصّلاة الوسطى. والصّلاة الوسطى لم يحدِّدها سبحانه، والوسطى: هي من الوسط، وهو العدل، والخيار؛ أي: الفضلى، والله سبحانه أخفى الصّلاة الوسطى، كما أخفى

стр. 429

ليلة القدر، وساعة الاستجابة يوم الجمعة، كما أخفى اسمه الأعظم؛ ليكون العبد على اتصال دائم مع ربه، وذهب كثير من المفسرين، والفقهاء إلى أنها صلاة العصر؛ لأنها تقع بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر من طرف، وصلاة المغرب والعشاء من طرف آخر. وهناك من قال: إنها صلاة الظهر؛ لأنها تقع في وسط النهار، أو صلاة المغرب؛ لأنها تقع بين الليل والنهار، أو صلاة الفجر. وقد تنتقل الصّلاة الوسطى من العصر إلى الظهر إلى الفجر، كما تنتقل ليلة القدر من (٢١) إلى (٢٣) إلى (٢٥) إلى (٢٧). ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾: قفوا على أرجلكم للصلاة. ﴿قَانِتِينَ﴾: جمع قانت، والقنوت: هو الطاعة؛ طاعة أوامر ونواهي الله تعالى، والاستقامة عليها؛ أي: الدوام على طاعة الله. وقيل: طول القيام في الصلاة، وقيل: الخشوع والسكوت، وقيل: الدعاء، والصلاة والقنوت في الشرع الدعاء في صلاة معينة مثل الوتر، أو بصفة معينة، أو الركعة الأخيرة. سورة البقرة [٢: ٢٣٩] ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للترتيب الذِّكري، إن: شرطية تفيد الاحتمال، والشك، أو قلة الحدوث. ﴿خِفْتُمْ﴾: من عدوكم، أو من أي شيء يدعو إلى الخوف، وعدم الاطمئنان.

стр. 430

﴿فَرِجَالًا﴾: أي: صلُّوا، وأنتم سائرون على الأقدام مستقبلي الكعبة، أو صلوا بأي اتجاه. ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾: أو صلوا وأنتم راكبون على خيولكم، أو في سياراتكم، أو غيرها قياماً، أو قعوداً. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء: للترتيب الذِّكري، إذا: شرطية تفيد الحتمية، والإلزام، وكثرة الحدوث. ﴿أَمِنتُمْ﴾: زالت أسباب الخوف، وأصبحتم في أمان؛ فصلوا مستقبلي القبلة، وبخشوع، وقنوت. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾: فاشكروا الله تعالى على الأمن بالذكر (التسبيح، والحمد، والتهليل)، والصّلاة من الذكر، والشكر من الذكر. ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾: كما للتشبيه، علمكم من الأحكام، والشرائع، والعبادات، ﴿مَا لَمْ﴾: ما: اسم موصول بمعنى: الّذي، لم: للنفي، ﴿تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾: قبل مجيء الرّسول ﷺ ، وإنزال القرآن. سورة البقرة [٢: ٢٤٠] ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِى أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: هذه الآية نزلت في بدء الإسلام، ثم نسخت، كما ذكر أكثر الفقهاء بآية (٢٣٤) من سورة البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.

стр. 431

وقيل: لم تنسخ، وإنما خفَّف الله على هذه الأمة من العام (أو الحول) إلى أربعة أشهر وعشراً، وأصبحت النكرة (من معروف) معرفة بـ (أل) التعريف (بالمعروف): وهو الزواج. في بداية الإسلام كانت عدَّة المتوفَّى عنها زوجها متاعاً إلى الحول، ثم تحولت وأصبحت أربعة أشهر وعشراً. وأما الفروق بين الآيتين (٢٣٤) و (٢٤٠) من سورة البقرة فهي: في الآية (٢٣٤): ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: (الباء للإلصاق)، والمعروف هو الزواج. أما من معروف في الآية (٢٤٠): فيشمل الزينة، والخروج من المنزل، والتعريض للخطاب. في الآية (٢٣٤): الخطاب إلى المتوفَّى عنها زوجها. أما في الآية (٢٤٠): فالمخاطب أهل الميت. في الآية (٢٣٤): ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. أما في الآية (٢٤٠): ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. فارجع إلى الآية (١٢٩) من نفس السورة للبيان. سورة البقرة [٢: ٢٤١] ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾: اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق. كل المطلقات جميع المطلقات لهن متعة، كما قال مالك: المتعة مستحبة

стр. 432

لجميع المطلقات، وذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى أنها واجبة للمطلقة الّتي لم يفرض لها مهر، وأما الّتي فرض لها مهر فتكون المتعة لها مستحبة. ﴿مَتَاعٌ﴾: من المتعة: وهو ما يعطيه الزوج من مال، أو كسوة، أو حلية، أو غيرها لزوجته المطلقة إكراماً لها، وتخفيفاً. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: أي: متعة لا مبالغة فيها، ولا تقصير على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره. ﴿حَقًّا﴾: أحقَّه الله للمرأة المطلقة، فلا تقول: لا أريده، بل تأخذه، وتتصدق به إذا لم تكن لها حاجة به، وسواء أكان واجباً، أم مستحباً. ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾: واجباً، أو مستحباً على الأتقياء، وإذا لم يدفع لها المتعة عليه ذنب، وعقاب، ولو قال: حقاً على المحسنين؛ لكان من باب التطوع، والإحسان، وليس عليه عقوبة وذنب. وهناك فرق بين (حقاً على المتقين)، و (حقاً على المحسنين)؛ على المتقين: أي: وجباً أو مستحباً، أما على المحسنين: أي: في صورة الإحسان وليس بواجب أو فرض كما هو حقاً على المتقين. سورة البقرة [٢: ٢٤٢] ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ﴿كَذَلِكَ﴾: تعني في مثل هذه الآيات، والآيات الّتي سبقتها. ﴿يُبَيِّنُ﴾: يوضح الله لكم الأحكام، والحدود في الطلاق، والرضاع، والعدَّة، والمتاع. ﴿آيَاتِهِ﴾: إضافة هاء الضمير للآيات تشريفٌ لها؛ لكونها آياتٍ خاصة مهمة مقارنة بقوله: آيات.

стр. 433

﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لعلكم: للتعليل؛ أي: لتعقلوا لتفهموا ما عليكم من واجبات. ارجع إلى الآية (٤٤)، والآية (٧٣) من نفس السورة للبيان. سورة البقرة [٢: ٢٤٣] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة استفهام تعجب، وتشويق إلى ما سيذكر. ﴿تَرَ﴾: الرؤية هنا رؤية قلبية بمعنى: العلم؛ أي: ألم تسمع، أو يصل إلى علمك خبر هؤلاء الّذين خرجوا من ديارهم. ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: تركوا وهجروا ديارهم، وقيل: هم من بني إسرائيل. ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾: ألوف جمع كثرة، خرجوا وهم ألوف (أكثر من العشرة يقال له جمع كثرة، وأقل من العشرة يقال له جمع قلة) مثل: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٤]. ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: أي: لتوقي وتجنب الموت. والحذر: هو توقي الضرر، سواء كان مظنوناً، أو متيقَّناً، والحذر يدفع الضرر، والخوف لا يدفع الضرر. ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: بيان للعلة، ولم يخبرنا ما هو سبب الموت؛ لكونه لا يهم في هذه القصة.

стр. 434

﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾: أي: فأماتهم الله سبحانه ميتة رجل واحد بكلمة كن فيكون. إذن هم خرجوا حذراً من الموت، وها هو الموت حل بهم. أو هم هربوا من قدر الله إلى قدر الله، فما فائدة خروجهم، لو لم يخرجوا لماتوا وهم في عقر ديارهم، وها هم خرجوا فماتوا بعيداً عن ديارهم، إذن ما هي العبرة؟ وقيل: السبب في خروجهم كان وباء الطاعون. وقيل: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد، والدفاع عن بلادهم، فهربوا حذراً من الموت والقتل في سبيل الله. ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾: سبحانه، وكان قادراً على تركهم أمواتاً حتّى يوم يبعثون. أحياهم ليعظهم، ويبيِّن لهم، ولغيرهم: أنّ أمر الموت والحياة بيده سبحانه، ومرهون بمشيئته تعالى، وليس بمرض، أو جهاد، أو قتال. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾: إن: للتوكيد، ﴿لَذُو﴾: اللام للتوكيد. ولو مات هؤلاء في ديارهم ولم يهربوا، ماتوا من طاعون أو بسبب الجهاد، وقتال العدو؛ لكان لهم أجر الشّهيد؛ أي: لماتوا شهداء، ووجبت لهم الجنة، وهذا فضل من الله تعالى، والموت إذا كان في سبيل الله، وإعلاء كلمته (كلمة الحق) فهو من أفضل النِّعم. ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة لمزيد من البيان. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾: ﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك.

стр. 435

﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾: أي: هناك القليل منهم يشكرون؛ كقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. أكثر النّاس لا يعلمون أنّ هذه الابتلاءات بالخير والشر كلها نِعَم، وليس نقم، ومن فضل الله أنه يبتلي عباده؛ ليزيدهم أجراً، وفضلاً، ومن أكبر هذه النعم الجهاد في سبيل الله، ولأنهم لا يعلمون أنها كلها خير، ولذلك لا يشكرون الله عليها، وبذلك تكون عاقبة ابتلائهم خُسراً. فأكثر النّاس لا يشركون: إما العدد، عدد من يشكرون قليل. أو كمية الشكر (مقدار الشكر) قليل؛ أي: عددهم كبير، وشكرهم قليل. سورة البقرة [٢: ٢٤٤] ﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم؛ لإعلاء كلمة الله، ودينه، وإظهار الحق، ودحر الباطل. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: علم اليقين واذكروا. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: أن: للتوكيد. ﴿سَمِيعٌ﴾: لما تقولونه بالسر، والعلن خيراً، أو شراً. ﴿عَلِيمٌ﴾: بأقوالكم، وأفعالكم، لا تخفى عليه خافية، وعليم بنواياكم، وظاهر الأمور وبواطنها، وعليم بذات الصدور.

стр. 436

سورة البقرة [٢: ٢٤٥] ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: في الآية السابقة حث الله سبحانه على الجهاد بالأنفس، وفي هذه الآية يحث على الجهاد بالمال، والإنفاق في سبيله، وعبر عن ذلك بالقرض الحسن فقال: ﴿مَنْ ذَا﴾: من: اسم استفهام؛ للتشويق والترغيب. ﴿يُقْرِضُ﴾: القرض: دفع المال لمن ينتفع به، ويرد بدله، أو يُعيده إلى صاحبه. ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾: القرض الحسن: هو القرض الّذي يُعطى ابتغاء وجه الله، ويعطى من دون منٍّ ولا أذى، وبحب لا كراهية عن طيب نفس، ومن مال طيب، وأن يتحرى الجهات الأشد حاجة إليه. وقد وصف القرض بالقرض الحسن في كل القرآن، وجاء ذلك في (٦) آيات. ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾: الهاء: تعود إلى المنفق أضعافاً كثيرة لحثه على الإنفاق. والقرض ثوابه أعظم من ثواب الصدقة. القرض يضاعف إلى (١٨) ضعف، وأما الصدقة بعشر أضعافها. ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ﴾: والله يُضيق على بعض في الرزق، ويوسع على بعض حسبما تقتضيه حكمته، ومشيئته. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: إليه تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر.

стр. 437

﴿تُرْجَعُونَ﴾: من دون إرادتكم؛ أي: قسراً ومن دون خيار يوم القيامة. ١ - ولنقارن هذه الآية مع آية البقرة (٢٤٧)، وآية الأعراف (٦٩)، مع الانتباه إلى كيفية كتابة ولفظ الكلمات: يبصط، يبسط، بصطة. آية البقرة (٢٤٥): ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. آية البقرة (٢٤٧): ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. آية الأعراف (٦٩): ﴿وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾. وللمقارنة يجب أنّ نعلم: أنّ حرف الصاد يمتاز بالاستعلاء، أما حرف السين فيمتاز بالرخاوة، وإذا قارنا يبصط، ويبسط: يبصط: أقوى وأشد توكيداً من يبسط. وبصطة: أقوى وآكد من بسطة. بصطة: مطلقة عامة، وبسطة: مقيدة، والمطلقة أقوى من المقيدة. وإذا نظرنا في سياق الآيات: بسطة: جاءت في سياق طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. وبصطة: جاءت في سياق قوم هود: ﴿وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩]. فآية البقرة: جاءت في سياق فرد واحد، وهو طالوت، ومقيدة في العلم والجسم.

стр. 438

أما آية الأعراف: جاءت في سياق قوم هود أكثر من فرد، ومطلقة في الخلق. إذن: آية الأعراف أقوى وأشد ومطلقة استعمل الصاد فيها بينما آية البقرة أضعف، ومقيدة، واستعمل السين. ٢ - وكذلك لا بد من مقارنة هذه الآية مع الآية (٢٦١) من سورة البقرة، والآية (١١) من سورة الحديد: آية البقرة (٢٤٥): ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ﴾: لم يحدد هذه الأضعاف الكثيرة في هذه الآية، ولكنه حددها في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. التحديد بسبعمئة ضعف، أو أكثر. أما آية الحديد (١١): ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾. في البقرة: ذكر أضعافاً كثيرة، ذكر الكم، ولم يحدِّدها، وتركها مطلقة. في الحديد: ذكر فيضاعفه له، وله أجر كريم: ذكر الكم (يضاعفه فقط)، والكيف أجر كريم (ذكر الكم والكيف). ولو نظرنا إلى السياق نجد: أنّ آية البقرة جاءت في سياق القتال، وأما السياق في آية الحديد هو في الإنفاق بشكل عام، فالسياق مختلف.

стр. 439

سورة البقرة [٢: ٢٤٦] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِىٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الهمزة: استفهام فيه معنى التعجب، وتشويق إلى ما سيرد في الآيات التالية. ﴿تَرَ﴾: الرؤية قلبية بمعنى العلم؛ أي: ألم ينته علمك، أو يصل إلى علمك خبر الملأ من بني إسرائيل. ﴿الْمَلَإِ مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: الملأ: الأعيان، وممثلو القوم، أو وجهاء القوم، كلمة الملأ مشتقة من الّذين يملؤون العيون هيبة ورهبة، أو يراهم النّاس دائماً. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٧٥، ٨٨) للبيان. ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾: ﴿مِنْ﴾: ابتدائية، ﴿بَعْدِ مُوسَى﴾: بعد موت موسى ﵇. ﴿إِذْ﴾: ظرف زمان للماضي؛ يعني: حين قالوا. ﴿قَالُوا لِنَبِىٍّ لَهُمُ﴾: لم يذكر الله سبحانه اسمه، وقيل: هو شمويل على قول أكثر المفسرين. ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: نصّب، أو عيّن لنا ملكاً. والبعث: هو الإرسال مع الحث، والتهييج، والإثارة، والشدة.

стр. 440

إذن هم من بدون ملك، ولهم نبي ويريدون الجهاد في سبيل الله؛ لأنهم أخرجوا من ديارهم، وشردوا وتركوا أبناءَهم، وأموالهم وديارهم. ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾: قال نبيهم لهم: ﴿هَلْ﴾: استفهام للتقرير. ﴿عَسَيْتُمْ﴾: من عسى، فعل توقعٍ وترجٍّ. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال والشك. ﴿كُتِبَ﴾: فرض عليكم الجهاد. ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾: أي: أن لا تقاتلوا. أن: حرف مصدري للتعليل، لا: نافية. وكأنه يشك فيهم أنهم سيقاتلون، وذلك لعلمه بهم، ومعرفته لهم، وجبنهم من قبل، أو سابقاً. ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا﴾: ما: اسم استفهام، لنا أن لا نقاتل في سبيل الله؛ أي: ليس لنا عذر، أو مبرر ألا نقاتل في سبيل الله. ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾: ﴿وَقَدْ﴾: حرف تحقيق وتوكيد، والواو: حالية (للتوكيد). ﴿أُخْرِجْنَا﴾: أخرجونا بالقوة، وليس برغبتنا؛ أي: مكرهين. ﴿أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا﴾؛ أي: إن لم نقاتل في سبيل الله نقاتل؛ لأننا شردنا من ديارنا وأبنائنا. ﴿وَأَبْنَائِنَا﴾: أخذوا سبايا، أو تركناهم وراءنا.

стр. 441

﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للتعقيب، والترتيب، لما: ظرفية، حينية، متضمنة معنى الشرط. ﴿كُتِبَ﴾: فرض عليهم الجهاد، وشرع عليهم الجهاد، كما طلبوا. ﴿تَوَلَّوْا﴾: أعرضوا، ورفضوا أن يجاهدوا في سبيل الله، ولووا ظهورهم، وبذلك يتبيَّن لماذا قال لهم نبيهم سابقاً: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾: أي: هناك القليل الّذين لم يتولوا، والتزموا بعهدهم على القتال، وقيل: كانوا (٣١٣) بعدد أهل بدر. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: الّذين تولوا، وأعرضوا، ونقضوا عهدهم، وقعدوا عن الجهاد، والقتال، وبذلك ظلموا أنفسهم، ويعتبر هذا وعيداً لهم. ارجع إلى الآية (٥٣) من سورة البقرة للبيان. سورة البقرة [٢: ٢٤٧] ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، توكيد البعث. ﴿لَهُمْ﴾: تقديم لهم على نبيهم؛ (أي: الجار والمجرور): يدل على أنه نبي خاص بهم، وليس نبياً لغيرهم. ﴿قَدْ﴾: للتحقيق، والتوكيد.

стр. 442

﴿بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾: إن: للتوكيد. اللهَ: اختار لكم أو نصَّب، أو عيَّن لكم طالوت ملكاً. ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ﴾: ﴿أَنَّى﴾: تعني: كيف، ومن أين يكون له الملك؟! للتعجب والاستفهام. وفي هذا إنكار سريع لبعثه ملكاً عليهم، واستبعادٌ، فهو ليس من سبط النبوة (وهم بنو لاوي)، ولا من سبط الملوك (وهم بنو يهوذا). ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾: أي: أنه لا يستحق الملك؛ لوجود من هو أحق بالملك منه. ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾: أي: أنه فقير كذلك، ولم يؤت من المال ما يستعين به على إقامة الملك. ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾: ﴿قَالَ إِنَّ﴾: قال: لهم نبيهم إن للتوكيد. ﴿اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾: اختاره ملكاً عليكم، وهو أعلم منكم، ولا اعتراض على حكم الله. والاصطفاء: هو الاختيار من أشياء متشابهة؛ أي: اختاره من بينكم. ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾: بسطة تعني: سعة في العلم (كان من أعلم بني إسرائيل … ) بعلم الحروب، أو القتال، والجسم: طويل، عظيم القامة، يثير هيبة في القلوب. ارجع إلى الآية (٢٤٥) من نفس السورة لمقارنة أنواع البسطة ويبصط.

стр. 443

انتبه: هم أرادوا ملكاً ذا مال ونسب، والله سبحانه اصطفى لهم من هو ذو علم وقوة في القتال. ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ﴾: من الإيتاء، وهو أعم من العطاء، ليس فيه تملك يمكن استرداده، والإيتاء يكون للأمور المعنوية، والمادية، والإيتاء يستعلم للأمور العظيمة، والمهمة. ﴿يُؤْتِى مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾: من يجده صالحاً لملكه، من: ابتدائية. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾: الفضل، والعطاء يوسع على من ليس له سعة، ويرزق بغير حساب. ﴿عَلِيمٌ﴾: بمن يصطفيه للملك، ومن هو أحق بالملك من غيره، وعليم بأقوالكم، وأحوالكم، وما يصلحكم. سورة البقرة [٢: ٢٤٨] ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٢٤٧). ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿آيَةَ مُلْكِهِ﴾: علامة ملكه، أو دليل أنّ الله اصطفاه عليكم ملكاً. ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾: ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري للتوكيد. ﴿التَّابُوتُ﴾: الصندوق من الخشب أو الحجر توضع فيه جثة الميت، والتابوت هنا يعني صندوق خشبي مستطيل، وورد ذكر التابوت في القرآن في

стр. 444

هذه الآية، وفي سورة طه آية (٣٩) (أن اقذفيه في التابوت)، وجاء بأل التعريف في كلا الآيتين فقيل هو نفسه صندوق التّوراة صندوق الوصايا العشر (الألواح)، فقد اغتُصب منهم، وسرق، ولا يعلمون أين هو. ﴿يَأْتِيَكُمُ﴾: يرجع إليكم؛ أي: يُؤتى به إليكم من قبل الملائكة كدليل على أنّ طالوت هو الملك عليكم. ﴿فِيهِ﴾: أي: في التابوت، فيه: ظرفية؛ كظرف ومظروف. ﴿سَكِينَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾؛ أي: عودة التابوت تبعث فيكم السكينة من السكون؛ أي: الأمان، والاطمئنان، والراحة النفسية، والحلم، وهذه الآية تشير إلى ما بقي من آثار الرسل والأنبياء أن يتخذ أو يُعتبر وسيلة مصدر سكينة للناس وأمن للنفوس وأن يرعاها ويحتفظ بها الناس على شرط أن لا تتخذ ضرباً من الشرك أو تبعث على الشرك. ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى﴾: قيل: بعض الآثار الّتي تركها موسى، بعض الألواح، وفيه عصى موسى. والآل: هم الأهل، والأقارب، والأعوان، والأتباع، واستعمل الآل؛ لأنّ فيها معنى الإكرام، والثناء؛ لأنهم حافظوا على البقية بعد موت موسى، وهارون. ولو نظرنا إلى كيف كتبت بقية بالتاء المربوطة مقارنة بقوله تعالى في الآية (٨٦) في سورة هود ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ بالتاء المفتوحة (أو المبسوطة)، وفي الآية (١١٦) في سورة هود ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ بالتاء المربوطة نجد أن التاء المفتوحة أو المبسوطة جاءت في سياق الكثرة؛ أي: تشير إلى الكثرة وأما التاء المربوطة

стр. 445

جاءت في سياق القلة أو تشير إلى القلة. ارجع إلى سورة هود آية (٨٦) لمزيد من البيان. ﴿وَآلُ هَارُونَ﴾: قيل: عمامة هارون (أخ موسى). ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾: تحمل التابوت الملائكة، وتأتيكم به، ويوضع أمامكم. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة يفيد البعد، ويشير إلى رجوع التابوت إليهم. ﴿لَآيَةً﴾: اللام: للتوكيد. ﴿لَّكُمْ﴾: خاصة، وليس لغيركم. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الشكَّ، أو الندرة؛ أي: الشك في إيمانهم. ﴿كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: أي: في ذلك لمعجزة وحُجَّة كافية؛ لكي تؤمنوا بأن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً، ويبدو أنهم بعد عودة التابوت إليهم قبلوا؛ أي: رضوا بطالوت ملكاً، وبعدها راح طالوت يستعد للجهاد.

стр. 446

سورة البقرة [٢: ٢٤٩] ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَنْ لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: تدل على التعقيب، والمباشرة، وتدل أنّ طالوت لم يتأخر في الخروج للجهاد، ومعه جنوده. لما: ظرفية، حينية، تتضمن معنى الشرط. ﴿فَصَلَ﴾: خرج، وغادر، وكلمة فصل من الفصل، وهو العزل أن تزل شيئاً عن شيء آخر، ومثلها: فلما فصلت العير؛ أي: غادرت. ﴿طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾: أي: غادر بلده بالجنود جمع جندي، وجنود: فئة من الناس تدربوا للقتال، ومفروض فيهم القوة، والغلظة، والصبر، ولم يذكر عددهم؛ لعدم الأهمية، وهناك فرق بين جند وجنود؛ ارجع إلى سورة ياسين آية (٢٨) لمزيد من البيان. ﴿قَالَ إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ﴾: قال ابن عبّاس ﵄ وكثير من المفسرين: هو نهر الأردن المسمى بالشريعة.

стр. 447

﴿مُبْتَلِيكُم﴾: مختبركم، والابتلاء: هو الاختبار، والامتحان، والابتلاء: قد يكون في الخير، والشر. وقال: إن الله مبتليكم ولست أنا؛ أي: إنه هو الله الّذي سيجري عليكم الابتلاء؛ لمعرفة مدى طاعتكم لأمره، وقوله: إن الله مبتليكم، ولم يقل: أنا مبتليكم أقوى حافزاً على خوض الابتلاء من أنْ لو كان ابتلاءً من عند طالوت. وما هو هذا الابتلاء: كونهم عطشى، وأمامهم الماء، ويجب أن يمتنعوا عن الشرب منه إلَّا كما يوصيهم طالوت. ﴿بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَنْ لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾: فمن شرب من النهر فهو عاص لأمر الله (إذا شرب كما يريد، ولم يطع الأمر). ومن لم يشرب فهو مطيع لأمر الله، وإن شرب غرفة بيده هذا مباح، وهو مؤمن ومؤهل للجهاد في سبيل الله، فهو خارج في سبيل الله، والطعام، أو الشراب ليس هذا نيته، بل نيته حمل راية الجهاد. ونرى هنا: أنه سبحانه استبدل كلمة يشرب بقوله: يطعمه، ويطعمه من الطعام، والطعام يشمل الغذاء، والشراب، والشراب يتناول لوحده، أو مع الغذاء. ويبدو أنّ الشراب (وهو الماء) كانوا بحاجة ماسة له، فهو قد قام مقام الطعام، والشراب معاً؛ فهو رخص لهم الماء الممزوج بالطعام؛ أي: الماء القليل. وكذلك رخَّص لهم الغَرفة بالإضافة إلى يطعمه؛ ليزيل عنهم العامل النفسي في حبِّ الشرب.

стр. 448

﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾: هذه كانت هي النتيجة: فشل الكثير في الامتحان، الكثير شرب من النهر، كما يشاء، ولم يسمع إلى قول الله تعالى، ويفوز بالابتلاء. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾: والقليل لم يشرب، ولم يعص، وفاز بالابتلاء، وهم الّذين آمنوا معه. ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: تدل على المباشرة، والتعقيب؛ أي: استمر طالوت، والّذين آمنوا معه في سيرهم. ﴿جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: أي: عبر طالوت، والبقية الّذين آمنوا النهر. ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾: أي: مجرد أن رأى الّذين آمنوا جالوت وجنوده وعددهم وعدتهم قال قسم منهم، وهم ضعاف الإيمان، ومن خاف: لا طاقة لنا (لا مقدرة لنا)، والطاقة: أقصى المقدرة، وتختلف عن القدرة، أو القوة التي يتمكن بها المرء من أداء الأمور؛ لا طاقة لنا اليوم على جالوت وجنوده، وأما القسم الآخر الّذين آمنوا الإيمان الصادق، ولم يخافوا قالوا: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾:

стр. 449

﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ﴾: أنّ مصدرية، تفيد التّوكيد، وانتبه إلى هذه القاعدة في القرآن: إذا قرن الظن بأنّ أفادت اليقين؛ أي: أصبح الظن بمعنى العلم، واليقين. قالوا للذين خافوا وقالوا لا طاقة لنا بجالوت وجنوده: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة، أو قالوا ذلك محدِّثين أنفسهم ليبثُّوا روح الجهاد والشجاعة بينهم فلا يخافوا. ﴿كَمْ﴾: هنا الخبرية، وتفيد الكثير، فقد روي عن ابن عبّاس ﵄: أنّ الّذين آمنوا مع طالوت، وظنوا أنهم ملاقوا ربهم، وقالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ كان عددهم يقارب عدد أهل معركة بدر (٣١٤) مؤمناً. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية. ﴿فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾: العدد، والعدَّة انتصرت. و ﴿غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾: العدد والعدَّة، وفئة جاءت بصيغة التنكير الّذي فائدته، أو غرضه التكثير، والتعظيم، ولمعرفة تعريف الفئة؛ ارجع إلى الآية (١٣) من سورة آل عمران. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: الإذن: اسم للكلام الذي يفيد إباحة فعل أو قول، وبإذن الله تستعمل للعمل الّذي ليس لنا فيه تدخل، أو إرادة، أما لو قال: إن شاء الله: فهي تستعمل للأمور الّتي لنا تدخل فيها، وصادرة على إرادتنا. ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: يمدهم بعونه وينصرهم على عدوهم.

стр. 450

سورة البقرة [٢: ٢٥٠] ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: ﴿وَلَمَّا﴾: الواو: عاطفة، لما: ظرفية زمانية بمعنى: حين برزوا. ﴿بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾: ﴿بَرَزُوا﴾؛ أي: انكشفوا، وظهروا في ميدان المعركة على أرض مستوية متسعة، ورأوا جالوت وجنوده قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾: دعوا ربهم من دون استعمال ياء النداء الّتي تعني البعد، ولم يقولوا: يا الله؛ لأنه موقف عطاء، وطلب، وليس موقف عبادة، أو صلاة، ولم يقولوا: يا ربنا، فليس الرب بعيداً عنهم، وليس هناك زمن لاستعمال الياء، فهو زمن قتال وحرب. ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾: أي: اصبب علينا الصبر صباً؛ حتّى تمتلئ منه القلوب. ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾: في أرض المعركة، فلا ننهزم أمام عدوِّنا. ﴿وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: ﴿وَانصُرْنَا﴾: النصر بالقوة، والسلاح، والعدَّة على القوم الكافرين، وعلى: تعني العلو والمشقة. سورة البقرة [٢: ٢٥١] ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾: الفاء: للتعقيب، والترتيب، والمباشرة؛ أي: هزموا جالوت وجنوده في أرض المعركة. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية (٢٤٩) للبيان. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾: كيف قتل داود جالوت لم يذكره الله تعالى

стр. 451

لنا؛ لعدم فائدته المهم انتصر طالوت وجنوده على جالوت وجنوده، وانتهت المعركة. وظهر اسم داود لأول مرة في هذه المعركة. ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾: ﴿وَآتَاهُ﴾: أي: آتى الله داود ﴿الْمُلْكَ﴾: أي: أنعم عليه بالملك؛ أي: الحكم بعد موت طالوت. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: قيل: النبوة، والزبور. الفرق بين الإيتاء والعطاء: ـ الإيتاء: ليس فيه تمليك يمكن أن ينزع، أو يُسترد. ـ العطاء: فيه تمليك لا ينزع. ـ الإيتاء: يكون في الأمور العامة المعنوية، أو الحسية المادية، والمهمة، ويكون في الرّحمة، والنبوة، والكتاب، والحكمة، وغيرها. ـ العطاء: يكون في الأمور المادية، والحسية، والمالية. ـ الإيتاء: أعم من العطاء (فهو يشمل العطاء وغيره). ـ العطاء: أخص من الإيتاء. ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾: قيل: صناعة الدروع كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وعلمه الزبور: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾: الواو: استئنافية، لولا: حرف امتناع لوجود. الدفع: معناه الردُّ: يدفع الله أناساً بأناس، ومنه سُنة التدافع، يدفع بالقلة

стр. 452

المؤمنة الكثرة الفاسدة، ولولا مشروعية الجهاد والدفاع لاستولى أهل الكفر والفساد على الأرض بالظلم والشرك. ولكن الله يدفع المؤمنين ليقاتلوا الكافرين، ويعذب الكافرين بأيدي المؤمنين. فالذي يعمر الكون هو أن توجد فيه قوى متكافئة، أو فئة ضد فئة، أو حزب ضد حزب. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ﴾؛ أي: الله يدفع، ولكن بأيدي خلقه بعضهم بعضاً المؤمن بالكافر، والقوي بالضعيف، والعادل بالظالم، والمصلح بالمفسد، والغني بالفقير، وأهل المعروف بأهل المنكر. النّاس: ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة للبيان. ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾: اللام: لام التّوكيد، فسدت الأرض؛ أي: انتشر الفساد، وعمَّ فيها. والفساد لغة: هو الخروج عن حد الاعتدال، والاستقامة، والفساد: نقيض الصلاح، وهو الاستقامة على ما تدعو إليه الشريعة والحكمة. اصطلاحاً: انفلات الفرد، أو المجتمع عن ضوابط الشّرع؛ أي: عن منهج الله تعالى، والفساد يكون في التشريع، والشرك، والكفر، والبدع، أو التوجيه، والتربية، والأخلاق، والقتل، والسرقة، والحرابة، وإهلاك الحرث والنّسل، والعثو: هو كثرة الفساد، أو أشد الفساد، وأما الغي: يكون عادة في فساد الاعتقاد، والمذهب. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾: لكن: حرف استدراك وتوكيد. ﴿ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: ذو فضل تكرماً منه، ومنة على العالمين

стр. 453

بأن حد من الفساد، وأتاح لعباده المؤمنين أن يقيموا شعائر دينهم ويعبدوا ربهم ويتقوا شر المفسدين. لنقارن آية البقرة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. مع الآية (٤٠) من سورة الحج: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. آية البقرة: تتحدَّث عن حفظ الأمن في الأرض بحيث لا تستبد قوة حاكم طاغية بكل الدول الأخرى، وتسيطر على العالم كله، أو يسيطر الكفار على المؤمنين. أما آية الحج: تتحدث عن حفظ دور العبادة، والصلاة؛ بحيث لا تهدم، أو تدمر بقوة ما … سورة البقرة [٢: ٢٥٢] ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة يفيد البعد، ويشير إلى الآيات السابقة، الألوف الّذين خرجوا من ديارهم فأماتهم الله، ثم أحياهم، آيات بني إسرائيل وطالوت وجالوت وداود. ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾: نقرؤها عليك (أي: يتلوها جبريل عليك). والتلاوة تكون فقط من الكتب المنزلة، والتلاوة أخص من القراءة، ولها أجر، والتلاوة تكون لكلمتين أو أكثر، والقراءة قد تكون لكلمة واحدة وليس لها أجر، وأصل التلاوة اتباع الشيء بالشيء. ﴿بِالْحَقِّ﴾: بالصدق بلا تحريف أو تبديل. ارجع إلى الآية (١١٩) في نفس السورة لمزيد من البيان في معنى الحق.

стр. 454

﴿وَإِنَّكَ﴾: إن: للتوكيد، واللام في ﴿لَمِنَ﴾: زيادة التّوكيد. ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: من رُسل الله فعلمك لهذه الآيات دليل كاف على أنك من المرسلين، وهذا يكفي رداً على قول الّذين كفروا ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣]. وإذا نظرنا في القرآن نجد: أنّ هذه الآية ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾: تكررت ثلاث مرات، وإذا أردنا معرفة ترتيب نزول هذه الآيات، وليس حسب ترتيب السور في القرآن نجدها: أول مرة نزل في سورة الجاثية، آية (٦): ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. ثاني مرة نزلت في سورة البقرة (٢٥٢): ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. ثالث مرة نزلت في سورة آل عمران (١٠٨): ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾.

стр. 455

سورة البقرة [٢: ٢٥٣] ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾: قال تعالى في الآية السابقة: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ثم أتبعها بقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾: تلك: اسم إشارة للبعد. إشارة إلى الرسل الّذين بعثهم الله سبحانه إلى النّاس كافة. الرسل تشمل كل من اختير وكلف، وأرسل من قبل الله سبحانه؛ لحمل رسالة معينة، وتبليغها، ومتابعتها. فكلمة الرسل: قد تعني كل الأنبياء، وكل رسول، فالكل مرسل من قبل الله تعالى. وقد تعني: الرسل وعددهم (٣١٥) رسولاً، وقيل في عدد الأنبياء: مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، كما روى الإمام أحمد في مسنده حين سأل أبو ذر ﵁ رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء، قال ﷺ : مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمئة وخمسة عشر». وأفضل ما قيل في تعريف الرسول: من أُوحي إليه بشرع جديد، وأمر بتبليغه.

стр. 456

والنبيُّ: هو المبعوث لتقرير شرع من قبله وتبليغه. ارجع إلى سورة النساء آية (١٦٤) لمزيد من البيان. وذكر الله سبحانه في كتابه (٢٥) نبياً ورسولاً، من هؤلاء أربعة من العرب هم: هود ﵇، وصالح ﵇، وشعيب ﵇، ومحمد ﷺ . ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: الفضل لغة: الزيادة في الأجر، واصطلاحاً: الزيادة في الدرجات في الجنة، وكذلك القرب من الله تعالى في المنزلة كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣]، ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤]، ونا الجمع تدل على التشريف، وأفضل الرسل والأنبياء هم خمسة: محمّد ﷺ ، وإبراهيم ﵇، وموسى ﵇، وعيسى ﵇، ونوح ﵇، وهم أولوا العزم من الرسل، وأجمعت الأمة على أنّ الرسل أفضل من الأنبياء. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾: في المنزلة، والفضل بالقرب من الله ، ودرجاتٍ في الجنة: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. فالرّسول محمّد ﷺ : هو خاتم النّبيين، وأرسل كافة للناس بشيراً ونذيراً. وأمثال إبراهيم ﵇: كان أمة، واتخذه الله خليلاً. وأمثال عيسى ﵇: آتيناه البينات وأيدناه بروح القدس، ارجع إلى الآية (٨٧) للبيان. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾: أي: قوَّيناه بروح القدس جبريل ﵇، فكان في صحبة لا يفارقه في كل أمر من أمور الدِّين. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَنْ كَفَرَ﴾:

стр. 457

﴿اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم﴾: من بعد الرسل، والّذين اقتتلوا هم الأمم الّتي جاءت من بعد الرسل. فاليهود اختلفوا في دينهم، وتفرقوا شيعاً، والنصارى اختلفوا وانقسموا شيعاً، وكذلك أمة محمّد ﷺ صاروا شيعاً. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: أي: المعجزات، والدلائل على صدق نبوة الرسل: محمّد ﷺ ، وعيسى ﵇، وموسى ﵇، وغيرهم، وأنهم رسل الله، ويجب الإيمان بهم جميعاً. وهناك فرق بين جاءتهم البينات (تاء التأنيث)، وجاءهم (بالتذكير). البينات، والتذكير: فيه معنى القوة، ويستعمل جاءهم البينات: في سياق الأوامر، والأحكام، والآيات، ويستعمل جاءتهم البينات: في سياق الأدلة، والمعجزات الدالة على صدق نبوة الرسل؛ أي: الأقل شأناً. إذن: البينات يمكن أن تذكر، أو تؤنث، وانتبه إلى ذلك في الحفظ. ﴿اخْتَلَفُوا﴾: في المذاهب، والعقائد، والآيات، والأحكام، والتحريف، والتبديل، والنسيان، واختلفوا بسبب الأهواء، والحسد، وحب السيطرة، وحب الدّنيا. ﴿فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ﴾: بالرسل وبما أنزل الله، ﴿وَمِنْهُم مَنْ كَفَرَ﴾: وتكرار منهم: يفيد التّوكيد، كفروا بالله ورسله وفرقوا بين الله ورسله، وقالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾: لو: شرطية؛ أي: الّذين آمنوا، والّذين كفروا، ولكن اقتتلوا؛ لكي لا يحدث فسادٌ في الأرض، وليحق الحق، ويبطل الباطل، ولو كره المجرمون.

стр. 458

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾: تكرار (ولو شاء الله ما اقتتلوا): يفيد زيادة التّوكيد على أهمية القتال، والجهاد في سبيل الله، وعلى مشيئة الله تعالى، فلو شاء لما حدث الخلاف، ولو شاء لما حدث القتال، ولكن ليمحص الله المؤمنين ويمحق الكافرين. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾: للاستدراك، والتوكيد، ﴿يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾: ولم يقل: يفعل ما يشاء، فما هو الفرق؟ المشيئة: تكون أولاً، ثم الإرادة ثانياً، فالمشيئة تسبق الإرادة. فالمشيئة: هي ابتداء العزم على الفعل، والإرادة هي العزم على الفعل، أو ترك الفعل. فقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾؛ أي: إذا صدر الحكم منه بكن فيكون. سورة البقرة [٢: ٢٥٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بأمر تكليفي جديد: هو الإنفاق. ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾: الإنفاق: هو إخراج المال من الملك، فلا يعد يتملكه، بينما الإعطاء: يمكن أن تعطي زيداً ثوباً ليخيطه لك ويعيده إليك، فلا يخرج من ملكك. والنفقة الواجبة: هي الزكاة.

стр. 459

والنفقة المستحبة: هي نفقة التطوع، فالآية لم تحدد نوع الإنفاق فهي تحث على الإنفاق بكل أنواعه. وغاية الإنفاق هو التقرب إلى الله تعالى، وطاعة أوامره. ﴿مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾: مما؛ أي: من ابتدائية بعض ما رزقناكم (من البعضية)، وليس كل ما رزقناكم؛ أي: أنفقوا من رزقي عليكم. وفي آيات أخرى قال: ١ - ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ٢ - ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]. ٣ - ﴿وَأَنْفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. ٤ - ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: ﴿مِنْ﴾: للابتداء، ﴿قَبْلِ﴾: ظرف زمان، ﴿أَنْ﴾: للتوكيد. ﴿يَأْتِىَ﴾: ولم يقل: يجيء، المجيء: فيه معنى الصعوبة، والمشقة، ويأتي: فيه معنى السهولة؛ لأنه لم يأت بعد. ﴿يَوْمٌ﴾: نكرة، ويعني: يوم القيامة، وجاء نكرة لما فيه من الأحداث، والأهوال العظام. ﴿لَا﴾: النّافية، وهي أقوى في النفي من ليس. ﴿بَيْعٌ﴾: البيع: أصله الكسب، والناتج عن تبادل أثمان السلع، لا بيع فيه؛

стр. 460

أي: لا فداء فيه؛ لأنّ البيع يوم القيامة يعني الفداء، أو لا إنفاق فيه؛ لتدارك ما فاتكم من الإنفاق، فكل مصارف البيع، والإنفاق معطلة في ذلك اليوم. ﴿فِيهِ﴾: ظرف زماني ومكاني؛ يعني: للظرف والمظروف اليوم. ﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾: تكرار لا النّافية؛ ليزيد التّوكيد ولفصل كل منهما على حدة، لا بيع لوحده، ولا خلة لوحدها، ولا كلاهما معاً، وجاءت نكرة: لتشكل كل خلة. والخلة: تعني المودَّة، والصداقة، والتكريم، وسمِّيت المودَّة خلة؛ لتخللها في النفس، وجمعها خِلال. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٢٥). ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾: لا وساطة، وجاءت نكرة؛ لتشمل كل شفاعة غير مقبولة مهما كان نوعها، مثل: شفاعة إبراهيم ﵇ في آزر، أو شفاعة الّذين آمنوا في المشركين. وهناك استثناء في باب الشفاعة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]، فهناك الشفاعة المقبولة، مثل شفاعة الرّسول ﷺ ، وشفاعة أهل التّقوى والإحسان. هذا من باب الإطلاق المقيد. ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: الكافرون: جمع كافر ويعني الكفر بالدين وتدل على أن صفة الكفر عندهم ثابت وتدل على العمل وهو الكفر. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل يفيد القصر المبالغ فيه؛ أي: هم المختصون بصفتي الكفر، والظلم دون غيرهم، ولو قال: والظالمون هم الكافرون؛ لشملت هذه كثيراً من النّاس، والله سبحانه لا يظلم مثقال ذرة. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لبيان معنى الكفر.
следующие страницы →