Полный текст (5 934 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
وجه الله: مرضات الله وثوابه ورضوانه؛ أي: لا يريدون سمعة ولا رياءً ولا شهرة إلا الإخلاص والإيتاء لوجه الله فقط.
﴿وَأُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد والكاف للخطاب، تفيد العلو.
﴿هُمُ﴾: للتوكيد.
﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون بالجنة والناجون من النّار. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥) للبيان.
ثم ذكر نوعين من الإيتاء: الإيتاء الأول المحرّم أو القبيح وهو: الربا، وأما الثاني فهو الحسن والمقبول وهو: الزّكاة.
سورة الروم [٣٠: ٣٩]
﴿وَمَا آتَيْتُم مِنْ رِّبًا لِّيَرْبُوَا فِى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: شرطية.
﴿آتَيْتُم مِنْ رِّبًا لِّيَرْبُوَا فِى أَمْوَالِ النَّاسِ﴾: آتيتم في لغة العصر تعني: توظيف الأموال أو استثمار الأموال الزائدة عن حوائجكم.
﴿مِنْ رِّبًا﴾: من لبيان الجنس؛ أي: من جنس الربا، والربا ربا النسيئة وربا الفضل. والربا في اللغة: الزيادة والنمو، واصطلاحاً: عند الفقهاء: إما ربا الجاهلية (ربا القرض): وهو الزيادة في الدين مقابل التأجيل سواء اشترطت عند حلول الأجل أو في بداية الأجل، و (إما ربا البيوع) وهو نوعان: الأول: ربا الفضل: وهو الزيادة في أحد البدلين الربويين المتفقين جنساً. الثاني: ربا النسيئة: وهو تأخير القبض في أحد البدلين الربويين المتفقين في علة الربا وليس أحدهما نقداً. وباختصار الربا: كل زيادة مشروطة مقدماً على رأس المال مقابل الأجل وحده.
стр. 3957
﴿لِّيَرْبُوَا فِى أَمْوَالِ النَّاسِ﴾: تعني: توظفوا أموالكم أو تستثمرونها عند من تطمعون أن يردّها إليكم بأكثر منها؛ أي: بأكثر من رؤوس أموالكم؛ (أي من يتداولون بالربا) ربا النسيئة أو ربا الفضل.
﴿لِّيَرْبُوَا﴾: اللام لام التّعليل والتّوكيد.
﴿فِى أَمْوَالِ النَّاسِ﴾: في أموال النّاس؛ لأن أموال الّذين يتعاملون بالربا كالبنوك وشركات الأسهم هي من أموال النّاس وليست أموال فرد معين أو أموالهم؛ أي: ما تستودعونه أو تضعونه في البنوك أو شركات الأسهم وغيرها؛ ليزداد ويكثر في تلك الأموال الربوية.
﴿فَلَا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي لا يزكو ولا يبارك الله فيه ويضاعفه، وقد يربو عندك بالزيادة التي تأخذها من الفائدة أو الأرباح الكاذبة.
﴿وَمَا آتَيْتُم مِنْ زَكَاةٍ﴾: ما: شرطية كالسابقة، التكرار للتوكيد، آتيتم: أعطيتم أو أنفقتم، من: ابتدائية بعضية.
﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾: تبغون رضا وثواب الله، وبدون قصد الشهرة والسمعة أو الرياء.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد، أولئك: اسم إشارة يفيد البعد؛ أي: العلو والمدح.
﴿هُمُ﴾: للتوكيد.
﴿الْمُضْعِفُونَ﴾: جمع: مضعف، اسم فاعل من الفعل الرباعي: أضعف؛ أي: صار ذا ضعف؛ أي: المضعفون ثوابهم وأجرهم، أو ذوو الأضعاف الكثيرة من الحسنات، وكما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] أو
стр. 3958
تعني: الّذين يخرجون أو يتصدقون بنسبة تفوق نسبة الزّكاة نسبة تصل إلى (٥% أو ١٠%) من أموالهم أو أكثر.
انتبه إلى كيفية كتابة الربا في هذه الآية، فهذه الآية هي الوحيدة أو المرة الواحدة فقط التي كتبت بهذا الشكل الربا، بينما في باقي الآيات كتبت بالشكل التالي الربوا، وتبين أن كتابة الربا بهذا الشكل تعني: أقل أنواع الربا، أما كتابة الربوا بهذا الشكل تعني: الربا الّذي فيه كثرة وزيادة، والله أعلم.
ملاحظة أخرى: يدخل في الربا أن يهدي الرجل للرجل شيئاً ويقصد أن يثيبه عليه أكثر من ذلك. هذا قول ابن عباس.
ملاحظة أخرى: الانتقال من صيغة المخاطب (وما آتيتم من زكاة)، (فأولئك) بصيغة الغائب: للفت الانتباه؛ أي: المضعفون ليسوا فقط هم الّذين يزكون أموالهم فهناك غيرهم المضعفون ممن يعملون الصالحات.
سورة الروم [٣٠: ٤٠]
﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَىْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
بعد أن توقف عن السؤال (أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون) يستأنف السؤال من جديد لتقرير عقيدة التوحيد والتنديد بالشرك.
﴿اللَّهُ الَّذِى﴾: الله: الاسم الدال على واجب الوجود؛ أي: الإله المعبود، الذي: اسم موصول يفيد التعظيم والمدح.
﴿خَلَقَكُمْ﴾: في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، والخلق لغة يعني: التقدير، ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدَّكم.
﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾: ثم تفيد الترتيب والتراخي.
стр. 3959
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾: بعد انقضاء آجالكم.
﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾: يوم البعث.
﴿هَلْ﴾: للاستفهام الإنكاري والنفي.
﴿مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾: من: استغراقية تشمل كل الشركاء الّذين اتخذتموهم شركاء لله تعالى.
﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾: من: استفهامية للتعليل، يفعل: تفيد التجدد والتكرار والاستمرار.
﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾: من: للتوكيد ونفي الجنس، ذلكم؛ أي: الخلق والرزق والإماتة والإحياء، (ذلكم) ولم يقل ذلك؛ للتعظيم والمبالغة، ولأن (ذلكم) تشير إلى عدة أمور هي: الخلق والرزق والإماتة والإحياء.
﴿مِنْ شَىْءٍ﴾: من: للتوكيد، شيء: الشيء: هو كل ما يُعلم ويخبر عنه سواء أكان حسياً أم معنوياً، وهو أقل القليل، وشيء: نكرة؛ تعني أيَّ شيء ولو قلَّ.
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: تنزّه وتقدّس في ذاته وصفاته وأفعاله، وتعالى وتعاظم أن يكون له شريكٌ أو ندٌّ أو ولدٌ.
سورة الروم [٣٠: ٤١]
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾: ظَهَرَ: بان وانتشر وأصبح ظاهراً للعيان.
و (ظهر) يعني: كان موجوداً بالفعل ولكننا كنا لا نراه، أو يستحي من يفعله أن يخبروا عنه أو يطلعوا النّاس عليه. أما الآن فالكل يراه ويعلم به ويفعلونه جهراً وعلناً.
﴿فِى الْبَرِّ﴾: في: ظرفية، البر: في الأرض.
الفساد يعني: القتل وإهلاك الحرث والنسل، والشرك وارتكاب المعاصي،
стр. 3960
والفواحش، والظلم، والربا، والزنى، وشرب الخمور والفجور، والفسوق، والعصيان.
﴿فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: في الأرض، و (في البحر) في الفلك، وعلى شواطئ البحار، والمتنزهات والجزر.
﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى﴾: الباء: للإلصاق باء السببية، ما: اسم موصول بمعنى الّذي، ما: للعاقل وغير العاقل.
كسبت: (كسبت) ولم يقل اكتسبت؛ لأن ارتكاب المعاصي والفواحش أصبح شيئاً سهلاً يمارس بكثرة وبلا جهد أو حياء، وكأنه أصبح أمراً عادياً أمراً مباحاً يمارسه الكثير علناً وبلا خوف أو رادع.
﴿أَيْدِى النَّاسِ﴾: اختار الأيدي؛ لأن معظم المعاصي والسيئات تُرتكب بالأيدي، أو هي الوسيلة للقيام بالفساد مثل القتل والظلم والربا، ولم يقل عملت أيدي النّاس، قال: (بما كسبت)؛ لأن السياق في الآيات التي تتحدث عن الربا والزكاة والمال سياق في الكسب؛ تعني: ما فعلوه من معاصي وآثام وفواحش وظلم وطغيان وهو زيادة (أو كسب) على ما لم يفعلوه من عدم الطاعة كالصلاة والإنفاق في سبيل الله والصيام وغيرها من العبادات.
﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُوا﴾: اللام: للتوكيد والتّعليل، يذيقهم بعض الّذي عملوا: يذيقهم في الدّنيا قبل الآخرة؛ أي: عاقبة بعض أعمالهم وليس كلها.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعل: للتعليل، يرجعون: يتوبون إلى الله ويعودون إلى الطاعة والصلاح، ويرجعون عن ارتكاب المعاصي.
стр. 3961
سورة الروم [٣٠: ٤٢]
﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ﴾:
هذه الآية تتمة للآية السّابقة: (ليذيقهم بعض الّذي عملوا لعلهم يرجعون) ولمَ لا يسيرون في الأرض فينظروا بأنفسهم كيف كان عاقبة الّذين من قبل.
﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ ﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾. ارجع إلى الآية (٩) من السّورة نفسها للبيان.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: تعني منذ زمن قصير ليس زمناً بعيداً.
﴿كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ﴾: والقليل كانوا من المؤمنين. كان: قد تدل على الزّمن الماضي أو الحاضر. مشركين: باتخاذ الآلهة أو بأنّ لله ولداً أو الملائكة بنات الله وغيرها.
سورة الروم [٣٠: ٤٣]
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾:
هذه الآية متصلة بالآية السّابقة (كان أكثرهم مشركين) فلا تكونوا أمثالهم، فأقيموا وجوهكم للدين القيّم.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾: الفاء: للتوكيد.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة رقم (٣٠) للبيان، والخطاب وإن كان موجّهاً إلى رسول الله ﷺ فالمقصود منه أتباعه من المؤمنين.
стр. 3962
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾: بالإخلاص والتوحيد توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، والاستقامة على دين الإسلام.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: أي من قبل أن يأتي يوم القيامة الّذي لا يقدر على ردِّه أو دفعه، أو تأخيره أو منع عذابه وأهواله أحد. أو أن الله سبحانه إذا قضى الأمر لا يعود ولا يرجع فيه.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾: أي يتصدّعون؛ أي: يتفرّقون، مشتقّة من: تصدّع البناء؛ أي: تشقّق؛ أي: ينفصل بعضهم عن بعض: المؤمن عن الكافر، فريق إلى الجنة وفريق إلى السعير.
سورة الروم [٣٠: ٤٤]
﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾:
﴿مَنْ كَفَرَ﴾: من: شرطية، ومن تصلح للمفرد والمثنى والجمع، كفر بالله تعالى وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر.
﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾: الفاء: للتوكيد، عليه: على تفيد الاستعلاء والمشقة والعلو؛ أي: فعليه وبال كفره أو عليه وزره.
﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾: من: الشّرطية كالسابقة، عمل صالحاً: الفروض والنوافل.
﴿فَلِأَنفُسِهِمْ﴾: الفاء: للتوكيد، أو رابطة لجواب الشرط، واللام لام الاختصاص والاستحقاق. له: تفيد النفع.
﴿يَمْهَدُونَ﴾: مأخوذة من المهد وهو: فراش الطفل، ومهَّد فراشه؛ أي: وطّأه، يوطّئون لأنفسهم منازل في الجنة. مهد لنفسه الطريق إلى الجنة، أو مهد لنفسه بعمله الصالح؛ أي: سهّل لنفسه دخول الجنة.
стр. 3963
انتبه إلى قوله (من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً) جاءت بصيغة المفرد، أما قوله: (فلأنفسهم يمهدون) جاءت بصيغة الجمع ولم يقل فلنفسه يمهد، قالوا: لأن ثواب عمله الصالح الّذي يعمله لنفسه كذلك تستفيد منه ذريته. كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾. [الطور: ٢١].
ولماذا قدّم الكفر على الإيمان فقال: (من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً فلأنفسهم) أي: قدّم الكافر على الّذي يعمل صالحاً؛ لأنّ سياق الآيات في الحديث عن الفساد في البر والبحر كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [آية: ٤١]، وكذلك قوله تعالى في الآية (٤٢): ﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ﴾، وكذلك لكثرة الكافرين مقارنة بعدد المؤمنين.
ولماذا قال: (من عمل صالحاً) ولم يقل آمن وعمل صالحاً؛ لأن العمل الصالح لا يُقبل إلا بالإيمان؛ أي: لا يُقبل إلا إذا كان مقترناً بالإيمان فلا داعي لذكر الإيمان، أو لأنه ذكر الإيمان في الآية القادمة (٤٥).
سورة الروم [٣٠: ٤٥]
﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾:
هذه الآية متصلة بالآية السّابقة: (فلأنفسهم يمهدون) ليجزي الّذين آمنوا وعملوا الصالحات.
﴿لِيَجْزِىَ﴾: اللام: لام التّعليل والتّوكيد.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: قرن العمل الصالح بالإيمان فلا يكفي أحدهما على حدة، وقد يتعرض العمل الصالح إلى محبطات كثيرة تجعل كثيراً من الأعمال الصالحة هباءً منثوراً وعلى رأسها الشرك.
стр. 3964
﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: الفضل: الزيادة عما يستحقه من الأجر، فمن فضله وكرمه يُدخلُ الّذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة، ولا يدخلونها بعملهم مهما كان.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾: الكافرين: أي الّذين أصبح الكفر صفةً ثابتةً عندهم، وقوله: (لا يحب الكافرين) فيها تهديد ووعيد لهم.
في هذه الآية نلاحظ أنه قدّم الّذين آمنوا وعملوا الصالحات على الكافرين؛ لأنّه أسند الجزاء إلى نفسه، قدّم المؤمن على الكافر إظهاراً لكرمه ورحمته وحبه للمؤمنين، وفي هذه الآية إيجاز وحذف مع ظهور المعنى بدلالة السياق، فمثلاً:
ليجزي الّذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله وليجزي الّذين أساؤوا بما عملوا إنه لا يحب الكافرين.
ولا يظن أحد مهما عمل من عمل صالح وأخلص لوجه الله وسعى أنه يوجب على الله سبحانه أيَّ أجر أو جزاء مهما كان؛ لأنه سبحانه غني عن العالمين وعن إيمانهم، حتى ولو كانوا على أتقى قلب رجل في الدّنيا.
سورة الروم [٣٠: ٤٦]
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِىَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
المناسبة: (ومن آياته) هذه المرة السابعة التي يعيد ذكر (ومن آياته) (كما رأينا في الآيات: ٢٠ - ٢٥) الدّالة على ربوبيته وألوهيته ووحدانيته، والبعث وقدرته وعظمته. أو هذه الآية متصلة بقوله تعالى: (ليجزي الّذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله)، ثم ذكر سبحانه (من فضله علينا أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله).
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: ارجع إلى الآية (٢٠)
стр. 3965
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾: التي تحمل السحاب وتبشّر بنزول المطر الّذي يُحيي الأرض بعد موتها، وبالتالي يخرج به الزرع والحب والنخيل والأعناب. يرسل: تفيد التجدد والتكرار. مبشرات: من البشارة؛ أي: الخبر السار. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩) وسورة النحل آية (٨٩) للبيان.
من خصائص القرآن أن كلمة (الرياح) تحمل في معناها الخير، بينما كلمة (الريح) تحمل في معناها الشر والدمار؛ أي: يستعمل الرياح في سياق الخير ويستعمل الريح في سياق الشر.
﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَّحْمَتِهِ﴾: اللام للتوكيد والتّعليل، من: بعض رحمته؛ أي: من خيره بنزول المطر الّذي يؤدّي إلى الخصب وسعة الرزق والغنى.
﴿وَلِتَجْرِىَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾: اللام للتوكيد والتّعليل، الفلك: السفن في البحر تجري بسبب الرياح، والله هو الّذي يُزجي الفلك في البحر.
﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: اللام للتوكيد والتّعليل بنقل التجارة في البحر والصيد والسياحة وغيرها من أنواع الفضل، والواو في (ولتبتغوا من فضله) بجريان الفلك وغيرها من وسائل ابتغاء الرزق، وزيادة الواو في كلمة ولتبتغوا: تدل على منافع، أو نعم أخرى لم تذكرها الآية.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: لعلكم: للتعليل، تشكرون: المنعم على فضله ونعَمِه وتؤمنوا به وتوحّدوه، ومجيء الواو في (ولعلكم) تعني: لعلكم تشكرون هذه النِّعم وغيرها من النِّعم التي لم تُذكر. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لمزيد من البيان في معنى الشكر.
стр. 3966
سورة الروم [٣٠: ٤٧]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
المناسبة: بعد ذكر الآيات الدّالة على عظمته وقدرته ووحدانيته، وعلى قدرته على البعث والإحياء، يذكر أمراً آخر وهو: إرسال الرّسل والأنبياء وما حدث لمن كذبهم.
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، وقد: للتحقيق.
﴿أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا﴾: أرسلنا، ولم يقل بعثنا، لمعرفة المعنى والفرق بينهما ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة.
﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: تعني منذ زمن غير بعيد، والخطاب موجَّهٌ إلى رسول الله ﷺ .
﴿رُسُلًا﴾: الرّسل هنا تعني: الأنبياء والرّسل فالكل رسل من الله، وإن كان هناك فرق بين الرسول والنبي. ارجع إلى سورة النساء آية (١٦٤) للبيان.
﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾: كل رسول أرسل إلى قومه؛ لكونه يعرفهم ويعرفونه وليس غريباً عنهم.
﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: الفاء: تدل على المباشرة، بالبينات؛ أي: الأدلة والبراهين الدّالة على صدق الأنبياء وصدق نبوتهم ودعواهم إلى الإيمان والتوحيد. الباء في (بالبينات) تدل على الإلصاق والاستمرار.
﴿فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾: حذف ما حدث بعد المجيء بالبينات ولم يقل فكذبوهم وأعرضوا، ولم يؤمنوا وتمادوا بعد ذلك بالتحدي والإنكار والضلال، وانتقل إلى: (فانتقمنا منهم) بصيغة الجمع والتعظيم؛ للدلالة على شدة الانتقام؛ أي: أهلكناهم جميعاً.
стр. 3967
﴿مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾: أي من الّذين كفروا وأشركوا وعصوا وقتلوا أنبياءهم وحاربوا دينهم. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥) لبيان معنى أجرموا.
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: وكان: كان تشمل كل الأزمنة، حقاً: من الحق وهو: الأمر الثابت الّذي لا يتغير ولا يتبدل؛ أي: وعداً علينا نصر المؤمنين على الكافرين بإهلاك الكافرين وتدميرهم، وإنقاذ المؤمنين من شرهم وأذاهم.
سورة الروم [٣٠: ٤٨]
﴿اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِى السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾:
﴿اللَّهُ﴾: سبحانه ﴿الَّذِى يُرْسِلُ﴾.
﴿الرِّيَاحَ﴾: في القرآن تدل على الخير، و (الريح) تدل على الشر والدمار. ارجع إلى الآية السّابقة (٤٦) من السّورة نفسها.
﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾: السحاب: عبارة عن بخار الماء المتبخر من البحار والأرض، وله أربعة أنواع:
١ - السحب الضبابية: تشكل الضباب.
٢ - السحب المبسوطة: أي المتصلة ببعضها.
٣ - الكسف: جمع كِسفة: أي قطعة ثم يجعله كِسفاً؛ أي: قِطعاً وتحمل المطر.
٤ - السحب الركامية: تسبب المطر والرعد والبرق والثلج.
﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: المطر.
﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾: من هذه الكسف أو القطع.
﴿فَإِذَا﴾: ظرفية للمستقبل؛ تستعمل للشيء المحقق حدوثه.
стр. 3968
﴿أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: هطل المطر على من يشاء من عباده.
﴿إِذَا﴾: الفجائية.
﴿هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: بنزول المطر الّذي يخرج به الزرع والحب والخصب، والثمر والحصاد والرزق.
ارجع إلى الآية (٤٣) من سورة النور لمزيد من البيان.
سورة الروم [٣٠: ٤٩]
﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: للتوكيد.
﴿كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم﴾: كانوا تعود على (عباده)، من قبل: من: ابتدائية، قبل: ظرف زماني؛ أي: قبل إرسال الرياح وإنزال المطر.
﴿أَنْ﴾: للتوكيد.
﴿يُنَزَّلَ عَلَيْهِم﴾: الودق أو المطر.
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: من: ابتدائية، قبله: أي من قبل نزول المطر.
﴿لَمُبْلِسِينَ﴾: اللام للتوكيد، مبلسين: جمع مبلس، والإبلاس: القنوط والسكون والكآبة؛ أي: قانطين مكتئبين؛ لعدم نزول الودق. مبلسين: جملة اسمية تدل على الثبوت؛ أي: مصابين بيأس أو قنوط دائم مستمر.
سورة الروم [٣٠: ٥٠]
﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْىِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
﴿فَانظُرْ﴾: الفاء: للتوكيد، انظر: نظرة قلبية فكرية تبصرية، نظرة تأمل وتعقّل؛ لتصل بها إلى الحقيقة.
стр. 3969
﴿إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾: آثار جمع: أثر؛ أي: آثار رحمت الله؛ أي: المطر والزرع والثمر والرزق والمال.
آثار: أي ما ترك أو خلّف وراءه: كيف أصبحت الأرض مخضرّةً بعدما كانت يابسة هامدة ميتة.
﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام، وتحمل معنى التعجب.
﴿يُحْىِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بعد موتها؛ أي: بزمن قريب أو بعيد، ولم يقل من بعد؛ تعني فقط من قريب. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٦٣) للبيان.
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾: إن: للتوكيد، ذلك: اسم إشارة للبعد يفيد المدح والتعظيم؛ أي: القادر على إحياء الأرض بعد موتها.
﴿لَمُحْىِ الْمَوْتَى﴾: اللام لام التّوكيد، ومحيي الموتى: اسم فاعل يفيد الثبوت، محيي الموتى بعد موتهم يوم البعث. ارجع إلى الآية (١٩) من السّورة نفسها للبيان.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير يفيد التّوكيد.
﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ارجع إلى الآية (٢٠) من سورة البقرة للبيان.
стр. 3970
سورة الروم [٣٠: ٥١]
﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾:
﴿وَلَئِنْ﴾: الواو استئنافية، لئن: اللام للتوكيد، وإن: شرطية تفيد الاحتمال وقلة الحدوث؛ لأن الريح التي تحمل الشر والدمار قليلاً ما تحدث.
﴿أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾: ريحاً: مثل ريح السَّموم أو ريح العقيم أو ريح صرصر عاتية، أي ريحاً ضارة لا نفع منها، أرسلناها على الزرع والثمر.
﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾: رأوا زرعهم أو حرثهم أو نباتهم مصفراً يابساً أصفر اللون بعد الاخضرار، مما يدل على موت الزرع والنبات وأنه سيصبح حطاماً.
﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾: اللام: للتوكيد، ظلوا: من الظلّ؛ أي: استمروا طوال النهار. من بعده: من بعد اصفرار الزرع والنبات والحرث. يكفرون: الكفر هو: الستر؛ أي: ينكرون نِعَم الله الأخرى وما سلف، وييئسون من روح الله وفرجه ﴿إِنَّهُ لَا يَايْئَسُ مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
وهذا دليل على ضعف إيمانهم، وما هو إلا فتنة لهم ولكن لا يشعرون.
سورة الروم [٣٠: ٥٢]
﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾:
المناسبة في الآية السّابقة قال تعالى: (لظلوا من بعده يكفرون) أي: الكفار وفي هذه الآية يقول الله سبحانه لرسوله: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: أي الكفار،
стр. 3971
فجعلهم في حكم الأموات وهم لازالوا أحياء يرزقون؛ لأنهم لا ينتفعون بما يسمعون من آيات الله ولا من وعد ولا وعيد.
وكذلك ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ المصابين بالصَّمم في آذانهم؛ لأنهم لا يريدون الاستماع إليك. شبَّههم بالصمّ؛ لأنهم عطّلوا حواسهم ويحاولون أن يولُّوا مدبرين بالفرار والهرب منك خوفاً من أن يسمعوا آية أو حديثاً يقضُّ مضاجعهم.
ولا تسمع: تكرار (لا) لتوكيد النّفي.
﴿الدُّعَاءَ﴾: حين تدعوهم للهدى والإيمان.
﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾: أي إذا ولَّوا إليك ظهورهم وانصرفوا عنك، ولم يعد هناك أمل في عودتهم، فما عليك إلا البلاغ.
سورة الروم [٣٠: ٥٣]
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْىِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾:
وإذا قارنا هذه الآية: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ﴾ بحذف الياء، وفي الآية (٨١) من سورة النمل قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِى﴾ بإضافة الياء، وإذا جمعنا الآيتين معاً؛ أي: أنت يا محمد ﷺ لن تكون قادراً على هداية هؤلاء العمي هداية المعونة أو الهداية الخاصة للدخول في الإسلام مهما حاولت، أو استغرقت من الزمن الطويل أو القصير، وسواء أكانت هدايتهم تحتاج إلى زمن طويل، أم قصير.
سورة الروم [٣٠: ٥٤]
﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾:
هذا دليلٌ آخر على قدرة الله وعظمته في خلق الإنسان، والتدرج في منحه
стр. 3972
القوة والقدرة ثم نزعها منه فهو يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء ولا مدبِّر ولا مغيِّر لخلقه أو حكمه، وهذا دليلٌ آخر على قدرته على البعث والإحياء.
﴿اللَّهُ﴾: تقديم الفاعل يدل على الاهتمام والتعظيم والحصر.
﴿الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾: من: ابتدائية؛ أي: ابتدأ خلقكم، ضَعف: بفتح الضاد، وهناك من يقرأها بضم الضاد مثل الفَقر والفُقر؛ أي ضعف الطفولة يحتاج إلى من يطعمه ويرعاه، وينظفه ويحمله، ويعلّمه ويمدّه بالحنان، وينفق عليه ويقف بجانبه.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾: ثم: للترتيب والتراخي في الزّمن.
جعل: صيَّر من بعد الطفولة قوّةً؛ أي: قوة الشباب والفتوة.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾: ثم: للترتيب والتراخي من بعد مرحلة الشباب مرحلة الشيب والهرم. ضعفاً: ضعف الكبر يسري أو يصيب كلَّ الأطراف وشيبه، والشيب هو بياض الشعر، ضعفاً يسري في كل الأعضاء؛ أي: يعيد الإنسان إلى الضعف كما بدأ.
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾: من ضعف وقوة، وشيبة وشيخوخة، وهلاك وموت. بحسب حكمته.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿الْعَلِيمُ﴾: بخلقه وبتدبير خلقه، العليم بما يجري من تحوّل وتغيّر في الخلق، ويعلم بواطن الأمور وظواهرها.
стр. 3973
﴿الْقَدِيرُ﴾: على ما يشاء لا يعجزه شيءٌ في الخلق والتصوير والإنشاء والإبداع، القادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء.
سورة الروم [٣٠: ٥٥]
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾:
المناسبة: بعد ذكر الدلائل على عظمته وقدرته ووحدانيته، وقدرته على البعث وتغيير الخلق، يذكر طرفاً مما سيحدث يوم القيامة.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: الساعة هي آخر ساعة من ساعات الدنيا ساعة تهدُّم النظام الكوني، وهي تقوم وتحدث بغتة ولا يعلمها إلا هو سبحانه، فلم يطلعها على ملكٍ ولا رسول؛ أي: زمن قيامها.
﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾: يقسم الكافرون أو المشركون أو العاصون. المجرمون: جمع مجرم، وأجرم فلان؛ أي: أذنب وخالف القانون، والفعل الّذي قام به يسمى جريمة. ارجع إلى سورة الأنفال آية (٨) للمزيد في معنى المجرمون. والقسم في القرآن يأتي في سياق الصدق، أما الحلف في القرآن فيأتي في سياق الكذب؛ أي: حين يرون أحداث الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة.
﴿مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾: أي يقسموا ما لبثوا أو مكثوا طويلاً في الدّنيا غير ساعة: فقط ساعة، أو قيل: في قبورهم، وهو قسم صادق؛ لأنهم صادقون في شعورهم. ما لبثوا: ما: النّافية، واللبث يدل على الإقامة المحددة بزمن معين، (غير ساعة) غير: تفيد الاستثناء، و (الساعة) تعني: مقدار ساعة من ساعات اليوم؛
стр. 3974
أي: (٦٠) دقيقة مقارنة بالآخرة، ورغم كونها ساعة لم يستفيدوا منها وينقذوا أنفسهم من جحيم الآخرة.
﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾: أي: مثل ذلك، أو كذلك؛ أي: كهذا الكذب؛ أي قولهم: (ما لبثوا غير ساعة) كانوا يؤفكون في الدّنيا: يصرفون عن الحق، ويكذبون بالرسل وبآيات ربهم، وبالبعث والحساب والجزاء، والإفك: هو الكذب المتعمد، أو قلب الحقيقة أو الصرف عن حقيقة الشيء.
سورة الروم [٣٠: ٥٦]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾:
وقال الّذين أوتوا العلم والإيمان لهؤلاء المجرمين الّذين أقسموا ما لبثوا غير ساعة.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾: الّذين أوتوا العلم في جميع القرآن فيها ثناء حسن لهم. قيل: هم الملائكة الّذين شهدوا ما حدث، والأنبياء والرسل والمؤمنون المتقون من الإنس الّذين أوتوا العلم: علوم الدين. وقيل: هم العلماء المتقون حقاً: الذين قرنوا العلم والدين معاً.
هذا هو جواب الّذين أوتوا العلم للمجرمين:
﴿لَقَدْ﴾: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق.
﴿لَبِثْتُمْ﴾: اللبث هو الإقامة المحددة بزمن معيَّن ولو كان طويلاً، الإقامة الطويلة.
стр. 3975
﴿فِى كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾: أي لقد لبثتم في الدّنيا أو في القبور، أو ما بين النفختين ما كتبه الله لكم في اللوح المحفوظ، وكما سبق علمه أو حكمه تعالى.
هذا هو جواب الّذين أتوا العلم للذين أجرموا.
﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: (فهذا) الفاء: للتوكيد، هذا: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة تشير إلى يوم البعث. يوم البعث: الّذي كنتم تكذبون به وتنكرونه، (ولكنكم كنتم لا تعلمون): بعد أن أتى الله لكم بالبينات والحجج والبراهين التي كان عليكم الأخذ بها وتدبُّرها، ولكنكم لم تصدّقوا بها، فهذا يوم البعث الّذي لم تصدّقوا به وتعلموا أنه كائن.
سورة الروم [٣٠: ٥٧]
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾:
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾: أي يوم القيامة أو قيام الساعة.
﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: لا النّافية، ينفع الّذين ظلموا: أشركوا أو كفروا وظلموا أنفسهم أو غيرهم، أو كذبوا الرّسل والبعث والحساب.
﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾: أي لا يقبل لهم عذر ولا توبة ولا حجة.
﴿وَلَا هُمْ﴾: لا النّافية، تكرارها يفيد توكيد النّفي، هم: للتوكيد، يستعتبون: من العتاب: وهو حوار بين اثنين أو أكثر بسبب تضييع حق من الحقوق يستعتب أحدهما الآخر فأعتبه؛ أي: استرضاه بما لديه من عذر أو قول أو حجة فأرضاه.
﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾: أي لم يطلبوا العُتبى بأنفسهم وإنّما طلبوا من غيرهم أن
стр. 3976
يطلب لهم؛ حتى يؤذن لهم بالعتاب. ولم يجرؤ أحدٌ أن يطلب لهم ذلك وقد وردت يُستعتبون في ثلاث آيات، ووردت كلمة يَستعتبون بفتح الياء: أي طلبوا العتاب بأنفسهم ولم يسمح لهم ذلك. وقال ابن عباس: لا يقبل من الذين أشركوا عُذر ولا توبة.
سورة الروم [٣٠: ٥٨]
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، وقد: للتحقيق.
﴿ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾: الضرب يعني الصّوغ والتبيين والتمثيل، والضرب فيه معنى التأثير والتهييج للنفوس، وضرب أذن السامع، أو قرع أذنه بالأمثال المختلفة. للناس: اللام لام الاختصاص. النّاس: الإنس والجن والمؤمن والكافر، والناس مشتقة من: النَّوس: الحركة. ارجع إلى الآية (٢٨) من السّورة نفسها.
﴿فِى هَذَا﴾: في: ظرفية، هذا: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة تشير إلى القرآن الكريم.
﴿الْقُرْآنِ﴾: سمّي قرآناً؛ لأنه مقروءٌ. ارجع إلى سورة الحجر آية (١) لمزيد من البيان في معنى القرآن.
﴿مِنْ﴾: استغراقية، ﴿كُلِّ﴾: للتوكيد، ﴿مَثَلٍ﴾: هو قول موجز يراد به مقارنة شيء معنوي بشيء حسي، أو المقارنة والموازنة بين أمرين، أو تشبيه حال
стр. 3977
بحال أخرى؛ أي: ضربنا لهم أمثلة عديدة على التوحيد والبعث وصدق الرّسل والشرك. والمثل يضرب لإزالة أي غموض أو جهل.
﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُم بِآيَةٍ﴾: اللام للتوكيد، إن: شرطية. جئتهم بآية: من آيات القرآن، أو تلوت عليهم آية من آيات القرآن، أو الآيات المعجزات، أو الكونية، أو الدلائل، أو البينات.
﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: اللام والنون في (ليقولن) للتوكيد.
﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾: إن نافية، أشد نفياً من ما، أنتم: أيها المؤمنون وتشمل الرسول ﷺ والمؤمنين معاً، أو الرسول وأتباعه؛ أي: أنت مبطل وأتباعك. إلا: تفيد الحصر، مبطلون: أهل باطل فليس هناك دين حق وبعث وحساب. أو كاذبون والباطل: الشيء الّذي لا وجود له. أو الذاهب؛ أي: الزائل كالزَّبد الّذي يحمله السيل فيذهب جفاء، الرعد آية (١٧).
سورة الروم [٣٠: ٥٩]
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿كَذَلِكَ﴾: أي مثل ما يطبع الله على قلوب الّذين كفروا الّذين لا يصدّقون بأيِّ آية تأتيهم أو مثلٍ يُضرب لهم.
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: نتيجة جهلهم وتقصيرهم في تعلُّم التوحيد والبعث، وغفلتهم وعدم النظر في آيات الله والأدلة الكونية الدّالة على وجوده وقدرته، والطبع أشد من الختم، والطبع على القلوب؛ يعني: لا يدخلها إيمان ولا يخرج منها كفر. وقوله كذلك يطبع الله على قلوب، ولم يقل كذلك يُطبع على قلوب تدل على شدة التوبيخ والطبع.
стр. 3978
سورة الروم [٣٠: ٦٠]
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾:
﴿فَاصْبِرْ﴾: الفاء: للتوكيد، اصبر على أذى كفار مكة وتكذيبهم وكيدهم، اصبر على دعوتك إياهم.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١] ﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وعد الله حق: ثابت لا يتغير، ولابد من إنجازه والوفاء به.
﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾: لا النّاهية، يستخفنّك: النون للتوكيد، (يستخفنك) من: استخفّ فلانٌ فلاناً: استجهله، ظنّ به طيشاً وقصوراً عقلياً يؤدي إلى الغضب، وترك العمل أو الرسالة والدعوة والتبليغ، وترك الحلم والثبات. الّذين لا يوقنون: لا يوقنون بالبعث والحساب، والجزاء والآخرة؛ أي: لا يعلمون الحق، أو الشّاكّون الضّالّون. اليقين هو: العلم بأنّه لا يكون غيره، واليقين درجات: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لمزيد من بيان معنى اليقين.
стр. 3979
سورة لقمان [٣١: ١]
سورة لقمان
ترتيبها في القرآن (٣١)، وترتيبها في النّزول (٥٧).
﴿الم﴾:
ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة؛ للبيان.
سورة لقمان [٣١: ٢]
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾:
﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة يشير إلى الآيات التالية أو السّابقة، أو آيات القرآن عامة، اللام للبعد والكاف للخطاب، ولام البعد تشير إلى علوِّ منزلة هذه الآيات وقدرها.
﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: جمع آية؛ وتعني: آيات الكتاب (القرآن) وسمي الكتاب؛ لأنه مكتوب في السطور وجاء معرفاً بأل التعريف للدلالة على الكمال. ولمزيد من البيان ارجع إلى الآية (٢) من سورة البقرة.
﴿الْحَكِيمِ﴾: مشتقة من الحكمة والحكم، صيغة مبالغة.
الحكيم: ذو الحكمة والموصوف بالحكمة.
والحكيم: أي الحاكم غيره؛ أي: مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فهو الحاكم على الكتب السّابقة.
والحكيم: المحكم؛ من الإحكام: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير). ارجع إلى سورة يونس آية (١) لمزيد من البيان.
стр. 3980
سورة لقمان [٣١: ٣]
﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾:
﴿هُدًى﴾: أي تلك الآيات هي الهدى أو مصدر الهداية، أو الهادية للحق وللصراط المستقيم (الإسلام) وللغاية؛ وهي سعادة الدارين.
﴿وَرَحْمَةً﴾: الرّحمة لغة: هي رقة القلب وعطفه.
فالآيات هي إنعام وفضل ورحمة من الرب على عباده؛ لتجلب لهم كل خير، وتدفع عنهم كل ضر، فهي وقاية لهم من الضلال والشك والمعاصي.
﴿لِّلْمُحْسِنِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، المحسنين: الّذين وصفتهم الآية التالية لهذه الآية: الّذين يقيمون الصّلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون.
المحسنون: أعلى درجة من المتقين، فالمحسن هو المتقي الّذي لم يقتصر أثر إيمانه وتقواه على نفسه بل تعدى إلى غيره من النّاس ووصل إحسانه إلى غيره، وأحسن في إيمانه بالإخلاص والتوحيد وأحسن في عبادته إحسان الكمّ والكيف؛ والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة لمزيد من البيان في معنى الإحسان.
هدى ورحمة للمحسنين. ارجع إلى الآية (٢) من سورة النّمل للمقارنة.
وإذا قارنّا هذه الآية (٣) من سورة لقمان وهي قوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾، وقوله تعالى في الآية (٢) من سورة البقرة: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، نرى زيادة كلمة (رحمة) في آية لقمان؛ لأن المحسنين أعلى درجة من المتقين فلما أحسنوا في عبادتهم، وإحسانهم تعدّاهم إلى غيرهم، زادهم الله تعالى رحمة.
سورة لقمان [٣١: ٤]
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾:
ارجع إلى الآية (٣) من سورة النّمل، وسورة البقرة آية (٤) لمزيد من البيان في معنى اليقين.
стр. 3981
سورة لقمان [٣١: ٥]
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
ارجع إلى الآية (٥) من سورة البقرة للبيان.
سورة لقمان [٣١: ٦]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾:
سبب النّزول: كما ذكر الواحدي في (أسباب النّزول) قيل: إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث الّذي كان تاجراً إلى فارس يشتري أخبار الأعاجم ويعود ويخبر بها قريشاً ويقول لهم: إن محمّداً يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم والأكاسرة، مما أدى إلى جذب طائفة من النّاس للاستماع له.
وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رجل اشترى جارية مغنية.
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: من ابتدائية بعضية؛ أي: من بعض النّاس أمثال النضر ابن الحارث.
﴿مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: كل ما يلهو به النّاس من الغناء والقصص والأساطير والخرافات، يشتري: من الشراء الّذي يدفع معه ثمن؛ أي: يشتري بماله.
واللهو: كل ما يشغل الإنسان عما يهمّه عن واجب أو عن شيء نافع.
﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: اللام لام التّعليل والتوكيد، ليضل عن سبيل الله: ليصرف أو يمنع النّاس من الدخول في الإسلام، مما يؤدي إلى ضلالهم وصدهم عن الحديث النافع.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: جهلاً منه وحماقةً، ويشتري أشياء بغير علم، (علم) نكرة؛ تعني أيَّ علم بالتجارة، ويشتري أشياء تخسر ولا تعود عليه حتى برأس ماله، ويشتري بغير علم ويضل بغير علم؛ لأنه جاهل أحمق.
стр. 3982
﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾: يتخذها؛ أي: الآيات أو السبيل؛ أي: الدين لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى﴾ [يوسف: ١٠٨]، (فهي مؤنثة) هزواً: أي يستخف بها أو يعيب عليها ويصغّر من قدرها.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أولئك: اسم إشارة للبعد، لهم: اللام لام الاختصاص أو الاستحقاق.
عذاب مهين: مصحوب بالإهانة والألم؛ لأنه سيكون أمام النّاس وفيه ذلة.
سورة لقمان [٣١: ٧]
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية شرطية، تدل على حتمية الحدوث وبكثرة.
﴿تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾: تُقرأ عليه آياتنا (آيات القرآن)، تتلى: من التلاوة؛ وهي القراءة المتتالية من كتاب الله. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٤٥).
﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾: أعرض عنها، مستكبراً عن قبول الحق والإذعان لله بالعبادة، وتعود على الّذي يشتري لهو الحديث.
وقال مستكبراً لا يريد سماع آيات الله كفراً وتكبراً، ولم يقل متكبراً؛ لأن مستكبراً ليس عنده مقومات الكبر مثل الغنى والشرف، إذن استكباره باطل وليس له حق أن يتكبر كالفقير المستكبر.
﴿كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾: وقراً: ثقلاً في السمع يمنعه من السماع الجيد، أو ولّى مستكبراً مشبهاً من في أذنيه وقر، ولم يقل صمم؛ لأن الصمم يدل على عدم السماع بشكل مطلق، وهو كان يسمعها ويتخذها هزواً.
﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ونحن نعلم أن البشارة تكون عادة في الخير، والإخبار بشيء سار، والفاء تدل على التّوكيد. وأما البشارة بعذاب أليم تعني: التهكم والسخرية منه.
стр. 3983
وفي هذه الآية قال: عذاب أليم، وفي الآية السّابقة: عذاب مهين، وهذا ليس فيه تعارض مرة يكون عذاباً مهيناً أمام النّاس وفيه مذلة ومرة أليماً فيه ألم شديد وليس أمام النّاس وعلى مرآهم.
ولا بد من مقارنة آية لقمان هذه وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ مع الآية (٨) من سورة الجاثية وهي قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
ليس المستمع واحداً، في آية لقمان يسمع كأن لم يسمع كأن في أذنيه وقراً، بينما في آية الجاثية يسمع كأن لم يسمع ولم يقل في أذنيه وقراً.
لأن في الجاثية قال: يصر مستكبراً (أي على عدم التراجع أو الاستماع) فهذه تعادل أو تساوي كمن في أذنيه وقراً، فصار أحد اللفظين يُغني عن الآخر.
سورة لقمان [٣١: ٨]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾:
مقابل الّذين يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله هناك الّذين آمنوا وعملوا الصالحات.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: إن للتوكيد، الّذين اسم موصول.
﴿آمَنُوا﴾: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الفرائض والنوافل، وغيرها من شعب الإيمان والأعمال الصالحة؛ أي: قرنوا الإيمان بالعمل الصالح، فأحدهما لا يكفي ولا بدّ من الآخر.
﴿لَهُمْ﴾: اللام للاختصاص والاستحقاق.
﴿جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾: جنات: حدائق وبساتين في الجنة وتسمى جنات النعيم،
стр. 3984
النعيم الدائم الّذي لا ينقطع أو ينقص. ارجع إلى سورة يونس آية (٩) لبيان جنات النعيم.
سورة لقمان [٣١: ٩]
﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
﴿خَالِدِينَ﴾: من الخلود وهو البقاء الدائم المستمر إلى ما لا نهاية، ويبدأ من زمن دخولهم الجنات.
﴿فِيهَا﴾: في جنات النعيم، فيها: ظرفية مكانية.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾: مصدران مؤكدان. والوعد في القرآن الكريم للخير والشر، وإذا أطلق اختص بالخير والوعيد يكون في الشر.
حقاً: من الحق: الأمر الثابت الّذي لا يتغير؛ أي: وعداً ثابتاً لا يتغير من الله العزيز الحكيم الّذي يملك كل أسباب الوفاء.
﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي الّذي يَقهر ولا يُقهر ويَغلب ولا يُغلب، والممتنع لا يضرّه أحد من عباده.
﴿الْحَكِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (٢٧) من سورة الروم.
سورة لقمان [٣١: ١٠]
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾:
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾: خلق السّموات: ارجع إلى سورة الأنبياء آية (٣٠)، وسورة فصلت آية (١٠ - ١١): لمعرفة معنى الخلق.
ورفعها بغير عمد ترونها. العمد: الدعامة أو العواميد.
فالسموات مرفوعة بعمد؛ أي: لها عمد ولكن لا نراها، فالمنفي هنا الرؤية وليس العمد، والقول: ليس لها عمد على الإطلاق؛ أي: مرفوعة بلا عمد: غير صحيح.
стр. 3985
والعمد هي القوى التي تمسكها وهي:
١ - القوى النووية الشديدة.
٢ - القوى النووية الضعيفة.
٣ - القوى الكهربائية المغناطيسية (الكهرومغناطيسية).
٤ - قوى الجاذبية وهي أضعف القوى المعروفة وتساوي (١٠ - ٣٩) من القوة النووية الشديدة.
ويجب أن نفرق بين قوة الجاذبية: وهي قوة الجذب للمادة الموجودة في تركيب جسم ما، وبين موجات الجاذبية الصادرة عن قوى خارجية صادرة عن الأجرام السماوية الأخرى. ارجع إلى سورة الرعد آية (٢) لمزيد من البيان.
﴿وَأَلْقَى فِى الْأَرْضِ رَوَاسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: ألقى في الأرض رواسي (جبال) تشكلت من مكونات المواد البركانية التي سقطت على الأرض، فالرواسي تشمل الجبال والألواح القارية في عمق البحار، والمعادن الصلبة كالحديد في باطن الأرض، وهناك فرق بين (ألقى) و (جعل) فيها رواسي: ألقى يدل على أن الجبال تشكلت مما يخرج من باطن الأرض من الحمم البركانية، والجعل يشير إلى الألواح القارية والمواد الصلبة المكونة لباطن الأرض.
﴿أَنْ﴾: تعليلية.
﴿تَمِيدَ بِكُمْ﴾: تضطرب بكم وتتحرك وتهتز؛ أي: لئلا تَميد بكم، أو كراهة أن تميد بكم وتحدث الزلازل والبراكين.
وفي هذه الآية قال تعالى: ﴿تَمِيدَ بِكُمْ﴾، وفي سورة النّحل آية (١٥): ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، أما في سورة الأنبياء آية (٣١) قال تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾.
والفرق بين الآيتين: يستعمل الله سبحانه ﴿تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في سياق ذكر نِعم الله تعالى على عباده.
стр. 3986
ويستعمل ﴿تَمِيدَ بِهِمْ﴾ في سياق تبيان عظمته وقدرته سبحانه.
﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾: البث: النَّشر فيها (في الأرض)؛ من: استغراقية، والدابة: كل ما يدبّ على الأرض؛ أي: يمشي على الأرض من الحيوانات عامة والثقلين الإنس والجن؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (١٦٤)، والعنكبوت آية (٦٠) لبيان معنى دابة.
﴿مِنْ﴾: استغراقية تستغرق كل دابة، وأحياناً قالوا: الدابة تشمل الإنسان والجن والحيوان. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٦٠) لبيان معنى دابة.
وهذا البث والنَّشر آية من آيات الله تعالى، فكل دابة موزعة على سطح وباطن الأرض تشكل أمماً أمثالنا.
﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾: بعد أن ذكر وألقى وبثّ قال: وأنزلنا.
﴿وَأَنزَلْنَا﴾: ولم يقل وأنزل، أسند الإنزال إليه سبحانه واستعمل ضمير التعظيم.
﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: من السماء من السُّحب الرُّكامية، ماءً: ماء المطر، والسماء تعريفها: كل ما يعلوا الإنسان فالسماء تعني: السحب.
﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا﴾: في الأرض. أنبتنا: للتعظيم، أو الجمع، وتعني: مشاركة الإنسان في عملية الإنبات، والزرع والحرث وغيرها.
﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾: من استغراقية، كل زوج كريم، زوج: صنف.
زوج كريم: البالغ في الجودة الكثيرة والخير والنفع، كثير النفع.
وحين يتحدث عن البهجة والسرور على نفس الناظر يقول زوج بهيج. ارجع إلى سورة الشعراء آية (٧) للبيان المفصل في معنى زوج كريم وزوج بهيج.
стр. 3987
سورة لقمان [٣١: ١١]
﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
الخطاب موجَّهٌ للجاحدين بآيات الله الكونية التي ذكرت سابقاً، خلق السّموات بغير عمد، الرواسي، بثَّ فيها من كل دابة، إنزال الماء وأنبتنا فيها من كل زوج كريم، وغيرها من الآيات.
﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾: أي هذا ما خلق الله وحده وليس معه شريك، أو هذه مخلوقات الله تعالى، أو صنع الله تعالى المتقن العجيب المتعدد.
﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾: تسع كلَّ الخلق، و ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة للتقريب.
﴿فَأَرُونِى مَاذَا﴾: ماذا: قد تكون كلمة واحدة، أو تتركب من ما: الاستفهامية، وذا: اسم إشارة، أو ما الاستفهامية، وذا اسم موصول بمعنى الذي.
﴿خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: أي: أروني الذي خلقه الذين تزعمون من دونه أنهم شركاء لله.
﴿بَلِ﴾: للإضراب الانتقالي.
﴿الظَّالِمُونَ﴾: المشركون، والظلم: هو الشّرك، فحين يُعبد ما لا يستحق العبادة يعتبر ظلماً وإهانة للنفس، والظلم هو الخروج عن منهج الله تعالى.
﴿فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: مبين: ظاهر وواضح لكل فرد ولا يحتاج إلى أحد ليظهره، فهو ضلال ظاهر واضح بنفسه.
стр. 3988
سورة لقمان [٣١: ١٢]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق والتوكيد.
﴿آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾: الإيتاء هو العطاء بدون تملك؛ أي: يمكن استرداد ما أُعطي، والإيتاء يشمل الأشياء المادية والحسية والمعنوية، فهو أعم من العطاء. والإيتاء قد يكون بشكل خفي، والإيتاء هنا في هذه الآية يعني: الإلهام.
أو آتيناه الحكمة، وكما قال سبحانه: ﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
﴿لُقْمَانَ﴾: اختلف المفسرون فيه؛ فمنهم من قال: لقمان بن ثادان رجل صالح، كان حكيماً، أعطاه الله الحكمة، عاصر داود، وقيل: أخذ عنه العلم، ولم يكن نبياً في أكثر الروايات، وقيل: كان حبشياً، أو من سودان مصر.
وليس هناك سند صحيح يدل على نبوته.
﴿الْحِكْمَةَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٦٩) من سورة البقرة لبيان معنى الحكمة. وقيل: هي إحسان القول وإحسان العمل معاً، أو توفيق القول بالعمل.
﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾: أن: تعليلية أو تفسيرية للحكمة؛ وتعني:
آتيناه الحكمة ووصيناهُ بالشكر لله.
أو آتيناه الحكمة أن اشكر لله؛ أي: من الحكمة أن تشكر الله.
стр. 3989
أو آتيناه الحكمة أن اشكر لله لما آتاك من الحكمة.
انتبه إلى قوله تعالى: آتينا، أن اشكر لله، آتينا: جاءت بصيغة الجمع والتعظيم، أن اشكر لله بصيغة الإفراد؛ للدلالة على التوحيد.
أن اشكر لله: أي اشكر الله وحده بإخلاص بلا شرك، أو شكراً خالصاً لوجهه، وشكر الله نصف الإيمان، والشكر نوع من العبادة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، والشكر أخص من الحمد فالحمد أوسع من الشكر وأعم؛ أي: احمده على إنعامه لك وإنعامه لغيرك.
والشكر خاص بالإنعام الّذي وصل لك وحدك.
الحمد لله: تعني هو المحمود على الإطلاق مني ومن غيري.
وكلمة الحمد تحمل في طياتها التعظيم والمحبة.
﴿وَمَنْ يَشْكُرْ﴾: الواو استئنافية، من: شرطية، يشكر: جاءت بصيغة الفعل المضارع؛ لتدل على التجدد والتكرار لأن الشكر يجب أن يتكرر؛ أي: يتجدد على مر الزّمن من العبد؛ لأن كل نعمة يجب أن يشكر العبد ربه عليها سواء كانت نعمة ظاهرة أو خفية أو ابتلاءً بالشر أو الخير.
﴿يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾: أي فائدة شكره تعود عليه وليس على الله سبحانه؛ لأن الله غني عن العالمين وعن شكرهم، وقال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] فكلما شكرته زادك.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: الواو استئنافية، من: شرطية، كفر: جاءت بصيغة الماضي وليس بصيغة المضارع كقوله: ومن يكفر؛ لأن المفروض أن الكفر لا يتجدد ولا يعود ولا يتكرر أبداً ولذلك قال تعالى: ومن كفر، بعكس الشكر.
стр. 3990
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء رابطة للجواب، إن: للتوكيد.
﴿غَنِىٌّ﴾: عن خلقه وعن شكرهم وحمدهم وعبادتهم.
﴿حَمِيدٌ﴾: صيغة مبالغة على وزن فعيل، أبلغ من محمود على وزن مفعول.
محمود في ذاته قبل أن يوجد من يحمده من خلقه؛ لأنه يستحق الحمد على كل شيء، حميد على الدوام، حميد من خلقه.
غني حميد: يدل على الكمال؛ لاجتماع الغنى والحمد، فقد يكون غنياً وغير حميد أو حميداً وغير غني.
ولو قارنّا هذه الآية من سورة لقمان: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ مع الآية (٨) من سورة إبراهيم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾، نجد زيادة اللام في آية سورة إبراهيم: ﴿لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ والتي تدل على التّوكيد؛ لأن آية سورة إبراهيم فيها: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ومن هذه استغراقية؛ تعني: كل كفار الأرض، وقال: (جميعاً) توكيداً، لذلك أكَّد مقابل ذلك بقوله: ﴿لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾.
وقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾: بصيغة المضارع التي تدل على تجدد كفرهم وتكراره، فسبحانه أبداً (لغني حميد) ولو كفر كل أهل الأرض جميعاً وتجدد كفرهم واستمر.
أما الاختلاف بين آية النّمل (٤٠)، وآية لقمان (١٢):
آية النّمل: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾: ومن شكر (مرة واحدة) فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم.
стр. 3991
آية لقمان: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾: ومن يشكر (يتكرر شكره) فإن الله غني حميد.
فيكون المعنى بأنّ الله غني عن خلقه وعن شكرهم وحمدهم سواء كان مرة واحدة أو تجدد وتكرر
ربي كريم: لا يتوقف عن إعطاء الكافر والمؤمن في الدنيا، ومن شكر ومن لم يشكر.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾: حميد يستمر حمده وثناؤه رغم انقطاع حمد عبده أو عباده أو شكره أو شكرهم جميعاً.
لنقارن هذه الآيات الثلاث التالية:
سورة الروم آية (٤٤): ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾
سورة لقمان آية (١٢): ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾
سورة النّمل آية (٤٠): ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾.
ـ في سورة الروم: قدّم الكفر وأخّر العمل الصالح وذكر عاقبة كلٍّ من الفريقين بقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ وذكر الفعلين الكفر والعمل الصالح بصيغة الماضي.
ـ في سورة لقمان: قدّم الشكر على الكفر وجاء بصيغة المضارع: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ﴾ وبصيغة الماضي للكفر: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فإن الله غني عن العالمين.
стр. 3992
ـ في سورة النّمل: قدّم الشكر على الكفر وجاء بصيغة المضارع للشكر: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ﴾ وبصيغة الماضي للكفر: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فإن ربي غني كريم.
هذه الاختلافات يمكن إيضاحها:
١ - بأن فعل الشكر ينبغي أن يتجدد ويتكرر من العبد فلذلك يجيء به بصيغة المضارع التي تدل على التجدد والتكرار، أما الكفر ينبغي ألا يتجدد أو يتكرر من العبد ولذلك جاء به بصيغة الماضي.
٢ - في سورة لقمان، لقمان الّذي يتكلم، وهو رجل حكيم، طبعاً يبدأ بالشكر، وكذلك في سورة النّمل: سليمان ﵇ الّذي يتكلم وهو قد آتاه الله من الملك ما لم يؤت أحداً من العالمين، فكان عليه أن يبدأ بالشكر، وآية سليمان ولقمان في سياق الدنيا.
أما في سورة الروم السياق هو في الآخرة؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾. من كفر (في الدنيا)، ومن عمل صالحاً (في الدنيا).
إذن السياق في الآخرة فجاء بصيغة الماضي في كليهما.
سورة لقمان [٣١: ١٣]
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: ظرفية بمعنى: حين، أو: واذكر إذ قال لقمان.
﴿قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾: من الوعظ: وهو النصح والتذكير بما يُليّن القلب ويرشد إلى العمل الصالح والخير، ويتضمن النهي والتحذير والبعد عن الشر.
﴿وَهُوَ﴾: الواو إما حالية؛ وتعني: إذا قال لقمان لابنه واعظاً إياه.
стр. 3993
أو استئنافية وتعني: إذ قال لقمان كما يعظه في كل مرة.
﴿يَابُنَىَّ﴾: يا النداء، بُنيّ: تدل على التصغير والمحبة وإضافته إلى نفسه: (يا بُنيَّ) من باب حنان الأب لابنه، وليثير ويحرك مشاعر ابنه حتى يتبع ما يأمره أو ينهاه عنه.
﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾: لا النّاهية، تشرك بالله: بدأ بالتوحيد؛ لأن التوحيد أساس الإيمان، لا تشرك بالله مهما كان صغيراً أو كبيراً، ومهما كان نوعه، والباء للإلصاق والاستمرار.
﴿إِنَّ الشِّرْكَ﴾: إن للتوكيد، الشّرك بالله مثل عبادة الأصنام أو الآلهة، أو الأولياء والملائكة وعيسى والعزير، أو الشّمس أو القمر.
﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾: اللام للتوكيد والتعليل، عظيم للنفس؛ لأنه سيورد صاحبه التهلكة ويحبط كل عمله الصالح، عظيم: من أعظم أنواع الظلم لا ظلم أشد منه.
سورة لقمان [٣١: ١٤]
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوَالِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾:
قال مقاتل: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٨) لمعرفة أسباب النزول.
﴿وَوَصَّيْنَا﴾: بدلاً من: ووصى لقمان ابنه.
أراد ربنا أن يوصي بالوالدين بنفسه هذه الوصية لكل إنسان، وهذا يدل على أهمية هذه الوصية وعظيم شأنها.
стр. 3994
﴿وَوَصَّيْنَا﴾: عهدنا فيها معنى التكليف والإلزام، وهي بصيغة الجمع والتعظيم.
وصّينا بالتشديد، ولم يقل وأوصينا، ووصّينا من فعل وصّى؛ للمبالغة في الوصية فيها حثٌّ واهتمام وتوكيد من فعل أوصى بمعنى: طلب منه؛ أي: ترك له وصية، فأوصى تستعمل في الأمور المادية.
وصية في أمور الدين مثل التوحيد والإحسان إلى الوالدين، وفيها تكليف، بينما أوصينا بدون تشديد وتستعمل غالباً في المواريث كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَادِكُمْ﴾ [النّساء: ١١]؛ ارجع إلى سورة النساء آية (١١) لمزيد من البيان في أوصينا ووصينا. وإدراج الوصية بالإحسان للوالدين بعد النهي عن الشّرك في كثير من الآيات يدل على أهمية الإحسان إلى الوالدين وصلة الرحم. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٨) لمزيد من البيان، والمقارنة، وتكررت آية ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ في ثلاث آيات هي: سورة العنكبوت آية (٨)، ولقمان آية (١٤)، والأحقاف آية (١٥)، واقترنت بالوالدين إحساناً بعبادة الله في أربع آيات: في سورة البقرة آية (٨٣) وهي قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وفي سورة النساء آية (٣٦) وهي قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وفي سورة الأنعام آية (١٥١) وهي قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وفي سورة الإسراء آية (٢٣) وهي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
﴿بِوَالِدَيْهِ﴾: الباء للإلصاق؛ أي: دائماً وبشكل مستمر.
بوالديه: مشتقة من الولادة؛ أي: اللذين ولداه وللتذكير بحسن الصحبة التي تكون للوالدة غالباً، ولم يقل بأبويه؛ لأن الأبوين قد تطلق على الأبوين من
стр. 3995
التربية أو تطلق على الجد أو على العم، وكلمة الأبوين تستعمل في المواريث مثلاً وغيرها.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾: لم يذكر في هذه الآية ووصّينا الإنسان بوالديه إحساناً أو حسناً وحذف (كلاهما) لأنه سيذكر بعد قليل: (أن اشكر لي ولوالديك) والشكر يدل على الإحسان أو يقوم مقام الإحسان.
﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾: الوهن هو الضعف، هو يعني: وهن مستمر، وهن الحمل الّذي يستمر حتى الولادة فكلما نما الجنين وكبر استمد من أمه ما يحتاجه للنمو وشاركها في غذائها وما تصاب به من تعب وإعياء واختلاطات الحمل وهكذا حتى يولد، وبعد الولادة يأتي وهن الرضاعة والسهر عليه وتربيته، وهكذا وهن على وهن.
وفي آية الأحقاف (١٥) قال: (حملته كرهاً ووضعته كرهاً). ارجع لآية الأحقاف للبيان.
﴿وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ﴾: أي فطامه في عامين (٢٤ شهراً). ولم يقل سنتين، لأن القرآن يستعمل العام في سياق الخير والبركة، والسنة تستعمل للشدة والضيق، وفي آية الأحقاف (١٥) قال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾.
فإذا طرحنا (٢٤) شهراً من ثلاثين شهراً يكون الفرق بينهما (٦) أشهر وهذا يدل على أن الجنين قابل للحياة بعد (٦) أشهر فقط من الحمل. ويحتاج طبعاً إلى المساعدة والرعاية الطبية الخاصة، وهذا من بينات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الدالة على أن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى.
﴿وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ﴾: في ظرفية؛ تعني: في يد الأم فقد يحدث الفطام أو الفصال قبل عامين، ولم يذكر مدة الحمل؛ لأن ذلك ليس بيدها فقد تزيد أو
следующие страницы →